(مَن) موصولة مفعول لـ(علم)، يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ [الزمر: ٤٠] إذا كانت (من) موصولة فجملة يَأْتِيهِلا محل لها من الإعراب؛ صلة الموصول.
عَذَابٌ يُخْزِيهِماذا قلنا بعذاب؟ عقوبة، وجملة يُخْزِيهِصفة لعذاب، وليست جوابًا لـ(من)؛ لأن (من) اسم
موصول، لا تحتاج إلى جواب.
(يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّينزل عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ [الزمر: ٤٠] دائم، هو
عذاب النار، وقد أخزاهم الله ببدر)، يعني أن أكبر ذلّ حصل لقريش ما حصل في بدر؛
لأن الله سبحانه وتعالى جمع زعمائهم وكبراءهم وأشرافهم، جمعهم حتى خرجوا في ذلك
اليوم، وقُتل هؤلاء الأشراف والكبراء، قتلوا وسحبوا وألقوا في قَليب من قُلب بدر،
قليب خبيثة منتنة، فكان جزاؤهم والعياذ بالله هذا الجزاء، وهذا من أعظم الخزي، حتى
وقف النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليهم يوبخهم ويندّمهم
يقول: «يَا فُلانَ بْنَ فُلَانٍ» بأسمائهم وأسماء آبائهم «يَا فُلانَ بْنَ فُلانٍ،
هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ فَإِنِّي وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي
رَبِّي حَقًّا»، فقالوا: يا رسولَ الله، ما تكلم من أُناس جَيَّفوا -كيف تكلم
جِيَفًا؟- قال: «مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ
لَا يَسْتَطِيعُونَ الْجَوَابَ» ،
وصدق الرسول عليه الصلاة والسلام، هم يسمعون كلام الرسول ولا يزيدهم هذا الكلام إلا
حسرة وندامةً.
ولهذا قال أحدهم لعبد الله بن مسعود، وهو
أبو جهل، حينما جاء إليه وفيه رَمَق من حياة، قال له: من أنت؟ قال: ابن مسعود. قال:
لقدِ ارتقيتَ مُرْتَقى صعبًا يا رُوَيْعِيَّ الغَنَمِ. كيف تطأ على رأس شريف من
أشراف قريش. ثم قال: لمن الدائرة اليوم؟ قال: لله ورسوله . المهم أن
الرسول وبخهم على هذا الذي حصل.
ثم قال: (إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ [الزمر: ٤١] متعلِّق بأنزل)، لماذا لم يقل: بأنزلنا؟ لأن
العامل هو الفعل، و(نا) اسم بتقدير الانفصال عن الفعل، وهذا تعليم من المؤلف لكم
إذا أردتم أن تقولوا: هذا متعلق فلا تذكروا إلا العامل فقط، لا تذكروا الفاعل معه،
ولا المفعول إن كان المفعول متصلًا به، فهذا متعلق بـ(أنزل).
ونحن في الحقيقة في
إعرابنا في القرآن نتجاوز، نقول في مثل هذا: متعلق بـ(أنزلنا) وهذا غير
محرر، الصواب أن تقول: متعلق بـ(أنزل)، الذي هو العامل فقط، دون ما اتصل به من فاعل
أو مفعول.
(فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِه [الزمر: ٤١] اهتداؤه وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ [الزمر: ٤١] فتجبرهم على الهدى)، وهذا كقوله: وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ [ق: ٤٥]، فالرسول عليه الصلاة والسلام ليس بجابر لهم
على الاهتداء، وليس بموكل بهم يحافظهم ويحافظ عليهم.
نرجع للفوائد الآن: قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْإلى آخره
[الزمر: ٣٩].
من فوائد هذه الآية: أنه ينبغي لمن
معه الحق أن يكون قويًّا متحديًا لخصمه، فلا يقف موقف الضعف، من أين يؤخذ؟ اعْمَلُواإِنِّي عَامِلٌ [الزمر: ٣٩] يعني ولا تهمونني.
ومن فوائدها: تسلية النبي
صلى الله عليه وآله وسلم؛ فإن الله أمره بذلك تبشيرًا له وتسلية بأنه ستكون العاقبة
له.
ومن فوائدها: أنه لا بأس بإقرار الكفار على
كفرهم تهديدًا، وهذا أسلوبٌ متبع حتى في تأديب الوالد ابنه، ماذا يقول له إذا خالف؟
يقول: استمر على معصيتي، استمر في اللعب، لا تحضر للضيوف مثلًا، ماذا يقصد؟ يقصد
التهديد.
وأظننا لا يمكن أن نأتي بها جميعا، ونجعلها غدًا إن شاء الله.
(...)
***
طالب: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [الزمر: ٤٢ - ٤٤].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ [الأنعام: ١٣٥] إلى آخره.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى يريد من نبيه أن يكون عاليًا على قومه، يتكلم عليهم أو يتكلم معهم من علو، وذلك بقوله: يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ، وهذا يشبه التحدي، التحدي لهم أني لا يهمني أن تعملوا ما علمتم؛ فإني سوف أعمل ما يضاد ذلك.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أظننا ذكرنا هذه الفائدة أنه ينبغي لصاحب الحق أن يكون قويًّا على خصمه متعليًا عليه.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تهديد أولئك المكذبين لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنهم سوف يعلمون من هو أحق بالعذاب ومن يأتيه العذاب.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن عذاب الكفر عذاب مخز عارٌ في الآخرة وذلٌّ في الدنيا، بل ذل في الدنيا والآخرة والعياذ بالله؛ لقوله: مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ [الزمر: ٤٠].
ومن فوائد الآية الكريمة: أن عذاب أهل النار مقيم لا ينفك عنهم، ويتفرع على هذه الآية الكريمة ما دلَّ عليه القرآن والسنة؛ من أن أهل النار مخلدون فيها أبدًا وأنها لا تفنى، وأن القول بفنائها قول ضعيف، بل باطل، لمخالفته للكتاب والسنة.
ثم قال: إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّإلى آخره [الزمر: ٤١].
من فوائد هذه الآية الكريمة: بيان أن القرآن كلام الله؛ لأن الله أنزله، وهو كلام ليس ذاتًا معينة كالحديد الذي قال الله فيه: وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ [الحديد: ٢٥] وكالمواشي: وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ [الزمر: ٦] فالقرآن كلام، فإذا كان كلامًا فإنه لا يكون مخلوقًا؛ لأن الكلام صفة المتكلم، والمتكلم به وهو الله هو الأول والآخر والظاهر والباطن.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات علوّ الله، منين؟
طالب: أَنْزَلْنَا.
الشيخ: والإنزال لا يكون؟
الطالب: إلا من علو.
الشيخ: إلا من علو، وهذا هو الذي دلَّ عليه الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة.
علو الله عز وجل دل عليه الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة، الكتاب دلالته على علوّ الله متنوعة بأنواع كثيرة، والسنة كذلك اتفقت:
السنة: القولية والفعلية والإقرارية على أن الله سبحانه وتعالى عال فوق عرشه فوق خلقه.
