تفسير سورة غافر - 2
عدد الزيارات 7217

عناصر المادة :
تفسير الآية (4)
تفسير الآية (5)
تفسير الآية (6)
تفسير الآية (7)

هل يُشْتَرط لصحة التوبة ألا يُصِرَّ على ذنب آخر، بمعنى هل تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على آخر؟
طالب: للعلماء في ذلك قولان: القول الأول: لا تصح، القول الثاني: أنها تصح ولكن لا يستحق التوبة المطلقة.
الشيخ: وصف التوبة المطلقة. أيهما أصح؟
الطالب: الثاني.
الشيخ: الثاني أصح؛ أنها تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره، لكنه لا يَصْدُق عليه وصف التائب على سبيل الإطلاق. نستمر الآن في استنباط الفوائد من الآية.
الطالب: فيه قول ثالث.
الشيخ: أيهم؟
الطالب: أن الذنب إذا كان من جنس الذنب..
الشيخ: قول ثالث هذا، إي نعم. لكن صححنا أنه يصح مطلقًا..
من فوائد الآية الكريمة غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ.. ذكرنا الحث على التوبة؟ طيب.
من فوائدها: أن عقاب الله تعالى شديد؛ لقوله تعالى: شَدِيدِ الْعِقَابِ.
ويتفرع على هذه الفائدة: الحذر من التعرض لعقابه، وقد قال الله عز وجل لنبيه: نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ [الحجر: ٤٩، ٥٠]، وقال في آية أخرى: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة: ٩٨].
ومن فوائد الآية التي بعدها ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ [غافر: ٣]: بيان كمال غنى الله؛ لقوله: ذِي الطَّوْلِأي: صاحبه، والطول هو الغنى كما شرحناه.
ومن فوائد الآية الكريمة: انفراد الله تعالى بالألوهية؛ لقوله: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وانفراد الله تعالى بالألوهية أحد أقسام التوحيد الثلاثة التي هي توحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، ويُسَمَّى توحيد العبادة فهو باعتبار العبد توحيد عبادة وباعتبار المعبود توحيد ألوهية.
من فوائد هذه الآية الكريمة: بيان أنه لا معبود إلا الله، كذا؟ لا بد أن نُقَيِّد لا معبود حق إلا الله؛ لأن هناك ما يُعْبَد من دون الله وتُسَمَّى آلهة، وقد سماها الله تعالى آلهة وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ [المؤمنون: ١١٧]، فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ [هود: ١٠١] لكنها آلهة باطلة.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن المصير إلى الله عز وجل؛ لقوله: إِلَيْهِ الْمَصِيرُ.
ومن فوائدها: وجوب التحاكم إلى شريعة الله، من أين تؤخذ؟ من قوله: إِلَيْهِحيث قَدَّم الخبر وتقديم الخبر يفيد الحصر والاختصاص.
ومن فوائد الآية الكريمة: الجمع بين الخوف والرجاء في السير إلى الله، وجه ذلك أن الإنسان إذا علم أن المصير إلى الله وأنه غافر الذنب وقابل التوب وشديد العقاب يرجو من وجه ويخاف من وجه آخر، ما دام المصير إلى مَنْ هذا وصفه فإنه لا شك أنه يرجوا تارة ويخاف أخرى، وأيهما يُغلِّب؟
قال بعض العلماء: يجب أن يكون خوفه ورجاؤه واحدًا، لا يغلب الرجاء فيقع في الأمن مِنْ مكر الله، ولا يُغلِّب الخوف فيقع في القنوط من رحمة الله، بل يكون خوفه ورجاؤه واحدًا، قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: ينبغي أن يكون خوفه ورجاؤه واحدًا فأيهما غَلَب هَلَك صاحبُه.
وقال بعضهم: ينبغي أن يسير الإنسان إلى الله تعالى سير الطير جناحاه متساويان فإن مال أحد جناحيه جنح إلى الجانب الذي مال إليه.
وقال بعض العلماء: ينبغي في جانب الطاعة أن يُغَلِّب جانب الرجاء وأن الله تعالى يقبلها، وفي جانب المعصية أن يُغَلِّب جانب الخوف لئلا يقع فيها، فإذا هَمَّ بسيئة ذكر شدة العقاب فخاف فارتدع، وإذا عمل صالحًا ذكر الثواب والجزاء وقبول الله عز وجل فغَلَّب جانب الرجاء.
وقال بعض العلماء: ينبغي أن يُغَلِّب جانب الخوف في حال الصحة، وجانب الرجاء في حال المرض حتى يأتيه الموت وهو يحسن الظن بالله؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ» .
فالأقوال إذن أربعة؛ أن يكون خوفه ورجاؤه واحدًا.
والثاني: أن يُغَلِّب جانب الرجاء في العمل الصالح وجانب الخوف إذا هَمَّ بالمعصية.
والثالث: أن يُغَلِّب جانب الرجاء في حال المرض وجانب الخوف في حال الصحة.
طلبة: ثلاثة.
الشيخ: ثلاثة. إي نعم، ما ذكرنا أربعة؟
طيب إذن، هذه أن يكون خوفه ورجاؤه واحدًا، طيب هذه ثلاثة أقوال، والذي يظهر أن القول بأنه يغلِّب جانب الرجاء في حالة فعل الطاعة وجانب الخوف إذا هَمَّ بمعصية هو أقرب الأقوال، من أجل أن يردع نفسه إذا هَمَّ بمعصية خوفًا من الله، وأن يُؤَمِّل القبول من الله والثواب إذا فعل الطاعة فيُغَلِّب جانب الرجاء. لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الحث على التوكل على الله، كيف كانت دليلًا على الحث على التوكل على الله؟
طالب: تفويض الأمر إلى الله.
الشيخ: أنه لما كان المصير إلى الله كان ينبغي أن يتعلق الإنسان بربه لا بغيره، ما دام المصير إلى الله فتوكلْ على الله لا على غيره.
ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: اللجوء إلى الله تعالى عند الشدائد وعند طلب المحبوب، تؤخذ مِن؟ إِلَيْهِ الْمَصِيرُفإذا اشتدت بك شدة فلا تلتفت إلى زيد أو عمرو، عليك بالله عز وجل، حتى الشدائد التي أسبابها خفية لا ينفعك إلا الله: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [فصلت: ٣٦].

