إشعار بتعظيمه وأنه عظيم معتنى به، ولهذا نجد أن الله قال في السماوات: بغير
عمد، ولم يذكر لها حملة، والعرش ذكر له حملة مع أن الذي أمسك السماوات والأرض أن
تزولا قادر على إمساك العرش بلا حملة، لكن هذا من باب التعظيم والتنويه بشرفه
وعظمته.
ومن فوائد هذه الآية: أن حول هذا العرش
ملائكة وأنهم كثيرون ربما نستفيد كثرتهم من قوله: وَمَنْ حَوْلَهُكأن كل الذي حول العرش، ثم من الذي حول العرش؟ هل يُقَدَّر بمسافة
عشرة أمتار أو عشرين مترًا أو مئة متر أو ألف متر، يقال: الحول في كل مكان بحسبه
فعندنا مثلًا الأرض صغيرة بالنسبة للعرش، والذي حول الإنسان فيها لا يتجاوز عشرة
أمتار ربما نقول: من حولك هو الذي يسمع كلامك المعتاد، لكن من حول العرش ما نعلم قد
تكون مساحات كبيرة لا يعلمها إلا الله.
ومن فوائد الآية
الكريمة: تعظيم هؤلاء الذين يحملون العرش والذين حول العرش للرب عز وجل؛
لقوله: يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ.
ومن فوائدها: تنزيه الله عز وجل عن
كل نقص وعن مماثلة المخلوقين، فإن قيل: مماثلة المخلوقين من النقص، فلماذا نقول:
وعن مماثلة المخلوقين، أفلا يجدر بنا أن نقتصر على قولنا: تنزيه الله عن
النقص؟
نقول: لا، مرادنا بالتنزيه عن النقص أن صفاته الكاملة منزهة عن النقص،
فقوته لا يعتريها نقص وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ [ق: ٣٨] عِلْمُه لا يعتريه نقص فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي [طه: ٥٢] أي: لا يجهل وَلَا يَنْسَى، فمرادنا بالنقص أن كماله لا يعتريه النقص، وأما نفي المماثلة فلأن
الله نصَّ على نفيها فينبغي أن نتبع في ذلك القرآن أن نقول: منزه عن مماثلة
المخلوقين.
ومن فوائد الآية الكريمة: وصف الله عز
وجل بالكمال والإفضال؛ لقوله: بِحَمْدِ رَبِّهِمْ [غافر: ٧]؛ لأن الحمد وصف المحمود بالكمال والإفضال لأن الله يحمد على كماله؛ مثل
قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ [الأنعام: ١]، وكذلك مثل
قوله: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ [الإسراء: ١١١]، كل هذا حمد على الكمال، ويحمد على إفضاله لقول
النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ
الْعَبْدِ يَأْكُلُ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا وَيَشْرَبُ الشَّرْبَةَ
فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا» هذا حمد على أيش؟ على الإفضال.
طيب، إذن يستفاد
كمال الله عز وجل وإفضاله؛ لقوله: بِحَمْدِ رَبِّهِمْ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن
كمال الكمال بنفي النقص أو بالجمع بين نفي النقص وإثبات الكمال، كمال الكمال أن
تجمع بين النفي والإثبات في الكمال، من أين يؤخذ؟ من يُسَبِّحُونَهذا نفي النقائص، بِحَمْدِ رَبِّهِمْإثبات؛ إذن كمال الكمال بالجمع بين النفي والإثبات.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: فضيلة الملائكة الذين يحملون
العرش ومن حوله، من أين تؤخذ؟
طالب: من قوله:
(...).
الشيخ: لا.
طالب: من
قوله: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ [غافر: ٧].
الشيخ: لا.
طالب: لوجود
الهداية أنهم يسبحون بحمد الله وأنهم يؤمنون به وأنهم يستغفرون للذين
آمنوا.
الشيخ: وغيرها، إضافة الربوبية إليهم فإن هذه من
الربوبية الخاصَّة يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْوهي
كما أشار إليها الإخوان من عدة وجوه، اختصاص الله لهم بحمل العرش، تسبيحهم بحمد
الله، إضافة الربوبية إليهم.
ومن فوائد الآية
الكريمة: أن الملائكة مكلفون؛ لقوله: وَيُؤْمِنُونَ بِهِ، ووجه الدلالة أنهم لولا أنهم مُكَلَّفون قاموا بما كُلِّفوا به لم
يكونوا مستحقين للثناء بالإيمان، لو كان هذا من طبيعتهم وسَجِيَّتِهم لم يكن للثناء
عليهم بذلك كبير فائدة، ويدل على أنهم مكلفون قوله تعالى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ [البقرة: ٣٤]، ولا شك أن كل عباد الله الذين
لهم فَهم وعقل لا بد أن يكونوا مكلفين.
ومن فوائد الآية
الكريمة: تسخير الله عز وجل للمؤمنين أن تستغفر لهم الملائكة، وليس الملائكة
مطلقًا، بل الملائكة المقربون؛ لقوله: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا.
ومن فوائد الآية
الكريمة: الحث على الإيمان حتى تدخل في ضمن مَنْ تستغفر لهم الملائكة،
والإيمان كله خير، كله سرور، كله نعمة في القلب ونعمة في البدن، حتى البلاء الذي
يصيب المؤمن هو له خير؛ فلهذا نقول: احرص على تحقيق إيمانك بفعل الوسائل التي
تُنَمِّي هذا الإيمان وتغذيه وتقويه.
ومن فوائد هذه الآية
الكريمة: التوسل إلى الله سبحانه وتعالى بصفاته كما يُتَوَسَّل إليه
بأسمائه، فهنا تَوَسَّل الملائكة إلى الله بالربوبية في قولهم: رَبَّنَا، وتوسلوا إليه بسعة الرحمة وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةًوبسعة العلم وَعِلْمًا. والتوسل إلى الله تعالى بصفاته من أسباب إجابة
الدعاء كالتوسل إليه بأسمائه.
وهنا يَجْدُر بنا أن نَتَعَرَّض لمعنى الوسيلة
وحكمها؛ الوسيلة فِعْلُ ما يُوصِل إلى المقصود يُسَمَّى وسيلة، وربما نقول: إنه
تناوبت فيه السين والصاد وأن أصل الوسيلة يعني الوصيلة، وصيلة بمعنى مُوصِلة فهي
فعيل بمعنى مُفْعِل، فالوسيلة كل ما يوصل إلى المقصود يُسَمَّى وسيلة، والوسائل لا
بد أن تكون معلومة إما بالشرع وإما بالحس، وإنما قلت ذلك لدفع الوسائل الموهومة،
الوسائل الموهومة كالذين يُعَلِّقُون على صدورهم أشياء لم يثبُت شرعًا ولا حسًّا
أنها مفيدة لكن على سبيل الوهم، أو الذين يُعَلِّقون نُحاسًا أو خيوطًا أو ما أشبه
ذلك، هذه وسائل للشفاء ادَّعَوْها، ولكنها حقيقة ليست وسيلة لانتفاء ثبوت ذلك شرعًا
وحسًّا.
