تفسير سورة الزمر - 15
عدد الزيارات 4055

عناصر المادة :
تفسير الآية (61)
تفسير الآية (62)
تفسير الآية (63)
تفسير الآية (64)
تفسير الآية (65)
تفسير الآيتين (66-67)

بَلَىأي: بلى قد هداك الله قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ [الزمر: ٥٩]، قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِيقال المؤلف رحمه الله: (القرآن) (...)؛ لأن ما سبق ليس خاصًّا بأمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى يقال: إن الآيات هي القرآن، ولكنه عام لجميع الأمم الذين يَرَوْنَ العذاب يوم القيامة، فإذا كان من هذه الأمة فالآيات التي جاءت هي القرآن، وإذا كان من قوم موسى فالآيات التوراة، وإذا كان من قوم عيسى فالآيات الإنجيل، وهلُمَّ جرًّا.
والآيات جمع آية، وهي في اللغة العلامة، العلامة المبينة لمدلولها، وقد سَمَّى الله سبحانه وتعالى ما جاءت به الرسل آيات؛ لأنه علامة على الرب عز وجل، ما يتضمنه من الصدق في الأخبار والعدل في الأحكام، وأنه لو اجتمع الخلق على أن يأتوا بمثل ما جاءت به الرسل من الشرائع ما قَدَرُوا على ذلك، وهذا آية لأن ما يُقْدَر عليه لا يعتبر آية.
وقد استمر المتأخرون على تسمية الآيات معجزات، وهذا فيه نظر؛ فإن المعجزات أعم من الآيات، إذ إن المعجزة قد تكون من الساحر وقد تكون من الكاهن وقد تكون من المشعوذ، لكن الآية التي تبيِّن الشيء وتوضحه، لا تكون من هؤلاء؛ ولهذا ينبغي أن نقول: آيات الأنبياء بدل معجزات الأنبياء؛ لأن هذه أولًا: هي الموافقة لما جاء في القرآن فإن الله لم يسمِّ آيات الأنبياء معجزات.
والثاني: لأن لا يدخل في المعجزة ما جاء مُعْجِزًا من غير الأنبياء.
بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي [الزمر: ٥٩] أي: العلامات التي تدل على أن الله تعالى حق؛ أي القرآن.
قال: (وهو سبب الهداية) هو أي ما جاءت به الرسل من الآيات سبب الهداية، ولكن لمن؟ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيد [ق: ٣٧]، أما مَن حقت عليه كلمة العذاب، وعَلِمَ الله أنه ليس أهلًا لها فيقول الله تعالى فيه: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ [يونس: ٩٦، ٩٧] بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ [الزمر: ٥٩] كذبت بها باعتبار الأخبار، واستكبرت باعتبار الأحكام الأوامر والنواهي، ففي جانب الخبر مُكَذَّب وفي جانب الأمر والنهي أيش؟ مستكبر؛ ولهذا قال: كَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ (تكبرْتَ عن الإيمان بها) ولو قيل: عن العمل بها ليكون التكذيب للأخبار والاستكبار عن الأحكام، ولكن ما ذكره المؤلف لا بأس به: (عن الإيمان بها).
وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَكُنْتَأي: بسبب التكذيب والاستكبار من الكافرين الذين يستحقون دخول النار لقيام الحجة عليهم، ثم قال تعالى: وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ [الزمر: ٦٠] نأخذ فوائد الآية.
من فوائد الآية الكريمة: تكذيب هؤلاء الذين قالوا: لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [الزمر: ٥٧]؛ لقوله: بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي [الزمر: ٥٩].
ومن فوائدها: إبطال الاحتجاج بالقدر على معصية الله عز وجل، ووجهه أن الله تعالى جعل إرسال الرسل حجة، ولو كان القدر حجة لصاحبه لم يبطل بإرسال الرسل، وعلى هذا فنقول: الاحتجاج بالقدر باطل من جهة الشرع ومن جهة النظر أي: من جهة العقل:
أما من جهة الشرع أن الله سبحانه وتعالى أبطله في عدة آيات منها هذه الآية: بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِيلما قال: لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَومنها قوله تعالى: سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ [الأنعام: ١٤٨] قال الله تعالى: كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا [الأنعام: ١٤٨]، ولو كان الاحتجاج بالقدر نافعًا لهم ما ذاقوا بأسنا؛ إذ لا يذوق بأس الله إلا من لا حجة له.
أما من حيث النظر فإننا نقول لهذا المحتج بالقدر: ما الذي أعلمك أن الله كتب عليك أن تعصيه؟ هل يمكن أن يعلم بذلك قبل أن تقع المعصية؟ لا، لا يمكن؛ إذ إن القَدَر سِرٌّ مكتوم لا يُعْلَم به إلا بعد وقوع المكتوب، كما قال الله تعالى: وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا [لقمان: ٣٤] فإذا كنت لا تعلم به إلا بعد وقوع المقدور فتجعل لفعلك حجة لم تعلم بها إلا بعد وقوع الفعل؛ لأن الحجة للفعل لا بد أن تكون سابقة عليه، أما بعد أن يقع فإنه لا حجة لك في القدر.
ثانيًا: نقول: إنك ظلمت نفسك باختيار المعصية، قال الله تعالى: وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ [هود: ١٠١] فأنت الآن ظلمت نفسك واحتججت على ذلك بالقدر، فما ظنك لو أن أحدًا من الناس ظلمك في مالك أو عرضك وقال: إن هذا قدر الله؟ هل تقبل حجته تقبل؟
الجواب: لا، معلوم لو أن أحدًا ضربك أو أخذ مالك أو أساء إلى أهلك وقال: إن هذا قدر الله، لا أستطيع، فإنه لن يقبل منه هذه الحجة، فإذا كان لا يقبل حجة مَنْ ظلمه فلماذا يقبل حجته على نفسه في ظلمه إياها؟ هذا عقل أو مناف للعقل؟ مناف للعقل، ويُذْكَر أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه رُفِعَ إليه سارق فأمر بقطع يده، فقال: يا أمير المؤمنين، والله ما سرقت إلا بقدر الله، يريد أن يرفع عنه حدَّ السرقة، فقال أمير المؤمنين عمر: ونحن لا نقطعك إلا بقدر الله ؛ احتج لأنه إذا كان هو سرق بقدر الله فنحن أيضًا نقطعه بقدر الله، بل نحن نقطعه بقدر الله وشرع الله، وهو سرق بقدر الله دون شرع الله، فكنا أقوى منه حجة، ولكن أمير المؤمنين رضي الله عنه عَدَلَ عن ذكر الشرع اكتفاء بما احتج به هذا السارق أو اقتصارًا على ما احتج به هذا السارق.
الوجه الثالث: وهو الثاني في النظر، أن نقول لهذا الرجل: لو خُيِّرْتَ بين بلدين: أحدهما بلد آمن مطمئن يأتيه رزقه رغدًا من كل مكان، والثاني بلد خائف وجوع ومرض، فهل تذهب إلى الثاني وتَحْتَجُّ بقدر الله أو إلى الأول وتقول: إن الله أعطاني عقلًا ففضلت الأول، أيهما؟
الثاني، يقول: إن الله أعطاني عقلًا ففضلتُ البلد الآمن، ولا يمكن أن يذهب إلى البلد الخائف، ويقول: والله هذا بقضاء الله وقدره، ما يمكن أبدًا، لو ذهب إلى البلد الخائف باختياره، وقال: هذا بقضاء الله وقَدَرِه، لقال الناس: إن هذا الرجل مجنون؛ إذ إنه لا يمكن أن يختار مثل هذا البلد على البلد الأول، وبهذا تبيَّن بطلان مَنِ احتج بالقضاء على معاصي الله، حتى من احتج بالقضاء على ترك الأفضل هو أيضًا مُخْطِئ، ويؤيد (...) الوجه الأخير ولَّا الأول؟ الوجه الأخير؛ حيث اختار البلد الآمن الذي يأتيه رزقه رغدًا من كل مكان.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين أُصِيبوا بالعذاب أُصِيبوا بالجزاء العدل؛ وذلك لأنهم كَذَّبوا بالآيات واستكبروا عنها وهذا جزاؤهم؛ لأن هذا الجزاء الذي أُصِيبوا به ليس خافيًا عليهم ولا مكتومًا عنهم، الرسل جاءتهم بالأحكام والأخبار والترغيب والترهيب، فقد دخلوا على بصيرة، فيكون جزاؤهم عدلًا لا جورًا؛ لأنهم عَلِموا ماذا يلاقون إذا كَذَّبوا واستكبروا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن التكذيب بآيات الله كفر، والاستكبار عن أحكام الله كفر؛ لقوله: وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَولا شك أن المُكَذِّب للخبر كافر، سواء كَذَّب الخبرَ المتواترَ المقطوعَ به، أو كذَّب خبرَ الآحاد فإنه يكون كافرًا، لكن تكذيبُ خبرِ الآحاد يُشْتَرَط لتكفيره أن يقول: نعم، قال الرسول: كذا، ولكنه غير صحيح، أما لو قال: لم يقل الرسول: كذا وهو خبر آحاد فهذا لا نحكم بكفره؛ لأنه يمكن أن يكون أنكره لعدم ثبوته عنده.
لكن لو قال: أنا أقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا وُضُوءَ لَهُ» ولكن يقول: هذا ليس صحيح، حكم هذا؟ الكفر ولا شك؛ لأن هذا تكذيب صريح للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن عَلِمَ أن الرسول قاله، بل بعد أن أَقَرَّ هو بنفسه أن الرسول قاله. وعلى هذا فإذا قال لك قائل: هل يكفر من كَذَّب أخبارَ الآحاد؟ فيجب أن تُفَصِّل، نقول: إن قال: نعم، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: كذا، ولكن لا (...)، وليس بصدق، فهذا كافر، ما فيه شك ولا تَوَقُّف؛ أما إذا كَذَّب دون أن يقول مثل ذلك، فإننا لا نكفره لماذا؟ لاحتمال أن يكون تكذيبه لعدم ثبوت الخبر عنده، وهي شبهة ترفع عنه الحكم بالكفر؛ لأن الحكم بالكفر ليس بالهين، هو إخراج الإنسان من نطاق الإسلام إلى نطاق الكفر.
ثم قال الله تعالى: وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ [الزمر: ٦٠] وَيَوْمَ الْقِيَامَةِهذه ظرف تحتاج إلى متعلَّق؛ لأن كل ظرف أو جار ومجرور فلا بد له من شيء يَتَعَلَّق به؛ لأن الظرف والجار والمجرور لا يمكن أن يكون عاملُه معنويًّا، لا بد أن يكون عاملُه لفظيًّا، بخلاف غيرهما فإنه قد يكون عاملُه معنويًّا فيكون مبتدأ، لكن الظرف لا يكون مبتدأ، والجار والمجرور لا يكون مبتدأ، فلا بد له من عامل لفظيٍّ.
العامل اللفظي (...)، وإما ما كان بمعنى الفعل كاسم الفاعل واسم المفعول، وعلى هذا يقول ناظم الجمل:

