تفسير سورة الزمر - 6
عدد الزيارات 2369

عناصر المادة :
تفسير الآيتين (21-22)

وهذه النعمة أبلغ من الإنعام بالأكل والشرب لأن الأكل والشرب كل يأكل ويشرب حتى البهائم، لكن الهداية ما كل أحد يهتدي، فإنعام الله على الإنسان بالهداية العلمية والعملية أعظم من إنعامه عليه بالأكل والشرب.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المتمسكين بدين الله المتبعين لأحسن القول هم أصحاب العقول، من المتعارف عند الناس الآن أنهم إذا رأوا إنسانًا ذكيًّا متأنيًا في الأمور يقولون: هذا عاقل -ما شاء الله- عاقل. ولو كان من أفجر الناس، والحقيقة أننا نقول: العاقل من وفقه الله تعالى للعلم والعمل ولو كان من أبلد الناس، باعتبار الذكاء.
ومن فوائد هذه الآية: أنه لا تلازم بين الذكاء والعقل، الذكاء شيء، والعقل شيء آخر، حتى في عقل الإدراك لا تلازم بين الذكاء وعقل الإدراك؛ لأن من الناس من تجده ذكيًّا شديد الملاحظة، يفهم الشيء بسرعة ويعطي الجواب بسرعة، لكنه في التصرف أحمق ليس عنده عقل، ومن الناس من يكون –بالعكس- عنده شيء من البلادة ولكنه في التصرف عاقل متأنٍ، ولكن أعقل الناس أطوع الناس لله، لا شك أن أعقل الناس أطوعهم لله سبحانه وتعالى، ولهذا قال: وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ [الزمر: ١٨].
ومن فوائد الآية: الإشارة إلى انقسام الناس إلى قسمين: موفق، ومخفق؛ لأن قوله: أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِيدل على أن هناك قسمًا آخر، وهم الذين لم يوفقوا ولم يهديهم الله، والأمر كذلك، الواقع كذلك، الآية أشارت إلى هذا، والواقع يشهد له.
فإن قال قائل: لماذا لم يجعل الله سبحانه وتعالى الناس على دين واحد؟ أمة واحدة؟ قلنا: لأن هذا ينافي الحكمة، قال الله تعالى: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [هود: ١١٨، ١١٩].
لو لم يوجد هذا الانقسام ما ملئت النار بل ولا دخلها أحد، لو لم يوجد هذا الانقسام ما عرف الإنسان قدر نعمة الله عليه بالإيمان والعمل الصالح، لو لم يوجد هذا الإيمان ما مدح من آمن وعمل صالحًا، لماذا؟ لأن الناس هكذا، ما يستطيع أن يخرج عما عليه الناس، لو لم يوجد هذا لم يكن هناك سوق للجهاد؛ لأنك لا يمكن أن تجاهد من هو مثلك في الإيمان والعمل الصالح، لو لم يوجد هذا لم يقم سوق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لو لم يوجد هذا لم يقم سوق الدعوة إلى الله إلى غير ذلك من المصالح الكثيرة التي تفوت بفوات هذا الانقسام.
أما من حيث القدرة الإلهية فإن الله قادر على أن يجعل الناس أمة واحدة على الدين الحق، ولكن الحكمة الإلهية تأبى ذلك، وقد علمتم شيئًا من كثير كثير من حكمة تفرق الناس إلى مؤمن وكافر.
ثم قال تعالى: أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ [الزمر: ١٩]، أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِما هي كلمة العذاب؟
قال المؤلف هي قوله تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [هود: ١١٩]، هذا ما ذهب إليه.
وقيل: كلمة العذاب هي قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ [يونس: ٩٦، ٩٧]، وهذا القول أقرب للصواب؛ لأن هذا القول أخص مما قال المؤلف؛ لأن قوله تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَلا تدل على شخص بعينه، تدل على أن كلمة الله عز وجل اقتضت أن تُملأ النارُ، لكن: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَهؤلاء قوم بأعيانهم، لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية، فالصحيح أن المراد بكلمة الله هي ما ذكره الله: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَأنهم من أهل النار هؤلاء لا يمكن أن يؤمنوا.
أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِأي: لأملأن جنهم من الجنة والناس أجمعين، هذا قول، القول الثاني: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَيعني أن المراد بكلمة (العذاب) هي أن الله تعالى قضى بأن هؤلاء من أهل النار، فلا يمكن أن يؤمنوا.
أَفَمَنْ حَقَّكلمة أَفَمَنْفيها ثلاث كلمات: الهمزة والفاء ومن، فالهمزة للاستفهام، والفاء عاطفة، و(من) يقول المؤلف: إنها شرطية، ويقول آخرون: إنها موصولة؛ أفالذي حق عليه كلمة العذاب، وعلى كلام المؤلف تكون شرطية، ويأتي إن شاء الله بقية الكلام عليها.
طالب: (...).
الشيخ: كيف؟
الطالب: (...) الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «خِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الْإِسْلَامِ» ، يعني لو قلنا مثلًا: إن صاحب العقل في الجاهلية لو اهتدى وأصبح أكمل عقلًا فهل يصح أن نقول هكذا؟
الشيخ: لا؛ لأن معنى قوله: «خِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الْإِسْلَامِ»؛ يعني مثلًا العرب كانوا قبائل، بعض القبائل أشهر من بعض، فيقول عليه الصلاة والسلام إن من كان له حسب وشرف في الجاهلية فهذا فحسبه وشرفه له إذا فقه في دين الله.
الطالب: ما ينطبق عليه القرآن (...)؟
الشيخ: لا، ما ينطبق، بس المعنى اللي أنت قلته ما ينطبق على هذا الحديث؛ لأن كونه ذكيًّا ثم يكون عاقلًا قد يُحمد وقد لا يُحمد؛ يعني المشكل بعد أحيانًا يكون الذكاء المفرط سببًا للضلال؛ لأن هذا الذكي يورد على نفسه أشياء ويفتِّح على نفسه أشياء لو كان غافلًا لكان أحسن له، ولهذا ما ضر أصحاب أهل الكلام والمنطق والفلاسفة إلا حدة ذكائهم، تجد الإنسان بذكائه يورد إذا كان كذا ولمَ كذا؟ لكن السليم هو الذى يستمر، وقد تمنى بعض أهل الكلام أن يموت على؟
الطلبة: دين عجائز نيسابور.
الشيخ: دين عجائز نيسابور، دين العجائز اللي ما تعرف.
طالب: ما الفرق بين الشعور وعقل الإدراك؟
الشيخ: لا، فيه عقل الإدراك وعقل الرشد.
الطالب: ما الفرق بين الشعور وعقل الإدراك؟
الشيخ: ما أظن أن هناك فرقًا قويًّا، لكن الشعور يرمي إلى قوة الملاحظة، أن الإنسان حي قلبه.
طالب: شيخ، الشعور أنقص من الإدراك؛ لأن الشعور يوجد (...)، والإدراك هو الذي يفهم به الأشياء، لكن ليس فهمه فهم رشد، ويفهم يعني مثلًا (...) مثل هذا الشيء (...) والشعور هو أنقص من الإدراك.
الشيخ: لا، هو يمكن أنقص، وأكمل من وجه، أحيانًا يكون الإنسان من قوة ملاحظته يشعر بما لا يشعر به الآخرون، وأحيانًا يكون -مثل ما قلت- الشعور الإحساس، مجرد الإحساس، والإحساس يكون في البهائم وفي العقلاء، لكن هو من جهة أكمل، ومن جهة ثانية الشعور أكمل؛ لأن بعض الناس يكون عنده الشعور إحساس نفسي ما يدركه الآخرون (...).

***

طالب: رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ (٢٠) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ [الزمر: ٢٠، ٢١].
