تفسير سورة الزمر - 5
عدد الزيارات 4353

عناصر المادة :
تفسير الآيات (16-20)

أنَّ الأرض لله؛ لقوله: وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ [الزمر: ١٠]، وهذا كما قال موسى لقومه: إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [الأعراف: ١٢٨].
ومن فوائدها: فضيلة الصبر وأنَّ صاحبه يُوَفَّى أجرَه بغير حساب؛ لقوله: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر: ١٠].
ومن فوائدها: كرمُ الله عز وجل حيث جعل الثواب بمنزلة الأجر، كأنَّه معاوَضة يُعاوَض به الْمُعامل؛ لقوله: أَجْرَهُمْ.

***

ثم قال تعالى -في ابتداء درس اليوم-: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ [الزمر: ١١].
قُلْيعني: يا محمد، إِنِّي أُمِرْتُأي: أمَرني ربِّي، وهذه الصيغة تأتي بالبناء للمجهول لأنَّ الفاعل معلومٌ، وهذا يُشْبه حديثَ ابن عباس رضي الله عنهما أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ» ، «أُمِرْتُ»؛ لأن الآمِر معلومٌ وهو الله.
قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَوجاءت بكلمة: أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَللإشارة إلى مقام النبي صلى الله عليه وسلم وأنَّه عبدٌ يُؤمَر ويُنهَى، وليس له من حقِّ الربوبية شيء.
وقال: أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَأي: أتذلَّل له، والعبادة تُطلق على معنيين:
المعنى الأول: التذلُّل لله الذي هو فِعْل العابد.
والأمر الثاني: المتعبَّد به، وهي العبادات على جميع أنواعها.
وعلى هذا يكون تعريف شيخ الإسلام ابن تيمية للعبادة في قوله: العبادة اسمٌ جامعٌ لكلِّ ما يحبُّه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة. وذلك لأن العبادة -كما قلتُ- تُطلق على معنيين.
طالب: التذلُّل اللي هو فعل العبد.
الشيخ: التعبد وهو؟
الطالب: التذلل.
الشيخ: على معنيين: المعنى الأول؟
الطالب: التذلُّل (...)، المعني الثاني ..
الشيخ: يعني التعبد، الذي هو فِعل العبد، والثاني؟
الطالب: العبادات.
الشيخ: إي، المتعبَّد به وهي العبادات، وعلى هذا المعنى تفسير شيخ الإسلام ابن تيمية في قوله: العبادة..
طالب: (...).
طالب آخر: العبادة اسمٌ جامعٌ لكل ما يحبُّه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة.
الشيخ: أحسنت، تمام.
وهنا أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًايشمل المعنيين؛ يعني أنْ أتعبَّد له بالعبادة.
وقوله: مُخْلِصًاحالٌ من فاعل أَعْبُدَ؛ أي: حالَ كوني مخلصًا لله، من أيِّ شيء؟ من الشرك؛ لأن الإخلاص يعني التنقية، ويُنَقَّى من أيِّ شيء؟ يُنَقَّى من الشرك؛ لأن العمل إذا شابَهُ الشركُ أفسده وأبطله؛ قال الله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» .
وقوله: مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَقال: (من الشرك)، والمرادُ بالدين هنا العملُ الذي يفعله الإنسان ليُدانَ به. لاحظوا التفسير: العمل الذي يعمله الإنسان لأجْل أن يُدان به. وأمَّا عملٌ لا يؤمَّل أن يُدان به فهذا لا يُسَمَّى دينًا وإنْ كان عملًا، لا بدَّ أن يكون عاملًا من أجْل أن يُدان بهذا العمل.
يقول عز وجل: مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ، ومرَّ علينا كثيرًا أنَّ الدين يُطلَق على العمل ويُطلَق على الجزاء؛ ففي قوله تعالى: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: ٤] الجزاء، وفي قوله: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [الكافرون: ٦] أي: العمل.
وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ [الزمر: ١٢] قال المؤلف -المفسِّر-: (أي: بأنْ)، فجعل اللام بمعنى الباء؛ وذلك لأن (أَمَرَ) إنما تتعدَّى بالباء ولا تتعدَّى باللام، فلهذا فسَّرها المؤلف بالباء، وهذا أحد المسلكين للنُّحاة فيما إذا تلا الفعلَ حرفٌ لا يتعدَّى به غالبًا، فإنهم يجعلون هذا الحرف بمعنى الحرف الذي يتعدَّى به العامل –أي: الفعل أو غير الفعل- غالبًا، فهمتم؟ فمثلًا هنا: أُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَيجعلون اللام بمعنى الباء، وفي قوله تعالى: عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ [الإنسان: ٦] يجعلون الباء بمعنى (مِنْ)؛ أي: يشرب منها.
والمسلك الثاني للنُّحاة أنهم يحوِّلون الفعل إلى فعلٍ مناسبٍ للمتعلِّق ويُسَمُّون هذا تضمينًا؛ أي إنَّ الفعل ضُمِّن؛ الفعلُ المذكورُ ضُمِّن فعلًا يتعدَّى بالحرف المذكور؛ فمثلًا: يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِيقولون: المعنى: يَرْوَى بها، فضُمِّن الشُّرب معنى الرِّيِّ، ولا شكَّ أن هذا يعطي الآية أو النص معنًى أكثر؛ لأنه يُبقي الحرفَ على ما هو عليه ويعطي الفعلَ المذكورَ معنًى زائدًا على ما يدلُّ عليه لفظُه، فيكون هذا المسلك أولى.
لكن أحيانًا يصعب على طالب العلم -ولا سيَّما المبتدئ- يصعب أن يقدِّر الفعل المناسب الذي يكون مضمونًا للفعل المذكور، حينئذٍ يلجأ إلى الأسهل وهو تحويل الحرف إلى حرفٍ يناسب الفعلَ المذكور.
فهنا أُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَلا شكَّ أنه من السهل أن أقول: إنَّ اللام بمعنى الباء، وأمشي؛ يعني: أُمِرتُ بأنْ أكون.
لكنْ لو أردنا أن نُضَمِّن أُمِرْتُمعنًى يناسب اللام أُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَيحتاج إلى تأمُّل وتفكير في المعنى، لماذا قال: أُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ؟ ممكن أن نقدِّر: أُمِرتُ أنْ أعبُدَ اللَّهَ لأنْ أكون أولَّ المسلمين، فتكون اللام تعليلًا للفعل المحذوف، وهو: أنْ أعبُدَ اللَّهَ لأن أكون أول المسلمين؛ يعني: وُجِّهَ الأمرُ إليَّ أولًا لأكون أولَ المسلمين؛ أي: المنقادين لأمر الله، وحينئذٍ نستفيد من هذا معنيين: معنى الأمر، ومعنى العبادة التي حُذفت ليصحَّ تعليق الحرف بها.
قال: وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ(من هذه الأُمَّة)، لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَقال المؤلف: (من هذه الأُمَّة).