***

تفسير الآية (4)
00:08:41

ثم قال الله عز وجل: مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا [غافر: ٤] ما يجادل إلا الذي كفروا، (ما) نافية، و(إلا) أداة حصر، والجملة هنا جملة خبرية حصرية؛ خبرية لأنها منفية، حصرية لأنه حصر الجدال فيمن؟ في الذين كفروا مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا، أما الذين آمنوا فلا يجادلون في آيات الله، والمجادلة المنازعة والمخاصمة مأخوذة من الجَدْل وهو فَتْل الحبل، أتعرفون كيف يُفْتَل الحبل؟ هكذا حتى يشتد ويقوى هكذا، هذا أصل الجدل المنازعة، وهي مأخوذة من الجدل أي: فتل الحبل؛ لأن كل واحد من المتنازعين كأنما يَفْتِل حبلًا لمنازعه فيكون ذلك أشد في الإحكام.
وقوله: فِي آيَاتِ اللَّهِقال المفسر: (القرآن)، وينبغي أن نُفَسِّر الآيات بما هو أعم، وهذا الذي فَسَّر المؤلف الآيات به يُعتبَر قصورًا، ولا ينبغي أن نفسر العام بأخص منه إلا إذا دَلَّت قرينة قوية على ذلك، وهنا لا دلالة، فالمنازعون في آيات الله منهم من ينازع في القرآن، ومنهم من ينازع في السنة، ومنهم من ينازع في الخلق، مثلًا الكسوف من آيات الله، خسوف القمر من آيات الله، من الناس من يجادل فيه ويقول: ليس هذا من باب تخويف العباد وأي رابطة بين هذا وبين التخويف وسببه طبيعي معلوم يُدْرَك بالحساب، عرفتم؟ يجادل في شرع الله في آيات الله فيقول مثلًا: لماذا كان كذا وكان في موضع آخر كذا وكذا، كقصة المعرِّي الذي جادل في كون اليد تُقْطَع بربع دينار وديتها خمس مائة دينار. وكقول بعضهم لماذا ينتقض الوضوء بالريح من أسفل ولا ينتقض بالريح من أعلى؟ والريح من أعلى هو الجشاء وما أشبه ذلك من المجادلات في الآيات الشرعية.
منهم من يجادل في القرآن يقول: القرآن فيه تناقض، قال الله تعالى: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام: ٢٣]، وقال في آية أخرى: وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا [النساء: ٤٢] هذا تناقض فيجادل، فالمهم أن الجدل يكون في الآيات الشرعية الثابتة بالكتاب والسنة وفي الآيات الكونية فينبغي أن نفسر الآيات بما هو أعم مما ذكر المؤلف؛ فنقول: مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِالكونية أو الشرعية إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُواوأما المؤمنون فلا يجادلون، المؤمنون يقولون: آمنا به كل من عند ربنا. ولا يجادلون، من أين عرفنا أن المؤمنين لا يجادلون؟ من كونه حصر المجادلة في الذين كفروا.
قال: (إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوامن أهل مكة) وهذا تخصيص آخر، الله عز وجل يقول: إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا، والمؤلف يقول: (من أهل مكة)، سبحان الله! القرآن يَعُمُّ ونحن نَخُصُّ هذا خطأ، قصور في التفسير، فنقول: فِي آيَاتِ اللَّهِأَعَمُّ من القرآن، إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُواأعم من أهل مكة، يجادل في آيات الله الذين كفروا من أهل مكة ومن غير أهل مكة؛ من أهل المدينة، من أهل الطائف، من أهل جدة، من أهل القصيم، من كل مكان. كلهم يجادلون في آيات الله إذا كانوا كفارًا.
فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِالفاء للتفريع على ما سبق. والخطاب في قوله: فَلَا يَغْرُرْكَإما للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه الذي نزل عليه القرآن، وإما لعموم المخاطبين لأن القرآن نزل للجميع، وأيهما أولى؟ الثاني؛ لأن القاعدة التفسيرية عندنا أنه إذا دار الأمر بين كون المعنى عامًّا أو خاصًّا فإنه يُحْمَل على العام؛ لأن الخاص يدخل في العام ولا عكس، إذن فلا يغررك أيها المخاطب، وأول مَنْ يدخل في ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم، ويَغْرُرْكَيعني: لا يَخْدَعْك ولا تغترَّ به.
تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِالتقلب هو التردد من شيء إلى شيء، ومنه تقلُّب الإنسان في فراشه من جنب إلى جنب، المعنى لا يَغُرَّك ترددهم في البلاد يمينًا وشمالًا وشرقًا وغربًا للتجارة ولغير التجارة، لماذا لا يَغُر؟
قال: (فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِللمعاش سالمين فإن عاقبتهم النار) ولكن لو قال: فإن عاقبتهم البَوار لكان أحسن؛ لأن الله تعالى ضرب مثلًا بمن كان على حالهم بأن الله أهلكهم فقال: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍإلى آخره.
نأخذ فوائد الآية قبل أن نتجاوزها، يقول الله عز وجل: مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا.
فمن فوائد هذه الآية: أن الكفار يجادلون في آيات الله، لكن لأي شيء؟ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ [غافر: ٥].
ومن فوائدها: حِرْص الكفار على إبطال الحق بالمجادلة والمجالدة؛ المجادلة كما في الآية، المجالدة إذا عجزوا عن إبطال الحق بالجدل أبطلوه بالجَلد بالقتال كما في آيات أخرى.
ومن فوائد الآية الكريمة: الحذر من مجادلة الكفار إذا كان ليس عند الإنسان سلاح؛ أي: لا تدخل مع الكفار في جدل إذا لم يكن لديك سلاح؛ لأنك سوف تُهْزَم وهزيمتك ليست هزيمة شخصية لكنها هزيمة للإسلام.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي لنا أن نعرف معايب الكفار وأقوالهم حتى يمكننا أن نجادلهم؛ لأن الجدل -كما قلنا فيما سبق- المنازعة كل واحد ينازع الآخر ليفتل كلامه أمامه حتى يشتد عليه، فلا بد أن تعرف ما هم عليه من الباطل من أجل أن تحاجهم فيه؛ يعني لا يكفي في مجادلة الكفار أن تعرف الحق الذي أنت عليه، بل لا بد أن تعرف الباطل الذي هم عليه، وأظن هذا واضحًا، والله عز وجل يجادل الكفار بمثل هذا؛ يقول: آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ [يونس: ٥٩]، والآيات في هذا كثيرة، اعرف ما عند عدوك من الباطل من أجل أن تُدْحِضَ حجته.
فإن قال قائل: كيف نجمع بين هذه الآية الكريمة التي ذكر الله فيها أنه لا يجادل في الآيات إلا الكفار وبين قول الله تبارك وتعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل: ١٢٥] فأمر بالجدال مع أنه في هذه الآية ذم الجدال وقال: إنه لا يجادل إلا الكفار؟
الجواب على هذا سهل أن المجادلة التي أُمِرْنا بها هي المجادلة لإبطال الباطل وإحقاق الحق، أما الكفار فإنهم يجادلون لإبطال الحق وإحقاق الباطل عكس ما أُمِرْنا به.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى يُمْلِي للكفار ويمهلهم ويُمَكِّنُهم من التقلب في البلاد حيث شاؤوا؛ لقوله: تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ.
ومن فوائد الآية الكريمة: تحذير المؤمن أن يغتر بما أنعم الله به على هؤلاء الكفار من التَّقَلُّب في الدنيا حيث شاؤوا؛ لقوله: فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ.
ومن فوائد الآية الكريمة: بيان سفه أولئك الذين أُغْروا واغتروا بالكفار، بيان سفههم في العقول وضلالهم في الدين، فإن بعض المسلمين ضعفاء الإيمان انبهروا مما عليه الكفار، وظنوا أن ما هم عليه من تحلل الأخلاق وفساد العقائد والكفر هو الذي أوجب أن يكونوا على هذا المستوى من التقدم المادي فانبهروا بذلك وانفلتوا من الدين، وضيَّعوا مشيتهم ومشية الحمامة، صاروا كالغراب، يقولون: إن الغراب أعجبه مشية الحمامة، ومعروف الفرق بين مشية الحمامة ومشية الغراب. الغراب ويش يعمل؟ (...) والحمامة تشمي كأنما تمشي على عجل أي على كَفَرَّات كما تقولون، فأعجبته المشية فقال: سأمشي مثل مشية الحمامة فأراد أن يفعل ولم يدرك شيئًا، أراد أن يعود إلى مشيته الأولى فعجز أن يعرفها، فضيع المشية الأولى والثانية.
