قوله تعالى: وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء: ٢٨] والله لا يرتضي أن يشفع للكافر فيُستثنى هذا.
وقوله: فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر: ٤٨]، وهذا مستثنى، إذن فهو خاص بهم.
قوله تعالى: لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [الزمر: ٤٤]، هذه الجملة فيها حصْر وهو تقديم ما حقه التأخير،
فهنا قدم الخبر لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِيعني لا
لغيره.
وقوله: مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِيشمل ملك الذوات؛ أي: ملك ذات السماوات والأرض وملك التصرف فيهما، يتصرف فيهما كما
يشاء، فهو الذي أوجدهما، وهو الذي يمسكهما أن تزولا، وهو الذي يُدبِّر ما فيهما،
وهو الذي يتلفهما ويفنيهما عند قيام الساعة، فلله ملك السماوات والأرض خلقًا
وتدبيرًا وتصرفًا، وكل شيء يؤول إليه سبحانه وتعالى، وهذه الآلهة لا تملك شيئًا من
ذلك.
إذن مُلْكُ السَّمَاوَاتِأي: ملك الذوات
والتصرف كما يشاء، ثم نفصل فنقول: خلقهما أولًا وأمسكهما أن تزولا، ويطوي السماء
كطي السجل للكتب، ويقبض الأرَضين يوم القيامة، فكل هذه من جملة تصرفاته في هذه
المملوكات ملك السماوات والأرض، وإذا كان له ملك السماوات والأرض فلا أحد يشفع إلا
بإذنه، ولا أحد يستحق العبادة إلا هو.
ثم قال: ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَمتى؟ يوم القيامة، نُرجَع إلى الله عز وجل فيحاسبنا
على حسب أعمالنا، والله تعالى قد بَيَّن لنا ووضَّح وأقام الحجة، وبيَّن أن الحسنة بعشْر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة،
وأن السيئة بمثلها ، وبين الأشياء التي
تُعتبر حسنات حتى نعملها، وتُعتبر سيئات حتى نتجنبها، وحينئذٍ يكون رجوعنا إليه عز
وجل رجوعًا عن بصيرة، لا حُجَّة لنا في مخالفته.
نرجع الآن إلى فوائد هذه الآية
الكريمة، وقبلها أيضًا وين؟
أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ [الزمر: ٤٣].
في هذه
الآية: الإنكار على هؤلاء الذين يعبدون الأصنام، الإنكار على مَنْ عَبَدَ
الأصنام واتخذها شفعاء، من أين نأخذ الإنكار؟ من الهمزة التي تضمنتها (أم)؛ لأن
(أم) بمعنى بل والهمزة.
ومن فوائد هذه الآية
الكريمة: الخطأ الفظيع في هؤلاء المشركين حيث عبدوا الأصنام، وظنوها شفعاء،
مع أنها لا تزيدهم من الله إلا بُعْدًا.
ومن فوائد هذه
الآية الكريمة: إقامة الحجة العقلية في مجادلة الخصم وهي قوله: قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا [الزمر: ٤٣]،
فإذا كانوا لا يملكون شيئًا فكيف تتخذونهم شفعاء تعبدونهم من دون الله؟
واعلم
أن الأدلة العقلية نحتاج إليها حاجة ماسة إذا ضعف الإيمان، كلما ضعف الإيمان احتجنا
إلى الأدلة العقلية، وذلك لأن المؤمن يكفيه النقل، يكفيه السمع، قال الله تعالى:
وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب: ٣٦]، واحتجت عائشة رضي الله عنها على التي سألتها: ما بال الحائض تقضي
الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: كان يُصيبنا ذلك فنُؤْمَر بقضاء
الصوم، ولا نُؤمر بقضاء الصلاة .
فإذا قوي الإيمان كفى الاستدلال بالسنة والقرآن، وإذا ضعف الإيمان فلا بد من
استعمال الدليل العقلي المقنِع، ولهذا نجد الله سبحانه وتعالى في الكتاب العزيز
يحتج كثيرًا بالأمور العقلية الحسية على المعاني التي يريد عز وجل تقريرها وإثباتها
كإحياء الموتى وما أشبه ذلك، ونحن الآن في زمن الإيمان فيه ضعيف والجدل فيه كثير،
نحتاج إلى فهم الأدلة العقلية حتى نتمكن من إقناع خصومنا، فأنتم تعرفون الآن أن
كثيرًا من الناس لو أُتي بكل آية ما تبعها، فإذا أُتي بدليل عقلي اقتنع به، هذا
واحد.
وتعلمون أيضًا أن الأعداء أعداء الإسلام والمسلمين يتحيَّنون الفُرص في
إدحاض حُجج المسلمين، فتجدهم في كل مجلس يتكلمون في أشياء يُشبِّهون بها على الشباب
المسلم، فإذا لم يكن لدى الإنسان حُجَّة عقلية تدحض حجته فإنه ربما ينقطع ويظهر ذلك
الخصم الألد عليه، كما قال الله تبارك وتعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ [البقرة: ٢٠٤]، فأنا أحثكم على أن
تتخذوا من الأدلة العقلية ما ينجيكم من خصم أولئك الألداء حتى تخصموهم وتحاجوهم
وتغلبوهم بالحجة، وها هو إبراهيم عليه الصلاة والسلام حاج قومه بالعقل، بماذا؟ لما
جن عليه الليل رأى كوكبًا قال: هذا ربي، فأفل الكوكب وغاب قال: لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ [الأنعام: ٧٦]، لا أحب إلَهًا يغيب
عني، ولا يعلم بحالي، فلما رأى القمر بازغًا قال: هذا ربي، فلما أفل، أقام الحجة
على ضلال من عَبَدَ الكواكب قال: لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ [الأنعام: ٧٧، ٧٨].
وكذلك احتج على الذي
حاجَّه حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُآخر الآية: فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ [البقرة: ٢٥٨] إلى غير ذلك، فنحن في حاجة اليوم إلى إعمال
عقولنا في الأدلة العقلية حتى نحتج بها على من ضعف إيمانه بالأدلة السمعية، أو على
من فُقِد إيمانه بالأدلة السمعية.
من فوائد هذه الآية
الكريمة: أن الأصنام لا تملك شيئًا لعابديها، لا جلب نفع ولا دفع ضرر.
فإن قال قائل: إن من الناس من يدعو الصنم فيُستجاب له كما نسمع عن ذلك كثيرًا،
فكيف الجواب عن هذه الآية؟
الجواب عن هذه الآية: أن كلام الله حق وصِدْق، مطابق
للواقع تمامًا، وقد بيَّن الله تعالى في آية أخرى أنه لا أحد أضل عقلًا ولا أسفه
طريقًا مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ [الأحقاف: ٥، ٦]، لكن ما حصل من مثل هذه الأمور من كون الرجل
دعا وليًّا أو صاحب قبر، أو ما أشبه ذلك فزال عنه ضره، فإنما هو امتحان من الله عز
وجل، امتحان حصل عند الشيء لا بالشيء.