وكلمة أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَالإسلام يُطلَق على الانقياد؛ لأنه مأخوذٌ من: أَسْلمَ أمْرَهُ إلى غيره، ومنه الاستسلام في الحرب؛ لأن المستسلم ينقاد للغالب الذي غلبه.
فالإسلام هو الانقياد ظاهرًا، وبناءً على هذا يكون المنافقون أيش؟ مسلمين ظاهرًا، ولهذا يُطلَق الإسلامُ على ضعيف الإيمان؛ كما قال تعالى: قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا [الحجرات: ١٤].
أحيانًا يُطلَق الإسلام على الشريعة كلِّها فيشمل الاستسلامَ ظاهرًا وباطنًا، وهو الإيمان، ومن ذلك قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا [المائدة: ٣]، ليس المراد الاستسلام الظاهر، وإنما المراد الشرائع كلُّها، شرائع الإسلام كلُّها؛ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَأي: شرائع الإسلام كلُّها دِينًا.
يقول أهل العلم: الإسلام إذا قُرِنَ بالإيمان فُسِّر الإسلامُ بالأعمال الظاهرة، والإيمانُ بالأعمال الباطنة. قالوا: ومن ذلك حديثُ جبريل لَمَّا سأل النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن الإسلام قال: «أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ»، ولَمَّا سأله عن الإيمان قال: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» .
أمَّا إذا أُفْرِد أحدُهما فإنه يشمل الآخَر؛ فالإسلامُ إذا ذُكِر وحده شَمِلَ جميعَ الشرائع ومنها الإيمان، والإيمانُ إذا ذُكِرَ وحده شَمِلَ جميعَ الشرائع ومنها الإسلام.
يقول هنا: وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ [الزمر: ١٢] قال: (من هذه الأُمَّة). لماذا قيَّد الآية مع أنها مطْلقة أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ؟ قيَّدها لأنه -رحمه الله- فَهِم أنَّ الأوَّلية هنا أوَّلية الزمن، وإذا كانت أوَّلية الزمن فإنه لا يصح أن يكون النبيُّ صلى الله عليه وسلم أولَ المسلمين، لماذا؟ لأنَّ قبله أُمَم مسلمة كثيرة، فكان لا بدَّ أن نقيِّد هذا بأول المسلمين من هذه الأُمَّة، ومنه قوله تعالى في سورة الأنعام، اتْلُ الآية: إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام: ١٦٢، ١٦٣] على ما مشى عليه المؤلف من الفهم نقول: وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَمن هذه الأُمَّة.
فيه احتمال آخَر أنَّ الأولية هنا أولية الصِّفة؛ يعني أنني أسبق المسلمين من حيث التقدُّم إلى الإسلام، كما تقول مثلًا لمن يخاطبك: إن كان هذا الذي قُلتَه حقًّا فأنا أول مَن يساهم، مثلًا لو قال: إنَّه فُتح مشروع في البلد خيري فقلت: إذا كان حقًّا فأنا أول مَن يساهم؛ يعني: (أوَّل) من حيث الانقياد والصِّفة، هذا فيه احتمال، وإذا كان هذا المعنى في الآية الكريمة فإننا لا نحتاج إلى أيش؟ إلى القيد الذي قاله المؤلف؛ لأننا نعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أول مَن ينقاد لله سبحانه وتعالى، وأنه أعظمُ الناسِ انقيادًا وأشدُّهم.
ثم قال: قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [الزمر: ١٣]، عَذَابَمفعول لأيش؟ لـعَصَيْتُ؟
طالب: أو لـأَخَافُ.
الشيخ: أو إِنْ عَصَيْتُ؟
الطالب: أصله: أخافُ عذابَ.
الشيخ: أخافُ عذابَ، وليست مفعولًا لـعَصَيْتُليش؟
طالب: (...).
الشيخ: العذاب لا يُعصى، المعنى يفسد.
قُلْ إِنِّي أَخَافُالخوف لا يمكن أن نُعَرِّفه بأَبْين من لفظه، كلُّنا يعرف الخوف، أليس كذلك؟ ولهذا نقول: إن الانفعالات النفسية لا يمكن لأحد أن يُعَرِّفها؛ لأنه ليس أَبْين من لفظها، ليس هناك شيءٌ أَبْين من لفظها أبدًا.
لو قال إنسان: عرِّفْ لي الكراهة، ويش تقول؟ تقول: الكراهة معروفة، الكراهة هي الكراهة.
عرِّف لي المحبة. ما تقدر تقول، المحبة هي المحبة.
طالب: الْمَيْل.
الشيخ: لا، الْمَيْل آثار المحبة، بعدما يحب يميل، ولهذا يقول ابن القيم رحمه الله في روضة المحبِّين -والله أعلم هل هي له أمْ لا- يقول: لا يمكن أن نحدَّ المحبَّة بأَبْين من لفظها أبدًا، كلُّ الذين عرَّفوها -فيها أكثر من عشرين تعريفًا- كلُّهم إنما يفسرونها بلوازمها ونتائجها. وصدق رحمه الله، الانفعالات النفسية ما يستطيع الإنسان يعرِّفها بأكثر من لفظها.
أَخَافُلو تسأل صبيًّا لا يعرف التعريفات تقول: ويش معنى الخوف؟ يقول: الخوف أني أرتعش، أتنافض. لا يمكن، هذا من آثاره. الخوف أنْ أهرب، هذا من آثاره. إذَنْ نقول: الخوفُ أيش؟ معروفٌ، هو الخوف.
أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي، عَصَيْتُالمعصية: المخالَفة، وتكون بأمرين؛ إمَّا بتركِ مأمورٍ وإمَّا بفعلِ محظورٍ، هذا إذا أُفردتْ عن الطاعة، فإن قُرِنتْ بالطاعة صارت الطاعةُ فِعْلَ المأمورِ والمعصيةُ ارتكابَ المحظورِ.
هنا نقول: عَصَيْتُمفردة عن الطاعة، فماذا يكون المعنى؟
طالب: تشمل معنيين.
الشيخ: تشمل معنيين: مخالفته؛ عَصَيْتُ رَبِّيأي: خالفتُه بفعل المنهي عنه أو بترك المأمور به.
وفي قوله: رَبِّيإشارةٌ إلى أنه عز وجل هو الذي له الأمر والنهي؛ لأنه ربٌّ، والربُّ خالقٌ مالكٌ مدبِّر.
عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍهو يوم القيامة، ووصَفه الله تعالى في القرآن الكريم بعدَّة أوصاف منها: العِظَم؛ وذلك لشدَّته وشدَّة أهواله، وشدَّة ما يكون فيه، وإذا سمعت الأوصاف التي ذكرها الله عز وجل لهذا اليوم العظيم فإنه لا شكَّ يعتريك من الخوف بقدر ما أنت مؤمنٌ به. لاحِظُوا، كلَّما كان الإنسان أقوى إيمانًا باليوم الآخِر كان منه أشدَّ خوفًا، وكلَّما ضَعُف إيمانه باليوم الآخِر ضَعُف خوفه منه، ولهذا لدينا عبارة مأثورة: كلُّ مَن كان بالله أعرَف كان منه أخوَف. وكلُّ مَن كان -أيضًا- باليوم الآخِر أعرَف وأقوى إيمانًا كان أقوى مخافةً.
يقول عز وجل: إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي [الزمر: ١٣، ١٤] في الأول قال: فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ [الزمر: ٢] أمْر، في الثاني: أَمَره أن يُعلن بأنه مخلصٌ لله الدينَ، أن يعلن، ففي الأول يفعلُ هو؛ يعبد الله مخلصًا له الدين، في الثاني: أُمِر أن يعلن للملأ أنه مخلصٌ، وإعلانه أنه مخلصٌ يعني أنه متبرئٌ من شركهم لأنه مخلصٌ لله.
قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُإعرابها؟ اسم الجلالة؟
