تفسير الآية (33)
تفسير الآيتين (34-35)
تفسير الآيتين (36-37)
| نَعَمْ وَتَرَى الْهِلَالَ كَمَا أَرَاهُ | وَيَعْلُوهَا النَّهَارُ كَمَا عَلَانِي |
الواحد من العرب بيلقي القصيدة خمسين ستين بيتًا مرّة واحدة وينصرف وقد حفظها الناس.
طالب:
| أَلَيْسَ اللَّيْلُ يَجْمَعُ أُمَّ عَمْرٍو | وَإِيَّانَا فَذَاكَ لَنَا تَدَانِي |
الشيخ: نعم.
الطالب:
| نَعَمْ وَتَرَى الْهِلَالَ ..... | .................................. |
الشيخ: كَمَا أَرَاهُ.
الطالب: كَمَا أَرَاهُ.
الشيخ:
| ................................... | وَيَعْلُوهَا النَّهَارُ كَمَا عَلَانِي |
مسكين هذا، يكفيه مع أم عمرو أن الليل يجمعهم، وأنها ترى الهلال كما يراه، ويعلوها النهار كما علاه.
طالب: (...).
الشيخ: لو قال قائل: لعل هذه ضرورة، قلنا: لا؛ لأنه لو أتى بـ(بلى) بدل (نعم) استقام البيت، لو قال:
| بَلَى وَتَرَى الْهِلَالَ كَمَا أَرَاهُ | .................................. |
استقام البيت.
على كل حال المؤلف أجاب: (بلى) أي: لإثبات ما ذكر أن فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ [الزمر: ٣٢].
من فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا أحد أظلم مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِلجمعه بين سيئتين؛ السيئة الأولى: الكذب على الغير، والسيئة الثانية: تكذيب الغير الصادق، فإن انفرد أحدهما فهل يستحق هذا الوصف أن يكون أظلم الناس؟ لو كذب على الله وصدّق بالصدق هل يستحق هذا الوصف؟ لا؛ لأن الوصف أو الحكم المرتَّب على مجموع صفات لا يثبت إلا بثبوتها، ولكن مع ذلك إذا تفرقت الأوصاف فله نصيب من هذا الوصف، فقوله تعالى: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ [الماعون: ٤ - ٧] أحد هذه الأوصاف له نصيب من الويل، لكن الويل كله لا يكون إلا باجتماع الأوصاف: مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ [المدثر: ٤٢ - ٤٦] أربعة أوصاف هي سبب دخولهم النار، إذا انفرد واحد منها لم يكن دخولهم النار مستحقًّا لكن له نصيب من هذا الوعيد.
هنا: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ [الزمر: ٣٢] كم الأوصاف؟
طالب: وصفان.
الشيخ: هما؟
طالب: افترى على الله وكَذَّب بالصِّدق.
الشيخ: وكَذَّب بالصِّدق، لو افترى بدون أن يكذب بالصدق؟
طالب: لا ينطبق عليه.
الشيخ: لم ينطبق عليه الوصف؛ الأظلمية، لكنه ظالم، ولو كذَّب بالصدق ولم يكذب على الله كذلك.
فإن قال قائل: هذه الآية تدل على أن من اتصف بهذين الوصفين هو أظلم الناس، فكيف نجمع بينها وبين نصوص أخرى تدل على مثل هذه الدلالة؟ مثل: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا [البقرة: ١١٤]، وفي الحديث: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي» ، ونصوص متعددة.
فالجواب أن نقول: إن هذه كلها تشترك في الأظلمية، نقول هذه الأمور اشتركت في وصف الأظلمية، ولا مانع في أن تشترك، فتقول مثلًا: فلان أصدق الناس، والثاني أيضًا: فلان أصدق الناس، والثالث: فلان أصدق الناس، يعني اشتركوا في هذه المرتبة العالية التي أعلى شيء؛ لأن اسم التفضيل يدل على الكمال في هذه الصفة.
أو نقول: إن الأظلمية باعتبار جنس هذا الذنب، فمثلًا: مَن أشد الناس ظلمًا في الكذب على الغير؟ من كذب على الله، من أشد الناس ظلمًا في تكذيب الغير؟ من كَذَّب بالصدق، وهذا الوجه أقرب؛ وذلك لأن الاشتراك في الأظلمية قد يمنع اسم التفضيل في الجنس الآخر؛ يعني أنه ليس الإنسان يتصور تصورًا تامًّا بأن اشتراك هذه الأعمال في الأظلمية يقتضي أن لا يكون بعضها أظلم من بعض، فإذا قلنا: إن الأظلمية هنا باعتبار جنس المفضل عليه؛ يعني: فمن أظلم ممن كذب على الله في الكاذبين على الغير، فالكاذب على الله أشد ظلمًا من الكاذب على زيد وعمرو، أليس كذلك؟
والمكذب بما يحتمل الصدق والكذب ليس كالمكذب بما يعلم أنه الصدق كَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ [الزمر: ٣٢].
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ [البقرة: ١١٤]، من منع مساجد الله فهو أظلم ممن منع الغير حقه، لو منعت رجلًا أن يدخل بيته لكان منعي لهذا الرجل أن يدخل مساجد الله ويذكر فيها اسمه أعظم، «مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي» لو أن أحدًا ذهب يخلق كخلق فلان أو فلان ممن يحرم عليه مزاحمته في صنعته لكان الذي ذهب يخلق كخلق الله أظلم، وهلمّ جرًّا، وهذا الجواب جواب -كما ترون- سديد، ولا يرد عليه إشكال.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكذب على الله أظلم أنواع الكذب؛ لقوله: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ، وإذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدِكُمْ» ، فما بالكم بالكذب على الله الذي أرسله، إذا كان هذا الكذب على الرسول بهذه المثابة فما بالك بمن كذب على الله؟!
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب التحرّي في تفسير القرآن؛ لأن المفسّر للقرآن شاهد على الله بأنه أراد كذا وكذا، وقد يكون الأمر على خلاف ذلك فيكون كاذبًا على الله، ولهذا كان الصحابة الأجلاء يتحرزون من تفسير القرآن، وهو نزل بلغتهم وفي عصرهم ومشاهدتهم ومع ذلك يتحرزون، سُئل أبو بكر عن قوله تعالى: وَفَاكِهَةً وَأَبًّا [عبس: ٣١] ما الأبُّ؟ قال: أي أرض تُقلّني، وأي سماء تُظلني إن قلت في كلام الله ما لا أعلم . يعني أنه لا يعلم، ويقول: أي أرض تُقلُّني، وأي سماء تُظلني. وما شاء الله عندنا الآن أناس يُفسر الآية وكأنه ابن عباس، وهو من أجهل عباد الله، ولا يبالي أن يفسر، هو لو فسر كلام زيد وعمرو ما همنا به، وأي شيء يهمنا؟! لكن إذا فسر كلام الله هو شهد على الله أنه أراد كذا وكذا، ولذلك نجد أن من أخطر ما يكون أن يؤوَّل كلام الله عن ظاهره إلى معنى يخالف الظاهر بلا دليل بيّن، وبه نعرف ضلال أهل التعطيل الذين قالوا: استوى على العرش؛ يعني: استولى عليه، تشهد على الله أنه أراد هذا؟ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: ٧٥]: بقوتي أو بنعمتي أو ما أشبه ذلك، هذا كذب على الله؛ لأن الله خاطبنا في القرآن باللسان العربي فيجب أن نحمل هذا القرآن على اللسان العربي بدون أن نحرف.