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى في سياق الآيات –انتبه- التي بها الكلام على أهل الحق وأهل الباطل، قال: أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ [الزمر: ١٩]، هذا مبتدأ المناقشة، ما المراد بـكَلِمَةُ الْعَذَابِ؟
طالب: (...).
الشيخ: ما المراد بـكَلِمَةُ الْعَذَابِ؟
الطالب: هذا ما أخذناه.
الشيخ: أخذناها، وذكرنا الصحيح في هذا.
الطالب: (...).
الشيخ: كيف لا؟ أخذناه.
طالب: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ [يونس: ٩٦].
الشيخ: كَلِمَتُ رَبِّكَ.
الطالب: قوله تعالى: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [هود: ١١٩].
الشيخ: المؤلف مشى على أن المراد بها قوله تعالى: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، والظاهر أن المراد بها إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ [يونس: ٩٦].
طيب، الذى قبلها فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ [الزمر: ١٧، ١٨] هذا؟
طالب: (...).
الشيخ: قوله تعالى: وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى [الزمر: ١٧] الجملة هذه معطوفة على أي شيء؟ على أي شيء معطوفة؟
الطالب: الْبُشْرَى.
الشيخ: لا، وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ.
الطالب: اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ.
الشيخ: على قوله: اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ؛ يعني: جمعوا بين هذا وهذا.
قوله: لَهُمُ الْبُشْرَىالجملة في محل؟
الطالب: في محل رفع خبر، خبر (الذين).
الشيخ: خبر الَّذِينَ اجْتَنَبُوا.
ما المراد بـالْبُشْرَى؟
طالب: المراد بـالْبُشْرَىهنا: ما يسر.
الشيخ: كلام المؤلف؟
الطالب: الجنة.
الشيخ: المراد بها الجنة، والصحيح؟
الطالب: أنها تشمل الجنة، وتشمل كل ما كان علامة للبشرى.
الشيخ: ما هو الدليل على أن هذا هو الصحيح؛ العموم؟
الطالب: الدليل (أل) للاستغراق.
الشيخ: هو قد يكون المراد بـ(أل) العهد.
طالب: (...) تفيد معنى أكثر للعموم.
الشيخ: لكن نريد دليلًا.
طالب: (...).
الشيخ: وغيرها؟
الطالب: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس: ٢٦].
طالب آخر: شيخ، نقول: (الْبُشْرَى) الخبر السار، فهو يعم جميع البشر.
طالب آخر: يقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ مِنْ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ الرُّؤْيَا الصَّالَحِةَ» .
الشيخ: في القرآن لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [يونس: ٦٤].
وأفضل ما يُفسر القرآن بالقرآن.
قوله: فَبَشِّرْ عِبَادِ [الزمر: ١٧] كيف كانت مكسورة وهي مفعول به؟
الطالب: هنا حذف الياء؛ ياء المتكلم.
الشيخ: وأصلها؟
الطالب: أصلها: بشر عبادي.
الشيخ: نعم، ما المراد بالعباد هنا؟ مَن تعبدوا بالخصوص أو بالعموم؟
الطالب: بالخصوص.
الشيخ: بالخصوص، لماذا؟
الطالب: لأن هنا ذكر فَبَشِّرْ عِبَادِالتبشير لا يكون إلا للعباد، ثانيًا..
الشيخ: إلا للعباد بالمعنى الخاص.
الطالب: وكذلك أضاف إليها ياء المتكلم أو ياء النفس.
الشيخ: لا، هذه قلنا: إذا صارت جمعًا قد تشمل، لكن الذين يستمعون القول هذا يُخصص أيضًا، أولًا أنه من جهة البشارة، والثاني: الذين يستمعون القول.
يقول: فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ [الزمر: ١٨] ماذا تفيد؟
طالب: القول الحسن.
الشيخ: الحسن؟! كيف نقول: الحسن، وهو أحسن؟
الطالب: أحسن (...).
الشيخ: نعم.
طالب آخر: لأنهم يستمعون القول الحسن فيتبعون الأحسن.
الشيخ: نعم، يعني أنهم لا يرضون بدون الكمال، أو بدون الأكمل على الأصح.
القول ذكرنا أنه ينقسم إلى أربعه أقسام؟ ما هي؟
طالب: هي يتبعون القول.
الشيخ: نعم.
الطالب: يستمعون القول يشمل..
الشيخ: قلنا: إنه ينقسم إلى أربعة أقسام.
الطالب: نعم، الذكر.
الشيخ: لا.
طالب: تقسيم من جهة الطاعة، ومن جهة اتباع القول، والعمل.
الشيخ: لا، القول ينقسم إلى أربعة أقسام.
طلبة: (...).
الشيخ: لا، (...) إذا أجبت تعرفون (...).
الطالب: مذكور يا شيخ.
الشيخ: نعم.
الطالب: حسن، وأحسن، وغير حسن ولا سيئ، وسيئ.
الشيخ: ما ذكرنا هذا؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا ذكرناه، قلنا: سيء، وأسوأ، ولغو، وحسن، وأحسن، خمسة أقسام.
طالب: هذه ذكرنا قبل، ما هو في نفس الآية.
الشيخ: على كل حال المهم أنه مر عليكم (...) إقامة الحجة تكفي مرة واحدة.
على كل حال القول ينقسم إلى خمسة أقسام: سيء، وأسوأ، ولغو، وحسن، وأحسن هم يتبعون الأحسن، واستدللنا بالآية: وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا [الفرقان: ٧٢]، نعم وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ [القصص: ٥٥].
قوله تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ [الزمر: ١٨] لماذا جاءت باسم الإشارة للبعيد؟
طالب: إشارة إلى علو مرتبتهم.
الشيخ: نعم، إلى علو مرتبتهم، تمام؛ لأنهم يتبعون الأحسن فهم أعلى مرتبة، هل في قوله: أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُحصر؟
طالب: نعم.
الشيخ: طريقه؟
الطالب: معرفة، إذا كانت الجملة طرفاها معرفة فإنها تفيد الحصر.
الشيخ: تمام، قوله: وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ [الزمر: ١٨] أُولُوبمعنى؟
طالب: (...).
الشيخ: والْأَلْبَابِ.
الطالب: الْأَلْبَابِبمعنى العقول.
الشيخ: معناها العقول، ولّا ذوو العقول؟
الطالب: العقول.
الشيخ: العقول، طيب لماذا سمي العقل لبًّا؟
الطالب: لأن هو (...) غيره (...).
الشيخ: يعني جُعل لبًّا، يعني مَن ليس له عقل فهو قشور ما يحصِّل شيء طيب، لو قال قائل: هناك عقلاء لا يتبعون أحسن القول؟
طالب: هذا عقل إدراك، وليس عقل رشد.
الشيخ: وليس عقل رشد، والثناء على أي العقلين؟
الطالب: على عقل الرشد.
الشيخ: على عقل الرشد، تمام، بارك الله فيك، أما الفوائد فأخذناها أظن.
طالب: نعم، أخذناها.
الشيخ: إلى؟
طالب: أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ.
الشيخ: قال الله تعالى: أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ [الزمر: ١٩] الهمزة هنا للاستفهام، ويحتمل أن المراد به الاستفهام الحقيقي أو أن المراد به الإنكار؛ يعني النفي، ويتبين من تفسيرها.
وقوله: حَقَّ عَلَيْهِأي وجب عليه وذُكّر الفعل مع أن كلمة مؤنث لوجهين:
الوجه الأول: أن تأنيث كلمة تأنيث مجازي.
والثاني: أنه منفصل عن عامله، ولا يجب تأنيث الفعل إلا إذا كان الفاعل مؤنثًا حقيقيًّا متصلًا كما قال ابن مالك:
وَإِنَّمَا تَلْزَمُ فِعْلَ مُضْمَرِ مُتَّصِلٍ أَوْ مُفْهِمٍ ذَاتَ حِرِ

يقول: أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِأي: وجب عليه كلمة العذاب، وهي أنهم لا يؤمنون، ولو جاءتهم كل آية أو -كما قال المؤلف-: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [هود: ١١٩]، والأول أظهر.
