.. الله تعالى للجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ
أَشَاءُ» ،
ولكن يُرَاد بالرحمة معنًى آخر؛ وهي فعل الله بالعبد؛ أي رحمتُه للعبد، فأيُّهما
أولى في هذه الآية؟
طالب: (...) الرحمة بمعنى
الجنة.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: يَحْذَرُ الْآخِرَةَ [الزمر: ٩] أي: يحذر عذاب الآخرة، ويرجو رحمة الله؛ يعني يحذر النار ويرجو الجنة.
الشيخ: إي نعم، هذا ما ذهب إليه المؤلف.
لكن لماذا لا نقول:
يرجو أن يرحمه الله، ويكون المراد بالرحمة هنا رحمة الله التي هي فِعْلُه؛ يعني
يرجو أن يرحمه اللهُ بالأمرين؛ بالنجاة من النار وبدخول الجنة، هذا المعنى أحسن؛
لأن المتبادر في الغالب لمعنى الرحمة أن تكون فعل الله؛ يعني أن الله
يرحمك.
وأيضًا إذا قلنا: (رحمة الله) صار يرجو أن ينجو من النار أو من عذاب
الآخرة وأن يفوز بالجنة.
وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ [الزمر: ٩] قال: (كمَن هو عاصٍ بالكفر أو غيره).
أفادنا المؤلف رحمه الله
بهذا التقدير أن الآية يُبَيِّنُ الله فيها أنه لا يستوي هذا وهذا، هل يستوي مَن هو
قانت آناءَ الليل ساجِدًا وقائمًا كمن هو عاصٍ بالكفر وغيرِه؟
الجواب: لا. وهذا
مِن بلاغة القرآن؛ القرآن فيه أشياء كثيرة تُحذَف لدلالة المذكور على المحذوف، وهذا
مِن البلاغة، كيف يكون من البلاغة؟ لأنه إذا حُذِفَ الشيء استفاد المخاطَب
فائدتين:
الفائدة الأولى: اختصار الكلام.
الفائدة الثانية: قوة الانتباه؛
لأنَّ الآية إذا كان فيها شيء محذوف فإنَّ الذهن يتطلع إلى هذا الشيء المحذوف، فتجد
الإنسان يتوقف يفكر يتأمل؛ ما الذي حُذِف؟ وما تقديره؟ لكن لو جاء الكلامُ مرسلًا
هكذا لم يحصُل له هذا التوقف وهذا التفكير، أنت الآن لو قرأت الآية الكريمة: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ [الزمر: ٩] لوجدت نفسك متشوِّفًا إلى أيش؟ إلى شيءٍ آخَر، الكلام ما تم، لا بد أن
هناك شيئًا آخر، وحينئِذٍ يشتَدُّ انتباهك وتزدادُ تأمُّلًا في المعنى، فصار وجهُ
البلاغة؟
طالب: (...).
الشيخ: يعني الاختصار، والثاني؟
الطالب: التركيز.
الشيخ: أيش
التركيز؟
طالب: شد الانتباه.
الشيخ: إي، شدة الانتباه، كيف؟ الأول فهمنا الاختصار واضح؛ أن
حذْف الشيء من الكلام يقتَضِي قلة الكلام واختصار الكلام، لكن الثاني؟
الطالب: لأنه إذا كانت العبارة قليلة كان أسهل (...) المخاطب
وأشد.
الشيخ: لا.
طالب:
أنَّه لما حذف (...)، إنما لو كان الكلام تامًّا (...) مرَّ عليه بدون ملاحظة
تامة.
الشيخ: لأن هذا المحذوف لا بد منه، فالإنسان
يتطلَّع ما هذا المحذوف؟ الكلام الآن ناقص؛ بمعنى أن الكلام يحتاج إلى شيء، فيتطلع
الإنسان إلى معرفة هذا الشيء، وحينئِذٍ يزدادُ في التدبر، فهذه من بلاغة القرآن؛
أعني أنه يُحذَف أحيانًا، يحذِف الله عز وجل أشياء يحتاج المخاطب إليها مِن أجل هذه
الفائدة، بل من أجل هاتين الفائدتين.
قال المؤلف رحمه الله: (وفي قراءَةٍ
{أَمْ مَنْ}) ويش تزيد هذه القراءة عن الأولى؟
(أم).
وقول المؤلف: (في قراءة) من اصطلاح المؤلف رحمه الله أنه إذا قال:
في قراءة، أو قال: بفتح كذا وضم كذا، أو قال: بالتاء والياء؛ فالقراءة سبعية، وأما
إذا قال: وقرئ، أحيانًا يعَبِّر فيقول: وقرئ، فالقراءة شاذة غير سبعية، انتبهوا
لهذا الاصطلاح: إذا أتى بقراءتين متساويتين، مثل يقول: في قراءة، أو بالضم والفتح،
أو بالياء والتاء، وما أشبه ذلك من العبارات؛ فالقراءة سبعية، أما إذا قال: وقُرِئَ
-بصيغة المبني للمجهول- فالقراءَة شاذَّة.
بناءً على هذه القاعدة تكون القراءة
{أَمْ مَنْ}؟
طلبة:
سبعية.
الشيخ: سبعية؛ لأنه قال: (وفي قراءة {أَمْ مَنْ} فـ(أم) بمعنى (بل) والهمزة) أي: بل أَمَن هو،
بل أَمَن هو قانت آناءَ الليل، فتكون للإضراب. والإضراب هنا إبطالي أو
انتقالي؟
طالب: انتقالي.
الشيخ: انتقالي، مؤكد يا جماعة؟ مؤكَّد أنه إضراب انتقالي،
والفرق بين الإضراب الانتقالي والإضراب الإبطالي أنه في الإضراب الإبطالي يكون
الأول ملغًى، والعمدة على الثاني، وأما في الانتقالي فالأول باقٍ على ما هو عليه،
والثاني استئنافي لا علاقة له بالأول.
قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ [الزمر: ٩] (قل) مَن؟
يا محمد، أو قل يا مَن يصح منه الخطاب.
هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَاستفهام بمعنى النفي،
هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ؟
الجواب: لا، لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، وهذا
عامٌّ في كل علم، فلا يستوي العالم والجاهل، حتى في علم النِّجَارة والحِدَادَة
والكيمياء وغيرها لا يستوي الذي يعلم والذي لا يعلم، لكن هذا لا يقتضي أن يكون
العالم ممدوحًا؛ لأنَّ مِن العلوم مَن جهلُه خيرٌ مِن علمه، فإذا كان العلمُ
مذمومًا وقلنا: لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون صار غيرُ العالِم أفضل،
وإذا كان العِلْم ممدوحًا وقلنا: هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون صار
العالِم أفضل.
طيب إذا جاءت هذه الكلمة أو هذه الجملة في عِلْمِ
الشريعة؟
الطلبة: العالِم أفضل.
الشيخ: العالِم أفضل. في علم النحو؟
الطلبة: العالِم أفضل.
الشيخ: طيب،
في علم الكلام؟
الطلبة: الجاهل أفضل.
الشيخ: الجاهل أفضل نعم، كما قال بعض السلف: الجهلُ بالكلام
عِلْم؛ لأنَّ علمَ الكلام أدَّى بأصحابِه إلى مهالِك، حتى إن فَطَاحِل عُلمائهم
يتَمَنَّوْن وهم في سياق الموت أنهم ماتوا على دين العجائز، ودين العجائز أسلم وإن
كان جهلًا لكنَّه أسلم من عِلْمٍ يؤَدِّي بهم -والعياذ بالله- إلى الشك
والحيرة.
قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَوهذه مِن الآيات القليلة اللَّفظ الكثيرة
المعنى؛ لأنه يمكن أن تُطَبِّقَها على كل علمٍ. لكن هل هو هذا العلم محمود أو
مذموم؟ على حسب الحال.
(أي: لا يستويان كما لا يستوي العالم والجاهل) ويش
الكلام هذا؟ لو قال: العلم والجهل كان أوضح.
طالب: ما
ذكر يا شيخ، ما تكلم يا شيخ.
الشيخ: لا، لا بد يتكلم
عليه.
طالب: بس أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ.