فمثلًا: لو أن رجلًا دعا قبرًا، وكُشِفَ
عنه الضر، هل نقول: إن صاحب القبر هو الذي كشفه؟ لا أبدًا، نجزم مثل الشمس أن صاحب
القبر لم ينفعه، ولكن ابتلى الله عابد هذا القبر بأن حصل الشيء عنده لا به، وفرق
بين الشيء الذي يحصل بالشيء والشيء الذي يحصل عند الشيء، والله عز وجل قد يبتلي
الإنسان بمثل هذا، قد ييسر الله له أسباب المعصية والشِّرْك ابتلاء وامتحانًا.
أرأيتم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين حرم الله عليهم الصيد في
حال الإحرام، ابتلاهم الله بأيش؟ ابتلاهم الله بصيد تناله أيديهم ورماحهم، الطائر
يناله الرمح، والساعي العادي تناله الأيدي، يعني الظباء والأرانب وما أشبهها
يمسكونه بأيديهم، والطيور برماحهم لا بسهامهم، ما يحتاجون إلى سهام، ابتلاهم الله
بذلك ليعلم الله من يخافه بالغيب؛ فقد يبتلي الله العبد بتيسير أسباب المعصية له
حتى يعلم سبحانه وتعالى هل يصبر أو يقدم؟ لأن بعض الناس قد يخفف عليه ترك المعصية
صعوبتها عليه، أليس كذلك؟ يعني بعض الناس يترك المعصية؛ لأنها صعبة عليه تحتاج إلى
عمل، تحتاج إلى مال، لكن إذا سهلت، ثم تركها عُلِم أن الرجل صادق في إيمانه.
إذن
فهمنا الجواب على قوله: أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ [الزمر: ٤٣] أن ما وقع مما يُظن أنه بسبب هذه
الآلهة فقد حصل عندها لا بها.
ومن فوائد هذه الآية
الكريمة: انتفاء العقل عن هذه المعبودات، وهذا فيمن يعبُد من لا عقل له
كالأصنام والأشجار؛ لقوله: وَلَا يَعْقِلُونَ. وعليه
إذا قيدنا المسألة بمن يعبد الأصنام والأشجار وما أشبهها لا يرد علينا أن قومًا
عبدوا المسيح، والمسيح عليه الصلاة والسلام من أكمل الناس عقلًا؛ لأنه أحد أولي
العزم من الرسل لأن نقول: يريد الله بهذا الأصنام التي أيش؟ الجماد التي لا تعقل.
ثم قال الله تعالى: قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [الزمر: ٤٤] إلى آخره.
من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الشفاعة لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا، ووجه إثباتها أنه لولا وجودها
ما صح أن يقول: لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة:
الرد على المعتزلة والخوارج؛ لأن المعتزلة والخوارج ينفون من الشفاعة؟
طالب: (...).
الشيخ: نعم، المعتزلة
والخوارج ينكرون الشفاعة في أهل الكبائر سواء دخلوا النار أم لم يدخلوها؛ وذلك لأن
أهل الكبائر عند المعتزلة والخوارج مُخلَّدون في النار، لكنهم عند الخوارج كفار،
وعند المعتزلة لا مؤمنون ولا كافرون، في منزلة بين منزلتين.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات شفاعات متعددة؛ لقوله:
جَمِيعًا؛ لأن جَمِيعًاتقتضي أن يكون هناك شيء مجموع.
ومن فوائدها: أنه لا
أحد يشفع إلا بإذن الله، وجهه أنه إذا كانت الشفاعة خاصة بالله فإنها لا تكون إلا
منه وإليه.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات
ملك الله للسماوات والأرض، وانفراده بالملك؛ لقوله: لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ.
ومن فوائدها:
إثبات البعث والرجوع إلى الله؛ لقوله: ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.
ومن فوائد الآية الكريمة:
الإنذار والبشارة؛ لقوله: ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَفإن المؤمن يُسَرُّ بلقاء الله بلا شك، ويحب لقاء الله، والكافر بالعكس، قال النبي
عليه الصلاة والسلام: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ
اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ
لِقَاءَهُ» .
فإذا علمنا أننا نرجع إلى الله فإننا نحب لقاء الله، والكافر يكره لقاء الله.
ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى يذكر
الشيء منذرًا بلازمه؛ لأن مجرد الرجوع ليس فيه شيء يُذكَر، لكن المراد الرجوع الذي
يحصل به الحساب والجزاء.
قال الله تعالى: أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ [الزمر: ٤٣] قال: ({أَمِ} بل {اتَّخَذُوا مِنْ
دُونِ اللَّهِ}) لكننا لا نقرأ (أَتَّخَذوا) بهمزة القطع؛ لأن القرآن
ليست الهمزة فيه همزة قطع، لكن لو كان التركيب في غير القرآن لقلنا: (بل أَتَّخَذوا
من دونه)، وإذا قلنا: (أَتَّخَذوا)، سيسأل سائل: أين ذهبت همزة الوصل في اتَّخَذُوا؟ نقول: لأنه لما دخلت همزة القطع على الفعل
استغنينا بها عن همزة الوصل؛ لأن همزة الوصل إنما يؤتى بها لسهولة البدء بالساكن،
فإذا لم نبدأ به وبدأنا بهمزة قطع استغنينا عنها وحذفناها، اقرأ: أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ [الصافات: ١٥٣] أَصْطَفَى، هذه أصلها اصطفى دخلت عليها الهمزة، لما دخلت
عليها الهمزة صِرْنا في غنى عن همزة الوصل؛ لأن همزة الوصل يُؤتى بها للضرورة؛
ولهذا سُمِّيت همزة وصل، يُؤتى بها للضرورة لئلا نبتدئ بالساكن، فإذا زالت الضرورة
هذه سقطت.
قال: ({أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ
شُفَعَاءَ} [الزمر: ٤٣] أي الأصنام آلهة {شُفَعَاءَ} عِنْد اللَّه بِزَعْمِهِمْ) يعني هم
صيروا هذه الأصنام آلهة تشفع لهم عند الله.
وقول المؤلف: (بِزَعْمِهِمْ)
يعني لا بحسب الواقع؛ لأن هذه الأصنام لا تشفع لهم، بل إنه في يوم القيامة يكفر من
اتخذ إلهًا مع الله، يكفر بعبادة من عَبَدَهُ، صحيح؟ من أين نأخذ هذا؟ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ [الأحقاف: ٥، ٦] وكذلك ما ذكرتم: وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ [فاطر: ١٤] بل حتى الذين اتخذوا غير
الرسل اتخذوهم متبوعين من أهل الضلال يتبرؤون منهم إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا [البقرة: ١٦٦]،
شوف سبحان الله في القرآن كفر من جُعِلوا شركاء في الرسالة، وكُفر من جُعلوا شركاء
في العبادة؛ لأن كُلًّا منهم لم يحقق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول
الله، الذين اتخذوا شركاء بالعبادة سمعتم: وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ، وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَوالذين اتخذوا شركاء في الرسالة: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا؛ لأن المقلد لغير الرسل المعارضة
لأقوال الرسل بأقوالهم قد أشرك مع الرسل في الرسالة.