هؤلاء المساكين الذين انبهروا بما عليه الكفار من القوة المادية وما زُخْرِف لهم من الدنيا ضيعوا دينهم ولم يصلوا إلى ما عليه هؤلاء من الدنيا، وقد قال الله تعالى لنبيه: وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى [طه: ١٣١].
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه مهما طال الأمد بهؤلاء الكفار فإن مآلهم الهلاك والبوار، وانظروا الآن كل الكفار السابقين أين ذهبوا؟ ذهبوا إلى النار؛ لأننا نشهد بالله أن كل كافر في النار، فهؤلاء الذين ماتوا على الكفر انتقلوا من الدنيا التي جُعِلَت لهم جنة إلى النار، والعياذ بالله.
وأظن قد قصصتُ عليكم قصة لابن حجر العسقلاني وكان قاضي القضاة في مصر، يعني كبير القضاة، وكان إذا مشى يمشي على عربة تجرها الخيول أو البغال في موكب، فمرَّ ذات يوم بيهودي سمَّان يعني يصنع السمن أو زيات، وتعرفون الزيات والسمان تكون ثيابه ملوثة بالزيت وأحواله سيئة، فأشار إلى الموكب فوقف فقال لابن حجر: إن نبيكم يقول: «إِنَّ الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الكَافِرِ» وكيف يتفق هذا القول مع حالي وحالك؟ أنت الآن مسلم وفي هذه الرفاهية وفي هذا الموكب العظيم وهو يهودي وتعس، في زيت أو سمن يُلوَّث ثيابه ويديه وكل شيء، فقال له ابن حجر رحمه الله تعالى: نعم، لكن ما أنت فيه من البؤس هو جنة بالنسبة لما ستؤول إليه إذا مت. إذا مت أين يكون؟ النار أو هذا؟ هذا جنة بالنسبة للنار، وأما أنا فنعيمي هذا بالنسبة للجنة يعتبر سجنًا. لأن نعيم الجنة أعلى بكثير من هذا. فقال اليهودي: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. سبحان الله! تبين له الأمر بكلمة بسيطة.
فأقول: إن هؤلاء الكفار مهما زُيِّنَت لهم الدنيا فإنهم -والعياذ بالله- سيؤولون إلى عذاب، وكما نعلم جميعًا أن الإنسان إذا آل إلى عذاب بعد النعيم صار العذاب عليه أشد، لكن لو انتقل من عذاب إلى عذاب صار أهون، أما من نعيم إلى عذاب، صعب جدًّا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِإذن هؤلاء الكفار الذين يذهبون ويجيئون كل هؤلاء لا يغرنكم، لا سيما إذا كان ترددهم في البلاد استكبارًا في الأرض ومكر السيئ وعُلُوًّا على الخلق وزعمًا منهم أنهم سيدبرون الناس وسيسنون نظامًا عالميًّا كما يقولون، فإننا نعلم أن مآلهم الفشل إذا نحن صدقنا الله، إذا نحن صدقنا الله فإن كيدهم لا يضرنا؛ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا [الطارق: ١٥، ١٦] يعني: كيدًا أعظم، ومعلوم أن الكيد الواقع من الله أشد من الكيد الواقع من البشر.
طالب: الآن فيه مسألتين هل لكم فيها قول جديد؟ الأولى (...) بين الخوف والرجاء، قلت فيما سبق رجحتم أن الإنسان يكون طيبة نفسه، والآن ذكرتم قولًا جديدًا؟
الشيخ: لا، ما هو جديد، هذا بقطع النظر عن حالات تعرض للإنسان، كما نقول: هذا الشيء مباح وقد يكون واجبًا، وقد يكون حرامًا، فنحن إذا رجحنا يعني ننظر إلى القول من حيث هو قول، لكن قد تَعْرِض للإنسان حالات حتى إذا هَمَّ بالمعصية قد يكون يُغَلِّب جانب الرجاء أو بالعكس، فالقول من حيث هو قول القياس يقتضي أننا نغلب جانب الرجاء إذا فعلنا الطاعة ونقول: إن الله تعالى لم يوفقنا للطاعة إلا وسيقبلها منا ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: ٦٠]؛ ولهذا قال بعض العلماء: من وُفِّق للدعاء فليبشر بالإجابة.
وإذا هَمَّ بالمعصية فمعلوم أنه إذا غَلَّب جانب الخوف سوف يرتدع، لكن هناك حالات تطرأ على الإنسان شيء آخر، فالحالات العارضة نقول فيها: الإنسان طبيب نفسه، أما القول من حيث هو قول فهذا القول أقرب للقياس.
طالب: من تاب من ذنب يتعلق بالآخر فيما سبق قلتم: إذا كان من جنس الذنب الأول فلا، والآن قلتم: يُقْبَل مطلقًا؟
الشيخ: نعم، الصحيح أنه يُقْبَل مطلقًا؛ لأن هذا مقتضى العدل، فعل ذنبًا فتاب منه فلتُقْبَل توبته.
طالب: بعض الناس يقول: لا يجوز للإنسان أن يقول: نشهد أن الكفار كلهم في النار، نقول: الذي بلغته الدعوة نشهد أنه في النار، والذي لم تبلغه الدعوة (...).
الشيخ: لا، نقول: كل كافر في النار، لكن مَنْ لم تبلغه الدعوة فلا نجزم له بجنة ولا نار؛ لأنه لم يصدق عليه أنه كافر، إلى الآن لم يصدق عليه، ونقول: أمره إلى الله يوم القيامة. وهذا بخلاف الذي ينتسب للإسلام وفَعَل ما يُكَفِّر جاهلًا فقد سبق لنا القول في هذه المسألة وذكرنا لكم أن شيخ الإسلام رحمه الله لما ناظر الجهمية وبيَّن لهم الحق وأصروا على ما هم عليه قال: أنا أعلم لو أنني لو قلت بما تقولون لكنت كافرًا، وأما أنتم فلستم كفارًا عندي لأنكم مُتَأَوِّلون. هذا وهو يناظر الجهمية ويبيِّن لهم الحق، ذكر هذا في كتاب الاستغاثة.
وهذا يدل على مسألة يشتد فيها بعض الناس اليوم في مسألة فعل ما يُكَفِّر حيث يُكَفِّرون الناس مطلقًا بلا بينة، والمسألة هذه -كما قلنا فيما سبق- خطيرة. فالآن شيخ الإسلام رحمه الله كما سمعتم يقول: أنا أعلم أنني لو قلت بقولكم لكنت كافرًا؛ لأني أعلم أن هذا خلاف الحق، أما أنتم فلا تكْفُرون عندي لأنكم متأولون. وهم جهمية مع أن إطلاق الكفر على الجهمية عمومًا جاء ذلك عن الإمام أحمد وغيره. وكما نقلت لكم أيضًا عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله أنه قال: إننا لا نُكَفِّر الذين اتخذوا صنمًا على قبر البدوي وعبد القادر لجهلهم وعدم من ينبههم. وقد كان كثير من الناس أو من طلبة العلم يُفَرِّقون بين الأصل والفرع؛ فيقولون: الفرع يُعْذَر فيه الجهل والأصل لا يعذر، فهذا ليس بصحيح.
أولًا: أن تقسيم الدين إلى أصل وفرع يقول: شيخ الإسلام هذا بدعة، ليس في القرآن ولا في السنة تقسيم الدين إلى أصل وفرع، وإنما حدث هذا من كلام المتكلمين بعد القرون المفضلة، قسموا الدين إلى أصل وفرع، وقال: إن هذا التقسيم يُنْتَقَض بأن الصلاة عندهم فرع وهي من أصل الأصول، وبأن بعض المسائل التي فيها الخلاف فيما يسمونه أصولًا لا يكفر المخالف فيه، كما مر علينا في الصراط وفي الميزان وفي عذاب القبر وفي رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربه، كل هذه مما يسمونه أصولًا ومع ذلك ففيها الخلاف، وإن كان الخلاف في الأصل لم يَرِد، لكن فروع الأصول فيها الخلاف، فهذه المسائل ينبغي لطالب العلم أن يُحَرِّر فيه القول قبل أن يُحْكَم على عباد الله بما لم يجعله الله لهم.
طالب: كيف نرد على من يقولون: (...) من العشرة ألفًا (...)؟
الشيخ: اللهم صلِّ على النبي، من قال هذا؟ نرد على أيش؟
طالب: نرد على اللي ثاروا على الولاة.