وقوله: كَلِمَةُ الْعَذَابِيعني الكلمة التي يستحقون بها العذاب، وهي أن كل من خالف أمر الله فإنه مستحق للعذاب، قال الله تعالى: أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ [الزمر: ١٩]، أَفَأَنْتَفالخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم؛ يعني: هل تنقذه إذا حقت عليه كلمة العذاب؟ والجواب: لا، وإذا كان الجواب لا، إذا كان جواب الاستفهام (لا) فهو علامة على أن الاستفهام للنفي، وهنا نسأل الهمزة في: أَفَمَنْ حَقَّ، والهمزة في أَفَأَنْتَهل لكل واحدة معنى مستقل أو أن الثانية توكيد للأولى؟
طالب: توكيد للأولى.
الشيخ: إن جعلنا الجملتين جملة واحدة يعني إن جعلنا الكلام واحدًا في الجملتين، فالثانية توكيد للأولى، وإن جعلنا كل كلمة مستقلة كل جملة مستقلة عن الأخرى، فالثانية أصلية، يعني تأسيسية لا توكيدية، وعلى كلٍّ فإن مثل هذا التركيب -أعني إذا أتت همزة الاستفهام وبعدها حرف عطف- قد سبق لنا مرارًا أن لعلماء النحو في ذلك قولين في الإعراب، فمنهم من يرى أن الهمزة داخلة على جملة مقدرة تناسب المقام والفاء وحرف العطف على تلك الجملة المحذوفة.
ومنهم من يرى أن الهمزة داخلة على الجملة التي بعد حرف العطف، فيكون حرف العطف على ما سبق، وإنما قُدمت الهمزة لأن لها الصدارة، وذكرنا أن القول الثاني أيسر، وذلك لأن القول الأول قد يتعذر على الإنسان معرفة المناسب للسياق، أو ربما يقدر ما يظنه مناسبًا وليس بمناسب.
يقول الله عز وجل: أَفَأَنْتَ تُنْقِذُالخطاب قلت لمن؟ للنبى صلى الله عليه وسلم، تُنْقِذُ: تُخرج، ولكن تفسير تُنْقِذُبـ(تخرج) قاصر؛ لأن كلمة تخرج لا تدل على أنه مُنقَذ من هلكة، لكن (تنقذ) تدل على معنى أخص من (تخرج)، أليس كذلك؟ إذن لا ينبغي أن نفسر الأخص بالأعم؛ لأنك إذا فسرت الأخص بالأعم نقصت التفسير، فالإخراج يكون إنقاذًا ويكون غير إنقاذ، لكن الإنقاذ يكون عن هَلَكة، ولهذا لو فسرت تنقذ: تنجي، لكان أوضح؛ لأن الإنجاء أيضًا يكون من الهلكة، أَفَأَنْتَ تُنْقِذُأي: تنجي مَنْ فِي النَّارِمن عذابها، مَنْ فِي النَّارِ(مَن) بمعنى الذي، وهو مفعول به لـ(تنقذ)، مَنْ فِي النَّارِ، فِي النَّارِجار ومجرور متعلق؟
طالب: (...).
الشيخ: التقدير؟
الطالب: كأنه استقر في النار.
طالب آخر: ثبت في النار.
الشيخ: من دخل في النار.
الطالب: ثبت ولّا دخل؟
الشيخ: يُقدر بما يناسب.
طالب: داخل.
الشيخ: لا، داخل لا يصلح في صلة الموصول، حطوا بالكم.
الطالب: (...).
الشيخ: داخل لا يصلح في صلة الموصول؛ لأنك إذا قدرت (داخل) تحتاج إلى تقدير مبتدأ؛ لتكون جملة، لكن لو قدرت فعلًا ما احتجنا إلى شيء آخر، فنقول مثلًا في جميع صلة الموصول: لا يقدر فيها إلا فعل؛ لأنك لو قدرت الاسم احتجت إلى تقدير مبتدأ لتتم الجملة، فيكون التقدير مرتين، أما إذا قدرت فعلًا صار التقدير مرة واحدة.
أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِأي: من استقر في النار، أو من دخل في النار، أو من كان في النار، حسب، يعني المعنى متقارب.
قال المؤلف: (جواب الشرط) أين الشرط؟ الشرط هو (مَن) في قوله: أَفَمَنْ حَقَّ، وهذا أحد الوجهين في (مَن) أنها اسم شرط، وقال بعض العلماء: إن (مَن) اسم موصول؛ يعني: أفالذي حق عليه كلمة العذاب تنقذه؟ ودائمًا اسم الشرط والموصول يتعاوران؛ أي: يُستعار بعضهما مكان بعض البعض الآخر.
يقول: (جواب الشرط، وأُقيم فيه الظاهر مقام المضمر) أُقيم فيه الظاهر الذي هو (مَن) مقام المضمر الذى يكون لولا الظاهر على هذا الوجه: أفأنت تنقذه، أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذه؟ وهذا كلام المؤلف يوحي بأن جملتين مرتبط بعضهما ببعض، وليس كل واحدة مستقلة عن الأخرى (أفانت تنقذه).
ولكن نقول: هناك احتمال آخر خلاف ما قاله المؤلف، وهو أن الثانية منفصلة عن الأولى، وأن تقدير الأولى: أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِتدفع عن أو كلمة نحوها، يعني: أفتدفع عن مَن حق عليه كلمة العذاب؟ ثم استأنف فقال: أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِيعني الأول تجعله مؤمنًا بحيث لا يستحق النار، والثاني تنقذه من النار إذا دخل فيها، هذا وجه للمفسرين.
الوجه الثاني أن تكون الجملتان واحدة، يكون معنى أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِفهو في النار أفأنت تنقذه منها؟ وهذا هو الذى مشى عليه المؤلف.
ومؤدى الجملتين واحد في النهاية؛ أن من حق عليه كلمة العذاب فإنه لا يمكن لا للرسول صلى الله عليه وسلم ولا لغيره أن ينقذه من النار.
يقول المؤلف: (وأُقيم فيه الظاهر مقام المضمر) وإقامة الظاهر مقام المضمر هنا تفيد معاني، منها: أن من حق عليه كلمة العذاب فهو في النار؛ لأنه لو قال: أفأنت تنقذه؟ لكان الإنسان يقول: من أي شيء أنقذه؟
فإذا قال: أفأنت تنقذ مَن في النار؟ علمنا أن هذا الذى حق عليه كلمة العذاب في النار.
يقول: (والهمزة للإنكار) الهمزة في أَفَمَنْوفي أَفَأَنْتَ تُنْقِذُوهما همزة واحدة، على القول بأن الجملتين واحدة، فتكون الثانية توكيدًا للأولى، والحاصل أن الله يقول للرسول عليه الصلاة والسلام: هل من حقت كلمة العذاب يمكن أن تمنعه من استحقاقها؟ هل مَن دخل النار يمكن أن تنقذه؟
الجواب: لا يمكن، لا هذا ولا هذا؛ لأن النبى صلى الله عليه وسلم لا يملك أن يهدي أحدًا حتى لا تحق عليه كلمة العذاب، ولا يمكن أن ينقذ أحدًا من النار.
يقول عليه الصلاة السلام حين نزل قوله تعالى: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء: ٢١٤] جمع أقاربه وصار يخصصهم «يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا»، إلى أن قال: «يَا فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتِ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا» ، وهي ابنته، يقول: المال أستطيع أن أنفعك به، ولكن لا أغني عنكِ من الله شيئًا، وإذا كان لا يُغني عن ابنته شيئًا فمَن سواها من باب أولى.