إذا كانت الوسيلة هي فعل ما يوصل إلى الشيء والعلم بإيصال هذا إلى
المقصود، العلم بكونه موصلًا يأتي عن طريق الشرع أو عن طريق الحس؛ كون العسل شفاءً
وتناولُه وسيلة للشفاء، هذا علمناه بطريق شرعيٍّ وربما حسِّي أيضًا بعد التجربة،
وكون السنا محركًا للبطن مسهِّلًا له هذه وسيلة حسية، أتعرفون السنا؟ طيب باللغة
العامية يسمى السناوي، هو أوراق شجر معروف يُخمَّر بالماء ثم يُشْرَب على الريق
فإذا شربه الإنسان على الريق فإنه يُسْهِلُه وينظِّف بطنه، هذا هو، وكان الناس
يستعملونه كثيرًا قبل أن تأتي هذه الأدوية.
طالب:
يُسَمَّى سنا مكة.
الشيخ: يُسَمَّى سنا مكة؟ أيش
تسمونه؟ سنوس؟ أسماء مختلفة. عل كل حال نرجع إلى تعريف الوسيلة هي فِعْلُ ما يوصل
إلى المقصود، والعلم بإيصاله إلى المقصود يأتي عن طريق الشرع وعن طريق
الحس.
الوسائل التوسل إلى الله تعالى بإجابة الدعاء، أن تفعل شيئًا يوصل إلى
الإجابة، ولا طريق لنا إلى العلم بإيصاله الإجابة إلا عن طريق الشرع.
إذن ننظر
التوسل إلى الله تعالى بأسمائه هذا واحد.
القسم الأول: التوسل إلى الله تعالى
بأسمائه ودليله قوله تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف: ١٨٠] فتقول: اللَّهُمَّ يا غفور يا رحيم اغفر
لي وارحمني، هذا توسل إلى الله بأسمائه.
الثاني: التوسل إلى الله بصفاته؛ ومنه
قوله صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ
وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ أَحْيِنِي إِذَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا
لِي» بماذا توسل؟ «بِعِلْمِكَ
الْغَيْبَ» العلم صفة، «وَقُدْرَتِكَ عَلَى
الْخَلْقِ» القدرة صفة، فتقول: اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما
علمت الحياة خيرًا لي.. إلى آخره.
القسم الثالث: التوسل إلى الله بأفعاله، أن
تتوسل إلى الله بأفعاله؛ ومن قوله تعالى عن موسى: رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ [القصص: ١٧]،
إن جعلنا قوله: فَلَنْ أَكُونَمن باب الدعاء، وإن
جعلناها من باب الالتزام لم تكن من هذا الباب. ولكن من هذا الباب قوله عليه الصلاة
والسلام وهو يُعَلِّمُنا كيف نصلي عليه: «اللَّهُمَّ صَلِّ
عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى
آلِ إِبْرَاهِيمَ» فالكاف هنا ليست للتشبيه، الكاف للتعليل؛ يعني
صل على محمد وآل محمد لأنك صليت على إبراهيم، فتوسل إلى الله بفعله؛ يعني: كما
مَنَنْتَ أولًا على إبراهيم وآله فامنُنْ ثانيًا على محمد وآله.
كم هذه؟ أسماء
الله، صفات الله، أفعال الله.
القسم الرابع: التوسل إلى الله تعالى بالإيمان
بالله، وهذا مِنْ فِعْلِك أنت، ومنه قوله تعالى: رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا [آل عمران: ١٩٣] هذه الوسيلة، رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَاأي: فبسبب ذلك اغفر لنا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ، هذا توسل
إلى الله بماذا؟ بالإيمان به.
القسم الخامس: التوسل إلى الله بالعمل الصالح؛ لأن
العمل الصالح سبب للمثوبة، ومن المثوبة حصول ما دعوتَ به، ودليله قصة أصحاب الغار
التي حدثنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، أصحاب الغار ثلاثة آواهم المبيت
الليل، فلجؤوا إلى غار فدخلوا به، فتدحرجت عليهم صخرة عظيمة من الجبل فَسَدَّتْ
عليهم باب الغار، ولم يستطيعوا أن يزحزحوها، ولا مغيث لهم إلا الله، ليس حولهم بشر،
فماذا صنعوا؟ توسَّلوا إلى الله تعالى بأعمالهم الصالحة، أحدهم توسل إلى الله ببرِّ
والديه، والثاني توسل إلى الله بالعفة التامة، والثالث توسل إلى الله بالأمانة
التامة. تعرفون القضية؟ إذن لا حاجة إلى التفصيل.
بر الوالدين عمل صالح، العفة
عمل صالح، الأمانة وأداء الأمانة عمل صالح، فلما توسل الأول منهم انفرجت الصخرة لكن
لا يستطيعون الخروج، توسَّل الثاني انفرجت الصخرة لكن لا يستطيعون الخروج، توسَّل
الثالث انفرجت الصخرة مرة واحدة فخرجوا يمشون ، هذا التوسل إلى الله بماذا؟ بالعمل
الصالح.
السادس: التوسل إلى الله بحال الشخص، تتوسل إلى الله تعالى بذكر حالك
أنك فقير، محتاج إلى الله، مريض، وما أشبه ذلك، ومنه قول موسى عليه الصلاة والسلام،
دليله -وإن شئت قل: منه- يعني هذا يصلح دليلًا وتمثيلًا رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [القصص: ٢٤] لما سقى
للمرأتين تولى إلى الظل ليستظلَّ به فقال: رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌهذا ما قال: أعطني ولا شيء، لكن
توسل إلى الله بحاله، لأن قول القائل: أنا فقير، أنا محتاج، أنا مسني الضر، وما
أشبه ذلك يعني فأعطني، اشفني، وقد جمع أيوب عليه الصلاة والسلام بين ذِكْر الحال
والتوسل بالأسماء فقال: أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَالأول: مَسَّنِيَ الضُّرُّذكر الحال، والثاني بالأسماء.
النوع السابع من التوسل الجائز:
التوسل إلى الله بدعاء مَنْ تُرْجَى إجابتُه؛ ومنه توسل الصحابة رضي الله عنهم إلى
النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعوَ الله لهم؛ مثل الاستسقاء والاستصحاء وغير ذلك
كثير، ومن ذلك توسل الناس عمومًا يوم القيامة بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم إلى
الله أن يقضي بينهم. هذه سبعة.
وقولنا: التوسل إلى الله بمن ترجى إجابته يستفاد
منه أن التوسل إلى الله تعالى بمن لا ترجى إجابته لا يجوز؛ لأن هذا استهزاء بالله،
لو أنك أتيت بصاحب ربا يأكل الربا ويأكل المال بالظلم والغش والكذب وقلت: ادعُ الله
لي فإن هذا لا يجوز؛ لأنك توسَّلت إلى الله بمن تَبْعُد إجابته، فإن النبي صلى الله
عليه وسلم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب وملبسه
حرام ومطعمه حرام وغذي بالحرام قال: «فَأَنَّى يُسْتَجَابُ
لِذَلِكَ» ، وهو سخرية، لو أنك أتيت بشخص ولله المثل الأعلى
ليتوجه لك إلى ملك كان الملك يبغض هذا الشخص ويبعده، ماذا يكون هذا؟ استهزاء بالملك
واستهتارًا به، كُلٌّ يعرف هذا، فلا يجوز أن تتوسل إلى الله تعالى بدعاء مَنْ لا
تُرْجى إجابته؛ لأن هذا من باب السخرية بالله عز وجل، هذه سبعة أقسام من التوسل
الجائز.