والإجماع: أجمع السلف على ذلك، ما منهم من أحد قال بخلافه أبدًا، والقاعدة في هذا أنه إذا دل الكتاب والسنة على شيء، ولم يُعلم أن أحدًا من السلف الصحابة والتابعين قال بخلافه؛ فإنهم لا يقولون بسواه، وهذه فائدة مهمة، يعني قد يقول قائل: أين الدليل على أن الصحابة يرون أن الله استوى على العرش، أي: علا عليه؟ هل أحد فسره بذلك؟ فماذا نقول؟
نقول: ما دام القرآن قال به ولم يرد عنهم خلافه، فهم قد قالوا به؛ لأنهم هم يأخذون بدلالة القرآن التي أُمروا أن يأخذوا بها. إذن نأخذ من هذا إجماع الصحابة على علو الله، وكذلك التابعون لهم بإحسان والأئمة من بعدهم، لم يأت حرف واحد عن أحد منهم أنه قال بخلاف ذلك.
من فوائد هذه الآية: فضيلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حيث قال أيش؟
الأدلة العقلية على علو الله عز وجل أن يقال: العلوّ إما صفة نقص أو كمال، ولا أحد يشك أنه صفة كمال، فوجب ثبوته لله عز وجل؛ لأن الرب قد وجبت له صفات الكمال عقلًا.
وأما الفطرة فإن الناس مفطورون على أنهم إذا سألوا الله شيئًا، إنما ترتفع قلوبهم نحو السماء، وهذا أمر لا ينكره أحد.
من فوائد الآية الكريمة: فضيلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حيث كان إنزال هذا القرآن العظيم عليه، وقد قال الله تعالى: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام: ١٢٤].
ومن فوائدها: أن القرآن نزل لمصلحة الخلق؛ لقوله: لِلنَّاسِ، فالقرآن لم ينزل ضد مصالح الخلق، بل نزل لمصالح الخلق، ولهذا قال: أنزلناه عليك للناس.
ومن فوائد الآية الكريمة: عموم رسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لقوله: لِلنَّاسِولم يقل: لقومك، مثلًا للناس عمومًا.
ومن فوائدها: أن القرآن نزل بالحق على وجهي التفسير اللذين سبقَا، وهو أنه هو حق وآتٍ بالحقّ، حق فيما جاء به حيث كانت أحكامه عدلًا وأخباره صدقًا، وهو نفسه حق ليس بباطل.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن القرآن حُجة؛ لقوله: فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا [الزمر: ٤١].
ومن فوائدها: أن الناس ينقسمون نحو هذا القرآن إلى مهتدٍ وضالٍّ؛ لقوله: فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا.
ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان مُجبَر على عمله، ووجه ذلك أنه أضاف الاهتداء والضلال إلى العبد، فدل هذا على أنه فعله الذي اختاره.
ومن فوائد الآية الكريمة: شؤم المعاصي وأنها تكون على العبد لا له.
ومن فوائد الآية الكريمة: بركة الاهتداء وأنه كسب للعبد؛ لقوله: فَلِنَفْسِهِ.
ومن فوائدها: تسلية النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا ضل من ضلَّ من الناس؛ لقوله: وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ، فالله وحده هو الوكيل عليهم، أما أنت فأنت مبلِّغ، فإذا قمت بواجب البلاغ فالحساب على الله.
ومن فوائدها: الرد على من تعلَّقوا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم خوفًا ورجاءً ورغبة ورهبة، حتى صاروا يدعونه من دون الله؛ لقوله: وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ.
ومن فوائدها: أن الداعي المبلغ لشريعة الله إذا بلغ على الوجه الذي أُمر به فقد برأت ذمته، ولا يلزمه شيء وراء ذلك، وجه الدلالة منها أنه إذا كان إمام الداعين المبلغين محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليس وكيلًا على الناس، ولا حفيظًا عليهم، فمن دونه من باب أولى.
***
ثم قال الله تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا [الزمر: ٤٢]، اللَّهُمبتدأ، وجملة يَتَوَفَّىخبره، والتوفِّي بمعنى القبض،كما يقال: توفَّى الرجل حقه من غريمه، أي: قبضه منه، والأنفس: جمع نفس، وهي الأرواح، الأرواح التي بها تحيا الأجساد، والنفس تطلق في القرآن على معانٍ متعددة، منها هذا أنها الروح التي بها حياة الإنسان، فهو يقبض الأرواح حِينَ مَوْتِهَا، أي حين الموت، وهي مفارقة الروح للبدن المفارقة التي تزول بها الحياة.
وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا [الزمر: ٤٢] وَالَّتِي: الواو حرف عطف و(التي) معطوفة على الأنفس، يعني: ويتوفَّى التي لم تمت، ولك الخيار في مثل هذا التركيب أن تقول: الواو حرف عطف، و(التي) صفة لمعطوفٍ على ما سبق وتقديره: والأنفس التي لم تمت، ولك أن تعطف الصفة رأسًا على ما سبق فتقول: الَّتِي لَمْ تَمُتْعطف على قوله: الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا، وَالَّتِي لَمْ تَمُتْيتوفاها فِي مَنَامِهَاأي يقبضُها لكنه ليس قبضًا تامًّا، بل قبضًا مقيَّدًا، ولهذا تجد النائم له إحساسٌ من وجه وليس له إحساس من وجه آخر، فباعتبار القوى الظاهرة لا إحساس له، لا يرى ولا يسمع، وباعتبار القوى الباطنة، وأنه لو نُبِّه لانتبه يكون حيًّا، فصلة الروح بالنائم غير صلتها باليقظان وغير صلتها بالميت، فهي وسط بين الحي اليقظان وبين الميت.
يقول: وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَاوقد سمَّى الله تعالى النوم وفاة فقال: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى [الأنعام: ٦٠].
فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [الزمر: ٤٢] يمسك التي قضى عليها الموت فلا ترجع إلى جسدها، يمسكها إلى أن يأتي البعث، وقوله: قَضَىأي حكم، كقوله تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء: ٢٣] أي: حكم ألا تعبدوا إلا إياه، والقضاء هنا قضاء كوني، وأقول: قضاء كوني؛ لأن قضاء الله ينقسم إلى قسمين: شرعي وكوني.
فالشرعي: ما أمر به، مثل قوله: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء: ٢٣] ومثل قوله: وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ [غافر: ٢٠] أي يحكم به.
والقضاء الكوني: مثل قوله تعالى: وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ [الإسراء: ٤] فإن الله لا يقضي بالفساد في الأرض، لا يقضي بالفساد في الأرض قضاء شرعيًّا، إنما هو قضاء كوني، وهنا يقول: قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ [الزمر: ٤٢] قضاء كونيًّا، طيب قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى [الزمر: ٤٢] وهي التي توفاها في منامها يرسلها، إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّىأي؛ إلى أجل معين، ما هو الأجل المسمى؟ هو الموت، بأن يرسلها تذهب إلى جسدها وتبقى فيه إلى أجل مسمى، أي معين محدد.