طالب: قُلِ اللَّهَ؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: فاعل.
الشيخ: فاعل! كمِّل.
الطالب: مفعول به.
الشيخ: فاعلٌ مفعولٌ به! ما يمكن، إمَّا فاعلٌ وإمَّا مفعولٌ به.
الطالب: مفعول به.
الشيخ: مفعول به لأيش؟
الطالب: لـقُلِ.
الشيخ: لـقُلِ، قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ!
الطالب: لـأَعْبُدُ.
الشيخ: مفعول به لـأَعْبُدُ؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: طيب، صح، قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُقدَّم المفعولَ به للحصر؛ يعني: لا أعبد غيره.
ونظيره من حيث التركيب قولُه تعالى في سورة الفاتحة: إِيَّاكَ نَعْبُدُ [الفاتحة: ٥] فقدَّم المفعولَ به.
هنا قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُقدَّم المفعولَ به لإفادة الحصر، ثم أكَّد هذا بقوله: مُخْلِصًا لَهُ دِينِي؛ يعني لا أعبد غير الله، وفي عبادتي له أيضًا أكون مخلصًا له، لا يشوب عبادتي إيَّاه شيءٌ من الشرك، مُخْلِصًا لَهُ دِينِي.
وقوله: دِينِييعني: عملي. قال المؤلف: (من الشرك).
إذا جمعت بين الآيتين: الآية الأولى وهي: إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ [الزمر: ١١]، والثانية، عرفْتَ شدَّة امتثال الرسول عليه الصلاة والسلام لأمْر ربِّه، وأنَّه عَبَدَ اللَّهَ مخلصًا له الدين، وأعلن ذلك للملأ غير مبالٍ بمخالفتهم.
فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ [الزمر: ١٥]، فَاعْبُدُواهذا يحتمل أن يكون تهديدًا ويحتمل أن يكون تحدِّيًا، المؤلف يقول: (فيه تهديد)، ويمكن أن يكون تحدِّيًا.
أمَّا كونُه تهديدًا فظاهر، فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ؛ لأنه قال بعده: قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَإلى آخره [الزمر: ١٥].
وأمَّا كونُه تحدِّيًا فلأنَّه لَمَّا ذكر أنه يعبد الله وحده مخلصًا تحدَّاهم؛ قال: أنا لا أُبالي، أنتم اعبدوا ما شئتم وأنا لا أُبالي بكم، فسوف لا أشرك بالله، سوف أعبد الله وحده مخلصًا.
والقاعدة عندنا في التفسير أنه إذا كانت الآية تحتمل معنيين لا يتنافيان يُحمَل عليهما جميعًا.
قال تعالى: فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ، مَا شِئْتُمْيعني: الذي شئتم، مِنْ دُونِهِأي: من سواه؛ اعبدوا ما تشاؤون من سواه؛ ملكًا، وليًّا، شجرًا، حَجَرًا، شمسًا، قمرًا، أيُّ أحد تعبدونه لا يهمني، أنا سوف أبقى مخلصًا لله وأنتم اعبدوا ما شئتم.
يقول المؤلف: (مِنْ دُونِهِغيره) أي: سواه (فيه تهديدٌ لهم وإيذانٌ بأنهم لا يعبدون الله). (إيذان) يعني إعلان، أي إنَّ هذه الجملة فيها التهديد، وفيها أنهم لا يعبدون الله وإنما يعبدون غيره.
قُلْيعني: قُل لهم مع تحدِّيك إيَّاهم وتهديدك إيَّاهم إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ [الزمر: ١٥]. الجملة فيها تأكيدٌ وفيها حصرٌ، أين التأكيد؟
طلبة: إِنَّ.
الشيخ: إِنَّ، إِنَّ الْخَاسِرِينَ.
الحصر: أنَّ طرفَيِ الجملة معرفتان: الْخَاسِرِينَ، الَّذِينَ خَسِرُوا؛ فكأنَّه قال: إن الخاسرين هم الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة. فإذَنْ فيها تأكيدٌ وحصرٌ.
إِنَّ الْخَاسِرِينَمَن الخاسر؟ الخاسر بيَّنه الله عز وجل في قوله: إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا [العصر: ٢، ٣] يعني الْخُسران ضدُّ الرِّبح؛ وذلك أن الْمُعامل إمَّا أن يأخذ رأسَ ماله، وإمَّا أن يخسر فيأتيه أقلُّ من رأس ماله، وإمَّا أن يربح فيأتيه أكثر.
الْخُسران الحقيقي ما ذكره الله هنا: الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الزمر: ١٥] هؤلاء هم الذين خسروا، ليس الخاسر مَن فقدَ ملايين الدراهم، وليس الخاسر مَن فقدَ أهلَه في الدنيا، وليس الخاسر مَن فقدَ نفسَه في الدنيا، الخاسرُ مَن خسر نفسَه وأهلَه متى؟ يوم القيامة، خسر نفسَه وأهلَه.
يقول: (بتخليد الأنفسِ في النار، وبعدم وُصُولهم إلى الحور المعَدَّة لهم في الجنة لو آمنوا).
قوله: (بتخليد الأنفسِ في النار) هذا بيانٌ لِخُسرانهم أنفسهم؛ لأنه خسر نفسَه في الحقيقة، ما وجْه الخسران؟
وجه الخسران أنَّ حياته في الدنيا لم يستفدْ منها في الآخرة إطلاقًا، فخسر نفسَه، خسر عمرَه، كله راح هباءً منثورًا، خسر نفسَه، لو أنه مؤمنٌ مخلصٌ لَاستفاد؛ لَكان كل حياته الدنيا ربحًا؛ لأنه سوف يخلد في الجنة التي فيها ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بَشَر، أمَّا الآن فسيخلد في النار، هذا خسارةُ النفس.
خسارة الأهل فسَّرها المؤلف بأنه يفوته الحور العِين في الجنة لو آمن، وهذا وإنْ كان له وجهٌ لكنَّه بعيدٌ من الصواب، وذلك لأن الحور في الجنة لم تكن أهلًا له حتى يُقال: خسرها، وإنما المراد خسروا أهليهم؛ لأن أهليهم إنْ كانوا مؤمنين فهُم في الجنة، ولن يجتمعوا بهم، وإن كانوا كفَّارًا فهُم في النار ولن يجتمعوا بهم أيضًا، ولو كانوا مؤمنين وذُرِّيتهم مؤمنةً لَكانوا كما قال الله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [الطور: ٢١]، يعني لنْ يجتمع أحدٌ مع أهله في الدنيا، لن يجتمع في الآخرة إلا إذا كان هو وهُم مؤمنين فسيجتمعون اجتماعًا لا فراق بعده، أمَّا مَن لم يكن كذلك فلا اجتماع.
على كلِّ حالٍ الصحيحُ أن المراد بـأَهْلِيهِمْيعني أهليهم الذين في الدنيا حيث خسروا الاجتماعَ بهم في الآخرة، ووجْه الخسران؟
طالب: أنه إذا كانوا مؤمنين وهم كفارٌ فلنْ يلتقوا بهم.
الشيخ: لأن الأهل في الجنة وهؤلاء في النار، تمام.
الطالب: وإذا كانوا كافرين فكذلك لن يلتقوا بهم.
الشيخ: نعم، لأن كلَّ واحدٍ مشغولٌ بنفسه، تمام.
قال الله عز وجل: أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الزمر: ١٥] إي واللهِ. أَلَا ذَلِكَشوف التأكيد البالغ، أَلَاأداة استفتاح، والفائدة منها: التوكيد والتنبيه.
ذَلِكَإشارة لبُعده؛ لأنه خُسرانٌ سحيقٌ -والعياذ بالله- يعني لم يقُل: ألَا هذا، مع أن ذِكْره قريب، لكنَّه خُسرانٌ سحيقٌ، فأُشير إليه بإشارة البُعد، ثم حُصِر؛ قال: هُوَ الْخُسْرَانُيعني لا غير، ثم أُكِّد بفداحته؛ قال: الْمُبِينُأي: البيِّن الذي لا يخفى على أحد، نسأل الله أن يجعلني وإيَّاكم من الرابحين (...).