فإن قال قائل: كيف نجمع بين هذا وبين شفاعة النبى صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب حتى كان في ضحضاح من نار وعليه نعلان من نار يغلي منهما دماغه ، كيف؟ هنا أغني، وهنا شفع ونفعت الشفاعة، فيقال: أولًا الرسول عليه الصلاة والسلام لم يتمكن من إخراجه من النار، وإذا لم يتمكن من إخراجه من النار لم يكن معارضًا للآية؛ لأن الله قال: أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِما أنقذه.
ثانيًا: أن التخفيف عن أبي طالب ليس من أجل أنه عم الرسول صلى الله عليه وسلم فهذا أبو لهب عمه ولكن لم يغنِ عنه شيئًا، لكن من أجل ما قام به من الدفاع العظيم عن الإسلام وعن رسول الإسلام، فإنه دافع عنه مدافعة عظيمة، بل إنه كان يمدح الرسول صلى الله عليه وسلم في المحافل، بل شهد له بالرسالة، فقال:
لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ ابْنَنَا لَا مُكَذَّبٌ لَدَيْنَا وَلَا يُعْنَى بِقَوْلِ الْأَبَاطِلِ

هذا بيت من لاميته المشهورة، التي قال عنها ابن كثير -رحمه الله- قال: هذه ينبغي أن تكون من المعلقات، بل هي أبلغ من المعلقات.
المعلقات قصائد اختارها العرب سموها المعلقات السبع، وأضافوا إليها ثلاثًا سموها المعلقات العشر، هذه القصائد علقوها في جوف الكعبة حفاظًا عليها وتنويهًا بها، لكن لامية أبي طالب أشد وأشد؛ يعني: وأحسن وأعذب، فشهد للرسول صلى الله عليه وسلم بأنه غير مكذب، وأنه لا يُعْنَى بقول الأباطل السحرة، بل إنه عليه الصلاة والسلام أصدق الناس وأنزه الناس، ثم يقول في قصيدة أخرى:
وَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّةِ دِينَا
لَوْلَا الْمَلَامَةُ أَوْ حِذَارُ مَسَبَّةٍ لَرَأَيْتَنِي سَمْحًا بِذَاكَ مُبِيـــنَا

مثل هذا الكلام إذا سمعه الناس آمنوا، فهو في الحقيقة داعٍ إلى الإسلام، لكنه ليس مسلمًا، نسأل الله العافية.
إذن التخفيف عنه ليس من أجل أنه عم الرسول، ولكن من أجل أنه دافع عن الإسلام وحمى النبى صلى الله عليه وسلم حماية تامة، وأعاله أيضًا، فإنه بعد موت جده عبد المطلب كان عند عمه أبي طالب، وهذا معروف، فمِن عَدْلِ الله عز وجل أن الله شكره على العمل وخفف عنه بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم حتى صار -فيما سمعتم- في ضحضاح من نار، وعليه نعلان من نار يغلي منهما دماغه، أعاذني الله وإياكم من النار، أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ.
قال: (والمعنى: لا تقدر على هدايته فتنقذه من النار) هذا المعنى، وصدق الله سبحانه وتعالى، الإنسان لا يمكن أن ينقذ أحدًا من النار أبدًا، فإذا كان نبي الله صلى الله عليه وسلم لا يمكن لا يقدر على ذلك، فمَن دونه من باب أولى.
ثم قال تعالى: لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْاهذا الاستدراك من أحسن ما يكون لمَّا قال: أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِاستدرك هذه الحال، حال مَن لا يدخل النار؛ فقال: لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ [الزمر: ٢٠] إلى آخره، (لكن) هنا لا تعمل لأنها؟
طالب: مخففة.
الشيخ: مخففة، و(لكن) إذا خُفِّفَت تكون لمجرد العطف فقط، ومعناها الاستدراك، فإذن الَّذِينَمبتدأ، خبره جملة لَهُمْ غُرَفٌهذا الخبر.
قال: (لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْبأن أطاعوه)، أفادنا المفسر -رحمه الله- بأن التقوى هي الطاعة، وهذا أجمع ما قيل في التقوى؛ أنها طاعة الله عز وجل بامتثال أمره واجتناب نهيه؛ لأنه أمر ونهى، لا للهوى، ولهذا مَن أطاع الله لمجرد الهوى لا يكون كمن أطاع الله لأن الله أمر أو نهى، كثير من الناس يطيع الله لأن نفسه تهوى ذلك، ولكن الطاعة الحقيقة هي التي يكون الباعث عليها امتثال أمر الله تركًا للمنهيات وفعلًا للمأمورات.
لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْقال: اتَّقَوْا رَبَّهُمْإشارة إلى أن تقواهم لله مبنية على أساس؛ لأنه ربهم، والربوبية هنا تشمل الربوبيه القدرية، والربوبيه الشرعية؛ لأن الله رب مالك للكون قَدَرًا ومالك للحكم شرعًا، فهم يتقون ربهم؛ لأنه الذى خلقهم ورزقهم وأعدهم وأمدهم، يعبدون ربهم؛ لأنه الحاكم فيهم، والذي يأمرهم وينهاهم، فيقومون بأمره ويدعون نهيه.
لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ [الزمر: ٢٠] غُرَف: جمع غرفة، والغرفة هي البناء العالي، إذا كان في الأسفل يُسمى حُجرة، وإذا كان فوق يُسمى غرفة، فالبناء العالي يسمى غُرفة، هذه الغرف غرف مبنية، يقول: مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌيعني: طبقات، قصور عالية شامخة، مبنيَّة من لَبِنَات من الذهب والفضة، جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، هذه الغرف المبنية من الذهب والفضة أيضًا ليست على ما يُشاهد في الدنيا من اللمعان والحسن الجذاب، بل هي أشد وأعظم، لا يمكن أن نتصور حسن هذه الغرف ولا مواد بنائها أبدًا، لماذا؟ لأن الله يقول: فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة: ١٧]، ويقول في الحديث القدسى: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» .
وهي -أي الجنة- ليس فيها شيء مما في الدنيا إلا الأسماء فقط، لكن الحقائق تختلف اختلافًا عظيمًا فيها عنب، نخل، رمان، لكن ليست كالموجود عندنا في الدنيا، بل هي شيء لا يمكن أن يتصوره الإنسان، هذه الجنة مُعَدَّة للمتقين الذين اتقوا ربهم، كما قال الله تعالى: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران: ١٣٣] العمل يسير والعوض كثير، لكن العمل يسير يا إخواني على من يسره الله عليه، والله ييسره على من صدق النية في التوجه إلى الله، ولم يركن إلى الدنيا؛ لأن الركون إلى الدنيا -ولا سيما ممن أعطاه الله العلم- ذُل وانحطاط وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ [الأعراف: ١٧٥، ١٧٦].
والمثل -أخس الأمثال: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا [الأعراف: ١٧٦] كذا؟ فَاقْصُصِ الْقَصَصَإلى آخره.
إذن نقول: هذه الغرف التي أعدها الله للمتقين الذين أخلصوا النية لله رجاء الوصول إلى ثوابه، والذين لا يفعلون طاعة إلا وهم يؤمنون بأن لها ثوابًا في هذه الجنة؛ لأن هذه العقيدة وهذا الشعور يحملك على إحسان العبادة، إذا علمت أنه ما من عبادة تقوم بها إلا من أجل الوصول إلى هذا الثواب سوف تحرص على العمل، وتتقن العمل.
لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ، تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَاأي: من تحت هذه الغرف العليا وما تحتها، الْأَنْهَارُجمع نَهَر أو نَهْر؛ لأن نَهَر أو نَهْر الحلقية الذي ثانيها حرف حلق؛ نَهَر وبحر، يجوز فيها تسكين الحرف الثاني وفتحه، تقول: نَهَر ونَهْر، وبَحَر وبَحْر، هنا نقول: أنهار جمع نَهْر، وهي أربعة أنواع بينها الله تعالى في سورة القتال فقال: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ [محمد: ١٥]، اقرأ.