من الذي يجب اتباعه من
البشر؟ الرسل، فإذا جعل هذا الرجل متبوعه بمنزلة الرسول عليه الصلاة والسلام يأخذ
بقوله فعلًا وتركًا وتصديقًا فقد جعله رسولًا؛ ولهذا بعض العلماء يقول: إن التوحيد
نوعان: توحيد عبادة، وتوحيد رسالة؛ توحيد عبادة فيما يتعلق بحق الله، توحيد رسالة
فيما يتعلق بحق الرسول صلى الله عليه وسلم، والله تعالى يقرن بين هذا وهذا في
القرآن: أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ [المؤمنون: ٦٨، ٦٩]. فالحاصل أن هؤلاء الذين
اتخذوا شفعاء قد ضلوا ضلالًا مبينًا؛ لأنها لا تنفعهم.
قال: ({قُلْ} لهم أيشفعون و{لَوْ
كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ}) أيشفعون ولو
كانوا؟ المؤلف -رحمه الله- مشى في هذا التفسير على أحد الرأيين المشهورين فيما إذا
دخلت همزة الاستفهام على حرف العطف، ما هما؟
طالب:
(...) قبل الهمزة أو قبل حرف الاستفهام.
الثاني: أن يكون العاطف على ما بعد همزة
الاستفهام أو حرف الاستفهام.
الشيخ: فيه وجهان: الوجه
الأول: أن يكون العطف على ما سبق، وعلى هذا يكون تقدير الهمزة بعد حرف العطف.
والوجه الثاني: أن العطف على جملة مقدرة يكون تقديرها حسب السياق، المؤلف مشى
على الأول ولَّا على الثاني؟
طالب: على
الأول.
طالب آخر: على الثاني.
الشيخ: شوفوا يا جماعة، أيشفعون ولو؟
طلبة: على الثاني.
الشيخ: إذن على
الثاني؛ لأنه قدَّر المعطوف عليه بين الهمزة وحرف العطف، أيشفعون ولو كانوا لا
يملكون شيئًا ولا يعقلون ({لَا يَمْلِكُونَ
شَيْئًا} مِن الشَّفَاعَة وَغَيْرهَا {وَلَا يَعْقِلُونَ} أَنَّكُمْ تَعْبُدُونَهُمْ وَلَا
غَيْر ذَلِكَ) الجواب: لا، هذه لا تشفع؛ لأنها لا تعقل، ولا تملك، فهي لا تعقل
عبادة من عبدها، ولا تملك له شيئًا لا شفاعة ولا غيرها.
ثم قال: ({قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَة جَمِيعًا} أَيْ هُوَ
مُخْتَصٌّ بها) من أين أخذ هو مختص بها؟ من الحصر، وهو تقديم الخبر، (وهو
مختص بها فلا يشفع أحد إلا بإذنه)، وهذا أحد شرطي الشفاعة، والثاني: رضا الله
عن الشافع ورضاه عن المشفوع له.
لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَذكر عموم ملكه وانفراده بالملك بعد
ذكر الشفاعة؛ لأن الشفاعة من الملك في الواقع، فهي داخلة في عموم ملك الله للسماوات
والأرض. ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَولم يفسرها
لوضوحها.
قال الله تعالى: ({وَإِذَا ذُكِرَ اللَّه وَحْدَهُ} أَيْ دُون آلِهَتهمْ {اشْمَأَزَّتْ} نَفَرَتْ)، لا، نفسر قبل.
وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ [الزمر: ٤٥] إِذَا ذُكِرَ اللَّهُيعني أُثنِي عليه بالذكر والإخلاص، وأنه الرب المعبود، وأن غيره لا يستحق العبادة، إذا ذُكِر على هذا الوجه اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ، يعني نفرت من هذا وكرهته؛ لأنها لا تريد هذا، تريد أن تكون آلهتها مساوية لله عز وجل: وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ({وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ} وهي الأصنام) وأثني عليها إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ، (إذا) هذه فجائية أُجيب بها الشرط؛ لأن الشرط يُقرن أحيانًا بالفاء، وأحيانًا بـ(إذا) وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ [الروم: ٣٦] أي فهم، فجواب الشرط هنا قرن بـ(إذا) الفجائية؛ لأنه جملة اسمية.
وتأمل قوله: إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [الزمر: ٤٥] حيث جاءت بالجملة الاسمية إشارة إلى دوام استبشارهم وثبوته ورسوخه في أنفسهم، والله أعلم.
طالب: (...).
الشيخ: في أيش؟
طالب: قبول النصوص والتعامل معها، وأيضًا الرد على المستشرقين وغيرهم (...)؟
الشيخ: يعتمد على العقل في قبول النصوص، يعني ما وافق العقل قبلوه وما لا فلا؟ لا، لا نريد هذا؛ لأن كل عقل يخالف النص فليس بعقل، والذي دَمَّرَ هؤلاء وقوَّض عقولهم أنهم صاروا يعتمدون على العقل قبل أن ينظروا في النصوص، ولو أنهم نظروا في النصوص أولًا، ثم أجروها على العقل لعلموا علم اليقين أن النقل موافق للعقل.
طالب: (...).
الشيخ: لا هذا غلط، العقل في أمر الغيبيات ألا ترجع إلى العقل، ولذلك نحن نقول لهؤلاء الذين يرجعون للعقل في الأمور الغيبية، نقول: أنتم الآن جانبتم العقل، العقل لا يمكن أن يتحدث عن شيء غائب عنه أبدًا.
لو قال لك إنسان: تحدث عما وراء هذا الجدار فهل يمكن عقلًا أن تتحدث عنه؟ لو تحدثت عنه لكنت مُخرِّفًا، فهؤلاء الذين رجعوا للعقل هم رجعوا إلى الهوى في الحقيقة، هو هوى وليس بعقل، لكن هو صحيح عقل؛ لأنه عَقَلَهُم عن إصابة الصواب، وإلا فليس بعقل، واضح؟ ونحن حينما نقول: احرصوا على الأدلة العقلية، لا نقول: عقل هؤلاء؛ لأن كل حُجَّة يريدها هؤلاء فليست بحجة ولكنها شُبهة، والذي يزيلها ما هو؟ العقل الصريح مع النقل الصحيح.
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم، الأدلة العقلية لا شك أنها قد تخفى على بعض الناس، ولكن الإنسان إذا تأمل في دلالات القرآن، وجد فيها كثيرًا من الأدلة العقلية، مثل محاجة إبراهيم لقومه وللذي حاجه في ربه، ومثل محاجة الله عز وجل عن الرسول في آخر سورة الطور، كلها آيات في الحقيقة كلها أدلة عقلية، وكذلك النظر والتأمل في الكون والمخلوقات يدلك على هذا، وكذلك في الطرق الحسابية تهتدي بها كثيرًا للعقل، يعني نعرف أن نصف الاثنين واحد، وضعف الواحد اثنان، يمكن تهتدي بمثل هذه الطرق إلى الأدلة العقلية، وعلى كل حال الأدلة العقلية في الحقيقة هي أولًا غريزة من الله عز وجل يجعلها في قلب المرء، ثم اكتساب بالتمرُّن على مطالعة الكتب التي تبحث في هذا ككتب شيخ الإسلام ابن تيمية تستفيد فائدة كبيرة.