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الزمر: ٤٢] إِنَّ فِي ذَلِكَيعني الوفاة للنفسين، والإرسال لإحداهما، وإمساك الأخرى فيه آيات، والآيات التي الآن معنا واضحة جدًّا، أربعة: وفاة الموت، وفاة النوم، إمساك الميّتة، إرسال النائمة، أربع كلها من آيات الله عز وجل، وإنك لتأتي إلى القوم جماعة نائمين فتقول: سبحان الله وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ [الروم: ٢٣] قوم كأنهم جثث لا يسمعون، اللهم إلا من كان خفيف النوم، لكن الأصل أنهم جثث، فتقول: سبحان الذي أماتهم ثم أحياهم بعد أن كانوا شبه أموات، فهي آيات، وهي آية أيضًا على البعث، فإن النوم وفاة صغرى يبعث الله فيه النائم حتى يحيا يستيقظ تمامًا، كذلك الإحياء بعد الموت يقضيه الله عز وجل، وهو قادر عليه، والعاقل يقيس الغائب على الشاهد والمستقبل على الحاضر ويتبين له الأمر.
وقوله: لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الزمر: 42] يتفكرون، التفكر: إعمال الفكر، إعماله بحيث يدور كارًّا وراجعًا يمينًا وشمالًا حتى يتبين له ما يتبين بالتفكُّر، وضد التفكر: الغفلة، وأن يكون القلب حجرًا أملس لا يقر عليه شيء، لو قر عليه حبة من تراب أطارتها الرياح وجرت بها المياه، فالإنسان المتفكر هو الذي ليس بغافل، بل يدير فكره يمينًا وشمالًا ذاهبًا وراجعًا حتى يتبين له الأمر.
ثم نرجع الآن إلى كلام المفسر رحمه الله، يقول: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا [الزمر: ٤٢] (ويتوفى) الَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا [الزمر: ٤٢]، قدَّر الفعل بعد حرف العطف إشارة إلى أنه معطوف على ما كان هذا عامله، وما الذي هذا عامله؟ الأنفس. ويتوفى الأنفس الَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا(أي يتوفاها وقت النوم) فيتبين بهذا أن النوم وفاة.
فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [الزمر: ٤٢] (أي وقت موتها) هذا الأجل المسمى (والمرسلة نفس التمييز تبقى بدونها نفس الحياة بخلاف العكس) كأن المؤلف يقول: إن الأنفس نوعان: نفس تمييز ونفس حياة، نفس التمييز هي المرسلة وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّىوتبقى بدونها الحياة أو لا؟ تبقى، فالنائم فيه حياة ما فيه شك، فنفس التمييز تبقى بعدها الحياة، والعكس لا، ولهذا قال: (بخلاف العكس) فإن نفس الحياة إذا قُبضت لا تبقى بعدها نفس التمييز، فأفادنا رحمه الله أن الأنفس في قوله: الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَاأنفس إيش؟ أنفس الحياة ويتبعها أنفس التمييز وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَاأنفس التمييز.
قال: (إِنَّ فِي ذَلِكَالمذكور لَآيَاتٍدلالات لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الزمر: ٤٢] فيعلمون أن القادر على ذلك قادر على البعث، وقريش لم يتفكروا في ذلك).
في هذا المذكور آيات، ونحن ذكرنا أربعًا ظاهرة. ولو تأملنا لوجدنا أكثر من ذلك بكثير، ولكنها تحتاج إلى تفكير وتدبر وتأمل فتتضح.
في هذه الآيات الكريمة من الفوائد: بيان قوة سلطان الله عز وجل وعمومه، من أين تؤخذ؟ من كونه يتصرف هذا التصرف حتى في الأنفس يتوفاها جميعًا، ويرسل هذه ويمسك هذه، وهذا دليل على كمال الملك والسلطان.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن المتوفِّي للأنفس حين موتها هو الله عز وجل اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا [الزمر: ٤٢] أليس هذا هو الواقع؟ نعم. هذا هو ما تدل عليه الآية.
ولكن هذه الدلالة ربما يعارضها بعض الآيات في قوله تعالى: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ [الأنعام: ٦١، ٦٢] وقوله تعالى: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُون [السجدة: ١١] فنجد أنه في آية الزمر أضاف الوفاة إلى من؟ إلى نفسه عز وجل، وفي آية الم تنزيل السجدة إلى ملك الموت، وفي سورة الأنعام إلى الرسل تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا، فكيف نجمع بين هذه الآيات؟
الجواب على ذلك أن نقول: يجب أن نعلم قاعدة مهمة جدًّا، هو أنه لا يمكن أن يتعارض دليلان قطعيان أبدًا، لا يمكن أن يتعارض دليلان قطعيان أبدًا لا من القرآن ولا من السنة ولا من العقل؛ لأنهما لو تعارضا لكان أحدهما ثابتًا والآخر منتفيًا، وإذا قلنا: الآخر مُنتفٍ زال عنه اسم القطعي، وهذه القاعدة تفيدك في مسائل كثيرة.
فمثلًا لو قال لك قائل: القرآن يدل على كذا ثم ثبت حسًّا أن الأمر الواقع على خلاف هذا المدلول، الأمر الحسي تكذيبه غير ممكن، لكن نقول: إن فهمك للقرآن هذا خطأ، فمثلًا لو قال: ليست الأرض كروية لقول الله تبارك وتعالى: وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ [الغاشية: ٢٠] واعتقاد أنها كروية يكذب دلالة الآية، القرآن قطعي الثبوت، ويش معنى قطعي الثبوت؟
يعني ثابت قطعًا ما فيه إشكال، والله يقول: وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ [الغاشية: ٢٠] وكروية الأرض حسًّا ثابتة ولَّا لا؟
طلبة: ثابتة.
الشيخ: قطعًا ولا غير قطعًا؟
طلبة: غير قطعًا.
الشيخ: لا، قطعًا، كروية الأرض ثابتة قطعًا لا شك فيه.
طالب: (...).
الشيخ: حسًّا، إي نعم، الآن لو تقوم طائرة من مطار جدة متجهة نحو الغرب على خط مستقيم رجعت إلى مطارها، لا يردها شيء، إذن فهي كروية لا إشكال فيها، الآية؟ نقول: الآية لفظها قطعي ثابت، لكن دلالتها على أنها سطح واحد ما هو صحيح، ما هي صريحة، ليست صريحة، وإذا لم تكن الدلالة صريحة فهي غير قطعية، وحينئذ نقول: التعارض الآن بين مدلول ظني ومحسوس قطعي، ما هو المدلول الظني؟ أن الآية تدل على أن الأرض سطح واحد. والمحسوس القطعي أن الأرض كروية، نقول: الحمد لله التعارض الآن بين ظني وقطعي، وإذا تعارض ظني قطعي ما الذي يقدَّم؟ القطعي، ونقول: سطح الأرض باعتبار القطعة المواجهة، القطعة أو الجانب المواجه من الأرض سطح، أليس كذلك؟ لكن على البعد يكون فيه انحناء، والدليل على ذلك أنه لو كانت سفينة تسير في البحر ولها أعمدة طويلة إذا أبعدت عنك، كلما أبعدت اختفت غابت مرت، ما الذي يغيبها ؟ لأن الأرض مستديرة، الأرض مستديرة فتغيب، لو كانت سطحًا لكان تراها حتى كفراتها إن كان لها كفرات، نعم، تراها من بُعد كما تراها من قُرب على السطح، والأمر ظاهر ما فيه إشكال يعني. الخلاصة الآن لا يمكن أن يتعارض دليلان قطعيان في الثبوت والدلالة، عرفت؟ ولا يمكن أن يتعارض قطعي وظني.
