تفسير سورة الزمر - 13
عدد الزيارات 1826

عناصر المادة :
تفسير الآيات (49-60)

طيب ما يخالف، وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواإذن هذا حل وسط، قال: وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الزمر: ٤٧].
وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا، المؤلف لم يفسرها ولم يبين، ولكن بينا نحن في التفسير أنها تشمل، تحتمل الظلم الأكبر وهو الشرك، والأصغر، وهو ما دونه، ولكن يظهر والله أعلم أن المراد بها الأكبر، وَمِثْلَهُ مَعَهُأي ما في الأرض وَمِثْلَهُ مَعَهُمضافًا إليه.
لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ (ظهر) لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ(يظنون)، والمؤلف رحمه الله الشيء الواضح لا يفسره، ويقال: بدا ويقال: بدأ، وبينهما فرق، بدا بمعنى؟
طلبة: ظهر.
الشيخ: ظهر. بدأ بمعنى ابتدأ، ويقال في الأول في المصدر: بدوًّا، بدا بدوًّا، وفي الثاني: بدأ بدءًا.
يقول: (وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَنزل بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [الزمر: ٤٨] أي العذاب) يعني حاق بهم العذاب أي نزل بهم، وبدت لهم سيئاتهم وعرفوها، وكانوا يقولون: يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنعام: ٢٧]، قال تعالى: بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ [الأنعام: ٢٨] نعوذ بالله.
فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ [الزمر: ٤٩] (الْإِنْسَانَالجنس) يعني المراد بالإنسان الجنس فيشمل؟
طلبة: المؤمن والكافر.
الشيخ: المؤمن والكافر، ولكن تبين مما تكلمنا فيه أن الظاهر أن المراد به؟
طلبة: الكافر.
الشيخ: الكافر، فيكون عامًّا أُريد به الخاص، والعام الذي يُراد به الخاص موجود في اللغة العربية بكثرة، مثل قوله تعالى: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ [آل عمران: ١٧٣]، فنحن نعلم أنه ليس كل الناس جاءوا يقولون، بل القائل واحد، و(إن الناس قد جمعوا لكم) أيضًا نعلم أنه ليس جميع الناس؟
طالب: جمعوا.
الشيخ: جمعوا، وإنما المراد واحد أو أناس معيَّنون، أما كل بني آدم لا، فالمراد بالإنسان هنا الجنس على كلام المؤلف، وعلى القول الذي اخترناه الكافر.
(ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُأعطيناه نِعْمَةًإنعامًا مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ) قوله: خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةًأي: إنعامًا، في هذا نظر؛ لأن الإنعام فعل المنعم، والنعمة عطاء المنعم، يعني الشيء المعطى، وأيهما أليق: أن نفسر النعمة بالإنعام، أو أن نفسر النعمة بما أعطيه الإنسان؟
طلبة: بما أعطيه الإنسان.
الشيخ: الثاني هو الظاهر، وهو الواقع أيضًا؛ لأن التخويل يعني أن هناك شيئًا مخوَّلًا، وهو النعمة من أولاد، ورزق، وزوجات، ومساكن، وغير هذا.
(قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍمن الله أني له أهل)، وهذا أحد القولين في الآية، والقول الثاني: عَلَى عِلْمٍأي: على حذق ومهارة فيما فعلت، والله أعلم..
طالب: الذين قالوا: إن المراد بالإنسان العام لا الخاص (...) حديث الرسول عليه الصلاة والسلام أن الله خلق الخلق (...) الحديث يدل على أن (...).
الشيخ: على الفطرة نعم.
الطالب: (...).
الشيخ: يقولون: إن هذا بعدما يخلق الإنسان يميل إلى هذا الشيء؛ لأن طبيعة الإنسان أنه يعني يعتز بنفسه، ويفخر بنفسه، وينسى غيره، لكن على كل حال ما ذكرناه هو الصواب.
طالب: الآية قد قالها (...).
الشيخ: قد قالها هذه المقولة.
الطالب: هذه المقولة؟
الشيخ: نعم.
الطالب: إِنَّمَا أُوتِيتُهُ.
الشيخ: أي: أوتيت ما خولت به.
الطالب: لا الضمير.
الشيخ: الهاء (...).
الطالب: يرجع (...).
الشيخ: يرجع إلى ما خول، إنما أوتيت الذي خولته، الهاء في (أوتيته) يعود على المخول.
طالب: هل إضافة الشيء إلى نفسه يكون هذه الإضافة إضافة تشريف، وإذا كان كذلك فهل معنى قوله: أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ [الزمر: ٤٦] دخل فيها أقوام؟
الشيخ: نعم، المضاف إلى الله قد يضاف إلى الله عز وجل إضافة خلق وتكوين، وقد يكون إضافة تشريف، فهنا العبادة عام، فإذا كان عامًّا صار المراد أيش؟
طالب: الخلق.
الشيخ: الخلق والتكوين، وإذا كان خاصًّا يعني أضيفت العبودية إلى شخص معين أو لجماعة موصوفين بصفة فهذا للتشريف.
طالب: الله سبحانه وتعالى إذا امتن على العبد بنعمة متى يعرف العبد أن هذا امتنان أو امتحان؟
الشيخ: نعم، هذا السؤال سيأتينا إن شاء الله في بيان الفوائد، لكن يعرف ذلك إذا كان مقيمًا على طاعته فهو امتنان، وإذا كان على العكس فهو امتحان.
طالب: (...).
الشيخ: ما فيه إضافة هنا، هنا ما فيه إضافة.
الطالب: لا، يعني نسبت لله عز وجل.
الشيخ: (...) أيش؟
الطالب: (...) إضافة الخلق.
الشيخ: لا، هو قصده عباد، ما هو تحكم.
الطالب: (...).
الشيخ:، لا هو يقصد عباد، يقول: كيف تضاف عباد إلى الله، والمضاف إلى الله يقتضي التشريف، ونحن نقول: إن العباد هنا يشمل الكافر والمؤمن، والكافر ليس أهلًا للتشريف، فنقول: المضاف إلى الله يكون على هذا وعلى هذا.
طالب: يقول الله عز وجل: وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَهل نجزم أن المراد بالإنسان الجنس؛ لأن الكفار كلهم لا يعلمون.
الشيخ: كيف؟
الطالب: قال: لَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ(...) المراد بالإنسان (...)؟
الشيخ: لا، فيه بعض الكفار معاند يعلم الحق على هو عليه، لكنه معاند، نعم (...).

***

طالب: وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥١) أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [الزمر: ٥١، ٥٢].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أظن أننا نتكلم على تفسير المؤلف، قال الله سبحانه وتعالى: فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [الزمر: ٤٩] إلى هنا أظن؟
طالب: (...).
الشيخ: نعم قال: بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ [الزمر: ٤٩]، (بَلْ هِيَأي: القولة فِتْنَةٌبلية يُبتلَى بها العبد)، هذا ما جرى عليه المؤلف أن المراد بالفتنة القولة التي قالها، ولكن الصحيح أن الفتنة هي النعمة التي أعطاها الله إياه، أو الحال التي كان عليها حينما كان قد مسه الضر، ثم رفع الضر عنه وأبدل بنعمة، فهذه فتنة يفتن الله بها العباد، قال الله تعالى: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [الأنبياء: ٣٥].
(وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَأن التخويل استدراج وامتحان) وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْأي أكثر الناس، وإنما عاد الضمير وهو غائب على مرجع غير مذكور للقرينة والسياق، ويحتمل أن المراد أكثرهم أي أكثر الإنسان أي بني الإنسان، فيكون الضمير هنا عاد على الإنسان باعتبار المعنى، لا باعتبار اللفظ، وقوله: (أن التخويل استدراج وامتحان)، إذا قال قائل: بماذا نعلم أن التخويل استدراج وامتحان؟
فالجواب: نعلم ذلك بكون الإنسان مصرًّا على المعصية، ونِعَم الله سبحانه وتعالى تترى عليه، قال الله تعالى: وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ [آل عمران: ١٧٨]، فهذه هي العلامة، إذا رأيت الله ينعم عليك وأنت مقيم على معصيته فاعلم أن ذلك استدراج، أما إذا رأيت الله ينعم عليك وأنت قائم بطاعته فاعلم أن هذا من زيادة فضله ونعمه، قال الله تعالى: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [إبراهيم: ٧].
(قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [الزمر: ٥٠] من الأمم، كقارون وقومه الراضين بها) أي: بهذه المقالة، قد قالها الذين من قبلهم، أي: قالوا بعد أن أعطاهم الله النعم: إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي، وهذا قد صرح الله به عن قارون في سورة القصص، حين خرج على قومه في زينته، فنصحوه وقالوا له: لَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي [القصص: ٧٧، ٧٨]، فالمقالة هي المقالة، وقد سبق أن الإنسان يعجب بعمله، فيظن أن ما حصل له من النعم بسبب عمله، مع أنه من فضل الله عز وجل.
فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(ما) هذه نافية، وقد شرحناها فيما سبق (فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا [الزمر: ٥١] أي: جزاؤها) أي السيئات، ولكنه عبر بالسيئات نفسها؛ لأن الجزاء من جنس العمل، وهو مقابل لها لا يزيد.
قال المؤلف: (وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِأي: قريش سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ [الزمر: ٥١] بفائتين عذابنا، فقحطوا سبع سنين ثم وسع عليهم) قحطوا سبع سنين بدعوة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين قال: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ» ، فقحطوا سبع سنين قحطًا شديدًا، حتى إن الإنسان منهم يتراءى السماء فيحول بينه وبينها غبش كأنه دخان من شدة الجوع والتعب.
قال: أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِر [الزمر: ٥٢] إلى آخره، هذا مبتدأ درس اليوم، والفوائد أخذناها فيما سبق.
طالب: (...) قُلْ يَا عِبَادِيَ.
الشيخ: طيب، أجل نمشي مع المؤلف.
(أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَيوسعه لِمَنْ يَشَاءُامتحانًا وَيَقْدِر [الزمر: ٥٢] يضيقه لمن يشاء ابتلاء)، والحقيقة أن التوسعة والتضييق كلاهما امتحان، وكلاهما ابتلاء، قال الله تعالى: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [الأنبياء: ٣٥] لكن مشى المؤلف على هذا من باب اختلاف التعبير، والمعنى واحد.
(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَبه) أي: بهذا البسط والتضييق، فمن آمن بذلك، أي بالله عز وجل، وببسطه وتضييقه، عرف بذلك حكمة الله سبحانه وتعالى.
تفسير الآيات (49-60)
00:15:59

نأخذ الفوائد من قوله: فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ [الزمر: ٤٩] إلى آخره.
من فوائد هذه الآية: أن الإنسان يلجأ إلى الله تعالى عند الشدائد، وهذه طبيعة فطرية لا يتخلف عنها إلا من نكس قلبه.
ومن فوائدها: أن المشركين في زماننا الذين يدعون مع الله غيره أشد شركًا من السابقين؛ لأن السابقين إنما يشركون في الرخاء، وإذا مسهم الضر لجئوا إلى الله، أما اللاحقون فإنهم يشركون في حال الشدة كما يشركون في حال الرخاء، إذا أصابهم الضر نادوا: يا فلان، يا فلان، يا فلان، نعم هذا أشد شركًا من الأولين، وهذا أيضًا مخالف للفطرة التي فطر الناس عليها؛ لأن الإنسان لا يلجأ عند الشدائد إلا بمن يؤمن أنه يكشف هذه الشدائد.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان إذا أصيب بالنعمة نسي نعمة الله وأضافها إلى غيرها.
ومن فوائد الآية الكريمة: ضرر الإعجاب بالنفس، حيث يقول: إنما أوتيته على علم عندي.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى يبتلي بالنعم كما يبتلي بالنقم؛ لقوله: بَلْ هِيَ فِتْنَةٌوقد قال سليمان عليه الصلاة والسلام: هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ [النمل: ٤٠].
ومن فوائد الآية الكريمة: أن أكثر الناس غافلون عن هذه المسألة، أي: عن كون الله سبحانه وتعالى يبتليهم بالنعم فيظنون أن النعم دليل على الرضا، فيستمرون في معاصيهم ويقولون: لو كان الله غاضبًا علينا ما أعطانا، ولكن من العامة من يقول العبارة المشهورة: عطاه لا يدل على رضاه، عطاء الله لا يدل على رضاه، قد يكون هذا من باب الاستدراج بالنعم حتى يهلك الإنسان، وقد قال الله تعالى: وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا [آل عمران: ١٧٨]، وصح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «إِنَّ اللهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ، حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ» .
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من الناس من منَّ الله عليهم بالعلم والفراسة والتدبر والتأمل، فعرفوا الأمور على حقائقها، يؤخذ هذا من قوله: أَكْثَرَهُمْفإن الأكثر ضد الأقل.
ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة العلم؛ لقوله: لَا يَعْلَمُونَأي: لأن الذين يعلمون يعرفون مثل هذه الأمور وأنها ابتلاء وامتحان فيتعظون بها.
ثم قال تعالى: قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الزمر: ٥٠].
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الشر يتبع بعضه بعضًا؛ لقوله: قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ.
ومن فوائدها: تسلية الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإن هؤلاء الذين قالوا هذا في عصره قد قاله من سبق.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن لأهل الشر قدوة يقتدون بها كما أن لأهل الخير قدوة يقتدون بها، ولهذا جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» .
ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل ما كسبه الإنسان من مال أو جاه فإنه لا يغنيه من الله شيئًا؛ لقوله: فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ، حتى لو كسب أقوى صنعة في الأرض، فإنها لا تغني عنه من الله شيئًا، إذا أراد الله عز وجل أن يتلف هذه القوة أتلفها بكلمة واحدة منه إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: ٨٢].
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجب على الإنسان اللجوء إلى الله، حيث إن جميع ما كسبه من مال أو جاه أو ولد أو زوجة أو غيره لا تغني عنه من الله شيئًا، إذن إلى من يرجع؟ إلى الله عز وجل.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الرد على الجبرية؛ لقوله: مَا كَانُوا يَكْسِبُونَفإن عمل الإنسان كسب له، أما الجبرية فيقولون: إن عمل الإنسان ليس كسبًا له؛ لأنه مرغم عليه ومجبر عليه، فلا يكون كسبًا له ولا يضاف إليه.
ثم قال الله تعالى: فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ [الزمر: ٥١].
في هذه الآية من الفوائد: أن العقوبة تكون على قدر العمل؛ لقوله: فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُمع أن الذي أصابهم ليست السيئات ولكن جزاؤها، إلا أنه لما كان الجزاء من جنس العمل صح أن يعبر بالعمل عنه.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تهديد هؤلاء الذين كانوا في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يصيبهم ما أصاب الأولين؛ لقوله: وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا.
ومن فوائد هذه الآية: شؤم الظلم؛ لأنه يوقع صاحبه في الهلاك.
ومن فوائدها: أن من عصا الله فهو ظالم، ظالم لمن؟
طلبة: لنفسه.
الشيخ: ظالم لنفسه وكذلك لغيره إن تعدت معصيته إلى الغير، فلو جنى على أحد محترم من مسلم أو يهودي، ذمي أو نصراني، ذمي أو غيرهم من أهل الكفر الذميين، فإنه يكون ظالمًا لنفسه وظالمًا لغيره.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا أحد يفوت الله ويعجزه؛ لقوله: وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَوقد قال الشاعر الجاهلي:
أَيْنَ الْمَفَرُّ وَالإِلَهُ الطَّالِبُ وَالأَشْرَمُ الْمَغْلُوبُ لَيْسَ الْغَالِبُ

فلا أحد يعجز الله عز وجل، أو يفوت الله، لا في السماء ولا في الأرض.
ثم قال تعالى: أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ [الزمر: ٥٢] إلى آخره.
ارتباط هذه الآية بما قبلها ظاهر؛ لأنه تكلم عن الإنسان إذا أصابه الضر، وإذا أصابته النعمة، ثم عقب ذلك بأن هذا الأمر كله بيد الله.
من فوائد الآية الكريمة: تقرير هؤلاء بأن كل شيء من عند الله، بسط الرزق وتضييقه من عند الله، وهم يعلمون ذلك؛ لقوله: أَوَلَمْ يَعْلَمُوافإن مثل هذا التركيب يفيد التقرير.
ومن فوائدها: إثبات المشيئة لله؛ لقوله: لِمَنْ يَشَاءُوليعلم أن كل شيء علقه الله بالمشيئة فإنه مقرون بالحكمة، أي أنه ليست مشيئة الله مشيئة مجردة هكذا تأتي عفوًا، لا، هي مشيئة مقرونة بالحكمة. والدليل على ذلك قوله تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [الإنسان: ٣٠] فلما بين أن مشيئتهم بمشيئة الله بين أن ذلك مبني على علم وحكمة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الرزق لا يحصل بالشطارة والحذق، وإنما هو من عند الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر.
فإذا قلنا بهذه الفائدة أشكل علينا هل معنى ذلك أن نبطل الأسباب؟ لا، بل نفعل أسباب بسط الرزق لنتحاشى تضييقه، قال الله تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ [الملك: ١٥] فأمر أن نمشي بمناكبها وأن نأكل من رزقه؛ لأنا إذا مشينا في المناكب وسعينا في أسباب الرزق حصل فأكلنا من رزقه.
ومن فوائد الآية الكريمة: تمام ملك الله وسلطانه؛ لقوله: يَبْسُطُوَيَقْدِرُوهذا يدل على كمال الملك والسلطان، وأنه لا معارض له سبحانه وتعالى.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإيمان وسيلة للاهتداء ومعرفة الآيات؛ لقوله: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [الزمر: ٥٢] وإذا كان هذا الحكم معلقًا على هذا الوصف، فإن القاعدة أن ما علق على وصف فإنه يقوى بقوته، ويضعف بضعفه، هذه القاعدة، كل حكم علق على وصف فإنه يقوى بقوته، ويضعف بضعفه، إذن كلما قوي الإيمان ظهر للإنسان من آيات الله ما لم يظهر له مع ضعف الإيمان، وكلما ضعف الإيمان ضعفت معرفة الإنسان وإدراكه للآيات التي ينزلها الله عز وجل من الوحي والتي يقدرها من القضاء.
ثم قال الله تعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ [الزمر: ٥٣] قُلْيعني أبلغ عبادي بذلك، أبلغهم بأني أقول: يا عبادي، ولا يصح أن نقول: قل أنت يا محمد: يا عبادي، فتضيف العبادة إلى نفسك، لا، المعنى أبلغ عبادي أني أقول: يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم. ولماذا قلنا بهذا التفسير؟
لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لو قال للناس: يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم، فإنه لا يستقيم الكلام، ولكن المعنى: قل للناس أي: أبلغهم بأني أقول: يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِوقراءة أخرى: {لا تقنِطوا}، وقوله: يَا عِبَادِيَيشمل العباد بالمعنى الخاص والعباد بالمعنى العام، يعني حتى الكفار يقال لهم مثل هذا القول.
وقوله: الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْأي: جاوزوا الحد في رعاية الأنفس، والواجب على الإنسان في رعاية نفسه أن يرعاها حق رعايتها، بحيث يقوم بما يصلحها ويتجنب ما يفسدها، فإذا لم يفعل فقد أسرف على نفسه، مثال ذلك: رجل سرق، السرقة هذه إسراف على النفس؛ لأن الواجب حماية النفس من السرقة، رجل شرب الخمر هذا إسراف على النفس، رجل سجد لصنم إسراف على النفس لأنه مجاوزة للحد.
لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِالقنوط واليأس معناهما متقارب، لكنهم فرقوا بينهما بأن القنوط أشد اليأس، وأما اليأس فمعروف أنه عدم الرجاء وعدم الأمل في حصول الشيء لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِمن رحمة الله لكم، فـ(رحمة) هنا مضافة إلى الفاعل أو إلى المفعول؟
طلبة: إلى الفاعل.
الشيخ: إلى الفاعل، أي من رحمة الله إياكم، وبماذا تكون الرحمة؟
تكون الرحمة بأن يهدي الله عز وجل رجل إلى التوبة والاستغفار ويتوب عليه، فأنت لا تقنط من رحمة الله لا بنفسك ولا بغيرك، ولكن افعل السبب، فلو قال قائل مسرف على نفسه: أنا لا أقنط من رحمة الله، ولكنه يفعل المعصية مستمر عليها، نقول: هذا غلط؛ لأنك إذا استمررت على المعصية فأنت آمن من مكر الله، وكلا الطرفين ذميم، لا القنوط من رحمة الله ولا الأمن من مكر الله، لكن نقول: افعل السبب، افعل السبب ولا تقنط من رحمة الله.
(إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًالمن تاب من الشرك إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ، يَغْفِرُأي يسترها ويتجاوز عنها؛ وذلك لأن المغفرة مشتقة من أيش؟
طلبة: من الغفر.
الشيخ: من الغفر.
طالب: (...) مشتقة.
الشيخ: (...) مشتقة المغفرة.
طالب: (...).
الشيخ: نعم من المغفر، المغفر هو الذي يوضع على الرأس في وقت القتال من أجل أن يقيه السهام، ومعلوم أن هذا المغفر فيه ستر وفيه وقاية، وعلى هذا فأنت إذا قلت: رب اغفر لي، لست تسأل الله أن يستر ذنوبك فقط، بل تسأل الله أن يسترها وأن يتجاوز عنها، فقوله: إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَأي يسترها ويتجاوز عنها، وقوله: الذنوب، هذه صيغة عموم أو خصوص؟
الطالب: عموم.
الشيخ: عموم، الذنوب، وأكد هذا العموم بقوله: جَمِيعًا.
إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًاوهذه المغفرة التي أثبتها الله عز وجل هل هي شاملة لكل ذنب؟ الجواب: نعم، شاملة لكل ذنب فيمن تاب، فكل من تاب تاب الله عليه، ألا ترى إلى قوله تعالى: وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠] فهؤلاء جمعوا بين الشرك وقتل النفس، وهو اعتداء على النفوس، والزنا وهو اعتداء على الأعراض والأخلاق، ومع ذلك إذا تابوا تاب الله عليهم.
وهذه الآية أجمع العلماء على أنها في التائبين؛ لأن الله قال: إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًاولم يقيد، فهي في التائبين، أما غير التائبين فقال الله تعالى فيهم: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء: ٤٨] فغير التائبين نجزم بأن الله لا يغفر الشرك في حقهم، وما دون الشرك تحت المشيئة؛ إن شاء عذب وإن شاء غفر، فللإنسان حالتان:
الحال الأولى: التوبة، فما حكم ذنبه حينئذ؟
طالب: الغفران.
الشيخ: الغفران مهما عظم الذنب، الحال الثانية: عدم التوبة.
طالب: عدم التوبة (...) لقوله تعالى إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ [النساء: ٤٨] وأما بقية الذنوب (...).
الشيخ: كيف ما فهمنا إلى الآن الجواب غير مرتب.
الطالب: الكبائر (...) فيغفرها الله سبحانه وتعالى.
الشيخ: الكبائر ولو دون الشرك؟
الطالب: الشرك.
الشيخ: نعم.
الطالب: أما ما دون الشرك فهي تحت المشيئة.
الشيخ: تحت المشيئة تمام، يعني بدون التوبة نقول: الشرك لا يغفر قطعًا، وما دون الشرك تحت المشيئة، ويستدل بالآية التي ذكرناها استشهادًا: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُيستدل بها المسرفون على أنفسهم بالمعاصي، فإذا نهيتهم عن معصية قالوا لك: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ.
نقول له بكل بساطة: وهل تجزم أنت أنك ممن شاء الله أن يغفر له؟ الجواب: لا، إذن أنت على خطر، وأنت الآن فعلت سبب العقوبة، وكونك يغفر لك هذا أمر راجع إلى مشيئة الله عز وجل.
إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُأولًا في الجملة كلمة إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُلو حذفت هذه الكلمة لاستقام الكلام بدونها، فما هي الكلمة؟
طلبة: (هو).
الشيخ: (هو)، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُكلمة (هو) يسميها النحويون ضمير فصل، وبعضهم يسميها عمادًا.
طالب: ضمير الشأن؟
الشيخ: لا، ما هو ضمير الشأن، فما هو فائدة هذا الضمير؟
يقولون: إن في هذا الضمير ثلاث فوائد: الفائدة الأولى: التوكيد، والفائدة الثانية: الحصر، والفائدة الثالثة: التمييز بين الخبر والصفة، مثاله: إذا قلت: زيد هو الفاضل، الضمير في (هو) ضمير فصل، لو قلت: زيد الفاضل وحذفت الضمير.
طلبة: استقام.
الشيخ: استقام الكلام، لكن يحتمل أن يكون (الفاضل) صفة والخبر منتظر، ويحتمل أن يكون (الفاضل) هو الخبر، أليس كذلك؟ فإذا قلت: زيد هو الفاضل، ارتفع الاحتمال الأول وهو أن تكون (الفاضل) صفة، وتعين الاحتمال الثاني، وهي أن تكون خبرًا، واضح يا جماعة؟
طيب ما الذي استفدنا من هذا التركيب؟ زيد هو الفاضل، استفدنا أولًا توكيد الفضل في زيد، وثانيًا: حصر الفضل فيه، زيد هو الفاضل، وثالثًا؟
طالب: التمييز بين الصفة والخبر.
الشيخ: التمييز بين الصفة والخبر، يعني الآن ليس عندنا احتمال أن تكون صفة، هذا من حيث المعنى في ضمير الفصل، من حيث الإعراب هل هو اسم أو حرف؟ الصحيح أنه حرف لا محل له من الإعراب، حرف جاء بصورة الاسم، وليس له محل من الإعراب، نعم والدليل على أنه لا محل له من الإعراب كثير في القرآن وغير القرآن، قال الله تعالى: لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ [الشعراء: ٤٠]؛ لأنه إذا كان له من الإعراب صار محله الرفع وما بعده خبر، ولكنه ليس له محل من الإعراب، بل هو جاء عمادًا أو جاء فصلًا.
طالب: قوله تعالى السابق: وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَيقول في الحاشية: إن فيه دلالة على أن المراد بالإنسان الجنس، فكيف استدل بهذا؟
الشيخ: أي وجه أنه لما قال: أكثرهم لا يعلمون؛ لأن فيه من يعلم وهم المؤمنون، فيكون أَكْثَرَهُمْيدل على أن المراد الجنس، لأن غير المؤمن كلهم لا يعلمون.
طالب: الراجح يا شيخ؟
الشيخ: سبق لنا القول في هذا أن الراجح هو الكافر، والجواب عن هذا أن نقول: من الكفار من يعلم لكنه مستكبر.
طالب: ما هو ضمير الشأن؟
الشيخ: ضمير الشأن هو الضمير الذي يدل على القصة وليس موجودًا، ضمير الشأن في الغالب يكون محذوفًا.
طالب: فيه ناس من المؤمنين إذا جاءتهم النعمة قال: إنما أوتيته على علم عندي، من المؤمنين ولكن ناقصون الإيمان، ما يؤيد أن الإنسان المقصود به الجنس.
الشيخ: نعم؟
الطالب: المقصود بالإنسان الجنس المؤمن والكافر، يعني حتى المؤمن يقول: إنما أوتيته على علم عندي، لكن يكون.
الشيخ: إي لكن هو كافر بهذه المقالة، ما هو كافر كفرًا مخرجًا عن الملة، نقول: هو بهذه المقالة كافر، وقد يكون كافرًا كفرًا مخرجًا عن الملة، إذا اعتقد أن الله ليس له سبب في حصول هذه النعمة، وأنه هو الذي حصلت به، لا أنه سبب، فهو كفر؛ لأن إضافة النعم إلى أسبابها بالإعراض عن المسبب وهو الله، وادعاء أو اعتقاد أن هذه النعمة ليس لله فيها علاقة هذا كفر بالربوبية.
طالب: هل يجزم الإنسان إذا تاب من الذنب بأن الله عز وجل تاب عليه فلا (...) أن يكون موانع التوبة؟
الشيخ: نقول: نعم، إذا تبت توبة نصوحًا فإن الله يقبلها، لكن من الذين يقول: إن توبته نصوحة؛ لأن المشكل الذي سيكون من فعل العبد، لا من فعل الرب، فالرب إذا وقع فعل العبد على ما يرضى حصل موعوده؛ لأن الله لا يخلف الميعاد، لكن الذي يكون محل إشكال هو فعل العبد، هل هذه التوبة توبة نصوح على حسب ما رسم في الشرع؟ فنحن نجزم، لكن قد يكون في قلب الإنسان بلاء، يكون عنده شيء من الرياء، يكون عنده شيء من المن على الله عز وجل، وغير ذلك من الأسباب، تكون التوبة غير نصوح، يتوب الإنسان مثلا من نظر المرأة الأجنبية، لكنه لا يتوب من غمز المرأة الأجنبية، التوبة الأولى تقبل ولَّا ما تقبل؟
طالب: لا، ما تقبل.
الشيخ: لا، ما تقبل؛ لأنه ما تاب من الذنب الذي هو من جنس ذنبه، يتوب الإنسان مثلًا من أكل الربا، ربا النسيئة، ولكنه يرابي ربا الفضل، هذه غير نصوح، ولهذا نقول: من تاب إلى الله توبة نصوحًا فإنه مقبول التوبة، ومن اختل فيه النصح فليس مقبول التوبة (...)

***

قال الله تبارك وتعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ [الزمر: 53] ما المراد بالإسراف؟ أسرفوا على أنفسهم.
الطالب: جنوا.
الشيخ: أيش؟
الطالب: جنوا.
الشيخ: جنوا.
طالب: ظلموا.
الشيخ: ظلموا نعم.
طالب: جاوزا الحد في رعايتها.
الشيخ: صحيح، جاوزا الحد في رعايتها، وذلك بأن أوقعوها في المعاصي أو جنبوها الطاعات.
الشيخ: قوله: لَا تَقْنَطُوامعناها؟
طالب: القنوط أشد اليأس.
الشيخ: القنوط أشد اليأس، طيب يعني: ما تيئسوا من رحمة الله.
جملة: إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًاموقعها مما قبلها؟
الطالب: (...).
الشيخ: لا، أظن ما ذكرناها؟ طيب، هل هذه الآية في عموم العصاة؟
طالب: هذا في التائبين.
الشيخ: في التائبين، أي أجمع المفسرون على أنها في التائبين، غير التائبين ما حالهم يا أخ؟
طالب: غير التائبين؟
الشيخ: نعم ما حالهم؟
الطالب: هي تختلف.
الشيخ: إي نعم هي تختلف، كيف الاختلاف؟
الطالب: حالهم في الآية التي ذكرناها في سورة النساء، قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ.
الشيخ: لِمَنْ يَشَاءُأحسنت، هذه حالهم.
قوله: إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُالغفور معناه؟
طالب: الغفور الذي يستر الذنب ويتجاوز عنه.
الشيخ: أحسنت، لماذا زدت: ويتجاوز عنه؟
الطالب: (...).
الشيخ: بارك الله فيك.
نأخذ الدرس الآن الجديد: قال الله تعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِأوردنا إشكالًا أمس على قوله: قُلْ يَا عِبَادِيَيعني أمر الله الرسول أن يقول: يا عبادي؟
طالب: (...).
الشيخ: أبلغهم بأن الله يقول: يا عبادي الذين أسرفوا.
طالب: (...).
الشيخ: طيب.
قول الله تعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا [الزمر: 53]، هذه الجملة موقعها مما قبلها أنها تعليل للنهي عن القنوت، يعني لا تقنطوا فإن الله يغفر الذنوب جميعًا إذا استغفرتموه إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُسبق لنا تفسير هذه الآية، نأخذ فوائدها الآن.
طالب: (...).
الشيخ: طيب، نرجع إلى كلام المفسر، قال المفسر رحمه الله: ({قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنِطُوا} بكسر النون وفتحها) قراءتان سبعيتان، وقاعدة المؤلف رحمه الله أنه إذا قال مثل هذا القول يعني بالوجهين أو قال: وفي قراءة، فالقراءة سبعية، أما إذا قال: وقرئ فالقراءة شاذة، إذن فيها قراءتان سبعيتان بفتح النون وبكسر النون.
لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًانعم.
طالب: وقرئ بضمها.
الشيخ: وقرئ بضمها (لا تقنُطوا)، وهذه القراءة شاذة، يعني ليست سبعية.
واختلف العلماء في القراءة غير السبعية هل يجوز أن يقرأ بها الإنسان أو لا، والصحيح أنها إذا صحت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإن القراءة بها جائزة؛ لأن القرآن كله حق، فإذا ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرأ بهذه القراءة فهي صحيحة، سواء جاءت عن طريق القراء السبعة أم لم تأتِ.
قال: لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا(إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًالمن تاب من الشرك)، نعم لمن تاب من الشرك، وكذلك من تاب من غيره مما دونه، لكن ذكر المؤلف الشرك لأنه أعظم الذنوب، ولأنه لا يُغفر إلا بتوبة، وإذا تاب الإنسان من الشرك وبقي على شيء من المعاصي كان يقوم بها في حال كفره، فهل تغفر هذه المعاصي أو لا بد لها من توبة؟
الصحيح أنه لا بد لها من توبة كما لو كان يشرب الخمر وهو كافر، ثم أسلم وبقي على شرب الخمر، فإن إسلامه لا يوجب أن يسقط عنه إثم شرب الخمر؛ لأنه أيش؟ لم يتب منه، لكن إذا تاب من الشرك ولم يصر على المعاصي الأخرى ولم تطرأ له على بال، فإن جميع ذنوبه تغفر، فالتائب من الشرك في الحقيقة له ثلاث حالات:
إما أن يستحضر أنه تاب من الشرك ومن جميع المعاصي التي كان يعملها، فهذا لا شك بأن توبته تعم كل ذنب، وإما أن يتوب من الشرك مع الإصرار على بعض المعاصي التي كان يفعلها في حال الشرك، فهنا لا تغفر له هذه المعاصي التي أصر عليها، لأنه استمر فيها، مثل أن يكون معتادًا لشرب الخمر في حال كفره، فيسلم وهو مصِر على شرب الخمر، فإنه لا يغفر له ما قد سلف من الذنوب قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ [الأنفال: ٣٨].
الحالة الثالثة: أن يتوب من الشرك ولم يطرأ على باله بقية المعاصي، لكنه لم يفعلها بعد إسلامه، فهنا أيش؟ يغفر له، يغفر له جميع الذنوب؛ لأنها تندمج الصغار بالكبار فيغفر له جميع الذنوب.
إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُانتهت الآية، وقوله: إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُتعليل لقوله: إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًاو إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًاتعليل لقوله: لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِفهو تعليل لتعليل.
من فوائد هذه الآية الكريمة: عناية الله عز وجل بهذا الأمر، أي بإبلاغ عباده أنه يغفر الذنوب جميعًا نعم.
عناية الله تعالى بهذه الجملة أو بهذا الأمر، حيث أمر نبيه أمرًا خاصًّا بأن يبلغ الناس هذه القضية، انتبهوا، القرآن كله قد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يبلغه يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [المائدة: ٦٧] لكن هناك أشياء خاصة ينص الله عليها أن يبلغها، وهذا يقتضي العناية بها، مثل: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ [النور: ٣٠]، وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ [النور: ٣١]، قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْهذه توصية خاصة بأن يبلغها الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الأمة، فيقتضي ذلك العناية بها، انتبهوا لهذه النقطة، قد لا تكون مرت عليكم من زمان قريب، أقول: إذا صدر الله الحكم بـ(قل) فهو دليل على أيش؟
طلبة: على العناية.
الشيخ: على العناية به؛ لأن هذا أمر بإبلاغه على وجه الخصوص، أما القرآن فقد أمر أن يبلغه على سبيل العموم يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ.
من فوائد الآية الكريمة: أن الخلق كلهم عباد الله قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوالأن العباد هنا المراد بها العبادة العامة.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن من تاب إلى الله تاب الله عليه من الشرك فما دونه، وهذا أمر مجمع عليه.
لكن اختلف العلماء فيمن قتل نفسًا عمدًا هل له من توبة؟ فروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه لا توبة لقاتل، فأخذ بها بعض العلماء وقالوا: إن القاتل لا توبة له ولو تاب، ولكن هذا ليس بصحيح؛ لأنه مخالف للآيات والأحاديث الدالة على قبول توبة التائب من الشرك فما دونه، ويدل على بطلان هذا القول قوله تعالى: وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الفرقان: ٦٨ - ٧٠] فهنا ذكر الله القتل وذكر الشرك وذكر الزنا، وأخبر أن من تاب وآمن وعمل عملًا صالحًا فيعطى زيادة على توبته بأن يبدل الله سيئاته حسنات.
ومن السنة ما قصه علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن رجل أسرف على نفسه فقتل تسعًا وتسعين نفسا، ثم سأل عابدًا من العُبَّاد: هل له من توبة؟ وقد قتل تسعة وتسعين نفسًا؟ فاستعظم العابد هذا الذنب وقال: ما لك توبة، تقتل تسعة وتسعين نفسًا ثم تأتي وتقول: لي توبة! ما لك توبة. قال: نكمل بك المئة. فقتله أتم به المئة، ثم دُلَّ على عالم فسأله قال: إني قاتل مئة نفس فهل له من توبة؟ قال: نعم، ومن يحول بينك وبين التوبة! وهذا يدلكم على فضل العلم وعلى قبح الجهل، شف الجهل جنى على نفسه الجاهل، جنى على نفسه وأيس هذا الآخر من رحمة الله، فكان جزاؤه أن قتل، فقال له العالم: نعم، ومن يحول بينك وبين التوبة، ولكن أنت في قرية أهلها ظالمون، اذهب إلى القرية الفلانية يعني فإنها مرتع خصب لك، فذهب وفي أثناء الطريق جاءه الموت، فأرسل الله إليه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فتنازعوا، ملائكة الرحمة تقول: أنا أقبض الروح لأن الرجل جاء تائبًا مهاجرًا، وملائكة العذاب قالت: لا، أنا أقبض روحه لأنه رجل مسرف ولم يصل إلى بلده التي يهاجر إليها، فأرسل الله إليهم حكمًا يحكم بينهم وقال: قيسوا ما بين القريتين، فإلى أيتهما كان أقرب فهو من أهلها، فقاسوا فوجدوه أقرب إلى القرية الصالحة بقليل بنحو شبر ، وقد قيل: إنه كان إلى غير الصالحة أقرب، لكنه في أثناء الموت في سياق الموت لشدة رغبته في الأرض الصالحة أهلها كان يزحزح نفسه وهو في سياق الموت، فقبضته ملائكة الرحمة، قالوا: فإذا كان هذا في الأمم السابقة، فهذه الأمة أكرم على الله منها من الأمم السابقة، كيف لا يكون للقاتل توبة؟
إذن القول الراجح أن الآية هذه عامة، حتى للقاتل له توبة، وقد حمل ابن القيم رحمه الله ما روي عن ابن عباس محملًا حسنًا، فقال: إن القتل العمد تتعلق به ثلاثة حقوق:
حق الله وحق الميت وحق أوليائه.
أما حق الله فإنه يسقط بالتوبة بلا إشكال، ولا يخفى مثل هذا عن ابن عباس رضي الله عنه، وأما حق الميت فلا يمكن إسقاطه الآن في الدنيا؛ لأنه انتقل عن الدنيا، وسيطالب بحقه يوم القيامة وأما حق أولياء المقتول فبأن يسلم نفسه لهم، إذا سلم نفسه لهم فهذا دليل على صدق توبته وتبرأ ذمته، هذا ما وجه ابن القيم كلام ابن عباس إليه.
وعندي أنه إذا تاب تاب الله عليه حتى عن حق الميت المقتول، والله عز وجل يتحمل حق المقتول يوم القيامة ويرضيه، وذلك لعموم الأدلة الدالة على أن من تاب من الذنب وإن عظم فإن الله يتوب عليه، فإذا جاء هذا الرجل تائبًا وسلم نفسه لأولياء المقتول وقال: أنا الآن بين أيديكم إن شئتم القصاص أو الدية أو العفو، هذا أعلى ما يقدر عليه، وقد قال الله تعالى: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة: ٢٨٦] فالقول الصحيح عندي أنه يُعفى عنه حتى حق المقتول، وذلك بأن يتحمله الله تعالى يوم القيامة.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن رحمة الله سبقت غضبه، وذلك بكونه يغفر الذنوب جميعًا بالتوبة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أحكام الله تعالى من مقتضى أسمائه وصفاته، أحكامه هنا أحكام جزائية ولَّا قدرية ولَّا شرعية؟
طلبة: جزائية.
الشيخ: جزائية، من مقتضى أسمائه وصفاته، فلكونه غفورًا رحيمًا كان ذا مغفرة فغفر لمن تاب.
ومن فوائدها: الإشارة إلى أن الإنسان بعد التوبة قد يكون خيرًا منه قبلها وقبل فعل الذنب؛ لقوله: الرَّحِيمُ؛ لأن الرحمة تقتضي عطاء جديدًا، وهذا هو المشاهد، فإن الله عز وجل ذكر عن آدم أنه لما عصى ربه وغوى وتاب قال: ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى [طه: ١٢٢]، وهذه المنقبة الاجتباء والهداية لم تذكر له قبل، والإنسان يحس بنفسه أيضًا، أنه إذا أناب وندم يحس من نفسه رجوعًا إلى الله وشدة افتقاره إليه، بخلاف ما إذا كان مستقيمًا على طاعة الله، فإنه لا يحس بالرجوع إلى الله عز وجل والإنابة إليه، وربما يصاب بالغرور بأنه لم يذنب، ولهذا جاء في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم: «لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللهُ بِكُمْ ثُمَّ جَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ وَيَسْتَغْفِرُونَ اللهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ» .
إذن نقول: إن الإنسان إذا تاب إلى الله، فقد يكون بعد التوبة خيرًا منه قبلها، نعم، وقد يكون بالعكس، لكن هذا أمر حصل قدرًا في آدم، وكذلك شرعًا كما تدل عليه هذه الآية إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
قال: وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ: أنيبوا إلى ربكم: الإنابة بمعنى الرجوع التام إلى الله، بماذا نرجع إلى الله؟ بالإقلاع عن المعصية والانضمام في سلك الطائعين، يعني إنابة لا يصدق الاتصاف بها إلا بالرجوع إلى الله من المعصية إلى الطاعة، أنيبوا إلى ربكم، وفي قوله: إِلَى رَبِّكُمْهنا الربوبية يحتمل أن تكون عامة، ويحتمل أن تكون خاصة، فهي بعد الإنابة من الربوبية الخاصة.
وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُيقول: أسلموا له أي: انقادوا له، فالإنابة تكون بالقلب، بالرجوع إلى الله، ينيب الإنسان: يرجع إلى الله، أسلموا له أي: انقادوا له؛ لأن الإسلام والاستسلام وهذه المادة كلها تدل على الانقياد، وقوله: وَأَسْلِمُوا لَهُ(له): اللام هذه للاختصاص، وسنذكر أنها تفيد وجوب الإخلاص.
مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب في الدنيا قبل أن تتوقعوا ذلك، ثم إذا أتاكم لا تُنصرون، أي: لا تُمنَعون من هذا العذاب؛ لأن الله تعالى: إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ [الرعد: ١١] أي: من متولٍّ ينصرهم مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ.
وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَاتبعوا أي: الزموا بالعمل، أو الزموا العمل بأحسن ما أنزل إليكم من ربكم، والعمل يقتضي العمل القلبي والعمل اللساني والعمل الجوارحي، يعني اتبعوا عقيدةً وقولًا وعملًا.
وقوله: أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْهل الأحسن هنا وصف للعمل الذي يقوم به الإنسان أو وصف للنازل؟
طلبة: وصف للنازل.
الشيخ: الظاهر أنه وصف للنازل، أحسن ما أنزل إليكم، ونحن إذا تأملنا لن نجد أحسن من القرآن، كما هو ظاهر في قوله تعالى: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ [المائدة: ٤٨] أي: مسيطرًا وذا سلطة، فعلى هذا تكون الأحسنية هنا راجعة إلى الكتاب المتبوع، وحينئذٍ لا إشكال فيها، فإذا قلنا: اتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْأي: افعلوا أحسن ما شرع لكم. يبقى فيه إشكال، وهو أننا مأمورون بأحسن ما شرع لنا، فهل يعني ذلك أننا لو فعلنا الحسن دون الأحسن نكون مقصرين؟
نقول: هذا ظاهر الآية إذا فسرناها بما ذكرنا، ولكن دلت النصوص على أن من اقتصر على الواجب فقد قام بالواجب، وإن لم يأتِ بالأكمل، وإن لم يأتِ بالأحسن، بل إن الرسول عليه الصلاة والسلام قال للرجل الأعرابي الذي ذكر له شرائع الإسلام قال: «إِنْ صَدَقَ هَذَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» ، وعليه -أي: على هذا الاحتمال في الآية الكريمة- نقول: إن النصوص دلت على أن اتباع الحسن مبرئ للذمة، لكن الأكمل اتباع الأحسن.
مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةًأي: مفاجئًا، بغتة هنا بمعنى: مفاجئًا، ويحتمل أن تكون مصدرًا مبينًا للنوع، أي أن يأتيكم إتيان بغتة، ويحتمل أن تكون مصدرًا بمعنى في موضع الحال، أي: مباغتًا، والمراد المفاجأة، يأتيكم العذاب مفاجأة وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَأي: لا تحتسبون أن يقع بكم العذاب؛ لأنكم غافلون، وليس عندكم شعور، وهذا كقوله تعالى: أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ [الأعراف: ٩٧ - ٩٩] والغالب أن من انهمك بالمعاصي نسي الخالق ونسي العذاب، فيأتيه العذاب وهو في أشد ما يكون انغماسًا في المعاصي والترف.
في الآية الكريمة فوائد: أولا: وجوب الإنابة إلى الله لقوله: وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ.
ومن فوائدها: وجوب الإخلاص له؛ لقوله: وَأَسْلِمُوا لَهُ، وكذلك أَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ.
ومن فوائدها: أنه لا بد من الإسلام لله ظاهرًا وباطنًا، فمن أسلم قلبه لله لزِم أن يسلم جوارحه لله؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ» ، ومن أسلم ظاهرًا لا باطنًا فإن إسلامه لا ينفعه كإسلام المنافقين، فالإسلام يكون في الباطن ويتبعه الإسلام في الظاهر، ويكون في الظاهر دون الباطن، وهل يكون في الباطن دون الظاهر؟ لا، كيف يكون في الباطن دون الظاهر؟ لأنه إذا أسلم لله قلبه أسلمت جوارحه «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ»، وأما المكره فهو لا حُكم لفعله؛ لأنه سقط عنه التكليف.
ومن فوائد الآية الكريمة: الحذر من المخالفة، الحذر من نزول العذاب عند المخالفة؛ لقوله: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُومن يأمن من عذاب الله؟ لا أحد يأمن، فأنت إذا لم تتب إلى الله مبادرةً فإن العذاب ربما ينزل بك.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه إذا نزل العذاب من عند الله فلا أحد يمنعه؛ لقوله: ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ، وتأمل قوله: ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ، (ثم) أتى بـ(ثم) الدالة على المهلة، يعني مهما طلبتم من ناصر وطالت مدة طلبكم للناصر، فإنكم لن تجدوا من ينصركم من عذاب الله.
ومن فوائد الآية الثانية: وجوب اتباع القرآن؛ لقوله: اتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ.
ومن فوائدها: تحريم إتباع غير القرآن؛ لأنه إذا وجب اتباع القرآن فضده حرام.
ولكن إذا قال قائل: هل تقولون: إن شرع من قبلنا شرع لنا؟
فالجواب أن في ذلك خلافًا بين أهل العلم من أهل الأصول، والصحيح أنه شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه، ونحن نتبع شرع من قبلنا لا لأنه شرع من قبلنا، ولكن لأن شرعنا دلنا على العمل به، وأدلة ذلك معروفة في أصول الفقه، منها قوله تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام: ٩٠].
ومنها قوله تعالى: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ [يوسف: ١١١].
ومنها قوله تعالى: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ [الممتحنة: ٤].
المهم أن القول الراجح أن شريعة من قبلنا شرع لنا بشرعنا ما لم يرد شرعنا بخلافه، فإن ورد شرعنا بخلافه فهو مطرح.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن القرآن أحسن ما أنزل؛ لأن الله أمرنا باتباع أحسن ما أُنزل، ونحن نعلم جميعًا أننا نتبع القرآن.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن من خالف ذلك ولم يتبع القرآن، فإنه ربما يأتيه العذاب بغتة وهو لا يشعر.
وهنا نسأل: هل العذاب هو العذاب الحسي الذي به فساد البلاد، أو يشمل العذاب الحسي والعذاب المعنوي؟
يشمل الأمرين لا شك، والإنسان قد يُعذب عذابًا معنويًّا بحيث تفسد عليه أموره، أمور الدين وأمور الدنيا، قال الله تعالى: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ [المائدة: ١٣] وهذه عقوبة من العقوبات التي هي أشد من عقوبات الدنيا؛ أن يصد الإنسان عن ذكر الله وعن الصلاة، فإن هذا أشد من أن يفقد الإنسان ماله وولده.
وقد كان بعض السلف إذا نام عن صلاة الليل قال: إنني ما حرمت صلاة الليل إلا بذنب، فجعل عدم القيام في الليل جعله عقوبة على ذنبٍ عمِله، وكلما كثرت المعاصي والعياذ بالله كثر الإعراض عن ذكر الله عز وجل، قال الله تعالى: وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [الكهف: ٢٨].
أظن نقرأ كلام المؤلف، قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وَأَنِيبُواارجعوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواأخلصوا العمل لَهُ) وفي تفسيره الإسلام بالإخلاص نظر، والإسلام هو الانقياد وهو الاستسلام لله تعالى ظاهرًا وباطنًا.
وقوله: (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَبمنعه إن لم تتوبوا) إن لم تتوبوا راجع إلى قوله: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُلأننا إذا تبنا رفع الله عز وجل العذاب عنا.
(وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْوهو القرآن) ولم يذكر الاحتمال الذي ذكرنا، بل جعل المراد بالأحسن هنا أيش؟ أحسن ما نزل لا أحسن ما شرع، نعم.
(مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَقبل إتيانه بوقته، فبادروا قبل أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ) [الزمر: ٥٦] إلى آخره.
طالب: (...).

***

الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تبارك وتعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ [الزمر: ٥٣] قُلْالخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنه هو الذي أوحي إليه هذا القرآن، واعلم أن القرآن كله قد قيل للنبي صلى الله عليه وسلم فيه: قل، لكن بعضه يصرح فيه بقل، وبعضه لا يصرح؛ لأن قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [المائدة: ٦٧] يعم القرآن كله، فيجب عليه أن يقول للناس القرآن كله، لكن بعض الآيات أو بعض الأحكام تصدر بـ(قل) للعناية بذلك، أي بذلك الحكم المصدَّر بـ(قل)، فهنا يقول الله تعالى: قُلْأي: قل يا محمد يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْأي: قل لهم مبلِّغًا عن الله أن الله قال: يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، (عبادي) هنا يراد بها العبودية العامة، وليست العبودية الخاصة؛ لأنها تشمل المؤمن والكافر.
وقوله: الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْأي: جاوزوا الحد في أعمالهم، وذلك بالكفر فما دونه، وأصل الإسراف مجاوزة الحد، فالإسراف على النفس أن تتجاوز الحد فيما يجب عليك لله عز وجل أو لغيره من الخلق.
({لَا تَقْنَطُوا} بكسر النون وفتحها، وقرئ بضمها) ففيها ثلاث قراءات: قراءتان سبعيتان وقراءة شاذة ليست سبعية؛ لأن مصطلح مؤلف الجلالين إذا قال: في قراءة، فهي سبعية، وإذا قال: قرئ فهي شاذة، وإذا قال: بفتح وضم فهما سبعيتان، إذا قال: وقرئ فهي شاذة، ففيها الآن (تقنطوا) في النون ثلاث حركات: {تقنِطوا} تَقْنَطُواوهاتان؟
طلبة: سبعيتان.
الشيخ: سبعيتان، {تقنُطوا} هذه شاذة، والقراءة الشاذة لا يُقرأ بها في الصلاة، لكن يُستدل بها في الأحكام إذا صحت، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: بل إذا صحت فإنه يُقرَأ بها في الصلاة، كما يُستدل بها في الأحكام.
فإذا قال قائل: ما الفرق بين الشاذة والسبعية؟
قلنا: إن العلماء اصطلحوا فما جاء عن طريق القراء السبعة المشهورين فهي سبعية، وما جاء عن طريق آخر ولو صح فهو عندهم شاذ، فالشاذ إذن ما خرج عن القراءات السبع، ولكنه يُحتج به في الأحكام، ولا يقرأ به في الصلاة، إلا على رأي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فإنه يقول: متى صحت القراءة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإنها تقرأ في الصلاة؛ وإن لم تكن من القراءات السبع.
وقال المؤلف في تفسير تَقْنَطُواقال: (تيئسوا) والصحيح أن هذا التفسير تقريب، لأن القنوط أشد اليأس، فهو أعلى درجات اليأس، فمعنى تقنطوا أي: يبلغ بكم اليأس أشده مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِيعني من أن يرحمكم الله عز وجل؛ لأن الإنسان إذا قنط من رحمة الله وأيس لم يتعرض للرحمة لأنه آيس، ولهذا يقال: اليأس مفتاح الترك، أضرب لكم مثلًا: حاول أن تحل عقدة من خيط، فإذا أعيتك ماذا تصنع؟
طلبة: تتركها.
الشيخ: تتركها، إذا أيست منها تركتها، لكن بالنسبة لرحمة الله عز وجل لا تيئس، مهما عملت من الذنوب والمعاصي فلا تيئس.
نعم من رحمة الله قلنا: معناها من أن يرحمك الله، لا تيئس من أن يرحمك الله، بل حاول أن تتعرض لرحمته، فهنا نهي وتعليل، النهي لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِالتعليل إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًايغفر مأخوذ من المغفرة، وهي ستر الذنب والتجاوز عنه، هذه المغفرة، ستر الذنب والتجاوز عنه، وليست مجرد الستر؛ لأنها مأخوذة من المغفر، وهو ما يُوضَع على الرأس عند الجهاد للوقاية، فهو جامع لأمرين: الستر والوقاية.
فمثلا: الغُترة هذه لا نسميها مغفرًا، الطاقية لا، مع أنها ساترة لكنها ليست واقية، لكن بيضة الحديد التي تُوضع على الرأس عند القتال نسميها مغفرًا، ليش؟ لأنها ساترة واقية، فمغفرة الذنوب سترها والتجاوز عنها، فأنت إذا قلت: اللهم اغفر لي، تسأل الله شيئين:
أن يستر ذنوبك عن غيرك، والثانية: أن يتجاوز الله عنها.
وقوله: يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًاشامل للصغائر والكبائر، ولهذا قال العلماء: إن هذه الآية في التائبين، وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء: ٤٨] في غير التائبين وهذا صحيح؛ لأن الشرك لا يغفره الله تعالى إلا بتوبة، فإذا قلنا بالعموم في قوله: إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًافلا بد أن نقول: إن هذه في من؟ في التائبين، ما هي في كل إنسان، المشرك لا يغفر الله له قطعًا، لكن إذا تاب غفر الله له مهما عظم شركه.
إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ: إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُالجملة تعليل للحكم الذي قبلها وهو إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًاوالجملة هنا مؤكدة بمؤكدين هما: (إن) و(هو)، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، أما كون (إن) مؤكدة فظاهر؛ لأن (إن) من أدوات التأكيد.
وأما (هو) فهو أيضًا من أدوات التوكيد؛ لأنه ضمير فصل، ما معنى قول: ضمير فصل؟ ضمير فصل يفصل بين المبتدأ والخبر، ويفيد التوكيد، ويفيد أيضًا الحصر، ويفيد الفصل الذي هو التمييز بين الخبر والصفة، فهو مفيد لثلاثة أمور، يعني ضمير الفصل له ثلاث فوائد:
الأولى: التوكيد، والثانية: الحصر، والثالثة: التمييز بين الصفة والخبر، فوائد ما هي؟
طالب: التوكيد والحصر والتمييز بين الصفة والخبر.
الشيخ: طيب يظهر هذا بالمثال، فإذا قلت: زيد الفاضل، فهنا يحتمل أن تكون (الفاضل) صفة لـ(زيد)، وأن نتلقى الخبر فيما بعد فيقال: زيد الفاضل في المسجد، فإذا قلت: زيد هو الفاضل تعين أن تكون خبرًا، فتميز الآن الخبر من الصفة بواسطة (هو)، كذلك إذا قلت: زيد هو الفاضل، فإنك لما أتيت بـ(هو) زدت ذلك توكيدًا، كذلك لما أتيت بـ(هو) حصرت الفضل فيه دون غيره، فقوله تعالى: إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُفيها فائدتان:
الفائدة الأولى: التوكيد، والفائدة الثانية: الحصر، أما التمييز بين المبتدأ والخبر فهنا لا حاجة؛ لأن الضمير (إنه) يقولون: إنه لا ينعت ولا ينعت به، الضمير لا ينعت ولا ينعت به، واضح؟ وعليه فيكون الفائدة في قوله: إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُالحصر والتوكيد.
وقوله: الْغَفُورُ الرَّحِيمُسبق معنى المغفرة ستر الذنب والتجاوز عنه، الرَّحِيمُ: أي ذو الرحمة التي يحصل بها المطلوب، والمغفرة يزول بها المرهوب، فالجمع بين الاسمين الكريمين يفيد أيش؟ يفيد السعادة الكاملة، النجاة من المرهوب في قوله؟
طالب: الْغَفُورُ.
الشيخ: الْغَفُورُلأن هذا مغفرة الذنب، حصول المطلوب في قوله: الرَّحِيمُلأن الرحمة يحصل بها المطلوب والخيرات والنعم.