***

فيه مناقشة.
قال الله تبارك وتعالى: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ [الزمر: ١١]
قوله: إِنِّي أُمِرْتُ، مَن هو الآمر؟
طالب: الله عز وجل.
الشيخ: حُذِف؟
الطالب: لأنه معلوم.
الشيخ: نعم، للعلم به.
قوله: مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ، إعراب مخلصًا؟
طالب: حال.
الشيخ: من أين؟
الطالب: من فاعل أَعْبُدَ.
الشيخ: من فاعل أَعْبُدَ. والدِّينَ؟
الطالب: والدِّينَمفعول به لـمُخْلِصًا.
الشيخ: مفعول به لـمُخْلِصًا. ما معنى إخلاص الدين؟
طالب: يعني إخلاص الدين لله سبحانه وتعالى؛ يعني توجيه العبادة له سبحانه وتعالى ليس لغيره (...).
طالب آخر: (...).
طالب آخر: تنقيته من الشوائب الشركية.
الشيخ: نعم، الإخلاص .. إخلاصُ الشيء تنقيته من الشوائب، والشوائب هنا شوائبُ الشرك.
وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ [الزمر: ١٢] ما معنى اللام هنا؟
طالب: وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ(...) الباء، يعني..
الشيخ: بمعنى الباء؛ أي: بأن أكون. طيب، فيه وجه آخَر؟
طالب: إي نعم، هو أن يكون الفعل متضمِّنًا لفعل آخَر يُعدَّى بهذا الحرف.
الشيخ: التقدير؟
الطالب: وأُمِرتُ أن أعبُدَ الله لأن أكون أول المسلمين.
الشيخ: أن أعبد الله مخلصًا له لأن أكون..؟
الطالب: أول المسلمين.
الشيخ: أي: لأجْل أن أكون أول المسلمين. الأوَّلية هنا؟
طالب: أولية سبق.
الشيخ: سبق. وعلى ما ذهب إليه المؤلف؟
الطالب: هو قال: (من هذه الأُمَّة)؛ لكي يحترز من أن قَبْل الرسول صلى الله عليه وسلم ناسًا مسلمين.
الشيخ: إي، لكن هذا .. على رأي المؤلف ماذا تكون الأوَّلية هنا؟
الطالب: أوَّلية سبْق وعطاء.
الشيخ: (سبْق) ذكرتَها أنت في الأول.
الطالب: قبل.
طالب: أوَّلية زمن، على رأي المؤلف.
الشيخ: على رأي المؤلف: أوَّلية زمن.
الطالب: والثاني: أوَّلية الصفة.
الشيخ: إي نعم، أوَّلية الصفة يعني معناه؟
الطالب: يعني: أول مَن سَبَق للانقياد للإسلام.
الشيخ: نعم، أحسنت.
قوله: عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [الزمر: ١٣] ما الذي نَصَبها؟
طالب: لأنها مفعول به.
الشيخ: مفعول به لأيش؟
الطالب: لـأَخَافُ.
الشيخ: لـأَخَافُ. ما المراد باليوم؟
طالب: يوم القيامة.
الشيخ: قال الله تعالى: فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ [الزمر: ١٥] المراد بالأمر هنا؟
طالب: (...).
طالب آخر: التهديد والتحدي.
الشيخ: كيف التهديد والتحدي؟
الطالب: يقول المؤلف: (...) التهديد (...) التحدي.
الشيخ: كيف التهديد وكيف التحدي؟
الطالب: وجه التهديد أنَّه لا يمكن أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم يأمرهم أن يعبدوا من دون الله سبحانه وتعالى شيئًا، لكن يهدِّدهم أن يعبدوا من دونه ما شاؤوا، والله عز وجل سيحاسبهم على هذه العبادة ويعاقبهم عليها.
ووجه التحدي أنَّه لا يبالي أنه يعبد الله عز وجل، وأنتم اعبدوا ما شئتم من دونه، وهو لا يبالي بما يعبدونه.
الشيخ: تمام. طيب، قوله: خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الزمر: ١٥] كيف ذلك؟
طالب: على قول المؤلف هو خَسِر ما أعدَّ له في الجنة من حورٍ عينٍ (...).
الشيخ: يعني أهليهم اللي في الجنة لو أنَّهم آمنوا.
طالب: (...) خسر أهله ما اجتمع معهم في الجنة.
الشيخ: وجْه ذلك؟ يعني وجْه الخسران في أهله إذا كان المراد أهله الذين في الدنيا، كيف يخسرهم يوم القيامة؟
الطالب: يعني تفرق، ما اجتمع معهم، (...) ذهب إلى الجنة (...) يجمعهم وذريتهم (...).
الشيخ: كيف خُسران النفس؟
طالب: (...).
الشيخ: يعني خسروا أنفسَهم يوم القيامة، كيف خسرها؟
الطالب: (...) يخسر ما عند الله من (...).
طالب آخر: (...).
طالب آخر: يعني ما يستفيد من عمره.
الشيخ: يعني:لم يستفِدْ من عمره في الدنيا، فخَسِره في الآخرة، وأمَّا المؤمنون فإنهم ربحوا، أحسنت.
أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الزمر: ١٥] أَلَا؟
طالب: أَلَاأداة استفتاح تفيد التنبيه.
الشيخ: هل في الجملة حَصْر؟
الطالب: (...).
الشيخ: ما طريقه؟
الطالب: ضمير الفصل هُوَ.
الشيخ: ضمير الفصل هُوَ.
طيب، الْمُبِينُ(...) بمعنى؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، الْمُبِينُما معناه؟ ما معنى الْمُبِينُ؟
الطالب: معناه البيِّن.
الشيخ: البيِّن؟ هل تأتي (أبانَ) الرباعية بمعنى البيِّن؟ لأن (بيِّن) من الثلاثي، و(مُبين) من الرباعي.
طالب: تأتي.
الشيخ: تأتي؛ يعني يقال: بانَ الصبحُ، وأبانَ الصبحُ.

***

أخذنا الفوائد؟
طالب: ما أخذنا الفوائد.
الشيخ: ما أخذناها، إذَن إن شاء الله نأخذها.
قال الله تبارك وتعالى: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ [الزمر: ١١]
من فوائد هذه الآية: أن الإنسان مأمورٌ بأن يُعلن ما أَمَر الله به من عبادته؛ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ، ولهذا فائدتان:
الفائدة الأولى: الحثُّ على اتِّباعه في هذا.
والفائدة الثانية: بيان استحقاق الله سبحانه وتعالى لذلك، وأنَّه هو المستحقُّ لأن يُعبَد وحده؛ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا.
ومن فوائد هذه الآية: أنه يجب في العبادة الإخلاص؛ لأنه أُمِر بأن يعبد الله على هذا الوصف: مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ.
ومن فوائدها: أنَّ مَن لم يُخلص لم يكن قد أتى بالأمر.
ويتفرع على هذه القاعدة: أنَّ عمله يكون مردودًا عليه؛ لقوله..، فإذا أشركَ يكون قد عمل عملًا ليس عليه أمْر الله ورسوله، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» .
ومن فوائد قوله تعالى: وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ [الزمر: ١٢] أنه يجب المبادرة بالإسلام من غير توقُّف؛ لأن الله أَمَر بذلك، وهذا بناءً على أنَّ المراد بالأوَّلية هنا أوَّلية الصفة؛ يعني: السبق.
ومن فوائد هذه الآية: أن الرسول صلى الله عليه وسلم عبدٌ مأمورٌ.
ويتفرَّع على هذا أنَّه ليس له من الأمر شيء، وقد صرَّح الله بذلك في قوله: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ [آل عمران: ١٢٨].
ويتفرَّع عليه أيضًا ضلالُ أولئك القوم الذين يدعون رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُغيثهم، أو أن يجلب لهم الخير ويدفع عنهم الشر.
ثم قال تعالى: قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [الزمر: ١٣].
من فوائدها: أنه ينبغي، بل يجب على الرسول عليه الصلاة والسلام أن يُعْلم هذا الإعلان للملأ؛ أنَّه يخاف عذابَ يومٍ عظيمٍ إن عصى الله، وفائدته ما ذكرنا قبل قليل: من أجْل التأسِّي به في ذلك، ومن أجْل بيان عظمة الله وأنه مستحقٌّ لأنْ يُخاف منه.
ومن فوائدها: إثبات اليوم الآخِر؛ لقوله: عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ.
وهل يمكن أن يُستفاد منها أن النبي صلى الله عليه وسلم تجوز عليه المعصية؟
طالب: نعم.
الشيخ: لقوله: إِنْ عَصَيْتُ.
ولكن قد يقول قائل: في هذا نظر؛ لأن الشرط قد يتحقَّق وقد لا يتحقَّق، وقد يكون تحقُّقه ممتنعًا مثل قوله تعالى: قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ [الزخرف: ٨١]، وقوله تعالى لرسوله: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ [الزمر: ٦٥، ٦٦].
إذَن هذه الفائدة فيها نظر؛ لأن قوله: إِنْ عَصَيْتُلا يدلُّ على أن المعصية تقع منه، لكن على فَرْض أن تقع فإني أخاف.
وقد يقول قائل: إنَّ كَوْنه يخاف أمْرٌ محقَّق؛ إِنِّي أَخَافُ، وإذا كان أمرًا محقَّقًا فإن المعلَّق عليه وهو المعصية يكون كذلك؛ أي: يمكن أن يكون معناه أنني إنْ عصيتُ فإني أخاف.
وعلى كل حال فإنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام ثبت عنه أنَّه كان يدعو اللَّهَ أنْ يغفر اللَّهُ له ذنْبَه أولَه وآخِرَه ، وثبت أنه صلى الله عليه وسلم يقول: «اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ»، «اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ»، «اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ» .
ومن فوائد الآية الكريمة: تعظيمُ يوم القيامة وأنه يومٌ عظيمٌ، ويتفرَّع على هذا أنه ينبغي للعاقل أن يحذر منه.
ومن فوائدها: جواز وصْف غير الله بالعِظَم؛ لقوله: يَوْمٍ عَظِيمٍ، وقد قال الله تعالى عن ملكة سبأ: وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ [النمل: ٢٣]، ووَصَف الإفكَ بأنه عظيمٌ ... إلى غير ذلك، فوصْف غير الله بالعِظَم لا بأس به، لكن العِظَم المطْلق إنما يكون لله عز وجل.
ثم قال تعالى: قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ [الزمر: ١٤، ١٥].
يُستفاد من هاتين الآيتين: أنه ينبغي للإنسان أن يُعلن بالحقِّ الذي هو عليه ولا يُبالي بمن خالَفه؛ لقوله: قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ؛ يعني: فلا أُبالي بكم، أنا سأعبد اللَّهَ وأسير على الطريقة السليمة، وأنتم سيروا على ما شئتم.
ومن فوائد الآيتين: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم من أشدِّ الناس امتثالًا لأمْر الله؛ لأنه قال فيما سبق: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ [الزمر: ١١]، ثم قال هنا: قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي [الزمر: ١٤].
ومن فوائد الآيتين: أن النبي صلى الله عليه وسلم محتاجٌ إلى العمل الذي يُنجيه من عذاب الله؛ لقوله: مُخْلِصًا لَهُ دِينِيبالياء؛ بالإضافة، وهو كذلك، ولَمَّا حدَّث أصحابَه بأنه لن يدخل الجنةَ أحدٌ بعمله قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ» .
ومن فوائد الآيتين: تحريم عبادة غير الله؛ تؤخذ من قوله: فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ [الزمر: ١٥] لأنَّا ذكرنا أن الأمر هنا للتهديد، ولا تهديد إلا على شيءٍ مخالفٍ ومعصية.
ومن فوائد الآية الكريمة -قوله تعالى: إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ [الزمر: ١٥] إلى آخره- بيان أنَّ الخسارة الفادحة التي ليس معها رِبْح هي خسارة هؤلاء الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وفي الآية هذه: الإشارة إلى أنَّ الشرك هو سببُ هذه الخسارة؛ لأنه تلا قولَه: فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهقُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ.
ومن فوائدها: أنَّ أهل الشرك يوم القيامة لا يجتمعون بأهليهم؛ لقوله: الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ.
ومن فوائد الآية: أنَّ عُمر الإنسانِ حقيقةً هو ما أمضاه في طاعة الله، ولهذا وصَف الله هؤلاء بأنَّهم قد خسروا أنفسَهم؛ لأنهم لم يعملوا خيرًا.
ومن فوائد الآية: أنَّ هذه الخسارة أعظمُ خسارةٍ تكون؛ لقوله: أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ.