طلبة: يمكن.
الشيخ: يا جماعة كم بقيتم في بطون أمهاتكم؟ أعطوني تسع دقائق، لا يمكن؛ لأن الظني لا يقاوم القطعي، الظني لا يقاوم القطعي، وإذا لم يقاومه سقط فلا معارض، صح؟ ويبقى الآن التعارض بين الظني والظني، وإذا وجد تعارض بين ظنيين حينئذ اطلب الترجيح، أو إذا كان يمكن النسخ اعمل بالنسخ، وهذه القاعدة ذكرها شيخ الإسلام رحمه الله في كتابه العظيم درء تعارض العقل والنقل، وهذا الكتاب أثنى عليه ابن القيم رحمه الله في النونية فقال:
| وَلَهُ كِتَابُ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ الَّذِي | مَا فِي الْوُجُودِ لَهُ نَظِيرٌ ثَانِ |
يعني مما رد به على الفلاسفة هذا الكتاب، ذَكر فيه هذه القاعدة المفيدة. التعارض بين قطعيين محال، صح؟
طلبة: صح.
الشيخ: صح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ليش؟
طلبة: (...).
الشيخ: إي نعم؛ لأنه لو حصل التعارض لكان أحدهما غير قطعي، ما يمكن، طيب. ثانيًا: التعارض بين القطعي والظني محال.
طالب: وارد.
الشيخ: واردة، لكن لا مقاومة، يعني بمعنى أن نسقط التعارض، ونقول الحكم؟ بالقطعي، التعارض بين الظنيين واقع، ويجب النظر إليه، والعمل بالترجيح، أو العمل بالنسخ إذا كان مما يمكن نسخه، واضح؟ طيب. نحن الآن نتكلم على إيه؟ على الجمع بين الوفاة المضافة إلى الله، والوفاة المضافة إلى الرسل، والمضافة إلى ملك الموت.
نقول: لا تعارض الدلالة، تختلف، ففي هذه الآيات في الزمر أضاف الله الوفاة إليه لأنها بأمره، وقد يضاف الشيء إلى آخر لوقوعه بأمره، كما تقول: بنى الملك قصرًا، الملك رأيته يعمل بيديه بالإسمنت والرمل، ويا ولد هات الزمبيل هات كذا هات كذا؟ الجواب: لا، ولكنه أمر، ومنه المثل المشهور في البلاغة: بنى عمرو بن العاص مدينة الفسطاط. أين تقع مدينة الفسطاط؟
طالب: في مصر
الشيخ: في مصر؟
طالب: القاهرة.
الشيخ: طيب، هل عمرو بن العاص بناها بيده؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، أمر. إذن فإضافة الوفاة إلى الله لأنها بأمره، طيب بقي عندنا الآن إضافتها إلى ملك الموت، وإلى الرسل، والجمع أن نقول: إما أن الرسل يراد بهم الجنس: تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا [الأنعام: ٦١] يعني ملك الموت؛ لأن ملك الموت رسول، ومنه الحديث: «يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَنِي رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ» طيب. أو نقول: إن وفاة ملك الموت غير وفاة الرسل، وذلك لما جاء في الحديث من أن ملك الموت يجلس إلى المحتضر ويأمر روحه أن تخرج، فيأخذها بيده، ثم يسلمها فورًا إلى الملائكة الذين نزلوا من السماء معهم الحنوط والكفن المناسب لها، إن كانت مؤمنة -وأسأل الله أن يجعل لي روحي وأرواحكم مؤمنة- فإنها تُجعل في الكفن الذي من الجنة والحنوط الذي من الجنة، وإن كانت الأخرى فكفن من نار وحنوط من نار ؛ نعوذ بالله من ذلك.
(...) هذا الكفن، والصعود بها إلى السماء تتولاه الملائكة، ولهذا قال: تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ [الأنعام: ٦١، ٦٢] تحملها إلى الله عز وجل، إن كانت مؤمنه تجاوزت السماوات إلى الله؛ لأن الله غاية نفس المؤمن في الحياة وبعد الممات، المؤمن قلبه ونفسه معلق بالله عز وجل، دائمًا ينظر إلى الله عز وجل بعين البصيرة، إن قام فبالله، ولله، وفي الله، وإن قعد فبالله، ولله، وفي الله. وكذلك إن ذهب وجاء فهو لله، وبالله، وفي الله، ونريد من الأخ التفريق بين هذه الكلمات الثلاث، فهو لله، وبالله، وفي الله.
طالب: لله أي من أجل الله..
الشيخ: الإخلاص طيب.
الطالب: وبالله يعني بعون الله.
الشيخ: الاستعانة.
الطالب: الاستعانة، ولله.
الشيخ: في الله؟
الطالب: في الله يعني في سبيل الله.
الشيخ: أي في شرعه وحكمه كذا. وانظر إلى الفاتحة تضمنت الثلاث بالتسلسل إِيَّاكَ نَعْبُدُ [الفاتحة: ٥] هذا أيش؟
طلبة: لله.
الشيخ: لله، إخلاص. إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة: ٥]؟
طلبة: بالله.
الشيخ: بالله. اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة: ٦]؟
طلبة: في الله.
الشيخ: في الله، في الشرع، أن نكون في الصراط المستقيم لا نتجاوزه (...).
***
طالب: وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [الزمر: ٤٥].الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، بقي علينا في كلام المؤلف. بل..
طالب: في الآيات.
الشيخ: في الآيات بيان الفوائد من قوله: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا [الزمر: ٤٢] أو الآية اللي قبلها؟
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى يتوفى الأنفس حين موتها، وقد ذكرنا أن ظاهر الآية معارَضٌ بآيتين في كتاب الله، هما قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ [السجدة: ١١] وحَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ [الأنعام: ٦١] وبيَّنَّا وجه الجمع بين هذه الآيات الثلاث، فقلنا: إضافة الوفاة إلى الله لأنه هو الآمر بها، والآمر بالشيء يُنسَب الشيء إليه، وذكرنا لهذا مثالًا فقلنا: لو قيل: بنى الملك قصرًا شامخًا لم يفهم أحد أن الملك هو الذي باشرَ البناءَ، ولكنه أمر به. وأما على الجمع بين قوله: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا، وقوله: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ، فمن أحد وجهين: إما أن يكون المراد بالرسل الجنس، ويكون واحدًا، وهو ملك الموت، أو أن ملك الموت يقبضها من الجسد ثم يسلمها للملائكة الذين حضروا فيقبضونها.
وبيَّنَّا قاعدة مفيدة حول هذا الموضوع، وهي أنه لا تعارض بين قطعيينِ ولا بين قطعيٍّ وظنيٍّ، أما القطعيانِ فلأنهما لو تعارَضا لكان أحدُهما غيرَ قطعيٍّ، وأما القطعيُّ والظني فلا تعارض لأنه قدم القطعي؛ إذن يبقى التعارض بين؟
طالب: بين الظني والقطعي.