طالب: أحيانًا يا شيخ تمر آية ويُسأل عنها الإنسان، ويكون معناها واضح جدًا؛ يعني واضحة له، مع العلم أنه لم يسبق أن قرأ تفسيرًا فيها، هل له أن يقول معناها الظاهر هكذا؟ أو يقول: والله أنا لا أدري؛ لأني ما قرأت تفسيرا عن هذه الآية؟
الشيخ: لو الشيء الواضح تفسيره مقتضى اللغة لا بأس به، لو قال قائل: ما معنى قوله تعالى: أَقِيمُوا الصَّلَاةَ [البقرة: ٤٣]، لو جاء عامّي قال: أقم الصلاة؛ يعني: قل: الله أكبر الله أكبر قد قامت الصلاة إلى آخره، هذا حرام، لكن: أَقِيمُوا الصَّلَاةَسُئل عنها طالب علم يعرف معنى الإقامة، إقامة الشيء؛ يعني فعله على وجه مستقيم، فقال: معنى أَقِيمُواائتوا بها كاملة، ما فيه مانع هذا.
طالب: شيخ، عفا الله عنك، النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْيَاكُمْ» في مسألة تأبير النخل، فلو قال قائل: إن مسألة النبي صلى الله عليه وسلم إذا تكلم في أمور الدنيا كالطب وغيره، لنا أن نأخذ بذلك أو نرده على حسب ما يوافق التجربة، فهل هذا يكون من رد حكم النبي صلى الله عليه وسلم أو لا؟
الشيخ: إذا قال النبي صلى الله عليه وسلم قولًا ولم يثبت في حياته أنه رجع عنه فقوله باقٍ ولا يجوز أن نخالفه، ولو كان في مسائل الطب، ولهذا لما قال: «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ ثُمَّ لْيَنْزِعْهُ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً وَفِي الْآخَرِ دَوَاءً» أو قال: «شِفَاءً» ، لا يجوز أن نقول: والله هذا يخالف الطب، بل يجب علينا أن نقول: هذا حق، ثم نعلم أن الطب لم يصل إلى هذا العلم، أما إذا كان في حياته ثم هو نفسه تراجع عنه فهذا لا بأس.
يعني الآن -مثلًا- النجارون أعلم منّا بالنجارة، أليس كذلك؟ أعلم منا بالنجارة، يعرف كيف ينجر نحن ما نعرف، المهندسون الذين يصنعون السيارات، والذين يصنعون (...)، والذين يصنعون الساعات أعلم منا بها، فقوله: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْيَاكُمْ» ؛ يعني ما تصنعونه وتباشرونه على وجه محسوس فأنتم أعلم به، أما أحكام دنيانا فهي إلى الله ورسوله، هما أعلم بذلك.
طالب: يا شيخ خبر أبو بكر: أي سماء تظلني، هل هذا صحيح؟
الشيخ: هذا مشهور عند المفسرين وعند غيرهم، حتى شيخ الإسلام نقله في المقدمة.
طالب: قول المؤلف: (غَيْرَ ذِي عِوَجٍ [الزمر: ٢٨] أي: لبس واختلاف) (...)؟
الشيخ: هذا في درس أمس.
طالب: إي نعم، ما ذكرناها.
الشيخ: لا، ذكرناه، فسرناه.
طالب: (...).
الشيخ: لا، فسرناه، ما فسرناه أمس؟ وقلنا إنه يهدي للتي هي أقوم
طالب: لا كلام المؤلف أقصد (...).
الشيخ: لا، هو غَيْرَ ذِي عِوَجٍمو بس لبس واختلاق غَيْرَ ذِي عِوَجٍفي أحكامه وأخباره (...).
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٥) أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ [الزمر: ٣٣ - ٣٧].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَالاستفهام هنا ما معناه؟
طالب: النفي.
الشيخ: معناه النفي.
طالب: (...).
الشيخ: نعم، وما الفائدة من إتيان النفي بصيغة الاستفهام؟
طالب: التوكيد (...).
طالب آخر: التقريب.
الشيخ: التقريب؟ كون النفي يأتي بصيغة الاستفهام معناه التقريب؟
طالب: التقرير.
الشيخ: أو التقرير.
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم، فائدته أنه متضمن للتحدي؛ لأن قول: لا أحد أظلم دون قوله: فَمَنْ أَظْلَمُلأن هذا يكون مشربًا معنى التحدي فيكون نفيًا وزيادة.
ما معنى قوله: كَذَبَ عَلَى اللَّهِ؟
طالب: كَذَبَ عَلَى اللَّهِأي: افترى على الله.
الشيخ: افترى على الله في أي شيء؟
طالب: بنسبة شريك (...).
الشيخ: وغير؟
طالب: وغير ذلك.
الشيخ: غير مثل؟
طالب: نسبة الكذب إلى كلامه (...).
الشيخ: وغير؟
طالب: وتكذيب رسوله.
الشيخ: لا، ما هو التكذيب؟ التكذيب غير الكذب.
طالب: نفي الأسماء والصفات لله سبحانه وتعالى، تعطيلها.
الشيخ: كالتعطيل، تعطيل أسمائه وصفاته.
طالب: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [البقرة: ٧٩].
الشيخ: إي نعم، الكذب على الشرع أن نقول هذا حلال وهذا حرام.
وقوله: كَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ، ما الفائدة من قوله: إِذْ جَاءَهُ؟
طالب: أنه لم يسمع فقط، بل تأكد منه.
الشيخ: يعني جاءه مباشرة بدون واسطة، أحسنت.
قوله: أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَهذه الجملة فيها نكتة بلاغية؟
طالب: الإظهار في موضع الإضمار.
الشيخ: الإظهار في موضع الإضمار، ما الفائدة من الإظهار في موضع الإضمار؟
طالب: (...).
الشيخ: (...) ما سمعنا إلا اثنين.
طالب: إفادته العموم.
الشيخ: إي نعم، إفادة العموم.
طالب: إفادة التعليل.
الشيخ: التعليل.
طالب: إفادة (...) الوصف على ما وصف (...).
الشيخ: الاستفهام في قوله: أَلَيْسَما المراد به؟
طالب: أَلَيْسَللاستفهام.
الشيخ: إي نعم، ما المراد به؟
الطالب: المراد (...).
الشيخ: أَلَيْسَ؟
طالب: (...).
الشيخ: المراد به هنا التقرير، لماذا؟
طالب: لأن (...).
الشيخ: لأن الاستفهام إذا دخل على ما يفيد النفي صار للتقرير.
ما الجمع بين هذه الآية وقوله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ [البقرة: ١١٤]؟
طالب: (...) أظلم شيء (...)، فإنه أظلم شيء أن يكذب على الله، ويكذب بالصدق إذ جاءه.
الشيخ: يعني أن أفعل التفضيل بالنسبة لهذا النوع من؟
طالب: الظلم.
الشيخ: فالكذب على الناس ليس كالكذب على الله وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ [البقرة: ١١٤].
طالب: أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِفي منع الناس من حقوقهم.
الشيخ: أن أظلم ما مُنع من الحقوق أن يمنع مساجد الله أن يُذْكَر فيها اسمه، هذا وجه، الوجه الثاني؟
طالب: (...).
الشيخ: نعم، أن تكون كل هذه الأحكام الأظلمية يشترك فيها كل ما ذُكر أيهما أرجح؟
طالب: الأول هو الأرجح.
الشيخ: الأول هو الأرجح؛ لأنه أقل تكلفًا وأبعد عن الإشكال.
ثم قال الله تبارك وتعالى: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ [الزمر: ٣٣]..
طالب: ما كملنا الفوائد.