***

نحن لم نتكلَّم في الأمس على ضمير الفصل، ولكن لا بدَّ أن يكون عندكم عِلمٌ منه، فضمير الفصل ضميرٌ، ليس اسمًا على القول الراجح، فليس له محلٌّ من الإعراب، لكنه يُؤتَى به لفوائد ثلاث:
الأولى؟
طالب: حتى لا يشبه الخبر مع الصفة.
الشيخ: حتى لا يشتبه الخبر بالصفة؛ يعني: فيَفْصِل بين الخبر والصفة، ويظهر هذا بالمثال؛ لو قلت: (زيدٌ الفاضلُ) فهنا يحتمل أن يكون (الفاضل) صفةً وأنَّ الخبر محذوفٌ؛ أي: زيدٌ الفاضلُ في البيت، مثلًا. فإذا قلت: (زيدٌ هو الفاضل) تعيَّن أن تكون (الفاضل) خبرًا.
الفائدة الثانية لضمير الفصل؟
طالب: الحصر.
الشيخ: الحصر، لأنك إذا قلت: (زيدٌ هو الفاضل) يعني: لا غيرُه، بخلاف لو قلت: (زيدٌ الفاضل)، فهو فاضلٌ وقد يكون غيرُه فاضلًا أيضًا.
الفائدة الثالثة؟
طالب: التوكيد.
الشيخ: التوكيد؛ لأن قول القائل: (زيدٌ هو الفاضل) أوكد من قوله: (زيدٌ الفاضل).
أما (هو) فليس له محلٌّ من الإعراب، ودليل ذلك في القرآن؛ قال الله تعالى: لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ [الشعراء: ٤٠]، ولو كان له محلٌّ من الإعراب لكان مبتدأً ولَرُفِع الذي بعده، ولَكانت الآية: لعلَّنا نتبع السحرة إنْ كانوا هم الغالبون.

***

تفسير الآيات (16-20)
00:48:29

ثم قال الله تعالى -ونحن نبتدئ بذلك الدرس-: لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ [الزمر: ١٦]، لَهُمْالضمير يعود على الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الزمر: ١٥] وهم الكفار.
مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِمن فوق رؤوسِهم، وكلمة مِنْ فَوْقِهِمْتدلُّ على أن هذه الظُّلَل محيطةٌ بهم.
وقوله: ظُلَلٌقال المؤلف: (طِبَاقٌ مِنَ النَّارِوهذه الطِّباق من النَّار لا نعلم كيفيَّتها، لا نعلم هل هي حديدٌ مُحمى أو حجارة أو غير ذلك، لكن إذا تأمَّلْنا قولَه تعالى: وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [البقرة: ٢٤] فقد نقول: إنها من الحجارة، وليست أيضًا كحجارتنا، بل هي حجارةٌ لا تُعلم كيفيَّتها.
وقوله: وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌأي: (مِن النار) كما قال المؤلف، وهذا كقوله تعالى: لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ [الأعراف: ٤١] أي: شيءٌ يغشاهم؛ أي: يغطِّيهم.
ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ [الزمر: ١٦] ذَلِكَأي: المشار إليه مِن ذكْر هذه الظُّلَل يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ، بِهِالضمير يعود على العذاب المذكور، والباء للسببية؛ أي يُخَوِّف بسببه، ويجوز أن تكون للتعدية؛ أي: يُخَوِّف به نفسه.
عِبَادَهُقال: (أي: المؤمنين ليتَّقوه، يدُلُّ عليه يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ [الزمر: ١٦]). المؤلف -رحمه الله- سَلَك في تفسير الآية أنَّ المراد بالعِباد هنا شيءٌ خاصٌّ وهم المؤمنون، مع أنَّ ظاهر الآية العموم وأنَّ المراد بالعِباد هنا مَن يتعبَّدون لله بالمعنى العام، وهي العبودية الكونية؛ لأنَّ العبادة نوعان: عبادةٌ يتعبَّد الإنسانُ بالشرع، يتعبَّد لله بالشرع، وهذه خاصة بِمَن؟ بالمؤمنين، وعبادةٌ يعني يتعبَّد الإنسانُ لله بالكون أي: يكون عبدًا لله كونًا وقدَرًا يفعل الله فيه ما يشاء، وهذه عامة؛ كما قال تعالى: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [مريم: ٩٣]، فهل المراد بالآية هنا العبادة العامَّة وأنَّ الله يوجِّه الخطابَ إلى جميع العباد؛ جميع الناس، أن يتَّقُوه، أو هي خاصَّة؟
يرى المؤلف -رحمه الله- أنها خاصَّة، ولكن لا دليل على ذلك، وإذا لم يكن هناك دليلٌ فالأَولى إبقاءُ النص على عمومه، فكما أن المؤمن يُخَوَّف بهذا الوعيد فكذلك الكافر، الكافر أيضًا يُخَوَّف، بل إنَّ تخويف الكافر أوكد من تخويف المؤمن؛ لأنَّ مع المؤمن ما يُنجيه من الخلود في النار، لكن الكافر ليس معه ما يُنجيه من الخلود في النار. إذَن المراد بذلك العموم أو الخصوص؟
طالب: العموم.
الشيخ: ويش وجهه؟
الطالب: (...).
الشيخ: ما وجه أنَّ الأرجح العموم؟
طالب: لا دليل للمؤلف، والأَولى أن يبقى النص على ظاهره.
الشيخ: أن هذا هو ظاهر النَّص، كذا؟
ثانيًا: أنَّ الكافر أَوْلى أن يُخَوَّف بالنار من المؤمن؛ لأنَّ مع المؤمن ما ينجو به من الخلود في النار، وليس مع الكافر شيءٌ ينجو به، فكيف نصرف التخويف عمَّن هو أحقُّ بالتخويف. إذَنْ فالصحيح أنَّ المراد بالعباد العموم؛ يعني: يُخَوِّف الله بهذا العذاب جميعَ الناس.
ثم وجَّهَ الله الخطابَ إلى الناس عمومًا فقال: يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ، يَا عِبَادِيعني جميع العباد؛ كما قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ [لقمان: ٣٣]، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ [النساء: ١]، والآيات كثيرةٌ في توجيه الأمر بالتقوى إلى جميع الناس، والكافر محتاجٌ إلى التقوى كما أنَّ المؤمن كذلك.
فقول المؤلف: (يدلُّ عليه) فيه نظر؛ ففي حُكم المؤلف نظر، وفي الاستدلال لهذا الحكم نظر.
يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِغريبٌ أن تأتي النون مع فِعل الأمر، والمعروف أنَّ فعل الأمر المقرون بواو الجماعة أو ألف الاثنين أو ياء المخاطَبة تُحذف منه النون.
طالب: هذه نون الوقاية.
الشيخ: هذه نون الوقاية؟ ما الذي أدراك أنها نون الوقاية؟
الطالب: لأن أصلها (اتَّقُونني).
الشيخ: اتقوني؟
الطالب: (فاتَّقونني).
الشيخ: نعم، (فاتَّقونني) أصله؟
الطالب: (...).
الشيخ: هذا اللفظ فَاتَّقُونِأنتَ قلت: إن النون هنا ليست نون الرفع ولكن نون الوقاية، فما الذي أدراك؟
الطالب: (...) فأصلها (اتَّقونني).
الشيخ: اتقونني؟! لا، هذا أصلًا ليس بأصل؟
طالب: لأنه يدلُّ على حذف الياء كسرتُه، وأصله (فاتَّقوا) هذا الأمر، و(نِ) نون الوقاية مع ياء المتكلم، وبعدها حُذفت الياء للتخفيف، وبعدُ بقيت الكسرة حتى تدل على حذفها.
الشيخ: صحيح، الدليل واضح يا جماعة كَسْر النون؛ لأنها لو كانت نون الرفع لكانت بفتح النون، فإنَّ نون الرفع تكون مفتوحة.
ومن مثال ذلك أيضًا قوله تعالى في سورة الذاريات: فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ، فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ [الذاريات: ٥٩]. فَلَا يَسْتَعْجِلُونِهذا لفظ الآية، إذا وصلتَ كيف تقول؟ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩) فَوَيْلٌ [الذاريات: ٥٩، ٦٠]، فالنون هنا للوقاية وليست نون الرفع.
يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِوقد سبق معنى التقوى مِرارًا فلا حاجة لإعادته.
ثم قال الله تعالى: وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ [الزمر: ١٧].
الَّذِينَ اجْتَنَبُواأي: أبعدوا عن الطاغوت؛ لأنه مأخوذٌ من الجَنْب، وهو الشيء المنفصل عن الشيء، تقول: إلى جانب فلان؛ أي إنَّه منفصلٌ غير متَّصل، وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَأي: ابتعَدوا عنها.
والطَّاغُوتَاسمٌ من الطُّغيان، والتاء فيه للمبالغة، فما هو الطاغوت الذي اشتقَّ من الطغيان؟
يقول ابن القيم رحمه الله: الطاغوت كلُّ ما تَجاوز به العبدُ حدَّه من معبودٍ أو متبوعٍ أو مُطاعٍ. كلُّ ما تجاوز به الإنسانُ حدَّه -وإنما قال: ما تجاوز به حدَّه، من أجْل أن يَصْدُق عليه أنه طغيان- من معبود أو متبوع أو مطاع. فمثلًا الأصنام التي يعبدها الكفار تُسَمَّى طواغيت، المتبوعون من العلماء طواغيت، المطاعون من الأمراء كذلك أيضًا طواغيت، لكنَّه ليس على ظاهره، كلامُ ابن القيم ليس على ظاهره؛ المراد به المعبود الذي لا إرادة له كالأصنام من الجمادات أو المعبود الذي رضي بعبادته، وأمَّا المعبود الذي عُبِد وهو لا يرضى بالعبادة فلا يُسمَّى طاغوتًا، ولهذا لا يمكن أن نُسمِّي عيسى بن مريم طاغوتًا. وكذلك أيضًا المتبوع؛ العلماء الذين لا يرضون أن يعبدهم الناسُ ليسوا طواغيت، المطاعُ أيضًا؛ الأمراء الذين لا يرضون أن يعبدهم الناس لا يُسمَّون طواغيت،
فكلام ابن القيم ليس على إطلاقه.
ويمكن أن نقول: إن قول ابن القيم: ما تجاوز به العبدُ حدَّه من معبودٍ أو متبوعٍ أو مطاعٍ، أنَّه عائدٌ على العمل؛ يعني أن الطاغوت عمَلُ الإنسان في معبوداته أو مَن يطيعهم أو مَن يتَّبعهم؛ يعني معصية الله في طاعة هؤلاء، فيكون الوصف بالطغيان عائدًا على الفعل لا على المفعول، وحينئذٍ نَسْلَم من الإشكال الذي قُلنا: إنَّه لا بد أن يُقَيَّد المعبود والمتبوع والمطاع بأنه راضٍ.
على كل حال إنَّ الطَّاغُوتَمأخوذٌ من الطغيان وهو مجاوزة الحد، والصيغة فيه صيغة مبالغة.
قال المؤلف: (الأوثان)، ففسَّر الطاغوت بالمعبودات وهي الأوثان، ولهذا قال: أَنْ يَعْبُدُوهَا.
أَنْ يَعْبُدُوهَا(أنْ) هذه مصدرية، والمصدر المؤول منصوبٌ على أنه بدلٌ من الطاغوت. مِن أيِّ أنواع البدل؟
طالب: بدل كل من كل.
الشيخ: لا
طالب: بدل بعض من كل.
الشيخ: ولا بعض؛ لأن العبادة ما هي ببعض الأوثان.
طالب: بدل اشتمال.
الشيخ: بدل اشتمال، طيب إذَنْ نقول: أَنْ يَعْبُدُوهَافي محل نصب بدل من الطَّاغُوتَ.
وقوله: أَنْ يَعْبُدُوهَاهم يعبدون الأصنامَ بدُعائها، ولكنهم يدَّعون أنهم لا يعبدونها إلا لتُقرِّبهم إلى الله.
ثم قال: وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِإلى آخِره في الدرس القادم إن شاء الله.

***

طالب: الهيبة التي تأتي (...).
الشيخ: نعم، إي، ويش فيها؟
الطالب: الهيبة هذه ماذا تكون؟
الشيخ: ما هي خوف عبادة هذه، هذه ليست خوف عبادة، ولكنَّها خوف هيبة واحترام.
طالب: قال المصنف رحمه الله تعالى: يَا عِبَادِوالمراد بالعباد المؤمنون، (...).
الشيخ: طيب الكافر ما يُؤْمَر بالتقوى؟
الطالب: (...).
الشيخ: لا، من جملة التقوى ترْك الكفر؛ لأنَّ التقوى اتِّخاذ وقايةٍ من عذاب الله، ومن جملتها الإيمان، ولهذا جاءت الآية: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ [لقمان: ٣٣]، يَا أَيُّهَا النَّاسُعمومًا، وجاءت آيةٌ أخرى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ [الحج: ١]، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا [النساء: ١].

***

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨) أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (١٩) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ (٢٠) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ [الزمر: ١٧ - ٢١]
الشيخ: بس، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى. الَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ، ما معنى اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ؟
طالب: اجتنبوا عبادة الطاغوت، وهو ما عُبِدَ من دون الله وهو راضٍ.
الشيخ: نعم، طيب وما معنى اجْتَنَبُوا؟
الطالب: ابتعَدوا.
الشيخ: ابتعَدوا عنها.
ما موقع أَنْ يَعْبُدُوهَامن الإعراب؟ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا.
طالب: بدل اشتمال.
الشيخ: بدل اشتمال. كم أنواع البدل؟
الطالب: (...).
الشيخ: ما هي؟
الطالب: اشتمال، بعض، بيان.
الشيخ: لا.
طالب: بدل الغلط، وبدل الاشتمال، وبدل الكل من الكل، وبدل البعض من الكل.
الشيخ: كم هذه؟
الطالب: أربعة.
الشيخ: خمسة؛ قال ابن مالك:
مُطَابِقًا أَوْ بَعْضًا اوْ مَا يَشْتَمِلْ عَلَيْهِ يُلْفَى أَوْ كَمَعْطُوفٍ بِـ(بَلْ)

أربعة، فيه بدل كُلٍّ من بعض؟
طالب: على قول.
الشيخ: على قول.
الطالب: (...).
الشيخ: إي نعم.
......................... بِسِجِسْتَانَ طَلْحَةَ الطَّلْحَاتِ

***

قوله عز وجل: وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ [الزمر: ١٧].
يقول: (أَنَابُواأقبلوا إِلَى اللَّهِوالإنابة تكون بمعنى الإقبال كما قال المؤلف، وتكون بمعنى الرجوع؛ رجعوا إلى الله، والرجوع إلى الله يستلزم الإقبالَ عليه؛ لأن الإنسان يفِرُّ بالمعصية بعيدًا عن الله، فإذا تابَ وأنابَ ورجعَ إلى الله فهو مُقبل.
لَهُمُ الْبُشْرَى [الزمر: ١٧] الجملة هذه خبريَّة، قُدِّم فيها الخبر لَهُمُلإفادة الحصر؛ لأنَّ ما كان حقُّه التأخير إذا قُدِّم أفادَ الحصر.
وقوله: لَهُمُ الْبُشْرَىالجملة هذه خبر الَّذِينَ؛ الذين اجتنبوا الطاغوت لهم البشرى، واضح؟ فتكون هذه الجملة في موضع رفْعٍ على الخبر، فما هي البُشرى؟
البُشرى ما تَحْصل به البشارة، والبشارة هي في الأصل الخبرُ السَّارُّ، وسُمِّي الخبرُ السَّارُّ بشارة لأنه يظهر أثرُه على البشرة التي هي الجلدُ؛ فإنَّ الإنسان إذا أُخبر بما يسرُّه استنار وجهه وتغيَّر، فسُمِّيتْ بُشْرى.
وقول المؤلف: (الجنة) هذا لا شك أنه مِمَّا يدخل في البُشرى، لكنه أعَمُّ مِمَّا قال المؤلف؛ كما قال تعالى: لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ [يونس: ٦٤] فمِن البُشرى الرؤيا الصالحة يراها الإنسانُ لنفسه أو يراها له مؤمن، فإن هذه من البُشرى كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ» ؛ الرؤيا الصالحة يراها أو تُرى له؛ مثل أن يرى مَن يبشِّره بالجنة، أن يرى أنه في نعيم، وما أشبهَ ذلك، هذه من البشرى.
ومن البُشرى أيضًا أن يُوَفَّق للعمل الصالح؛ إذا رأيتَ اللَّهَ سبحانه وتعالى وفَّقك للعمل الصالحِ المبنيِّ على الإخلاص والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإنَّ هذه من البُشرى.
ومن البُشرى أيضًا أن يوفِّقك الله عز وجل لمصاحبة الأخيار؛ فإنَّ «الْمَرْء عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ» كما جاء في الحديث «فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ» ، فإذا وجدتَ أن الله وفَّقك لمصاحبة الأخيار فإنَّ هذا عنوانٌ على السعادة.
ومن البُشرى أيضًا أن يحبَّ الإنسانُ من يحبُّه الله؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم سُئِل عن الرجل يحبُّ القومَ ولَمَّا يلحقْ بهم، فقال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَحَبَّ قَوْمًا فَهُوَ مِنْهُمْ». قال أنس بن مالك رضي الله عنه: ما فرِحْنا بعد الإسلام بشيءٍ أحَبَّ إلينا من هذا الحديث. ثم قال: فأنا أُحِبُّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم وأُحِبُّ أبا بكر وعمر ، فهذه من البُشرى.
المهم أن البُشرى كلُّ خبرٍ سارٍّ، فيشمل ما قاله المؤلف؛ (الجنة)، وهي الغاية لكلِّ إنسانٍ، ويشمل ما كان علامةً على ذلك، لَهُمُ الْبُشْرَى.
قال: فَبَشِّرْ عِبَادِ [الزمر: ١٧] أَمَر اللُّه النبيَّ صلى الله عليه وسلم أن يبشِّر عباد الله، بَشِّرْهم بماذا؟ بشِّرْهم بالجنة وبكُلِّ ما يسُرُّهم، حتى في الدنيا المؤمن مسرورٌ دائمًا، وإنْ أُصِيب ببلاءٍ فإنه مسرور؛ لأنه إذا أُصِيب بالبلاء فصبر كان خيرًا له.
قوله: فَبَشِّرْ عِبَادِالدال مكسورة مع أنها مفعولٌ به، لِماذا؟
طالب: (...).
الشيخ: لأنَّ أصلها (عبادي) فحُذفت الياء للتخفيف كما في قوله تعالى: وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ [الرعد: ١١] أي: من والِي، وإنْ كانت الياء في مِنْ وَالٍغير الياء في (عبادي)؛ لأن الياء مِنْ وَالٍمن أصل الكلمة، وأمَّا هنا فهي كلمةٌ أخرى؛ الياء.
فَبَشِّرْ عِبَادِمَن المراد بالعباد هنا؟ المراد خصوصيَّة العبودية؛ أي: عباد الله الصالحين لا كُل عبد.
ثم بيَّن من صفاتهم قال: الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ [الزمر: ١٨] هذا من علامات عباد الله عز وجل أنهم لا يُضيعون الفُرَص.
يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَأي: يُصْغُون إليه، ولم يقُل: يسمعون؛ لأنَّ الاستماع هو متابعة المتكلِّم والإنصاتُ إليه، بخلاف السَّماع، ونضرب مثلًا لرجُلٍ مَرَّ بقارئٍ فسمعه يقرأ، ورجُلٍ آخَر مَرَّ بقارئٍ يقرأ فجلس إليه يُنْصِت، الأول سامع، والثاني مستمع. ولهذا قال العلماء بناءً على هذا الفرق: إذا قرأ القارئُ آيةً فيها سجدةٌ وسَجَد فإنَّ السامع لا يسجد والمستمع يسجد؛ لأن المستمع متابِع والسامع ليس بمتابع. إذَنْ هؤلاء يستمعون القولَ، لا يُضيعون فرصة.
الْقَوْلَ(أل) هنا للعهد، وتُشبه أن تكون للعهد الذِّكْري؛ لقوله: فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ؛ أي إنهم يستمعون القولَ الحَسَن ليس كُلَّ قول، فـ(أل) هنا نقول: إنها للعهد، ويُشبه أن تكون للعهد الذِّكْري؛ لقوله: فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ.
إذَن ما المراد بالقول هنا؟ القول الحَسَن، أمَّا اللغْو أو السيِّئ فإن الله يقول: وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا [الفرقان: ٧٢]، وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ [القصص: ٥٥] فإذا كانوا يُعرضون عن اللغو لأنه لا فائدة فيه، فالمحرَّم من باب أَوْلى. إذَنْ هؤلاء قومٌ عندهم حَزْم، عندهم شُحٌّ في الوقت، لا يستمعون إلا إلى القول الحَسَن.
طيب، إذا استمعوا إلى القول الحسن، فنحن نعلم أنَّ الحسن فيه ما هو أحسن وما هو حَسَن، فما الذي يتَّبعون؟ يقول: فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ؛ فمثلًا إذا سمعوا الترغيب في صلاة الليل وأنَّ أكثرها -مثلًا- إحدى عشرة ركعة وأدناها ركعة واحدة، ما الذي يتَّبعون؟
طلبة: إحدى عشرة.
الشيخ: الإحدى عشرة؛ لأنها أحسن.
إذا سمعوا الإنفاق في طلب العلم والإنفاق على فقيرٍ ليس في ضرورة، ماذا يتَّبعون؟
طالب: على طلب العلم.
الشيخ: على طلب العلم؛ لأنهم يتَّبعون الأحسن، إذَنْ لم يفرِّطوا في الوقت، ولم يفرِّطوا في الأفضل، بل كانوا يستمعون كلَّ قولٍ حَسَن ويتَّبعون الأحسن منه.
طيب، فإن تَبِعوا الحسن وتركوا الأحسن فإنهم لا يُلامون على ذلك، لكنَّهم ليسوا في قمَّة الكمال، الذي في قمَّة الكمال هو الذي يتَّبع الأحسن.
قال الله تعالى: فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ(وهو ما فيه صلاحُهم) لكن الأصلح؛ يتَّبِعون الأصلح فالأصلح.
قال الله تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ [الزمر: ١٨].
أوَّلًا: أُولَئِكَالإشارة للبعيد، وإنما أشار إليهم إشارةَ البعيدِ مع قُرب ذِكرهم للدلالة على عُلُوِّ منزلتهم، وهذا يقع كثيرًا في القرآن؛ يشير الله إلى الشيء القريب بصيغة البعيد لعُلُوِّ مرتبته؛ كما قال الله تعالى: الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ [البقرة: ١، ٢] مع أنه يقول ذَلِكَ الْكِتَابُالكتاب قريب، لكن إشارة لأيش؟ لعُلُوِّ مرتبتِه، أحيانًا يُشير إليه بالقريب لقُربه من مُريده؛ كما في قوله تعالى: وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ [الأنعام: ٩٢] يعني ليس بعيدًا عليهم، قريبٌ لهم.
هنا يقول: أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُأشار إليهم إشارةَ البعيد؟ إشارةً إلى عُلُوِّ مرتبتهم.
أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُهذه الجملة خبرية طرفاها معرفة، وقد قال العلماء: إنَّ الجملة الخبرية إذا كان طرفاها معرفة فإنها تفيد الحصر؛ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُيعني لا غير.
وقوله: هَدَاهُمُ اللَّهُيشمل هداية الدلالة وهداية التوفيق؛ يعني بيَّن لهم الحقَّ وعلِمُوه ثم اهتدَوا به، والناسُ في هذا المقام ثلاثة أقسام: قِسمٌ ضلُّوا عن الهدى علمًا وعملًا، وقِسمٌ هُدُوا إلى الحقِّ علمًا وعملًا، وقِسمٌ هُدُوا إلى الحقِّ علمًا ولم يهتدوا إليه عملًا. عرفتم؟
هل يمكن أن أقول: وقِسمٌ اهتدوا إلى الحق عملًا ولم يهتدوا إليه علمًا؟
الطلبة: لا يمكن.
الشيخ: لا يمكن، لماذا؟ لأنه لا عمل بالحق إلا بعلمٍ بالحق، فالقسمة رُباعية، لكن الطرف الرابع منها غير واقع، ممتنع.
إذَن أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُهداية دلالةٍ وتوفيقٍ، وإنْ شئتَ فقلْ: هداية عِلم وعمل، أيُّهما الدلالة؟
الطلبة: العلم.
الشيخ: العلم. والتوفيق؟
الطلبة: العمل.
الشيخ: العمل.
أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ [الزمر: ١٨]، وَأُولَئِكَكرَّر اسم الإشارة تنويهًا بعُلُوِّ مرتبتهم.
هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِأي: (أصحاب العقول)؛ لأنَّ الإنسان كلَّما كان للحقِّ أَتْبَع كان أكمَلَ عقلًا، وكلَّما نقص اتِّباعُ الحقِّ في حقِّه كان أَدَلَّ على قِلَّة عقلِه، فأعقلُ الناسِ أتْبَعُهم لدين الله لا شك؛ لأنهم هم الذين عندهم الحزمُ وانتهازُ الفُرَص وحِفْظُ الوقت، ولهذا قال: أُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ(أصحاب العقول).
فإن قال قائل: أليس الكفَّار ذوي عقل؟
فالجواب: بلى، لكنَّهم ذَوُوا عقلٍ إدراكيٍّ لا عقلٍ رُشْديٍّ، ولهذا كانوا مكلَّفين مُلزَمين لأنَّ عندهم عقلًا إدراكيًّا، لكنَّهم غير موفَّقين لأنهم فقدوا عقلَ الرُّشد.
قال الله تعالى في بيان عقوبة الخاسرين الذين خَسِروا أنفسَهم وأهليهم يوم القيامة، قال في بيان عقوبتهم: لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ [الزمر: ١٦].
من فوائد هذه الآية: شِدَّة العذاب على أهل النار؛ لأن العذاب يغشاهم من فوقهم ومن تحت أرجُلهم، وإذا كان الإنسان لا يتحمَّل النارَ إذا أتَتْه من وجهٍ ولو بعيد، فكيف إذا أتَتْه من الوجهين: الفوق والتحت!
ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّه يجب على الإنسان أن يخاف مما خوَّفه الله حتى يحقِّق العبودية؛ لقوله: ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّه ينبغي للإنسان أن يسير إلى الله عز وجل على جانبٍ من الخوف، الخوف من العذاب، وقد مَرَّ علينا كثيرًا: هل يُغَلِّب السائرُ إلى الله جانبَ الخوف أو جانبَ الرجاء، على ما سبق.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ الله عز وجل رَبُّ كلِّ شيء، وأنَّ كلَّ شيءٍ فهو عابدٌ لله؛ لقوله: ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ.
ومن فوائد الآية الكريمة: وجوبُ التقوى؛ لقوله تعالى: يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ.
ثم قال تعالى: وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَاإلى آخره [الزمر: ١٧].
من فوائدها: الثَّناء على مجتنب الطاغوت.
ومن فوائدها: أنَّ لهم هذا الثواب العظيم؛ وهو قوله: لَهُمُ الْبُشْرَى.
ومن فوائدها: أن التوحيد لا يتِمُّ إلا باجتناب الطاغوت والإخلاص لله؛ لقوله: اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى.
ومن فوائد هذه الآية: أنَّ الذين اتَّصَفوا بهذه الصفة: اجتناب الطاغوت والإنابة إلى الله، هم أهل البُشرى؛ لَهُمُ الْبُشْرَى، ولم يُبَيِّن الله وقتَ البُشرى، فهو شاملٌ للبُشرى في الدنيا وفي الآخرة.
ومن فوائدها: حرمانُ مَن أشركَ بالله مِن هذه البُشرى؛ لأنه جعل البُشرى لِمَن؟ لِمَن اجتنبوا الطاغوتَ أن يعبدوها وأنابوا الى الله.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثباتُ العبودية الخاصة؛ لقوله: فَبَشِّرْ عِبَادِ، والعبودية الخاصة تكون منقسمة إلى خاصَّةٍ أخَصَّ، وإلى خاصَّةٍ ليست بأخَصَّ؛ فالمؤمنون جميعًا كلُّهم عبادُ الله، والرُّسُل عبوديتهم أخصُّ.
طيب، سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا [الإسراء: ١] هذه من الخاصة أو الأخَصِّ؟
الطلبة: الأخص.
الشيخ: من الأخص. وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ [ص: ٤٥]؟
الطلبة: الأخص.
الشيخ: هذه من العبادة الأخص.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ عباد الله حريصون على استماع ما فيه المصلحة والمنفعة؛ لقوله: الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ [الزمر: ١٨].
ومن فوائدها: أنَّ هؤلاء السادة لا يضيِّعون وقتًا، حتى إنهم يستمعون إلى عمل غيرهم، وهو قولُ غيرِهم، فكيف (...)، لا بد أن يكونوا قائمين به.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ عباد الله عز وجل الذين وصفهم الله بما ذُكِر؛ يأخذون من القول بأحسنه؛ لقوله؟
طالب: الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ [الزمر: ١٨].
الشيخ: كيف؟
الطالب: لقوله: أَحْسَنَهُ.
الشيخ: لقوله: فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ هؤلاء القوم هم الذين هداهم الله؛ لقوله: أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ [الزمر: ١٨].
ويتفرَّع على هذه القاعدة أنك إذا رأيتَ من نفسك الحرصَ على استماع قول الخير واتِّباع أحسنه فاعلم أن هذا من هداية الله لك؛ لأنه قال: أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ، وإذا رأيتَ من نفسك كراهةَ الاستماع إلى القول الحسن فاتَّهِم نفسَك؛ لأنَّ الله جعل الهداية في هؤلاء القوم، فإذا لم يحصل لك هذا فاتَّهِم نفسَك، صحِّح الخطأ، أَقْبِل إلى الله عز وجل.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ أفعال العباد واقعةٌ بتقدير الله وأنهم لا يستقلُّون بها، من أين تؤخذ؟ هَدَاهُمُ اللَّهُ، ولهذا ذهب أهل السُّنة والجماعة إلى أن أفعال العباد مخلوقةٌ لله مُرادةٌ له، خلافًا لِمَن قال: إن أفعال العباد ليست مُرادةً لله ولا مخلوقةً له، وهم القدَريَّة مجوس هذه الأُمَّة.
من فوائد الآية الكريمة: بيانُ مِنَّة الله عز وجل على هؤلاء الذين وُفِّقوا لاستماع القول واتِّباع أحسنه؛ يعني إظهار مِنَّة الله عليهم في قوله: أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ.
ومن فوائدها: أنَّه يجب عقلًا أن تحمد الله سبحانه وتعالى إذا هداك إلى مثل هذا؛ لأنَّك إذا علمتَ أنَّ الهداية من الله فالعقل يقتضي أيش؟ أن تحمده وتشكره، وهذه النعمة أبلَغُ من الإنعام بالأكل والشرب؛ لأنَّ الأكل والشرب كلٌّ يأكل ويشرب حتى البهائم، لكن الهداية ما كلُّ أحدٍ يهتدي، فإنعامُ الله على الإنسان بالهداية العِلمية والعملية أعظم من إنعامه عليه بالأكل والشرب.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ المتمسِّكين بدين الله المتَّبعين لأحسن القول هم أصحاب العقول.
من المتعارَف عند الناس الآن أنهم إذا رأوا الإنسانَ ذكيًّا مُتأنِّيًا في الأمور يقولون: هذا عاقل، ما شاء الله، عاقل. ولو كان من أفجَر الناس، والحقيقة أنَّا نقول: العاقل مَن وفَّقه الله تعالى للعلم والعمل ولو كان من أبلد الناس باعتبار الذكاء.
ومن فوائد هذه الآية: أنَّه لا تلازُم بين الذكاء والعقل: الذكاء شيءٌ والعقل شيءٌ آخَر، حتى في عقل الإدراك لا تلازُم بين الذكاء وعقل الإدراك؛ لأنَّ من الناس مَن تجده ذكيًّا شديد الملاحظة يفهم الشيء بسرعة ويعطي الجواب بسرعة، لكنَّه في التصرُّف أحمق.