الشيخ: لا.
الطالب: بين الظني والظني.
الشيخ: بين الظنيين فقط. وبيَّنَّا أيضًا أن القطع يكون في الثبوت ويكون في الدلالة، فمن الأدلة ما هو قطعي الثبوت ظني الدلالة، ومنها ما هو قطعي الثبوت والدلالة، ومنه ما هو قطعي الدلالة ظني الثبوت.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن النوم يُسمَّى وفاةً؛ لقوله: وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا [الزمر: ٤٢]، ويشهد لذلك قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ [الأنعام: ٦٠].
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الوقت يذهب سريعًا بالنسبة للأموات، ولو طالت الأيام والدهور؛ لأننا إذا قسنا الوفاة الصغرى أو إذا نظرنا الوفاة الصغرى وسرعة ذهاب الوقت فيها، فالوفاة الكبرى من باب أولى، ولكن لا شك أن من كان يعذب في قبره فسوف يستطيل الوقت، ومن كان ينعم فسوف يكون الوقت في حقه قصيرًا، ومع ذلك فإن المنعم يقول: رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي، والمعذَّب يقول: ربِّ لا تُقِم الساعة؛ وذلك لأنه يرى أن عذاب القبر أهون من عذاب يوم القيامة، نسأل الله العافية.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن النائم لا يؤاخَذ بعمله، لا له ولا عليه، من أين يؤخذ؟ لأن الله لما سمى النوم وفاة فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلاثٍ» وعلى هذا فلو رأى النائم أنه يصلي فهل يُكتَب له أجر الصلاة؟ لا، ولو رأى أنه يُقتَل لم يُكتب عليه إثمُ القتلِ؛ لأنه غيرُ مكلَّف.
ومن فوائد الآية الكريمة: وصفُ اللهِ بالإمساكِ والإرسالِ، يُمسِك ويُرسِل. وقد بيَّنَّا فيما سبق أن صفات الله عز وجل تنقسم أقسامًا: أحدها ما عُلم من أسمائه كالمغفرةِ من الغفور والرحمة من الرحيم. والثاني: ما نص عليه بذاته وليس من الأسماء، مثل؟
طالب: الاستواء على العرش.
الشيخ: مثل الاستواء، العرش، هذا نص عليه، لكن ليس من أسمائه، صفة وليس من أسماء الله: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: ٥٤] ومثل: الصنع صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ [النمل: ٨٨] والفعل إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [هود: ١٠٧] وما أشبهها. ومنها ما يخبر به عنه وإن لم يذكر في الكتاب والسنة، لكن يخبر به عنه، هذا أيضًا يقول العلماء: ينقسم إلى قسمين:
قسم لا يليق بالله، فهذا لا يجوز الخبر به عنه.
وقسم لا ينافي كماله، فهذا لا بأس به؛ لأن باب الخبر أوسع من باب الإنشاء، فمثلًا لو قال قائل: إن الله مريد قلنا: نعم، لك أن تصف الله به، أولًا لأن الله وصف نفسه بالإرادة في قوله: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ [البقرة: ١٨٥]، إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا [يس: ٨٢]، وثانيًا: أن الإرادة وصف لا ينافي كمالُه كمال الله عز وجل.
ومن فوائد الآية الكريمة: كمال أفعال الله، حيث إنها تكون منتظمة محددة؛ لقوله: إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [الزمر: ٤٢].
ومن فوائدها: أنه لا يمكن أن يخلد أحد في الدنيا، من أين تؤخذ؟ من قوله: إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّىمحدد، لا إلى شيء لا غاية له.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا الحاصل من الوفاتين فيه آيات تدل على كمال الله، كمال وحدانيته، كمال سلطانه، كمال تدبيره؛ لقوله: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الزمر: ٤٢].
ومن فوائدها: الحث على التفكر، وأنه مفتاح العلم؛ لقوله: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍلمن؟ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ، والتفكر إنما يكون في آيات الله ومعاني أسمائه وصفاته، أما في حقيقة الصفات أو في حقيقة الذات فلا تتفكر، ولهذا يروى: «تَفَكَّرُوا فِي آلاءِ اللهِ» أي: نِعَمِه «ولا تَتَفَكَّرُوا فِي ذَاتِه» ، وذلك لأن التفكر في ذات الله يؤدي إلى غياهب من الظلم، ويؤدي أحيانًا إلى التشكيك، وأحيانًا إلى التعطيل، وهذا هو الذي ضر أهل التعطيل؛ التفكر في الذات، الذات لا يمكن الإحاطة بها، وما لا يمكن الإحاطة به فالتفكير فيه مضيعة للوقت، وهو في جانب الربوبية خطير على عقيدة الإنسان، فأنت تفكر في آيات الله، في أسمائه، في صفاته من حيث المعنى، أما في نفس الذات العلية ما تستطيع تتفكر، ماذا تتصور؟ ولهذا يجب الإعراض عن هذه المسألة.
ثم قال الله عز وجل: أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ [الزمر: ٤٣] (أم) هنا منقطعة، ولهذا تقدر بـ (بل) والهمزة، أي أنها بمعنى بل والهمزة، وقولنا: منقطعة يفيد أن هناك مقابلًا لهذا المعنى، وهو كذلك، والمقابل لهذا المعنى أن تكون متصلة، وحينئذ نحتاج إلى الفرق بين المنقطعة والمتصلة، الفرق بينهما من وجهين، بل تأتي في اللغة العربية على وجهين متصلة ومنقطعة، الفرق بينهما أن (أم) المنقطعة لا معادل فيها، بمعنى أنه لا يُذكر فيها معادل، بخلاف (أم) المتصلة فإنها تحتاج إلى معادل، فقوله تعالى: سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ [البقرة: ٦] هذه أيش؟ متصلة، لماذا؟ لذكر المعادل أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ، طيب. ومثل قوله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ [الطور: ٣٣] هذه منقطعة؛ لأنها بمعنى (بل): بل أيقولون تقوله؛ لأنه لم يُذكر فيها المعادل فتكون منقطعة.
الفرق الثاني بينهما: أن (أم) المتصلة بمعنى (أو)، و(أم) المنقطعة بمعنى (بل) والهمزة سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ [البقرة: ٦]، لو جعل بعدها (أو) لكان هذا هو المعنى: أنذرتهم أو لم تنذرهم؛ المنقطعة بمعنى (بل) والهمزة، وليست بمعنى (أو)، نطبق هذا الفرق على ما معنا أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ [الزمر: ٤٣]، فماذا تكون؟ تكون منقطعة. أولًا: لأنه لم يذكر المعادل. والثاني: لأنها تقدر بـ(بل) والهمزة.
أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِأي: سواه، (دون) بمعنى (سوى)، لا بمعنى دون الرتبة، بل دون: سوى، مِنْ دُونِ اللَّهِأي من سوى الله. و(اتخذ) هنا تنصب مفعولين؛ الأول: شفعاء، والثاني: من دون، يعني اتخذوا من دون الله آلهة شفعاء، ويجوز أن نقول: إن المفعول الأول محذوف تقديره آلهة، والثاني: شفعاء، يعني أنهم اتخذوا معبودات يعبدونها يدَّعون أنها شفعاء لهم عند الله، قال الله تعالى عنهم: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر: ٣] فصرحوا بأنهم يعبدون هذه الآلهة، ولكنهم يريدون أن تكون مقربة لهم إلى الله عز وجل، ويا سبحان الله! كيف تتخذ بمن عصيت الله فيهم وسيلة ليقربوك إلى الله؟! وهذا من سفههم.
يقول الله عز وجل: (شُفَعَاءَعند الله بزعمهم) والشفعاء جمع شفيع، والشفيع: مَن يتوسط لغيره بجلب منفعة أو دفع مضرة، فالشفاعة لأهل الموقف إذا أصابهم الهم والغم أن يقضي الله بينهم من باب دفع المضرة، والشفاعة لأهل الجنة أن يدخلوها من باب جلب المنفعة، هذه الشفاعة، الشفاعة أن تتوسط لغيرك بماذا؟ بجلب منفعة أو دفع مضرة، وهي -أعني الشفاعة- لا شك أنها خير مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا [النساء: ٨٥] إلا في بعض المواطن؛ كالشفاعة في الحد بعد أن يصل إلى السلطان، فإن من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره، وإذا بلغت الحدود السلطان فلعن الله الشافع والمشفَّع له؛ فهؤلاء الجماعة الذين يعبدون الأصنام يقولون: إنها شفعاء، قال الله تعالى: قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ [الزمر: ٤٣] يعني: اتتخذونهم شفعاء وهم لا يملكون شيئًا، لا شفاعة ولا غير شفاعة، وهنا قال: لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا، وشيئًا نكرة في سياق النفي، فتكون للعموم، وكان مقتضى السياق أن يقول: أولو كانوا لا يملكون الشفاعة، ولكنه أتى بالعموم ليدل على أن هذه الأصنام لا تفيد شيئًا أبدًا، لا تشفع ولا تدفع، وهي قد سلبت الشفاعة لدخولها في العموم، يعني: لا يملكون الشفاعة ولا غيرها، نعم. أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ [الزمر: ٤٣] وهنا أَوَلَوْ كَانُوافيها حرف عطف بعد الهمزة، وقد ذكرنا مرارًا ما يقوله علماء النحو في مثل هذا التركيب، فمن يستحضر ما قلنا؟ إذا جاء حرف العطف بعد همزة الاستفهام فماذا يقول علماء النحو في إعرابه؟ سبق لنا مرارًا وتكرارًا.
طالب: قلنا: إن تكون الواو عاطفة على الجملة..
الشيخ: أن حرف العطف عاطفًا على ما سبق.
الطالب: والتقدير: وألو.
الشيخ: (وألو)؟ أو.
طالب: (...).
الشيخ: هذا هو هذا اللي قاله.
الطالب: (...) بفعل مقدر.
الشيخ: أو تكون الهمزة في مكانها، حرف العطف على شيء مقدر يناسب المقام، وذكرنا أن الثاني رأي البصريين والأول رأي الكوفيين، وذكرنا أن القول بأن حرف العطف عاطف على ما سبق أولى، لأنه يكفيك التقدير، ولأنه أحيانًا لا يستطيع الإنسان أن يقدِّر الشيء المناسب، فإذا قال: الهمزة للاستفهام والواو حرف عطف، وما بعدها معطوف على ما سبق استراح. قال هنا: أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا [الزمر: ٤٣] على رأي من يرى أن حرف العطف على مقدر، يقول: أيتخذونهم شفعاء ولو كانوا لا يملكون.
على الرأي الثاني يقول: الواو حرف عطف، والمعطوف عليه ما سبق من الجملة.
أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ [الزمر: ٤٣] ماذا لا يعقلون؟ يعني لا يعقلون أنكم تعبدونها، فالأصنام أحجار لا تدري، ولا يعقلون أيضًا شيئا من الشفاعة يدخلون منه، فهم جهلة في حالكم وجهلة فيما تستحقون.
قال الله تعالى: قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا [الزمر: ٤٤] قُلْالخطاب لمن؟ للرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو لكل من يتأتى خطابه ويصح، وهذا الأخير أعم من الأول؛ لأنه يشمل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وغيره.
طيب يقول: قُلْأيها المخاطب الأهل للخطاب لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًالله الشفاعة جملة خبرية تفيد الحصر، وطريقه الأخ؟
طالب: العامل تقدم.
الشيخ: لا، ما هو ما في عامل.
الطالب: (...) جار ومجرور. أن الخبر تقدم..
الشيخ: أن الخبر تقدم وحقه التأخير، وكل تقديم لما حقه التأخير يفيد الحصر، طيب لله الشفاعة لا لغيره، فهو الذي يملكها، واللام في قوله: لِلَّهِللملك، يعني هو الذي يملك الشفاعة، أي: يملك أن يأذن فيها، وقد بين الله سبحانه وتعالى أن للشفاعة ثلاثة شروط:
الشرط الأول: إذنه، قال الله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة: ٢٥٥].
الشرط الثاني: رضاه عن الشافع، قال الله تعالى: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا [النبأ: ٣٨].
الثالث: رضاه عن المشفوع له؛ لقوله تعالى: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى [النجم: ٢٦]، وهذه تكون أيضًا دليلًا على أنه يُشترط رضا الله عن الشافع، وقال تعالى: وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء: ٢٨]، فشروط قبول الله الشفاعة ثلاثة، عدها لنا يا أخ.
طالب: الإذن للشافع، الرضا عن المشفوع.
الشيخ: نعم.
الطالب: الإذن للمشفوع له.
الشيخ: لا.
طالب: الإذن بالشفاعة، والرضا عنهما الشافع والمشفوع..
الشيخ: عن الشافع والمشفوع، هذه ثلاث، وعرفتم أدلتها قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا [الزمر: ٤٤]. طيب الآن لو أقول: يا رسول الله، اشفع لي عند الله، هل يجوز؟ لا يجوز؛ لأنه لا يملك ذلك، هو لا يشفع لا لك ولا لغيرك إلا بإذن الله، ومن ذلك ما يفعله بعض الإخوان المجاهدين في أفغانستان، يقول الواحد منهم للثاني: اشفع لي عند الله؛ لأن المجاهد له شفاعة إذا قتل شهيدًا، فتجد بعض أقاربه أو بعض أصحابه يقول: اشفع لي عند الله، هذا لا يجوز؛ لأنه سأله ما لا يملكه، إذا قال: اشفع لي، يقول: الشفاعة لمن؟ لله، قل: اللهم شفعه في، لا بأس، اسأل الشفاعة ممن يملك الشفاعة، أما ممن لا يملك فلا تسأل، هذا سؤال في غير محله، فالشفاعة إذن لله، وإذا كانت لله فلا تُسأل إلا من الله.
وقوله تعالى: قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا [الزمر: ٤٤] (جميعًا) حال من الشفاعة، فما معنى الجمع هنا؟ هل الشفاعة متعددة؟ الجواب: نعم الشفاعة متعددة، شفاعة في الدنيا، شفاعة في الآخرة، شفاعة في جلب نفع، شفاعة في دفع ضرر، فلا شفاعة إلا لله عز وجل، كل الشفاعات تكون لله، الشفاعة في الدنيا كأن يدعو الإنسان لشخص، إذا دعا الإنسان لشخص فهذه شفاعة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ، فَيَقُومُ عَلَى جِنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا لَا يُشْرِكُونَ بِاللهِ شَيْئًا، إِلَّا شَفَّعَهُمُ اللهُ فِيهِ» ، فدعاء الإنسان لأخيه شفاعة له عند الله، هذه شفاعة في الدنيا.
شفاعة في الآخرة معروف، الشفاعة في الآخرة أو الشفاعة العظمى، وهذه لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا تكون لأحد سواه، وما هي الشفاعة العظمى؟ هي أن الناس في ذلك المحشر كما علمتم من النصوص حفاة عراة غُرْل، شاخصة أبصارهم، أفئدتهم هواء، الشمس تدنو منهم قدر ميل، العرق يلجم بعضهم، لا يلوي أحد على أحد، ولا يستغيث أحد بأحد، لمن الملك اليوم؟ لله الواحد القهار؛ فيلحقهم من الغم والكرب ما لا يطيقون، فيقول بعضهم لبعض: انظروا من يشفع لنا إلى الله لنستريح من هذا الموقف، راحة، فيذهبون إلى آدم، ثم إلى نوح، ثم إلى إبراهيم، ثم إلى موسى، ثم إلى عيسى، ولا يحصلون على شيء، ثم يأتون إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيستأذن، يطلبون منه الشفاعة فلا يشفع، يستأذن من الله أولًا؛ لأن الملك عظيم، والسلطان تام، يسأل الله أن يأذن له بالشفاعة فيأذن له، ثم يسجد عليه الصلاة والسلام تحت العرش سجودًا طويلًا، يفتح الله عليه فيه من المحامد ما لم يكن يعرفه من قبل، ثم يشفع إلى الله أن يقضي بين الخلق ويريحهم من هذا الموقف، فيقبل الله شفاعته. هذه الشفاعة تسمى الشفاعة العظمى؛ لعمومها وشدة الحاجة إليها، ولا تكون إلا للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وهي داخلة في قوله تعالى: عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [الإسراء: ٧٩] لأن هذا المقام يحمده فيه الأولون والآخرون، الذين من أمته والذين من غير أمته.
وفيه شفاعة فيمن دخل النار أن يخرج منها، وفيمن استحقها ألا يدخلها، هذه الشفاعة نوعان: شفاعة فيمن دخلها أن يخرج منها، وفيمن استحقها ألا يدخلها، وهذه عامة، عامة للرسل والصديقين والشهداء والصالحين والملائكة والبشر عامة.
لكن ينكرها طائفتان من طوائف الضلال من هذه الأمة، من؟ المعتزلة والخوارج، لماذا؟ لأنهم يقولون: إن فاعل الكبيرة مخلد في النار، محكوم عليه بذلك قضاء وقدرًا، وإذا كان كذلك فلن يتخلف هذا القضاء ولا يمكن أن يخرجوا من النار، أعرفتم؟ طيب. الشفاعة العظمى فيمن استحق النار لا يدخل، فيمن دخل أن يخرج.
الشفاعة الرابعة: في دخول الجنة، إذا عبر الناس الصراط -أسأل الله أن يجعلني وإياكم ممن يعبره سليمًا- إذا عبروا الصراط لا يدخلون الجنة مباشرة، بل يوقفون عند قنطرة، وهي طرف الجسر الذي على النار أو غيرها، الله أعلم، فيقتص لبعضهم من بعض، وهذا قصاص تنقية، والقصاص السابق في عرصات القيامة قصاص تخلية، يعني اليوم في عرصات القيامة يقتص بالعدل للمظلوم من الظالم، أما هذا فهو قصاص تنقية، أيش معنى تنقية؟ حتى يزول ما في قلوبهم من غل وحقد؛ لأنه ليس القضاء للشخص بحقه مزيلًا للحقد والبغضاء، صح؟ القضاء للإنسان في حقه هل يزيل ما في قلبه من عداوة وبغضاء؟ نعم ربما وربما، قد أقول أنا: اعتدى علي وأخذت حقي الآن منه، لكن بقي أثر هذا العدوان في قلبي، أليس كذلك؟ هذا موجود يا إخوان ما أحد ينكره، لكن الموفَّق يسعى في زواله، إنما لا بد أن يبقى، أثر الجرح لا بد أن يبقى حتى لو برئ، هل إذا برئ الجرح يعود الشيء كما كان؟ يصير فيه بقع، لا بد أن يؤثر العدوان ولو اقتص الإنسان لنفسه من قلب الإنسان، فهم إذا اقتص لبعضهم من بعض في عرصات القيامة، وعبروا الصراط، يحتاجون إلى تنقية، تُنقى وتُصفى قلوبهم، حتى يدخلوا الجنة وما في قلوبهم من غل، على أكمل وجه.
طيب اقتص لبعضهم من بعض أيضًا لا يدخلون الجنة مباشرة، يجدون الجنة مغلقة الأبواب، فيطلبون من يشفع لهم، فيشفع النبي صلى الله عليه وآله وسلم خاصة، هذه خاصة بالرسول، لكن ليست عظمى، ما هي كبرى، لأنها لمن؟ لأهل الجنة خاصة، فيشفع أن تفتح أبواب الجنة فيؤذن له، فتفتح أبواب الجنة، وأول من يدخلها هو عليه الصلاة والسلام، أول من يدخل الجنة من الخلائق هو، وأول من يدخلها من الأمم أمته بعد الأنبياء مباشرة، النبيون أولًا ثم الأمم، قائد النبيين محمد صلى الله عليه وآله وسلم، قائد الأمم هذه الأمة؛ لأن هذه الأمة ولله الحمد متأخرة في الزمن في الدنيا، لكنها سابقة في كل المواقف في الآخرة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ، ففي كل العرصات ولله الحمد نحن السابقون في العبور على الصراط، في القضاء بين الناس، في عرصات القيامة، في دخول الجنة، في كل شيء، السابقون يوم القيامة في كل شيء، فيدخلون الجنة.
وتأمل هذا في كتاب الله عز وجل، قال الله في أهل النار: حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا [الزمر: ٧١] وهم كارهون لها، من حين أن يصلوا إليها تفتح الأبواب، يلا دعوهم دعًّا؛ الجنة لا، قال: حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا [الزمر: ٧٣]، فأفاد قوله: وَفُتِحَتْأن هناك شيئًا بين مجيئهم وبين الفتح، ولقد أخطأ من قال من أهل العلم: إن الواو هنا زائدة وإن التقدير: حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها، وأنا أقول: سبحان الله، أنتم أعلم بكلام الله من الله؟! الله عز وجل يفرق في النار، يقول: إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ [الزمر: ٧١] وفي الجنة يقول: حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْوأنتم تقولون: هذه الواو زائدة، هذا خطير، وكذلك أخطر؛ من قال: إن الواو للثمانية، الواو واو الثمانية، وادعى أن في اللغة واوًا تسمى واو الثمانية، وهذه الدعوى باطلة، قال: لا، عندي دليل عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا [التحريم: ٥] الواو واو الثمانية، هذه ثمانية؛ نقول: من قال هذا؟ أجل قل: جاء زيد وبكر، الواو؟ واو الاثنين، وخالد واو الثلاثة وامش؛ من قال لك هذا؟ فالصواب أن الواو هنا عاطفة، وأن المعطوف عليه محذوف، بينت هذا المعطوف عليه، بينته من السنة، وعلى هذا فيكون للرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم شفاعتان خاصتان؛ الشفاعة العظمى، والشفاعة في دخول الجنة.