الشيخ: ما كملناها؟
من الفوائد: أن الكذب على الله أعظم أنواع الكذب.
ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب التحري في تفسير القرآن؛ لأن تفسير القرآن ترجمة لما قال الله عز وجل، فإذا فسره بغير مراد الله صار كاذبًا على الله.
ومن فوائد هذه الآية: اختلاف مراتب الذنوب، أن الذنوب مراتب تتفاضل، كما أن الحسنات مراتب تتفاضل.
ومن فوائدها: أنه ينبني على هذه الفائدة زيادة الإيمان ونقصه؛ لأنه كلما كان الذنب أعظم كان نقص الإيمان به أكبر.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب تصديق من قامت البينة على صدقه لقوله: وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُفدل هذا على أن من كذب بالصدق فهو داخل في هذا الوصف؛ الذي هو أظلم من قام بهذا العمل.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الثناء على الصادقين، وجه ذلك أن من كذبهم فهو داخل في هذا الجرم الذي هو أظلم ما يكون.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من كذب بالشيء المباشر له فهو أعظم ممن كذب بما سمع؛ لأن الواسطة بينه وبين الواقع قد تُضعف مقام الصدق عنده لقوله: إِذْ جَاءَهُ.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تقرير كون النار مثوى للكافرين.
ومن فوائدها: بيان أن ما يطلقه كثير من الناس اليوم إذا مات الإنسان قالوا: ذهب؟
طلبة: إلى مثواه الأخير.
الشيخ: إلى مثواه الأخير، فإن هذه الكلمة لو أخذناها بظاهرها لكانت تتضمن إنكار البعث إذا جُعل القبر هو المثوى الأخير، فلا بعث، والمثوى الأخير إما الجنة وإما النار، وعلى هذا فيجب التنبه والتنبيه لهذه العبارة، وأن يقال إن هذه عبارة متلقاة ممن ينكرون البعث، ولكن كثيرًا من العامة عامة يأخذون الكلمات لا يفكرون في معناها.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا يُخلّد المؤمن في النار لقوله: مَثْوًىلمن؟ لِلْكَافِرِينَوالمؤمن ليست النار مثوى له، بل إن عُذِّب في النار على قدر ذنبه فمآله إلى الجنة.
تفسير الآية (33)
00:26:49
ثم قال الله تعالى: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَالَّذِيمبتدأ وخبره جملة: أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ، فتضمنت هذه الجملة جملتين: جملة كبرى وجملة صغرى، الجملة الكبرى هي المكونة من المبتدأ والخبر، والصغرى هي الخبر المكون من مبتدأ وخبر، فالجملة الصغرى ما وقعت خبرًا تُسمى جملة صغرى؛ لأنها في مقام المفرد، والجملة الكبرى هي المكونة من مبتدأ وخبر أو فعل ومعموله.
وقوله: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَفيه شيء من الإشكال يتبادر إلى الذهن، وهو أنه أخبر عن: الَّذِي-وهو اسم مفرد- بجمع -وهو قوله: أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ- ولم يقل: أولئك هو المتقي، ووجه ذلك أن: (الَّذِي) اسم موصول، والاسم الموصول يفيد العموم، حتى وإن كان مفردًا، فإنه يفيد العموم، ولهذا صح الإخبار عنه بالجمع مع كونه مفردًا.
يقول الله عز وجل: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِعام يشمل كل من جاء بالصدق من الرسل عليهم الصلاة والسلام والأنبياء والصادقين من غيرهم كل من جاء بالصدق، ومن ذلك مثلًا كعب بن مالك رضي الله عنه، فقد جاء بالصدق حين تخلف عن غزوة تبوك، وأخبر بالصدق، وأمرنا الله عز وجل أن نكون معهم لما ذكر قصتهم، قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة: ١١٩].
وقوله: صَدَّقَ بِهِأي صدق بالصدق الذي قامت البينة على صدقه، وأظننا لسنا بحاجة إلى أن نبين معنى الصدق والكذب، الصدق: مطابقة الواقع للخبر، والكذب: مخالفته، يعني من أخبر بما يُطابق الواقع فهو صادق ومن أخبر بما يخالف الواقع فهو كاذب، وقوله: صدَّق بالصدق، أي بما قامت البينة على صدقه أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَيعني الذين اتقوا الله عز وجل فلم يقولوا كذبًا، واتقوا الله عز وجل فلم يردّوا صدقًا.
يقول الشارح -رحمه الله- والمفسر يقول: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِوهو النبي صلى الله عليه وسلم) وهذا كما ترون تخصيص للعموم بما لا دليل عليه، والذي ينبغي إذا جاء القرآن عامًّا إبقاؤه على عمومه، بل هو الواجب أن يبقى على عمومه إلا بدليل، وهنا ليس هناك دليل يجعل هذا خاصًّا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فالواجب أن نجعله عامًّا؛ لأن حمله على الخاص بلا دليل قصور في مدلول القرآن، إذن يشمل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وغيره.
(وَصَدَّقَ بِهِهم المؤمنون) سبحان الله، هذا أيضًا خطأ؛ لأننا لو فسرنا الآية بما فسر به المؤلف لزم من ذلك تشتيت الضمائر وعدم انسجام الكلام وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِصَدَّقَ بِهِهذه معطوفة على الجملة التي هي صلة الموصول، وإذا كانت معطوفة على الجملة التي هي صلة الموصول لزِم أن يكون المتصف بها الموصول، ما دامت معطوفة على الصلة فهي من جملة الصلة، والصلة وصف للموصول، والمؤلف -رحمه الله وعفا عنه- شتت الضمائر، جعل الضمير الأول للرسول صلى الله عليه وسلم، والضمير الثاني للمؤمنين، والحق أنهما يرجعان إلى شيء واحد، وهو الموصول؛ لأن صلة الموصول صفة له، والمعطوف على الصلة صفة له أيضًا.
إذن وَصَدَّقَ بِهِمن؟ يشمل كل أحد حتى النبي عليه الصلاة والسلام، صدق بأنه رسول الله، فكان يقول أحيانًا: «أَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ» ، فقد صدق بأنه رسول الله، وأن ما أنزل إليه من ربه هو الحق، وأول من يدخل في هذه الآية بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أبو بكر الصديق، فإن أبا بكر الصديق صدّق، جاء بالصدق -رضي الله عنه- وصدّق به، حتى أنه في أضيق حال للرسول عليه الصلاة والسلام ليلة الإسراء حينما أشاعت قريش بأن الرسول عليه الصلاة والسلام كذب وصار يخرف ويقول ما لا يمكن، فلما بلغه الخبر قال: إن كان قد قال ذلك فهو صادق ، فمن ذلك اليوم سُمِّي بالصديق رضي الله عنه.
قال: (هم المؤمنون فالذي بمعنى الذين) يعني أنها اسم مفرد لكن بمعنى الجمع؛ لكونها دالة على العموم.
(أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَالشِّرْك) أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَأتى باسم الإشارة للبعيد لعلو مرتبتهم، ولم يقل: هؤلاء، بل قال: أولئك، و(أولئك) يُشار بها للبعيد، وإنما أشير لهم إشارة البعيد مع دنو في التحدث عنهم، لعلو مرتبتهم.
وقول المؤلف: (الْمُتَّقُونَالشِّرْك) من أغرب ما يكون، الحديث الآن عن الصدق والتصديق بالصدق، فأين الشرك؟ لم يتقدم له ذكر، ولو أردنا أن نخصص لقلنا: أولئك هم المتقون الكذبَ والتكذيبَ بالحق، هكذا نقول، مع أن الذي يدل عليه الدليل أن المعنى: أولئك هم المتقون الله؛ وذلك لأن التقوى إذا أطلقت فإنما يُراد بها تقوى الله، أما إذا قُيِّدت فهي حسب ما قيدت به.