قوله: (بتخفيف الميم) أي: فالهمزة للاستفهام الإنكاري،
كما سيشير له بقوله: (أي: لا يستويان)، و(مَن) اسم موصول بمعنى (الذي)
مبتدأٌ في محل رفْعٍ، خبرُه محذوف قَدَّرَه بقوله: (كمن هو عاصٍ).
وقوله: قَانِتٌجملة اسمية صلة الموصول، وقوله:
سَاجِدًا وَقَائِمًاحالان مِن قَانِتٌ.
وقوله: يَحْذَرُ الْآخِرَةَحال أخرى متداخلة أو مترادفة أو جملة استئنافية معترِضَة.
وقوله: (بمعنى بل) أي: التي للإضراب الانتقالي، و(الهمزة) أي:
التي للاستفهام الإنكاري، وعلى هذه القراءة تُرسَم ميمٌ في النون كرسمها على قراءة
التخفِيف، وهذا اتِّباعًا لخَط مصحف الإمام، كما يؤخذ من الجزرية وشرحِها
لشيخ الاسلام، وهذا بالنظر لرسم المصحف، وأما في غيرِه فتُرْسَم ميمُ (أم) مفصولةً
عن ميم (مَن)، كما في عبارة الشارح، و(مَن) على هذه القراءة مبتدأ أيضًا، والخبر
مقدَّرٌ كما تقدم في الإعراب بعينه على القراءتين لم يختلف.
وقوله: (أي: لا
يستويان) أي: القانت والعاصي، فهذا تفسيرٌ للنفي المستفاد من همزة الإنكار في
قوله: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ، سوَاءٌ مصَرَّح بها على
القراءة الأولى والتي في ضمن (أم) على الثانية.
وقوله: (كما لا يستوى العالم
والجاهل) تفسير لقوله: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَإلى آخره، والاستفهام فيه أيضًا إنكاري. انتهى.
وعبارة
السَّمِين: قوله: (أمن هو قانت) قرأ الحرمِيَّان نافع وابن كثير بتخفيف الميم،
والباقون بتشديدها، فأما الأولى ففيها وجهان:
أحدهما: أنها همزة الاستفهام دخلت
على (مَن) بمعنى (الذي)، والاستفهام للتقرير، ومقابله محذوف تقديره: أمن هو قانت
كمن جعل لله أندادًا، أو أمن هو قانت كغيرِه، أو التقدير: أهذا القانت خيرٌ أم
الكافر المخاطب بقوله: قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا [الزمر: ٨]، ويدل عليه: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ، فحَذَفَ خبرَ المبتدأ
وما يعادل المستفْهَمَ عنه، والتقدير: أن الأَوَّلَان أولى؛ لقلة الحذف، والثاني أي
تكون الهمزة للنداء، و(مَن) مُنَادَى، ويكون المنادَى هو النبي صلى الله عليه وسلم،
وهو المأمور بقوله: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ، كأنه قيل: يا مَن هو قانت قل: كيت وكيت. وأما القراءة الثانية
فهي (أم) داخلة على (مَن) الموصولة أيضًا، فأُدْغِمَتِ الميمُ في الميم.
وفي
(أم) حينئِذٍ قولان: أحدهما: أنها متَّصِلَة، ومعادِلُها محذوف تقديره: الكافر خيرٌ
أم الذي هو قانت؟
والثاني: أنها منقطعة، فتُقَدَّرُ بـ(بل) والهمزة؛ أي: بل
أَمَن هو قانِتٌ كغيره أو كالكافر المَقُولِ له تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ؟ انتهى.
طيب على كل حال، تبين لنا مِن هذا البحث أن قوله:
(لا يستويان) أي: القانِت والكافر، كما لا يستوي العالم والجاهل، فيكون
قوله: (لا يستَوِيان) ليس عائدًا على قوله: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ [الزمر: ٩]؛
عائِد على ما سبق، وهو أمَن هو قانت آناء الليل ساجِدًا وقائِمًا كمَن هو عَاصٍ لا
يَسْتَوِيَان كما لا يسْتَوِي الذين يعلمون والذين لا يعلمون.
طالب: (...)؟
الشيخ: الإنكار
والنَّفْي.
آنَاءَ اللَّيْلِيعني: ساعات الليل؛
لأَنَّه أحيانًا يُطْلَب مِن الإنسان أن يقوم كل الليل، كما في عشر رمضان الأخيرة؛
فإن السنة أن يُحْيِيَ الليل كله.
فلو قال: (في) لتعين أن يكون هناك متَّسَع،
فإذا قال: آنَاءَ اللَّيْلِشمل هذه وهذا.
طالب: ما نقول: إنه من باب الاستعداد للعبادة لو نام بنية قيام
الليل وهو يتوَضَّأ ويصلي (...)؟
الشيخ: ربما يكون، لكن
في بعض الأحيان قد لا يكون عملُه هذا اسْتَعْدَادًا للعبادة، قد يعمل أعمالًا لا
يستعد للعبادة، ولهذا ليس من المشروع أن الإنسان يقوم الليل كله في كل أحيانه، لكن
أحيانًا.
طالب: يا شيخ، ذكر أي لا يستويان العالم
(...)؟
الشيخ: يعني كأنَّ هذه الجملة صارت كالدليل
لِمَا سبقها؛ يعني كما أنه من المعلوم أنه لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون
فإنه لا يستوي القانت والعاصي.
ثم قال الله عز وجل: إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ(إنما) أداة حصر، والحصر هو إثبات الحكم
بالمحصور فيه ونفيُه عما سواه، فإذا قيل: إنما القائم زيد فهو كقولنا: لا قائم إلا
زيد.
إِنَّمَا يَتَذَكَّرُيقول المؤلف:
(يَتَّعِظ، أُولُو الْأَلْبَابِأصحاب
العقول)
(أصحاب) تفسير لـأُولُو، و(العقول)
تفسير لـالْأَلْبَابِجمع لُبٍّ وهو العقل؛ لأن الإنسان
بلا عَقْل قشور، ولا يكون إنسانًا حقيقةً إلا بالعقل، وعلى هذا فالكفار بجميع
أنواعهم قشور لا خيرَ فيهم؛ لأنهم ليسوا بعقلاء، كما قال الله تعالى: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ [البقرة: ١٧١]،
والعقل الذي يُحمَد فاعله هو عقْل الرُّشْد؛ أي الذي يحجِزُك عما يضرُّك، أما عقل
الإدراك فإنه يستوي فيه المحمود والمذموم، عقل الإدراك الذي يترَتَّب عليه التكليف،
وهو الذي يأتي في كلام الفقهاء يقولون: مِن شروط العبادة العَقْل، يعني عقل أيش؟
يعني عقْل الإدراك، أما عقل الرُّشْد الذي يحجِز صاحبه عما يضُرُّه فهذا لا علاقة
للتكليف به، بل إنما يقال: مَن حجَزَه عقلُه عما يضُرُّه فهو العاقل حقًّا، ومَن لا
فلا.
إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِأي:
ما يتذَكَّر إلَّا هؤلاء.
نأخذ فوائد الآية: من
قوله تعالى: وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُإلى آخره [الزمر: ٨].
من فوائد هذه الآية:
أن الكافر لا يعرف ربَّه إلا عند الضرورة؛ لقوله: إِذَا مَسَّه ضُرٌّ وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَإلى آخره.
ومن فوائدها: أن عبادة الضرورة لا تنفع غالبًا؛ أي أن
الإنسان إذا عرف ربه عند الضرورة فقط فالغالب أنه لا ينتفع بهذه العبادة؛ لأنها
ليست عبادةً عن رغبة ولكنها عبادة من أجل إنجاء الإنسان من الهَلَكة وإن كان
أحيانًا ينتفع، ربما يكون هذا سببًا لفتح الله عليه، كما يوجد الآن من الناس
-مثلًا- مَن يصاب بمرض شديد ويخاف منه الهلاك، فيُنِيب إلى الله عز وجل ويدعو الله
سبحانه وتعالى، ثم يمُنُّ الله عليه بالاستمرار، لكن الغالب أن التعبُّدَ ضرورةً لا
يفيد.