لَا بُدَّ لِلْجَارِ مِنَ التَّعَـــــــلُّقِ بِفِـــــــــــــعْلٍ اوْ مَعْـــــــــــنَاهُ نَحْـــــــــــــوُ مُـــــــــــــرْتَقِ
وَاسْتَثْنِ كُلَّ زَائِدٍ لَهُ عَمَلْ كَالْبَا وَ(مِنْ) وَالْكَافِ أَيْضًا وَ(لَعَلّ)

الشاعر في الجاهلية يقف يقول القصيدة خمسين بيتًا أو أكثر ويرجع الناس وقد حفظوها.
إذن قوله تعالى: وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى [الزمر: ٦٠] يَوْمَهذه ظرف إذن لها متعلق، فأين متعلقها؟ متعلقها الفعل الذي بعدها تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا [الزمر: ٦٠] يعني: وترى الذين كذبوا على الله يوم القيامة وجوههم مسودة، ولكن قدَّم المعمول للأهمية؛ لأن المهم التحدث عن هذا اليوم.
وقوله تعالى: تَرَى الَّذِينَالخطاب لكل مَنْ يصحُّ خطابه، فيعمُّ الرسولَ صلى الله عليه وآله وسلم وغيرَه ممن يصحُّ توجيه الخطاب إليه، والرؤيا هنا رؤية بصرية؛ لأن السواد لون، والرؤية باللون هي رؤية أيش؟ بصرية؛ لأن الألوان تُرَى ولا تُعْقَل؛ يعني: تدرك بالرؤية لا بالعقل.
تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّة [الزمر: ٦٠] كذبوا على الله بماذا؟ بكل أنواع الكذب، كل من كذب على الله فإن وجهه سيكون مسودًّا يوم القيامة، وذلك بنسبة الشريك له كما قال المؤلف، بنسبة الولد له كما قال المؤلف أيضًا، بنسبة الجور له، بنسبة الظلم، بأي شيء يُكْذَب على الله، فإن الذين يكذبون على الله ستكون وجوههم يوم القيامة مُسْوَدَّة، طيب، حتى لو كانوا في الدنيا بيضًا، فإنهم يأتون يوم القيامة وجوههم مسودة، والعياذ بالله، قال: (...).
طيب، تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ [الزمر: ٦٠] ولم يقل: ترى وجوه الذين كذبوا على الله مسودة؛ لأن التركيب المذكور في القرآن أبلغ في الإثبات؛ حيث جعل هذا الوصف -أعني سواد وجوههم- هو من جملة اسمية؛ لأن الجملة الاسمية (...) الثبوت والاستمرار، بخلاف الجملة الفعلية فإنها تفيد التجدد والحدوث.
فترى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِترى نفس الإنسان وجهه مسود، لكن لو قال: ترى وجوه الذين كذبوا على الله مسودة لم تحصل هذه الفائدة.
إذن هذا التركيب الذي في الآية الكريمة يفيد معنى أكثر مما لو كان على التركيب الذي ذكرته لكم؛ لأن هذا التركيب القرآني يدلُّ على أن هذا الاسوداد في وجوههم ثابت مستقر حيث جاء بالجملة الاسمية، والجملة الاسمية تفيد الثبوت والاستمرار.
وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ [الزمر: ٦٠] أَلَيْسَالاستفهام هنا للتقرير، ويقول العلماء: كلما جاءت أداة النفي بعد الاستفهام فإنه للتقرير أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ [التين: ٨] أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى [القيامة: ٤٠] أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ [الزمر: ٣٦] أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ، أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح: ١] والأمثلة في هذا كثيرة.
فالاستفهام إذن في هذه الآية أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ؟ الجواب: بلى، استفهام تقريري، أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ، جَهَنَّمَاسم من أسماء النار أعاذنا الله وإياكم منها (...).
أو هو اسم عربي على وزن فعنلل؛ في ذلك قولان: منهم من قال: إنه اسم مُعَرَّب وأصله في الفارسية كهنام، فعُرِّب فآل إلى جهنم، وقيل: بل هو اسم عربي على وزن (...) زائدة مشتقة (...) أو الجهمة وهي الظلمة، لأن النار -والعياذ بالله- سوداء مظلمة، وإذا دار الأمر بين أن تكون الكلمة أصيلة أو دخيلة فالأصل أنها أصيلة؛ لأن القرآن عربي.
وأيضًا إذا حكمنا بأن الأصل عربي جعلنا اللغة العربية غَنِيَّة عن غيرها، وإذا جعلنا أصله فارسيًّا أو حبشيًّا أو ما أشبه ذلك ولكنه عُرِّب، فهذا يعني أن اللغة العربية افتقرت إلى هذه الكلمة فعَرَّبَتْهَا وأدخلتها في لسان (...)، المفسر مأوى فالمثوى والمأوى بمعنى واحد، والمراد بالمثوى والمأوى المقر والمسكن.
(لِلْمُتَكَبِّرِينَعن الإيمان) عن الإيمان وعن الأعمال أيضًا، كل متكبر -والعياذ بالله- فهو من أصحاب النار، قال المفسر: (بلى) هذه جواب أيش؟ جواب أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَفالجواب: بلى؛ وإذا جاءتك مثل هذه الصيغة في القرآن فجوابها: بلى، فإذا قرأت أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ [الزمر: ٣٦] فالجواب: بلى أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ [الزمر: ٣٧] أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى [القيامة: ٤٠] أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ [التين: ٨] بلى، وهكذا.
يستفاد من هذه الآية الكريمة: إثبات (...) قوله: وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ [الزمر: ٦٠].
ويوم القيامة هو يوم قيام الساعة، وسُمِّيَ بذلك؛ لأن الناس يقومون من قبورهم لرب العالمين، ولأنه يقام فيه العدل، ولأن الأشهاد تقوم فيه؛ لقوله: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [المطففين: ٦] ولقوله تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأنبياء: ٤٧]، ولقوله تعالى: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ [غافر: ٥١] فهذا هو تسميته بيوم القيامة.
ومن فوائد الآية الكريمة: سوء عاقبة الكاذبين على الله؛ لقوله: وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ [الزمر: ٦٠].