أما التوسل الممنوع كأن يتوسل إلى الله بما ليس بوسيلة؛ مثل تَوَسُّل
المشركين بأصنامهم حيث يقولون: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر: ٣] هذا لا ينفع.
ومن ذلك
التوسل إلى الله بجاه الرسول صلى الله عليه وسلم هذا لا يجوز؛ لأنه توسل بما ليس
بوسيلة، ماذا تستفيد من جاه الرسول عند الله؟ لا شيء، لأن جاه الرسول عند الله إنما
ينفع من؟ ينفع الرسول فقط لا علاقة لي به؛ فلذلك يكون التوسل بجاه الرسول صلى الله
عليه وسلم ممنوعًا مُحَرَّمًا؛ أولًا لأنه لم يَرِدْ، والثاني لأنه ليس بوسيلة؛ إذ
إن الوسيلة هي فعل ما يُوصِل إلى المقصود، وأي ارتباط بين جاه الرسول عند الله وبين
مطلوبك.
فصار التوسل الممنوع شيئين: الأول التوسل الشركي توسل المشركين بآلهتهم
لتقربهم إلى الله؛ فإن هذا لا شك أنه وسيلة غير صحيحة وأنها باطلة، على أن تسميتنا
إياها وسيلة إنما نريد مَنْ لا يعبد الأصنام، أما مَنْ يعبد الأصنام فإنه مشرك ولم
يتوسل إلى الله تعالى بشيء.
والثاني التوسل إلى الله تعالى بجاه الرسول.
فإن
قال قائل: أيجوز أن أتوسل بمحبة الرسول فأقول اللهم بمحبتي لرسولك، يجوز؟ أي مصلحة
لك بمحبتك الرسول؟
طلبة: عمل صالح.
الشيخ: إي، لأن محبة الرسول لا شك أنها عمل صالح، فإن من أفضل
الأعمال محبة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، بل لا يؤمن الإنسان حتى يكون رسول
الله صلى الله عليه وسلم أحبَّ إليه من نفسه وولده ووالده والناس أجمعين.
من فوائد الآية الكريمة: بيان الصيغة التي يقولها الملائكة
في استغفارهم للمؤمنين أنهم يتوسلون أولًا ثم يطلبون ثانيًا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا [غافر: ٧].
ومن فوائد الآية
الكريمة: سعة رحمة الله؛ لقوله: رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً.
فإن قال قائل: كيف يصح ذلك وأكثر بني آدم كفار، فأين
الرحمة؟ قلنا: هم مرحومون بالرحمة العامة؛ مَنْ يخرج لهم النبات؟ من ينزل لهم
المطر؟ من يجعلهم أصحاء؟ من يمتعهم بالسمع، بالبصر؟ إلا الله، وهذه رحمة، فرحمة
الله وسعت كل شيء.
ومن فوائدها: سعة علم الله؛
لقوله: وَعِلْمًا. ويترتب على هاتين الفائدتين أن
الإنسان متى علم ذلك تَعَرَّض لرحمة الله لعله يكون من الداخلين فيها، وإذا آمن
بسعة علم الله استحيا من الله أن يَفْقِدَه حيث أمره أو يجده حيث نهاه، أليس
كذلك؟
طيب، لو قال لك أبوك: يا بُنَيَّ، لا تفعل كذا. فأنت إذا غاب ولك هوى فيه
تفعله أو لا؟ تفعله لا شك؛ لأنه لا يعلم بك، إذا كان يشاهدك لا تفعله. الله عز وجل
لا يغيب عنك، إذن لا تفعله لا في السرِّ ولا في الجهر إذا كان مما نهى الله عنه،
ولا تتركه إذا كان فيما أمر به، ولهذا نقول: لا يفقدْك الله حيث أمرك، ولا يجدْك
حيث نهاك.
من فوائد الآية الكريمة: فضيلة التوبة؛
حيث عَلَّقَتِ الملائكة بطلب المغفرة بها فقال: لِلَّذِينَ تَابُوا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن من
تحقيق التوبة اتباع سبيل الله؛ لقوله: وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ، ولهذا نجد أن الله تعالى يقرن دائمًا مع التوبة ذكر العمل
الصالح إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا [الفرقان: ٧٠].
ومن فوائد الآية
الكريمة: فضيلة الإسلام، كيف ذلك؟ لإضافته إلى الله عز وجل.
ومن فوائدها: كمال الإسلام بإضافته إلى الله، ففيه الفضيلة
بإضافته إلى الله باعتباره موصلًا إليه، وفيه الكمال بإضافته إلى الله باعتباره
واضعًا له، أنه هو الذي شرعه وهو كامل، والكامل لا يَشْرَع إلا كاملًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الملائكة أَكَّدُوا المغفرة
بحصول أثرها وهي قولهم: وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ؛
وذلك أن التوبة لا تكون إلا بالوقاية من الجحيم، لكنهم أكَّدوا ذلك لعظم هذا العذاب
عذاب الجحيم، فنصُّوا عليه لهذا السبب، وإلا فإن التوبة في الحقيقة والمغفرة توجب
الوقاية من عذاب الجحيم، ولكن النص عليه يكون في ذلك زيادة على ما يتضمنه المعنى
العام.
هل يمكن أن يؤخذ من هذه الآية الرد على الجبرية؟
طلبة: نعم.
الشيخ: من أي مكان؟ من
قوله: وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَفأضاف الإتباع إليهم، ولو
كانوا مُجْبَرين على ذلك لم يصح أن يضاف الفعل إليهم، ولهذا إذا أُكْرِه الإنسان
على الكفر لا يكفر؛ لأن الفعل لا يُنْسَب إليه حقيقة فهو مكره عليه، والله
أعلم.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، ذكر بعض أهل العلم
أنه من تمام حسن الأدب مع الله عز وجل ومع رسوله صلى الله عليه وسلم ومع صحابته ومع
العلماء إذا ذكر الله يقول: عز وجل، والنبي يصلي عليه، والعلماء يترحم عليهم،
والصحابة يترضى عليهم، (...) فهل هذا على إطلاقه؟ وقال: إن من تركه فقد فاته خير
عظيم.
الشيخ: أما من جهة الصلاة على النبي صلى الله
عليه وسلم فإنه لا شك أنه إذا ذُكِرَ فإن الإنسان مأمور بالصلاة عليه إما وجوبًا
وإما استحبابًا؛ فمن العلماء من أوجب عليك إذا ذُكِرَ عندك اسم الرسول أن تُصَلِّي
عليه لحديث: «رَغِمَ أَنْفُ امْرِئٍ ذُكِرْتَ عِنْدَهُ فَلَمْ
يُصَلِّ عَلَيْكَ. قُلْ: آمِينَ. فَقُلْتُ: آمِينَ» ، وأما الله عز وجل فليس بشرط الثناء عليه عند (...)،
ولهذا دائمًا يقول الرسول عليه الصلاة والسلام قولًا يسنده إلى الله ولا يذكر وصفًا
بالعزة أو الجلال أو التعالي أو التبارك أحيانًا يقول، وأحيانًا لا يقول، فكونك
أحيانًا تقول وأحيانًا لا تقول أحسن، وكذلك بالنسبة للترضي عن الصحابة أو الترحم
على مَنْ بعدهم كل هذا لا يُتَّخَذ سنة راتبة، ولكن إن ذُكِرَ أحيانًا فهو حسن، أما
اتخاذه سنة راتبة فهو يحتاج إلى دليل.