ومن فوائد هذه الآية: أن الكافر يؤمن بالله،
وأن إيمانه بالله لا يخرجه من الكفر؛ لقوله: دَعَا رَبَّهُ، فالإيمان بالله وبربوبيته لا يكفي ولا يُخرِج الإنسان من
الكفر.
ودليل ذلك أن المشركين الذين بُعِث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم
كانوا يُقِرُّون بالله؛ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف: ٨٧]، وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ [الزخرف: ٩] يعني: يقرُّون بأن الذي خلق هو الله
ويصفونه بالصفات الكاملة ومع ذلك فهم كفار استباح النبي صلى الله عليه وسلم دماءهم
ونساءهم وأموالهم وذريتهم.
وبه نعرف أن مَن قال عن النصارى: إنهم مؤمنون فهو
جاهل، بل إن كان عالِمًا بما يدل عليه الشرع مِن كفرهم فهو مرتدٌّ؛ لأنَّ مَن حكم
بالإيمان لِمَن كفَّره الله فإنه مرْتَدٌّ مكَذِّب لله عز وجل، وكذلك مَن قال عن
اليهود: إنهم مؤمنون بالله فإن هذا الكلام صادر إما عن جهل، وإما عن ردة والعياذُ
بالله.
فإذا قال: إنهم يؤمنون بالله، يقولون لك: الله عز وجل هو الكاشف للضر،
وهو المدبر للأُمور؟
قلنا: هذا لا ينفعهم، ولهذا تجد عند العامة لما التبس على
بعضهم هذا الأمر تجدهم إذا قيل لهم: إن تارك الصلاة كافر، قالوا: كيف يكون كافرًا
وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؟ أين الكفر؟ فيقال: ليس كل مَن
شَهِدَ بهذا يكون مؤمنًا؛ المنافقون يأتون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقولون: نشهد إنك لرسول الله ويؤكدون هذا، فيؤكد الله عز وجل كذبَهم فيقول: وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ [المنافقون: ١]، وإن شهدوا بألسنتهم فهم
كاذبون بقلوبهم.
على كل حال هذه الآية تدل على أن مجرد اعتراف الإنسان بالرب لا
يخرجه عن الكفر.
ومن فوائد هذه الآية: أن الله عز
وجل يجيب دعوة المضطر ولو كان كافرًا؛ لقوله: ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ [الزمر: ٨].
فإن قال قائل: كيف يجيب الله دعوتَه وهو
كافر؟
قلنا: هذا من آثار سبْقِ رحمتِه لغضبِه؛ فإنَّ رحمتَه سبقت غضبَه، فالكفر
موجِبٌ للغضب والضرورة موجِبَةٌ للرحمة، فتسبق الرحمةُ الغضبَ، فيجيبُه الله عز
وجل، وهذا كإجابة المظلوم ولو كان كافرًا، المظلوم تجاب دعوته ولو كان كافرًا؛
إقامةً للعدل وانتصارًا للحَق، قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل: «اتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ
اللَّهِ حِجَابٌ» .
إذن
فهذان شخصان تُجابُ دعوتهما مع الكفر؛ هما: المظلوم، ومَن وقع في ضرورة إذا دعا
الله.
لماذا؟ لا بد أن نعَلِّل كيف يخرج هذا عن القاعدة بأن الكافر مغضوبٌ
عليه؟
نقول: أما إجابة المظلوم فمِن أجل العدل والانتصار للحق، وأما إجابة
المضطر فلِأَن المضطر اجتمع في حقِّه سببان: سببٌ موجِبٌ للرحمة وهو الضرورة، وسبب
موجِب للغَضَب والانتقام وهو الكفر، ورحمةُ الله تعالى قد سبقت غضبَه.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن النعمة محْضُ فضْلٍ مِن
الله؛ لقوله: ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً، فالنعمة
محْضُ فضْلٍ مِن الله عز وجل؛ لأنها لا يمكن أن تكون مكافَأَةً عن عمل، فإن الإنسان
لو حُوسِب على عملِه محاسبةً دقيقة لكان عملُه لا يقابِل واحِد بالملايين منين؟ مِن
نِعَم الله عز وجل، فيخرُج مغلوبًا.
بل أن بعض العلماء رحمهم الله يقولون: إن
العمل الصالح مِن نعمة الله؛ نفْس العمل من النعمة، فإذا شكَرَ العمل صار الشكرُ
نعمةً، وإن شكرَ الشكرَ صَار نعمةً أخرى، وعلى هذا قولُ الشاعر:
| إِذَا كَانَ شُكْرِي نِعْمَةَ اللَّهِ نِعْمَةً | عَلَيَّ لَهُ فِي مِثْلِهَا يَجِبُ الشُّكْرُ |
| فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِهِ | وَإِنْ طَالِتِ الْأَيَّامُ وَاتَّصَلَ الْعُمْرُ |
صحيح هذه ولَّا لا؟ صحيح.
| إِذَا كَانَ شُكْرِي نِعْمَةَ اللَّهِ نِعْمَةً | عَلَيَّ لَهُ فِي مِثْلِهَا يَجِبُ الشُّكْرُ |
| فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِهِ | وَإِنْ طَالِتِ الْأَيَّامُ وَاتَّصَلَ الْعُمْرُ |
لأنك إذا أنعم الله عليك نعمة ثم شكرْته فشكرُك إياه نعمة، ثم إن شكرْتَه على الشكر فهو نعمةٌ أخرى، وهلم جرًّا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكافر -وإن شئت فقل: الإنسان- ينسى النعمة، إذا أنعم الله عليه نعمةً بعد ضرورة نسِي، ثم عاد إلى غيِّه.
وهذا خطير جدًّا على الإنسان، هذا هو واقع الإنسان؛ واقع الإنسان أن الله إذا أنعَم عليه نعمة بإنجائه من ضرورة نسِي ذلك ثم عاد إلى غيِّه، وهذا يقع؛ نجد الأحداث الآن تمُر بالناس، يمكن في حال حُلُول هذه الأحداث يمكن أن يكون لهم رجعة بعض الشيء، ولكن إذا زالت الضرورة عادوا إلى ما كانوا عليه من قبل، بل ربما يحملُهم الأشر والبطر على أن يزيدوا في غيِّهم، وهذا له خطورته؛ فإنَّ الله تعالى ذكَرَ في القرآن أن الإنسان إذا عاد إلى غيِّه بعد إنقاذه من الهلاك فإن الله يصيبُه بعذابٍ أشَدَّ من الأول.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكافر يعود إلى كفره ولا يذكُر ما دعا اللهَ إليه من قبل وهو إنقاذه من الضرورة؛ لقوله تعالى: نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا [الزمر: ٨]
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل لا نِدَّ له؛ لأن الله أنكر على من جعل له أندادًا، فيكون في هذا رَدٌّ على أهل التمثيل الذين أثبتوا لله الصفات مع التَّمثيل، فقالوا: إن الله تعالى له وجه كوجوهنا، ويد كأيدينا، وعين كأعيننا، وساق كسُوقِنا، وهكذا، نقول: كلامكم هذا كذب، وأنتم وأهل التعطيل سواء؛ لأنكم أنتم عطلْتُم النص عن مدلوله الصحيح؛ إذ إن مدلول النصوص في صفات الله صفاتٌ لائقة بالله عز وجل، فإذا جعلتموها للتمثيل حَرَّفتموها.
وعلى هذا فيكون في الآية ردٌّ على من؟ على أهل التمثيل الذين أثبتوا الصفات لله عز وجل مع التمثيل، نقول: هذا الفعل منكم تعطِيل في الحقيقة، تعطيل لماذا؟ لمدلول النص الصحيح؛ لأن مدلول النص فيما يتعلق بالصفات صفاتٌ لائقة بالله عز وجل.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء الكفار يحرصون على أن يَضِلَّ الناس بفعلهم؛ لقوله: لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ(لِيُضِلَّ) على قراءة الضم، لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ.
ومن فوائدها: أنه كما يكون الاقتداء بالقول يكون الاقتداء بالفعل. كيف ذلك؟ لأن هذا الكافر جعل لله أندادًا، وكان جعلُه الأنداد سببًا لضلَالِ غيرِه.
ويتفرع على هذا فائدة: وهي تحذير الإنسان -ولا سيما القدوة- من المخالَفَة؛ لأن الناس سوف يقتدون به ويحتَجُّون بفعلِه.