الشيخ: الولاة ما يثار عليهم، يعني إذا قاتل المسلمون الكفار وهم اثنا عشر ألفًا فإنهم لن يُغْلَبوا، لكن لن يغلبوا باعتبار الكمية، أما باعتبار الكيفية فلو اجتمع اثنا عشر مليونًا هُزِموا؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمُ الْأُمَمُ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ عَلَى قَصْعَتِهَا». قالوا: أَمِنْ قِلَّةٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيٍلِ» وصدق الرسول، والله إننا اليوم غثاء كغثاء السيل، وإلَّا كيف يطيب لنا منام أو يهنئ لنا أكل وإخواننا في البوسنة والهرسك تُمَزَّق أوصالهم تمزيقًا وتُنْتَهك حرماتهم وتحتل ديارهم، أين الإسلام؟ يعني: لو مَشَوُا الناس على أقدامهم من أقصى المغرب إلى أقصى المشرق نصرةً لإخوانهم لم يكن هذا بغريب لو كان الدين حقيقة، لكن مع الأسف إخوانهم يُفْعَل بهم هذا الفعل، ونحن ساكتون نائمون على فُرُشِنا، والله خزي وعار أمام الله وأمام الخلق، لو يُقْتَل يهوديٌّ في أرض محتلَّة مُغتَصَبة قامت الدنيا وقامت من ورائها الأمم، وهؤلاء يُقَتَّلون، ووعد كذب، وسنضرب الصِّرْب والكروات، يقولونها اليوم، وغدًا يقولون: لا تضربوا الصرب والكروات، إن ضربتموهم اعتدوا على حَفَظَةِ السلام من الأمم المتحدة، خَلُّوهم يُقَتِّلُون المسلمين ويسلمون جماعات الأمم المتحدة ما يهم، فالحاصل أن الحديث: «لَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ» هذا لو أننا صدقنا الله، أما ونحن الآن لا نريد إلا شِبَع البطون وشهوة الفروج ولذة الفُرُش فسنُغْلَب لو كنا اثني عشر ألفَ مليون.
طالب: أخذنا فائدة قبل قليل أن الحذر من مجالدة الكفار حتى يتهيأ السلاح، والآن حال البسنة والهرسك واضح جدًّا أنهم لا يصلهم السلاح ولا يصلهم العون وأنهم تاريخيًّا في تقهقر دائم، أفلا يفتي لهم العلماء بأنه يجب عليهم أن يقبلوا أي خطة من أجل إنقاذ أرواح مَنْ تَبَقَّى.؟
الشيخ: أنا أرى أنه يجب ما هو هذا، لو أن المسلمين اتخذوا سلاح المقاطعة للدول الكافرة، فهل تظنون أن الدول الكافرة تخضع أو لا تخضع؟ تخضع رغمًا على أنوفها، ما الذي يُشَغِّل عُمَّالَهم؟ ما الذي يُشَغِّل مصانعهم؟ إلا استهلاك المسلمين لما يصنعونه، من الذي يمولهم بالبترول وغيره إلا المسلمون؟ والله لو قاطعناهم اقتصاديًّا، دعنا من سياسيًّا لاستجابوا، أليست الآن الدول الغربية تحارب من تحارب بالاقتصاد، ماذا فعلوا بالعراق؟ ما هو ضيقوا عليه الآن الخناق؟
طالب: اعتبار الواقع يا شيخ.
الشيخ: اعتبار الواقع الرسول صلى الله عليه وسلم وافق على الصلح الذي جرى بينه وبين قريش في الحديبية، وهو صلح ظاهره أنه علينا وصار لنا والحمد لله، أنا ما ألوم مثلًا رئيس البوسنة والهرسك بأن يوافق على الخطة التي اختطها هؤلاء، لا ألومه؛ لأن هذا أهون الشرين، لكني والله ألوم الأمة الإسلامية وأرى أنها مسؤولة عن ذلك أمام الله؛ أن تسكت هذا السكوت وتدع هؤلاء المسلمين فريسةً للنصارى. وما الذي يُؤَمِّنُنا الآن أنهم إذا قضوا على جمهورية البوسنة والهرسك أن يذهبوا إلى ألبانيا وأن يمشوا؟ يعني: نحن نسمع أشياء ما نحب أن نقولها الآن باعتبار أطماع النصارى وأطماع الوثنيين، يعني: يطمعون أن يصلوا إلى الكعبة، فما الذي يُؤَمِّنُنا؟ والله أنا أُحَمِّل أمام الله المسلمين هذه المسؤولية، وأرى أنهم مُقَصِّرون وأنهم تركوا هؤلاء الكفار يعيثون في الأرض فسادًا وهم ساكتون، وأنتم لو فكرتم لوجدتم هذا حقيقة تقصيرًا من المسلمين.
يا أخي، ثم المسلمين لا حول ولا قوة إلا بالله صمٌّ بكمٌ عميٌ فهم لا يعقلون، الآن يحاولون الصلح مع اليهود، وماذا صنعت اليهود باللبنانيين؟ تطردهم من ديارهم تَقْتُلُهم ويقولون: تعالوا على مائدة الصلح، وين الصلح؟! ثم هم يصرحون أيضًا رؤساء اليهود يقولون: إن القدس عاصمة اليهود الأبدية ولا يمكن أن نتحول عنها، طيب نصالحهم على إيش؟
فالمهم أن ما عندنا صدق لكننا إن شاء الله، أرجو الله عز وجل أن هذه النشأة الجديدة الشبابية هي التي يكون على يديها النصر إذا وُفِّقَت للحكمة وعدم العنف؛ لأن الذي يضر الآن الشباب المتجه أنه يَتَسَرَّع يريد أن تكون المسألة بين عَشِيَّةٍ وضحاها، لم يعلم أن الأمم الكافرة ومن ورائها أذنابها من ولاة بعض الدول الإسلامية أو العربية لا يَدْرِي أنهم أعداء لهم وأنهم مُتَمَكِّنون، فالواجب على الشباب أن يَصْبِروا، يصبر على الأذية ويصبر في الدعوة، الطريق طويل، لكن إخواننا يريدون أن يقفزوا من أسفل درجة إلى أعلى درجة، وهذا غير صحيح، والنصر بحول الله للمسلمين، وما تَجَمُّع اليهود الآن من اليمين والشمال والشرق والغرب في فلسطين إلا تَوْطِئَة وتمهيد لقتال المسلمين إياهم، ما هو لقتال العرب إياهم، لقتال المسلمين؛ ولهذا يقول الشجر إذا تقاتل المسلمون واليهود المقاتلة الأخيرة يقول: «يَا مُسْلِمُ أَوْ يَا عَبْدَ اللَّهِ، هَذَا يَهُودِيٌّ فَاقْتُلْهُ» ما يقول: يا عربي، والمعركة بين العرب واليهود فاشلة، كم حصل من معركة بيننا وبين اليهود؟ ثلاثة أو أربعة، كلها الهزيمة على العرب، وستكون الهزيمة على العرب دائمًا ما داموا يقاتلون من أجل العروبة ستكون الهزيمة، مَنْ قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو الأعلى. فعلى كل حال يا إخواننا نشكو إلى الله عز وجل حالنا اليوم أننا في حال يُرْثى لها في الواقع، والله يبكي علينا الصديق، وإن لم أجازف لقلت: يبكي حتى العدو. الآن يقولون: إنه في أمريكا بعض الناس الذين عندهم نوع من الرحمة فعلوا مظاهرات من أجل ما يُفْعَل في البوسنة من هَتْكِ الأعراض وقَتْلِ الأطفال أمام أمهاتهم وآبائهم، حتى قيل: إنهم يُجْبِرون الأم على أن تشرب من دم ابنها وهو يُذْبَح أمامها، أعوذ بالله، شيء عجيب يرتاع له الضمير، ومع ذلك ساكتون نحن، لو واحد بس يشوف البراد والثلج والماء البارد، والله بعض الأحيان إذا شربت الماء أقول: سبحان الله! كيف أشرب هذا الماء وإخواننا في البوسنة يشربون من المجاري؟! نسأل الله العافية، ما يخاف الله ما يشعر بشعور إخوانه؟ إنا لله وإنا إليه راجعون.
طالب: (...) الإحساس أو الشعور (...).
الشيخ: أنا أجزم جزمًا لو كان ولاة المسلمين فيهم الإحساس اللي في شعوبهم ما صبروا على هذا الوضع أبدًا، لكن غالب حكام المسلمين مع الأسف كل واحد منهم يريد أن يبقى على كرسيِّه بأي ثمن كان ولا يهمه، انظر الآن بعض ولاة المسلمين الآن يريدون أن تكون الدولة المسلمة معلمنة علمانية يستوي فيها اليهودي والنصراني والبوذي والمسلم وكل واحد، هذا هو الواقع عند كثير من ولاة المسلمين، والله لو شعر ولاة المسلمين بما يشعر به الشعوب ما سكتوا ولعرفوا كيف يُؤْكَل الكتف، وعرفوا كيف يقابلون هؤلاء النصارى، النصارى الآن عائشون على المسلمين في الواقع، مصانعهم لا يستهلكها إلا المسلمون، أمورهم حتى العسكرية الآن وظائف كبيرة هائلة لهؤلاء الكفار.
طالب: فما واجب الشعوب يا شيخ؟
الشيخ: والله، واجب الشعوب ما تقدر (...) شيء أبدًا، لكن واجبها الدعاء تدعو الله عز وجل أن ينصر الإسلام والمسلمين في كل مكان، والله عز وجل إذا دعاه الإنسان مضطرًا أجابه.
طالب: (...) قول الله: يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَلكن يا شيخ لا قدر الله وانطفأ نور الإسلام في البوسنة فما يكون؟
الشيخ: نؤمن بأن الله تعالى يقول: يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [التوبة: ٣٢]، هل المراد في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وأن الله أتمَّ النور وصارت السيطرة للمسلمين، أو أنه في كل زمان ومكان؟ إذا قلنا بالثاني فلا يلزم إذا انطفأ النور في بلد أن ينطفئ في البلاد الأخرى، ولكن مع ذلك نرجو الله سبحانه وتعالى ألا يطفئ نوره في البوسنة ولا غيرها من بلاد المسلمين هذا ما نرجوه ونُؤمله، ونعلم أن ما أصاب إخواننا في البوسنة هو بقضاء الله وقدره لا شك، فنرضى به من هذا الوجه؛ لأنه قضاء الله، لكننا نعلم أنه إذا وقع الشيء بقضاء الله وقَدَرِه فيجب علينا أن نعمل بشرع الله حتى يرتفع قدر الله.