فقوله: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [البقرة: ٢٨١] هذا لليوم، وقوله: وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [آل عمران: ١٣١] هذا للنار، وقوله: (واتقوا الله) هذا لله وعند الإطلاق لمن؟ له لأن الله أحق أن يُتقى عز وجل، هنا نقول: أولئك هم المتقون الله، ولهذا جاءوا بالصدق وصدقوا به، اتقوا لله عز وجل.
يُستفاد من هذه الآية الكريمة: الثناء على من قال بالصدق، والصدق واجب، والكذب محرَّم، وقد يقول قائل: إنه من كبائر الذنوب؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جعله من آيات النفاق ، والمنافق ليس من المؤمنين، فلو قال قائل: إن الكذب من كبائر الذنوب. لم يكن قوله بعيدًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على من صدَّق بمن قامت البينة على صدقه، صدَّق بالصدق، وأما من لم يُصدّق بما يشك فيه فلا حرج عليه، والأخبار التي ترد على المرء تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: ما دل الدليل على صدقه فيُصدّق.
والثاني: ما دل الدليل على كذبه، إما لكون ناقله معروفًا بالكذب وإما لكونه مستحيل الوقوع أو ما أشبه ذلك، فهذا يُكذّب ولا حرج على من كذبه.
والثالث: ما يحتمل الصدق ويحتمل الكذب فهذا يُتوقف فيه، لا يُرد لعدم قيام الدليل على رده، ولا يُقبل لعدم قيام الدليل على قبوله، ودليل هذا القسم قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ [الحجرات: ٦]، ولهذا في الآية التي قبل هذه قال: وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ، وهنا قال: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِفذمَّ الأولين وأثنى على الآخرين.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الصدق من التقوى، وتصديق من قامت البينة على صدقه هو أيضًا من التقوى، لقوله: أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ.
ومن فوائدها الأصولية للحكم الفقهي: أن الموصول من صيغ العموم لقوله: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ.
تفسير الآيتين (34-35)
00:38:25
ثم قال الله تعالى: لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَلَهُمْأي لهؤلاء المتقين مَا يَشَاءُونَأي الذي يشاؤونه عند ربهم، وهو الله عز وجل، وأضاف الربوبية إليهم على وجه الخصوص؛ لأن الربوبية للمتقين ربوبية خاصة، ليست كالربوبية العامة التي تشمل الكافر والمؤمن والبر والفاجر، وإنما هي ربوبية خاصة.
لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ، ذَلِكَأي: كون جزائهم مَا يَشَاءُونَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَالمحسنين الذين أحسنوا في عبادة الله وأحسنوا إلى عباد الله، فالإحسان في عبادة الله يُفسَّر بما فسره به النبي صلى الله عليه وآله وسلم بـ«أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» ، والإحسان في معاملة الخلق أن تأتي إليهم ما تحب أن يُؤتى إليك، تحب لهم ما تحبه لنفسك، ما هو الإحسان في عبادة الله؟
طالب: كما عرفها النبي صلى الله عليه وسلم: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ».
الشيخ: وفي معاملة الخلق؟
طالب: أن تأتي إليهم ما تحب أن يُؤتى إليك.
الشيخ: ما تُحب أن يُؤتى إليك، أحسنت.
لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ [الزمر: ٣٥]، اللام هنا للعاقبة فيما يظهر؛ لأن لام التعليل تأتي أحيانًا للتعليل وأحيانًا لبيان العاقبة، فإن كان ما قبلها سببًا لما بعدها فهي للتعليل، وإن كان ما بعدها عاقبة لما قبلها وليس مرادًا فهي للعاقبة، هذا هو الفرق بينهما، فإذا قلت: جئت لأقرأ. فـ(اللام) هنا؟
طلبة: للتعليل.
الشيخ: للتعليل، وإذا قال القائل: سافرت ليحصل لي الحادث.
طلبة: للعاقبة.
الشيخ: فهذه للعاقبة.
فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا [القصص: ٨].
طلبة: للعاقبة.
الشيخ: هذه للعاقبة، فالفرق بينهما إن كان ما قبلها سببًا لما بعدها فهي للتعليل، وإذا كان ما بعدها عاقبة لما قبلها غير فهي للعاقبة، يقول عز وجل: لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوايعني عاقبة التقوى أن يكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا، ويحتمل أن تكون للتعليل، بمعنى أنهم اتقوا الله من أجل التكفير، قال: لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا، وذلك بأن ينعم عليهم بالعفو عنه.
والغالب أن التكفير يأتي مكفرًا بأعمال مقابلة، فالسيئات تكفَّر بالحسنات، انظر إلى الظهار، إذا ظاهر الإنسان كفّر بما ذكر الله عز وجل، يعني أتى بحسنات تغطي ما فعل من الذنوب، اليمين إذا حنث كفّر، فالغالب أن التكفير يكون بحسنات تغطي السيئات، ويجوز أن يكون التكفير مجرد فضل من الله عز وجل، يستر الله على عبده الذنب تفضلًا منه.
وقوله: أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُواأَسْوَأَاسم تفضيل، وهو على بابه، فإذا كان الله يكفر عنهم أسوأ ما عملوا فما دونه من باب أولى، ويكون التعبير بالأسوأ من باب البشارة لهم.
وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْأي ثوابهم على ما عملوا من حسنات بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَأي: بأحسن الجزاء، فقوله: بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَأي: بأحسن جزاء الذي كانوا يعملون، وذلك أن الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وأحسن هنا على بابها؛ أي: إنها اسم تفضيل، فلا يجازيهم الحسنة بحسنة، بل بأحسن منها، كما سمعتم الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة.
وقوله: بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَلا يخفى أن قوله: كَانُوا يَعْمَلُونَصلة للموصول الَّذِيوصلة الموصول تحتاج إلى عائد يعود على الموصول ليربط الصلة به فما هو العائد هنا؟ محذوف، والتقدير؟ يعملونه.
قال: (أسوأ وأحسن بمعنى السيئ والحسن) يعني (أسوأ) بمعنى السيئ (وأحسن) بمعنى الحسن، هكذا قال المؤلف، لكنه قول غير صحيح؛ لأنه يعتبر تحريفًا للقرآن؛ لأن كل واحد يعرف أن (أسوأ) اسم تفضيل، وسيئ وصف ليس فيه التفضيل، وكذلك أحسن اسم تفضيل، وحسن وصف ليس فيه تفضيل، فما بالنا ننزل المرتبة من التفضيل إلى ما هو أدنى؟ هذا يعتبر خطأ وتحريفًا، فالصواب ما شرحناه لكم أولًا، أن اسم التفضيل هنا على بابه، وأن الله بشرهم بأنه يكفّر الأسوأ، ومن كفر الأسوأ كفّر ما دونه، وبشرهم بأنه يجزيهم أحسن ما كانوا يعملون، لا أنه يجزيهم الحسنة بمثلها، بل أحسن، وهذا فرق عظيم بين الحسن والأحسن والسيئ والأسوأ.
من فوائد هذه الآية هاتان الآيتان: أولًا: قوله تعالى: لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ.