هناك أيضا شفاعة خاصة به لم تكن لغيره، وهي شفاعته في عمه أبي طالب، عمه أبو طالب مات على الكفر والشرك والعياذ بالله، وهو في النار، لكن الله أذِن لنبيه أن يشفع فيه، فكان في ضَحْضَاح من نار وعليه نعلان يغلي منهما دماغه ، وهو أهون أهل النار عذابًا، إذن الشفاعة الخاصة بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم كم؟ ثلاثة أنواع، فالله عز وجل يقول: قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا [الزمر: ٤٤] هو الذي يعطيها من يشاء ويمنعها ممن يشاء، وقد بين أن الشروط؟
طالب: الإذن، ورضاه عن الشافع، ورضاه عن المشفوع.
الشيخ: الإذن ورضاه عن الشافع ورضاه عن المشفوع له.
طالب: قلنا: يا شيخ، إن إطلاق الاسم على الله عز وجل بغير نص ما يجوز، وأما بلفظ (...).
الشيخ: فيجوز إلا ما لا يليق بالله.
الطالب: لكن يا شيخ إطلاق (...) الله عز وجل تعدي على الله.
الشيخ: لا، الخبر أوسع من الإنشاء، أنا ما أريد أن أصف الله بهذا على وجه الإطلاق.
الطالب: (...).
الشيخ: لا، ما على وجه الإطلاق، إلا ما وصف الله به نفسه على وجه الإطلاق.
الطالب: يعني ما نصفه (...).
الشيخ: ما نصفه على وجه الإطلاق، لكن نخبر عنه، يعني كلمة موجود مثلًا، موجود ما هي موجودة، لا في القرآن ولا في السنة، هل يصح أن تقول: إن الله موجود؟ نعم يصح لا شك، مع أنه لم يوجد إلا حي قيوم سميع بصير، والعجيب أن أكثر ما يستنصر به الناس، أو بعض الناس نعم: الله موجود، إذا اعتدى عليه أحد قال: الله موجود، ما هو هذا الصواب.
طالب: يا ساتر.
الشيخ: إي نعم، ويا ساتر، الله موجود، هل هذا مما ينصر؟ الله حكم عدل هذا هو اللي ينصر، وإلا مثلًا السلطان موجود هل ينصرك؟ قد ينصرك وقد لا ينصرك، فكلمة موجود لا تعني النصر، ولذلك نحن نقول لبعض الناس: انتبه لهذه الكلمة، لا تقل: الله موجود، قل: الله حكم عدل، الله غير غافل عما تعمل، الله ينتقم من الظالم وما أشبه ذلك.
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥) قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٤٦) وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [الزمر: ٤٥-٤٨].الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ [الزمر: ٤٣] ماذا تكون (أم) هنا؟
طالب: (أم) هنا منقطعة بمعنى (بل).
الشيخ: منقطعة بمعنى (بل) والهمزة نعم. ما الفرق بين (أم) المنقطعة وعديلتها؟
طالب: أم المنقطعة لا يذكر فيها المعاصي وتكون على بر، و(أم) المتصلة تذكر فيها المعاصي.
الشيخ: وتكون بمعنى.
الطالب: أو.
الشيخ: وتكون بمعنى (أو)، مثل المنقطعة.
الطالب: (...)،
الشيخ: وغيرها.
الطالب: (...).
الشيخ: ويش اللي قبلها أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا [الطور: ٤٠].
الطالب: (...).
الشيخ: هذه منقطعة، طيب متصلة، مثال للمتصلة.
طالب: قول الله عز وجل: أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ [البقرة: ٦].
الشيخ: سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ [البقرة: ٦]. قوله تعالى: قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا [الزمر: ٤٤] هذه الجملة فيها حصر، ما طريقه؟
طالب: طريقه أن الله سبحانه وتعالى..
الشيخ: ما يحتاج، ما هي بخطبة، كلمة واحدة.
الطالب: لأن الخبر.
الشيخ: سبحان الله!
طالب: تقديم المعمول (...).
الشيخ: ما فيه معمول.
الطالب: لله الشفاعة، لله هي الخبر.
الشيخ: إي، تقديم الخبر، طيب لماذا كان تقديم الخبر مفيدًا للحصر؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، عندكم قاعدة في هذا، فيه قاعدة يعتبر هذا مثالًا لها.
طالب: قلنا: إن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر.
الشيخ: تقديم ما حقه التأخير، يفيد الحصر، طيب. قوله: قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا [الزمر: ٤٤] كلمة جميعًا تفيد أن هناك شفاعات، الأخ؟
طالب: فيه أنواع للشفاعة؛ الشفاعة العظمى..
الشيخ: ما هي الشفاعة الخاصة بالرسول صلى الله عليه وسلم؟
الطالب: هي شفاعته في أمته لدخول الجنة.
الشيخ: شفاعته في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة، هذه واحدة، والثانية؟
طالب: الشفاعة لأهل الموقف للفصل بينهم، وهي الشفاعة العظمى.
الشيخ: أحسنت، وهي الشفاعة العظمى في أهل الموقف أن يقضى بينهم.
طالب: الشفاعة لعمه أبي طالب.
الشيخ: الشفاعة لعمه أبي طالب، طيب هذه خاصة بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ما هو دليلنا على أن الشفاعة في عمه خاصة به؟
طالب: لأنه ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه شفع لعمه.
الشيخ: ما يكفي.
طالب: قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ» .
الشيخ: إي، هذا دليل على أنه شفع فيه، لكن ما هو الدليل على أنه خاص به؟
طالب: قوله تعالى: وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء: ٢٨] والله رضي شفاعته.
الشيخ: قوله تعالى: وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء: ٢٨] والله لا يرتضي أن يشفع للكافر، فيستثنى هذا. وقوله: فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر: ٤٨]، وهذا مستثنى، إذن فهو خاص به.
***
قال الله تعالى: ونحن الآن في ابتداء الدرس الجديد: لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [الزمر: ٤٤] هذه الجملة فيها حصر، وهو تقديم ما حقه التأخير، فهنا قدم الخبر لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِيعني لا لغيره. وقوله: مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِيشمل ملك الذوات، أي ملك ذات السماوات والأرض وملك التصرف فيهما، يتصرف فيهما كما يشاء، فهو الذي أوجدهما، وهو الذي يمسكهما أن تزولا، وهو الذي يدبر ما فيهما، وهو الذي يتلفهما ويفنيهما عند قيام الساعة.