طالب: ما هو
الضابط في الفرق بين الوسيلة الشركية والوسيلة البدعية؟
الشيخ: الوسيلة البدعية هي التي لم ترد عن النبي صلى الله عليه
وسلم ولا عن أصحابه، والشركية هي ما تتضمن إشراك غير الله مع الله، مع أن البدعة
تُسَمَّى شركًا بالمعنى العام؛ لأن المبتدع شرع شرعًا لم يشرعه الله وقد سَمَّى
الله ذلك شركًا فقال: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [الشورى: ٢١]، لكن ما كان
مظهره مظهر الشرك غُلِّبَ عليه اسم الشرك، وما كان مظهره سوى ذلك فيسمى بالاسم الذي
يختص به؛ ولهذا قال بعض العلماء: إن جميع المعاصي شِرْكٌ؛ لأن الإنسان أشرك فيها مع
الله هواه كما قال تعالى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ [الجاثية: ٢٣].
طالب: (...).
الشيخ: الوسائل ليس فيها وسائط إلا السابعة؛ وهي التوسل إلى الله
بدعاء مَنْ ترجى إجابته.
طالب: الشركية نفس
الشيء؟
الشيخ: إحنا نقول: الجائزة. الشركية
شركية.
الطالب: بالنسبة إلى التوسل إلى الله بالعمل
الصالح، العلماء لماذا أخرجوه عن التوسل إلى الله بالإيمان؟
الشيخ: نعم؛ لأن الإيمان بالقلب والعمل الصالح
بالجوارح.
طالب: ما يدخل ذلك في الإيمان؟
الشيخ: لا، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [الشعراء: ٢٢٧]، فالإيمان بالقلب والعمل الصالح
بالجوارح، ولكن العمل الصالح من الإيمان.
طالب: التوسل
إلى الله بمحبة الصالحين والعلماء؟
الشيخ: ماذا تقولون؟
هل يجوز التوسل إلى الله بمحبة الصالحين والعلماء؟ هل محبة الصالحين والعلماء هي
عبادة تُقَرِّب إلى الله أو لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: إذن عمل صالح تدخل في التوسل إلى الله بالعمل
الصالح.
الطالب: تخصيص العالم بعينه؟
الشيخ: لا، الأحسن ألا تخصص؛ لأن العالم بعينه -نسأل الله تعالى
أن يحمينا وإياكم ويجعل ظواهرنا كبواطننا أو بواطننا خيرًا منها- ما تدري حقيقة، قد
تَغْتَر بإنسان، ولكن لا يكون على ما تظن، لكن عَمِّمْ: اللهم بحبي لعلماء الشرع
احشرني معهم، بحبي للصالحين اجعلني معهم وما أشبه ذلك.
***
الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ [غافر: ٨ - ١٠].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْهذا من جملة دعاء الذين يحملون العرش ومن حوله يقولون: رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍرَبَّنَا: أي: يا ربنا، وكرروا النداء بالربوبية؛ لأنهم كانوا بالأول يسألون الله المغفرة لهم ووقاية عذاب الجحيم، وهذا من باب التخلية أي: السلامة مما يضر. أما الثاني فهو من باب التحلية أي: من باب حصول المطلوب رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْفترى الجملة الأولى من الدعاء فيها النجاة من المرهوب، والثانية فيها حصول المطلوب؛ ولهذا كَرَّروا قولهم: رَبَّنَارَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْوجعلوا هذه الجملة معطوفة على ما سبق لا مستأنفة أي: لم يقولوا: ربنا أدخلهم، قالوا: وَأَدْخِلْهُمْلتحقق ما قبلها؛ لأن العطف يقتضي ثبوت المعطوف عليه وكونه أصلًا، فكأنهم قالوا: ربنا واجمع لهم مع ما سبق أن تدخلهم جنات عدن.
وقوله: جَنَّاتِجمع جنة، والجنة تأتي في القرآن مجموعة وتأتي مفردة، فباعتبار الجنس هي جنة واحدة، وباعتبار الأنواع هي جنان، ذكر الله تعالى فيها أربعة أنواع في موضع واحد: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن: ٤٦] ومن دونهما جنتانفهي تُجْمَع باعتبار الأنواع وتُفْرَد باعتبار الجنس. والجنة في الأصل البستان الكثير الأشجار؛ وسمي بذلك لأنه يُجِنُّ من فيه أي: يستره لكثرة أشجاره، والمراد بها شرعًا دار النعيم التي أعدها الله تعالى لأوليائه، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وسقفها عرش الله عز وجل، فهم أقرب الناس إلى الله.
وقوله: جَنَّاتِ عَدْنٍالعدن بمعنى الإقامة، يقال: عَدَن بمكان أي: أقام، ومنه سُمِّي المعدن لمعادن الأرض؛ لأن المعدن مقيم ثابت راسخ في الأرض، فجنات عدم أي جنات إقامة؛ ووصفت بذلك لأن أهلها لا يبغون عنها حِوَلًا، ولأنها دائمة أبد الآبدين.
وقوله: الَّتِي وَعَدْتَهُمْصفةٌ لجنات، وإنما قالوا ذلك اعترافًا بفضل الله تعالى أولًا وآخرًا، وتوسلًا إليه بتحقيق ما طلبوا؛ لأن الله إذا وعد شيئًا أتمه فإنه لا يخلف الميعاد، فصار ذكر قوله: الَّتِي وَعَدْتَهُمْله فائدتان:
الأولى: الاعتراف بفضله سبحانه وتعالى حيث وعدهم هذه الجنات.
الثاني: التوسل إلى الله تعالى بإجابة الدعاء، كأنهم يقولون: أدخلهم هذا؛ لأنك وعدتهم إياه، فيكون من باب التوسل بوعده إلى تَحَقُّق موعوده.
وقوله: وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْمَنْ صَلَحَيقول: (عطف على (هم) في أَدْخِلْهُمْأو في وَعَدْتَهُمْ) فالواو حرف عطف، و(من) اسم موصول مبني السكون في محل نصب عطفًا على أَدْخِلْهُمْأو على وَعَدْتَهُمْ، والأحسن أن يكون عطفًا على أَدْخِلْهُمْ، فيكون الدعاء بالدخول شاملًا لهم ولمن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم.
وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُوهذا احتراز جيد؛ حيث قالوا: وَمَنْ صَلَحَولم يقولوا: وآباءهم وأزواجهم وذرياتهم، قالوا: من صلح؛ لأنهم لو دَعَوْا بالعموم لكان فيه نوع من الاعتداء في الدعاء؛ لأن الاعتداء في الدعاء هو أن يدعو الإنسان بما لا يمكن شرعًا أو حِسًّا، كلُّ من دعا الله تعالى بما لا يمكن شرعًا أو حسًّا فإنه معتد في الدعاء، ولو زدنا أيضًا أو حسًّا أو عادة فهو معتد؛ فلو سأل الله تعالى أن يخرج له ولدًا من جدار بيته لكان هذا اعتداء في الدعاء، ولو سأل الله تعالى أن يجعله نبيًّا لكان هذا اعتداء في الدعاء؛ لأن ذلك لا يمكن شرعًا. ولو سأل الله أن يجعل السماوات والأرض بيده لكان هذا معتديًا في الدعاء لأنه لا يمكن عقلًا. فما لا يمكن شرعًا أو عقلًا أو عادة أو حسًّا فإنه لا يُدْعَى الله به؛ لأن هذا اعتداء في الدعاء.
فهنا يقول الله سبحانه وتعالى: وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْلو قالوا: وآباءهم لكان فيه نوع من الاعتداء؛ حيث أن آباء هؤلاء قد يكونوا مشركين كفارًا لا يستحقون أن يدخلوا الجنة، فيقول: وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْجمع زوج وَذُرِّيَّاتِهِمْجمع ذُرِّيَّة، فذكروا الأصول والفروع والمصاهرة، الأصول والفروع آباء وذريات، والمصاهرة أزواج.
إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُهذه جملة استئنافية يُراد بها التوسل إلى الله تعالى بعزته وحكمته أن يُحَقِّقَ هذا الدعاء أو هذا المدعو به.
في الآية هذه فوائد:
أولًا: إثبات أن الملائكة عباد مربوبون؛ لقولهم: رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ.. إلى آخره.
ومن فوائدها: أن الشيء لا يتم إلا بانتفاء المؤذي وحصول المطلوب؛ وجه ذلك أنهم لما انْتَهَوْا من دعاء الله تعالى بانتفاء المؤذي سألوا الله تعالى حصول المطلوب وهو إدخال الجنات.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجنات أنواع، نستفيد هذا من الجمع.
ومن فوائدها :أن الجنات دار إقامة لا يبغي ساكنها تَحَوُّلًا عنها ولا يلحقه فناء؛ لقوله: جَنَّاتِ عَدْنٍ.
ومن فوائد هذه الآية: التوسل إلى الله تعالى بفعله أو قوله؛ لقوله: الَّتِي وَعَدْتَهُمْفإن وعده قول، وهؤلاء الملائكة توسَّلوا إلى الله بهذا القول.
ومن فوائد الآية الكريمة: بيان فضل الله عز وجل على أهل الجنة أولًا وآخرًا؛ أولًا حيث وعدهم الجنة؛ لأن الوعد بالجنة يقتضي العمل لها، وثانيًا بإدخالهم إياها.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن من تمام النعيم أن يَجمَع الله بين الإنسان وبين قرابته وزوجه؛ لقوله: أَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ.. إلى آخره.
فإن قال قائل: هل يلزم من ذلك أن يكونوا في درجة واحدة؟ قلنا: لا يلزم، ولكن الأزواج لا بد أن يكونوا في درجة أزواجهم، والذرية ذكر الله سبحانه وتعالى في سورة الطور أنه في درجة آبائهم أيضًا قال الله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ [الطور: ٢١]، وهذا يدل على أن الذرية الذين لم يبلغوا منازل آبائهم أنهم يرفعون حتى يكونوا في منازل آبائهم، وأن ذلك لا يقتضي نقص الآباء من المنازل،؛ يعني: لا نقول: أن الحل وسط نرفع هؤلاء قليلًا ونُنَزِّل هؤلاء قليلًا؛ ولهذا قال: وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ [الطور: ٢١] لئلا يظن الظانُّ أنه إذا رُفِعَت الذرية فإنها تُرْفَع قليلًا ويُنَزَّل الآباء بمقدار ما رُفِعَ هؤلاء ليلتقوا في نقطة الوسط، وهذا ليس كذلك؛ لأنه لو نُزِّلَ الآباء قليلًا لزم من ذلك أن يُنْقَصوا، ولكن الله يقول: وَمَا أَلَتْنَاهُمْأي: ما نقصناهم أي: الآباء مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ.
ومن فوائد الآية الكريمة: الاحتراز في الدعاء عن التعميم؛ لقولهم: وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ [غافر: ٨]، ومن ذلك قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام: وَارْزُقْ أَهْلَهُ [البقرة: ١٢٦] أي أهل المسجد الحرام مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [البقرة: ١٢٦] أَهْلَهُثم أبدل منها قوله: مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِفاحترز، ولكن الله تعالى قال: وَمَنْ كَفَرَيعني: أرزق مَنْ في هذا البلد ولو كانوا كفارًا، لكن مَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [البقرة: ١٢٦]. المهم أنه ينبغي للإنسان في الدعاء أن يحترز من التعميم الذي قد يتناول من لا يستحق الدعاء فيكون في دعائه هذا نوع من الاعتداء.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات هذين الاسمين يعني العزيز والحكيم من أسماء الله، وإثبات ما تضمناه من الوصف أو من الصفة، فالعزيز متضمن للعزة، والحكيم متضمن للحكمة والحكم.
ومن فوائد الآية: التوسل إلى الله تعالى في الدعاء بأسمائه.
فإن قال قائل: ذكرتم في عدة مواضع أن التوسل بالأسماء ينبغي أن يكون مطابقًا للسؤال أو للمسؤول، وهنا ما مناسبة العزة والحكمة للدعاء بإدخال هؤلاء الجنة؟
الظاهر -والله أعلم- أن المطابقة أنهم دعوا أن الله يُدْخِل مَنْ صلح مِن آبائهم وأزواجهم وذرياتهم، وهذا أمر يحتاج إلى عزة وتمام سلطة وإلى حُكْمٍ وحكمة، فلهذا ختموا هذا الدعاء بقولهم: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُدون أن يقولوا: إنك ذو الفضل العظيم.
ومن فوائد هذه الآية: الترتيب الوجودي في الأشياء، في أي شيء؟ آبائهم وأزواجهم وذرياتهم؛ لأن هذا هو الترتيب: أب، ثم تَزَوُّجٌ، ثم ذرية. فهذا ترتيب وجودي، ولا شك أن هذا من مُحَسِّنات اللفظ.
***
ثم قال الله تعالى: وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ [غافر: ٩] هذا معطوف على ما سبق على قوله: وَأَدْخِلْهُمْأي: وقهم السيئات، والجملة فعل أمر وفاعل ومفعول به بل ومفعولين، الجملة تتضمن فعلًا وفاعلًا ومفعولين، الفعل قِ، والفاعل مستتر وجوبًا، والمفعول الأول الهاء، والمفعول الثاني السيئات، وقِ هنا فعل أمر لكنه مكون من حرف واحد بعد أن حُذِفَ منه حرفان الأول والثالث، وهكذا كل مثال ناقص إذا كان ثلاثيًّا فإن فعل الأمر منه على حرف واحد هذه القاعدة، كل مثال ناقص ففعل الأمر منه إذا كان ثلاثيًّا على حرف واحد، عرفتم؟ ما هو المثال؟ هو الذي أوله حرف علة، والناقص الذي آخره حرف علة.
طيب، إذن القاعدة هذه تشمل أمثلة كثيرة، وقد جمعها الخضري في حاشية ابن عقيل على ألفية ابن مالك جمعها في أبيات نعم، منها قِ فِ عِ يعني عَدَّد، لا أذكر الآن كل ما عدد، لكن الضابط هو هذا، كل ثلاثي كان مثالًا ناقصًا ففعل الأمر منه على حرف واحد.
وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِقال المفسر: (أي عذابها) وهذا إذا جعلنا السيئات بمعنى الأعمال السيئات فإنه يتعيَّن أن نُفَسِّر ذلك بعذاب السيئات، لماذا؟ لأن عمل السيئات الآن قد انتهى وقته، وإنما الموجود هو الجزاء، فيُفَسَّر حينئذ بالعذاب، وأما إذا فَسَّرْنا السيئات بما يَسُوء دون العمل الذي يقع مِنَ العبد فإنه لا حاجة إلى أن نقول: عذابها، لماذا؟ لأن العذاب مما يسوء فكأنهم قالوا: وَقِهِم ما يسوؤهم من العذاب، والقاعدة في التفسير وفي شرح الأحاديث أنه إذا دار الأمر بين احتمال التقدير وعدم التقدير فالأولى عدم التقدير، وعلى هذا فنقول: السيئات هنا لا يُرَاد بها الأعمال السيئات التي هي فعل العبد قطعًا لأن هذا قد انتهى، وإنما يراد بالسيئات ما يسوء من أعمال ومن عقوبات ومن عذاب ومن غير ذلك.
(وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍيوم القيامة فَقَدْ رَحِمْتَهُ) (مَن) شرطية، جملة فَقَدْ رَحِمْتَهُجواب الشرط، وإنما اقترن جواب الشرط بالفاء؛ لأنه مبدوء بـ(قد)، وجواب الشرط إذا بُدِئ بـ(قد) وجب اقترانه بالفاء، وله نظائر مما يجب اقترانه بالفاء، ينشدنا البيت فيه.. المهم أنه يجب ارتباط جواب الشرط بالفاء إذا وقع واحدًا من سبعة أمور، مجموعة في قول الناظم:
| اسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّةٌ وَبِجَامِدٍ | وَبِمَا وَ(قَدْ) وَبِـ(لَنْ) وَبِالتَّنْفِيسِ |
التنفيس يشمل (سوف) والسين، هذه الآية من أي الأنواع السبعة؟ قوله: (وَقَدْ) فَقَدْ رَحِمْتَهُ.
وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَالمشار إليه وقاية السيئات والرحمة هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُهُوَيجوز أن تكون مبتدأ والفوز خبره، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره خبر المبتدأ الأول، ويجوز أن تكون هُوَضمير فصل لا محل لها من الإعراب، ويكون التقدير وذلك الفوز العظيم، ويؤيد هذا أنها تأتي بهذه الصيغة في بعض المواضع وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [النساء: ١٣].
وضمير الفصل من حيث الإعراب لا محل له من الإعراب، من حيث المعنى له ثلاث فوائد: الفائدة الأولى الحصر، والفائدة الثانية التوكيد، والفائدة الثالثة التمييز بين الصفة والخبر. هذه ثلاث فوائد لضمير الفصل. الفائدة الأولى؟
طالب: الحصر.
الشيخ: هذه واحدة. الثانية؟
طالب: التوكيد.
الشيخ: التوكيد أو التأكيد؟
طالب: التوكيد.
الشيخ: التوكيد أفصح وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا [النحل: ٩١] ولم يقل: تأكيدها، لكنه يجوز الهمزة. الفائدة الثالثة؟
طالب: التمييز بين الخبر والصفة.
الشيخ: التمييز بين الخبر والصفة، يظهر هذا في المثال؛ إذا قلت: زيد الفاضل، وأنت تريد أن تكون الفاضل خبر المبتدأ، فإنه يحتمل أن تكون الفاضل صفة والخبر لم يأت بعد، يحتمل أن يكون المراد زيد الفاضل فاهِمٌ، ويحتمل أن تكون الفاضل خبر المبتدأ، فإذا جاءت زيد هو الفاضل زال الإشكال وتعيَّن أن تكون الفاضل خبر المبتدأ، أما التوكيد والحصر فظاهر؛ لأنك إذا قلت: زيد هو الفاضل، أكدت أنه فاضل وحصرت الفضل فيه.
وقوله: الْفَوْزُ الْعَظِيمُالفوز: حصول المطلوب والنجاة من المرهوب، والدليل على ذلك قوله تعالى: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران: ١٨٥]، ما هو النجاة من المرهوب في الآية؟ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ. حصول المطلوب؟ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ، ولا تفسير أَبْيَن وأوضح من تفسير الله عز وجل، فالفوز هو النجاة من المرهوب وحصول المطلوب، والدليل ما سمعتم.
وقوله: الْعَظِيمُوصف له بالعظمة؛ لأنه لا فوز أعظم من هذا، لا فوز أعظم من أن يَمُنَّ الله عليك بسكنى هذه الدار -جعلني الله وإياكم من ساكنيها- التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، كل الناس في الدنيا المؤمنون يسعون للوصول إلى هذه الدار، ولهذا لما قال الأعرابي للنبي عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله أنا لا أُحْسِن دندنتك ولا دندنة معاذ، ولكني أسأل الله الجنة وأستعيذ به من النار فقال: «حَوْلَهُمَا نُدَنْدِنُ» نحن لا نريد إلا هذا، وهذا الحديث وإن كان في صحته ما فيه، لكن حقيقة هو هذا، كل المؤمنين يعملون للوصول إلى هذه الدار، وهو -أي العمل لها- يسير، لكن على مَنْ يَسَّرَهُ الله عليه، ومتى ييسر الله عليك ذلك؟ اسمع إلى قول الله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى [الليل: ٥ - ٧] اعمل أنت، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» .
يقول: وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُنأخذ الفائدة في هذه الآية:
من فوائد هذه الآية: أن الملائكة الذين يحملون العرش ومن حوله يسألون الله تعالى أن يَقِيَ الذين آمنوا أن يَقِيَهم السيئات أي: عذابها حتى يتم لهم المطلوب.
فإن قال قائل: أليس هذا حاصلًا مما سبق وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِوَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ؟
قلنا: بلى، ولكن مقام الدعاء ينبغي فيه البسط لعدة أسباب:
السبب الأول: أن الدعاء عبادة، فكلما بسطت فيه ازددت تعبُّدًا لله، وازددت ثوابًا وأجرًا.
ثانيًا: أن البسط فيه التفصيل، والتفصيل خير من الإجمال؛ لأن الإجمال قد ينسى الإنسان فيه أشياء مهمة ولا تطرأ على باله لكن إذا فَصَّل تَبَيَّن الأمر.