طالب: فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ.
الشيخ: وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍقبلها.
الطالب: وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفَّى [محمد: ١٥].
الشيخ: نعم، هذه أربعة أنواع فيها أنهار من ماء غير آسن يعني غير قابل لأن يكون آسنا، والآسن هو المتغير، وأنتم تعلمون أن الماء إذا بقي في الإناء مدة أو في مقره في البئر مدة فإنه يتغير، وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَولا فيها سَكر.
وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفَّىأنهار، ما هي تُحلب من الضروع، ولا تأتي من نحل، أنهار تمشي على الأرض، تجري، وقد جاء في الأثر أنها تجري بلا أخدود، تعرفون الأخدود؟ أيش تسمونها؟
طلبة: مجرى.
الشيخ: إي، تبقى مجاري على وجه الأرض لا تحتاج إلى حفر سواقي ولا إلى جدارن تمنع من سيلان الماء، بل هي تجري بدون شيء وورد أيضًا أنها تجري باختيار الإنسان يوجه النهر حيث شاء، يوجهه حيث شاء، ويمسكه حيث شاء؛ لأن الله يقول: وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [الزخرف: ٧١]، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، في قول يقولون: إن نهر النيل وسيحون وجيحون والفرات أنه من الجنة؟
الشيخ: إي نعم، صحيح ورد فيه حديث.
الطالب: نعم.
الشيخ: ورد فيه الحديث، لكن قالوا: إنها تشبه أنهار الجنة بالصفاء، هو ليس معناه أنها نزلت من السماء.
طالب: تشبيه بليغ.
الشيخ: نعم، تشبيه بليغ.
طالب: الربوبية القدرية والشرعية؟
الشيخ: أيش؟
الطالب: القدرية والشرعية.
الشيخ: ما أدري ويش تقول؟
الطالب: الربوبية.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: القدرية والشرعية.
الشيخ: نعم.
الطالب: ما فهمناها.
الشيخ: ما فهمتوها، نعم الربوبية الشرعية هو التصرف في الناس بالشرع.
الطالب: يعني (...).
الشيخ: الأمر والنهي، والقدرية معروفة، ولهذا مر علينا مثل هذا، الحكم كونيّ..
الطالب: (...).
الشيخ: وشرعي نفس التصرف بمقتضى الربوبية كوني وشرعي.
الطالب: (...) يا شيخ.
الشيخ: مثل الإرادة، كونية وشرعية.
طالب: (...).
الشيخ: نعم.
الطالب: (...).
الشيخ: نعم.
الطالب: (...).
الشيخ: التفسير يعني التَّقَوِّي بالطاعة، نعم.
طالب: بعض الناس (...).
الشيخ: نعم.
الطالب: (...).
الشيخ: إي.
الطالب: هل يؤجر على فعله هذا؟
الشيخ: والله -على كل حال- تبرأ الذمة بذلك، لكنه لن يصل إلى درجة الكمال، ولهذا نحن نقول دائما ينبغي للإنسان عند فعل العبادة أن تكون له نيَّتان، نيتان: نية العمل، ونية المعمول له، نية العمل هذه كل الناس يعمل، ينوون، هذا يأتي يصلي الظهر ينوي صلاة الظهر، لكن نية المعمول له أنه يريد بذلك التقرب إلى الله عز وجل، هذا كثيرًا ما يغفل الإنسان عنه، يصده الشيطان عن ذلك.
هنا -بعد- نية ثالثة؛ نية المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم، نية المتابعة، فكل هذه المعاني -نسأل الله أن يعفو عنا- هذه تغيب عنا كثيرًا، لا نية امتثال الأمر، وهي نية المعمول له، ولا نية المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنك إذا نويت أو إذا شعرت بهذه النية أحببت الله عز وجل وأحببت الرسول، وشعرت بأنك عبد لله متبع لرسول الله، وتجد للعبادة طعمًا لا تجده إذا أتيت بها على سبيل العادة، ولهذا نقول: عادات الموفَّق عبادات، وعبادات الغافل عادات، إي نعم (...).
طالب: (...).
الشيخ: (مَن)؟
الطالب: (مَن) الموصولة (...).
الشيخ: ما فيها رأي آخر؟
الطالب: أو شرطية.
الشيخ: أو شرطية.
ما المراد بقوله: أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ [الزمر: ١٩] الخطاب لمن؟
طالب: الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: نعم.
الطالب: الاستفهام للنفي.
الشيخ: للنفي، كالأول.
الطالب: نعم.
الشيخ: هل الهمزة الثانية أصلية مؤسسة أو زائدة للتوكيد؟
طالب: زائدة.
الشيخ: ما فيها رأي آخر؟
الطالب: فيها رأي آخر، جملة (...) أو جعلنا (...) خاصة (...).
الشيخ: أحسنت، قوله: لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْهذا الاستدراك أيش فائدته؟
طالب: العطف.
الشيخ: إي نعم، العطف، لكن الاستدراك من أي شيء؟
الطالب: الاستدراك، بَيَّن أن العذاب يحصل لبعض الناس فاستدرك بهذه الآية، يخرج الناس..
الشيخ: يعني لما قال مثلًا: أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ [الزمر: ١٩]، استدرك فقال: لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا [الزمر: ٢٠] يعني: أنهم لم يحق عليهم، ما إعراب الَّذِينَ اتَّقَوْا؟
طالب: الَّذِينَ اتَّقَوْاالإعراب؟
الشيخ: إي نعم لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا.
الطالب: اتَّقَوْا؟
الشيخ: الَّذِينَ.
الطالب: الَّذِينَاسم من أسماء الإشارة.
الشيخ: الَّذِينَاسم إشارة؟!
الطالب: لَكِنِ..
الشيخ: لَكِنحرف استدراك، لكِنَّ الَّذِينَ؟
الطالب: الَّذِينَاسم إشارة.
الشيخ: اسم الإشارة الَّذِينَ؟! اسم الإشارة: هذا هذه هؤلاء.
الطالب: الَّذِينَ..
الشيخ: ما قرأت النحو؟
طالب: الَّذِينَاسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ.
الشيخ: نعم الَّذِينَاسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، أين خبره؟ خبر الَّذِينَ؟
طالب: اتَّقَوْا.
الشيخ: لا، اتَّقَوْاصلة الموصول.
الطالب: (...).
الشيخ: وينه؟ الجار والمجرور خبرها ولّا لا؟
طالب: (...).
الشيخ: الجار والمجرور، الظاهر أنه معارض، نعم.
طالب: جملة: لَهُمْ غُرَفٌ [الزمر: ٢٠].
الشيخ: جملة لَهُمْ غُرَفٌجار ومجرور خبر مقدم لـ(غرف).
نأخذ الفوائد، قال الله تعالى: وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ [الزمر: ٢٠]، وَعْدَيقول المؤلف: (منصوب بفعل مقدر) أي: وُعِدوا وعد الله، أو على رأي آخر محتمل تقدير: أُنْجِزُوا وعد الله، يعني: أنجز الله لهم وعده وعلى هذا فيكون منصوبًا بفعل مقدر من غير فعله، أما رأي المؤلف فهو مصدر محذوف العامل.
يقول -رحمه الله- قال الله تعالى: وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ، قال المفسر: (وعده) فأفاد بأن (أل) هنا نائبة مناب الضمير، وأن الميعاد بمعنى الوعد، وقوله: لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَأي أنه لا يخلف ما وعده بشيء آخر؛ لأن (أخلف) تدل على إبدال شيء بشيء، كما قال تعالى: وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ [سبأ: ٣٩]، بخلاف (خَلَف) فإنها تدل على خلف شيء بشيء، فيُقال: خَلَفَه؛ أي: أتى بعده، أخلفه: بمعنى جعل له بديلًا، ولهذا يقول المصاب: اللهم آجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها، يعني أعطني بدلًا عنها.