فمثلًا: طالبُ العلم إذا قام إلى الصلاة يكثر الحركة؛ مرة يحُك رأسه، ومرة يحك ظهره، ومرة يحك بطنه، ومرة يعرِك عينه، ومرة ينظُر ساعتَه، ومرة يكتب ما تذَكَّر في صلاتِه، إذا كان هذا طالب العلم يفعَل هذا الشيء فإن الناس سوف يقتَدُون به، لو أُنْكِر على واحدٍ من الناس كثرةُ الحركة لقال: فلان يفعَل.
ولهذا أحيانًا نُنْكر على بعض الناس المعاملات الرِّبوية التَّحَيُّلِيَّة، فيقولون: فلان يفعل كذا مِن الناس ممن هو من طلبة العلم، فالناس يحتجُّون، وهذه الآية تدل على أن الاقتداء يكون بالفعل؛ لقوله: وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِولم يقل: ودعا الناس ليَضِلُّوا عن سبيله، بل جعلَ فعلَه سببًا لِضَلال الناس، وهذا يدل على الاقتداء بالفعل كالقول.
وأما على قراءة الفتح فيُؤْخذ منه فائدة، وهي: أن جَعْلَ الأنداد لله ضلال؛ لقولِه: {لِيَضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ}.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تهديد هؤلاء الكفار الذين اتخذوا من دون الله أندادًا، تؤخذ من قوله: قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا، وقد بيَّن الله سبحانه وتعالى صفةَ هذا التمتع فقال: وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُالبهائم، وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ [محمد: ١٢].
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الدنيا مهما طالت فهي قليلة ولا تُنْسَب للآخرة، ولهذا قال الله عز وجل: وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى [الضحى: ٤] يقول للرسول صلى الله عليه وسلم، ويقول للعموم: بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [الأعلى: ١٦، ١٧]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» ، موضِع السوط، السوط عصا قصيرة خيرٌ من الدنيا وما فيها، «مِنَ الدُّنْيَا» أيُّ دنيا؟ كلها منذ نشأَتْ إلى قيام الساعة بما فيها من الزَّخارف واللهو والزينة، «خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»، ولهذا قال: تَمَتَّعْ قَلِيلًا، فهذه المتعة للكافر وإن كان ينالُ شهوتَه هي قليلة زمنًا، وقليلة كَمِّيَّة، وقليلة كيفية.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكفار ملازمون للنار لا يخرجون منها؛ لقوله: أَصْحَابِ النَّارِ؛ لأن الصاحِب هو الملازِم.
ومن فوائد الآية الكريمة: مخاطبة الإنسان بما يليق بحاله، فهذا الكافر المعانِد الذي بدَّل نعمةَ الله كفرًا يخاطب بهذا الخطاب القاسي وهو تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ، بينما لو كانت المسألة مسألة دعوة ما قابلناه هذه المقابلة، لا نقول لمن ندعوه للإسلام: تمتع بكفرك قليلًا إنك من أصحاب النار، لكن نقوله لِمَن عانَدَ وكابَر وبدَّل نعمة الله كفرًا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات النار؛ لقوله: إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ.
ويجب علينا في إثبات النار شيئان:
الأول: إثباتُ وجودِها الآن وأنها موجودة؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم عُرِضَت عليه الجنة وعُرِضت عليه النار في صلاة الكسوف وشاهدَها، ورأى مَن يُعَذَّبُ فيها؛ رأى فيها امرأةً تعذَّب بهرةٍ حبستها حتى ماتت، ورأى فيها صاحبَ الِمحْجَن يُعذَّب ، صاحب المحجن رجل معه مِحْجَن، والمحجَن تعرفونه؟
الطلبة: عصا.
الشيخ: هو عندنا في اللغة العامية مِحْجَان، مِحْجَن: عصا محنِيَّة الرأس، هذا الرجل يمُر بالحجاج فيشبِك المتاع -متاع الحاج- برأس المحجن، فإن تَفَطَّنَ له صاحب المتاع قال: والله هذا المحجن، المحجَن أمسك به، سامحني، يمكن يقول: سامحني أو ما يقولها، لكن يمكن بعض الناس يقول هكذا، وإن لم يَتَفَطَّن له أخذَه، فرآه النبي عليه الصلاة والسلام يعذَّب في النار بمحجنه وهو يصلِّي صلاة الكسوف، ثم تأَخَّر النبي عليه الصلاة والسلام؛ تأَخَّر مخافةَ أن يصِيبَه من لَفْح النار، إذن فرؤيتُه إياها حِسِّيَّة. طيب هذا واحد.
الشيء الثاني: يجب أن نؤمن بأنَّ النار مؤَبَّدَة أبد الآبدين، يعذَّب فيها أهلُها ما هم عنها بمخرجين، وهي مؤبَّدَة دائمًا؛ لأن الله تعالى ذكَر تأبيدَها في ثلاثة مواضع مِن القرآن: الموضع الأول في سورة النساء، والموضع الثاني في سورة الأحزاب، والموضع الثالث في سورة الجن. والأخ يبين لنا الموضع الأول في سورة الأحزاب.
طالب: الآية..
الشيخ: في سورة النساء قصدي؟
الطالب: حق أيش؟
الشيخ: أن الله ذكر أن النار مؤبدة.
الطالب: ما أدري.
طالب آخر: إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ [الأحزاب: ٦٤]
الشيخ: لا، في سورة النساء.
طالب: بعد آية التيمم.
طالب آخر: (...).
الشيخ: لا.
طالب: قوله تعالى: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ [النساء: ١٤].
الشيخ: لا.
طالب: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [النساء: ١٦٨، ١٦٩].
الشيخ: أحسنت، تمام، هذه صريحة خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا.
الموضع الثاني في سورة الاحزاب، مَن؟
طالب: قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا [الأحزاب: ٦٤، ٦٥].
الشيخ: نعم، إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا.
الموضع الثالث في سورة الجن؟
طالب: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا [الجن: ٢٣].
الشيخ: وين التأبيد؟
الطالب: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ..
الشيخ: فَإِنَّ لَهُ..
الطالب: فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ..
الشيخ: نعم، وين التأبيد؟
الطالب: خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا.
الشيخ: خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًاتمام.
بعد هذا لا يمكن أن نقبل قولًا من أيِّ عالم قال بأن النار غير مؤبدة، ولا نقابل هذا النص الصَّرِيح بقياسات؛ لأن قولَه تعالى: «إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي» ، هذا صحيح نصٌّ محكَمٌ وخبرٌ صادِق، لكن الخبر يجوز تخصيصه فنقول: أهل النار ليسوا أهلًا للرحمة، وعقوبة الله إيَّاهم على التأبيد هي من كمال عدلِه وحكمتِه، فكما أمضَوا أعمارهم بالكفر؛ كل الدنيا أفنوها بالكفر، فالآخرة أيضًا تذهب عليهم بالجزاء والعقوبة، هذا هو العدل وهذه الحكمة، أليس كذلك؟
نقول: عمرك في الدنيا كله مضى في الكفر، إذن حياتك في الآخرة تمضِي بالجزاء والعقوبة، لا حياةَ لك في الآخرة كما أنه لم يكن لك حياةٌ في الدنيا بطاعة الله.
ثم قال تعالى: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًاإلى آخره [الزمر: ٩].
من فوائد هذه الآية: أن القرآن الكريم يفتَح للإنسان الاستدْلَال العقلي؛ يعني بأنَّه يعرض الأشياء عرضًا عقلِيًّا، وذلك بطلب التَّدَبُّر والتفهم.
فمثلًا مَن هو قانت ومَن هو عاصٍ، بكل بساطة إذا عُرِضَت حالُ هذا وحالُ هذا على العاقل ماذا يقول؟ يقول: لا يستويان؛ مَن هو قانت آناء الليل ليس كمن هو عاصٍ.
وهذه من الطرق التي ينبغي لطالب العلم عند المناظرة أن يتخذها سبيلًا إلى إفحام الخصم؛ لأنَّ كثيرًا من الخصوم قد لا يقتنعون بمجرد الدليل الأَثَرِي فنسوق إليهم الدليل النظري، ولا سِيَّما في الوقت الحاضر؛ حيث اتخذ كثيرٌ من الناس -إن لم أقل أكثرهم- طريق إبليسَ سبيلًا، وهو معارضَةُ السمْع بِمَا يظنُّه عقلًا؛ يعني معارضة النصوص بما يظنُّون أنه عقل، ونحن نعلم علم اليقين أنه ليس في النصوص ما يخالف العقل الصريح أبدًا، بل في النصوص ما يؤيدُه العقل الصريح ويكون هذا شاهدًا لهذا، كلٌّ منهما يقوى بالآخر.
وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في النونية أن لدينا أربعة أدلة كلها يشهد بعضُها لبعض؛ هي: الكتاب، والسنة، والعقل، والفطرة. هذه الأدلة الأربعة لا يمكن أن تتناقض أو تتنافى، بل بعضُها يؤيد بعضًا ويشهَد له، والله أعلم.
طالب: في قوله تعالى: أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ [الفرقان: ٤٤] هل يدل على (...)؟
الشيخ: لا، فيه مَن سمع وعقل، ولَّا كل كافر لا يسمع ولا يعقل.
الطالب: (...)؟
الشيخ: بعض الناس اللي مَنَّ الله عليهم بالهداية، إذا مَنَّ الله عليه بالهداية خرجوا عن الكفر.
الطالب: (...)؟
الشيخ: إي نعم، يعني في المستقبل؛ يعني يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ [الفرقان: ٤٤] في المستقبل، قد يكون يَمُن الله عليهم، لكن ما داموا في هذه الحال فإنهم لا يسمعون ولا يعقلون، ولهذا قال: إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا [الفرقان: ٤٤]، فالآية التي ذكرْت موافقة للآية هذه؛ أن الكافر ليس عنده سمْع ولا عقل.
طالب: ما قيل عن شيخ الإسلام أنه قال بفناء النار؟
الشيخ: ما هو صحيح، ولنفرِض أن الذي قال بفناء النار -وحاشَاه من ذلك- أبو بكر أفضَل مِن شيخ الاسلام ألف مرة، هل نقبله مع وجود الآيات؟ لا نقبله، الحقيقة إذا وجدْنَا قولًا مخالفًا للكتاب والسنة من أي قائلٍ به فإن موقِفَنا أن نعتَذِر عنه لا أن نجعَل قولَه حجَّة على كلام الله ورسوله مهما كان؛ يعني ما فيه أحد معصوم، ليس فيه أحد معصوم من الخطأ أبدًا إلا مَن عصمه الله عز وجل؛ كالرسل.
طالب: يمكن نقول: إن قراءة لِيُضِلَّأبلغ من قراءة {لِيَضِلَّ}؟
الشيخ: لا، لكن يمكن أن نقول: إنه أضَلَّ؛ لأنه ضَلَّ.
الطالب: (...).
الشيخ: هذا متعَدٍّ لا شك، (يُضِل) متعدٍّ ضررُه للغير، لكن إذا قلنا: إنه ضَلَّ أوَّلًا فأَضَلَّ ثانيًا يكون مجموع القراءتين فيهما فائدة ما تحصل بانفراد أحدهما (...).
***
طالب: اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠) قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الزمر: ١٠ - ١٥].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
قال الله عز وجل: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ [الزمر: ٩] إلى آخره.
في هذه الآية بيانُ الفَرْق بين الناس في عبادة الله عز وجل، وأنه لا سواء بين مَن هو قانت آناء الليل ساجدًا وقائمًا إلى آخره ومَن هو عاص بعيدٌ عن الله عز وجل.
ومن فوائد الآية: أن ظاهرها دوام الطاعة؛ آناءَ الليل في السُّجود، والقيام أي في الصلاة، ولكن السنة بيَّنَت ذلك وأن الأفضل في قيام الليل أن ينام نصفه ويقوم ثلثه وينامَ سُدُسَه، وهذا من تقييد القرآن بالسنة.
ومن فوائد الآية: فضيلة صلاة الليل؛ لقوله: آنَاءَ اللَّيْلِ، وقد دَلَّت على ذلك السنة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ» .
ومن فوائد هذه الآية: فضيلَةُ القيام والسجود من بين أركان الصلاة، وقد بَيَّنا وجْهَ ذلك أثناءَ التفسير أن القيامَ شرِيفٌ بذِكْرِه والسُّجُودَ شريفٌ بهيئَتِه.
ومن فوائد الآية: أنه ينبغي للإنسان أن يكون في سيرِه إلى الله جامِعًا بين الخوف والرَّجاء؛ لقوله: يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ.
ولكن هل يكونان سواءً أو يُغَلِّبُ جانب الرجاء أو يغَلِّب جانب الخوف؟
في هذا أقوال لأرباب السلوك؛ فمنهم من قال: ينبغي أن يكون رجاؤه وخوفه واحدًا؛ كجناحي الطير إذا مال أحدهما اختل طيرانه، قال الإمام أحمد رحمه الله: ينبغي أن يكون خوفه ورجاؤه واحدًا فأيهما غَلَبَ هلَكَ صاحبُه؛ لأنه إن غلَّبَ جانب الخوف أدخله في اليأس والقنوط، وإن غَلَّب جانب الرجاء أدخلَه في الأمْن مِن مكر الله.
وقال بعض أرباب السلوك: ينبغي أن يُغَلِّب جانب الرجاء؛ لقول الله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي؛ فَإِنْ ظَنَّ بِي خَيْرًا فَلَهُ، وَإِنْ ظَنَّ بِي شَرًّا فَلَهُ» ، وعلى هذا فيُغَلِّب جانب الرجاء.
وقال بعض العلماء: يُغَلِّب عند فعلِ الطاعات جانب الرجاء، فإذا فعَلَ طاعة فلْيُغَلِّب جانب القبول دون جانِبِ الرد، أما في فعل المعصية فإن الأَولى أن يُغَلِّب جَانِب الخوف؛ لئلا يقَع في المعصية.
وقال بعضهم: في حال المرض يغلِّب جانب الرجاء، وفي حال الصِّحة يغلب جانب الخوف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ» ، والمريض قد وُجِد فيه سببُ الموت؛ وهو المرَض، فيُغَلِّب جانب الرجاء؛ لِيَمُوت وهو يحسن الظَّن بالله.
ولو قال قائل: إنه يُرجَع في ذلك إلى نفس الإنسان، والإنسان هو طَبِيبُ نفسِه؛ إن رأَي مِن نفسه جُنُوحًا إلى انتهاك المعاصي والمحرمات فليُعِدْها بل فليَتَوَعَّدها بالعذاب حتى يرْتَدِع، وإن رأى مِن نفسه قوَّة على طاعة الله ومثابَرَةً عليها وقيامًا بها فليغَلِّب جانب الرجاء حتى يُحْسِنَ الظن بالله، وهذا يرجع إلى الإنسان نفسه، والإنسان في بعض الأحيان يكون يغلب هذا وفي بعض الأحيان يغَلِّب هذا.
طالب: (...)؟
الشيخ: نعم، يعني لو قيل بهذا لكان أحسن.
من فوائد الآيات: إثبات عذاب الآخرة؛ لقوله: يَحْذَرُ الْآخِرَةَ، ولا يُحذَر الشيءُ إلا بثبوتِه، أما ما ليس بثابت فلا يُحذَر.
ومن فوائد الآية: أنه في باب الجزاء والأَحكام يُغَلَّب جانِبُ الربوبية؛ لقوله: وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ، لأن الربوبية هي التي بها التَّصَرُّف والسلطان.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يستوون الذين يعلمون والذين لا يعلمون؛ لقوله: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ.
ومن فوائدها: أن هذا النفي أمر معْتَرَفٌ به؛ لأنه جاء بصيغة الاستفهام، ونحن ذكرنا أنه إذا جاء الاستفهامُ مُرَادًا به النفي صارَ مُشْرَبًا معنى التَّحَدِّي.
ومن فوائد الآية: فضيلة العلم.