طالب: نقصد بالأدلة العقلية الأدلة الحسية.
الشيخ: الحسية؛ لأن الأدلة الحسية طريق إلى الأدلة العقلية، الأدلة العقلية قسمان: أدلة حسية، وهي أقوى من الأدلة النظرية، مثلًا حدوث العالَم بماذا نعرف أنه حادث؟ بتغيره من حال إلى حال ومن شخص إلى آخر، هذا يموت وهذا يحيى وما أشبه ذلك.
نستدل أيضًا بحدوث العالم بأنه ما من شيء موجود إلا وهو إما حادث بنفسه، أو محدثه غيره، أو حادث صدفة هكذا، وكل هذه الثلاثة ممتنعة إلا واحد، ما هو؟ أحدثه غيره.
***
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَأين جواب (إذا) في قوله: إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ؟
طالب: إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ.
الشيخ: إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ؟
طالب: اشْمَأَزَّتْ.
الشيخ: اشْمَأَزَّتْ، وأين جواب وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ؟
طالب: إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ.
الشيخ: ما هو رابط الجملة؟ ما هو الجملة إذا كانت اسمية لا بد فيها من رابط، فما رابطها هنا؟ إذا الفجائية. أظن ما أخذنا فوائد الآية.
يقول الله عز وجل في بيان حال هؤلاء الكفار المكذبين: وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ.
من فوائد هذه الآية الكريمة: شدة كراهة هؤلاء لذكر الله عز وجل وتوحيده؛ لقوله: وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ.
ومن فوائدها: أن الإنسان متى وجد اشمئزازًا من شريعة الله فإن فيه شبهًا من هؤلاء، وإن كان لا يشابهه من كل وجه، لكن يكون فيه شبه منهم.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: شدة تعلق هؤلاء بأصنامهم حيث يكرهون ما يضادها من التوحيد، فإذا ذُكرت هذه الأصنام استبشروا.
ومن فوائدها: أن الإنسان قد يستبشر بالسوء وبما يخالف الفطرة، وذلك من قوله: وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ.
***
وقوله: فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِفاطر الشيء أي مُبدعه على غير مثال سبق، يعني مبدعه ومنشئه لأول مرة يسمى هذا فَطْرًا، ومنه فَطَرَ البئر إذا حفره لأول مرة.
فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِوالسماوات والأرض هذه مرت علينا كثيرًا، وذكرنا ما يتعلق بالجمع بالنسبة للسماوات والإفراد بالنسبة للأرض.
عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ(فاطر وعالم) كلها صفة للمنادى في قوله: اللَّهُمَّ، ولكنها نصبت؛ لأنها مضافة.
عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِالغيب ما غاب، والشهادة ما شُوهد وحضر، فالله سبحانه وتعالى عالم الغيب كله وعالم الشهادة كلها إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ [آل عمران: ٥].
واعلم أن الغيبوبة تكون كلية وتكون نسبية، فالله تعالى عالم الغيب كلية، ونسبية أيضًا، بخلاف البشر، البشر لا يعلم الغيب؛ أي ما غاب عنه سواء كليًّا أم نسبيًّا، ولذلك لا تعلم ما وراء هذا الجدار، ولا تعلم ما في ضمير غيرك، ولا تعلم المستقبل، بل وتنسى ما مضى، أما الرب عز وجل فإنه لا يعتريه شيء من هذا النقصان.
أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [الزمر: ٤٦]، تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَأي: تفصل بينهم بالحكم، وذلك يوم القيامة، حين يتحاج الناس عند ربهم، يختصمون، وقد بَيَّن الله سبحانه وتعالى نتيجة هذه الخصومة بأن الخاصِم هم المؤمنون، حيث قال تعالى: فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا [النساء: ١٤١] إذن فالخاصم الغالب هم المؤمنون، إذا لم يكن سبيل للكافرين عليهم فهم الخاصمون بلا شك.
وقوله: أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَيشمل الحكم في الدنيا والحكم في الآخرة، أما الحكم في الدنيا فإن المرجع إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وأما في الآخرة فالمرجع إلى الله عز وجل، يحكم بينهم حكمًا جزائيًّا كل بما يستحق.
وقوله: أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَالمراد بالعبودية هنا العامة، فيشمل العبد المؤمن والعبد الكافر، وقد قسم العلماء رحمهم الله العبودية إلى قسمين: عامة وخاصة؛ فالعبودية العامة هي التعبد للقدر، أي أنها تتعلق بالأمر القدري، كل من في السماوات والأرض عبْد لله بهذا المعنى، لا يمكن أن يتخلف عما قضى الله عليه، قال الله تعالى: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [مريم: ٩٣] وهذه عبودية تتعلق -كما قلت- بالقدَر والقضاء، فهي كونية في الحقيقة.
والثانية عبودية خاصة: وهي التعبد لله تعالى بشرعه، وهذه خاصة بمن؟ بالمؤمنين، الذين يتعبدون لله بشرعه، وهذه الخاصة أيضًا فيها عبادة أخص، وهي عبادة النبوة والرسالة، مثل قوله تعالى: وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ [ص: ٤٥] ومثل قوله تعالى: إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا [الإسراء: ٣] ومثل قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا؟» . والأمثلة كثيرة، فتبين الآن أن العبودية؟
طالب: عامة وخاصة.
الشيخ: نعم، ما هي العبودية العامة؟
طالب: العبودية العامة هي التعبُّد إلى الله سبحانه وتعالى بالقدر.
الشيخ: نعم، يعني التذلل لقدره، هذه تشمل؟
طالب: (...).
الشيخ: نعم، والخاصة؟
طالب: والخاصة هي التعبُّد إلى الله سبحانه وتعالى بشرعه.
الشيخ: بشرعه، وهذه خاصة بِمَنْ؟
طالب: بالمؤمنين.
الشيخ: بالمؤمنين، هذه الخاصة تنقسم إلى خاص وأخص، طيب ما هي العبودية الأخص؟
طالب: الأخص تختص بالأنبياء والمرسلين.
الشيخ: نعم، بالأنبياء والرسل، مثالها؟
طالب: قوله تعالى: وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ [ص: ٤٥] وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا؟» .
الشيخ: أحسنت طيب، ما هي محط المدح من هذه الأنواع والأقسام، الخاصة أم العامة؟
طلبة: الخاصة.
الشيخ: الخاصة، أما العامة فلا يُمدح الإنسان فيها؛ لأنها بغير اختياره، هو ذليل لله، متعبد له شاء أم أبى.
أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [الزمر: ٤٦] أي في الذي يختلفون فيه، وقد جاءت الآية هكذا: فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، وفي آية أخرى: فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [الزمر: ٣] وقال تعالى: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ [الشورى: ١٠]، فيشمل ما يختلفون فيه من أمور الدين وأمور الدنيا أيضًا، كل ذلك سوف يحكم الله به بحكمه العدل الذي ليس فيه حيف على أحد.
وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الزمر: ٤٧] إلى آخره، (لو) هذه شرطية.
وقد يقول قائل: أين فعل الشرط؟
والجواب أن نقول: هو مُقدَّر، أي ولو حصل أن، أو ولو ثبت أن للذين ظلموا، وأما الجواب فقوله: لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. ولو تأتي شرطية وتأتي مصدرية، مثل قوله تعالى: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ [القلم: ٩] أي ودوا إدهانك فيدهنون.
وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواإذن (أن) وما دخلت عليه في تأويل مصدر فاعل لفعل الشرط المحذوف، أي ولو ثبت أن للذين ظلموا وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًاظلموا، المراد بالظلم هنا الكفر، والظلم في الأصل هو النقص؛ لقوله تعالى: كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا [الكهف: ٣٣] أي لم تنقص منه شيئًا، والظلم ينقسم إلى قسمين: ظلم أكبر، وهو ظلم الكفر المذكور في قوله تعالى: وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة: ٢٥٤]، وظلم أصغر وهو ما دون ذلك كظلم الإنسان لغيره في ماله وأهله وما أشبه ذلك. المراد بالظلم هنا الأكبر أو الأصغر؟ وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواالمراد الأكبر، كما قال تعالى في آية أخرى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ [المائدة: ٣٦].
مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًامَااسم موصول، أي الذي، محله؟ وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ.
طالب: موصولة يا شيخ.
الشيخ: إي (ما) ويش محلها من الإعراب؟
طالب: اسم (إنَّ).
الشيخ: اسم (إنَّ) مؤخر.
وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ [الزمر: ٤٧] إلى آخره. قوله: فِي الْأَرْضِصلة الموصول، والمعروف أن صلة الموصول لا تكون إلا جملة، فكيف نجعل هذا صلة للموصول وليس بجملة؟
والجواب أن نقول: هذا شِبْه جُملة، وهو مُتعلِّق بفعل محذوف تقديره: ما استقر في الأرض.
مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا، جَمِيعًا: حال من مَايعني حال كونه جميعًا مجموعًا لهم. وَمِثْلَهُ مَعَهُأي: مثل ما في الأرض جميعًا من أولها إلى آخرها لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِلَافْتَدَوْا بِهِ: أي دفعوه فداء يفدون به أنفسهم من عذاب الله عز وجل.
ولكن متى يكون هذا؟ يكون هذا يوم القيامة، يتمنى هؤلاء أن يكون لهم ما في الأرض جميعًا ومثله معهم ليدفعوا عنهم العذاب، ولكن لا يحصل، وقد طُلِب منهم في الدنيا ما هو أهون من ذلك، ما الذي طُلِب منهم؟ أن يعبدوا الله وحده لا شريك له، وأن يقوموا بشريعته، وهو سهل، لكنهم -والعياذ بالله- استكبروا.
لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِأي: من العذاب السيء الذي ليس له نظير في الدنيا، ولا يمكن أن يضبطه الذِّهن بتخيل؛ لأنه كما أن في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر من النعيم، فكذلك ما في النار من العذاب.
وقوله: يَوْمَ الْقِيَامَةِهو اليوم الذين يُبعث فيه الناس، وسُمِّي يوم القيامة لأمور ثلاثة:
أولًا: أن الناس يقومون فيه لرب العالمين، كما قال تعالى: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [المطففين: ٦].
والثاني: أنه يقام فيه العدل، كما قال تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا [الأنبياء: ٤٧].
وثالثًا: أنه يقوم فيه الأشهاد: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ [غافر: ٥١] هذا هو يوم القيامة سُمِّي بذلك لهذه الأمور الثلاثة.
وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَأيضًا ظهر لهم من عند الله عز وجل مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ، أي ما لم يكن في حسبانهم، ولا خطر على بالهم أنهم يجدون هذا العذاب، ظنوا أن الأمر هين، ظنوا أن الأصنام تشفع لهم، وظنوا ظنونًا كثيرة ولكن لم تنفعهم هذه الظنون، ظهر لهم شيء لم يحتسبوه أبدًا.
وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَبدا لهم: أي ظهر لهم. سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا: أي: سوء ما كسبوا من الأعمال، وهم لم يكسبوا إلا الشر، وقد قال الله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة: ٧، ٨].
({وَحَاقَ بِهِمْ} نزل {بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ})، أي ما كانوا يستهزئون به في الدنيا، أما في الآخرة فإنهم يقولون: قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ [الأعراف: ٥٣] إلا أنهم في ذلك الوقت لا ينفعهم، كانوا في الدنيا يستهزئون ويسخرون من الرسل، ويسخرون من الذين آمنوا إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ [المطففين: ٢٩ - ٣٢].
سبحان الله! هذه الآيات تنطبق تمامًا على وقتنا، كما انطبقت على من قبل، كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَوهذا هو الواقع، تجد هؤلاء الفسقة والمجرمين إذا مر بهم المؤمن التقي جعلوا يضحكون، وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ، إذا مروا بهم، هل إذا مر المؤمنون بالمجرمين أو المجرمون بالمؤمنين؟ كلاهما، يَتَغَامَزُونَ، يغمز بعضهم بعضًا، شوف هذا، شوف المسكين، شوف ثيابه شوف.
وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ [المطففين: ٣١] يعني يرجعون إلى أهلهم فَكِهِينَأي مرحين، متفكهين بما قالوا في هؤلاء المؤمنين.
وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ [المطففين: ٣٢] الفاعل في رأوهم المجرمون، إذا رأى الذين أجرموا هؤلاء المؤمنين قالوا: إن هؤلاء لضالون تائهون، وهذا هو الواقع حتى في الوقت الحاضر، إذا رأوا المتدين قالوا: هذا متخلف، هذا رجعي، أو هذا أصولي؛ يعني متشددًا وما أشبه ذلك.
ثم قال عز وجل: فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ [المطففين: ٣٤] في يوم القيامة تحصل الضحكة من المؤمنين على الكافرين، وهذه الضحكة ليس بعدها بكاء، أما ضحكة أولئك فبعدها البكاء والألم والحسرة عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ [المطففين: ٣٥] ينظرون ما أنعم الله به عليهم، وينظرون ما عذب الله به هؤلاء هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المطففين: ٣٦].
فهؤلاء المجرمون يبدو لهم يوم القيامة ما كانوا يستهزئون به من شريعة الله وجزاء الله وما أشبه ذلك، وقد كانوا يسخرون بالرسول عليه الصلاة والسلام وبما وعد به من النعيم وبما وعد به من العذاب، ويقولون: يا محمد، إن كنت صادقًا أننا سنلقى هذا، فليكن لك أنت، فجِّر الأرض ينابيع، اجعل الرياض مزارع نخيلًا، وما أشبه ذلك.