ومن فوائدها: تحريم الكذب على الله، من أين يُؤْخَذ التحريمُ؟ من العقوبة، التحريم يستفاد من صيغة (...) فقط؟ بل يستفاد التحريم من صيغة النهي، (...) وبيان عقوبة فاعله، وما أشبه ذلك. المهم أن وسائل العلم بالتحريم متعددة.
ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من الفُتْيَا بلا علم؛ لأن من أفتى بلا علم فقد (...) تحريم ذلك في قوله: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [الأعراف: ٣٣].
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن النار (...) وظلمة أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ.
ومن فوائدها: أن الكاذبين على الله مقرهم النار؛ لقوله تعالى: أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ.
ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم الكبر؛ لقوله: لِلْمُتَكَبِّرِينَ، تَكَبُّر عن الحق، تَكَبُّر على الخلق، ويدل لهذا التنويع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ» فقوله: (...) الناس؛ التكبر على الخلق، وأيهما أعظم؟ الأول: التكبر عن الحق لأن الثاني داخل فيه؛ فإن التكبر على الخلق تكبر عن الحق، إذ إن الحق يأمرك أن تكون متواضعًا للحق وللخلق.
ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من التكبر؛ لأن عقوبة المتكبرين دخول النار، بل إذا كان التكبر تكبرًا مطلقًا فإن عقوبته السكنى في النار والخلود في النار للمتكبرين، أما مَنْ تكبر مطلقَ تكبرٍ فهذا لا يحكم له بالخلود في النار، لأنه قد يتكبر عن بعض الحق أو يتكبر على الخلق فلا يستحق الخلود. والله أعلم. (...).

***

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [الزمر: ٦١] الآية التي قبلها باقي علينا فوائدها.
تفسير الآية (61)
00:30:10

لما ذَكر الله سبحانه وتعالى عقاب الذين كَذَبوا على الله بَيَّن ثوابَ الذين اتقوا الله عز وجل، وهذا دَأْبُ القرآنِ الكريم؛ أنه إذا ذَكَر الشيءَ ذَكَر مقابلَه، وهو من معنى قوله تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ [الزمر: ٢٣] قال العلماء: مَثَانِيَأي: تُثَنَّى فيه المعاني، فإذا جاء وصف المؤمنين جاء وصف الكافرين، إذا جاء ثواب المؤمنين جاء ثواب الكافرين، وكذلك بالعكس، وذلك من أجل ألا يستغرق الإنسان في جانب الرجاء إذا ذُكِرَ وصفُ المؤمنين وثوابهم. وكذلك لا يَيْأَس إذا ذُكِرَ وصفُ الكافرين وعقابهم.
هنا يقول الله عز وجل: وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ [الزمر: ٦١] يقول: يُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْامن أي شيء؟ من عقاب الكافرين، فلا تكون وجوههم مسودة ولا تكون مثواهم جهنم، وقد بَيَّن الله سبحانه وتعالى في آيات أخرى أن يوم القيامة تَبْيَضُّ وجوهٌ وتسودُّ وجوه؛ تسود وجوه الكافرين، وتبيض وجوه المؤمنين، فينجي الله الذين اتقوا من عقاب الكافرين في هذا وفي هذا.
وقول المؤلف: (ينجي الله من جهنم) صحيح، لكن لو قال: من عقاب الكافرين كان أعمَّ؛ لتشمل النجاةُ نجاتَهم من جهنم ومن أن تكون وجوههم مسودة ومن غير ذلك.
قال: (الَّذِينَ اتَّقَوْاالشرك) والصواب أن يقال في هذا: اتقوا الله؛ لأن التقوى عند الإطلاق إنما يراد بها تقوى الله عز وجل، وقد تُذْكَر في غير الله مثل: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [البقرة: ٢٨١] وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [آل عمران: ١٣١] وأشباه ذلك، لكن عند الإطلاق لا يُرَاد بها إلا تقوى الله عز وجل.
(بِمَفَازَتِهِمْ [الزمر: ٦١] أي: بمكان فوزهم من الجنة بأن يُجْعَلوا فيه) قال: بمكان فوزهم من الجنة بأن يُجْعَلوا فيه؛ فأفادنا رحمه الله بهذا التفسير أن الباء بمعنى (في)؛ أي: ينجي الله الذين اتقوا من العذاب في مكان فوزهم وهو الجنة، والباء تأتي بمعنى (في) في اللغة العربية، ومنه قوله تبارك وتعالى: وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [الصافات: ١٣٧، ١٣٨] بِاللَّيْلِيعني: في الليل.
قال: لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [الزمر: ٦١] هذا من نجاتهم؛ أنه لا يمسهم السوء، أي: لا يمسهم شيء يسوؤهم، لا من عقاب ولا من توبيخ ولا غير ذلك؛ ولهذا إذا دخل أهل الجنةِ الجنةَ يقال: «يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتٌ» ، ويقال: «إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيُوا- يعني فلا تموتوا- وَلَا تَسْقَمُوا وَلَا تَبْأَسُوا» دائمًا هم في نعيم؛ ولهذا قال: لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَأي: لا يحزنون على ما سبق؛ لأن الحزن يكون على ما مضى، والغم يكون للمستقبل، أما المستقبل فقال: لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ، وأما الماضي فقال: وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَأي: لا يحزنون على ما مضى؛ لأنهم لم يُفَرِّطوا فيه، بل عرفوا قَدْرَ الزمن وعملوا فيه ما نَجَوْا به من عذاب الله عز وجل.
في هذه الآية الكريمة فوائد:
منها: فضل الله سبحانه وتعالى على المتقين؛ حيث ينجيهم إلى مكان الفوز.
ومنها: فضيلة التقوى وآثارها وثمراتها، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم من ثمراتها شيئًا كثيرًا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء الناجين لا يمسهم سوءٌ في المستقبل ولا يحزنون على شيء مضى، وبذلك يتم نعيمهم؛ لأن النعيم ينقُص إذا أصاب الإنسان هَمُّ أو غَمٌّ للمستقبل، وينقص أيضًا إذا أصابه حزن على الماضي، أما إذا عرف أنه كسب الماضي وأنه لن يناله سوء في المستقبل فسوف يتم له النعيم.

***

تفسير الآية (62)
00:36:42

ثم قال تعالى: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [الزمر: ٦٢] الجملة اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍجملة اسمية تفيد الثبوت والاستمرار وأن الله تعالى دائمًا وأبدًا هو الخالق.
وقوله: خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍمعناها: موجده على الصورة التي أرادها الله عز وجل، والخلق في الأصل بمعنى التقدير، ولكنه يُطْلَق على الإيجاد المقرون بالتقدير والتسوية والإحكام والنظام، فهنا الخلق يُرَادُ به الإيجادُ على وجه كامل بتقديره وتسويته وتنظيمه.
وقوله: كُلِّ شَيْءٍ، قال بعض الناس: يُسْتَثْنَى من ذلك نفسه، ولكن هذا ليس بصواب؛ لأنه من المعلوم أن الفاعل ليس المفعول، وحينئذ لا يحتاج إلى استثناء، الاستثناء يحتاج في جملة يكون فيها المستثنى داخلًا فيها لولا الاستثناء، أما هنا فلا يمكن أن يكون داخلًا فيها، لماذا؟ لأن الفاعل غير المفعول، فالخالق غير المخلوق، ولا يمكن أن يوجد مخلوق ويوجد بعده خالقه مثلًا، حتى نقول: إن الجملة تحتاج إلى استثناء.
قال: وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌوهو يعني الله عز وجل، عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌقال: (متصرف فيه كيف يشاء)، ولو قال: عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌأي: حفيظ عليه مدبر له لكان أعم؛ لأن الوكيل في اللغة: هو الذي وُكِلَ إليه الشيء حفظًا وتدبيرًا، والله عز وجل على كل شيء وكيل حفظًا وتدبيرًا، وهنا لا يقال: كيف كان وكيلًا، ومن الذي وَكَّله؟ نقول: إذا كان الوكيل بمعنى الحفيظ المدبر فلا حاجة إلى استحفاظه، بل هو الذي تولى ذلك بنفسه.
في هذه الآية فوائد:
أولًا: عموم خَلْقِ الله عز وجل لكل شيء؛ لقوله: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ.
ومنها: الردُّ على القدرية الذين قالوا: إن الإنسان خالقٌ أفعالَه، ووجه ذلك أن أفعال العباد داخلة في العموم فهي شيء من الأشياء فتكون داخلة في العموم.
ومنها: أن الله خالق للأعيان والأوصاف؛ لأن الأعيان شيء يعني تسمى شيئًا، والأوصاف تُسَمَّى أيضًا شيئًا.
ومنها: أن القرآن مخلوق؛ لقوله: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍوالقرآن شيء.
ومنها: أن الله مخلوق، لأنه شيء قال الله تعالى: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً [الأنعام: ١٩].
فما تقولون في هاتين الفائدتين أن القرآن مخلوق وأن الله مخلوق؟
نقول: هذا ليس بصحيح، أما كون الله مخلوقًا فقد عرفتموه قبل قليل، وهو ضرورة أن الفاعل ليس هو المفعول هذا واحد.
وأما أن القرآن غير مخلوق؛ فلأن القرآن وصف الله عز وجل، والرب بصفاته ليس مخلوقًا، بل هو لم يزل ولا يزال بصفاته، فكلامُه غيرُ مخلوق ومنه القرآن، وعلى كل حال فيكون الرب عز وجل وصفاته ليس داخلًا في هذا العموم بالضرورة؛ لأن الخالق غير المخلوق.
وقول الذين استدلوا بهذه الآية على خلق القرآن أن هذا عام، نقول: إن العام قد يُرَاد به الخصوص، هذا إذا صَحَّ أن الذهن ينتقل من هذا العموم إلى كل شيء، نقول: إن كلمة كُلِّ شَيْءٍتأتي ولا يُراد بها العموم مثل قوله تعالى: تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا [الأحقاف: ٢٥]، ومعلوم أنها لم تُدَمِّر السموات ولا الأرض بل ولا مساكن القوم كما قال تعالى: فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُم [الأحقاف: ٢٥].
ومن فوائد الآية الكريمة: عناية الله سبحانه وتعالى بما خلق؛ لأنه لما ذكر أنه خلق كل شيء بَيَّن أنه على كل شيء وكيل، وهذا يدل على عناية الله بخلقه تبارك وتعالى.
ومنها: أن ما يصيب الناس من البلاء والفتن فإنه من الله، ومن مقتضى وَكَالَتِهِمْ؛ لعموم قوله: وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [الزمر: ٦٢]، ومعلوم أن الإنسان إذا آمن هذا الإيمان فإنه سيسهل عليه كل ما صَعُب، وإذا آمن أيضًا أنه بالصبر والاحتساب تنقلب هذه المصائب نعمًا هانت عليه أيضًا، ولهذا لا نجد أحدًا أعظمَ راحة ممن آمن بالقدَرِ خيرِهِ وشرِّه، فإنك تجد الإنسان وإن تَقَلَّبَتْ به الأحوال تجده راضيًا مطمئنًا، إن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له.