***

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا [غافر: ٤]، ما المراد بآيات الله؟
طالب: آيات الله الشرعية والكونية.
الشيخ: نعم، مثال المجادلة في الكونية؟
طالب: المجادلة في الكسوف.
الشيخ: كالمجادلة في الكسوف حيث؟
الطالب: يجادل يقول: إن الله كيف يخوف بها عباده وهي معلومة الزمان والانتهاء، البداية والنهاية في الوقت الحاضر.
الشيخ: الآيات الشرعية؟
الطالب: مثل قطع اليد أو الرجم.
الشيخ: نعم، يجادلون فيها ويقولون: في هذا همجية ووحشية وما أشبه ذلك.
طيب، كيف تجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى: وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل: ١٢٥] فأمر بالمجادلة؟ أجب بنعم أو لا أدري.
طالب: لا أدري.
الشيخ: لا تدري. هنا أمر: جَادِلْهُمْوهنا قال: (ما يجادل إلا الذين كفروا)؟
طالب: لأن مجادلة الكفار تكون بالباطل لإدحاض الحق، أما الذين آمنوا فمجادلتهم تكون لبيان الحق.
الشيخ: طيب إذن المجادلة هنا غير المجادلة هناك. ما تقولون؟ صحيح.
قوله: فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْما معنى التقلب في البلاد؟
طالب: التَّرَدُّد في..
الشيخ: إي، التَّرَدُّد في البلاد للتجارة والنزهة وغير ذلك. والخطاب في قوله: فَلَا يَغْرُرْكَ.
الطالب: يمكن أن يكون الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وللمسلمين للجمع من الناس، وإذا دار المعنى بين عام وخاص فنحمله على العام.
الشيخ: لأن العام يشمل الخاص ولا عكس.
تفسير الآية (5)
00:48:15

قال الله تبارك وتعالى: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ [غافر: ٥] هذا كالتعليل لقوله: فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ؛ يعني: فلينظر عاقبة من كان قبلهم حين كذَّبوا.
وقوله: قَبْلَهُمْالضمير يعود على الذين كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم.
قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْنوح هو أول رسول أرسله الله تعالى إلى أهل الأرض بعد أن اختلفوا، فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ [البقرة: ٢١٣]، ونوح بُعِثَ إلى أهل الأرض؛ لأن أهل الأرض كانوا هم قومه، أما حين تعددت الأقوام فقد كان الرسول لا يُبْعَث إلا إلى قومه خاصة كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم .
وَالْأَحْزَابُجمع حزب وهي الطائفة، يعني الطوائف.
مِنْ بَعْدِهِمْأي: من بعد قوم نوح، يقول المفسر: (كعاد وثمود وغيرهما) فماذا أغنى عنهم التكذيب، يقول عز وجل: فَأَخَذْتُهُمْ.
وقوله: وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُيعني كل أمة همت برسولهم؛ أي: بالذي أرسل إليهم.
لِيَأْخُذُوهُهذه متعلقة بـ(هَمَّت) أي: هموا ليقتلوه، واللام هنا بمعنى الباء أي بأن يأخذوه فيقتلوه، ومنهم من قَتَلهم بالفعل، مَنْ قتل النبيين بغير حق.
وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّهذه تُفَسِّر معنى الجدال فيما سبق في قوله: مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوافجادلوا بالباطل أي: جعلوا الباطل سلاحًا لهم.
لِيُدْحِضُواليزيلوا به الحق، فكانوا يأتون بالباطل يحتجون به على الحق لإدحاضه. واعلم أن الذي يأتون بالباطل ليدحضوا به الحق لا يأتون بالباطل على وجهه بل يزخرفون القول له كما قال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا [الأنعام: ١١٢]؛ ولهذا تجد الذين يجادلون بالباطل يأتون بعبارات إذا رآها الإنسان ظنها حقًّا كأنه السراب للظمآن حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ [النور: ٣٩]، وكما قال بعضهم:
حُجَجٌ تَهَافَتْ كَالزُّجَاجِ تَخَالُهَا حَقًّا وَكُلٌّ كَاسِرٌ مَكْسُورُ