من فوائدها: أن هؤلاء المتقين لهم ما يشاءون عند الله، متى؟ في الآخرة، في الجنة، وقد بين الله في آية أخرى أن لهم زيادة على ذلك، فقال: لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ [ق: ٣٥] وقد فُسّرت الزيادة بأنها النظر إلى وجه الله عز وجل، والذي يظهر أن النظر من ذلك، وإلا فالزيادة أشمل من هذا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عناية الله تعالى بهؤلاء القوم، وذلك بإضافة الربوبية إليهم.
ومن فوائد هذه الآية: أن التقوى من الإحسان لقوله: ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَولم يقل المتقين، والمراد بهم المتقون، لكن المتقي محسن؛ لأن المتقي عند الإطلاق هو من قام بمأمور وترك المحظور وهذا هو الإحسان.
ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على الإحسان لقوله: ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَوالحث على الإحسان والأمر به كثير في الكتاب والسنة، والإحسان يتضمن -كما قلت لكم- الإحسان في عبادة الله، والإحسان إلى عباد الله، والإحسان إلى عباد الله يكون بالقول وبالفعل وبالجاه وغير ذلك من أنواع الإحسان، فلا تدخر وسعًا في بذل الإحسان لإخوانك، فإن ذلك مما يكون سببًا لدخول الجنة، ويكون أيضًا سببًا في عون الله لك، فإن الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.
ومن فوائد الآية الثانية: أنهم بتقواهم يكفّر الله عنهم أسوأ أعمالهم لقوله: لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا.
ومن فوائدها: أن الله يجزيهم بأحسن جزاء، وقد بُيّن ذلك في الكتاب والسنة بأن من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الخطرات التي تخطر على القلوب لا حكم لها؛ لقوله: الَّذِي عَمِلُواولقوله: الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَوقد جاء الحديث مؤيدًا لذلك، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ» ، ولكن يجب على من كان له خطرات سيئة أن يدافعها بما يستطيع، ومن مدافعتها أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم وينتهي؛ يعني يُعرِض عن هذه التقديرات، فإن ذلك يزول، أما إن خضع لها واستكان لها واستمر فإنها تهلكه؛ لأن الشيطان يقيس قلب المرء إذا رآه لينًا هشًّا تسلط عليه حتى يخرجه من دينه ودنياه والعياذ بالله، وإذا كان صلبًا لا يقدر الشيطان أن ينفذ فيه، فإنه حينئذ يكون قويًّا تتكسر عليه عظام الشيطان، وقد أوصى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تلميذه ابن القيم حينما كان يعرض عليه بعض الشبهات، قال: لا تجعل قلبك كالإسفنجة تتشرب الماء ثم لا يخرج منها إلا بعصر، اجعل قلبك كالزجاجة صافية يُرى من ورائها ولا ينفذ إليها شيء -يُرى ما فيها يعني- ولا ينفذ إليها شيء.
يعني من هذه الشبهات تكون صافية نقية خالية من الشبهات ولا ينفذ إليها شيء وهكذا ينبغي للإنسان ألّا يخضع للشيطان في هذه الوساوس التي ترد عليه. فإذا قال قائل: هل الإرادة عمل أو لا؟ ماذا تقولون؟ الإرادة عمل، لكنها عمل القلب بخلاف التحديث؛ لأن تحديث النفس لا يعني الخضوع للشيء وإقرار الشيء لكن الإرادة لا تكون إلا بعد تقرير هذا الشيء، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في الرجلين المسلمين يلتقيان بسيفيهما فيقتل أحدهما الآخر، قال: كِلَاهُمَا فِي النَّارِ «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بَسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ»، قالوا: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: «لِأَنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ» ولما ذكر الرجال الأربعة، ومنهم: «رَجُلٌ أَعْطَاهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْمَالَ فَهُوَ يُنْفِقُهُ فِي غَيْرِ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَقَالَ الرَّجُلُ الْفَقِيرُ لَيْتَ لِي مَالَ فُلَانٍ فَأَعْمَلَ فِيهِ كَعَمَلِ فُلَانٍ قَالَ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَهُمَا فِي الْوِزْرِ سَوَاءٌ» مع أنه لم يعمل، لكن تمنى وأراد، والله أعلم.
طالب: إذا أخبر (...) مطابق للواقع، وكان مخالفًا للواقع هل يُسمى كاذبًا؟
الشيخ: يسمى كاذبًا، لكن ليس عليه إثم الكاذب.
طالب: الذي يتقي الله ليكفر عنه سيئاته أو نقول: لا بد أن يتقي الله ويرضي الله، ثم (...).
الشيخ: كل هذا صحيح، وأما قول الصوفية: أعبد الله لله، فهذا خطأ، لكن أعبد الله لهذا ولهذا.
قال الله تعالى: يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا [المائدة: ٢]، فبدأ بالفضل، وهذا في وصف الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه: تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا [الفتح: ٢٩].
طالب: أنا أخلص لكي أتعلم.
الشيخ: أُخلص لكي أتعلم، ولّا: أتعلم مخلصًا؟
طالب: لا (...).
الشيخ: أيش؟
طالب: أخلص لله يجيك العلم.
الشيخ: هو لا شك أن الإخلاص لله يعني معونة وسببًا لتحصيل العلم وبركة العلم، الإخلاص سبب لحصول المفقود والبركة في الموجود (...).
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ (٣٧) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ [الزمر: ٣٦ - ٣٨].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [الزمر: ٣٣]، من المراد بـالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ؟
طالب: الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ؟
الشيخ: من المراد به؟
طالب: كل من صدق.
الشيخ: كل من جاء بالصدق، كل من صدق في مقاله وفعاله وقصده فهو داخل في الآية.
تخصيص ذلك بالرسول صلى الله عليه وسلم ماذا تقول فيه؟
طالب: (...).
الشيخ: أقول تخصيصه بالرسول؟
طالب: (...) جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ.
الشيخ: نعم، إذن هذا من باب القصور في تفسير الآية.
طالب: نعم.
الشيخ: الصدق هنا يختص بصدق النية والمقال والفعال؟
طالب: يشمل جميعها.
الشيخ: يشمل الجميع، صدق النية بماذا؟
طالب: بالإخلاص.
الشيخ: بالإخلاص لله، والمقال؟
طالب: والمقال لا يخالف الواقع.
الشيخ: الإخبار بما يوافق الواقع، والفعال أن تكون على الشريعة.
قوله: أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَكيف جمع الخبر مع أن المبتدأ مفرد؟ وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ؟
طالب: (...).
الشيخ: لأن اسم الموصول ولو مفردًا يفيد؟
طالب: يفيد العموم.
الشيخ: يفيد العموم، قوله تعالى: لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْهل جاء في القرآن ما يدل على أن لهم أكثر من ذلك؟
طالب: نعم، قوله تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس: ٢٦].
الشيخ: لا نريد، المشيئة ما يشاءون.
طالب: لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ [ق: ٣٥].
الشيخ: هل في الآية ما يدل على الحث على الإحسان؟
طالب: قوله تعالى: (...).
الشيخ: كم أنواع الإحسان؟
الطالب: إحسان للعباد وإحسان لرب العباد.
الشيخ:إحسان في عبادة الله، وإحسان في معاملة عباد الله، الإحسان في عبادة الله ما معناه؟
طالب: الإحسان في عبادة الله أن تؤدي العبادات على أكمل وجه.
الشيخ: لا أريد تفسيرًا أحسن من تفسير من فسرها به أو من فسره به.
طالب: هو فسرها النبي صلى الله عليه وسلم: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» .
الشيخ: تمام، واضح؟ عليك بالدليل.
الإحسان في معاملة العباد؟
طالب: الإحسان في معاملة العباد أن يعاملهم كما يحب أن يعاملونه.
