تفسير سورة الزمر - 16
عدد الزيارات 5086

عناصر المادة :
تفسير الآية (68)
تفسير الآية (69)
تفسير الآية (70)

أنه عطف أيش؟ الثوب بعضه على بعض أو الورق وما أشبه ذلك، يقول: وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ [الزمر: ٦٧] وحذف الفاعل، أو أتى بصيغة اسم المفعول للعلم بالطاوي، من هو الطاوي؟ الله كما تفسره الآيات الأخرى يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ [الأنبياء: ١٠٤].
قال المؤلف: (مجموعات)، وهذا فيه نظر؛ لأننا نقول: هي مجموعة طيًّا، وإذا فسرناها بالمجموعات فإننا لم نفسر تفسيرًا دقيقًا؛ لأن الشيء قد يكون مجموعًا بلا طي، ولكن إذا كان مطويًّا فهذا معنى زائد على مجرد أيش؟ على مجرد الجمع، فالصواب أن يقال: مَطْوِيَّاتٌأي ملفوف بعضها إلى بعض.
مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر: ٦٧] قال: (بقدرته) وهذا تحريف على مذهب من لا يؤمنون بصفات الله سبحانه وتعالى الخبرية، والصواب أن المراد باليمين اليد اليمنى، يطويها جل وعلا بيده اليمنى.
قال: مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر: ٦٧] سبحان: اسم مصدر، وفعله سبح، والمصدر من سبح تسبيحًا، واسم المصدر سبحان، وهو منصوب على المفعولية المطلقة دائمًا، وملازم للإضافة غالبًا، وعلى هذا فلا يخطئ المرء في إعرابه، يعربه دائمًا على أنه مفعول مطلق لفعل محذوف، والتقدير: يسبح تسبيحًا.
سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر: ٦٧] أي: تنزيهًا له، فما معنى التسبيح؟ إحنا الآن فسرنا الكلمة من حيث التصريف، لكن ما معنى التسبيح؟ قالوا: معنى التسبيح: التنزيه؛ لأنه من سبح يسبح إذا بعد في الماء، فالتنزيه: الإبعاد عن السوء، وعلى هذا فمعنى (سبحان الله) أي: تنزيهًا له، وعما يُنزَّه الله؟
ينزه عن شيئين:
عن مماثلة المخلوق، وعن كل نقص وعيب في صفاته، فقدرته مثلًا منزهة عن العجز، وعلمه منزه عن الجهل والنسيان، وقوته منزهة عن الضعف، وهلم جرًّا، يده منزهة عن مماثلة المخلوقين، وجهه كذلك، فالتنزيه إذن تنزيه الله عز وجل يعود إلى شيئين: الأول: مماثلة المخلوق، والثاني: العيب والنقص.
وقوله: تَعَالَىأي ترفع لعظمته عما يشركون به، أو عما يشركون معه، ولا شك أن هذا هو الواقع.
نأخذ من الآيتين الكريمتين فوائد:
أولًا: وجوب إخلاص العبادة لله؛ لقوله تعالى: بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ [الزمر: ٦٦].
ويتفرع على هذه القاعدة أن الإنسان لو أشرك بالله لحبط عمله، لماذا؟ لأنه إذا أشرك بالله عمل عملًا ليس عليه أمر الله ورسوله، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» ، وهذا بقطع النظر عن الآية السابقة لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر: ٦٥] فهذا نص صريح، لكن إذا أردنا أن نأخذ من قوله: بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ [الزمر: ٦٦] نقول:
من فوائدها: أن من أشرك مع الله أحدًا فعمله حابط مردود، الدليل قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» .
ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الشكر على كل أحد؛ لقوله: وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ [الزمر: ٦٦]، وإذا وجب الشكر حرم ضده، وهو الكفر.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإخلاص لله تعالى من شكره؛ لأنه أعقب قوله: بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ [الزمر: ٦٦]، بقوله: وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ [الزمر: ٦٦].
أما الآية الثانية فمن فوائدها: بيان عظمة الله عز وجل؛ لقوله: وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُوَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر: ٦٧].
ومن فوائدها: أن من أشرك بالله فإنه لم يعظم الله حق تعظيمه، بل بالعكس؛ لقوله: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الزمر: ٦٧].
ومن فوائد الآية الكريمة: حسن التعريف بالقرآن الكريم؛ لأنه لما نفى عنهم أنهم قدروا الله حق قدره، بيَّن وجه ذلك، أنه عز وجل أعظم من كل شيء وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر: ٦٧].
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجب أن يعظم الله حق تعظيمه، ولكن قد يقول قائل: إن هذا فيه مشقة عظيمة؛ لأن الله تعالى أعظم وأجل من أن يحيط به عمل العبد، ولهذا لما نزل قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ [آل عمران: ١٠٢] صعب ذلك على الصحابة، من الذي يتقي الله حق تقاته؟ فيقال: إن هذه الآية الكريمة مقيدة بقوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: ١٦]، وإلا فمن الذي يحصي أن يعظم الله حق تعظيمه على الوجه الذي أراد الله عز وجل، ولكن نقول: إن تعظيم الله حق تعظيمه يكون بامتثال أمره، وهذا حاصل بقدر المستطاع؛ لقوله: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة: ٢٨٦]، ولقوله: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: ١٦].
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اليد لله؛ لقوله: قَبْضَتُهُ [الزمر: ٦٧]، وقوله: بِيَمِينِهِ [الزمر: ٦٧].
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأرض يوم القيامة يقبضها الله عز وجل بيده؛ لقوله: وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الزمر: ٦٧].
ومن فوائد الآية الكريمة: أن السماوات تطوى يوم القيامة؛ لقوله: وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر: ٦٧].
ومنها، من فوائدها: بيان قدرة الله عز وجل، حيث يطوي هذه السماوات على عظمها كطي السجل للكتب.
ومن فوائد الآية الكريمة: تنزيه الله عز وجل عن كل نقص وعيب؛ لقوله: سُبْحَانَهُ [الزمر: ٦٧]، وكذلك تنزيهه عن مماثلة المخلوقين؛ لأن مماثلة المخلوقين عيب، فإن تمثيل الكامل بالناقص يجعله ناقصًا، قال الشاعر:

أَلَمْ تَرَ أَنَّ السَّيْفَ يَنْقُصُ قَدْرُهُ إِذَا قِيلَ: إِنَّ السَّيْفَ أَمْضَى مِنَ الْعَصَا

فكيف إذا قيل: إن السيف مثل العصا؟ فتمثيل الله عز وجل بالمخلوق تنقُّص له عز وجل، تنقص له لأن تمثل الكامل بالناقص يجعله ناقصًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات علو الله؛ لقوله: تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر: ٦٧].
وعلو الله سبحانه ينقسم إلى قسمين: علو ذات وعلو صفة، أما علو الصفة فلم يختلف فيه أحد من أهل القبلة، حتى أهل التعطيل يثبتون لله علو الصفة، لكن على اختلاف بينهم وبين أهل السنة في كون هذا الشيء علوًّا أو نزولًا؛ لأنهم يرون أن من علو الله في صفته نفي الصفات عنه، أما أهل السنة والجماعة فيرون أن من علوه إثبات جميع صفات الكمال له على حسب ما ورد في الكتاب والسنة، إذا اتفق أهل القبلة على إثبات أيش؟ علو الصفة، لكن اختلفوا كيف يكون علو الصفة؟ أما علو الذات فقد اختلفوا اختلافًا عظيمًا، حتى قال بعض من ينتسب للإسلام: إثبات علو الذات كفر، وقال أهل السنة والجماعة: إثبات علو الذات واجب، ولا بد أن نثبت لله علو الذات كما أثبتنا له علو الصفات.
ومن فوائد الآية الكريمة: التباين العظيم بين الرب الخالق العظيم وبين الأصنام المعبودة التي يشرك بها مع الله؛ لقوله: سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر: ٦٧] أي: تنزيهًا له وتعاظمًا ورفعة عما يشرك به هؤلاء، ولهذا جاء استفهام التوبيخ والاحتقار لهذه الأصنام في قوله تعالى: لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨) أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى [النجم: ١٨ - ٢٠]، يعني أخبروني ما الذي لهذه الأصنام بالنسبة لآيات الله العظيمة الكبرى التي رآها النبي صلى الله عليه وسلم؟ أي بعد أن تقررت هذه الآيات الكبيرة أخبروني ما لهذه الأصنام؟ أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى [النجم: ١٩، ٢٠] ماذا تكون أمام هذه الآيات الكبيرة تكون أيش؟ لا شيء، ولهذا قال: سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر: ٦٧] وقد بين الله تعالى في القرآن الكريم انحطاط رتبة هذه الأصنام أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [النحل: ١٧] قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا [المائدة: ٧٦] والآيات في هذا كثيرة تحط من قدر هذه الأصنام، وتبين أن الرب عز وجل منزه متعال عن هذه الأصنام، والله أعلم.
طالب: (...) قال مثلًا الله سميعًا بصيرًا..
الشيخ: وضع أصبعه على العين والأذن.
طالب: (...).
الشيخ: الجمع بينهما أن ما جاءت به السنة نأخذ به، وما لا فالأصل المنع، وأنت إذا قلت مثلًا إذا أخذت الساعة هذه وقلت: قبضته، واضح أنك كيفت، لكن نقول: قبضته أن تكون هذه الأرض جميعًا في يد الله عز وجل، أما كيف الله أعلم.
طالب: (...).
الشيخ: نجيب بأن الرسول فعل هذا تحقيقًا لا تكييفًا، يحقق معنى السمع والبصر، أنه سمعٌ وبصرٌ حقيقي، على كل حال نقتصر في هذا على ما ورد مهما كان الأمر.
طالب: (...) يقول: إن لله صفة الطوي والقبض.
الشيخ: إي نعم، نقول: يطوي ويقبض، وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ [البقرة: ٢٤٥] ونَطْوِي السَّمَاءَ [الأنبياء: ١٠٤].
طالب: قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن نقول هكذا؟
الشيخ: أيش بيقول؟ بين أصبعين، بين أصبعين، بين أصبعين، بين أصبعين، بين أصبعين، بين أصبعين، بين أصبعين، أين الأصابع؟ ما يستطيع، ثم إذا أشار هكذا قد يفهم الرائي أن أصابع الرحمن عز وجل مباشرة للقلب، وليس كذلك، هي القلب بين أصبعين من أصابع الرحمن، لكن ما نقول: إنها مباشرة، لا أنها مباشرة.
فإذا قال قائل: كيف يعقل أن يكون القلب بين أصبعين من أصابع الرحمن بدون مباشرة؟
قلنا: استمع إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ [البقرة: ١٦٤] إلى قوله: وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [البقرة: ١٦٤] سحاب مسخر بين السماء والأرض، وهل هو يباشر السماء والأرض؟ لا، فلا يلزم من البينية المباشرة، واضح؟
طالب: (...)
الشيخ: لا أبدًا ما يجوز، إذا قال هكذا لزم من ذلك أنه جزم بأنه بين هذين الأصبعين.
طالب: (...) كلتا يدي الله عز وجل يمين (...)؟
الشيخ: ما مرت علينا هذه؟ مرت علينا هذه، وقلنا: لله يد يمين ويد شمال، لكن الرسول قال: «كِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ» ، يعني: يمين من اليُمن، وهو البركة، ولدفع توهم أن تكون اليد الأخرى ناقصة؛ لأن اليد الشمال بالنسبة لنا ناقصة عن اليد اليمين، وقد ذكر شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في آخر كتاب التوحيد قال: وفيه التصريح بالشمال لله عز وجل، انتهى.

***

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨) وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٩) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (٧٠) وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧١) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ [الزمر: ٦٨ - ٧٢].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ما معنى قوله تعالى: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الزمر: ٦٧]؟
طالب: (...) من تعظيم.
الشيخ: بماذا؟
الطالب: بأن جعل له أندادًا ولم (...).
الشيخ: الدليل على أن المعنى بالإشراك؟ اتل الآية.
الطالب: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر: ٦٧].
الشيخ: هذا الدليل، أن المعنى وَمَا قَدَرُواحيث جعلوا معه شريكًا.
الشيخ: قوله: وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الزمر: ٦٧] الجملة هذه حالية؟
طالب: (...).
الشيخ: يعني وَمَا قَدَرُوا، والحال أن الأرض قبضته، أو وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الزمر: ٦٧]، ثم أخبر فقال: وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
الشيخ: ما معنى قَبْضَتُهُعلى ما ذهب إليه المؤلف وعلى ما هو الراجح؟
طالب: الراجح أنها في قبضة يمينه.
الشيخ: أيش معنى في قبضة يمينه؟ يعني يقبضها حقيقة بيده؟
الطالب: نعم.
الشيخ: والمؤلف؟
الطالب: (...).
الشيخ: فقال.
الطالب: (...).
الشيخ: قوله تعالى: وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ.
الطالب: أي أن الله تعالى يطوي السماوات بيده اليمنى، يعني يجمع بعضها على بعض، يلف بعضها على بعض كطي السجل للكتب.
الشيخ: وما معنى بِيَمِينِهِ؟
الطالب: أي بيده اليمنى.
الشيخ: أي بيده اليمنى تمام، والمؤلف؟
الطالب: المؤلف قال: إنها مطويات يعني مجموعات.
الشيخ: لا، دعنا من مجموعات أو ملفوفات، لكن بيمينه أيش قال؟
الطالب: بقدرته.
الشيخ: بقدرته. التسبيح معناه؟
طالب: (...) تنزيه (...) الله عز وجل.
الشيخ: وعما ينزَّه الله؟
طالب: عن العيب والنقائص واتخاذ الشريك له.
طالب آخر: وعن المثيل.
الشيخ: عن كل عيب ونقص وعن مماثلة المخلوقين. ما هو الدليل على تنزه الله عز وجل عن النقص؟
طالب: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١].
الشيخ: عن النقص.
طالب: (...).
الشيخ: هذا دليل، دليل آخر؟
الطالب: وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ [ق: ٣٨].
الشيخ: وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍأي: من تعب وإعياء، الدليل على تنزهه عن المماثلة؟
الطالب: (...).
الشيخ: قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: ١١]؟
تفسير الآية (68)
00:23:12

ثم قال تعالى: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ [الزمر: ٦٨] نفخ، النفخ معروف، والنافخ إسرافيل، وأبهمه للتعظيم؛ لأن الإبهام يأتي للتعظيم كما في قوله تعالى: فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ [طه: ٧٨] فإن هذا يدل على عظم ما غشيهم، النفخ لا شك أنه أمر عظيم، ولهذا لم يبين من النافخ، كل ما في القرآن من النفخ في الصور يأتي بصيغة اسم المفعول وَيَوْمَ يُنْفَخُ [النمل: ٨٧]. وَنُفِخَ فِي الصُّورِ [الزمر: ٦٨].
وقوله: وَنُفِخَ فِي الصُّورِالصيغة هنا صيغة ماض مع أنه مستقبل، لكن عبر عنه بالماضي لتحقق وقوعه كما في قوله تعالى: أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ [النحل: ١] مع أنه لم يأت بعد.
وقوله: فِي الصُّورِالصور قرن عظيم، قيل: إن سعة دائرته كما بين السماء والأرض، وهذا الصور ينفخ فيه إسرافيل.
يقول المؤلف: (النفخة الأولى) فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ [الزمر: ٦٨] قال المؤلف: (النفخة الأولى) وهذا بناء على أن النفخ في الصور يكون مرتين، وقيل: بل النفخ في الصور ثلاث مرات، وقد دل على هذا حديث الصور الذي ذكره ابن كثير رحمه الله بطوله في سورة الأنعام، وأن هذه الثلاث هي نفخة الفزع ونفخة الصعق ونفخة البعث؛ لقوله تعالى: وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ [النمل: ٨٧] في سورة النمل، وهنا قال: فَصَعِقَ [الزمر: ٦٨]. ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى [الزمر: ٦٨] وقيل: بل النفخ مرتان، وهو ما مشى عليه المؤلف رحمه الله، وأن نفخة الفزع هي نفخة الصعق، وأن الناس إذا سمعوه أول مرة فزعوا، ثم يطيل في النفخ فيصعقون، يموتون بعد الفزع، وعلى هذا فيكون النفخ مرتين: الأولى: فزع ثم صعق؛ لأنه يطيل النفخ ثم يصعق الناس، ولا شك أن شيئًا يصعق الناس منه لا بد أن يكون شيئًا عظيمًا مزعجًا مرعبًا، وهو كذلك.
وقوله: فَصَعِقَ [الزمر: ٦٨] قال: (مات مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ[الزمر: ٦٨]) (مَن) اسم موصول تفيد العموم، وتُستعمل غالبًا في العاقل، وقد تُستعمَل في غيره تبعًا أو للشمول؛ مثالها تبعًا وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ [النور: ٤٥] ومعلوم أن الذي يمشي على بطنه أو على أربع ليس من ذوي العقول، لكن أُتي بـ(من) تبعًا، وقد يكون للعموم كما في هذه الآية: مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ [الزمر: ٦٨]، فكل من في السماوات والأرض من آدميين أو بهائم أو غيرها كلها تموت.
يقول: إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ [الزمر: ٦٨] ألا يصعق فإنه لا يصعق، وقد اختلف العلماء من هذا المستثنى، فذهب المؤلف وجماعة إلى أن المستثنى (الحور والولدان) وهم في الجنة، وقيل: الحور والولدان والملائكة، ولا يمنع منه كلام المؤلف؛ لقوله: (وغيرهما) وقيل: الله أعلم.
نقول: إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُكما أبهم الله عز وجل ولا نتعرض للتفصيل؛ لأنه ليس هناك دليل صحيح صريح في تعيين هؤلاء المستثنين.
ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى [الزمر: ٦٨] والنافخ من؟ إسرافيل.
وقوله: أُخْرَىمفعول مطلق، أي: نفخة أخرى، نعم ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىأو نقول: إنها وصف لموصوف محذوف، والتقدير نفخة أخرى، كما في قوله: فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ [الحاقة: ١٣].
( فَإِذَا هُمْ}أي جميع الخلائق الموتى قِيَامٌ يَنْظُرُونَ [الزمر: ٦٨] ينتظرون ما يفعل بهم).
قوله: فَإِذَا هُمْالفاء حرف عطف، وإذا فجائية، والفجائية تدل على حصول ما بعدها مفاجأة، بمعنى أنه يأتي بسرعة، وهُمْ قِيَامٌ [الزمر: ٦٨] جملة اسمية كما هو ظاهر، والغرض منها الثبوت والاستمرار، وهي أبلغ من قوله لو قال: فقاموا؛ لأن قوله: فَإِذَا هُمْ قِيَامٌتدل على أن هذا الوصف لهم كأنه أمر ثابت من قديم مستقر، مع أنهم لم يقوموا إلا في النفخة الواحدة الأخيرة.
وقوله: يَنْظُرُونَقال: (ينتظرون ماذا يُفعل بهم) ويحتمل أن يكون المعنى: ينظرون ما حدث، من النظر بالعين، وهذا الاحتمال لا ينافي ما ذكره المؤلف أو المفسر، فتكون الآية شاملة لهذا وهذا، أي: ينظرون بأعينهم ما حصل، وينتظرون ماذا يفعل بهم.
في هذه الآية الكريمة فوائد:
منها: إثبات النفخ في الصور، وأنه واقع لا محالة، من أين يؤخذ؟ من قوله: وَنُفِخَ [الزمر: ٦٨] حيث عبر عنه بالماضي.
ومنها: عظم هذا النفخ، ويؤخذ من إبهام الفاعل.
ومنها: أن هذا النفخ عظيم في تأثيره، حيث يفزع الناس منه ثم يصعقون، أي: يموتون.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة أيضا: أن الصعق شامل لكل من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، وهم أقل ممن يصعق؛ لأن الغالب أن الاستثناء يكون أقل من المستثنى منه.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المشيئة لله عز وجل، وهي كثيرة في كتاب الله سبحانه وتعالى، ولم ينكرها أحد من الناس إلا فيما يتعلق بأفعال العباد، حيث أنكرها القدرية.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينفخ في الصور مرتين؛ لقوله: ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى [الزمر: ٦٨].
ومن فوائدها: أن النفخ في الآخرة أو الأخرى يكون بها البعث؛ لقوله: فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ [الزمر: ٦٨].
ومن فوائد الآية: أن القيام من القبور يلي النفخ في الصور مباشرة، نأخذها من (إذا) الفجائية.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنهم -أي: الذين يقومون- يقومون وكأن لهم زمنًا طويلًا في القيام، بدليل أنه أتى في ذلك بالصيغة الاسمية.
ومن فوائدها: تمام قدرة الله جل وعلا، حيث إن الخلائق كلها تقوم مرة واحدة بهذه النفخة، وقد قال الله تعالى: فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ [النازعات: ١٣، ١٤] أي: على سطح الأرض وظهر الأرض.
فإذا قال قائل: ما علاقة نفخ في الصور بحياة الناس، وبعثهم من القبور؟
فالجواب أن هذا الصور مجتمع الأرواح، تجمع فيه أرواح الخلائق ثم إذا حصل نفخ تطايرت الأرواح ودخلت كل روح في جسدها الذي كانت تعمره في الدنيا، لا تخطئه أبدًا، على كثرة الخلق وتفرقهم، فإن أرواحهم لا تخطئ أجسامهم، كل روح تدخل في جسدها الذي كانت تعمره في الدنيا.
ثم قال الله تعالى: وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا [الزمر: ٦٩] أشرقت، قال المؤلف: ( أضاءت)، ومنه أشرقت الشمس إذا انتشر ضوءها، وشرقت إذا برزت، يقال: شرقت الشمس إذا ظهرت على الأفق، وأشرقت إذا ارتفعت واستطال أو استطار ضوءها، ولهذا تُسمى الصلاة التي بعد ارتفاعها قِيد رمح تسمى صلاة الإشراق، لا صلاة الشروق، الشروق ظهور الشمس في الأفق، والإشراق ارتفاعها واتساع ضوئها.
فهنا يقول: وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا [الزمر: ٦٩] بنور الله الذي هو نوره، وليس بنور مخلوق، فإضافة النور إلى الرب عز وجل من باب إضافة الصفة إلى موصوفها، أي أن الله جل وعلا ينير الأرض بنوره.
(بِنُورِ رَبِّهَا [الزمر: ٦٩] حين يتجلى لفصل القضاء) حين يتجلى أي: يظهر لفصل القضاء، ويأتي عز وجل للقضاء بين العباد، وقد ورد أن الله سبحانه وتعالى ينزل ملائكة في السماء الدنيا حتى تحيط بالخلق، ثم تنزل ملائكة السماء الثانية حتى تحيط بأهل السماء الدنيا؛ لأن أهل السماء الثانية أكثر من أهل السماء الدنيا؛ إذ إن السماء الثانية أوسع من السماء الدنيا، فيكون سكانها أكثر، ثم ينزل أهل السماء الثالثة فيحيطون بمن قبلهم، وهم أكثر من أهل السماء الثانية وهلم جرًّا إلى السماء السابعة، قال الله تعالى: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: ٢٢] وقال تعالى: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا [الفرقان: ٢٥] نُزل أي: نزلوا شيئًا فشيئًا، أهل السماء الدنيا ثم الثانية ثم الثالثة إلى السابعة، وتشقق السماء بالغمام، قال أهل العلم: إن هذا الغمام هو الذي يأتي بين يدي إتيان الله عز وجل، غمام عظيم لا نعلم قدره ولا نعلم كيفيته. ولهذا قال: تَشَقَّقُ السَّمَاءُ [الفرقان: ٢٥] ولم يقل: تنشق، بل تشقق، كأنه شيء ينبعث منها شيئًا فشيئًا، وسيكون هذا عظيمًا، وذلك بين يدي مجيء الرب جل وعلا، ثم ينزل سبحانه وتعالى للقضاء بين العباد، وحينئذ تشرق الأرض بنور ربها. ولا نستطيع الآن أن نتصور كيف هذا الإشراق، وكيف هذا النور، وكيف هذا الغمام، هو أمر لا تدركه عقولنا الآن.
يقول: (وَوُضِعَ الْكِتَابُ [الزمر: ٦٩] كتاب الأعمال للحساب)، وَوُضِعَأي وضع بين أيدي الناس، قال الله تعالى: وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا [الإسراء: ١٣] هذا الكتاب كُتب فيه أعمال العباد من خير أو شر، إلا ما انمحى بالمغفرة أو بالتوبة، فإنه لا يوجد في الكتاب، فالصغائر مثلًا تُكتب، فإذا صلى الإنسان فإن الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا، وربما يتوب الإنسان من سيئات (...) لا يوجد في الكتاب إلا ما واجه الإنسان به ربه، وكان ختم عليه في حياته.
وقوله: وَوُضِعَ الْكِتَابُ [الزمر: ٦٩] (أل) هنا هل هي للعموم أو للجنس؟ هل المعنى: وُوضع كل كتاب، أو الكتاب من حيث الجنس؟ الظاهر أنها للعموم أحسن، يعني: ووُضع كل كتاب فأخذه صاحبه، الكتاب هذا الذي تكتب فيه الأعمال يقال لصاحبه: اقْرَأْ كِتَابَكَأنت بنفسك كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا [الإسراء: ١٤]، وإذا قرأه فهل يمكن أن ينكر ما فيه؟ لا يمكن، لا بد أن يقر، إلا المشركين، فإنهم ينكرون ويقولون: وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام: ٢٣]؛ لأنهم إذا رأوا أن الموحدين المخلصين نجوا من العذاب، سولت لهم أنفسهم أن ينكروا الشرك، لعلهم ينجون من العذاب، ولكن هذا لا ينفعهم، إذا قالوا: وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ، شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون، وحينئذٍ يود الذين كفروا لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثًا.
قال: (وَوُضِعَ الْكِتَابُكتاب الأعمال للحساب)، وكيف يوزع الكتاب؟ يوزع على وجهين:
الوجه الأول: أن يعطى باليمين، والثاني: أن يعطى بالشمال.
فالمؤمن يعطى باليمين ويقول للناس: هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ [الحاقة: ١٩] انظروا اقرؤوا، يقول هذا ابتهاجًا بنعمة الله، وتحدثًا بنعمة الله، كما لو أُعطي الواحد منكم نتيجته وإذا فيها التقدير ممتاز مئة بالمئة، ماذا يفعل؟ كل واحد من الطلاب يوريها إياه: انظر، وإذا كان كل رقم عليه دائرة حمراء ماذا يقول؟ يمزقه، لكن في القيامة ما يمكن يمزقه، أما في الدنيا يمكن يمزقه أو يخفيه، على كل حال هذا أمر جبلي طبيعي أن الإنسان يفخر بنعمة الله عز وجل ويريها للناس ويقول: هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ [الحاقة: ١٩، ٢٠] الظن هنا بمعنى اليقين، يعني: أيقنت أني ملاق حسابي وأن الله سبحانه وتعالى سيحاسبني، وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِوالعياذ بالله فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ [الحاقة: ٢٥، ٢٦] كما يقول القائل للزائر الثقيل أيش؟ ليته لم يأتِ، ليتني ما رأيت وجهه، الكتاب الذي يكون بالشمال والعياذ بالله يعرف صاحبه ما فيه، يقول: يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ [الحاقة: ٢٥، ٢٦].
في القرآن الكريم ذكر الله سبحانه وتعالى أن من لم يؤتَ كتابه بيمينه يأخذه بشماله، وفي آية أخرى من وراء ظهره، فهل هما صفتان أو صفة واحدة؟
قال بعض العلماء: إنهما صفتان، وقال بعض العلماء: إنهما صفة واحدة، يعني أنه يعطى الكتاب بالشمال، من وراء الظهر، ما هو من الأمام، يعطاه من وجهه، بل من وراء ظهره، فيكون في هذا تنبيه له وتذكير له بما فعل بكتاب الله في الدنيا.
أين وضعه؟
طالب: (...).
الشيخ: ويش ما هو؟
الطالب: (...).
الشيخ: لا، ما هذا، قلنا: يكون تذكيرًا له بحاله في الدنيا أنه نبذ كتاب الله وراء ظهره فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا [آل عمران: ١٨٧]، كأنه يقال له: جزاؤك من جنس عملك. وقيل: بل إن من الناس من يأخذه بشماله من قبل الشمال، ومن الناس من يأخذه من وراء ظهره، فتكون صفتين، والله أعلم.
تفسير الآية (69)
00:43:22

يقول: وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ [الزمر: ٦٩] جيء بالنبيين، من جاء بهم؟ الله عز وجل؛ لأن الملك في ذلك الوقت لله، له التصرف، فيؤتى بالنبيين، و(النبيين) هنا يشمل النبيين الذين أرسلوا والنبيين الذين لم يرسلوا، فهو عام، وَالشُّهَدَاءِالشهداء جمع شهيد، وهل المراد بالشهداء الذين قتلوا في سبيل الله؟ أو المراد بالشهداء الذين يستشهدون يوم القيامة؟ الثاني هو المراد، فمن الشهداء؟
قال المؤلف رحمه الله: (أي: بمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته يشهدون للرسل بالبلاغ).
أما قوله: (أي: بمحمد) فظاهره أنه يريد أن يفسر النبيين بمحمد، فيكون على تفسيره عامًّا أريد به الخاص، وهذا غير مسلم، بل الصواب أنه عام باقٍ على عمومه، أي: يُؤتَى بالنبيين كلهم يشهدون على أممهم بأنهم بلغوهم.
أما قوله: الشهداء فهو من باب عطف العام على الخاص، والمراد بهم الذين يشهدون على الأمم وللرسل، وهم هذه الأمة، قال الله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ [البقرة: ١٤٣] محمد صلى الله عليه وسلم شهيدًا عليكم، فالرسل شهداء على أممهم، يقولون: يا ربنا نشهد أنك أرسلتنا إلى أقوامنا وأننا بلغناهم، ولا يمكن أن يقول أحد في ذلك اليوم: هذه دعوى، فأين البينة؟ يعني لو قال مثل هذا القول من يشهد؟ أعضاؤك تشهد، والله يشهد قبل كل شيء، أما الشهداء فنعم، نقول: هم أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم؛ لقوله كَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ [البقرة: ١٤٣]، وهذه الأمة ولله الحمد تشهد على الناس في الدنيا وفي الآخرة، نحن الآن نشهد أن الله أرسل نوحًا إلى قومه، ونشهد أن قومه أبلغوا على الوجه الأكمل، ونشهد أنه بقي فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، كل هذا نشهد به بما علمنا الله عز وجل في كتابه، فيوم القيامة تكون الشهادة لنا على الأمم.
وقول المؤلف رحمه الله: (يشهدون للرسل بالبلاغ)، لو قال: وعلى الأمم بإقامة الحجة، لكان هذا خيرًا، كذلك أيضًا نحن نشهد على أمم بأنهم بلغوا، وأُقيمت عليهم الحجة، فلنا شهادتان: شهادة للرسل وشهادة على الأمم.
قال: (وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ [الزمر: ٦٩] أي العدل) قضي بينهم، من القاضي؟ الله عز وجل، لكن أبهمه للتعظيم، وهو معلوم، يعني ليس هناك ضرورة إلى التعيين؛ لأنه معلوم أن القاضي هو الله رب العالمين.
وَقُضِيَ بَيْنَهُمْأي بين الناس (بِالْحَقِّأي العدل وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [الزمر: ٦٩] شيئًا) يُقضَى بين الناس يوم القيامة بالعدل، بل ليس القضاء بين الناس بالعدل، بل بين البهائم بالعدل، حتى إن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أخبر بأنه يقتص للشاة الجلحاء من الشاة القرناء سبحان الله! ثم بعد ذلك تكون ترابًا؛ لأنها ليس لها جنة ولا نار، لكن إظهارًا للعدل، وشفاء لما في الصدور؛ لأن الشاة الجلحاء إذا نطحتها الشاة القرناء صار في قلبها شيء، لكنها لا تستطيع أن تقتص؛ لأن هذه لها قرون وهذه ليس لها قرون، لكن يوم القيامة يعطي الله سبحانه وتعالى الشاة الجلحاء قدرة حتى تقتص، أو يُريها الله عز وجل كيف يقتص لها من الشاة القرناء، ولهذا قضي بينهم بالحق، يقول المؤلف: (أي: العدل)، لماذا فسر الحق هنا بالعدل، ولم يفسره بالصدق؟
لأن المقام مقام حكم وقضاء، والمناسب فيه العدل، وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [الزمر: ٦٩]، (هم) الضمير يعود على الناس، لا يظلمون شيئًا أي: لا ينقصون من حقوقهم شيئًا، بل يُعطَى كل إنسان حقه على وجه الكمال. والله أعلم.
نأخذ الفوائد: قال الله عز وجل: وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ [الزمر: ٦٩] في هذا، فوائدها:
منها: إثبات النور صفة لله؛ لقوله: بِنُورِ رَبِّهَا [الزمر: ٦٩].
ومنها، فوائد الآية: إثبات الربوبية الخاصة لله في ذلك اليوم، حيث أضاف الربوبية إلى الأرض، مع أنه رب كل شيء. وإضافة ربوبية الله تعالى إلى شيء معين تقتضي تعظيم هذا الشيء إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ [النمل: ٩١]، لما كان قوله: رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِقد يوهم أنه رب لهذه البلدة دون غيرها، قال: وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الكتاب الذي كُتبت فيه الأعمال؛ لقوله: وَوُضِعَ الْكِتَابُ [الزمر: ٦٩].
ومن فوائدها: إثبات الشهداء على الناس بما عملوا؛ لقوله: وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ [الزمر: ٦٩].
ومن فوائدها: أنه يقضى بين الأنبياء وبين من كذبوهم؛ لقوله: وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ [الزمر: ٦٩].
ومن فوائدها: أنه يُقضَى بين العالم وأمته؛ لقوله: بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ، والعلماء شهداء لا شك، بل هم رؤوس الشهداء بعد الأنبياء وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّفالعالم مبلغ عن الرسل، فيقضى بينه وبين من بلغته الرسالة بواسطته.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات القضاء بين الخلق في ذلك اليوم؛ لقوله: وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ.
ومن فوائدها أيضًا: أن القضاء لا حيف فيه ولا جور؛ لقوله: بِالْحَقِّفيعطى الإنسان حقه كاملًا.
ومن فوائدها أيضًا: انتفاء الظلم في ذلك اليوم؛ لقوله: وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [الزمر: ٦٩]، وانتفاء الظلم هنا ليس المراد به نفي الظلم فقط، بل المراد به إثبات كمال العدل الذي ليس فيه ظلم بوجه من الوجوه؛ لقوله تعالى: وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [الزمر: ٦٩].
طالب: (...).
الشيخ: سمعتم السؤال؟ يقول: لماذا قلنا: ننزه الله عن كل نقص وعن المماثلة، أليست المماثلة نقصًا؟ بلى نقص، وأشرنا إلى هذا، لكنك أحيانًا تسهو.
طالب: ألا يكون (...) الكفار أن يأخذوا كتابهم بيسراهم من وراء ظهورهم.
الشيخ: لا، جواب السؤال، نقول: إن النقص شيء والمماثلة شيء آخر، مثلًا لله قدرة، نقول: ليست كقدرة المخلوق، لكن هل يمكن أن يلحقها النقص؟ إذن لا بد أن نقول: عن كل نقص، ما يكفي نفي المماثلة، نعم ربما يكفي (عن كل نقص) عن نفي المماثلة؛ لأن المماثلة نقص، ولكن نقول: إذا كان الله قد نص على ذلك فقال: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١] فينبغي أن ننبه عليه.
طالب: ألا يكون وجيهًا أن يكون اتصاف الكفار المعرضين عن كتاب الله تبارك وتعالى وآياته أن يأخذوا كتابهم بيسراهم من وراء ظهورهم ولا يستووا مع المؤمنين العصاة الذين يأخذنا كتابهم بيسراهم (...)؟
الشيخ: بس من يقول هذا؟ يعني من يقول: إن عصاة المؤمنين يأخذون كتبهم بشمالهم؟
طالب: قول الله تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ [الزمر: ٩] ما تأتي من هذا (...).
الشيخ: لا، ما تأتي من هذا، نعم لو ثبت أن عصاة المؤمنين يأخذون بالشمال، لكان لا بأس، لكن الآية تدل: وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦) يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (٢٩) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢) إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ [الحاقة: ٢٥ - ٣٣] وهذا كافر.
طالب: ذكرتم أن الأرواح تكون داخل الصور في النفخة الأخرى، ولذلك بعد النفخ تُبعث الأجساد وتبعث كل روح في الجسد، وهذا لا شك من الأمور الغيبية، فما حجتهم على هذا؟
الشيخ: هذا حديث الصور الطويل، وهذا حديث فيه أشياء منكرة، لكن فيه أشياء تشهد لها النصوص الأخرى الصحيحة، وفيه أشياء ليست منكرة، وليس فيها ما يشهد لها الأحاديث الصحيحة، لكن العلماء تلقوه بالقبول.
طالب: إحنا قلنا: إذا الفجائية (...) تعقب (...) حديث أبي هريرة يا شيخ يقول: إن بينهما أربعين، كيف نجمع بين أنها مباشرة وأنها..؟
الشيخ: أتدري ما تقول الآن؟ عِ ما تقول لأجل أن نجيب، ذكرنا أن قوله: فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ [الزمر: ٦٨] للمفاجأة، والمفاجأة تدل على وقوع الشيء مباشرة، فأنت الآن أوردت علينا حديث أبي هريرة، حديث أبي هريرة: «بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ» ، لكن الآية في النفخة الثانية، أيش؟ واضح؟
طالب: بارك الله فيكم، ذكرت (...) أن النفخ في الصور مرتين (...) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْإلى آخر الآيات [الزمر: ٦٨] فهل يعني (...)؟
الشيخ: ويش تقول في هذا السؤال؟
طالب: (...).
الشيخ: بيَّنا هذا، هو لو جاء ذكر النفخ في الصور بصعق فإذا هم قيام، لكن جاء بثلاثة تعبيرات وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ [النمل: ٨٧] وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ [الزمر: ٦٨]، فقيل: إن الفزع نفخة أولى، ثم الصعق الثانية، ثم البعث الثالثة.
وقيل: إن الفزع والصعق نفخة واحدة، ينفخ فيه فيفزع الناس: ما الذي حصل؟ ما الذي حصل؟ ثم يطول النفخ فيصعق الناس، وعلى هذا تكون النفخة واحدة، لكنها تمتد، أولها فزع وآخرها صعق، عرفت؟ وعلى هذا فقول المؤلف: (النفخة الأولى) لأنه يرى أن نفخة الفزع هي نفخة الصعق.
الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم.
الشيخ: ما فيه بسملة، ما كملنا السورة.
الطالب: وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٩) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (٧٠) وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧١) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٢) وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ [الزمر: ٦٩ - ٧٣].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ [الزمر: ٦٨]، أخذنا مناقشة فيها؟ طيب من هو النافخ في السور؟
طالب: إسرافيل عليه السلام.
الشيخ: نعم، ولماذا عبر بالماضي وهو لم يأتِ بعد؟
طالب: لتحقق (...).
الشيخ: لتحقق وقوعه، هل لك أن تأتي بمثال؟
الطالب: قوله تعالى: أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ [النحل: ١].
الشيخ: مثل قوله الله تعالى: أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُمع أنه لم يأتِ بعد.
الشيخ: ما هو الصور؟
طالب: الصور هو (...).
الشيخ: بيت يعني حجرة.
الطالب: لا (...) البوق.
الشيخ: قرن عظيم يشبه البوق من بعض الوجوه، لكنه دائرته كما بين السماء والأرض.
قوله: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ [الزمر: ٦٨] أي نفخة هذه؟
طالب: نفخة الفزع.
الشيخ: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ.
الطالب: نفخة الصور.
الشيخ: أي نفخة الصور، لكن أي نفخة؟ الثالثة أو الرابعة؟
الطالب: الأولى.
الشيخ: الأولى.
الطالب: بدليل قوله: ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى [الزمر: ٦٨].
الشيخ: بدليل قوله: ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى.
هل هناك خلاف؟
طالب: فيه خلاف، قالوا: يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ [النمل: ٨٧].
الشيخ: أيش؟ ما هو الخلاف؟
الطالب: قالوا: إن فيه نفخة ثالثة.
الشيخ: فيه نفخة ثالثة وهي؟
الطالب: نفخة الفزع.
الشيخ: الفزع.
الطالب: ونفخة الصعق.
الشيخ: ونفخة الصعق.
الطالب: ونفخة البعث.
الشيخ: البعث.
وما هو الراجح: ثنتان أو ثلاثة؟
الطالب: ثنتان.
الشيخ: كيف تجيب عن قوله: فَفَزِعَ [النمل: ٨٧]؟
الطالب: تشمل الصعق والفزع، أولًا يكون الفزع ثم تستمر حتى يصعق (...).
الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك.
قوله الله تبارك وتعالى: فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ [الزمر: ٦٨] فَإِذَاما معناها؟
الطالب: إذا الفجائية.
الشيخ: الفجائية، أيش معنى الفجائية؟
الطالب: تشديد الهول؛ لأنهم في غفلة عن هذا الأمر..
الشيخ: لا، ما هم في غفلة؛ لأنهم أموات.
طالب: أي أن القيام حصل..
الشيخ: فجائية؛ لأن ما بعدها يأتي مفاجأة؟
الطالب: لما قبلها.
الشيخ: لما قبلها، نعم.
الشيخ: قوله تعالى: وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا [الزمر: ٦٩] ما معنى أشرقت؟
طالب: أشرقت أي: أضاءت.
الشيخ: أي: أضاءت.
بِنُورِ رَبِّهَا [الزمر: ٦٩] هل هو نور المخلوق أو نور الله؟
الطالب: نور الله (...).
الشيخ: نعم، لو قال لك: إنه نور مخلوق، فأضافه الله إلى نفسه إضافة مخلوق إلى خالقه؛ كقوله: ناقة الله وبيت الله؟
الطالب: (...).
الشيخ: لكن لو قال لك هكذا؟ لو قال إنسان: إضافة مخلوق إلى خالقه، مثل: فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ [الشمس: ١٣] هو ما له ناقة؟
الطالب: (...) غير مخلوق.
الشيخ: لكن لو ادعى واحد، لو ادعى إنسان أن نور مخلوق يخلقه الله عز وجل في الجو؟
طالب: إن ثبت هذا باللفظ الصحيح فلا مانع.
الشيخ: ما أجبت.
طالب: الشيء الذي (...).
الشيخ: لكن لو قال لك قائل: هذه الآية إضافة مخلوق إلى خالقه، ما هو الجواب؟
طالب: أنه ثبت أن لله ملكًا.
طالب آخر: (...).
الشيخ: لا.
طالب: أن (...).
الشيخ: خلاص (...).
طالب: (...) الأصل أن يكون إضافة صفة إلى موصوف إذا كان..
طالب آخر: (...).
الشيخ: لأنه خلاف الظاهر يا إخواني بِنُورِ رَبِّهَا [الزمر: ٦٩]، إذا قال قائل: نور خلقه الله، قلنا: هذا خلاف الظاهر الله، يقول: بِنُورِ رَبِّهَا، والله له نور اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [النور: ٣٥]، كل إنسان يحرف الكلم عن ظاهره نجيبه بهذا، نقول: هذا غير مقبول؛ لأنه خلاف ظاهر اللفظ، فإن أتيت بدليل يخرجه عن ظاهره فعلى العين والرأس، وإن لم تأتِ بدليل صحيح يخرجه عن ظاهره فعلى العين والرأس، وإلا فقولك مردود، أعرفتم يا جماعة؟
الشيخ: قوله تعالى: وَوُضِعَ الْكِتَابُ [الزمر: ٦٩] ما المراد بالكتاب؟
طالب: (...).
الشيخ: كتاب أعمال التي يعملونها، صح؟
وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ [الزمر: ٦٩] من الشهداء؟
طالب: الشهداء، النبي صلى الله عليه وسلم يشهد على الأمم.
الشيخ: السابقة.
الطالب: السابقة (...).
طالب آخر: (...).
الشيخ: أنه أعم من أمة محمد، طيب الأنبياء والعلماء وغيرهم، ما هو الدليل على أن هذه الأمة شهداء؟
طالب: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ [البقرة: ١٤٣]
الشيخ: قوله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ [البقرة: ١٤٣] نعم.
قوله تعالى: وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ [الزمر: ٦٩] ما معنى قضي بينهم بالحق؟
طالب: يعني فصل بينهم بالعدل.
الشيخ: حكم بينهم بالعدل، أحسنت.
وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [الزمر: ٦٩]؟
الطالب: أي: وهم لا يظلمون شيئًا.
الشيخ: محل الجملة من الإعراب؟
الطالب: حالية.
الشيخ: حالية، يعني والحال أنهم لا يظلمون شيئًا.

***

ثم قال الله تبارك وتعالى: وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ [الزمر: ٧٠] وفيت: أي أعطيت وفاء، كما تقول: وفيته حقه، أي: أعطيته إياه وفاءً.
كُلُّ نَفْسٍ [الزمر: ٧٠] كُلُّبالضم على أنها نائب فاعل.
كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ [الزمر: ٧٠] أي: الذي عملت، فـ (ما) هنا اسم موصول، وهو مفعول ثان لوفيت، والمفعول الأول هو (كل)، وإن كانت بالضم، لكن نائب الفاعل ينوب مناب المفعول، فلهذا صارت (كل) في محل المفعول الأول و(ما عملت) في محل المفعول الثاني.
قال المفسر: (أي جزاءه) حمله على هذا التأويل أن العمل قد مضى في الدنيا، والذي توفى النفس هو الجزاء؛ كما قال الله تعالى: جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الواقعة: ٢٤].
فإذا قال قائل: الأمر واضح كما قال المفسر، لكن الحكمة في أن الله عز وجل عبر بالعمل عن جزاء العمل؟ الحكمة في ذلك إشارة إلى أن الجزاء لا يتجاوز العمل، ولا ينقص عن العمل، فكأنه هو العمل، إذا كان لا يتجاوزه ولا ينقص عنه، فكأنه هو العمل، وهذا هو كمال العدل، وكما تدين تدان.
وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ [الزمر: ٧٠] (هو) الضمير يعود على الله عز وجل، يعني كأن قائلًا يقول: كيف يعلم ما عملت النفس وقد مضت دهور ودهور؟ وفي العمل الدقيق والجليل؟ فقال: وَهُوَ [الزمر: ٧٠] أي الله أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ [الزمر: ٧٠] يعني: لا يخفى عليه شيء، وهو سبحانه وتعالى لا يضل ولا ينسى، فلا يمكن أن يفوت شيء من عمل الإنسان.
وقول المفسر: (أي عالم بِمَا يَفْعَلُونَ) تفسيره (أعلم) بـ(عالم) يعتبر تفسيرًا قاصرًا؛ لأن (أعلم) أعلى درجة من (عالم)، فإنك تقول: زيد عالم وعمرو عالم، فيتساويان في العلم، وتقول: زيد أعلم من عمرو، فيكون زيد أعلم وأعلى درجة من عمرو، المؤلف الآن إذا قال: (أَعْلَمُأي عالم) نقص من علم الله؛ لأن كلمة عالم لا تمنع المشاركة، لكن أعلم تمنع المشاركة؛ لأنه لا يستوي الأفضل والمفضول.
والعجب أننا لو سألنا سائل: لماذا عدل المؤلف عن اسم التفضيل إلى اسم الفاعل؟ قال: لأنه لا ينبغي أن يكون هناك تناسب أو مفاضلة بين الخالق والمخلوق، إذا قلت: أعلم، معناها أنك فضلت الخالق على المخلوق، فنقول له: سبحان الله، وإذا قلت: عالم فقد سويت الخالق بالمخلوق، فانظر كيف عدل عن ظاهر اللفظ إلى فساد المعنى، فجنى جنايتين، عفا الله عنه، الأولى: مخالفة ظاهر اللفظ، الثاني: تنقيص الخالق في علمه، فنحن نقول: إن الله أعلم وأرحم، في القرآن الكريم: وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [الأعراف: ١٥١] وأحكم أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ [التين: ٨]، بل أبلغ من ذلك أن الله قال: آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ [النمل: ٥٩] مع العلم بأنه لا أحد يظن أو يقدر أن الأصنام مثل الخالق، لكن قال هذا من أجل إفحام الخصم، وبيان ضلاله، أن نقول له: آلله خير أم الذي تشرك به؟ فالحاصل أن الواجب علينا أن نجري أَعْلَمُعلى أيش؟ على ظاهرها من أن المراد بها تفضيل الله في علمه على عباده، فهو أعلم بما يفعلون.
فإن قال قائل: إن المؤلف عدل عن (أعلم) إلى (عالم)؛ لأن الناس لا يعلمون ما يفعلون، فالعلم منتفٍ، وحينئذ لا يكون تفسيره (أعلم) بـ(عالم) لا يكون ضارًّا، قلنا: هذا خطأ أيضًا، بل العالم يعلمون ما يفعلون، كل إنسان يعلم ما فعل، وكل من شاهد غيره أنه يفعل علم ما فعل.
وقوله تعالى: وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ [الزمر: ٧٠] تارة تأتي يفعلون، وتارة تأتي يعملون، وتارة تأتي يكسبون، فهل بينها فرق؟ نقول: لا، ليس بينها فرق؛ لأن مؤداها واحد، لكن إذا قيل: قول وفعل، صار القول باللسان والفعل بالجوارح، وإذا قيل: عمل صار شاملًا للقول والفعل، وإذا قيل: قول فإنه يكون شاملًا للقول والفعل، ومنه -أي من إطلاق القول على الفعل- قول الرسول عليه الصلاة والسلام لعمار بن ياسر: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ هَكَذَا» ثم ضرب يده بالأرض ، ومعلوم أن هذا ليس قولًا بل هو فعل.
وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ [الزمر: ٧٠] قال: (فلا يحتاج إلى شاهد) نعم لا يحتاج إلى شاهد، كفى بالله شهيدًا، لكنه سبحانه وتعالى يقيم الشهود إظهارًا للعدل وتوبيخًا للفاعل، أعرفتم؟ لأنه إذا أقيم عليه الشهود بعد أن أنكر صار ذلك أشد توبيخًا.
ثم قال: وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا [الزمر: ٧١].
نعم الفوائد.
تفسير الآية (70)
01:15:02

قال الله تعالى: وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْإلى آخره [الزمر: ٧٠].
من فوائد هذه الآية: أن الناس يستوفون أعمالهم يوم القيامة؛ لقوله: وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ [الزمر: ٧٠] بعد أن قال: وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَاإلى آخره [الزمر: ٦٩].
ويدل لهذا -أن استيفاء العمل يكون يوم القيامة- قوله تبارك وتعالى: وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران: ١٨٥]، أما في الدنيا فإن الإنسان قد يوفى عمله وقد لا يوفاه، فالكافر مثلًا لا يمكن أن يوفى جزاء عمله في الآخرة، وأريد جزاء عمله الصالح، يعني لو أن الكافر تصدق أو أصلح شيئًا ينفع المسلمين، أو فعل أي شيء يتعدى نفعه، فإنه لن يُجازَى عليه في الآخرة، ولكن يطعم به في الدنيا، يجازى عليه في الدنيا، ثم قد يجازى وقد لا يجازى، قد يجازى عليه في الدنيا ويطعم إياه، وقد لا يجازى، أما المؤمن فإنه وإن جُوزي في الدنيا على عمله الصالح فإنه لن يُحرَم الجزاء في الآخرة، قال الله تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً [النحل: ٩٧]، هذا جزاء دنيوي ولَّا أخروي؟ دنيوي، وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل: ٩٧] هذا أخروي، المهم أن منتهى الجزاء هو يوم القيامة وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ [الزمر: ٧٠].
ومن فوائد هذه الآية: العدل، عدل الله تعالى في جزائه لقوله: مَا عَمِلَتْ [الزمر: ٧٠] لا زيادة ولا نقص. ويؤكد ذلك قوله: وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ [الزمر: ٧٠] فإذا كان أعلم بما يفعلون، وهو حكم عدل، علم أنه لن ينقص الإنسان من أجره شيئًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العلم لله؛ لقوله: وَهُوَ أَعْلَمُ [الزمر: ٧٠].
ومن فوائدها: أن الله يعلم أعمال العباد كما يعلم أعمال نفسه؛ لقوله: أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ [الزمر: ٧٠].
ومن فوائدها: احتراز الإنسان من العمل بما لا يرضي الله، وأنه يجب عليه أن يحذر منه، لماذا؟ لأن الله يعلم ذلك، والإنسان الحي القلب لا شك أنه سيخجل إذا علم أن الله يعلم عمله فعمل ما لا يرضيه.
ثم قال الله تعالى: وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا [الزمر: ٧١] (سيق) فعل ماضٍ مبني للمجهول أو لا؟ هل الأولى أن نقول: مبني للمجهول أو مبني لما لم يسمَّ فاعله، نعم؟ قالوا: إنه الثاني؛ لأنه قد يكون الفاعل معلومًا لكن حُذف لغرض آخر، ولهذا كان تعبير المحققين من النحويين أن يقولوا: ما لم يسمَّ فاعله. وفي هذا الفعل يقول: مبني لما لم يُسَمَّ فاعله، إذن من السائق؟ الظاهر أن السائق الملائكة، يسوقونهم إهانة.
وقول المفسر: (بعنف) دليله قوله تعالى: يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا [الطور: ١٣] معنى الدع الدفع بشدة وقوة، فهذا كيفية سوق الذين كفروا.
وقوله: الَّذِينَ كَفَرُوا [الزمر: ٧١] حذف المفعول ليعم كل ما يكفر به مما يجب الإيمان به، فإذا كفروا بالملائكة فهم داخلون في هذا؛ بالنبيين، بالكتاب، باليوم الآخر، بالقدر، فهم داخلون في هذه الآية، وكذلك إذا استكبروا عما يجب عليهم الإذعان به فإنهم يكفرون؛ لأن الكفر نوعان:
كفر جحود وكفر استكبار، فالتكذيب كفر جحود، وترك العمل كفر استكبار، والآية تشمل هذا وهذا.
(وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوابعنف إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا [الزمر: ٧١]) جهنم سبق الكلام عليها، وأن العلماء اختلفوا فيها هل هي معربة أو عربية أصلية؟
وقوله: زُمَرًاقال: (جماعات متفرقة) وما وجه التفريق في هذه الجماعات؟ هل هي باعتبار الأمم أو باعتبار الأعمال، بحيث تكون الزمرة الأولى هي الكافرة المشركة، والثانية ما دونها، والثالثة فما دونها، وهكذا؟
فيه احتمال، فإن قلنا بالأول، أي أن هذه الزمر باعتبار الأمم، فإن دليله قوله تعالى: قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ [الأعراف: ٣٨] فإن هذا يدل على أنهم يُذهَب بهم إلى النار أممًا، وإن قلنا بالثاني فدليله ما يُصنع بأهل الجنة أن أول زمرة تدخل الجنة وجوههم كالقمر ليلة البدر، أو على صورة القمر ليلة البدر، فإن هذا يقتضي أن يكون الزمر باعتبار العمل، فالله أعلم، المهم أن نعرف أنهم يُساقون زمرًا.
يقول: حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا [الزمر: ٧١] جواب إِذَا، وأين شرطها؟ شرطها جَاءُوهَا، وجوابها فُتِحَتْ، يعني من حين أن يصلوا إليها تفتح، وفتحها أكره شيء إليهم، نسأل الله العافية؛ لأنهم يودون أن يقفوا ولو على شفيرها دون أن يدخلوا فيها، ولكنهم يفاجؤون بفتحها من أجل مبادرتهم بالعذاب والعياذ بالله.
فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا [الزمر: ٧١]، وقوله: أَبْوَابُهَاجمع باب، وقد بيَّن الله تعالى في كتابه أن أبوابها سبعة، فقال: وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ [الحجر: ٤٣، ٤٤] حسب عمله.
فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا [الزمر: ٧١] خزنتها أي: القائمون عليها، الموكلون بها، وهم ملائكة غلاظ شداد، غلاظ الطباع، شداد الأجسا،م هؤلاء هم خزنة النار، فيهم رحمة ولَّا ما فيهم رحمة؟ ما فيهم رحمة إلا امتثال أمر الله عز وجل، والله سبحانه وتعالى في يوم القيامة لا يرحم الكافر، بل يقول جل وعلا: اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ [المؤمنون: ١٠٨] فهم أبعد الناس عن رحمة الله، وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا [الزمر: ٧١] موبخين ومقررين: أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ [الزمر: ٧١]، والاستفهام هنا لأيش؟
طلبة: للتقرير.
الشيخ: أنا قلت لكم الآن: موبخين ومقررين، للتوبيخ والتقرير، يعني يقررون إتيان الرسل، ويوبخون هؤلاء على الكفر بهم، أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ [الزمر: ٧١] يعني لا من غيركم، لو أرسل الله إلى البشر ملائكة لكانوا ينفرون قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ [الإسراء: ٩٥] لما قالوا: أين الملائكة؟ قال الله تعالى: قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا [الإسراء: ٩٥] لكن ليس من الحكمة أن ينزل للبشر ملك، وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا [الأنعام: ٩]، لو أنزل الله ملك، لو فرض أن الله يرسل للبشر ملكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا [الأنعام: ٩] أي: على صورة الرجل، حتى لا ينفروا منه.
وهنا يقول: يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ [الزمر: ٧١]، وهذا أبلغ من أنفسكم مِنْكُمْ، فمحمد عليه الصلاة والسلام ممن؟ من قريش من بني هاشم يعرفونه ويعرفون أباه، ويعرفون أجداده، ويصفونه بالأمين، ويثقون به، وحكموه حين اختصموا في وضع الحجر في مكانه بالكعبة، حتى حكم فيهم ذلك الحكم العدل، ولما جاءهم بالبينات قالوا: هذا الساحر، هذا الكذاب، هذا المجنون، هذا الكاهن، هذا الشاعر، سبحان الله! فهو رجل منهم يعرفونه، لكن الاستكبار يأبى أن يقول الحق يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ [الزمر: ٧١] أعوذ بالله! نؤجل الكلام عليها إن شاء الله في الدرس القادم.
طالب: بارك الله فيكم، الفعل المبنى للمجهول هل الأولى دائمًا أن نقول: مبني لما لم يُسمَّ فاعله، أم في هذا السياق؟
الشيخ: لا، دائمًا يكون الأولى: لما لم يسم فاعله، وأنت إذا قلت: لما لم يسم سواء كان مجهولًا أو غير مجهول، ثم إن الفعل المبني لما لم يسم فاعله إذا كان الله هو الذي تكلم به هل يصح أن نقول: إن هذا مجهول لله؟ لا يمكن، يعني في القرآن لا يمكن أن تقول: مبني للمجهول؛ لأن الله لا يجهل ذلك، في غيره ربما يقول القائل مثلًا لما أصبح صاح، ويش بلاك؟ قال: سرق متاعي، هذا أيش؟ مبني للمجهول، ولا يريد الستر على السارق؟
الطالب: احتمال.
الشيخ: لا، ما فيه احتمال أبدًا، جعله يصيح، ولهذا قلنا لكم: يصيح؟
طالب: ألا يمنع من كون المعنى زمرًا أن يكون جماعات باعتبار العمل؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أَوَّلُ مَنْ تُسَعَّرُ بِهِمُ النَّارُ ثَلَاثَةٌ» ؟
الشيخ: نعم هذا يؤيد أن المراد باعتبار العمل.
طالب: (...).
الشيخ: أي نعم؛ لأن هؤلاء الثلاثة يكون في الأمم من قبلنا وفينا.
طالب: الآية وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا [الزمر: ٧٣] والحديث في صحيح البخاري، ذكرنا أنه تُصوَّر لهم النار كأنها سراب فيأتون مسرعين كيف (...) بين السوق وبين الذهاب (...)؟
الشيخ: أيش تقولون؟ يقول: جاء في البخاري وغير البخاري أن النار تمثل وكأنها السراب لأهلها، وهم عطاش، فيتسابقون إليها، فما هو الجمع بين قول: سيق وكونهم هم يتبادرونها؟
الجمع من أحد وجهين: إما أنهم يُجمع لهم بين السوق وبين انطلاقهم ولا مانع، لا مانع من أن الإنسان يركض وفيه واحد وراه يدفعه، ما فيه مانع، أو يقال: إنهم إذا وصلوا إلى حولها ورأى المجرمون النار هابوا ووقفوا، وعلموا أنها ليست بماء، فسوف ينكصون، وحينئذ أيش؟ يساقون ويدعون إلى جهنم دعًّا.
طالب: هذا الحديث أليس هو (...) المسيح الدجال.
الشيخ: أيهم؟
الطالب: الكفار حينما يرون المسيح الدجال يصور لهم النار على..
الشيخ: لا.
طالب: (...) الأشاعرة (...)؟
الشيخ: أنهم لا يرون أن الكسب عمل، هم في الحقيقة كمذهب الجبرية تمامًا، لكنهم يضيفون العمل للإنسان على أنه كسب.
طالب: هل يُعذَّب الجن كما يعذب الإنسان في جهنم.
الشيخ: إي نعم.
طالب: عذابهم سواء؟
الشيخ: هو الظاهر أن الجن يعذَّبون كما يعذب الإنس، اقرأ الآية: قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا [الأعراف: ٣٨].
طالب: شيخ بارك الله فيكم يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِإلى آخر الآيات [عبس: ٣٤ - ٣٦] فهل في هذا الموقف العظيم هل يمكن للإنسان أن يتنازل بشيء من الحسنات لأمه أو أبيه؟
الشيخ: ما هو بالظاهر، الظاهر أنه لا يمكن.
الطالب: (...).
الشيخ: لأن العمل انتهى وقته.
الطالب: ورد الحديث في هذا الباب.
الشيخ: ما أعرف إن ورد حديث صحيح أخذنا به.