فهم يأتون بزخرف القول، الزخرف يعني القول المُنَمَّق المحسن المزين لأجل إدحاض الحق.
قال الله تعالى: فَأَخَذْتُهُمْالفاء هنا للسببية أي: فبسبب ما قاموا به من المجادلة بالباطل والتكذيب أخذتهم، والضمير الفاعل يعود على الله سبحانه وتعالى، والمفعول يعود على هؤلاء المكذبين.
(فَأَخَذْتُهُمْبالعقاب فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ) فسر المؤلف الأخذ هنا بالعقاب لقوله: فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِأي: معاقبتي لهم، و(كيف) هنا للتعجب وللتقرير وللتعظيم أيضًا، أي: فكان عقابي عظيمًا في كيفيته وفي وقوعه موقعه وفي شدته، فإنه عذاب لم يُبْقِ أحدًا منهم، وعلى هذا فالاستفهام له عدة معان يعينها السياق.
وقوله: عِقَابِقد يُشْكِل على الناظر لأول وهلة كيف كان مجرورًا مع أنه مبتدأ أو خبر مبتدأ؟ فيقال: إنه ليس بمجرور وأن الأصل عقابي فحذفت الياء تخفيفًا والكسرة قبلها دليل عليها.
(أي هو واقع موقعه) وهذا بناء على أن الاستفهام للتقرير، وإذا قلنا: للتعظيم يكون المعنى: فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِأي: فما أعظم عقابي وأشده حيث أزالهم عن آخرهم.
يستفاد من هذه الآية فوائد:
أولًا: أن الله تعالى أعذر إلى الخلق بإرسال الرسل مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل؛ لقوله: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍوهذا يدل على أن هناك قولًا قاله الأنبياء فكذبه هؤلاء.
ومن فوائد الآية: أن نوحًا هو أول الرسل؛ لقوله: وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْفجعل الأحزاب المكذبين كلهم من بعد قوم نوح، وهذا يدل على أن نوحًا هو أول الرسل، وهذا أمر معلوم متقرر في عدة آيات وفي الأحاديث أيضًا، وبه نعلم أن من زعم أن إدريس قبل نوح فإنه خاطئ ولا وجه لقوله.
ومن فوائد الآية الكريمة: بيان ما تنطوي عليه صدور المكذبين للرسل من الهَمِّ بقتلهم، يعني أن المكذبين للرسل لم يقتصروا على أن يُكَذِّبوا فقط، بل هَمُّوا بالقتل. والقتل والاغتيال وما أشبه ذلك هو سلاح العاجز، وكذلك السجن هو سلاح العاجز؛ ولهذا قال فرعون لموسى عليه الصلاة والسلام: لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ [الشعراء: ٢٩]، وقال أبو إبراهيم آزر: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ [مريم: ٤٦] فالسجن والقتل والاغتيال والسب والشتم كله سلاح العاجز؛ لأن القادر على دفع الحجة هو الذي يدفع الحجة بمثلها بحجة، أما أن يستعمل سلطته فهذا يدل على عجزه.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأسباب؛ لقوله: فَأَخَذْتُهُمْلأن الفاء للسببية، وإثبات الأسباب حق وهو مقتضى حكمة الله عز وجل أن كل شيء له سبب، فالإنسان لا يولد له مثلًا إلَّا بسبب؛ إذا تزوج وجامع وأنزل وُلِد له، فالله عز وجل قَرَن المسببات بأسبابها وهو مقتضى الحكمة.
والناس في الأسباب ثلاثة أقسام: طرفان ووسط؛ فقِسْم أنكر الأسباب وقال: لا تأثير لها وما يحصل بالسبب فإنه حاصل عنده لا به، والسبب أمارة على حلول وقت الحادث وعلامة فقط على حصول الحادث أو على حلول وقته، فانكسار الزجاجة بالحجر إذا أُرْسِل عليها ليس هي التي كسرته؛ لكن الله قدر انكسارها عند وجود الصدمة فقط وليس للحجر أي تأثير، فالأشياء تحصل عند الأسباب بغير الأسباب، لكن السبب جعله الله أمارة وعلامة على حلول وقت الحادث؛ ولهذا يقولون: لو أن أحدًا أثبت تأثير الأسباب لكان مُشْرِكًا؛ لأنه أثبت مع الله خالقًا فاعلًا.
والقسم الثاني الطرف الثاني يقول: بل الأسباب ثابت تأثيرها وهي مؤثرة بنفسها؛ لأنها هي القوة الفاعلة ولا علاقة لله بها، وهذا يشبه مذهب القدرية وهو قول الفلاسفة، يقولون هكذا المسألة طبائع، من طبيعة هذا الشيء أن يحدث به هذا الشيء، وهذا لا شك أنه خطأ وأنه نوع من الشرك.
والقسم الثالث: وَسَط يقول: إن للأسباب تأثيرًا ولكن لا بنفسها، بل بما أودع الله فيها من القوة المؤثرة، وهذا الذي دلَّ عليه المنقول والمعقول وهو الحق.
والرد على الطبائعيين الذين يقولون: إن الأسباب مؤثرة بطبيعتها أن الله تعالى قال لنار إبراهيم وهي محرقة قال لها: كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء: ٦٩] فكانت بردًا وسلامًا فخرجت عن طبيعتها، إذن ليست الطبائع قوى مؤثرة بنفسها، ولكن بما أودع الله فيها من القوى المؤثرة، والأدلة على تأثير الأسباب أكثر من أن تحصى: اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا [الروم: ٤٨] فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ [الأعراف: ٥٧]، والأعمال الصالحة سبب للفوز والأعمال السيئة سبب للخسران وهكذا، فالأسباب ثابتة شرعًا ولا شك في الأمور الحسية والأمور الشرعية، الآية التي معنا: فَأَخَذْتُهُمْتفيد إثبات الأسباب وتأثيرها ولكن بأمر الله سبحانه وتعالى.
ومن فوائد هذه الآية: تحريم المجادلة بالباطل لإدحاض الحق؛ لقوله: وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّويتفرع على هذا أن هذه العادة من عادات المكذبين للرسل، ومن المجادلة بالباطل لإدحاض الحق أن يجادل الإنسان للانتصار لقوله، وهذا يقع كثيرًا في المتفقهة والمتكلمة وغيرهم يجادلون بالباطل من أجل الانتصار للقول؛ كما قال تعالى: يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ [الأنفال: ٦]، فمن جادل من أجل أن ينصر قوله لا أن ينصر الحق ففيه شبه من المكذبين للرسل الذين يجادلون بالباطل ليدحضوا به الحق، ثم إن فيه أي في الذي يجادل لنصر قوله فقط فيه أنه قد عرَّض نفسه لأمر عظيم جدًّا وهو قوله تعالى: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [الأنعام: ١١٠] فإن الإنسان إذا جادل لنصرة قوله فإنه يكون لم يؤمن به أول مرة، وحينئذ يُبْتَلى بهذه العاهة العظيمة أن الله يقلب فؤاده وبصره حتى لا يبصر الحق ولا يعي الحق ويفهم الحق؛ لأنه لم يؤمن به أول مرة، والواجب على المؤمن قبول الحق من أول مرة لا يتردد في قبوله، كما كان الصحابة رضي الله عنهم يفعلون ذلك إذا قال النبي صلى الله عليه وسلم هذا حرام امتثلوا، كفوا عنه فعلًا في الحال، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وهذا شيء له شواهد كثيرة وبذلك حَقَّقوا الإيمان عقيدة وقولًا وعملًا.
من فوائد الآية الكريمة: بيان شدة عقاب الله؛ لقوله: فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ [غافر: ٥] أي: ما أعظمه وما أشده، وما أحسنه؛ لأنه وقع موقعه.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يُخْشَى من مُعاجَلَة العقوبة؛ لأن العقوبة جاءت بالفاء: فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ، ولأن المسبب يكون بعد السبب مباشرة فالإنسان العاصي عليه الخطر من معاجلة الله له بالعقوبة.

***

تفسير الآية (6)
01:03:02

ثم قال: وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ [غافر: ٦] كَذَلِكَ: أي مثل ذلك الأمر وهو وقوع العقاب، حَقَّتْوجبت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار.
المفسر رحمه الله قال: (أي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ [هود: ١١٩] الآية) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَففسر كلمة الله بذلك، ولكنَّ في هذا نظرًا واضحًا لأن الله يقول: أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ [غافر: ٦] هذه الكلمة، الكلمة هي قوله: أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِأي: حَقَّت كلمة ربك التي ثبتت أزلًا أن هؤلاء أصحاب النار.
وقوله: حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواأي: وجبت عليهم، والكلمة هي قوله: أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ؛ ولهذا قال المفسر إنها: (بدل من كلمة) وإذا كانت بدلًا من كلمة كيف نقول: إن الكلمة هي قوله: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ؟ إذا كانت هي البدل فابن مالك يقول:
التَّابِعُ الْمَقْصُودُ بِالْحُكْمِ بِلَا وَاسِطَةٍ هُوَ الْمُسَمَّى بَدَلَا