***

تفسير الآية (63)
00:43:30

ثم قال الله عز وجل: لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [الزمر: ٦٣] أي: مفاتيح خزائنهم من المطر والنبات وغيرهم، لَهُ مَقَالِيدُ: المقاليد جمع مقلاد وهو ما يُقَلَّد به الشيء، هذا الأصل، والمؤلف جعل المقاليد هنا بمعنى المفاتيح، ولو أنه قال: له مقاليد السماوات والأرض أي: تدبير السماوات والأرض لكان أولى؛ لأن كلمة مفاتيح قد يَظنُّ الظانِّ أنه يملك المفاتيح دون التدبير، ولكن الأمر ليس كذلك، فهو بيده مقاليد السماوات والأرض أي: تدابيرهما كما يشاء.
ثم قال عز وجل: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [الزمر: ٦٣] الَّذِينَ كَفَرُوامبتدأ، وجملة أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَخبرها، وعلى هذا فتكون هذه الجملة تتضمن جملتين كبرى وصغرى؛ الكبرى هي المكونة من المبتدأ والخبر، والصغرى هي التي وقعت خبرًا، انتبه الَّذِينَ كَفَرُوامبتدأ، (أولاء) مبتدأ آخر الْخَاسِرُونَخبر المبتدأ الآخر، والجملة من المبتدأ الثاني وخبرِه خبرُ المبتدأ الأول.
وفائدة الإتيان بهذا التركيب فائدته أنه أُسْنِدَت الجملة الثانية إلى الأولى حتى صارت الجملة جملتين في المعنى.
أما قوله: هُمُ الْخَاسِرُونَفـهُمُضمير فصل لا محل له من الإعراب، وفائدته: أولًا التوكيد، والثاني الحصر، والثالث التمييز أو إن شئت قل: الفصل بين كون ما بعده خبرًا أو وصفًا، فإنك إذا قلت: زيد هو الفاضل، فإن كلمة (الفاضل) تحتمل أن تكون خبرًا أو أن تكون صفة إذا حذفت (...)، إذا قلت: زيد الفاضل، فربما يترقب الإنسان كلمة أخرى تتم بها الجملة، ويعتقد أن (الفاضل) صفة، فإذا قلت: هو الفاضل زال هذا التوقع، وعلم أن ما بعده (هو) خبر المبتدأ.
قال: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ(القرآن)، وهذا فيه شيء من القصور؛ لأن آيات الله عز وجل في القرآن وفي غير القرآن، ثم الآيات كونية وشرعية، والكفر يكون بهما جميعًا أي: بالآيات الكونية والآيات الشرعية، ويكون بالقرآن وبالتوراة وبالإنجيل وبغيرهما من الكتب التي أنزلها الله عز وجل، فالأولى العموم أن يقال: كفروا بآيات الله الكونية والشرعية، القرآن وغير القرآن.
وأصل الكفر أصله الجحد، ومنه (الكُفُرَّى) الذي هو وعاء طلع النخلة؛ لأنه يَسْتُر الطلع ولا يتبين، والكافر جاحد ساتر لحق الله عز وجل ولنِعَمِ الله عز وجل، وكفرهم بآيات الله يكون تارة بالتكذيب وتارة بالاستكبار، ففي مقابل الأخبار يكون بالتكذيب، وفي مقابل الأمر والنهي يكون بالاستكبار.
وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [الزمر: ٦٣] (أولاء) اسم إشارة كما تعرفون، وهنا المشار إليه بعيد أو قريب؟ المشار إليه بعيد؛ لأن الكاف لا تأتي إلا إذا كان المشار إليه بعيدًا، فإنها تأتي الكاف لتنبيه المخاطب إلى المشار إليه لبُعْدِه، أما إذا كان المشار إليه قريبًا فإنه لا يؤتى بالكاف، بل يقال: أولاء مثل هؤلاء، ويقال: هذا، لكن إذا كان بعيدًا فإنه يؤتى بالكاف، لماذا؟ تنبيه المخاطب إلى المشار إليه؛ لأنه لا شك أن الإنسان إذا خُوِطب كان ذلك أبلغ في تنبيهه، (أولئك) إذا قلت: الكاف سينتبه وينظر من هذا المشار إليه، فإذا كان لا يكون إلا البعيد، فالبُعْدُ إما عُلُوٌّ أو سُفْل، وإما حسي وإما معنوي، فالأقسام إذن أربعة: فما هو القِسم الذي ينطبق على الذين كفروا هنا؟ البعيد سُفولًا. معنوي ولا حسي؟ معنوي. وفي النار؟ حسي. لكن في الدنيا معنوي؛ لأنه قد يكون كافرًا وهو في قمة الجبل.
الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِإذن الكفر قلنا: إنه يتضمن شيئين إما الجحود وإما استكبار أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [الزمر: ٦٣] هم لا غيرهم، الخاسرون الذين خسروا الدنيا والآخرة، أما خسران الآخرة فظاهر، وأما خسران الدنيا فإنهم إنما خُلِقُوا لعبادة الله، وهل قاموا بعبادة الله؟ لا، إذن خسروها أو لا؟ خسروا المعنى الذي من أجله خُلِقُوا؛ قال الله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦]، وقال الله تعالى: قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِين [الزمر: ١٥].
قال المفسر: (متصل بقوله: وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْوما بينهما اعتراض) متصل يعني معنى، نعم لقوله: وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ [الزمر: ٦١] هذا ما ذهب إليه رحمه الله، ولكن هذا قد يُنازَع، قد يقال: إن قوله: وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ [الزمر: ٦١] هو المتصل بما قبله، ارجعوا إلى القرآن الآن وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ [الزمر: ٦١] الصواب أن يُنَجِّيمتصل بما قبله، لما ذكر الذين كذبوا على الله أن وجوههم مسودة قال: وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا [الزمر: ٦١] أما هذا فليس له صلة بما ذُكِرَ، بل صلته بما قبله مباشرة أبين وأظهر؛ لأن الله قال: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [الزمر: ٦٢، ٦٣] يعني؛ فبَعْدَ هذا البيان وبعد الإقرار -إقرار الكفار بأن الله خالق كل شيء- لا يبقى لهم ربح إذا كفروا، بل هم الخاسرون، فيكون هذه الآية متصلة بما قبلها مباشرة، وليست متصلة بقوله: وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ [الزمر: ٦١]؛ لأن هذه الآية وَيُنَجِّي اللَّهُمتصلة بما قبلها، وهذا هو مقتضى النَّظْم القرآني، أما أن نشتت الآيات ونقول: كل هذه الجملة اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [الزمر: ٦٢، ٦٣] كل هذا جملة اعتراضية أو كل هذا اعتراض لا محل له هنا، فلا شك أن هذا خلاف ما يقتضيه النَّظْم والسياق القرآني، فالصواب أن هذه الجملة متصلة بما قبلها، ووجه الاتصال؟ ما وجه الاتصال؟ المؤلف قال: إن قوله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِمتصل بقوله: وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْاونحن ذكرنا أن في هذا نظرًا، وأن الصواب أنه متصل بما قبله، وبينَّا وجه الصواب، فما هو؟
طالب: (...).
لا يمكن ينتبه الإنسان وهو ينظر يمين وشمال، القلب يتبع النظر، يأمر النظر فينظر ثم يتبع النظر ولا يهتم بما أمامه، من اللي يعرف؟
طالب: لأن الله عز وجل قال: بيده مقاليد السماوات والأرض.
الشيخ: وأنه خالق كل شيء وهم يُقِرُّون به.
الطالب: فلم يكن لهم حجة فترتب على (...).
الشيخ: فصار هؤلاء الذين يُقِرُّون بأن الله خالق كل شيء وأن له مقاليد السماوات والأرض وكفروا به يكونون خاسرين لا شك، هم أخسر الناس، كيف يقرون بأن الله خالق كل شيء؟! وأن له مقاليد السماوات والأرض ثم يكفرون بآياته؟! كان مقتضى هذا الإقرار أن يؤمنوا بآيات الله، ولكنهم خَسِروا فكفروا بآيات الله، قال الله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [الزمر: ٦٣].
في هذه الآية لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [الزمر: ٦٣] فوائد منها: أن المدبر للسماوات والأرض هو الله وحده، ووجه كونه وحده أنه قَدَّم الخبر في قوله: لَهُ مَقَالِيدُوتقديم الخبر يفيد الحصر.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: لفت نظر الإنسان إلى ألَّا يستعين إلا بالله، ولا يسأل إلَّا الله، ولا يتوكل إلا على الله، وجه ذلك؟ أنه هو الذي له مقاليد السماوات والأرض، فإذن لا تلتفتْ إلى غيره، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لعبد الله بن عباس: «إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ» .
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكافرين هم الخاسرون وإن كانوا في الدنيا قد ربحوا الجولة، فإنهم خاسرون دنيا وأخرى؛ لقوله: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ.
ومن فوائدها: وجوب الإيمان بآيات الله، ووجه الدلالة أنه إذا كان الوعيد على مَنْ كفر بها دَلَّ ذلك على وجوب الإيمان.
ومنها أيضًا: تحريم الكفر، لكونه سببًا للخسارة.
فإذا قال قائل: أين في الآية لفظ (يحرم)؟ قلنا: التحريم يُسْتَفاد بعدة طرق؛ منها النهي مثل: وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا [الإسراء: ٣٢]، ومنها التصريح بالتحريم مثل: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ [المائدة: ٣]، ومنها: نفي الحل مثل قوله: وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ [البقرة: ٢٢٨]، ومنها: الوعيد على الشيء، ومنها: بيان فوات الخير. وطرق إفادة التحريم متعددة، لكن مِنْ جُمْلَتِها ترتيب الخسران على فعل الشيء يدل على أنه حرام.
ومن فوائد الآية الكريمة: رِبْحُ الذين آمنوا وأنهم هم الرابحون، من أين يُؤْخَذ؟ من مفهوم خسارة الكافرين أن يكون الربح للمؤمنين، وقد صرَّح الله بذلك في قوله: وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر: ١ - ٣].

***

تفسير الآية (64)
00:57:59

ثم قال الله عز وجل: قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ [الزمر: ٦٤].
الإعراب: أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّيالهمزة للاستفهام، والفاء حرف عطف، وهنا يُشْكِل على هذا الإعراب ما اشتهر من أن همزة الاستفهام لها الصدارة، وهنا قال: أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّيفإذا كان لها الصدارة فكيف تأتي الفاء بعدها الدالة على أن الجملة معطوفة؟ فالجواب: أن في ذلك لعلماء النحو وجهين:
الوجه الأول: أن الهمزة للاستفهام وأنها داخلة على جملة معطوف عليها، وتُقَدَّر هذه الجملة بما يناسب السياق، وعلى هذا فيكون التقدير في هذه الآية، قل: أتجهلون فغيرَ الله تأمرونِّي أعبد أيها الجاهلون، ويُقَدَّر في كل موضع ما يناسب.
أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ [يوسف: ١٠٩] التقدير: أَغَفَلُوا فلم يسيروا في الأرض. وقيل: إن الهمزة للاستفهام وأن الفاء مزحلقة عن مكانها والتقدير: فأغير الله، فتكون هذه الجملة معطوفة على ما سبق، ولكن المعنى الأول إذا تَيَسَّر وأمكن أن يُقَدَّر شيء مناسب فإنه أولى.
يقول المؤلف في إعرابه: (غَيْرَمنصوب بـأَعْبُدُالمعمول لـتَأْمُرُونِّيبتقدير أن، بنون واحد وبنونين بإدغام وفك) هذه على قوله تأمرونِّي، يقول المؤلف في الإعراب: إن غير منصوبة بأعبد، والتقدير: أأعبد غير الله بأمركم هذا معنى الآية، وقوله: أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّيفيها قراءات:
أولًا: قراءتها بنون واحدة {تَأْمُرُونِي}، ثانيًا: قراءتها بنونين بإدغام تَأْمُرُونِّي، ثالثًا: قراءتها بنونين بدون إدغام {تَأْمُرُونَنِي}.
أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُيعني: أتمرونني أعبد غير الله؟ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَأي: الجاهلون بحقيقة ما يجب لله عز وجل، وبحقيقة عبادة الأصنام، ويحتمل أن المعنى المراد بقوله: الْجَاهِلُونَأي: السفهاء؛ لأن الجهل تارة يُرادُ به السفه، وتارة يُرادُ به عدم العلم، وإذا كان المراد به السفه فإنه يُسَمَّى جهالة كما في قوله تعالى: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ [النساء: ١٧].
وقوله: أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي [الزمر: ٦٤] يشمل كل مَنْ سوى الله من حي وميت وصالح وفاسد وجماد وحيوان.
أَيُّهَا الْجَاهِلُونَأَيُّمنادى، والْجَاهِلُونَوصف لـ(أَيُّ)؛ ولهذا جاءت مرفوعة، والاستفهام هنا للتوبيخ والإنكار بدليل قوله: أيها الجاهلون.
يستفاد من هذه الآية فوائد:
أولًا: جهالة أولئك الذين يأمرون بعبادة الأصنام.
ومنها: أن هؤلاء الجاهلين حاولوا أن الرسول نفسه يعبد الأصنام مع أنه إنما جاء لتوحيد الله عز وجل وحده.
ثالثًا: من فوائد هذه الآية: أن الرب عز وجل عبادته علم وعبادته رُشْدٌ؛ لأنه إذا كانت عبادة غيره جهلًا، فعبادته عِلْمٌ ورُشْد.
ومن فوائدها: أنه إذا كان المشركون يحاولون أن يُشْرِك النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فما بالك بأتباع الرسول عليه الصلاة والسلام؟! إنهم سوف يحاولون أن يشركوا أكثر من محاولتهم إشراك النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
ويتفرع على هذه الفائدة: الحذر من دعاة الشرك والكفر، مثل دعاة النصرانية اليوم؛ فإن النصارى -عليهم لعنة الله إلى يوم القيامة- يحاولون بكل ما يستطيعون أن يضللوا المسلمين وأن يُنَصِّروهم، وإذا عجزوا عن ذلك فعلى الأقل أن يُخْرِجوهم من دينهم وإن لم يدخلوا دين النصرانية، وهذا الآن واضح فتجدهم ينشِئون الإذاعات القوية الواضحة من أجل دعوة المسلمين إلى النصرانية، وتجدهم يكتبون الكتابات الكثيرة من رسائل وكتب أكبر يبثونها بين المسلمين، وتجدهم أيضًا يكتبون الإنجيل كتابة ككتابة المصحف تمامًا مُفَصَّلًا مُعْرَبًا مُشَكَّلًا، حتى يظنه العامي من الناس الذي لم يعرف القرآن يظنه هو القرآن، وتجدهم أيضًا يذهبون إلى البلاد الفقيرة العاجزة وينشئون فيها المدارس والمرافق، ثم الكنائس من أجل (...) الناس، فالمهم أن أعداء المسلمين لا يَأْلُون جُهْدًا في إخراج المسلمين عن دينهم إلى مِلَّتِهِم التي كانوا عليها. والله أعلم.

***

طالب: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦) وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٧٧) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ [الزمر: ٦٥ - ٦٨].
تفسير الآية (65)
01:06:16

الشيخ:
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الزمر: ٦٥] ذكرنا بالأمس أن هذه الجملة مؤكدة بكم مُؤَكِّدًا؟
طالب: بثلاثة.
الشيخ: ما هي؟
الطالب: اللام.
الشيخ: اللام.
الطالب: القسم المضمر.
الشيخ: القسم المقدر، والتقدير؟ لا، المُقَدَّر هذا الصواب، والتقدير؟
الطالب: والله (...).
الشيخ: قوله تعالى: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر: ٦٥] في هذا إشكال، ما هو؟
الطالب: في إشكال كيف يكون النبي عليه الصلاة والسلام يشرك (...) والجواب عليه..
الشيخ: الإشكال كيف يقول الله في حقه: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر: ٦٥]، وهل يجوز أن يُشْرِك؟ طيب ما هو الجواب؟
الطالب: قيل: إنه (...) والثاني أنه..
الشيخ: ما فهمنا الجواب الأول.
الطالب: أن هذا مُوَجَّه للأمة؛ أمة النبي صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: إن المراد بهذا الأمة، وإن كان الخطاب مُوَجَّهًا للرسول فالمراد به الأمة، كقوله: وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام: ٨٨]. الوجه الثاني؟
الطالب: الوجه الثاني (...) لا يلزم منه وقوع المحتمل.
الشيخ: نعم، أن التعليق بالشرط لا يلزم منه وقوعُ المشروط، هل له نظير؟
طالب: قوله: قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ.
الشيخ: نظيره قوله تعالى: قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ [الزخرف: ٨١]، ومعلوم أنه يمتنع أن يتخذ الله ولدًا.
قوله: وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الزمر: ٦٥] مُؤَكَّدَة بكم مؤكد؟
الطالب: باللام، ونون التوكيد.
الشيخ: نعم.
طالب: والقَسَمِ المقَدَّر.
الشيخ: والقَسَم المقدر؛ لأن اللام هذه تكون جوابًا للقسم.
نأخذ فوائد هذه الآية:
من فوائد هذه الآية: أن الشرك محبط للعمل ولو وقع من أفضل الخلق؛ لقوله: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ.
ومن فوائدها: أن هذا الحكم ثابت في جميع الشرائع؛ لقوله: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ [الزمر: ٦٥].
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عِظَمُ الشرك وأنه أفسد أنواع المعاصي؛ ولهذا يحبط العمل كله.
ومن فوائدها: إثبات الوحي للرسول صلى الله عليه وآله وسلم ولمن سَبَقَهُ من الرسل عليهم الصلاة والسلام.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الشرك سبب للخسران في الدنيا والآخرة؛ لقوله: وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ.
ومن فوائد هذه الآية: أن الكفار وإن رَبِحُوا في الدنيا فإنهم في الحقيقة خاسرون للدنيا وللآخرة؛ لأنهم لم ينتفعوا في الدنيا بما خُلِقُوا له، فلذلك كانوا خاسرين، وقد قال الله تعالى في آية أخرى: قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الزمر: ١٥].

***

تفسير الآيتين (66-67)
01:11:14

ثم قال الله تعالى: بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ [الزمر: ٦٦].
بَلِ: هذه للإضراب؛ إضراب الإبطال أو الانتقال؟ إضراب الإبطال؛ لأن الإضراب عندهم نوعان:
نوع يراد به إبطال ما سبق وإثبات ما لحق، ونوع يراد به الانتقال من شيء إلى آخر.
مثال الأول: هذه الآية، ومثال الثاني: قوله تعالى: بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ [النمل: ٦٦] فهنا انتقالات مِنْ سَيِّء إلى أسوأ، بَلِ ادَّارَكَأي: بَعُد عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ، وهنا يقول: بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ [الزمر: ٦٦] هذا إضراب إبطال لما سبق من الشرك؛ يعني: بل دَعِ الشرك فإنه باطل واعبد الله.
وقوله: بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْقال المؤلف: (وحده) فمن أين أَخَذ هذه الوحدانية المفيدة للحصر؟ أخذها من تقديم المعمول، والقاعدة في البلاغة أن تقديم ما حَقُّه التأخير يفيدُ الحصرَ والاختصاصَ؛ كل شيء حَقُّه التأخير إذا قُدِّمَ فإن الحكم يختص به، ومعلوم أن المفعول به حَقُّه التأخير، فإذا قُدِّم على عامله أفاد الاختصاصَ والحصرَ، أي: بل الله وحده.
فَاعْبُدْالفاء يقولون: إنه جيء بها لتحسين اللفظ، ولو حُذِفَت في غير القرآن لاستقام الكلام، لكنها في القرآن لا تُحْذَف لأنه نزل من عند الله ولا يمكن تَغْيِيرُه، وإنما التعبير بمثل ذلك يُسَمُّون هذه الفاء فاء التزيين، ولها نظير؛ مثل قولهم: عندي كذا وكذا فقط، أي: قط، والفاء زائدة لتحسين اللفظ.
قال: بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْاعْبُدْفعل أمر، أي: تَذَلَّلْ له، تذلل لله، واعلم أن العبادة تُطْلَق على معنيين: المعنى الأول التَّعَبُّد، والمعنى الثاني المُتَعَبَّد به.
أما التعبد فمعناه التذلل لله تعالى محبة وتعظيمًا بالقيام بأوامره واجتناب نواهيه، فإذا رأينا شخصًا يُصَلِّي مثلًا قلنا: هذا يتعبد؛ أي: يتذلل لله تعالى بفعل الصلاة، وتُطْلَق على المتعبد به أي: على نفس المفعول، وعرَّفها شيخُ الإسلام على هذا المعنى بقوله: العبادةُ اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة؛ وعلى هذا فالصلاة نفسها نسميها عبادة، والصدقة عبادة، والصوم عبادة، والحج عبادة، وبر الوالدين عبادة، وصلة الأرحام عبادة، والإحسان إلى الفقراء عبادة وهكذا، فقوله تعالى: فَاعْبُدْأي: تذلَّلْ له بفعل عبادته بامتثال أوامره واجتناب نواهيه.
(بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَإنعامَه عليك) وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَكُنْفعل أمر، ومِنَ الشَّاكِرِينَأي: من الذين يشكرون الله.
واعلم أن (أل) إذا اتصلت بمشتق فإنها تكون اسمًا موصولًا من أسماء الموصول العامة، فهي بمنزلة (مَنْ) وبمنزلة (ما) إذا اتصلت بماذا؟ بمشتق، مثل: الشاكر والمشكور والأحسن وما أشبهها؛ فعلى هذا يكون قوله: مِنَ الشَّاكِرِينَمفيدة للعموم؛ أي: من القائمين بشكر الله.
فإن قيل: ما هو الشكر؟ قيل: إن الشكر القيام بطاعة المُنْعِم عقيدةً وقولًا وفعلًا؛ هذا الشكر؛ ولهذا قال الشاعر:
أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَ الْمُحَجَّبَا

يعني: أنكم ملكتم بإنعامكم عليَّ ملكتم قلبي ولساني وجوارحي.
فإن قال قائل: هل الشكر هو الحمد أو غيرُه؟
قلنا: بينهما عموم وخصوص، يجتمعان فيما إذا كانا في مُقابَلَةِ نعمة، فإن الحمد هو الشكر؛ لأنه ثناء على الله باللسان، فإذا أكل الإنسان أو شرب فقال: الحمد لله، كان بذلك شاكرًا وحامدًا، وينفرد الحمد بوصف الله تعالى بالكمال دون مقابلة نعمة؛ فإذا أثنيت على الله بأنه الحي العظيم وما أشبه ذلك فهو حَمْدٌ، وليس شُكْرًا؛ لأنه ليس في مقابل نعمة، لكن ربما نعتبره شكرًا باعتبار أنه عباده، والقيام بطاعة المنعم من الشكر.
وإذا أثنيت على الله عز وجل، بل وإذا قمت بطاعة الله سبحانه وتعالى جزاء على نعمته، ولم يكن في ذهنك (...) الكمال صار ذلك شكرًا له، وعلى كل حال قد يَعْسُر انفراد أحدهما عن الآخر؛ وذلك لأن الثناء نفسه وإن لم يكن في مقابلة نعمة يعتبر شكرًا؛ لأنه قيام بطاعة المنعم. بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ [الزمر: ٦٦].
ثم قال تعالى: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الزمر: ٦٧] مَانافية، وقَدَرُوابمعنى: عَظَّموا، ولفظ الجلالة مفعول لـقَدَرُوا، وحَقَّ قَدْرِهِمفعول مطلق؛ لأنه أُضِيفَ إلى المصدر، والمضاف إلى المصدر يُسَمَّى مفعولًا مطلقًا لأنه بمنزلة المصدر؛ وعلى هذا فنقول: حَقَّ قَدْرِهِأي: حق تعظيمه.
قال المفسر: (ما عرفوه حق معرفته، أو ما عَظَّموه حقَّ عظمته حين أشركوا به غيره) الصواب: الثاني؛ أن المعنى مَا عَظَّمُوه حَقَّ عَظَمَتِهِ حين أشركوا به غيره، ودليل ذلك أن هؤلاء عرفوا الله وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف: ٨٧]، وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزمر: ٣٨] لكن هل عظموا مَنْ عرفوه حق تعظيمه؟ لا، وهذا هو الذي (...).
فالصواب: الاحتمال الثاني وهو ما عظموه حق عظمته، بماذا؟ بالإشراك به؛ لأن من عظم الله حق تعظيمه لا يمكن أن يشرك به أحدًا.
ثم قال: وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِالواو للحال، ويجوز أن تكون استئنافية لبيان عظمة الله.
وقوله: وَالْأَرْضُمبتدأ وجَمِيعًاحال، وقَبْضَتُهُخبر المبتدأ، يعني: أن الأرض كلها جميعًا كل الأرضين السبع تكون يوم القيامة قبضته.
قال المفسر: (وَالْأَرْضُ جَمِيعًاحال أي: السبع) جميعًا حال من أين؟ من الأرض، وبهذا نعرف أنه يجوز مجيء الحال من المبتدأ قبل الإتيان بالخبر، فتقول مثلًا: زيد قائمًا خيرٌ منه قاعدًا.
يقول: (وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُأي: مقبوضة له، أي: في مُلْكِه وتَصَرُّفِه) ففسَّر المؤلف القبضَ بمعنى الملك والتَّصَرُّف. وفي هذا نظر ظاهر، بل هذا تحريف؛ لأن الملك والتصرف، كل شيء في ملكه وتصرفه، الأرض والسماء يوم القيامة وقبلَ يوم القيامة، لكن القَبْضَة بمعنى المقبوضة التي تكون في اليد تُحيطُ بها اليد هذه هي القبضة، فيقال مثلًا: قبضة مِنْ طعام، ما معنى قبضة من طعام؟ يعني أن الإنسان يقبض الطعام بيده هكذا، فالأرض يوم القيامة قبضة الله عز وجل، وقد جاء ذلك مبينًا في حديث عبد الله بن مسعود في قصة النبي صلى الله عليه وسلم مع حَبْرٍ من أحبار اليهود: أَنَّ الله يجعل الأرض على إصبع والشجر على إصبع والجبال على إصبع إلى آخره، فالصواب المتعيِّن أن يُقال: المراد بالقبضة أنها في قبضة يده عز وجل.
فإن قال قائل: وهل يجوز لنا أن نُمَثِّل هذه القبضة، بحيث نأخذ تَمْرَةً أو تفاحة ونضعها في أيدينا، ونقول: قَبْضَتُهُ، ثم نقبض على التفاحة أو التمرة؟
الجواب: لا؛ لأننا لو فعلنا ذلك لكان هذا تمثيلًا لقبضة الله سبحانه وتعالى للأرض، وهذا لا يجوز. أما أن نبين معنى القبضة فلا بأس، بأن نقول: القبضة هي وضع الشيء في اليد ثم قبضه بها، لكن نُكَيِّف كيف قبض الله عز وجل على الأرض هذا خلاف معتقد أهل السنة والجماعة، كما هو معروف للجميع.
وقوله: يَوْمَ الْقِيَامَةِهذه ظرف للقبضة؛ أي: أنها تكون قبضة له يوم القيامة، ويوم القيامة هو اليوم الذي يُبْعَث فيه الناس من قبورهم لله عز وجل، وسُمِّيَ بهذا الاسم لوجوه ثلاثة. عُدَّها لنا. ذكرناها قريبًا.
طالب: قيام الناس لرب العالمين.
الشيخ: لقيام الناس من قبورهم لرب العالمين.
الطالب: إقامة العدل يوم القيامة.
الشيخ: إقامة العدل يوم القيامة.
طالب: (...).
الشيخ: أيش ؟ لا.
الطالب: قيام الروح الملائكة.
الشيخ: لا.
الطالب: يقوم الأشهاد.
الشيخ: يوم يقوم الأشهاد.
وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌقال المؤلف: (مجموعات بِيَمِينِهِبقدرته) السموات مطويات، الطي معروف؛ عَطْفُ الثوب بعضه على بعض يُسَمَّى طَيًّا، ومنه: طَيُّ الورقة: إذا فرغ الكاتب منها طواها؛ يعني عطف بعضها على بعض، وقد شَبَّه الله عز وجل طيه للسماوات بطي السجل للكتب فقال جل وعلا: يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ [الأنبياء: ١٠٤]، فتبارك الله رب العالمين، هذه السماء العظيمة الواسعة الأرجاء التي ورد أنَّ سُمْكَها خمس مئة عام، يطوي الله عز وجل هذه السماوات كما يطوي السجل للكتب، أو كما يُطوَى السجل الكتب يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ [الأنبياء: ١٠٤] يعني: كما يَطْوِي السجل وهو كاتب القاضي، أو كما يُطْوَى السجلُ الذي تكتب فيه القضايا، والطي معروف، قلنا: إنه عَطْفُ الثوب بعضه على بعض أو الورق أو ما أشبه ذلك.
يقول: السَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌوحَذَف الفاعل أو أتى بصيغة اسم المفعول للعلم بالطاوي، من هو الطاوي؟ الله، كما تُفَسِّرُه الآية الأخرى يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ.
قال المؤلف: (مجموعات) وهذا فيه نظر؛ لأننا نقول: هي مجموعة طيًّا، وإذا فسرناها بالمجموعات فإننا لم نُفَسِّر تفسيرًا دقيقًا، لأن الشيء قد يكون مجموعًا بلا طي، ولكن إذا كان مطويًّا فهذا معنى زائد على مجرد أيش؟ على مجرد الجمع، فالصواب أن يقال: مَطْوِيَّاتٌأي: ملفوف بعضها إلى بعض.
مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِقال: (بقدرته) وهذا تحريف على مذهب مَنْ لا يؤمنون بصفات الله سبحانه وتعالى الخَبَرِيَّة، والصواب أن المراد باليمين اليد اليمنى.