وقوله: لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَإنما كان كذلك لكمال صدقه وكمال قدرته؛ لأن إخلاف الميعاد إما أن يكون لكذب الواعد وإما أن يكون لعجزه، والله عز وجل منزه عن هذا وهذا، فهو كامل الصدق، كامل القدرة.
في هذه الآية: أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِإلى آخره فيها دليل، من فوائدها: أن من حقت عليه كلمة العذاب فلا هادي له، ويشهد لهذا قوله تعالى: مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [الأعراف: ١٨٦].
ومن فوائدها: إثبات كلام الله؛ لأن الذي يقضي بالعذاب هو الله عز وجل لا غيره، فكلمة العذاب صادرة من الله، وفي هذا إثبات الكلام لله عز وجل، والقرآن كله -كل حرف منه- فيه إثبات كلام الله، لماذا؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، في كل حرف من القرآن إثبات كلام الله.
طالب: لأنه باللفظ والصوت والحرف.
الشيخ: لأنه كلام الله، فكل حرف منه فهو كلام الله، إذ إن كلام الله حرف وصوت.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يستطيع أن يُنقذ مَن في النار، وإذا كان هذا للرسول صلى الله عليه وسلم فغيره من باب أولى.
ومن فوائدها أن من حقت عليه كلمة العذاب فإنه في النار؛ لأننا قلنا: إن الظاهر هنا نائب مناب المضمر، وأن التقدير: أفانت تنقذه؟
ومن فوائد هذه الآية: بلاغة القران، وشدة زواجره، حيث يأتي بمثل هذا الأسلوب الشديد الذي يصرم القلب الواعي الحي أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ [الزمر: ١٩]، أسلوب شديد جدًّا، ولا شك أن الأسلوب الشديد في موضعه يعتبر من البلاغة؛ لأن البلاغة أن يأتي الكلام مطابقًا لمقتضى الحال، أي لما تقتضيه الحال من لين وشدة وتطويل وإيجاز.
ومن فوائد هذه الآية: إثبات النار، والنار هي الدار الثانية التي يستقر فيها الإنس والجن، وهي دار من اعتدى وكفر، وهي موجودة الآن، وستبقى أبد الآبدين.
ثم قال تعالى: لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْإلى آخره، في هذا بيان علو منزلة المتقين؛ لأن الاستدراك هنا كأنه انتشال لهم مما سبق ذكره من الوعيد الشديد لهؤلاء الذين حقت عليهم كلمة العذاب.
ومن فوائدها أن التقوى سبب لدخول الجنة لقوله: لَهُمْ غُرَفٌإلى آخره.
ومن فوائدها أن تقواهم لله له سبب سابق ولاحق، فالربوبية الخاصة في قوله: رَبَّهُمْاقتضت أن يتقوه، وهم يتقون ربهم الذي سيثيبهم، فالتقوى لها سبب، وهو عنايه الله عز وجل بهم، هذا سابق، ولها سبب لاحق، وهو ما يرجونه من ثواب الله عز وجل، كل هذا يُحمل على التقوى، فهو ربهم حيث وفقهم للتقوى، وربهم حيث أثابهم عليها.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة أن منازل الجنة غُرَف مبنية بعضها فوق بعض لقوله: لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ [الزمر: ٢٠]، وهل هذه الغرف تختلف بحسب العامل؟ الجواب: نعم، وقد بَيَّن الرسول عليه الصلاة والسلام أن جنتين من جنات الخلد من ذهب آنيتهما وما فيهما وأن جنتين من فضه آنيتهما وما فيهما .
ومن فوائد هذه الآية الكريمة تمام النعيم، حيث كانت هذه الغرف تجري من تحتها الأنهار، وفيها الأشجار وفيها من كل ما يتمناه الإنسان، بل فوق ذلك.
من فوائد الآية الكريمة أن هذا النعيم ثابت بوعد الله لقوله تعالى: وَعْدَ اللَّهِ.
ومن فوائدها إثبات أن الله لا يخلف الميعاد لكمال صدقه وقدرته، ففيها إثبات كمال الصدق وإثبات كمال القدرة.
تفسير الآيتين (21-22)
00:59:17

ثم قال تعالى: أَلَمْ تَرَ [الزمر: ٢١] تعلم، أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءًإلى آخره، الهمزة هنا للاستفهام، والغالب أن الهمزة -همزة الاستفهام- إذا دخلت على نفي أن تكون للتقرير، فمعنى أَلَمْ تَرَأي: قد رأيت، ونظير هذا قوله تعالى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح: ١] أي: قد شرحنا لك صدرك، فيكون الاستفهام هنا للتقرير، أما (لم) فهي حرف جزم ونفي وقلب.
وتفسير المؤلف (ترى) بـ(تعلم) هذا فيه احتمال أن الرؤيا هنا رؤية العلم، وفيه احتمال أن الرؤية رؤية البصر، فإن كان شيئًا مشاهدًا للإنسان، حيث يكون حوله فهي رؤية بصر تتبعها رؤية العلم، وإن كان بعيدًا يسمع عنه سماعًا فهي رؤية علم، والخطاب في قوله: أَلَمْ تَرَإما للنبي صلى الله عليه وسلم، وإما لكل من يتأتَّى خطابه؛ أي: من يصح منه الخطاب.
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً [الزمر: ٢١]، مِنَ السَّمَاءِ: من العلو، وليس المراد بذلك السماء السقف المحفوظ؛ لأن من المعلوم أن المطر ينزل من السحاب، والسحاب قد بيَّن الله في آية أخرى أنه مسخر بين السماء والأرض، وعلى هذا فيكون المراد بالسماء العلو، وقوله: مَاءًهو المطر.
فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ [الزمر: ٢١]، (سلكه) بمعنى أدخله، ومنه سِلْك الخرز يدخل فيها حتى ينظمها، وقوله: يَنَابِيعَجمع ينبوع، يقول المؤلف: أي أدخله في أمكنة نبع، أدخله في الأرض ينابيع؛ يعني ينبع متى أراده الإنسان، وذلك من تمام الحكمة وتمام الرحمة؛ لأن هذا الماء لو بقي على ظهر الأرض لأنتن وفسد، ولأفسد غيره أيضًا، فكان من رحمة الله أن يدخله في الأرض يخزنه، كما قال تعالى في آية أخرى: وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ [المؤمنون: ١٨]، وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ [الحجر: ٢٢].
وقوله: يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ [الزمر: ٢١]، ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِثُمَّتدل على الترتيب بمهلة؛ لأن هذا الذى يخرج بالمطر لا يخرج فورًا، ولكنه يخرج بالتدريج؛ لأن هذه سنة الله سبحانه وتعالى أن تكون الأشياء بالتدريج؛ لئلا يحصل التصادم في الكون.
يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًابِهِالباء للسببية؛ أي: بسببه، وليس المطر هو الذى يخلق هذا النبات، ولكنه سبب له.
زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُمُخْتَلِفًاهذه صفة لـ(زرع)، ولكن هل المختلف الزرع ولّا لونه؟
طالب: لا لونه.
الشيخ: أَلْوَانُهُفهنا الصفة عادت إلى غير الموصوف معنى، ويسمي العلماء -علماء النحو- يسمون هذا النعت نعتًا سببيًّا؛ لأن معناه يعود إلى غير المنعوت، فهو تابع للمنعوت في الإعراب، ولكن معناه لغيره، كما لو قلت: رأيت رجلًا كريمًا أبوه، من الكريم؟
طالب: أبوه.
الشيخ: الأب، والصفة يعني إجراء من حيث الإعراب على مَن؟
الطالب: أبوه.
الشيخ: لا، على الرجل، ولذلك تقول: (كريمًا) نعت لـ(رجل) أو صفة لـ(رجل) مع أن حقيقة الوصف في غيره، يُسمى هذا نعتًا سببيًّا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُكيف اختلاف هذه الألوان؟ هل المراد بالألوان الأشكال أو الألوان التلوين؟ أو يشمل؟
طالب: يشمل.