الشيخ: أن يعاملون به، هل مخالفة هذا هل فيها وعيد؟ يعني أن تعامل الناس على خلاف هذا الواقع هل فيه وعيد؟ الإحسان في معاملة الخلق أن تعاملهم كما تحب أن يعاملوك به، هل هناك وعيد يدل على أنك لو عاملتهم على خلاف ذلك..
طالب: (...).
الشيخ: ما بعد كملت الآية.
طالب: (...).
الشيخ: تمام، وفي السنة: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» ، فسر المؤلف قوله تعالى: لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوابتفسير مخالف لظاهرها، فما هو التفسير الذي فسرها به؟
طالب: فسر أسوأ وأحسن، قال (...) حسن وسيئ.
الشيخ: بمعنى سيئ وحسن، ما الفرق بين أسوأ وسيئ؟
طالب: أسوأ من صيغ التفضيل.
الشيخ: وأما سيئ؟
طالب: سيئ، فهي ليست من صيغ التفضيل.
الشيخ: وكذلك أحسن وحسن، أحسن من صيغ التفضيل، وحسن ليست كذلك، هل ما ذهب إليه صحيح؟
طالب: لا، غير صحيح.
الشيخ: غير صحيح، لماذا؟
طالب: يا شيخ، تفسيره فيه قصور، (...).
الشيخ: أولًا: لأنه مخالف لظاهر اللفظ، والثاني؟
طالب: (...).
الشيخ: تمام؛ لأن تكفيره الأسوأ، وجزاؤه بالأحسن أبلغ مما لو كفّر السيئ وجزى بالحسن.
في قوله: بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَفيها حذف؟
طالب: يعني حذف (...) الذي كانوا يعملونه.
الشيخ: المحذوف هو العائد على الصلة.
المؤلف قال: (الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِهو النبي وَصَدَّقَ بِهِهم المؤمنون) وذكرنا أن هذا التفسير يتنافى تمامًا مع سياق الآية، وجهه؟
طالب: وجهه أن قلنا: إن.. هذه ما قلناها.
الشيخ: لا قلناها، قلنا: إن هذا التفسير يتنافى تمامًا مع الآية.
طالب: (...) المتقون.
الشيخ: لا، هذا.
طالب: (...) سياق الآية أن الذي جاء بالصدق وصدق به (...).
الشيخ: الآية وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ، صَدَّقَ: معطوف على جَاءَعلى صلة الموصول، والمعطوف على الصلة من الصلة، وعلى هذا فيكون الموصوف واحدًا؛ لأن صلة الموصول صفة، فإذا قلت: الذي أكرمني وأعطاني المال محبوب إليَّ. مثلًا، هل نقول: أعطاني المال غير الأول ولّا هو الأول؟
طالب: الأول.
الشيخ: هذا نفس الشيء.
تفسير الآيتين (36-37)
01:03:52
ثم قال الله عز وجل: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُالاستفهام هنا للتقرير بناء على القاعدة التي ذكرناها من قبل، وهي أن همزة الاستفهام إذا دخلت على ما يفيد النفي أفادت التقرير أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح: ١]، يعني قد شرحنا لك صدرك أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ [المؤمنون: ١٠٥] يعني: قد كانت.
وهكذا أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُيعني: قد كفى الله عبده، وقوله: بِكَافٍ عَبْدَهُالذي نصب (عبده) قوله: كَافٍ؛ لأن كَافٍاسم فاعل، وفاعله مستتر، وعَبْدَهُمفعول به، وقوله: بِكَافٍ عَبْدَهُأَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ(عبد): مفرد مضاف فيكون عامًّا لجميع من اتصف بهذا الوصف، فكل من كان عبدًا لله حقًّا فإن الله كافيه، ومثل هذا قوله تعالى: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق: ٣]، ومثله قوله تعالى: فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة: ١٣٧] فالعبد هنا وصف شامل لا يختص بواحد دون الآخر فكل من انطبقت عليه العبودية حقًّا فالله تعالى كافيه أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُوالجواب على هذه الجملة أن يقال؟ بلى.
ثم قال: وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِهنا الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم يُخَوِّفُونَكَوعطف يُخَوِّفُونَكَالخاص بالرسول لايقتضي تخصيص اللفظ العام قبله وقد مر علينا مثل هذا كثيرًا، يُذكر لفظ عام ثم يُذكر حكم يختص ببعض أفراده، قلنا: إن هذا لا يقتضي التخصيص، وأقرب مثال مرّ علينا في ذلك ما هو؟ مر علينا أمثلة أقربها؟
طالب: الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ.
الشيخ: لا، هذا عامٌّ، مر علينا في الحديث، ما أسرع أن نسيانكم.. هذه القواعد لا ينبغي أن تُنسى يا جماعة، لا ينبغي أن تُنسى؛ لأن لو أنك الآن حفظت القاعدة مثلًا حفظت هذه القاعدة: أنه إذا جاء لفظ عام ثم جاء بعده حكم يختص ببعض أفراده فإن هذا لا يقتضي التخصيص، هذه قاعدة واضحة، لكن لو قال لك قائل أعطني مثالا ينطبق على هذا، إذا نسيت المثال قال لك: هذه القاعدة غير مقبولة، بل أنا أقول: إذا جاء حكم يختص ببعض الأفراد دل على أن المراد بالعموم الأول الخصوص، فيقلب عليك القاعدة.
وطالب العلم يقيّد الفوائد الشرائد، الفوائد اللي تشرُد من الذهن ينبغي لطالب العلم أن يعتني بها ويقيدها وإلا ضاعت عليه.
طالب: إذا ما جاء حديث (...)؟
الشيخ: لا، هذان نصان منفردان، إحنا نريد في سياق واحد، مر علينا في القرآن مثال، ومر علينا في السنة مثال، أقرب مما مر علينا في القرآن، وإلا كلٌّ مرت علينا.
طالب: حديث ابن عباس (...).
الشيخ: لا، قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل ما لم يُقسم هذا عامٌّ ولّا لا؟ أجيبوا يا جماعة؟ قضى في كل ما لم يُقْسم، كل الذي لم يُقسم، عامٌّ، فإذا وقعت الحدود وصُرِّفت الطرق فلا شُفعة هذا حكم يختص ببعض أفراد العام، بماذا يختص؟ بالعقار، بالأراضي، فهل نقول إن العام الأول يُراد به الخصوص؟ أو نقول الأول عام وذكر حكم يختص ببعض أفراد العام لا يقتضي التخصيص؟ هذا هو الثاني.
وفي القرآن: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍإلى أن قال: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ [البقرة: ٢٢٨]، الْمُطَلَّقَاتُعام وَبُعُولَتُهُنَّحكم يختص ببعض أفراد هذا العام، ما الفرد الذي يختص به؟ الرجعية فهل نقول إن قوله: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍهذا خاص بالرجعيات؟ أو نقول هو عام؟ معروف عند أهل العلم أنه عام في المطلقات اللاتي طلُقن بطلاق بائن أو بطلاق رجعي.
الآن أخذتم مثالين؟ هنا هذا المثال اللي معنا في القرآن هل ينطبق عليه أو لا؟ أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ.
طالب: ينطبق.
الشيخ: ينطبق عليه؟ الأول أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُعام، لم يقل: أليس الله بكافيك؟ عام، وَيُخَوِّفُونَكَهذا خاص بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، على أن لواحد منكم أن يقول لي: لماذا لا يصح أن يكون الخطاب موجهًا لكل من يصح خطابه، أي: يخوفونك أيها المخاطب، قد يقول القائل منكم لي هكذا كما قد جرت به العادة في كثير من النصوص، فالجواب على هذا أن نقول: إنه لا يصح أن يكون موجهًا لكل مخاطب؛ لأن كل مخاطب لا يتأتَّى عليه هذا الوصف، هل كل مخاطب خُوّف بالذين من دون الله؟ لا، إنما الذي خوِّف من دون الله هو النبي صلى الله عليه وسلم، الذي خوّف بالذي من دون الله هو النبي؛ لأنهم يتوعدونه بآلهتهم.
على كل حال هذا المثال ينطبق على ما ذكرناه من القاعدة أنه إذا ورد لفظ عامّ ثم أُتِي بعده بحكم يختص ببعض أفراده فإن ذلك لا يقتضي التخصيص، بل يبقى العام على عمومه ويثبت الحكم لهذا الفرد.
قال: (وَيُخَوِّفُونَكَالخطاب له) يعني للنبي صلى الله عليه وآله وسلم (بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِأي: الأصنام؛ أي تقتله أو تخبله)، وهذا كقوله تعالى: إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران: ١٧٥]، هم يخوفون النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالذين من دون الله، وتخصيص هذا بالأصنام كما خصصه المؤلف فيه نظر، بل يخوفونه بالذين من دون الله من الأصنام وغير الأصنام حتى من ذوي السلطان، فيقول مثلًا: يفعل بك فلان، أو: تفعل بك الجن، أو: يفعل بك كذا أو كذا، فينبغي أن نحمل بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِعلى العموم، لا على خصوص الأصنام؛ لأن التخويف أعم من ذلك.
الآن مثلًا في وقتنا هذا لو قال قائل لشخص: أنت إن نهيت عن هذا المنكر سأرفع بك إلى فلان ممن يُخشى شره هل هذا مخوف بالذين من دون الله؟ نعم، هذا مخوف بالذين من دون الله، فالآية عامة، ولا ينبغي أن يخصصها كما ذهب إليه المؤلف رحمه الله.
وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِقال تعالى: وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ، مَنْشرطية، فتفيد العموم، فمن يضلل الله فما له من هادٍ يهديه، وقوله: فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍالجملة هذه اسمية مكونة من مبتدأ وخبر، وعجبًا أن نقول: إنها مكونة من مبتدأ وخبر، ونحن لا نجد فيها لا مبتدأ ولا خبر، أين الاسم المرفوع؟ والمعروف أن المبتدأ والخبر يكونان مرفوعين، وهنا ليس هناك شيء مرفوع، فالجواب أن نقول: (ما) نافية ولَهُجار ومجرور خبر مقدم، ومِنْ هَادٍمبتدأ مؤخر، وكيف نعرب مِنْ هَادٍ؟ نقول: مِنْحرف جر زائد، وهَادٍاسم مجرور بـمِنْ، صح؟
طالب: (...).
الشيخ: لا.
طالب: (...).
الشيخ: هَادٍمبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على الياء المحذوفة منع من ظهورها؟
طالب: اشتغال المحل بحركة..
الشيخ: ما في حركة، الياء ما هي متحركة هنا؛ لأنها ما تتحرك بالجر، على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين، والتي قُدرت عليها الكسرة لمناسبة حرف الجر الزائد، هذا إذا أردنا أن نتمحل في الإعراب للقواعد النحوية، وإلا يكفي أن نقول: مِنْحرف جر زائد، وهَادٍمبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين، وننتهي؛ لأن حركة الحرف الجر الزائد في مثل هذه الكلمة لا تظهر.
وقوله: وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍيعني من يُقدر الله الضلالة فإنه لا أحد يهديه مهما اجتمعت عليه الأمة، وها هو أعظم الخلق في الهداية والدلالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، حرص غاية الحرص لهداية عمه أبي طالب إلى آخر أنفاسه، ولكن لم يهتدِ؛ لأن الله عز وجل كتب عليه الضلالة، فكان آخر ما قال أن شهد شهادة الكفر فقال: هو على ملة عبد المطلب ، ولكن النبي صلى لله عليه وآله وسلم لحسن أخلاقه؛ ولأن عمه قام قيامًا نصر به الإسلام، شفع له عند الله، فكان في ضحضاح من نار، وعليه نعلان من نار يغلي منهما دماغه ، أعلى ما فيه، والنعال في أسفل ما فيه، والدماغ يغلي، فما بالك بما دونه من الجسم أشد غليانًا، وإنه لأهون أهل النار عذابًا ، ويرى أنه أشدهم عذابًا، لماذا يريه الله أنه أشدهم عذابًا؟ لئلا يتسلّى بغيره؛ لأن صاحب النار لو علم أن غيره أشد منه أو مثله لتسلى وهان عليه الأمر، وقد أشار الله إلى ذلك في قوله: وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ [الزخرف: ٣٩]، مع أنكم لو اشتركتم في العذاب في الدنيا لهان عليكم، انظر إلى كعب بن مالك رضي الله عنه لما قيل له: إنه تخلف عن غزوة تبوك فلان وفلان، هان عليه الأمر ، وهذا شيء مُسلّم، والخنساء ترثي أخاها صخرًا وتقول:
| وَلَوْلَا كَثْرَةُ الْبَاكِينَ حَوْلِي | عَلَى إِخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي |
| وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِنْ | أُسَلِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأَسِّي |
إذن نقول: من قدر الله ضلاله فلن يهديه أحد مهما أوتي من الآيات، فإنها: مَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ [يونس: ١٠١].
في هذه الآية الكريمة من الفوائد أولًا: كفاية الله لعبده.
ومنها من الفوائد: الحث على تحقيق العبودية لله؛ لأنك إذا حققت العبودية تحققت لك الكفاية، إذ إن الحكم المعلق على وصف يقوى بقوة ذلك الوصف ويضعف بضعف ذلك الوصف، فإذا كانت الكفاية مرتبة على العبودية حصل للعابد من هذه الكفاية بقدر عبوديته، على القاعدة أن الحكم المعلق بوصف يقوى بقوته ويضعف بضعفه.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: دفاع الله عز وجل عن المؤمنين؛ لأن الله إذا كان كافيه فسوف يدافع عنه، ويحقق ذلك قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا [الحج: ٣٨].
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أعداء الله يخوفون عباد الله بما دون الله؛ لقوله: وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ.
ومن فوائد هذه الآية: أن الشيطان -وهو زعيم أعداء الله- يخوف المؤمن العابد لله مما دون الله، فتجده يأتي إلى الشخص الذي يريد أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، يقول: لا تفعل، إن الناس يبغضونك، إن الناس يرمونك بالتشدد، إن السلطان ربما يؤدبك، وما أشبه ذلك، ولكن المؤمن لا يخاف من هذا أبدًا؛ لأنه معتصم بالله عز وجل، هو عبد الله، واثق بأن الله سينصره، فلا يهمه هؤلاء، ولكن هل يعني ذلك أن الإنسان يتجشم الأمور بالعاطفة العاصفة أو يستعمل الحكمة ويمضي في الحق؟
طالب: الثاني.
الشيخ: الثاني، ولذلك نحن ننتقد على بعض الناس الذين عندهم غيره في دين الله، ولكنهم لا يأتون البيوت من أبوابها، يريدون أن يأتوا الأمور بالعنف والقوة، مع أنه ليس لهم قوة، فنحن نقول: امض فيما أمرك الله به، لكن مستعملًا بذلك الحكمة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن كل من سوى الله فهو دون الله لقوله: يُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِفليس هنا إلا الله أو مَن دون الله.