(التابع المقصود بالحكم بلا واسطة) هذا البدل، إذن فالمقصود بقوله: كَلِمَتُ رَبِّكَهو قوله: أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ؛ وإذا وجدت في القرآن أصحاب النار فالمراد بها أصحابها المخلَّدون؛ لأن الصحبة تقتضي الملازمة، ولا يمكن أن تكون أصحاب النار لمن تُوُعِّدُوا بدخول النار ثم يَخْرُجون منها، إنما تكون لمن هم أهل النار الذين هم أهلها وأصحابها.
في هذه الآية الكريمة من الفوائد: إثبات تقدير الله عز وجل الأشياء.
في هذا: إثبات أن الأشياء قد كُتِبَت من قبل؛ لقوله: حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ، وهذا لا ينافي إرسال الرسل ولا ينافي الأمر بما أمر به ولا النهي عما نهى الله عنه، لماذا؟ لأن الله تعالى أعطى الإنسان عقلًا ورشدًا وبصيرة يعرف كيف يتصرف، فإذا أُرْسِلت الرسل مع الفطرة الأولى ثم عاند فقد قامت عليه الحجة.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الكلام لله؛ لقوله: كَلِمَتُ رَبِّكَ. ومن عقيدة أهل السنة والجماعة أن الله تعالى يتكلم بكلام مسموع وبحرف يعني أنه يُسْمَع ويُفْهَم بحروفه مرتبة؛ فقوله جل وعلا: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة: ٢] نعلم أن الهمزة قبل اللام واللام قبل الحاء والحاء قبل الميم والميم قبل الدال وهكذا، حروف مرتبة لم تأت جملة واحدة، وإذا كانت مرتبة لزم من ذلك الحدوث حدوث الكلمات؛ لأن ما بعد الأول واقع بعده فيكون بهذا دليل على حدوث كلام الله عز وجل، وليس المراد أصل الصفة لأن أصل الصفة أزلية لم تكن حادثة من قبل، فإن الله سبحانه وتعالى لم يزل بصفاته، لم يزل عليمًا، لم يزل متكلمًا، لم يزل سميعًا، لم يزل قديرًا، لكن الصفة قد تَحْدُث شيئًا فشيئًا باعتبار آحادها وأفرادها، أما ما كانت صفة معنوية فالحدوث ليس لها ولكن لمتعلَّقِها، فسمع الله عز وجل هل نقول: إنه حادث؟ لا، هو لم يزل، لكن الذي يحدث هو المسموع. الكلام يحدث نفس الكلام، نفس الكلام يحدث؛ لأنه نوع من الفعل، وعلى هذا فنقول: في الآية إثبات الكلام لله. ومذهب أهل السنة والجماعة أن الله يتكلم بحرف مرتب وصوت مسموع.
طيب، إذا قال قائل: لو قلت: إنه بحرف مرتب لزم أن يكون كلامه مشابهًا لكلام المخلوقين؟
فالجواب: لا يلزم؛ لأن الكلام لا يمكن أن يكون كلامًا إلا بهذا، لكن صوت الرب عز وجل الذي يُسْمَع ليس كأصوات المخلوقين؛ لأن الصوت هو صفته، لكن الحروف صفة الكلام الذي تَكَلَّم به، وهي لا يمكن أن يكون كلامًا إلا بترتيب بعضه بعد بعض.
ومن فوائد الآية الكريمة: عناية الله عز وجل برسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وجهه رَبِّكَ؛ حيث أضاف إليه الربوبية وهذه الربوبية خاصة؛ لأن ربوبية الله عز وجل نوعان: عامة، وخاصة؛ فالعامة الشاملة لكل شيء، والخاصة المختصة بما أُضِيفَت له. استمع إلى قوله تعالى: قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ [الأعراف: ١٢١، ١٢٢]، في هذه ربوبية عامة وربوبية خاصة. العامة رب العالمين. والخاصة رب موسى وهارون.
إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ [النمل: ٩١] الأول رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِيعني مكة الذي حرمها ربوبية خاصة، وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍهذه عامة.
إذن قوله: رَبِّكَمن باب الربوبية الخاصة، ولا شك أن أخص ربوبية تكون للمربوبين هي ربوبية الرسل ولا سيما أولي العزم منهم وهم خمسة: محمد، إبراهيم، موسى، عيسى، نوح، عليهم الصلاة والسلام.
ومن فوائد الآية الكريمة: خلود الذين كفروا في النار؛ لقوله: أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ. وهل هذا الخلود أبدي أو إلى أمد؟ أبدي، جاء ذلك في آيات ثلاث في القرآن في سورة النساء وفي سورة الأحزاب وفي سورة الجن.
ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير مما يوجب غضب الله وسخطَه لئلا يكون الرجل قد حَقَّت عليه كلمةُ الله عز وجل؛ لأن قوله: كَذَلِكَأي مثل ذلك الذي حصل لهؤلاء المكذبين تحق كلمة الله عز وجل.

***

تفسير الآية (7)
01:11:15

ثم قال: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا [غافر: ٧].
الَّذِينَمبتدأ مستأنف، ويجب الوقوف على ما قبله أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِيجب أن تقف؛ لأنك لو قلت: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَووصلت لظن الظان أن أصحاب النار هم الذين يحملون العرش، وهذا فساد للمعنى، فالوقوف على قوله: أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِواجب.
وقوله: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَمبتدأ، وجملة يُسَبِّحُونَخبر المبتدأ.
الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَالعرش هو عرش الرحمن عز وجل وهو أكبر المخلوقات وأعظمها وأوسعها وأشرفها فيما عدا المكلفين، هذا العرش لا يعلم قَدْرَه إلَّا الله عز وجل، لأننا لم نُخْبَر عن قَدْرِه ولا نعلم من أي مادة هو، أهو من نور أو خشب أو حديد؟ ما نعلم؛ لأننا لم نُخْبَر عن ذلك، ولم نعلم عن لونه ولم نعلم عن ملمسه، ألين هو أم قاسٍ؟ كل هذا لا نعلمه، إنما نعلم أنه عرش عظيم محيط بالمخلوقات استوى عليه الرب عز وجل وله حملة، والمشهور أن حملته الآن أربعة، وفي يوم القيامة يكونون ثمانية، ومن جملة حملة العرش إسرافيل الموكل بالنفخ في الصور فإنه أحد حملة العرش، الذين يحملون العرش هل نحن نعلم صفات هؤلاء الذين يحملون العرش؟ لا، لكن نعلم أنهم ملائكة، أما كيف هم فإن ذلك موقوف على ما جاء به السمع.
وَمَنْ حَوْلَهُمَنْ معطوفة على العرش، توافقون؟ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُتوافقون أن تكون معطوفة على العرش؟ لا يصح؛ لأنه لو كان كذلك لكان المعنى ويحملون من حوله وليس كذلك، وعلى هذا فـ(مَن) معطوفة علىالَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَوالذين حوله.
(وَمَنْ حَوْلَهُعطف عليه) على المبتدأ؛ لأن المفسر قال: (مبتدأ وَمَنْ حَوْلَهُعطف عليه) أي على المبتدأ، وهو قوله: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ.
(يُسَبِّحُونَخبره) خبر المبتدأ وما عُطِفَ عليه؛ يعني: حملة العرش والذين حول العرش يسبحون بحمد الله. والتسبيح تنزيه الله عز وجل عما لا يليق به من نقص أو مماثلة للمخلوقين، والباء في قوله: بِحَمْدِ رَبِّهِمْللملابسة أي تسبيحُا ممزوجًا بالحمد، فهم مسبحون حامدون (أي يقولون: سبحان الله وبحمده)، وقد بين الله عز وجل أن ذلك دائم مستمر فقال تعالى: وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ [الأنبياء: ١٩، ٢٠].
قال: (يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِتعالى ببصائرهم أي: يصدقون بوحدانيته).
طالب: هل الصحيح أن نقول: إن الأسباب تقع بدون السبب لكن نحن نَتَّبِع الشرع الذي أمر بالأسباب فقط؟
الشيخ: أنا لو كنت قريبًا منك لأوجعتك ضربًا، حتى تعلم أن الوجع منين؟ من ضربي.
طالب: هذا يعني على قول الأشاعرة؟
الشيخ: إي نعم، الأشاعرة يقولون هذا: إن الأسباب لا تُؤثِّر لكنها علامات على حلول وقت الحادث.
طالب: (...) حدوث القرآن، لماذا لا يعتبر كفرًا وهو (...) قوله تعالى: مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ [الأنبياء: ٢]؟
الشيخ: لا يكون كفرًا؛ لأن لهم تأويلًا، يقول: محدث إنزالُه، ليس هو الذكر المحدث، المحدث إنزاله، ولا شك أن هذا إقحام لكلمة إنزال في غير دليل مثل قوله: وَجَاءَ رَبُّكَ [الفجر: ٢٢] قالوا المعنى: وجاء أمر ربك، فأقحموا أمرًا، فنظرًا لهذا التأويل لا نحكم بكفرهم.
طالب: (...).
الشيخ: لا ينافي ذلك؛ أولًا: كتابته في اللوح المحفوظ لم تثبت عن طريق يطمئن إليه الإنسان. وأما قوله تعالى: وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ [الزخرف: ٤] فإنه يمكن أن يكون المراد به ذكر هذا الكتاب كما قال تعالى: وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ [الشعراء: ١٩٦]، ومعلوم أن زبر الأولين ليس فيها القرآن، وإنما فيها التَّحَدُّث عنه وذِكْرُه، فليس هناك دليل قطعي يطمئن الإنسان إليه بأن القرآن كُتِبَ في اللوح المحفوظ، وإذا ثَبَت هذا فلا ينافي أن يكون كلام الله تعالى به محدثًا بمعنى أنه يتكلم به لِيُلْقِيَه على جبريل وإن كان مكتوبًا من قبل في اللوح المحفوظ.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، ما هو الدليل على أن جميع من ذُكِر من الأنبياء في القرآن أنهم كلهم رسل؟
الشيخ: ما هو الدليل؟ ذكرناه لكم سابقًا وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ [غافر: ٧٨] فكل من قصه الله علينا فهو رسول.
طالب: (...).
الشيخ: نعم، يأتي بقرينة؛ مثل قوله: فَأَخَذْتُهُمْأهلكتهم.
طالب: (...).
الشيخ: هو على كل حال أخذهم للأنبياء قد يكون يأخذونهم ليحبسوهم؛ كقوله: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ [الأنفال: ٣٠] يُثْبِتُوكَيعني: يحبسونك فتكون ثابتًا في مكان لا تتعداه، أَوْ يَقْتُلُوكَواضح، أَوْ يُخْرِجُوكَمن البلد.
طالب: (...).
الشيخ: لِيَأْخُذُوهُلقوله تعالى: وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ [آل عمران: ١١٢]، ولقوله: فَأَخَذْتُهُمْفيكون إهلاكهم في مقابل ما يريدونه من إهلاك الرسل. الرسول صلى الله عليه وسلم ما هموا أن يقتلوه؟! نعم، أتدري ماذا أشار عليهم الشيخ النَّجْدِيُّ؟ قال: لا يمكن أن تقتلون قريشيًّا إلا كون عشرة شبان أقوياء وأعطوا كل واحد منهم سيفًا فإذا خرج محمد فليقتلوه ضربة رجل واحد، حتى يتفرق دمُه في القبائل فلا تستطيع قريش أن تُطالِبَ به، فيخضعوا لأخذ الدية. عرفت إذن هَمَّوا بقتله ولَّا لا؟ هموا بقتله، واليهود هموا بقتله في قصة بني النضير.

***

الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [غافر: ٧ - ٩].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواسبق الكلام على قوله تعالى: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ.
قال: (وَيُؤْمِنُونَ بِهِتعالى ببصائرهم أي: يصدقون بوحدانيته) الإيمان في اللغة الإقرار بالشيء هو الإيمان به، لكن الإقرار بالقلب واللسان، وليس هو مجرد التصديق، قد لا يُعْرَض على الإنسان شيء فيؤمن به كما إذا شاهد شيئًا بعينه فإنه يؤمن به وإن لم يُعْرَض عليه.
والقول بأنه في اللغة التصديق فيه نظر؛ لأن تفسير الشيء بالشيء يلزم أن يكون مطابقًا له، ومن المعلوم أنك تقول: آمنتُ به، وتقول: صدقتُ به. وتقول: آمنتُ له، وتقول: صدقتُ له، وتقول: صدقتُه، ولا تقل: آمنتُه، وهذا يدل على أن الإيمان ليس هو التصديق، وقد نبَّه على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه الإيمان فقال: إن الإيمان بمعنى التصديق ليس بصحيح، وإن كان قد يأتي بمعناه، لكن حقيقته (...) فهو إقرار بالقلب ونطق باللسان، فيؤمنون بالله أي: يؤمنون بوجوده عز وجل ووحدانيته وبكل ما يستحقه من أسماء وصفات وغيرِها إيمانًا كاملًا. والإيمان بالله يتضمن الإيمان بوجوده وربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته وانفراده بذلك.
وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوايَسْتَغْفِرُونَأي: يطلبون المغفرة للذين آمنوا، وقد مرَّ بنا مرارًا أن المغفرة هي سَتْرُ الذنب والتجاوز عنه.
وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًاجملة رَبَّنَامقول لقول محذوف فَسَّره المؤلف بقوله: (يقولون رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ) رَبَّنَاأي: يا ربنا، وحُذِفَت منه ياء النداء لكثرة الاستعمال وتَيَمُّنًا بالبداءة باسم الله عز وجل أو بوصفه بالربوبية.
رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًاأي: وَسِع رحمتك كل شيء وعلمك كل شيء؛ فمعنى وسِعْتَ كل شيء أي: أحطت به رحمة وأحطت به علمًا، فما بلغه علم الله بلغتْه رحمتُه. ولكن الرحمة إما عامة وإما خاصة كما سيأتي في الفوائد إن شاء الله.
فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواوجملة رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍهي عبارة عن تَوَسُّل أي: توسلوا بسعة علم الله ورحمته إلى مطلوبهم.
يقول: رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواأي: تابوا من الشرك ورجعوا إلى الله تعالى بالتوحيد والإخلاص.
وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَأي: طريقك وهو دين الإسلام سواء كان إسلام محمد صلى الله عليه وسلم أو إسلام مَنْ قبله؛ لأن هذا الدعاء عام لكل المؤمنين، فقول المؤلف: (دين الإسلام) يريد به الإسلام العام، فالذين اتبعوا الرسل السابقين مسلمون، والذين اتبعوا محمدًا صلى الله عليه وسلم مسلمون، لكن لا إسلام بعد محمد صلى الله عليه وسلم إلا بإتباع دينه.
وهنا قال: اتَّبَعُوا سَبِيلَكَ، وفي آية أخرى: وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ [النساء: ١١٥] فأضاف السبيل إلى المؤمنين، وكذلك الصراط يضيفه تعالى أحيانًا لنفسه مثل قوله: صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ [الشورى: ٥٣] وأحيانًا للمؤمنين مثل: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة: ٧] فما هو الجمع بينهما؟
الجمع بينهما أن الله أضاف السبيل أو الصراط إليه باعتبارين: الاعتبار الأول أنه هو الذي وضعه لعباده يسيرون عليه، والاعتبار الثاني أنه مُوصِل إلى الله عز وجل فمَنْ سلكه أوصله إلى ربه.
أما إضافته للمؤمنين في قوله: وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ [النساء: ١١٥] أو للذين أنعم عليهم في قوله: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة: ٧] فلأنهم سالكوه فأُضيف إليهم باعتبار سلوكهم إياه، وحينئذ ليس بين الآيات تعارض.
وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِاغفر وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِأي: اجعل لهم وقاية من عذاب الجحيم وهو عذاب النار كما فسَّر بذلك المؤلف.
في هذه الآية فوائد:
من فوائد الآية: إثبات العرش وقد تكرر ذكره في القرآن الكريم في آيات عديدة ووصْفُه بأنه كريم وبأنه عظيم وبأنه مجيد.
ومن فوائدها: إثبات أن لهذا العرش حملة؛ لقوله: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَوإثبات الحَمَلَةِ له مع قدرة الله سبحانه وتعالى على إمساكه بدون حملة إشعار بتعظيمه وأنه عظيم معتنى به، ولهذا نجد أن الله قال في السماوات: بغير عمد، ولم يذكر لها حملة، والعرش ذكر له حملة مع أن الذي أمسك السماوات والأرض أن تزولا قادر على إمساك العرش بلا حملة، لكن هذا من باب التعظيم والتنويه بشرفه وعظمته.
ومن فوائد هذه الآية: أن حول هذا العرش ملائكة..