نرجع الآن إلى كلام المؤلف رحمه الله يقول: ({قُلِ اللَّهُمَّ} بمعنى يا الله). كيف؟
وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ، ({وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ} أي دون آلهتهم)، اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ({اشْمَأَزَّتْ} يقول: نفرت وانقبضت) فتنفر ولا تقبل الحق، وتنقبض ولا تنشرح للحق قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِأي: لا يقرون بها، ولا يعترفون بها؛ لأنهم قالوا: مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ [الجاثية: ٢٤]، قال الله تعالى: وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [الجاثية: ٢٤] الذين لا يؤمنون بالآخرة، ولو أنهم آمنوا بالآخرة لعملوا لها، ولكانوا إذا ذكر الله وحده استبشروا وفرحوا.
({وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ} أَي الأصنام {إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ}) إذا ذكرت الأصنام بالثناء والمدح استبشروا، ولهذا يُروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ: «أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى [النجم: ١٩، ٢٠] تِلْكَ الْغَرَانِيقُ الْعُلَا وَإِنَّ شَفَاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجَى» . ألقاها الشيطان في قراءة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يتلها الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن الشيطان أسمع قريشًا هذا القول، يقولون: إنهم سجدوا مع النبي صلى الله عليه وسلم لما أنهى السورة وسجد؛ لأنهم قالوا: الآن رجع إلينا أو على الأقل داهننا؛ لأنه أثنى على أصنامنا فسجدوا معه، وهذه القصة مشهورة، واختلف المفسرون فيها، فمنهم من أنكرها إنكارًا عظيمًا، ومنهم من حسَّنَها، وقال: إنها لا تُنافي العصمة؛ لأن الله قال: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى [الحج: ٥٢] يعني قرأ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِألقى الشيطان في قراءته، ليس هو الذي يلقي، الشيطان يلقي أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [الحج: ٥٢] ينسخه يعني يبين بطلانه، وأنه لا حقيقة له، ثم قال معللًا ذلك: لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الحج: ٥٣، ٥٤]، فعلى كل حال إن صحت القصة فإنها لا تنافي العصمة؛ لأن الذي أثنى على هذه الأصنام الشيطان، لكن ظن هؤلاء الذين سمعوه أنها قراءة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وإذا لم تصح فلا إشكال.
لكن إذا قال قائل: إذا لم تصح فكيف سجد المشركون مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين قال: فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا [النجم: ٦٢]؟
والجواب عن ذلك أن نقول: إن آخر آيات هذه السورة تأخذ باللب والفؤاد، حتى إن الإنسان لينفعل من غير أن يشعر، فهؤلاء المشركون انفعلوا من شدة ما سمعوا حتى لم يشعروا بأنفسهم إلا وهم ساجدون، هذا هو الجواب إذا لم تصح القصة.
يقول عز وجل: ({وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥) قُلِ اللَّهُمَّ} بمعنى يا الله) فالميم عِوض عن ياء النداء ({قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} مبدعهما {عَالِم الْغَيْب وَالشَّهَادَة} مَا غَابَ وَمَا شُوهِدَ {أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}) عندي (في) مفصولة عن (ما) عندكم هكذا؟ متصلة، هي القاعدة أخيرًا أنها مفصولة، لكن لعل القاعدة التي عليها المفسر هي في المصحف الأول، يعني في القاعدة الأولى.
وقد اختلف العلماء هل تجوز مخالفة القاعدة العثمانية، على أقوال ثلاثة: الجواز، والمنْع، والتفصيل، التفصيل بين أن يُكتب للصبي، وأن يكتب للبالغ، فالصبي يُكتب له على حسب ما يعرفه من القواعد؛ لأنه لو كُتب له على القاعدة العثمانية لحرَّف، لو كُتبت الصلاة بالواو والزكاة بالواو، وما كان ممدودًا أي بألف حُذفت الألف منه مثل الرحمن وما أشبهها، لو كتب له ذلك لحرَّف لقال: (إن الصلوت)، (إن الزكوت) وما أشبهها، أما إذا كان لبالغ عاقل يعرف فيكتب بالرسم العثماني.
والصحيح أنه لا يجب التقيد بالرسم؛ وذلك لأن القرآن لم ينزل على هذا الرسم، لو نزل بهذا الرسم كما كتبت التوراة ونزلت مكتوبة لقلنا: لا يجوز مخالفته، لكنه نزل قولًا، وصادف أن القاعدة في ذلك الوقت حين كتابته كانت على هذا الوجه، ولو كانت الكتابة على غير هذا الوجه لكُتِب بها مخالفًا لهذا الوجه، فالمسألة اصطلاحية؛ يعني أن القرآن لم ينزل على هذا، صحيح أنَّا قد نقول: ينبغي تأدبًا أن يُكتب القرآن بالقاعدة العثمانية احترامًا وتعظيمًا لما كتبه الصحابة رضي الله عنهم، أما أن نقول هذا على سبيل الوجوب والإلزام، ونقول: إنه لا يجوز أن تكتب على السبورة آية من كتاب الله على حسب القاعدة المعروفة المألوفة فهذا فيه نظر.
({فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} مِنْ أَمْر الدِّين) قال المؤلف: (اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِف فِيهِ مِنَ الْحَقِّ) ولكن هذا التقدير فيه نظر؛ لأن المراد بالآية تفويض الأمر إلى الله عز وجل، وشكاية هؤلاء إليه الذين إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ، وليس المقام مقام دعاء، وإنما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول هذا دعاء في استفتاح صلاة الليل، والله أعلم.
طالب: (...).
الشيخ: المؤمنون يوم القيامة يسيرون عليهم، ليس شديدًا صعبًا، لكن عصاتهم يحتاجون إلى شفاعة فيُشفع فيهم.
طالب: (...).
الشيخ: لا، لأنه ورد في آية أخرى كَفَرُوا.
طالب: (...).
الشيخ: هذا يكون فيهم شبه من هؤلاء الكفار.
طالب: (...).
الشيخ: لا، يقال: فيهم شبه، فيهم شبه ممن قال الله فيهم.
طالب: (...).
الشيخ: لا، من سواه وهو أيضًا أدنى، فالدون هنا بمعنى سوى وبمعنى الأدنى الأقل.
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم، مجاوزة الحد نقص؛ لأنها نقص في حق الآخر، إذ إن الواجب ألا أتعدى عليه، فإذا تعديت عليه صرت ناقصًا في حقه.
طالب: (...).
الشيخ: كيف؟ إي الخلق والإيجاد قبل العلم بما فيها، فطرهما، ثم علم بما فيهما.
طالب: (...).
الشيخ: لا، في البخاري، ثابت في صحيح البخاري ، سجد الرسول والمشركون.
طالب: (...).
الشيخ: يرونهم ويتخاصمون معهم قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣) قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ [الصافات: ٥١ - ٥٤] امشوا نتفرج فَاطَّلَعَ فَرَآهُأي قرينه فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ [الصافات: ٥٥] في قعرها ووسطها فقال له: تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ [الصافات: ٥٦] إلى آخره، يرونهم ويتحدثون معهم؛ لأن في هذا أكبر إغاظة لهم، وهذا ألم قلبي أشد من الألم البدني، نسأل الله العافية.
طالب: (...).
الشيخ: لا، كفار لا يُشفع لهم؛ لأنه لا شفاعة إلا بإذن الله، ولا يأذن الله لهم.
طالب: (...).
الشيخ: لا، غير الكفار يشفعون لهم بإذن الله.
طالب: (...).
الشيخ: في أيش؟ لا، هو ما روى القصة في البخاري، روى أن المشركين سجدوا معه.
***
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، نأخذ الفوائد فيما سبق: قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [الزمر: ٤٦].
من فوائد هذه الآية الكريمة: التوسل إلى الله سبحانه وتعالى بأفعاله؛ لقوله: قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ.
وقد مر علينا فيما سبق أن التوسل الجائز سبعة أنواع:
الأول: التوسل إلى الله بأسمائه.
والثاني: التوسل إلى الله بصفاته.
والثالث: التوسل إلى الله بأفعاله.
والرابع: التوسل إلى الله بحال الداعي.
والخامس: التوسل إلى الله تعالى بدعاء من تُرجى إجابته.
والسادس: التوسل إلى الله بالعمل الصالح.
والسابع: التوسل إلى الله بالإيمان. هذه كلها توسلات جائزة، فهنا فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِمن باب التوسل إلى الله بأفعاله.
أما التوسل الممنوع فهو التوسل إلى الله بما لم يجعله الله وسيلة، كالتوسل بجاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والتوسل بالصالحين على وجه غير مشروع، فالضابط للتوسل الممنوع أن يتوسل إلى الله بما ليس بوسيلة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن السماوات والأرض ليست قديمة أزلية، بل هي حادثة بعد أن لم تكن، خلافًا للفلاسفة الذين قالوا بِقِدَم العالم أو الأفلاك.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات عِلْم الله سبحانه وتعالى، بل إثبات إحاطة علم الله بكل شيء؛ لقوله: عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ.
ومن فوائدها: تحذير المرء من المخالفة؛ لأنه إذا آمن بأنه عالِم الغيب والشهادة فسوف يحذر؛ لأنه مهما عمل فالله تعالى عالم به.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الحكم لله وحده؛ لقوله: أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ، ووجه الحصر في قوله: أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَأنه وصف الحكم الصادر منه بأنه بين العباد، والعبد لا يشارك سيده في الحكم، وإلا فإنه ليس بين أيدينا طريقة من طرق الحصر المعروفة، ولكنه حصر استفدناه من أين؟ من المعنى، إذ إن العبد لا يمكن أن يكون حاكمًا على سيده، بل السيد هو الحاكم.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تسلية المؤمنين لكون الله تعالى يحكم بينهم فيما يختلفون فيه مع الكفار.
وهنا نسأل: من الذي يكون محكومًا له ومحكومًا عليه؟ للمؤمنين، لقول الله تعالى: فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا [النساء: ١٤١].
ثم قال الله تعالى: وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِإلى آخره.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الظالمين لو بذلوا كل ما في الأرض ليفتدوا به لم ينفعهم، من أين يؤخذ؟ من قوله: وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ.
ومنها: أن جميع ما في الدنيا يرخص عند العذاب، حين يشاهده الظالم؛ لقوله: لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
ومن فوائدها: التحذير من الظلم؛ لأن ذكر هذا يعني التحذير من الظلم.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات القيامة والبعث؛ لقوله: لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن العذاب الذي يقع بهؤلاء الظالمين لا يخطر لهم على بال؛ لقوله: وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ.
ثم قال تعالى: وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [الزمر: ٤٨].
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الجزاء من جنس العمل؛ لقوله: سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا.
ومن فوائدها: إثبات الكَسْب للعبد، فيكون فيه رد على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان مُجْبَر على عمله، فنقول لهم: بل الإنسان غير مجبر وعمله من كسبه.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: توبيخ هؤلاء المعذبين، حيث نزل بهم ما كانوا به يستهزئون، وقد قال الله تعالى: إنه يقال لهم: أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ [الطور: ١٥]؛ لأنهم كانوا في الدنيا يسخرون بمن جاء بهذا النبأ ويقولون: إنه سحر، فيوبخون يوم القيامة يقال لهم: أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الاستهزاء بالله تعالى وآياته سبب للعذاب، وهو كُفْر مُخْرِج عن الملة؛ لقول الله تعالى: قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة: ٦٥، ٦٦]، وعلى هذا ينبغي أن يُلحق هذا بالنكاح والطلاق والرجعة والعتق؛ لأن هزله جد، وهو أمر لا خلاف فيه بين العلماء، أن من قال قولًا يستهزئ به بدين الله فإنه يكفر.
***
وأما مَنْ قال: إن المراد به -أي بالإنسان- الكافر، فيكون من باب العام الذي أُريد به الخاص، قال: لأن هذا الوصف المذكور لا يكون إلا من الكافر، هو الذي إذا مسه الضر رجع إلى الله، وإذا أعطاه النعمة بطر بها، وقال: ليس لأحد عليَّ فيها فضل، وإنما ذلك على علم، وهذا الأخير أقرب؛ لأن المؤمن إذا خوَّله الله نعمة شكر، ولم يقل: أوتيته على عِلْم.
يقول: فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَاأي سألنا أن نكشف ضره، ثم إذا كشفنا الضر وخولناه نعمة منا بزوال الضرر الذي حصل له قال: إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍيعني أوتيت هذا الشيء على علم، وما المراد بالعلم هنا؟ هل المعنى أوتيته على علم من الله أني له أهل فأنا جدير به ومستحق له، أو المعنى على عِلْم مني بوجوه المكاسب؟
يشمل الأمرين، فهو يقول: أنا أوتيته على علم بأني أهل، وأوتيته أيضًا من كسبي، فيكون بذلك مانًّا على الله عز وجل، ويكون مستبدًّا بنفسه يجمع بين الأمرين، بين المنة ويقول: ليس لله فضل، هو أعطاني ذلك؛ لأنه يعلم أني أهل لذلك، والثاني: الاعتزاز بالنفس وعدم إرجاع الشيء إلى الله عز وجل.
قال الله تعالى: بَلْ هِيَ فِتْنَةٌبَلْ هِيَأي المقالة أو الحالة يحتمل هذا وهذا، يحتمل أن الله عز وجل إذا أعطاه هذه النعم، أعطاه إياها فتنة له، ويحتمل أن هذه المقالة فتنة له، ولكن المعنى الأول أقرب أن الله عز وجل يفتن العبد بإزالة الضرر عنه وحصول الخير والنعمة، وكم من إنسان افتتن بنِعم الله عز وجل فكان مستقيمًا وبالنعمة ينحرف، وفي الحديث أن الله تعالى قال: «إِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَوْ أَغْنَيْتُهُ لَأَفْسَدَهُ الْغِنَى، وَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَوْ أَفْقَرْتُهُ لَأَفْسَدَهُ الْفَقْرُ» . فالله عز وجل على كل شيء قدير، وقد يختار لعبده ما هو أنفع من حيث لا يشعر، فالظاهر أن المراد بقوله: بَلْ هِيَ فِتْنَةٌأي بل هذه الحال فتنة وهي تخويل النِّعم، وقد قال سليمان عليه الصلاة والسلام: هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ [النمل: ٤٠]، وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَالاستدراك هنا يعني أن هؤلاء الذين غُمِروا بنعمة الله غفلوا عن المنعم بها وعن مسديها وموليها، فكانوا لا يعلمون شكر هذا الْمُنعِم، وكانوا لا يعلمون أيضًا أنها فتنة، بل يأخذ الإنسان النِّعم على أنها أمر ماشٍ وأمر طبيعي، ويغفل عن أن الله تعالى يمتحنه بها.
قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [الزمر: ٥٠] قَدْ قَالَهَاالضمير يعود على قوله: إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ، قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْمثل قارون قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِيقال الله تعالى: أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا [القصص: ٧٨].
قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(ما) هذه نافية، وأَغْنَىبمعنى دفع، دفع عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ، أي لن يغني عنهم ما كسبوا شيئًا من عذاب الله، وهكذا النعم لا تغني من افتخر بها وغفل بها عن طاعة الله شيئًا، ألم تروا إلى عاد استكبروا في الأرض وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً [فصلت: ١٥]؛ لأن الله أعطاهم قوة عظيمة قال الله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ [فصلت: ١٥، ١٦]، وتأملوا كيف عُذِّبَ هؤلاء بالريح وهي ألطف شيء، ألطف شيء هي الريح، فعُذِّبوا بها انتقامًا منهم حين قالوا: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً، يعني لم يُهلَكوا بالصواعق ولا بالحاصب من السماء، وإنما أُهلِكوا بهذه الريح اللطيفة، حتى إنهم لما رأوا ما جاءت به هذه الريح وحملته من الرمال قالوا: هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا [الأحقاف: ٢٤]، فقال الله تعالى: بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا [الأحقاف: ٢٤، ٢٥].
يقول عز وجل: فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٥٠) فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا [الزمر: ٥٠، ٥١] يعني أصابهم جزاء السيئات، لكنه جعل الجزاء، سماه سيئات؛ لأن السيئات سببه، وليتبين بذلك أن الجزاء على قدْر العمل لا يختلف فكأنه هو نفس العمل.
فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا [الزمر: ٥١] الواو في قوله: وَالَّذِينَ ظَلَمُوااستئنافية، و(الذين) مبتدأ، وجملة سَيُصِيبُهُمْخبر وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواكما أصاب من قبلهم.
وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ(ما) نافية، وهل هي حجازية أو تميمية؟ الواقع أنه ليس في اللفظ ما يدل على هذا ولا على هذا، ولكن القرآن بلغة قريش بدليل قوله تعالى: مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ [يوسف: ٣١]، وعلى هذا فتحمل (ما) كلما جاءت على أنها حجازية، ولكن كيف نعربها في مثل هذا التركيب؟ وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَنقول: هُمْاسمها، والباء حرف جر زائد، و(معجزين) خبرها منصوب بياء مقدرة محل الياء الموجودة؛ لأن الياء الموجودة علامة الجر، وليست علامة النصب، علامة الجر بحرف الجر الزائد الباء، فجعلنا العمل للظاهر وهو الباء، أما المحل فقدرناه تقديرًا، وعلى هذا يكون منصوبًا بياء مُقدَّرة بدل الياء التي عَمِلَ فيها حرف الجر الزائد.
وقوله: بِمُعْجِزِينَاسم فاعل من (عجز) ولَّا مِن (أعجز)؟ مِنْ (أعجز)، يعني لن يعجزوا الله عز وجل، فلا يستطيع أن يُعاقِبهم بل عقوبتهم أمر هَيِّن على الله عز وجل.
أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [الزمر: ٥٢] الهمزة هنا للاستفهام، والواو حرْف عطف، والمعطوف عليه ما هو؟ إما أن يكون محذوفًا ويُقدَّر بما يناسب المقام، وإما أن يكون ما سبق، فإذا قلنا: إنه ما سبق كانت الهمزة في تقدير التأخير عن حرف العطف، والتقدير: (وألم يعلموا)، وإذا قلنا بالأول صارت الهمزة داخلة على محذوف تقديره أَجَهِلوا ولم يعلموا.
أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَيَبْسُطُيعني يوسع، والرِّزْقَالعطاء لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُلِمَنْ يَشَاءُأن يُوسِّعه له امتحانًا لهذا الشخص الذي بُسط له، وَيَقْدِرُيعني يضيق امتحانًا أيضًا؛ لأن الضيق فيه امتحان، والسعة فيها امتحان، لكن الغالب عند الناس في العرف أن الضيق يُسمى ابتلاء؛ أي بلاء، وأما التوسعة فهي امتحان، مع أن الابتلاء بمعنى الامتحان، فإن الإنسان يُبتلى فيما يُبتلى به ليمتحنه الله عز وجل هل يصبر أو يتضجر، وأما ما ابتلاه الله به مِن النعم فهو هل يشكر أو يكفر.
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ، إن في ذلك المشار إليه البَسْط والتضييق، لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَأي: علامات على أن الله وحده هو المتصرف، ولهذا نجد بعض الناس يكون عنده حذق في البيع والشراء وتحصيل المال، وعنده قدرة وعنده قوة، ولكن يُضيَّق عليه، ونجد بعض الناس دون هذا، دون هذا يعني أنه لا يهتم بالأمور وليس عنده ذاك الحذق، فيوسع الله عليه، وهذا يدل على أن الله عز وجل هو المتصرف في عباده، يُوسِّع على هذا، ويَقْدِر على هذا، ولكن لا يعني هذا أننا لا نفعل الأسباب كما سنذكر إن شاء الله في الفوائد.
نرجع الآن إلى كلام المؤلف رحمه الله يقول: ({فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ} الجنس) نعم أيش؟
على كل حال تعارض عندنا مُثبِت ونافٍ؛ فالمثبت مُقدَّم على النافي.
طالب: (...).
الشيخ: كيف؟ لا، هو فيه أيضًا بينة أخرى أني قلت لكم: إن قوله: (اهْدِنِي لما اخْتُلِف فيه من الحق بإذنك) إن هذا لا دليل عليه، وإنما يقوله في استفتاح صلاة الليل.
طالب: (...).
الشيخ: طيب ما يخالف، وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواإذن هذا حل وسط قال: وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الزمر: ٤٧]، لَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا، المؤلف لم يفسرها ولم يُبَيِّن، ولكن بينا نحن في التفسير أنها تحتمل الظلم الأكبر وهو الشرك والأصغر وهو ما دونه، ولكن يظهر والله أعلم أن المراد بها الأكبر.
وَمِثْلَهُ مَعَهُأي ما في الأرض ومثله معه مضافًا إليه لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ [الزمر: ٤٧] ظهر.