الشيخ: يشمل هذا أو هذا، فألوانه يعني أصنافه، ويعني أيضًا اللون، فهذا الزرع الذى يخرج من الأرض بالمطر تشاهدونه يختلف في ألوانه، ويختلف في أشكاله، واخرجوا -إن شئتم- إلى أدنى شارع من هنا تجدون الاختلاف العجيب، شجرتان إلى جنب ومع ذلك تجد هذه أوراقها مختلفة عن هذه وتجد لونها مختلفًا عن الأخرى، وتجد الزهرات التي فيها أيضًا تختلف، وتجد الثمر الذى يخرج منها يختلف، مع أن الماء واحد والأرض واحدة.
يقول: (مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ [الزمر: ٢١] ييبس، فتراه بعد الخضرة مثلًا مصفرًّا) هذا النبات الذى خرج يسر الناظرين مختلف الألوان أصابه ريح أو حر شديد، أو مع طول الزمن يهيج يعنى ييبس فَتَرَاهُ مُصْفَرًّابعد أن كان أخضر ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًافتاتًا متحطمًا؛ لأنه إذا ييبس تكسر، ثم تحطم.
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى [الزمر: ٢١] تذكيرًا لأولي الألباب، يعني العقول يتذكرون به لدلالته على وحدانية الله وقدرته، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىإِنَّ فِي ذَلِكَالمشار إليه كل ما سبق إنزال المطر من السماء، إدخاله ينابيع في الأرض، إخراج الزرع به، عود الزرع إلى الاصفرار والتحطم، هذه عدة أشياء تذكِّر الإنسان إنزاله من السماء وإدخاله في الأرض وإخراج الزرع به واختلاف الألوان، هذا كله ذكرى يتذكر به أولو الألباب على قدرة الله عز وجل وعلى رحمته وعلى حكمته.
ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا [الزمر: ٢١] إلى آخره، يتذكر به أولو الألباب على أن كل ما كمل من الدنيا عاد ناقصًا، ويدل على أن هذا من المراد قوله تعالى: إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ [يونس: ٢٤].
إذن الذكرى هنا ليست مجرد الدلالة على وحدانية الله وقدرته، بل هي أشمل، ومن أهمها الدلالة على أن ما كمل في الدنيا فمآلها إلى النقص، فالصحة مآلها إلى المرض، والحياة مآلها إلى الموت، وهكذا قِسْ كل ما في الدنيا على هذا المثال.
ثم قال الله تعالى: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ [الزمر: ٢٢] كمن طُبِع على قلبه؟! أَفَمَنْالهمزة للاستفهام والفاء عاطفة على إما شيء مقدر، أو على ما سبق، على حسب ما فصلنا أمس.
أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ، شَرَحَبمعنى وسَّع، ومنه قولنا: فلان شرح كتاب فلان؛ يعني: وسعه، شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِالمراد بالصدر ما في الصدر أو المراد الصدر نفسه ينشرح؟
الطالب: (...).
الشيخ: نعم، يحتمل أن يُراد ما في الصدر، أن الله يوسع القلب فيجعله منفتحًا، فيجعله منفتحًا للإسلام لا يضيق به ذرعًا، ويحتمل أنه الصدر نفسه؛ لأن الإنسان يحس بالشيء إذا غمه أن صدره يضيق، نفس الصدر يضيق، وإذا جاءه ما يفرحه نفس الصدر ينشرح وإن كان أصل القلب، لكن نفس المكان -مكان القلب- يكون فيه اتساع وضيق، وهذا الشيء مشاهد، فإبقاء الآية على ظاهرها، وهو أن المراد بالصدر حقيقته، حقيقة الصدر أولى، فينشرح الصدر للإسلام، ويتقبل جميع شرائعه، يتقبل الشرائع، إن أُمِر بالشيء انشرح لقبوله والعمل به، وإن نُهي عن شيء انشرح لقبوله واجتنابه، وإن أُخبر عن شيء انشرح لقبوله وتصديقه، وهكذا.
وقس هذا برجل فاسد، إذا أمرته بالصلاة تجده يضيق صدره، وربما يقول: أنا مانا بصلي ليك، دعني. وما أشبه ذلك، وبعض الناس إذا أمرته وذكرته فرح وانشرح صدره، وقد بيَّن الله في سورة الأنعام صورة قريبة مُقربة لهذا المعنى، فقال سبحانه وتعالى في سورة الأنعام: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا [الأنعام: ١٢٥] يعني شديد الضيق كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ [الأنعام: ١٢٥] يعني كأنه إذا عُرِض عليه الإسلام يصعَّد في السماء؛ أي يتكلف الصعود.
وقد اختلف العلماء في معنى يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ، هل معناه ما اشتهر الآن من أن الإنسان كلما ارتفع في الجو كثر عليه الضغط، أو أن المعنى يصعد جبلًا عاليًا شامخًا يتعب في رُقِيِّه؟
المفسرون السابقون لا شك أنهم لا يعرفون مسألة الضغط، المتأخرون يعرفون، والله عز وجل يعلم هذا وهذا، والآية صالحة للأمرين؛ لأنك لو تصورت جبلًا صعب الرقي وعاليًا -يعني: في السماء، معناه عالٍ- وصعده الإنسان يتكلف أو لا؟ يتكلف لا شك، يتكلف، لا سيما كان عنده ضعف، يتعب جدًّا.
وإذا قلنا بأنه المراد بذلك؛ أن الإنسان يصعد في السماء فوق الغلاف الجوي، فهو واضح أيضًا، فيقول عز وجل: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ [الزمر: ٢٢].
قلنا: علامة شرح الصدر قبول الخبر، والتصديق قبول الأمر وامتثاله، قبول النهي واجتنابه، لا يكون عنده تردد، فهذا لا شك أن الله سبحانه وتعالى يجعله كما قال: فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ [الزمر: ٢٢]، قال المؤلف: (فاهتدى) فَهُوَ عَلَى نُورٍفأفادنا المؤلف أن في الآية حذفًا تقديره: فاهتدى، ويؤيده: فَهُوَ عَلَى نُورٍ، ولكن الواقع أنه لا حاجة إلى هذا التقدير، فمن شرح الله صدره للإسلام فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ، مجرد أن يشرح الله صدره للإسلام فهو على نور، وهو إذا شرح الله صدره للإسلام فهو سيهتدي قطعًا، وقوله: فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِنور حسي أو معنوي؟
طالب: معنوي يا شيخ.
الشيخ: معنوي فهو معنوي فهو على نور ولو كان في حجرة مظلمة وعلى نور يعني يجد نفسه أنه يمشي على نور وقوله: فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِيشمل نور الدنيا ونور الآخرة قال الله تعالى: يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ [الحديد: ١٢].
وقوله: مِنْ رَبِّهِالربوبية هنا مضافة إلى هذا الذى شرح الله صدره للإسلام، وهي ربوبية خاصة؛ لأنها أضيفت إلى من هداه الله، في الآية شيء محذوف دلت عليه الهمزة، وقدره المفسر -رحمه الله- بقوله: (كمن طبع على قلبه).
ولو أن المؤلف قال كمن ضاق صدره بالإسلام لكان هذا أنسب في المقابلة؛ لأنه ينبغي أن تجعل مقابل الشيء مضادًا له، ولا تأتي بشيء آخر، فمثلًا لو قال الله تعالى: أفمن وسع الله قلبه، لكان المناسب أن يكون المقدر كما قال المؤلف، لكن أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُنقول: كمن ضيق الله صدره بالإسلام فضاق به ذرعًا؟ والجواب لا، فيكون الاستفهام مع المقدر للنفي.
من لم يشرح له صدره فهو على ظلمة؟ نعم، من لم يشرح الله صدره للإسلام فإن قلبه مظلم، والعياذ بالله، ليس فيه نور، لا نور علم، ولا نور إيمان.