ويتفرع على هذه الفائدة: أن كل من سوى الله فهو مغلوب، وإذا كان الله كافيًا عبده وكل من سوى الله فهو مغلوب فهذا يعني أن الانسان سيغلب إذا حقق العبودية، ولكن قد يورد علينا موردًا أن الله تعالى ذكر أن من الناس من قتل الأنبياء، فكيف يُجمع بين هذه الآية وبين ما ثبت من قتل بعض الأنبياء؟
والجواب على هذا أو الجواب عنه أن قتل الأنبياء لا يعني قتل ماجاءوا به من الحق، والأنبياء إنما تكلموا من أجل إثبات الحق لا من أجل إثبات شخصيتهم، من أجل إثبات الحق، ثم إنه إذا فاتهم الانتصار في الدنيا -الانتصار الذي تشاهدونه- لم يفتهم ذلك في الآخرة؛ لقول الله تعالى: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ [غافر: ٥١]، والله أعلم.
طالب: (...) تعريف (...)؟
الشيخ: لا، تعريفه، تعريف الإحسان.
طالب: بالنسبة للخطاب وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِلِمَ يجعل (...) الخوف من دون الله عز وجل.
الشيخ: قلنا: إن هذا ما كل أحد، إذا قلنا إنه عام لكل إنسان.
طالب: (...) الخوف يا شيخ.
الشيخ: إي، ممكن نجعله لكل من خُوِّف، ممكن أن نجعله، لكن الظاهر أنه خاص بالرسول.
طالب: الرسول صلى الله عليه وسلم شفع لعمه أبي طالب، وقال: «لَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ» ، وهو يرى نفسه أنه أشد الناس عذابًا؛ لأنه لو رأى أنه أقلهم يتسلى به؛ يعني معنى ذلك أنه ما علم بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم له أنه في هذا الضحضاح؟ أم علم ولكنه يرى أنه أشد الناس؟
الشيخ: سواء علم ولا ما علم هو يرى أنه أشد الناس، وكون الله أعلمه أنه كان يستحق الدرك الأسفل من النار ولكن الله بشفاعة الرسول قد يكون الله أعلمه بهذا ليعلمه أن الله قد جازاه وكافأه على ما صنع بالرسول عليه الصلاة والسلام وقد لا يكون، والله أعلم.
طالب: قول الله سبحانه وتعالى: وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِهل ينطبق سياقهم على أن قال -سابقوهم-: إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ [هود: ٥٤].
الشيخ: هذا الذي نقله من؟
طالب: سابقو قوم شعيب.
الشيخ: لا، الذين قالوه عاد لهود.
طالب: نعم، هل هو نفس الـ..، يعني: المشركون خوفوا النبي صلى الله عليه وسلم بأنه سيعتريه سوء من الآلهه إذا تعرّض..
الشيخ: لا، أولئك قالوا: إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ [هود: ٥٤] يعني معناه: خبلوك وجعلوك مجنونًا، أما هؤلاء فقالوا: إن آلهتنا ستخبلك توعدوه في المستقبل (...).
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم: وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ (٣٧) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (٣٨) قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ [الزمر: ٣٧ - ٤٠].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِذكرنا أن الاستفهام في قوله: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ؟
طالب: أن همزة الاستفهام إذا أتت في موضع النفي فإنها تفيد التقرير.
الشيخ: نعم، إنه للتقرير، أن الاستفهام في قوله: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُللتقرير، بناء على القاعدة أنه إذا أتى بعد همزة الاستفهام ما يفيد النفي فهو للتقرير، وله أمثلة كثيرة في القرآن، وذكرنا المراد بـعَبْدَهُ.
طالب: النبي صلى الله عليه وسلم (...).
الشيخ: والمؤلف ماذا يرى؟
طالب: (...) النبي صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: ما الذي أوجب للمؤلف أن يجعله عائدًا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟
طالب: قوله بعده: وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ.
الشيخ: نعم، والصحيح العموم، يُخَوِّفُونَكَمعناها؟
طالب: يهددونك.
طالب آخر: يخوفونك، ذكر المؤلف أنها يُقصد بها الأصنام، ولكن هي تفيد العموم.
الشيخ: لا، هذا تفسير لـالَّذِينَ مِنْ دُونِهِلكن كلمة يُخَوِّفُونَكَما معناها؟ يلقون في قلبك الخوف منهم، كما قال تعالى: إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ [آل عمران: ١٧٥]، قوله: وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍمِنْهذه؟
طالب: (...).
الشيخ: أين جواب الشرط؟
طالب: (...).
الشيخ: ما معنى قوله: مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ؟
طالب: يعني الذي الله عز وجل لم يرد أن يهديه.
الشيخ: لا.
طالب: (...).
الشيخ: مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ؟
طالب: (...) الله عز وجل للضلال، مهما بذل الإنسان في هدايته لا يستطيع، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بعمه.
الشيخ: تمام، ما المراد بالهداية في قوله: فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ؟
طالب: هداية الدلالة، هداية إرشاد، هداية توفيق.
الشيخ: هداية الدلالة، وهداية الإرشاد، وهداية التوفيق.
طالب: الأخير يا شيخ.
الشيخ: الأخير هداية التوفيق، ما هو الدليل على أن المراد بالهداية هنا هداية التوفيق؟
طالب: لأن هداية التوفيق (...) إلا الله.
الشيخ: لكن ما الدليل على أن ما معنى فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍأي: فما له من موفق للهداية، قد يقول قائل: فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍأي: من دال على الحق؟
طالب: (...) فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ(...).
الشيخ: ما يكفي كلمة يفهم منه، لا بد من دليل.
طالب: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص: ٥٦]، فدل هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يهدي إلا (...).
طالب آخر: (...) أن العباد لا يملكون هذا الشيء الذي يملكه الله عز وجل.
الشيخ: إي، ما فيه شك، لكن ما هو الدليل على أن هذا هو المراد؟ لأن الهداية هدايتان: هداية توفيق وهداية دلالة.
طالب: قوله وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُحيث نسب الضلال إلى الله عز وجل.
طالب آخر: لأن الله سبحانه وتعالى هداهم هداية الدلالة؛ يعني أرشدهم لهداية الدلالة.
الشيخ: لأن هؤلاء الذين أضلهم الله قد هُدوا هداية الدلالة وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى [فصلت: ١٧]، والرسل أُرسلوا إلى قوم كفار حقت عليهم كلمة العذاب، فهنا يتعين أن المراد بالهادي هداية التوفيق وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من كتب الله ضلاله فلا أحد يستطيع هدايته؛ لقوله: وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ.
ومن فوائدها: أن الإنسان لا يطلب الهداية إلا من الله؛ لأنه وحده هو الذي يضل ويهدي، فتُطلب الهداية منه؛ لأنه ليس المراد بهذه الآية التيئيس من هداية الخلق، ولكن المراد الرجوع إلى الله عز وجل في هداية الخلق.
ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على المعتزلة الذين يقولون إن الانسان مستقل بعمله، يهدي نفسه ويضل نفسه، ولا علاقة لمشيئة الله في فعله لقوله: وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ.
ومن فوائدها: إثبات الهداية لغير الله التي هي هداية الدلالة وأما التوفيق فإلى الله عز وجل.
ثم قال سبحانه وتعالى: وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّأخذناها أظن.
طالب: (...).
الشيخ: ما شُرحت، قال تعالى: وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّأي: من يقدِّر الله هدايته فما له من مضل.