ولكن يجب أن نعلم أن العلم يشرف بشرف موضوعه، وعلى هذا فأفضل العلوم العِلم بأسماء الله وصفاته؛ لأن هذا أشرف موضوعات العلم، ثم العلم بأحكامه «مَنْ يُرِدْ بِهِ اللَّهُ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» ، ثم تتلو العلوم حسب مراتبها، وأخس العلوم ما يَصُدُّ عن سبيل الله وعن طريق السلف الصالح؛ مثل علم الفلسفة علم الكلام وما أشبهها، إلا إذا تعلمَه الإنسان من أجل أن يرُدَّ به على أهله فهنا قد يكون تعلُّمُه واجبًا؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ولهذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام زيدَ بن ثابت رضي الله عنه أن يتعَلَّم لغة اليهود ، مع أن تعلم اللغات الأجنبية ليس محمودًا ولا مأمُورًا به، لكن لَمَّا كان وسيلة إلى معرفة ما يأتي من الكتابات من اليهود والرَّدِّ عليهم بِلُغَتِهم أَمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يتعَلَّم لغة اليهود، وتعلَّم لغة اليهود في خلال ستة عشر يومًا؛ لأن زَيْدَ بن ثابت رضي الله عنه من الأذكياء فتعَلَّمَها، ثم إن اللغة العِبْرِيَّة قريبة من اللغة العربية فسَهُلَ تعلُّمُها.
من فوائد الآية الكريمة: أن أصحاب العقول هم أهلُ الاتِّعَاظ؛ لقوله: إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ.
ومن فوائدها: أن من لا يتذكر فهو ناقص العقل؛ لأنه إذا كان لا يتذكر إلا أصحاب العقول فمَن لا يتذكر يكون ناقِصَ العقل ولا شك، ونُقْصَانُ عقلِه بحسب نقصِه في التَّذَكُّر.
ووجْه ذلك من الناحية العقلية النظرية أن الإنسان العاقل لا يمكن أن يختَارَ لنفسه إلا ما فيه النجاة، ولا نجاة مِن عذاب الله إلا بالتذكر والاتِّعاظ، فلهذا كان العقل السليم يستلزم أن يتَذَكَّر الإنسان ويتَّعِظ من أجل طلب ما هو أحَظ للنفس وأنفع، وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى [الضحى: ٤].
ومن فوائد الآية: الثناء على ذوي العقول؛ حيث جعلَهم هم المتذكرِين المتَّعِظِين المنتفعين بما يسمعون.
ثم قال الله عز وجل: قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ [الزمر: ١٠].
قُلْالخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم أو لكل مَن يَصِحُّ توجِيه الخطاب إليه؛ فعلى الأول يكون التقدير: قل يا محمد، وعلى الثاني يكون التقدير: قل أيها الإنسان.
يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْعِبَادِهنا فيها شيءٌ محذوف وهو الياء التي دلَّت عليها الكسرة في قوله: يَا عِبَادِ، وحُذفِت الياءُ تخفيفًا.
قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ(الذين) عطف بيان أو وصْف، الَّذِينَ آمَنُوا(آمنوا) الإيمان في اللغة التصديق أو الإقرار بل نقول: الإقرار؛ لأنه هو المطابق للإيمان في التعَدِّي والعمَل، يقال: أقَرَّ بكذا وآمَن بكذا، التصديق لا يطابقُه تمامًا، وعلى هذا فنقول: الإيمان هو الإقرار، لكنه ليس مجرَّد الإقرار كما قاله بعض طوائف المبتدعة، من هم؟
طالب: المرجئة.
الشيخ: أي المرجئة؟ الجهمية؛ مرجئة الجهمية، نقول: هو الإقرار المستلزم للقبول والإذعان، هذا الإيمان، إذا لم يستلزم للقبول والإذعان فإنه ليس بإيمان.
الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْقال المؤلف: (أي عَذَابَه)، وفي هذا نظَرٌ، بل المراد تقوى الله عز وجل، والله سبحانه وتعالى يضيف التَّقوى أحيانًا إلى نفسه وأحيانًا إلى النار وأحيانًا إلى يوم الجزاء، فقد قال الله تعالى: وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [آل عمران: ١٣١] بعد أن قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ [آل عمران: ١٣٠، ١٣١]، فلو فُسِّرَت تقوى الله بتقوى عذابِه لكان في الآية تَكْرَار، فالصواب أن الله يضيف التقوى أحيانًا إلى نفسِه وأحيانًا إلى النار وأحيانًا إلى يوم الجزاء، كما في قوله: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [البقرة: ٢٨١].
والصحيح أنها تُفَسَّر بما تضاف إليه، قوله: اتَّقُوا اللَّهَأي: اتقوا الله نفسَه؛ لعظمته وكمال سلطانه عز وجل.
اتَّقُوا رَبَّكُمْ(أي عذابَه بأن تطيعوه)، (أي عذابه) نقول الصحيح: أي اللهَ نفسَه، وقوله: (بأن تطيعوه) هذا تفسير للتقوى، وعلى هذا فنقول: التقوى طاعة الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه؛ لأن أصل التقوى مأخوذ من الوِقاية، ولهذا يقولون: إن أصلها (وَقْوَى) من الوِقاية، والوِقاية هي اتخاذ ما يقِي الإنسان، ولا يقي الإنسان من عذاب الله إلا طاعة الله، ولهذا نقول: إن أجمع ما قيل في التقوى أنها طاعة الله، كما قال المؤلف رحمه الله، أو اتخاذ وقايةٍ من عذابه بفعل أوامره واجتناب نواهيه، اتَّقُوا رَبَّكُمْ.
ثم قال: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌلِلَّذِينَخبر مقدم وحَسَنَةٌمبتدأ مؤخَّر.
لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌأحسنوا بماذا؟ الإحسان يكون في عبادة الله، ويكون إلى عباد الله، أما الإحسان في عبادة الله فلا أجمع ولا أصدق من تفسير النبي صلى الله عليه وسلم لها حين سأله جبريل عن الإحسان فقال: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» ، إذا عبد الإنسان ربَّه كأنه يراه فسوف يعبده حقَّ العبادة؛ لأنه يعبد الله كأنه يرى الله، وهذا يعني تكون عبادتُه مبنيةً على كمال اليقين، وإذا كانت كذلك فلا بد أن تكون موافقة للأمر، ولا بد أن تكون خالصة.
إذن الإحسان تمام الإخلاص وتمام المتابعة، من أين عرفنا أن هذا حده؟ لقوله: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ»، وعبادة الله على هذا الوجه مبنية على تمام أيش؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، على تمام اليقين «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ»، وهذه مرتبة أعلى من المرتبة الثانية، «فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» يعني: فإن لم تعبده على هذا الوجه فاعلم أنه يراك.
ويقال: إن الأول إحسان في الطلب والثاني إحسانٌ في الهرب؛ يعني العابد طلبًا أكمل حالًا من العابد هربًا.
إذن الاحسان في عبادة الله بأي شيء نحدُّه؟ بما حدَّه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله لجبريل: «الْإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» أي: أن تعبدَه عبادةً مبنِيَّةً على تمام اليقين، وهذا يلزَم منه أن تكونَ العبادة خالصة لله متابعًا فيها شريعة الله.
الإحسان إلى عباد الله يكون بالمال والبَدَن، وهو كثير، قد تُحسِن إلى عباد الله بالمال كالصدقات والهدايا والهبات، وقد تحسن إلى عباد الله بالبَدَن كالمساعدة وما أشبه ذلك؛ تُعِين الرجل في دابتِه فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه، تُعِين عباد الله بالجاه والشفاعة عند الحاجة إلى ذلك، المهم أن الاحسان إلى عباد الله متنوعٌ كثير.
وقد فسَّره بعضهم بأنه كفُّ الأذى وبذل الندى وطلاقة الوجه.
كفُّ الأذى عن الناس؛ لأن من لم يكُفَّ أذاه فإنه لم يُحْسِن. والثاني: بذل النَّدَى؛ أي: المعروف، والثالث: طلاقة الوجه بأن تلقى الناس بوجهٍ منطلِقٍ منشرِحٍ لا بوجه مُقَطب معَبِّس.
طيب الإحسان إذن أيش؟ إحسان في عبادة الله، وإحسان إلى عباد الله، ولهذا: لِلَّذِينَ أَحْسَنُواأي: في عبادة الله وإلى عباد الله.
وقوله: فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌهل نجعل فِي هَذِهِ الدُّنْيَامتعلِّقًا بـأَحْسَنُوا، أو نقول: هو خبر مقدم، وحَسَنَةٌمبتدأ مؤخر، والجملة مِن المبتدأ والخبر خبر (للذين)؟
طالب: الأول.
الشيخ: طيب نشوف، هل بينهما فرق في المعنى؟
طالب: (...).
الشيخ: إذا قلنا: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌفِي هَذِهِ الدُّنْيَامتعلقة بـأَحْسَنُوا، وحَسَنَةٌمبتدأ خبرُه لِلَّذِينَ، هذا وجه.
الوجه الثاني: قُلْ يَا عِبَادِلِلَّذِينَ أَحْسَنُواانتهى الكلام، فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌمبتدأ وخبر.
طلبة: الأول.
الشيخ: الأول أحسن، طيب الفرق بينهما؟
طالب: إذا وقفنا هنا يعني ما كملنا إلى آخر الآية فإنه يكون لِلَّذِينَ أَحْسَنُواوقفنا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌتكون الحسنةُ في هذه الدنيا فقط، ما كملنا الآية.
الشيخ: تمام.
الطالب: إذا خلينا الوجه الثاني تصبح لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌتشمل الحسنة في الدنيا وفي الآخرة.
الشيخ: ويكون إحسانهم في الدنيا؟
الطالب: إحسانهم في الدنيا يتطلب الحسنة.
الشيخ: يعني أن إحسانَهم في الدنيا وجزاءهم حسنة، طيب هذا ما مشى عليه المؤلف يقول: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَابالطاعة)، يعني إذن فِي هَذِهِ الدُّنْيَامتعلقة بـأَحْسَنُوا.
طيب وقول المؤلف: (بالطاعة) فيه قصورٌ، وجهُه أننا قلنا: إن الإحسان يشمل الإحسان في عبادة الله والإحسان إلى عباد الله، وعلى كلام المؤلف في العبادة فقط ولكن الصحيح ما ذكَرْنا.
حَسَنَةٌلهم حسنة، قال المؤلف: (هي الجنة)، ولعله اعتمد في هذا التفسير على قول الله تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس: ٢٦]؛ فإن الحسنى هي الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله.
ولكن سنسأل هل (حسنة) هنا تطابق (الحسنى) هناك؟
طالب: لا.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: (...).
الشيخ: بس؟
الطالب: (...).
الشيخ: لا، هذه لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى.
طالب: (حُسْنَى) أفعل تفضيل.
الشيخ: نعم أحسنت، وهنا نكرَة لا تدُلُّ على التفضيل، فعندي أن في تفسير هذه الآية بما تُفَسَّر به تلك الآية نظر، بل نقول: لهم حَسَنَة، وهذا مُطلَق، فيحتمل أن المعنى لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌأي جزاءً على إحسانهم؛ أي لكُلِّ إحسانٍ يحسنونه حسنة؛ لأن الله تعالى لم يعرِّف الكلمة الحسنة حتى نقول: إنها دخلت عليها (أل) التي للعهد، وأيضًا الجنة وصفَها الله باسم التفضيل الْحُسْنَىالتي ليس شيء أحسن منها بخِلاف حَسنة، وهذه تُشبِه قولَ الله تعالى: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً [البقرة: ٢٠١]؛ لأنها مطابقة لها.
لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ، كيف المناسبة بين وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌوبين لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ؟
المناسبة أن من جملة الإحسان في الدنيا الهجرة لا شك؛ لأن الهجرة من أكبر ما يدل على صِدْقِ العامل؛ إذ إن المهاجر يدَع أهله ووطنه وعشيرته وماله لأي شيء؟ لله، يهاجرون إلى الله، فهذه المناسبة.
وقوله تعالى: وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌفهاجِرُوا إليها من بين الكفار ومشاهدة المنكرَات، صدق الله عز وجل أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ، إذا ضاقت بك الأرض يومًا فثَمَّ السَّعَة، اخْرُجْ تسلَمْ في دينك وعرضك، ولا تشُح بمالك ودارك وأهلك وعشيرتك؛ فإن الدين أغلى من ذلك كله.
وقوله: أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌطيب والدار التي كانوا فيها ضيقة؟ نعم، هي ضيقة لكنَّ ضيقَها ضيقٌ معنوي؛ لأن السَّعة والضيق في الحقيقة إنما يكون بالقلب، كم من إنسان في بيتٍ ضيِّق حُجَرُه بقدْر فراشِه وتجده مسرورًا منشرح الصدر، وكم من إنسان في قصور مشيدة ولكنه في ضيق وغَمٍّ، فسَعَةُ الأرض في الحقيقة بالنسبة للمهاجر واضحة جدًّا؛ لأن بقاءَه يشاهد المنكرات ويشاهد ما يؤذيه وما يؤلمه لا شك أن هذا ضيق.
ثم قال تعالى: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍإِنَّمَا يُوَفَّىأي: يُعْطَى، و(إنما) أداة حصر، والمعنى: ما يُوَفَّى الصابرون أجرهم إلا بغير حساب؛ أي أجرًا كثيرًا أكثر من الأعمال.
وقوله: يُوَفَّى الصَّابِرُونَلماذا قال: الصَّابِرُونَوهم مُوَفَّوْن ولم يقل: الصابرين؟
طالب: (...)؟
الشيخ: إي، في الإعراب.
الطالب: فاعل.
الشيخ: فاعل، هو فاعل ولَّا مفعول به؟ هو مُوَفًّي ولَّا مُوَفٍّ؟
الطالب: مُوَفًّى.
الشيخ: طيب ليش قال: الصَّابِرُونَوالمعروف أن المفعول به يكون منصوبًا فيقال الصابرين؟ أجبْ.
طالب: لأنَّها نائب فاعل.
الشيخ: لأنَّها نائب فاعل.
الطالب: يُوَفَّىمبني للمجهول.
الشيخ: إذن نائب فاعل، ونائب الفاعل مفعولٌ به في المعنى فاعل في اللفظ؛ يعني معناه أنه يعرب إعراب الفاعل ولكنه في المعنى مفعول به، قال ابن مالك:
| يَنُوبُ مَفْعُولٌ بِهِ عَنْ فَاعِلِ | فِيمَا لَهُ كَـ(نِيلَ خيرُ نَائِلِ) |
وقوله: الصَّابِرُونَقال المؤلف: (على الطاعة وما يُبْتَلون به)، فذكر نوعين من أنواع الصبر، وبقي عليه واحد وهو الصبر عن معصية الله، إلا أن يقال: إن الطاعة بالمعنى الأعم تشمل امتثال الأمر واجتناب النهي، فيكون قد وَفَّى المؤلف أنواع الصبر.
أنواع الصبر ثلاثة: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على أقدار الله المؤلمة، ثلاثة، أعلاها الصبر على طاعة الله، ثم الصبر عن معصية الله، ثم الصبر على أقدار الله، هذا من حيث نوع الصبر نفسه.
أما من حيث الصَّابِر فإن الإنسان أحيانًا يعاني من الصبر عن المعصية أكثر مما يعاني من الصبر على الطاعة، وكذلك الصبر على البلاء قد يعاني منه أكثر مما يعاني من الصبر عن المعصية وعلى الطاعة، لكن نقول: من حيث النَّوع -نوعُ الصبر بقطْعِ النظر عن الصابر- أفضلُه الصبر على الطاعة، ثم عن المعصية، ثم على الأقدار. لماذا؟ لأن الصبر على الطاعة يحتاج إلى جهد نفسِيٍّ وجهد بدَنِي، صح؟ كيف يا أخ؟
طالب: جهد بدني بفعل الطاعة وامتثالها.
الشيخ: تمام، بفعل الطاعة نفسها.
الطالب: والنفسي الصبر على فعل الطاعة.
الشيخ: يعني معالجة النفس، ولَّا لا؟ يؤَذِّن الفجر وأنت في الفراش، تبدأ تمغط وتسهو وتقول: تَوُّنَا مبكرين حتى تفوت الصلاة، يحتاج إلى جُهْد عالج نفسك، قُم.
الصبر عن المعصية يحتاج إلى جهد نفسي فقط، لماذا؟
طالب: لأنه كفٌّ.
الشيخ: لأنَّه كفٌّ، كَفْ يَدٍ؟
الطالب: النفس.
الشيخ: إي نعم؛ لأنَّه تَرْك، المعصية ترْك، اتْرُك المعصية، ما عليك أي تعب، لكن النفس تتعب؛ إذا كانت المعصية مما تدعو إليه النفس وكففت عنها تعِبَت النفس لا شك.
إذن ليس فيه إلا تعب واحد؛ الصبر عن المعصية، ما هو؟
طالب: المعصية.
الشيخ: إي، الصبر على المعصية ما فيه إلا مجاهدة واحدة من جانب..
الطالب: (...).
الشيخ: إي يعني مجاهدة النفس على الترك؟ اجزم.
الطالب: مجاهدة النفس على الترك.
الشيخ: على الترك، طيب لكن الجهد البدني ما فيه جهد بدني.
الصبر على أقدار الله المؤلمة هو أدناها لماذا؟ لأن الأمر ليس إليك، الأمر تَمَّ، فهو كما قال بعض السلف: إما أن تصبر صبر الكرام، إما أن تسْلُوَ سُلُوَّ البهائم، ليس منك أي عمل، شيءٌ لا بد أن يصيبك فأصابك.
يقول: إن يوسف عليه الصلاة والسلام إنه ابتُلِي بأنواع الصبر الثلاثة، ابْتُلِي يوسف بن يعقوب ابْتُلِي بأنواع الصبر الثلاثة، الصبر على الطاعة؟
طالب: صبر على الطاعة، وصبر على الأقدار المؤلمة..
الشيخ: لا، تروح.. الصبر على الطاعة بماذا؟
الطالب: الصبر على الطاعة.. الذي دخل.. زليخة في الغرفة وغلقت، هذا صبر على..
الشيخ: لا.
طالب: صبرٌ على الطاعة هو نبي عليه السلام، فلا بد أن يعبد الله (...).
الشيخ: يعني هذا استنتاج عقلي لكن نريد شيئًا واضِحًا.
طالب: (...) تَوَفَّنِي مُسْلِمًا [يوسف: ١٠١].
الشيخ: الدعاء يعني؟
الطالب: (...).
الشيخ: أليس هو قد دعا إلى الله وهو في السجن، ولَّا لا؟ دعا إلى الله وهو في السجن أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ [يوسف: ٣٩، ٤٠]، هذا لا شك صبر؛ إنسان مسجون ويدعو الناس إلى التوحيد.
طيب الصبر عن المعصية؟
طالب: امتناعه عن موافقة امرأة العزيز.
الشيخ: أحسنت، امتناعه عن موافقة امرأة العزيز حين راودته عن نفسها.
طيب الصبر على..
طالب: ما حصل له من إخوته ومن سجنه.
الشيخ: إي نعم، أحسنت، تمام.
وقوله: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍأَجْرَهُمْأي: ثوابهم، والله عز وجل بكرمِه سمَّى الثواب أجرًا من باب اطمئنان العامل الى استيفَائِه. ليش؟ لأن الأجر مقابل عمل لا بد أن يُسْلَّم، كأن العمل والجزاء معاوَضة وعقْد بين الله وبين العابد أن الله يعطيه الثمن الأجر، مع أن الله سبحانه وتعالى هو المتفضِّل أوَّلًا وآخرًا؛ هو المتفضل أولًا بالتوفيق للعمل، ولولا أن الله أعانك وسدَّدك ما قدرت، ثم المتفضل ثانيًا بالأَجر.
وقوله: بِغَيْرِ حِسَابٍيقول: (بغير مكيال ولا ميزان) يعني أن الأجر الذي يعطيه الله عز وجل على العمل ليس على سبيل التَّدقيق والمعاوضة التي تكون بين العباد، المعاوضة بين العباد عدل؛ يعني ما يعطيك أكثر مما تستحق، وأما ثواب الله عز وجل على الصبر فهو أكثر بدون حساب، فالحسنة بعشر أمثالها، إلى سبع مئة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، والصبر لا حساب له. إذن يتوقع الصابر بأن له جزاءً لا يدركه عقلُه من كثرته؛ لأن الله قال: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ.
كما أن الصبر فيه فائدة عظيمة للإنسان نفسه وهي ترويض النفس على التحَمُّل، كثير من الناس يريد أن تكون الأمور بسرعة؛ يدعو الله عز وجل بكَشْف ضُرٍّ وتتأخر الإجابة، فيقول: ليش؟ وييأس، نقول: اصبر.
يحصل للناس مصائِب عامَّة، فتجده يريد السرعة في انجلائه، فنقول: اصبر، اصبر، وَطِّن نفسك على الصبر، هذه تربية أَن تُوَطِّن نفسك على الصبر، والصَّبْر مع انتظار الفرج يعتبر من أعظم العبادات؛ لأنك إذا كنت تنتظر الفرج فأنت تنتظر الفرج من الله، هذه عبادة، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ» . «النَّصْر» قال: «مَعَ الصَّبْرِ»، «وَالْفَرَج مَعَ الْكَرْبِ» فكُلما اكتَرَبَتِ الأمور فإن الفرَج أقرب اليك، وإنَّ مع العسر يسرًا.
طالب: (...) قُلْ يَا عِبَادِ(...)؟
الشيخ: هذا الإشكال سيكون الجواب عليه -إن شاء الله- عندما نستنبط الفوائد (...).
***
طالب: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١٥) لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ (١٦) وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ [الزمر: ١١ - ١٨].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَإلى آخره، ونحن تكلمنا على ما سبق.
قال الله عز وجل: قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ.
في هذه الآية: أَمْرُ النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقول للناس: يا عبادِ الذين آمنوا اتَّقُوا ربكم.
وفيها أيضًا؛ يعني من فوائدها: أنه لا بد مع الإيمان من التقوى؛ لقوله: قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ.
وهذه الصيغة: قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْلم يقلُها الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا اللفظ، لكن سيقول: يا عباد الله، أو كلمةً نحوها، ولكن الله تعالى أضاف ذلك إلى نفسه ليبيِّن الإخلاص لله عز وجل في هذه العبادة.
ومن فوائد هذه الآية: أن الرب -وهو الخالق المالك المدبِّر- هو أهل التقوى دون غيرِه، كما قال تعالى في سورة المدثر: هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ [المدثر: ٥٦].
ومن فوائدها: أن للمحسنين في هذه الدنيا حسنة؛ لقوله: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ.
ومن فوائدها: أن الله بفضلِه وكرمِه يعَجِّل الثَّوَاب لمن يستَحِقُّ الثواب في الدنيا قبل الآخرة؛ لأن حسنة الدنيا دون حسنَةِ الآخرة بكثير.
ومن فوائد هذه الآية: وجوب المهاجرة إلى الله ورسوله إذا كان الإنسان في بلد كُفْرٍ لا يقدر على إظهار دينه؛ لقوله: وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ.
ومن فوائدها: أنه من الدعوة إلى الله ومن حُسْنِ الدعوة إقامة الحجة؛ لقوله: وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ، فإنه لا عُذْرَ لأحد أن يقول: لا أجد ملجَأً أو لا أَجِدُ مهاجرًا.
ومن فوائدها: أن الأرض لله؛ لقوله: وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ، وهذا كما قال موسى لقومه: إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [الأعراف: ١٢٨].
ومن فوائدها: فضيلة الصبر، وأن صاحِبَه يوَفَّى أجرَه بغير حساب؛ لقوله: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ.
ومن فوائدها: كَرَمُ الله عز وجل؛ حيث جعل الثواب بمنزلة الأجر كأنه معاوضة يُعَاوَض به المُعَامِل؛ لقوله: أَجْرَهُمْ.
ثم قال تعالى: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ [الزمر: ١١] قُلْيعني: يا محمد، إِنِّي أُمِرْتُأي: أمرني ربي، وهذه الصيغة تأتي بالبناء للمجهول؛ لأن الفاعل معلوم، وهذا يشْبِه حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ» .