قال تعالى: فَوَيْلٌكلمة عذاب لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ، فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ(ويل) مبتدأ، ولِلْقَاسِيَةِخبره، ومِنْ ذِكْرِ اللَّهِمتعلق بـ(القاسية)، (ويل) قال المؤلف: إنها (كلمة عذاب)، وما قاله المؤلف أصح مما قيل إنها واد في جهنم؛ لأن الإنسان يقال له: ويل لك من كذا في غير النار، فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ [البقرة: ٧٩]، فهي كلمة عذاب ووعيد.
لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ(القاسية): اسم فاعل، وقُلُوبُهُمْفاعل به، والقاسي ضد الليِّن، والليِّن قلب المؤمن، والقاسي قلب الكافر، وقوله: مِنْ ذِكْرِ اللَّهِأي: عن قبول القرآن، فأفاد المفسر -رحمه الله- أن (من) بمعنى (عن)، وأن المراد بذكر الله القرآن؛ يعني: فويل للذين تقسو قلوبهم عن القرآن، ولكن الأولى إبقاء الآية على ظاهرها، وأن قوله: مِنْ ذِكْرِ اللَّهِأي: أن (مِنْ) للسببية؛ أي: تقسو قلوبهم بسبب ذكر الله، وأن المراد بذكر الله ما هو أعم من القرآن، ويكون المعنى أن هؤلاء كلما ذكر الله قست قلوبهم، ووجه ذلك أنهم لا يريدون ذكر الله، فإذا كرهوا ذكر الله قسا القلب عقوبة لهم، ويدل لهذا قوله تعالى: وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة: ١٢٤، ١٢٥].
فتجد هؤلاء القوم -أعني المؤمنين- تزيدهم السورة إيمانًا، والآخرون -الذين في قلوبهم مرض- تزيدهم رجسًا إلى رجسهم.
إذن نقول: القاسية قلوبهم من ذكر الله؛ يعني: الذين إذا ذُكِر الله قست قلوبهم عن قبوله، يعني لا يقبلونه، فإذا لم يقبلوه ازدادت قلوبهم قسوة من ذكر الله، قال تعالى: أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [الزمر: ٢٢]، أُولَئِكَالمشار إليهم؟
طالب: القاسية قلوبهم.
الشيخ: القاسية قلوبهم فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ، قال المؤلف: (بَيِّن)، وقوله: فِي ضَلَالٍ، فِيللظرفية، وما أحسنها في هذا الموضع إشارة إلى أن الضلال قد أحاط بهم من كل جانب كما تحيط الحجرة بساكنها، وإذا كان الضلال قد أحاط بهم من كل جانب فإنه لا يرجى لهم خير، والعياذ بالله؛ لأنهم في ضلال مبين.
قابل هذه: أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍبقوله: فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِيتبين لك أن النور في الآية نور العلم، ونور الإيمان، وضد العلم الضلال.
نأخذ الفوائد، يقول الله عز وجل: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً [الزمر: ٢١] إلى آخره، من فوائد هذه الآية: بيان قدرة الله عز وجل في إنزال هذا المطر من السماء، لأنه لا يمكن لأحد أن يستطيع إنزاله، قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ [لقمان: ٣٤].
ومن فوائدها: حكمة الله ورحمته حيث جعل هذا الماء ينزل من السماء؛ لأنه لو كان ينبع من الأرض لم تستفد به عامة الأرض من وجه، ولم يصعد إلى قمم الجبال إلا إذا أغرق الناس الذين تحت الجبال، فكان من الحكمة أنه ينزل من السماء ليعم المرتفع والمنخفض، وليشمل الأرض كلها.
ومن فوائد هذه الآية أيضًا: بيان حكمه الله عز وجل في كيفية نزول هذا الماء كيف ينزل؟ ينزل قطرات، لو نزل صبًّا كما تصب أفواه القرب لأهلك الناس وهدم البناء، ولكن من رحمة الله عز وجل أنه ينزل قطرات.
من فوائد هذه الآية: أن (السماء) يطلق على العلو، ويترتب على هذه الفائدة أن قوله تعالى: أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ [الملك: ١٦] يمكن أن يُراد به مَن في العلو.
ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله ورحمته بالعباد، حيث سلك هذا الماء ينابيع في الأرض، ولم يبق راكدًا على ظهرها لما في ذلك من الحكمة والرحمة، يكون مخزونًا في الأرض متى أراده الناس استخرجوه.
ومن فوائد الآية: بيان قدرة الله، حيث أخرج بهذا الماء ذلك الزرع المختلف الألوان.
ومن فوائدها: إثبات الأسباب، ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِإثبات الأسباب.
ومن فوائدها: أن السبب لا يستقل بالتأثير في المسبَّب؛ لقوله: ثُمَّ يُخْرِجُ، فأضاف الإخراج إلى الله، وهذا هو الذي عليه سلف الأمة وأئمتها؛ أن الأسباب لها تأثير في المسببات، ولكن تأثيرها بفعل الله لا يرجع إليها استقلالًا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل، حيث أخرج هذا الزرع المختلف الألوان مع أنه يتغذى بماء واحد ومن طينة واحدة؛ لقوله: مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ.
ومن فوائدها: أن كمال الدنيا مؤذن بنقصها؛ لأن الله ضرب ذلك مثلًا للدنيا، كما في الآية التي سقناها في التفسير.
من فوائد هذه الآية: أن الذين يتذكرون بآيات الله الكونية هم أولو العقول، وأما من لا يتذكر بها ويقول: هذه طبيعة تتفاعل وتتجارى فإنه لا عقل له.
ومن فوائد هذه الآية: أنه ينبغي للإنسان أن يستعمل عقله في مخلوقات الله عز وجل؛ ليتذكر به في ما لهذه المخلوقات أو فيما في هذه المخلوقات من عظمة الخالق؛ لأنه قال: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ [الزمر: ٢١].
ثم قال تعالى: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ [الزمر: ٢٢] إلى آخره، في هذه الآية نفي التساوي بين الفريقين؛ من شرح الله صدره للإسلام ومن لم يشرح؛ لأن الاستفهام هنا بمعنى النفي.
ومن فوائدها: أن الهداية بيد الله لقوله: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ، ويتفرع على هذه الفائدة أنه متى علم الإنسان أن الهداية بيد الله فإنه لا يلتفت في طلب الهداية إلا إلى الله.
وأيضًا إذا عَلم أن الهداية بيد الله لا يُعجب بنفسه إذا اهتدى، بل يقول لنفسه: لولا أن الله هداها لكان ضالًا، فلا يقول: إنما أوتيته على علم عندي، أو يقول: هذا لي، بل يعترف بفضل الله عليه، وأنه لولا هداية الله ما انتفع.

***

(...) إلى يوم الدين، نفتتح جلساتنا الصيفية هذا العام في هذا اليوم السبت الثامن عشر من شهر محرم عام ثلاثة عشر وأربع مائة وألف، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك لنا في عملنا وفي علمنا، ودراستنا متنوعة فيها التفسير والحديث والفقه والتوحيد وأصول الفقه وهي موزعة بين الأيام ما عدا التفسير والحديث والفقه، فإن هذه الثلاثة ثابتة في كل يوم.

***

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٢) اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٢٣) أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٢٤) كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٥) فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [الزمر: ٢٢ - ٢٦].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِالهمزة هنا للاستفهام، والفاء حرف عطف، والمعطوف عليه ما سبق، على أحد الوجهين عند علماء النحو، وقيل: إن الفاء عاطفة على مُقدر بعد الهمزة، والتقدير: أغفلتم فلم تدركوا هذا الأمر؟ فمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه ليس كمن لم يكن كذلك. ونحن (...).
طالب: مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٥) فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [الزمر: ٢٥، ٢٦].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ.