تفسير سورة الزمر - 14
عدد الزيارات 3961

فالجمع بين الاسمين الكريمين يفيد أيش؟ يفيد السعادة الكاملة، النجاة من المرهوب في قوله؟
طالب: الْغَفُورُ [الزمر: ٥٣].
الشيخ: الْغَفُورُ؛ لأن هذا مغفرة الذنب، حصول المطلوب في قوله: الرَّحِيمُ؛ لأن الرحمة يحصل بها المطلوب والخيرات والنعم، وبزوال المرهوب وحصول المطلوب يتم الفوز.
قال الله جل وعلا: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران: ١٨٥] زُحْزِحَ عَنِ النَّارِما الذي بها؟
طلبة: النجاة من المرهوب.
الشيخ: النجاة من المرهوب، وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَحصول المطلوب فَقَدْ فَازَ.
نرجع الآن إلى فوائد الآية:
من فوائد الآية الكريمة: وجوب إبلاغ الرسول صلى الله عليه وسلم عن الله هذا القول، من أين يؤخذ؟
طلبة: من قُلْ [الزمر: ٥٣].
الشيخ: من قوله: قُلْ؛ لأن الأصل في الأمر الوجوب، لاسيما وأن هذا إبلاغ للرسالة، وإبلاغ الرسالة واجب.
ومن فوائد الآية الكريمة: أهمية هذا البلاغ لئلا نقنط من رحمة الله، وأن نعلم أنه جل وعلا يغفر الذنوب جميعًا، من أين أخذنا أهميتها؟ من تصديره بـ قُلْلأن هذا أمر بإبلاغ خاص.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المذنب مسرف على نفسه ظالم لها؛ لقوله: أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ [الزمر: ٥٣] ويدل لهذا قوله تعالى: وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ [هود: ١٠١].
والعجيب أن الظالم لنفسه بالمعصية إذا قيل له: لماذا؟ قال: هذا القضاء والقدر، عسى الله أن يهديني، عرفتم؟ وإذا ضربه أحد ظلمه بالضرب فقال: لم تضربني؟ قال: والله يا أخي هذا قضاء وقدر، هل يرضى بهذه الحجة؟
طالب: لا يرضى.
الشيخ: لا يرضى، وهو بظلمه لنفسه يرضى، وهذا تناقض عجيب، يعني إذا ظلمت نفسك أبحت أن تحتج بالقدر، وإذا ظلمك غيرك لم تبح له أن يحتج بالقدر، وهذا جور في الحكم وتناقض، يقال: كيف ترضى أن تظلم نفسك ولا ترضى أن يظلمك غيرك ويحتج بالقدر؟
ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم القنوط من رحمة الله؛ لقوله: لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِوجه الدلالة أن الأصل في النهي التحريم، وقد دلت السنة على أن القنوط من رحمة الله من كبائر الذنوب؛ لأنه ظن ما لا يليق بالله جل وعلا؛ فإن اللائق بالله سبحانه وتعالى أن من لجأ إليه فإنه أكرم الأكرمين لا يخيبه، فإذا قنطت من رحمته فقد استهنت في حقه سبحانه وتعالى، ولهذا كان القنوط من رحمة الله من كبائر الذنوب.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الرحمة لله لقوله: لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ.
والرحمة نوعان: مخلوقة وغير مخلوقة، فما كان من الإنعام والإحسان فهو مخلوق، وما كان صفة للرب فهو غير مخلوق، ولهذا قال الله تعالى في الجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ» أنت رحمتي مع أن الجنة مخلوقة لكنها من آثار الرحمة، إذا وُلد لشخص ولد أو عاد إليه ضال من ماله أو ضائع من ماله، قال: والله هذه رحمة الله، هل هذه الرحمة مخلوقة ولَّا غير مخلوقة؟
طلبة: مخلوقة.
الشيخ: مخلوقة؛ لأنها إحسان وإنعام، فإذا أطلقت الرحمة على الإحسان والإنعام فهي مخلوقة، وإذا أطلقت على صفة الله فهي غير مخلوقة.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الذنوب مهما عظمت؛ فإن الله يغفرها إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًاكل الذنوب؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم؛ لأن الله ذكرها بـ(أل) الذنوب، وأكد هذا العموم بقوله: جَمِيعًاكل الذنوب، لكن هذا في حق من؟ في حق التائبين.
ومن فوائدها: أن ظاهرها مغفرة الذنوب للتائبين وإن كان الذنب للمخلوق، يعني لو اعتديت على شخص ثم تبت إلى الله، فإن الله يتوب عليك، ولو كان الذنب للمخلوق، عرفت؟ لكننا اشترطنا أن تتوب، ومن تمام التوبة أن توفي للمخلوق حقه إن قدرت عليه، فإن لم تقدر عليه فأوفه ولو بظهر الغيب.
ونحن نضرب لهذا مثلًا أو مثلين أو ثلاثة حسب ما يتضح به المقام: إذا أخذت من شخص مالًا بغير حق فهذا ذنب، فإذا تبت إلى الله يغفر الله لك الذنب أو لا؟ يغفر الله لك الذنب لا شك، لكن من تمام التوبة أن توصل المال إلى صاحبه، فإن مات فإلى ورثته، إذا أديت إلى ورثته برئت ذمتك منه، لكن بقي ظلمك للميت الذي حلت بينه وبين ماله، هل تحاسب عليه أو لا تحاسب؟ إن قلت: لا تحاسب، فسيقول لك قائل: كيف يتخلص الإنسان من ظلم الميت الذي حال بينه وبين ماله؟ وهذا صحيح ولَّا غير صحيح؟
طلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح، ذمته برئت؛ لأنه أدى المال إلى مستحقه بعد موت صاحبه، لكن المشكل أن صاحبه حيل بينه وبينه في حال الحياة، لو كان عنده لاشترى بيتًا، لاشترى سيارة، لتزوج، فحلت بينه وبينه، فهل يسقط عنك حقه بتوبتك أو لا؟
نقول: ظاهر الآيات الكريمة أنه يسقط حقه عنك أنت، لكن الله تعالى يوفيه من عنده، أفهمتم أو لا؟ طيب لماذا؟ لأنك الآن لا تستطيع أن تتوصل إلى هذا الميت لتعطيه حقه، والذي تستطيعه أن أيش؟ أن تؤديه إلى ورثته، وقد فعلت.
مثال آخر: أخذت مالًا من شخص ثم نسيت الشخص، نسيته، ثم تبت، فما هو الطريق إلى التوبة أو الخروج من حق الرجل؟ أتصدق به عنه، وإذا تصدقت به عنه استفاد من هذا المال متى؟ في الآخرة ولَّا في الدنيا؟
طلبة: في الآخرة.
الشيخ: في الآخرة، لكن قد يقول قائل: لكنك حلت بينه وبينه في الدنيا، وقد يكون له غرض في المال في الدنيا، فأقول: نعم، أنا حلت بينه وبينه في الدنيا، لكن عجزًا مني أن أصل إليه، والذي قدرت عليه من التوبة فعلته، وهو أيش؟
طالب: تصدقت.
الشيخ: الصدقة به عنه، فهل يبرأ براءة تامة بحيث لا يطالبه صاحب المال في الآخرة؟ الجواب نقول: ظاهر النصوص نعم، يبرأ.
طيب قتلت نفسًا ثم تبت إلى الله عز وجل من قتل النفس، من تمام توبتك أن تسلم نفسك لورثة المقتول، تقول: أنا الذي قتلت صاحبكم، وأنا الآن بين أيديكم، إذا سلمت نفسك لهم برئت ذمتك، لكن يبقى عندنا حق من؟
طالب: المقتول.
الشيخ: حق المقتول الذي حلت بينه وبين بقائه في الدنيا، فهل تبرأ منه بالتوبة؟
الجواب: نعم تبرأ منه بالتوبة لعموم الآية هذه وأمثالها، تبرأ منه بالتوبة، لكن هل يضيع حق المقتول أو لا؟ لا يضيع، يتحمله الله سبحانه وتعالى عنك له، وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى أن يعفوا عن حقه ويتحمل عنك حق الآخرين.
فإذا قال قائل: ما هو الدليل على ما قلتم؟ وكيف يسقط عنه حق الآدمي؟ قلنا: الدليل على هذا قوله تعالى: وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا [الفرقان: ٦٨] هنا فيها حق لله، حق للمخلوق بالدم، حق للمخلوق بالعرض إن كان قد زنا مكرهًا بالمزني بها، وقد قال الله عز وجل: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠] حتى في القاتل يبدل الله سيئاته حسنات.
فإذا قيل: كيف يضيع حق المقتول؟ فالجواب؟
طالب: ما يضيع.
الشيخ: كيف؟
الطالب: لأن الله سبحانه وتعالى يتحمله عنه.
الشيخ: نعم أحسنت، نقول: لا يضيع؛ لأن الله يتحمله عنه، وهذا من فضله تبارك وتعالى، إذن نقول: إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًاظاهر الآية العموم يغفر الذنوب جميعًا، سواء مما يتعلق بحق الله أو بحق العباد، لكن ما يتعلق بحق العباد إذا تعذر إيصاله إليهم في الدنيا، فإن الله تعالى أيش؟ يتحمله في الآخرة.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله عظيمين يقترنان كثيرًا في القرآن هما الغفور الرحيم، ووجه اقترانهما أن في الأول زوال المكروه، وفي الثاني حصول المطلوب، فيتكون من اجتماعهما وصف زائد على الوصف عند انفرادهما؛ لأنه إذا انفردا استفدنا المغفرة إن انفرد الغفور، أو الرحمة إن انفرد الرحيم، لكن إذا اجتمعا استفدنا فائدة جديدة، وهي أن مغفرة الله عز وجل مقرونة برحمته، فهو جامع بين المغفرة والرحمة، هذان الاسمان من الأسماء اللازمة أو من الأسماء المتعدية؟
طلبة: المتعدية.
الشيخ: المتعدية إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، إذن متعدية، طيب يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ [العنكبوت: ٢١] إذن متعدية.
الأسماء المتعدية قال العلماء: لا يتم الإيمان بها إلا بثلاثة أمور، الإيمان بالاسم، والإيمان بما تضمنه من صفة، والإيمان بالحكم المترتب على تلك الصفة، الذي يطلق عليه بعضهم الأثر، الإيمان بالاسم هنا الغفور، نؤمن بأن الغفور من أسماء الله، نؤمن بأن لله مغفرة دل عليها اسم الغفور، كذا؟ طيب ونؤمن أيضًا بما يتضمنه ذلك، يدل على المغفرة ويدل على العلم؛ لأنه لا يغفر ما لا يعلمه، ودلالته على العلم من باب دلالة التضمن أو الالتزام؟
طلبة: الالتزام.
الشيخ: الالتزام؛ لأن المادة (غ ف ر) ما فيها (ع ل م) فيكون هذا من باب الالتزام، طيب الرحيم نعم قلنا: الغفور اسمًا المغفرة وصفًا يغفر الذنوب حكمًا، الرحيم كذلك الرحيم اسمًا نؤمن بالرحيم اسمًا، وبالرحمة صفة، وبأنه يرحم حكمًا، غفر الله لنا ولكم ورحمنا وإياكم.
طالب: لو سرق شخص من كافر ولم يعلم به فماذا يصنع؟
الشيخ: نعم، هذا يسأل سؤالًا مهمًّا، يقول: لو سرق شخص من كافر وذهب الكافر ولم يعلم به فماذا يصنع؟ الجواب: إن كان الكافر حربيًّا فالمال له، وإن كان له عهد فإنه يسلمه إلى بيت المال؛ لأن بيت المال يتقبل الأموال التي لا يعرف مالكها، فإن لم يكن بيت مال، فليتخلص منه بالصدقة، لكن الكافر لا يثاب على هذه الصدقة إلا إن أسلم.
طالب: (...).
الشيخ: نعم يقال: إن قول ابن عباس رضي الله عنهما رأي رآه مخالف لظاهر النصوص، والعبرة بظاهر النصوص، وبهذا القول نستريح، ووجه ابن القيم رحمه الله ما رُوي عن ابن عباس بأن القتل يتعلق به ثلاثة أمور: حق لله، حق لأولياء المقتول، حق للمقتول، أما حق الله فيسقط بالتوبة، فإذا تاب الإنسان قبل الله توبته ومحي عنه الإثم، حق أولياء المقتول يكون بتسليمه نفسه إليهم، حق المقتول يقول ابن القيم: لا بد من أخذه من هذا القاتل، لكن يقال: الصواب ألا نعبر هذا التعبير، بل نقول: لا بد من إيفائه إياه، ومن الذي يوفيه؟ الله عز وجل، هذا هو الصواب، نعم.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ (...) تمام التوبة أم شرط التوبة.
الشيخ: المراد بالتمام هنا ما هو التمام الأولوي، التمام الواجب، يعني لا تتم التوبة إلا بذلك.
طالب: (...).
الشيخ: لا، أما قلنا في التفسير، قل مبلغًا عني: يَا عِبَادِيَ، نعم فيقول الرسول مثلًا: قال ربكم: يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا، هذا كيفية إبلاغ هذه الآية، أعرفت؟ نعم.
طالب: (...).
الشيخ: يعني مع القدرة.
الطالب: مع القدرة؟
الشيخ: إي مع القدرة، هذا صحيح، لكنهم بعضهم قال: إذا اغتبت شخصًا فلا بد أن تذهب إليه وتستحله مطلقًا، وبعضهم فصل قال: إن كان قد علم فلا بد أن تستحله؛ لأنه حمل عليك في نفسه، وإن لم يكن علم فأثن عليه في المواطن التي كنت تغتابه فيها ويكفي، وهذا التفصيل جيد؛ لأنك لو ذهبت إليه وقلت: أنا اغتبتك وهو لم يعلم، أنشأت في نفسه عليك ما تنشئه، لكن إذا استغفرت له وأثنيت عليه في المكان الذي أنت اغتبته فيه حصل المقصود.

***

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٥٥) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) [الزمر: ٥٤ - ٥٨].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق لنا أن الله سبحانه وتعالى أمر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يقول للناس عن الله تعالى: يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُوسبق الكلام على هذه الآية تفسيرًا واستنباطًا.
ثم قال الله تبارك وتعالى: وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواقال المؤلف المفسر: (وَأَنِيبُواارجعوا إِلَى رَبِّكُمْ) يعني ارجعوا إلى ربكم من معاصيه إلى طاعته ومن البعد عنه إلى القرب، وهذه الإنابة هي عمل القلب، رجوع القلب إلى الله سبحانه وتعالى.
وَأَسْلِمُوا لَهُأي: استسلموا له واخضعوا لشرعه، وهذا عمل الظاهر، عمل الجوارح، فالإنابة بالقلب والإسلام بالجوارح.
(وَأَسْلِمُوا لَهُأخلصوا العمل)، وأخذ المؤلف الإخلاص من قوله: لَهُأي لله، كما قال تعالى: فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ [آل عمران: ٢٠] فهذه الآية فيها الأمر بالإنابة وهي في القلب، والأمر بالاستسلام له، وهي بالجوارح، والإخلاص مستفاد من اللام المذكورة في قوله: لَهُ.
مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُمتعلقة بـ (أنيبوا) و(أسلموا)، فقد تنازعها العاملان، مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُيعني من الله ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَيعني لا تمنعون من عذاب الله.
وقول المؤلف: (إن لم تتوبوا) لا حاجة إليه؛ لأن الله قال: أنيبوا وأسلموا من قبل هذا الشيء، وإذا أناب وأسلم من قبل هذا الشيء فقد تاب، وحينئذٍ لا ينزل عليه العذاب.
وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ: وَاتَّبِعُواأي كونوا تبعًا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ، (أحسن) اسم تفضيل من الحسن، ويشمل الأحسن في ذاته، والأحسن في العمل، الإنسان مأمور أن يتبع الأحسن، أحسن ما أنزل إلينا في ذاته، ولو فتشت الكتب السماوية التي نزلت لوجدت أحسن ما نزل هو القرآن، ولهذا فسره المؤلف بقوله: (وهو القرآن) كذلك أحسن ما أنزل إلينا إذا كانت عبادة قام بها الإنسان على وجه ناقص، وعبادة قام بها على وجه كامل، فالتي على وجه كامل هي الأحسن، فإذا وُجد أعمال تتفاضل فالإنسان مأمور بأن يتبع الأحسن منها.
أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ، وقوله: مِنْ رَبِّكُمْفيها إشارة إلى وجوب اتباع الأحسن؛ لأن هذا الأحسن نازل من الله سبحانه وتعالى، من الرب، والرب هو الذي له التصرف في العباد تدبيرًا وتشريعا وحكما.
مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَفي الآية الأولى مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَثم هذا قال: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةًأي مفاجأة، وأنتم لا تشعرون أنه يأتيكم العذاب، وهذا كقوله تعالى: أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) [الأعراف: ٩٧، ٩٨] فالنائم لا يشعر بالعذاب إلا بغتة، والذي يلعب كذلك لا يشعر بالعذاب إلا بغتة، يقول عز وجل: أَنْ تَقُولَ نَفْسٌقوله: أَنْ تَقُولَيقول المؤلف رحمه الله الشارح المفسر: (وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَقبل إتيانه بوقته) يعني لا تشعرون بوقته قبل إتيانه، بل قد ضربتم الأمل الطويل والتفاؤل الذي ليس في محله حتى أتاكم العذاب.
قال: (فبادوا قبل أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ) قدَّر المؤلف هذا الذي ذكر لدلالة السياق عليه، وهذا الذي قام به المؤلف رحمه الله يسمى عند البلاغيين إيجاز الحذف؛ لأن الإيجاز عندهم نوعان: إيجاز قصر وإيجاز حذف، فإيجاز القصر أن تكون العبارة القصيرة تتضمن معاني كثيرة، وإيجاز الحذف أن تكون العبارة موجودة قد حُذف منها ما هو معلوم، مثل قوله تعالى: فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤) فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ [القصص: ٢٤، ٢٥] هذه الآية حُذف منها شيء كثير؛ لأن تقديره أن المرأتين ذهبتا إلى أبيهما وأخبرتاه بالخبر، ثم أرسل إحداهما إلى موسى فجاءت إحداهما تمشي على استحياء، فصار عندنا الإيجاز نوعان: إيجاز قصر بأن تكون العبارة قصيرة تتضمن معاني كثيرة، وإيجاز حذف بأن يحذف من الكلام ما يدل عليه السياق، وكلاهما فصيح عربي.
قوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ [البقرة: ١٧٩]، هذا إيجاز قصر مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ [النساء: ١٢٣] هذا إيجاز قصر؛ لأنك لو أردت أن تبسط هذه الجملة مَنْ يَعْمَلْ سُوءًاوتذكر أنواع السوء وتذكر أنواع المجازاة، لكان الكلام طويلًا، لكنه اقتصر على هاتين الكلمتين مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِوهما تشملان كل ما يمكن أن يدخل في هذه الجملة من التفاصيل.
طيب هنا على كلام المؤلف: (فبادروا قبل أَنْ تَقُولَ) نقول: هذا من باب إيجاز الحذف؛ لأنه حذف من الكلام ما يدل عليه السياق، ويمكن أن نقدر ما هو دون ذلك بأن نقول: خشية أن تقول نفس، يعني: اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم خشية أن تقول نفس: يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله، وهذا الذي ذكرناه أخصر من كلام المؤلف.
أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا(نفس) هنا نكرة في سياق الإثبات، والنكرة في سياق الإثبات لا تدل على العموم، وإنما تدل على العموم إذا كانت في سياق النفي أو الشرط، أو الاستفهام الاستنكاري أو ما أشبه ذلك مما ذكره العلماء، لكنهم قالوا: إن نفس هنا نكرة يراد بها العموم، يعني أن تقول كل نفس: فرطت يا حسرتا.
(أصله يا حسرتي، أي: ندامتي) فالحسرة هي الندامة، وقال: (يا حسرتا) الألف هذه منقلبة عن ياء، وأصلها ياء المتكلم: يا حسرتي، لكن في اللغة العربية يجوز أن تقلب الياء ألفا، فيقال: يا حسرتا بدل يا حسرتي، ومنه قوله تعالى: يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ [هود: ٧٢] التقدير: يا ويلتي.
(يَا حَسْرَتَاأي ندامتي عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ) التفريط معناه الإهمال والإضاعة، وعكسه الإفراط، الإفراط: التجاوز، والتفريط: القصور عن الشيء، فالمفرط هو المهمل المقصر، والمفرط هو المتجاوز للحد، وكلاهما مذموم، والخيار هو الوسط.
عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِقال: (أي: طاعته) ففسر الجنب هنا بالطاعة، وذلك لأنه لا يمكن أن يراد به جنب الله الذي هو جنب ذاته؛ لأن الإنسان يشعر بأنه لم يفرط في نفس الجنب الذي هو جنب الله ذاته، لكن بعض العلماء يقول: الجنب بمعنى الجانب لغة، وإذا كان بمعنى الجانب لغة فلا حاجة إلى التأويل، يكون المعنى: في جنب الله أي في جانب الله، وجانب الله يعني حقه، وهذا التفصيل الذي ذكرناه هو مؤداه كما قال المؤلف رحمه الله: (يعني طاعته) لكن إذا فسرنا الجنب بالطاعة خرجنا به عن المعنى المطابق للفظ، أما إذا قلنا: الجنب لغة بمعنى الجانب فإننا فسرناه بما دلت عليه الكلمة لغة، والجانب من المعلوم أن جانب الله عز وجل أي حقه وشرعه.
وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ(إن مخففة من الثقيلة، أي: وإني) (إن) في اللغة العربية تأتي لمعانٍ: الأول: الشرطية، والثاني: النافية، والثالث: مؤكدة، والرابع: زائدة، أربعة معانٍ. (إن) تأتي في اللغة العربية بمعنى أربعة معانٍ، بعضهم زاد معنى خامسًا أن تكون بمعنى نعم لكنه قليل.
(إن) شرطية، مثاله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات: ٦] هذه (إن) شرطية.
تكون نافية مثل قول الكافرين: إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ [المائدة: ١١٠] و(إن) النافية هي التي يعقبها دائمًا (إلا).
وتأتي مؤكدة، وهي المخففة من الثقيلة كما هنا، وعلامتها أن يحل محلها (إن)، مثل: وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَهذه مخففة من الثقيلة تفيد التوكيد؛ لأن الثقيلة (إنَّ) معروفة أنها للتوكيد، فإذا كانت هذه مخففة منها فهي للتوكيد.
الرابع: زائدة، ومن ذلك قول الشاعر:
بَنِي غُدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ وَلا صَرِيفٌ وَلَكِنْ أَنْتُمُ الْخَزَفُ

الشاهد قوله: (ما إن أنتم ذهب).
لأن معنى الكلام: ما أنتم ذهب، فهي إذن زائدة، طيب الذهب معروف، الصريف: الفضة، وسُميت صريفًا لأنها يسمع لها صريف عند العدد أو الوزن، (ولكن أنتم الخزف) ما هو الخزف؟ الطين المشوي، يعني أنكم أصلكم رديء، وعلامة (إن) الزائدة أن يصح الكلام مع حذفها، فإذا صح الكلام مع حذفها فهي زائدة، طيب.
إِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَقال المؤلف: (وإني كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ) فقدر اسم (إن) ضميرًا مطابقًا للسياق، فقال: إني كنت. وهذا الذي ذهب إليه المؤلف هو الصحيح، أما عند جمهور النحويين فإنهم يقولون: إن اسم (إن) محذوف ضمير الشأن، فيقدرون: إن كنت وإنه أي الشأن، لكن الصحيح أننا نقدر ضميرًا مطابقًا للسياق، ولا حرج أن نقول: إنه محذوف، ولو لم يكن ضمير الشأن. فعليه نقول: وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَالتقدير: وإني كنت لمن الساخرين. واللام في قوله: لَمِنَ السَّاخِرِينَهذه للتوكيد، وهي أيضًا دليل على أن (إن) مخففة من الثقيلة.
طيب وهل تلزم لام التوكيد مع (إن) المخففة من الثقيلة؟
الجواب: لا تلزم، إلا إذا كان يخشى من الالتباس بالنافية، فإن كان يخشى الالتباس بالنافية فإنه يجب أن تذكر اللام، والحاصل أن اللام تأتي كثيرًا في خبر (إن) المخففة من الثقيلة، وقد تحذف إلا إذا خيف الالتباس فإنه يجب أن تُذكر اللام، إذا خيف الالتباس بأيش؟ إذا خيف أن تلتبس بـ(إن) النافية، فإنه يجب أن يؤتى باللام؛ لأنه إذا أتت اللام تعين أن تكون (إن) مخففة من الثقيلة، ومحل هذا البحث في النحو.
يقول: وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَالساخر بمعنى المستهزئ، ساخرين بمن؟ ساخرين بمن يدعو إلى الله؛ كما قال تعالى: أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ [ص: ٦٣] ساخرين بدين الله، ساخرين بكتب الله، ساخرين برسل الله قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ [التوبة: ٦٥]، ولهذا حذف المفعول في الساخرين لإفادة العموم، أي: الساخرين بالله وآياته ورسله وأوليائه فهو عام، ويأتي إن شاء الله تعالى بقية الكلام على الآية.

***

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٥٥) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٥٩) [الزمر: ٥٥ - ٥٩].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ.
ما المراد بقوله: أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ؟
طالب: المراد به القرآن.
الشيخ: القرآن ، ما وجه حسنه؟
طالب: حسنه في ذاته وفي (...).
الشيخ: في ذاته؟
الطالب: نعم.
الشيخ: طيب، وفي أخباره وفي أحكامه وفي آثاره، أربعة أشياء، طيب قوله تعالى: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌكيف تقدر أن تقول: نفس؟
طالب: خشية أن تقول: نفس.
الشيخ: نعم، خشية أن تقول: نفس، ما الذي قدره المؤلف؟
الطالب: الذي قدره المؤلف قال: بادروا.
الشيخ: قال: بادروا.
الطالب: قبل أن تقول: نفس.
الشيخ: قبل أن تقول، أيهما أرجح؟
الطالب: قبل أن تقول: نفس.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: لأنه أخصر.
الشيخ: أخصر، أقل تقديرًا، وكلما كان أقل تقديرًا فهو أوضح.
طيب قوله: أَنْ تَقُولَ نَفْسٌهذه نكرة في سياق؟
طالب: الإثبات.
الشيخ: فهل هي للإطلاق أو للعموم؟
الطالب: (...).
الشيخ: نعم تعم، يعني أي نفس.
طيب قوله: يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِيا حسرتا أصلها نعم؟
طالب: يا حسرتي.
الشيخ: فقلبت؟
الطالب: فقلبت الياء إلى ألف.
الشيخ: إلى ألف لأنها للندبة.
طيب قوله: عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِما المراد بجنب الله؟
طالب: المراد بجنب الله؟
الشيخ: نعم.
الطالب: بجانب الله.
الشيخ: بجانب الله، كذا؟
الطالب: نعم.
الشيخ: والمؤلف فسرها؟
طالب: المؤلف فسرها بطاعة الله.
الشيخ: بطاعة الله، طيب.
الطالب: (...) جانب الله (...).
الشيخ: يعني متى أمكن حمل اللفظ على معناه اللغوي فهو أولى، طيب ألا يمكن أن يراد بها جنب الله الذي هو جنبه؟
طالب: (...).
الشيخ: والتفريط من الإنسان ليس في جنب الله ذاته، لكنه في حق الله يعني جانب الله الذي هو حقه، طيب،
وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ(إن) هذه؟
طالب: شرطية.
الشيخ: (إن) شرطية، لا.
طالب: (إن) مخففة من الثقيلة.
الشيخ: مخففة من الثقيلة، أيش تقتضي؟ التوكيد، ذكرنا استطرادًا أن (إن) تأتي لمعانٍ.
طالب: أربعة، أو خمسة، تأتي زائدة، تأتي مؤكدة، تأتي شرطية، تأتي نافية، قد تأتي بمعنى نعم.
الشيخ: ما الذي يعين هذه المعاني؟
طالب: السياق.
الشيخ: السياق طيب، المخففة من الثقيلة مثالها؟
طالب: مثل هذه الآيات وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ.
الشيخ: التقدير؟
الطالب: إني كنت لمن الساخرين.
الشيخ: إني كنت لمن الساخرين، طيب، وتأتي نافية، مثالها؟
طالب: إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ [فاطر: ٢٣].
الشيخ: إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌالمعنى؟
الطالب: ما أنت إلا نذير.
الشيخ: ما أنت إلا نذير وعلامة هذه.
طالب: (إن) نافية.
الشيخ: أي لكن ما علامتها؟
طالب: صحة تعويضها بالنفي.
الشيخ: أن يحل محلها (ما)، وغالبًا تأتي بعدها (إلا)، طيب وتأتي أيضًا؟ إي نعم.
طالب: زائدة.
الشيخ: مثالها؟
طالب:
بَنِي غُدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ وَلا صَرِيفٌ ..............

الشيخ:
بَنِي غُدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ ......................

طيب، ما علامتها؟
الطالب: علامتها (...) صح السياق (...).
الشيخ: نعم أنها إذا حذفت صح السياق بدونها، الأخ تأتي؟
طالب: شرطية.
الشيخ: شرطية.
الطالب: (...).
الشيخ: أحسنت، طيب، والشرطية علامتها ظاهرة أنها تحتاج إلى؟
طلبة: جواب.
الشيخ: جواب.
نأخذ الدرس الجديد، قال الله عز وجل: أَوْ تَقُولَ: (أو) حرف عطف، تَقُولَمعطوف على قوله: أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ.
طالب: ما أخدنا.
الشيخ: ما أخذناه؟
الطالب: (...).
الشيخ: من أي مكان؟ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُأخذنا هذه؟
طلبة : (...).
الشيخ: طيب إلى؟
طلبة: (...).
الشيخ: نعم أخذنا الفوائد إلى؟
طالب: (...).
الشيخ: أنتم الآن تقولون: لم نأخذ الفوائد، فمن أين لم نأخذ الفوائد؟
طيب قال الله تبارك وتعالى: وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُإلى آخره، فيها فوائد:
أولًا: وجوب الإنابة إلى الله؛ لقوله: وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْوالأصل في الأمر الوجوب إلا بدليل.
ومن فوائدها: وجوب الإسلام له، أي الاستسلام التام مع الإخلاص؛ لقوله: وَأَسْلِمُوا لَهُ.
ومن فوائدها: التحذير من عدم المبادرة بالإنابة والإسلام؛ لقوله: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ.
ومن فوائد الآية الكريمة: عقوبة من لم ينب إلى ربه ويسلم له؛ إذ إن العذاب عقوبة.
ومن فوائدها: أنه إذا أتى عذاب الله فإنه لا دافع له؛ لقوله: ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ.
ومن فوائد الآية التي بعدها: وجوب اتباع القرآن الكريم؛ لقوله: اتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ.
ومن فوائدها: الثناء على القرآن الكريم بأنه أحسن ما أنزل إلى العباد، وعرفتم أنه أحسن في ذاته وفي أخباره وفي أحكامه وفي آثاره، فلم تنل أمة العزة والكرامة كما نالته هذه الأمة بما آتاها الله من القرآن.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن كلام الله؛ لقوله: مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ.
فإن قال قائل: هذا لا نسلمه لكم؛ لأن مما أنزل الله ما لا يكون كلامًا له، كقوله تعالى: أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً [الزمر: ٢١]، وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ [الزمر: ٦]، وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ [الحديد: ٢٥] وأمثالها، فلا نسلم لكم أن القرآن كلام الله، بل نقول: هو كغيره من المخلوقات التي أنزلها الله، فإن الحديد مخلوق، والمطر مخلوق والأنعام مخلوقة.
فالجواب عن هذا أن نقول: ما أنزله الله ينقسم إلى قسمين: الأول: أن يكون عينًا قائمة بنفسه، فهذا مخلوق، والثاني: ألا يكون وصفًا لا يقوم إلا بغيره، فهذا غير مخلوق، فلننظر إلى القرآن هل هو عين قائمة بنفسها أو وصف لا يقوم إلا بغيره؟ الثاني، إذن هو غير مخلوق، كلام الله غير مخلوق، واضح يا جماعة؟ طيب.
من فوائد هذه الآية الكريمة إثبات علو الله؛ لقوله: مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ [الزمر: ٥٥] وجه ذلك أن النزول لا يكون إلا من أعلى.
ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة هذه الأمة حيث كانت الغاية في إنزال القرآن، من أين تؤخذ؟ من قوله: إِلَيْكُمْفإن الإنزال غايته إلينا، إذن فهذا شرف لنا أن نكون غاية إنزال القرآن.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الربوبية لله عز وجل؛ لقوله: مِنْ رَبِّكُمْ.
ومن فوائدها، من فوائد هذه الآية الكريمة: أن إنزال القرآن إلينا من كمال ربوبيته، حيث أضاف إنزاله إلى نفسه بوصف الربوبية، فمن كمال ربوبيته لخلقه وتربيته لهم أن نزل عليهم هذا القرآن.
ومن فوائدها أيضًا: وجوب العمل بما في القرآن؛ لأنه نزل من الرب، والرب له السلطان الكامل على خلقه، أرأيتم لو أن ملكًا من الملوك أصدر مرسومًا ملكيًّا، أفلا يكون مقتضى سلطانه أن نعمل بهذا المرسوم؟ بلى، إذن مقتضى ربوبية الله لنا أن نعمل بما أنزل إلينا؛ لأن هذا القرآن بمنزلة المراسيم الملكية التي لا بد من تنفيذها، بل وأعظم كما هو معروف، ولا إشكال فيه.
ومن فوائد الآية الكريمة: الحذر من أن يأتي عذاب الله بغتة؛ لقوله: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً [الزمر: ٥٥] والعذاب المباغت أشد من العذاب الذي لم يباغت؛ لأن العذاب الذي لم يباغت يكون الإنسان قد تهيأ له، لكن الذي يأتي بغتة يأتي الإنسان وهو في غاية ما يكون من الغفلة وغاية ما يكون من السرور، كما قال الله تبارك وتعالى: أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) [الأعراف: ٩٧، ٩٨] فتأمل الآن، غفلة وهدوء واطمئنان أتاهم العذاب في هذا الوقت يكون أشد وقعًا والعياذ بالله مما لو أتى والإنسان متهيئًا.
وأضرب لكم مثلًا حسيًّا واضحًا، لو كنت تنزل مع الدرج فغفلت ثم زلت رجلك على إحدى الدرجات، هل يكون مثلما لو كنت تنزل وأنت ترى كل درجة وتضع قدمك عليها؟ أجيبوا، إذن المباغت أشد مما يأتي إنسان متهيأ له.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المباغت يأتي بغير شعور من العبد؛ لأنه غافل، وليس يفكر في أن يأتيه العذاب؛ لقوله: وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَوالجملة هذه يسميها علماء النحو جملة حالية، يعني والحال أنكم لا تشعرون.
ثم قال تعالى: أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِإلخ.
من فوائد هذه الآية الكريمة: بيان مآل المفرط، وهو التحسر، وهو التندم مع الغم، التحسر والتندم مع الغم.
ومن فوائدها، من فوائد الآية الكريمة: أن المفرط سيتحسر على تفريطه، وينبني على هذه فائدة أنه ينبغي أن يكون الإنسان حازمًا ذا نشاط وقوة، حتى لا تفوته الأمور ثم بعد ذلك يندم.
ويتفرع على ذلك فائدة ثالثة: أنه ينبغي انتهاز الفرص فمتى واتتك الفرصة فلا تضيعها.
ويترتب على هذا أيضًا رابعة: أنه إذا صار أمامك حاجتان فابدأ بما أنت تريد أولًا، وبادر إليها، واجعل الثانية نافلة، وهذا يظهر في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم في أمثلة متعددة، منها أن عتبان بن مالك رضي الله عنه لما ضعف بصره، وصار لا يتمكن من الوصول إلى مسجد قومه، دعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى بيته ليصلي في مكان يتخذه مصلى، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم إليه ومعه جماعة من أصحابه، فلما وصل البيت، وإذا الرجل قد هيأ لهم طعامًا، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يشأ أن يبدأ بالطعام، بل بدأ بما أتى إليه، أي بالقصد الأول فقال له: «أَيْنَ تُرِيدُ أَنْ أُصَلِّيَ؟» فأراه المكان فصلى فيه .
هذا مثال، وبناء على ذلك ينبغي لكم أنتم طلبة العلم إذا أردتم أن تراجعوا فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مسألة معينة فتستعرض الفهرس، ثم يمر بك مسألة تشوقك إلى أن تراجعها فتذهب وتراجعها، ثم تترك الذي كنت تراجع من أجلها، وهذا لا شك أنه يضر طالب العلم، يشتت عليه الفكر ويشتت عليه الوقت؛ لأن فكره أول ما طالع الكتاب منصب على أيش؟ على المسألة التي يطلبها، فإذا عرضت له هذه العارضة واتجه إليها وانشغل بها، وهي ليست مقصودًا له بالذات، تشتت ذهنه، ثم يتشتت وقته أيضًا، ربما يكون وقت مراجعته في خلال ربع ساعة، فتذهب ربع الساعة هذه وهو لم يراجع المسألة التي كانت من أجلها يفتش، وهذا جربناه، جرى علينا، نراجع لمسألة ما ثم يمر بنا عنوان شيق ونأخذ به، يضيع علينا الوقت، فالإنسان ينبغي أن يكون حازمًا، وأن يبدأ بالأهم قبل المهم.
ومن ذلك -أي من الحزم- أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يبادر بإزالة المؤذيات ولا يتأخر؛ لأن التأخير له آفة، بل آفات، لما بال الأعرابي في المسجد أمر في الحال أن يصب عليه ماء ليطهره ، ولما بال الصبي في حجره دعا في الحال بماء فأتبعه إياه ، وكان من الممكن أن يترك المكان في المسجد حتى يأتي وقت الصلاة ويحتاج الناس إلى الصلاة في هذا المكان، لكنه بادر، وكذلك من الممكن أن يدع ثوبه حتى يحضر وقت الصلاة ثم يطهره لكنه بادر، فالمهم أن مثل هذه الوقائع ينبغي للإنسان أن يتخذ منها تربية لنفسه، لا تمر به على أنها مسألة فقهية عرفها فقط، بل لا بد أن يظهر علمه في عمله.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الجهة لله عز وجل؛ لقوله أيش؟ فِي جَنْبِ اللَّهِوقلنا: إن جنب بمعنى جانب، لكن الذين لا يثبتون الجهة يفرون من هذا، ويفسرونه بأمر آخر، كما فسره المؤلف بقوله: (في طاعة الله) مع أن هذا التفسير يعني قد يقال: إنه تفسير صحيح، وإن جانب الله تعالى هو طاعته وحقه وما أشبه ذلك، لكن نحن نعلم أن كثيرًا من الناس ينكرون أن يكون الله في جهة، ويقولون: لا يجوز أن تقول: إن الله في جهة، لا فوق ولا تحت، وعكس قوم آخرون فقالوا: إن الله في كل جهة بذاته، وبين الأمرين أو بين الطائفتين كما بين السماء والأرض.
وتوسط آخرون فقالوا: إن الله في كل جهة لكنه فوق كل شيء وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة: ١١٥] إن اتجهتم شرقًا أو غربًا، أو شمالًا أو جنوبًا فثم وجه الله، لكن ليس الله نفسه في تلك الجهات، ولكنه فوق، وفوقيته لا تناقض أن يكون في كل جهة استقبلته، واضح يا جماعة؟ طيب.
فلو قال قائل: كيف يجتمع أن يكون في جهة المشرق مثلًا أو المغرب أو الشمال أو الجنوب وهو فوق كل شيء؟
نقول: (كيف) اجعلها فيما يمكن تكييفه، وصفات الله لا يمكن تكييفها، عليك أن تسلم، ثم نقول: إن هذا ممكن لو كانت الشمس عند الشروق أو عند الغروب واستقبلتها كانت في جهة المشرق أو في جهة المغرب وهي أين مكانها؟ في السماء، هذا في المخلوق، فما بالك بالخالق المحيط بكل شيء.
فالصواب أن الله سبحانه وتعالى في جهة، وهي جهة العلو، لكنه عز وجل من اتجه إليه في أي مكان فالله تعالى قبل وجهه أي مكان فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِأما ذاته عز وجل فإنه فوق كل شيء.
من فوائد الآية الكريمة: إقرار المكذبين على أنفسهم بما هم عليه من التكذيب، لكن في وقت لا ينفعهم، من أين يؤخذ؟ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَيعني: إن كنت من الساخرين هذه تأكيد وإثبات أنه كان في الدنيا من الساخرين بشرع الله المستهزئين به.
ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم السخرية بالله عز وجل، من أين يؤخذ؟ من كون هذا الساخر ندم، وتحسر على ذلك، ولولا أنه أصيب بعذاب عليه لم يندم.
فإن قال قائل: ما حكم السخرية بالله؟
قلنا: حكمها الكفر، فمن سخر بالله أو آياته أو رسوله فإنه كافر، كل من سخر بالله أو آياته أو رسوله فهو كافر.
فإن قال قائل: هل تكفرونه ولو كان يمزح؟
فالجواب: نعم نكفره ولو كان يمزح؛ لقول الله تبارك وتعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُيعني ما قصدنا قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة: ٦٥، ٦٦].
فإن قيل: ما الدواء لمن ابتُلي بهذا؟ أي: سخر بالله أو آياته أو رسوله، فما هو الدواء؟
قلنا: الدواء في هذه السورة: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا [الزمر: ٥٣] الدواء أن يتوب إلى الله، فإذا تاب إلى الله عز وجل وقلع من قلبه هذه السخرية والاستهزاء، وأثبت مكانها التعظيم والمحبة، فحينئذ يرتفع عنه حكم الكفر.
ثم قال الله عز وجل، وهو بدء الدرس اليوم: أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [الزمر: ٥٧] يعني أو تقول نفس، وهذه معطوفة على قوله: أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ، أو تقول: أي النفس (لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِيبالطاعة فاهتديت لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ).
أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ(لو) هذه شرطية، فعل الشرط فيها محذوف، وجواب الشرط فيها قوله: لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ، وتقديره، أي: تقدير المحذوف وهو فعل الشرط، لو ثبت أن الله هداني لكنت من المتقين، وهذا احتجاج بالقدر، يعني لو أن الله هداني ووفقني فاهتديت لكنت من المتقين، فهي تندم وتحتج، يعني جمعت بين الندم على عدم التقوى والهداية وبين الاحتجاج، كقول القائل: لو أعطيتني أجرة لعملت لك، لو أطعمتني لشبعت، يعني: فلم تطعمني ولم تعطني أجرة، فهم يقولون: لو أن الله هداني لاهتديت وكنت من المتقين، وعلى هذا فالمراد بالهداية هنا هداية التوفيق، ويكون هذا احتجاجًا من النفس بقدر الله على الضلال والعياذ بالله.
يقول: لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَقال المؤلف المفسر: (عذابه) وهذا مفعول المتقين، ولكن الصواب أن نقدر: لكنت من المتقين الله؛ لأن الأصل هو تقوى الله عز وجل، وتقوى عذاب الله من تقوى الله، فينبغي أن نقدر الأصل أي: لكنت من المتقين الله.
وما هي تقوى الله؟
نعرف تقوى الله بمعرفة الأصل، أصل التقوى مأخوذة من الوقاية، فأصلها وقوى بالواو، لكن قُلبت الواو تاء لعلة تصريفية، فإذا كانت من الوقاية فسرناها بأنها اتخاذ ما يقي من عذاب الله، ولا يقي من عذاب الله إلا فعل أوامره واجتناب نواهيه، ولهذا نقول: إن أجمع ما قيل في التقوى أنها فعل الأوامر واجتناب النواهي.
وقيل: إن التقوى أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك ما نهى الله، على نور من الله، تخشى عقاب الله، وهذا المعنى أطول مما قلنا، لكن ما قلنا مشتمل عليه، وقيل في التقوى:
خَلِّ الذُّنُوبَ صَـــــــغِيرَهَا وَكَبِـــــــــــــــــيرَهَـا ذَاكَ الـــــــــتُّقَى
وَاعْمَلْ كَمَاشٍ فَوْقَ أَرْ ضِ الشَّوْكِ يَحْذَرُ مَا يَرَى
لَا تَحْقِــــــــــرَنَّ صَـــــــــــــــغِيرَةً إِنَّ الْجِبَالَ مِنَ الْحَــــــــــصَى

وهذا أيضًا تعريف شيق لأنه منظوم، (خَلِّ الذُّنُوبَ صَغِيرَهَا وَكَبِيرَهَـا) والذنوب إما فعل محرم أو ترك واجب، (ذَاكَ التُّقَى، وَاعْمَلْ كَمَاشٍ فَوْقَ أَرْضِ الشَّوْكِ يَحْذَرُ مَا يَرَى) الذي يمشي على أرض الشوك يمشي بسرعة ولَّا ببطء؟
طلبة: ببطء.
الشيخ: ببطء
لَا تَحْقِرَنَّ صَغِيرَةً إِنَّ الْجِبَالَ مِنَ الْحَصَى

الجبال العظيمة الضخمة حصى متجمعة، إما كتل أو صغار أو كبار.
لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ.
أَوْ تَقُولَهذه معطوفة على أيش؟
طلبة: على أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ.
الشيخ: على أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ، يعني: أو تقول نفس حين ترى العذاب، ترى العذاب بعينها، فيكون الموعود مشهودًا، تراه بالعين، لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً، والرؤية بالعين تُعتبَر عين اليقين، والوعد بالعذاب علم اليقين، ومس العذاب حق اليقين، ولهذا قالوا: اليقين ثلاثة: علم وعين وحق، وكلها في القرآن: كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ [التكاثر: ٥ - ٧] مشاهدة، وقال تعالى في آخر الواقعة: إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ [الواقعة: ٩٥] الذي يكون عند الاحتضار حق اليقين، وأيها أعلى في اليقين؟
طلبة: حق اليقين.
الشيخ: حق اليقين أعلى؛ لأن عين اليقين قد تشاهد الشيء على خلاف ما هو عليه، كما ترى، ولا سيما إن كان نظرك ضعيفًا، ترى الشيء الساكن متحركًا، أو المتحرك ساكنًا، إي نعم، فعلى كل حال حق اليقين أعلاه. وهنا أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَالمراد أيش؟
طلبة: عين اليقين.
الشيخ: عين اليقين لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ، (لو) هنا ليست شرطية، ولكنها للتمني، يعني ليت لي كرة.
ونستطرد فنقول: (لو) تأتي شرطية، وتأتي للتمني، وتأتي مصدرية، ثلاثة معانٍ، شرطية، تمنية، مصدرية، فتأتي شرطية فيما إذا قلت: لو زرتني لأكرمتك، وعلامتها أن يحل محلها (إن) الشرطية، لو زرتني لأكرمتك، اجعل بدلها (إن)، إن زرتني أكرمتك.
والثانية التي للتمني هي التي تأتي غالبًا بعد ود، في قوله تعالى: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ [القلم: ٩] وعلامتها أن يحل محلها (أن) المصدرية، وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُلو وضعت بدلها (أن): ودوا أن تدهن، يصح الكلام أو لا؟ طيب، وهل يصح أن تضع بدلها (أن) في القرآن؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح، تقديرًا يصح وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَلو جعلت بدلها (أن) استقام الكلام، لكن لا يجوز في القرآن أن تجعل بدلها (أن)، طيب لو قلت: وددت لو زرتني، صحيح؟ طيب، لكن هنا إذا حولتها إلى (أن) حول الفعل إلى مضارع، (وددت أن تزورني)، طيب.
الثالثة للتمني.
طلبة: مصدرية.
الشيخ: مصدرية؟ لا، أنا أقول: مصدرية التي تأتي بعد (ود)، والشرطية، بقي عندنا التمنية التي للتمني، المصدرية هي التي تأتي في الغالب بعد ود، وعلامتها أن يحل محلها (أن).
التي للتمني تكون بمعنى أتمنى، يعني يعين معناها السياق، فهنا لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَضع بدلها أتمنى، أتمنى أن يكون لي كرة فأكون من المؤمنين، واضح؟ ويدلك لهذا قوله تعالى في سورة الأنعام: يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا [الأنعام: ٢٧] فصار معاني (لو) ثلاثة: شرطية ومصدرية وللتمني.
لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةًقال المفسر: (رجعة إلى الدنيا فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) يعني يتمنى أن يكون له رجعة ليكون من المحسنين. وقوله: فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَولم يقل: من المتقين؛ لأن الإحسان درجة فوق التقوى، فكل محسن متقٍ، وليس كل متقٍ محسنًا، الإحسان درجة عالية، قال فيه النبي عليه الصلاة والسلام: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» ، ولكن هذا التمني هل هذه النفس صادقة في أنها تتمنى لتكون من المحسنين؟ قال الله تعالى: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [الأنعام: ٢٨] لكن عند العذاب ليس لها إلا أن تقول هكذا لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ. ثم قال تعالى: بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ.
طالب: أحسن الله إليك، سئل رجل فقالوا له: ما آخر نكتة سمعتها، قال: إن اثنين من المتطرفين قالوا: استو واعتدل في الصف، هل يدخل هذا في السخرية بالله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم؟
الشيخ: هذا يسأل يقول: إن آخر نكتة إي نعم سمعتها أنه سمع رجل يقول: استووا اعتدلوا كذا؟
الطالب: (...) استووا اعتدلوا (...).
الشيخ: لكن كان الإمام قال هكذا؟ الإمام قال: استووا اعتدلوا؟
لا، ما يصير.
الطالب: (...) آخر نكتة سمعتها يقول: استووا واعتدلوا (...).
الشيخ: لا، هل هو صحيح ما حكاه عن هذا الإمام، أن الإمام يقول: استووا واعتدلوا؟
طلبة: هو نفسه بيسأل.
الشيخ: لا، على كل حال دعونا من كونه صورها ملاكمة، لكن لو قال إنسان في إمام قال: استووا واعتدلوا: إن هذه نكتة، ووصفه بالتطرف، فهل يكون كافرًا أو لا؟
الواقع أن هذه المسألة مهمة جدًّا، الاستهزاء بالشخص الذي يفعل طاعة أو يتجنب معصية، تارة يغلب عليه الجانب الشخصي، فهذا لا يكفر، وتارة يغلب عليه الجانب الحكمي، بمعنى أنه يسخر بالحكم من أي مصدر جاء، فهذا كفر، ويوضح هذا المثال: بعض الناس لو رأى مثلًا عالمًا من العلماء المعتبرين المحبوبين عند الناس الموثوقين، رأى ثوبه إلى نصف الساق، لا يسخر به أبدًا، ولا يمكن أن يسخر، لكن لو رأى شابًّا فربما يسخر به، إذن هنا السخرية منصبة على أيش؟
طلبة: على الشخص.
الشيخ: على الشخص، مغلب فيها جانب الشخصية، فهذا لا يكفر؛ لأنه لم يكره الحكم، لكن كره هذا الذي قام بالحكم.
والثاني: أن يكره الحكم الشرعي، ويسخر بالحكم الشرعي فهذا كافر، ولهذا قال تعالى: قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَولم يقل: والمؤمنين، الرسول معلوم أي إنسان يسخر به فهو كافر، حتى وإن كان قد غلب الجانب الشخصي؛ لأن الرسول مشرع عليه الصلاة والسلام، فكل شيء صدر منه فهو تشريع، لكن اللي يصدر من غير الرسول، إن كان محل ثقة عند الناس اعتبروه حكمًا شرعيًّا ولم يسخروا به، وإن كان غير ثقة سخروا به مغلبين جانب الشخصية؛ لأنهم مثلًا لا يثقون به الثقة التامة، أو يرون أنه متزمت أو متنطع أو ما أشبه ذلك، وهذه المسألة يجب على الإنسان أن يدرك الفرق بين الأمرين؛ لأن هذه المسائل دقيقة جدًّا.
ولهذا ذكر شيخ الإسلام رحمه الله أن الإمام أحمد يكفر الجهمية، لكن لا يكفر أعيانهم؛ لأن هناك فرقًا بين التكفير باعتبار الحكم والتكفير باعتبار الشخص.
ومن ثم نحذر طلبة العلم من التسرع في التكفير الشخصي العيني؛ لأن المسألة ما هي هينة، لو كفَّرت شخصًا والله عز وجل لم يحكم بكفره عاد التكفير إليك، وصار يخشى عليك من الضلال ولو في المستقبل إذا لم تتب.

***

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٥٩) وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ (٦٠) وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦١) اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣) [الزمر: ٥٨ - ٦٣].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الزمر: ٥٧، ٥٨] ما معنى (لو) في الآية الأولى؟
طالب: شرطية.
الشيخ: شرطية، وما معناها في الآية الثانية؟
طالب: بمعنى (ليت) للتمني.
الشيخ: للتمني، (...) من معاني (لو)، الثالث؟
طالب: تكون (لو) شرطية وتكون مصدرية.
الشيخ: اصبر، أخذنا الشرطية والتمنية.
الطالب: بقي المصدرية، تكون (لو) مصدرية.
الشيخ: مثل أيش؟
طالب: مثل وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ.
الشيخ: علامتها أيش؟
الطالب: علامتها أن (...).
الشيخ: أن يحل محلها (أن). طيب لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَمنصوبة بماذا؟
طالب: لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَمنصوب بجواب الشرط.
الشيخ: أين الشرط؟
طالب: جواب التمني اتصل بفاء السببية.
الشيخ: منصوب بأن بعد فاء السببية جوابًا للتمني، طيب، أخذنا أظن الفوائد؟ ما أخذناها (...).
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِيإلخ.
من فوائد هذه الآية والتي بعدها: احتجاج هذه النفس التي فرطت في جنب الله بقضاء الله وقدره؛ لقوله: لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ، وهذا احتجاج باطل، أبطله الله تعالى بقوله: بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِيإلخ.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات أن هؤلاء المكذبين يقرون بالله عز وجل، وبأن الأمر بيده؛ لقوله: لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ.
ومن فوائدها: أن التقوى سبب للنجاة من العذاب.
أما الآية الثانية ففيها من الفوائد: أن هؤلاء يتمنون الرجوع إلى الدنيا إذا رأوا العذاب.
ومن فوائدها: أنهم يتمنون الرجوع ليكونوا من المحسنين، لا للتلذذ بالدنيا والتمتع بها؛ لقوله: فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ، وهذا يشبه قوله تعالى: رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ [المؤمنون: ٩٩، ١٠٠].
ثم قال الله تعالى: بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَهذا مبتدأ درس اليوم.
قوله: بَلَىهذه حرف جواب يجاب بها النفي لإثباتها، فإذا قال قائل: أين النفي في هذه الآية؟
قلنا: قول هذه المقدمة أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَيتضمن أن الله لم يهدها، فقال الله تعالى: بَلَىيعني: بلى قد جاءتك ما فيه الهداية وهو بعث الرسل؛ لأن نفيها لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِييتضمن الهداية العلمية، هداية الإرشاد، هداية الرشد الذي هو التوفيق.
والخلاصة أن قولها: لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِييتضمن نفي هداية الله لها، أليس كذلك؟ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُولكنه لم يهدني فلم أكن من المتقين، إذن هذا الكلام يتضمن نفي الهداية، فقال الله مبطلًا هذا النفي: بَلَىيعني: بلى هداك الله، هداها بما جاءت به، وهذه هداية الدلالة، بَلَىأي: بلى قد هداك الله قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَقَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي. قال المؤلف رحمه الله..