الثالث: أن التفصيل في الدعاء انبساط مع الله عز وجل؛ لأن الداعي يناجي ربه، ومن المعلوم أن مناجاة المحبوب يُسْتَحَبُّ فيها التطويل، أو نقول بعبارة ثانية: من المعلوم أن مناجاة المحبوب يحب الحبيب أن تطول المناجاة بينه وبين حبيبه، وهذا شيء مشاهد، إذا جلس إليك مَنْ تحب فإنك تَوَدُّ أن يطول الحديث ويطول الجلوس حتى أن الزمن ينفرط بسرعة، وإن جلس إليك الثقيل، قلتَ:
| إِذَا حَلَّ الثَّقِيلُ بِدَارِ قَوْمٍ | فَمَا لِلسَّاكِنِينَ سِوَى الرَّحِيلِ |
أحيانًا يجلس إليك الثقيل يخاطبك ويكلمك، كلما خاطبك بكلمة ولو كانت ثناء عليك كأنما صفع وجهك؛ لأنه يكون عندك كأنه جالس على قلبك، لكن الحبيب إذا جلس إليك لا تَوَدُّ أن تفارقه ولا تَمَلُّ حديثه، ولكن مَنْ خير الجُلَساء؟
| لَنَا جُلَسَاءُ لَا نَمَلُّ حَدِيثَهُمْ | أَلِبَّاءُ مَأْمُونُونَ غَيْبًا وَمَشْهَدَا |
يعني بذلك الكتب.
| أَعَزُّ مَكَانٍ فِي الدُّنَا سَرْجُ سَابِحٍ | وَخَيْرُ جَلِيسٍ فِي الزَّمَانِ كِتَابُ |
هؤلاء هم الجلساء الذين لا يَمَلُّون والذين ينفعون ولا يضرون.
على كل حال، نقول: إنه ينبغي البسط في الدعاء لثلاثة أسباب:
السبب الأول: أنه عبادة فكلما بسطت فيه ازددت تعبدًا وتقربا لله.
الثاني: أنه تفصيل والتفصيل خير من الإجمال، لأنه قد يكون في التفصيل ما يغيب عنك عند الإجمال.
والثالث: أنه انبساط مع الله الذي هو أحب شيء إليك، والحديث مع المحبوب لا شك أن كل أحد يحب أن يطول، انظر إلى قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ دِقَّهُ وَجِلَّهُ عَلَانِيَتَهُ وَسِرَّهُ وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، اللهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ وَمَا أَسَرَرْتُ وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي» يكفي عن هذا كله أن يقول: اللهم اغفر لي ذنبي، لكن البسط له تأثير على القلب.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن مَنْ وُقِيَ السيئات يوم القيامة فقد دخل في رحمة الله؛ لقوله: وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ.
ومن فوائد الآية: أن الرحمة كما تكون في جلب المحبوب تكون في دفع المكروه؛ لقوله: وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا أعظم فوز؛ لقوله تعالى: وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، ووجهه أنه أشار إليه بإشارة البعيد للدلالة على علو هذا الفوز، ووصَفَهُ بالعظمة فيكون جامعًا بين عُلُوِّ المرتبة وعلو الماهية أنه عظيم.
طالب: (...).
الشيخ: أي فائدة في أجسام لا حركة فيها؟
الطالب: يكفي يا شيخ أنها (...).
الشيخ: لا، ما يكفي أنهم وقوا النار؛ لأنه لو كفى ذلك ما احتجنا إلى الجنة أصلًا، قلنا: يكفيكم أنكم نجوتم من النار ولا حاجة للجنة.
طالب: إذا خالف الوصف في الدعاء المسؤول هل يكون اعتداء؛ يعني: بعض الناس إذا قلت: اللهم اهدِ (...) المهديين أو أذل الشرك والمشركين قلت: برحمتك يا أرحم الراحمين قال: هذا اعتداء في الدعاء.
الشيخ: لا، غلط، أما سمعت: وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُوهذا زوال مكروه، وإذلال الشرك لا شك أنه نعمة ورحمة.
طالب: في قول الله تبارك وتعالى: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران: ١٨٥] وفي الجنة أثبتنا النظر إلى الله عز وجل، هل يدخل في هذه الآية؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: من أي وجه؟
الشيخ: لأن دخول الجنة وما فيها فوز، وأعظم النعيم في الجنة هو النظر إلى وجه الله، ولهذا ذكرنا لكم يا إخوان أن قول الزمخشري: (أي فوز أعظم من هذه) قلنا: هذه كلمة حقيقة، ولا يُعْتَرض عليها إلا لأننا نعلم أن الرجل لا يثبت النظر إلى وجه الله، وإلا لقلنا: متى دخلت الجنة فأنت دخلت الجنة بكل ما فيها من النعيم.
طالب: (...).
الشيخ: هل كرروا الدعاء ولَّا كرروا المدعو له؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، اللهم اغفر لنا ولآبائنا وذرياتنا وإخواننا وجداتنا وأجدادنا وخالتنا وأخوالنا وعماتنا وأعمامنا والأصول والفروع والحواشي، هذا ما هو تكرار للدعاء تكرار للمدعو لهم، وأنت ترى الملائكة الآن ما دعت إلا لثلاثة أصناف فقط: الأصول، الفروع، والأصهار الزوجات، لكن على كل حال ما نقول: في هذا شيء، ما ننكر عليه، لكن كونه يطول على الناس بمثل هذه الأشياء قد يكون فيه مضرة على الناس تعب.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تبارك وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ [غافر: ١٠] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَوالنداء هو الكلام من بعيد، والمناجاة الكلام من قريب، ولم يبين الله تعالى مَن يناديهم لكن المفسر قال: (مِنْ قِبَل الملائكة) وذلك عند دخولهم النار، وهم يمقتون أنفسهم في ذلك الوقت أكبر مقت، والمقت هو أشد البغض، فهم في ذلك الوقت عند دخولهم النار يبغضون أنفسهم بغضًا شديدًا حيث لم يتوصلوا إلى النجاة منها، فيُنادَون فيقال لهم: لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْاللام هنا لام الابتداء وتدخل على المبتدأ توكيدًا.
وقوله: (لَمَقْتُ اللَّهِإياكم) هذا أحد الوجهين في الآية، وعلى هذا فيكون المقت مضافًا إلى فاعله لا إلى مفعوله؛ يعني لبغض الله إياكم أشد من بغضكم أنفسكم. وقيل: إنه مضاف إلى مفعوله لا إلى فاعله، وعلى هذا يكون المعنى: لمقتكم الله حين تُدْعَون إلى الإيمان أكبر من مقتكم أنفسكم اليوم؛ أي: أنهم كرهوا ما دُعُوا إليه في الدنيا من محبة الله وأبدلوا ذلك بأشد البغض، وهذا المعنى أقرب مما مشى عليه المفسر رحمه الله تعالى (لمقت الله إياكم)، وعلى ما رجحنا يكون المعنى لمقتكم الله فهو مضاف إلى مفعوله. متى مقتوا الله؟ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِوعلى هذا فيكون قوله: إِذْ تُدْعَوْنَمتعلقًا بقوله: لَمَقْتُ اللَّهِ؛ أي: أنكم حينما دُعوتم إلى الإيمان كرهتم ذلك ولم تقتنعوا به بل أبغضتموه أشد البغض.
وقوله: أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْمتى مَقَتُوا أنفسهم؟ حين قيل لهم: ادخلوا نار جهنم فأبغضوا أنفسهم.
وقوله: مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ(مقت) هنا مصدر مضاف إلى أيش؟ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ(مقت) هنا مضاف إلى فاعلها أو مفعولها؟
طالب: إلى فاعلها.
الشيخ: إلى فاعلها؛ لا، ما هو على قول المؤلف، قول المؤلف في قوله: لَمَقْتُ اللَّهِ، لكن مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْهذا مصدر مصاف إلى فاعله؛ يعني: إنهم هم مقتوا أنفسهم، و(أنفس) مفعول (مقت).
وقوله: إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَتُدْعَون في الدنيا إلى الإيمان، وأَبْهَم الداعي؛ لأن دعوتهم إلى الإيمان تكون من الرسل، وتكون من ورثة الرسل وهم العلماء، فالداعي لهم إلى الإيمان في الدنيا ليس واحدًا، بل الرسل يدعونهم، وورثة الرسل وهم العلماء يدعونهم كذلك.
إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَالإيمان بمن؟ أي: بالله وملائكة وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشرِّه، هذا هو الإيمان كما فَسَّره النبي صلى الله عليه وسلم حين سأله جبريل قال: «أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِيمَانِ قَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ» .. إلى آخره.
إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَوالمراد بالإيمان هنا -كما ذكرت لكم- هو الإيمان بالأركان الستة، وكذلك الانقياد اللازم من الإيمان بهذه الأركان الستة، ولهذا هم دُعوا إلى الإيمان الذي في القلوب، ودعوا إلى الاستسلام أيضًا وهو أعمال الجوارح، وكفروا بذلك كله، إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ.
من فوائد هذه الآية الكريمة: بيان أن الكافرين يُوَبَّخُون يوم القيامة توبيخًا يزيدهم ألَمًا إلى ألمهم؛ لقوله: لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ، ومن فوائد ذلك أنهم تبين لهم ما هم عليه من الضلال والكفر حين رأوا العقاب، وجهه أنهم مقتوا أنفسهم في ذلك الوقت حين رأوا العذاب، وهذا يدل على أنهم تبين لهم الضلال في ذلك اليوم.
ومن فوائد الآية الكريمة على ما مشى عليه المؤلف: إثبات المقت لله؛ أي أن الله يمقت أي يبغض، هذا على ما مشى عليه المؤلف من أن مَقْت مضافة إلى الفاعل. وإذا قلنا بالقول الراجح لم يكن في الآية دليل على أن الله يَمْقُت، لكن الدلالة على أن الله يمقت وأن له مقتًا من أدلة أخرى مثل قوله تعالى: كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ [الصف: ٣] والمقت أشد البغض، والبغض هو من الصفات الفعلية التي تتعلق بمشيئته وإرادته.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان قد يَكْرَهُ نفسَه. ومتى يكون ذلك؟ إذا رأى مِنْ تصرفه ما يسوؤه فإنه يكره نفسه ويقول: هذا من النفس الأمارة بالسوء.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الحجة قد قامت على هؤلاء المكذبين المعذبين؛ لقوله: إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ. وهل الدعوة دعوة بإفهام أو دعوة بمجرد البلاغ؟
الأول دعوة بإفهام؛ لقول الله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [إبراهيم: ٤] فلا بد من فهم الحجة، ولكن إذا بلغت الإنسان فالواجب عليه أن يبحث عن الفهم فإن لم يفعل كان مُقَصِّرًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء كفروا عن عناد، من أين تؤخذ؟ لأنهم دُعُوا فكفروا وهذا كفرُ عنادٍ، والعياذ بالله.
***
ثم قال الله عز وجل: قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ [غافر: ١١] قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِالإماتة هنا ما كان قبل الحياة وبعد الحياة، ما كان قبل الحياة أي: وهم أجنة في بطون أمهاتهم. وما كان بعدها وهو الموت الذي يكون بعد الوجود في الدنيا هاتان ميتتان.
وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِالحياة وهم أجنة في بطون أمهاتهم، والحياة بعد البعث يوم القيامة أو حين البعث يوم القيامة.
وهذا كقوله تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ [البقرة: ٢٨] هذه أربعة؛ إماتتان وإحياءتان، فهم يقولون: (رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِإماتتين وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِإحيائتين؛ لأنهم نُطَفٌ أموات فأُحْيُوا ثم أميتوا ثم أحيوا للبعث) هذا تفسير أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ، والإماتة الأولى ليست إماتة بعد حياة، ولكنها فَقْدُ حياة، فصح أن يطلق عليها اسم الموت، وقصدهم بهذا الإقرار بأن الأمر حق، فكما أننا ندرك أنه مرت بنا هذه الأطوار الأربعة: موت، فحياة، ثم موت، فحياة، فإننا نتيقن أننا أخطأنا؛ ولهذا قالوا: فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَايعني: فقد اعترفنا بذنوبنا.
والذنوب جمع ذنب وهو المعصية، والمراد بها هنا الكفر كما قال المؤلف رحمه الله: (بكفرنا بالبعث فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍمن النار) و(هل) هنا للتمني، يعني أننا نتمنى الخروج من النار ولكنه لا يحصل لهم ذلك.
(فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍمن النار والرجوع إلى الدنيا لنطيع ربنا مِنْ سَبِيلٍمن طريق؟ وجوابهم: لا) وهذا من المؤلف بناء على أن الاستفهام على بابه، أنهم يسألون هل لنا من طريق فنخرج؟ أما على ما قلنا: إنه للتمني فلا يحتاج إلى جواب فهو كقوله: فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ [الأعراف: ٥٣].
هذه الآية فيها: إثبات اعتراف هؤلاء المكذبين بأنهم كفروا بالله وأنهم مستحقون لهذا العقاب.
ومن فوائد الآية :إقرار الكفار بما كانوا ينكرونه من قَبْلُ من البعث، وهذا معنى قوله: فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا.
ومن فوائدها :أنهم في ذلك اليوم تبين لهم الحق وصحة القياس؛ لأنهم قالوا: أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِفالميتة الأولى قبل أن تنفخ فيهم الروح قد أقروا بها، والحياة الدنيا قد أقروا بها، متى أقروا بها؟ أقروا بها في الدنيا وهم أحياء، لكن أنكروا البعث بعد الموت، وأما الآن فقالوا: نعم البعث بعد الموت كنفخ الروح في الجنين؛ يعني أنا تيقنا الآن أن ما ذكره الله عز وجل من قياس الإعادة على الابتداء أمر حقيقي، وأننا أُحْيِينا مرتين وأُمِتْنَا مرتين.
ومن فوائد الآية الكريمة: شدة حسرة هؤلاء على ما فعلوا وتمنيهم الخروج مما وقعوا فيه من العذاب بقولهم: فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ.
وفي هذه الآية إعراب مُشْكِل وهو أن قوله: فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍجملة خلت من أحد الركنين فيها وهو المبتدأ؛ لأن الذي أمامنا الآن جار ومجرور في الخبر، وفيما هو محل للمبتدأ.
طالب: المبتدأ مِنْ سَبِيلٍ.
الشيخ: وهل يكون المبتدأ مجرورًا؟
الطالب: لا، ومن هذه حرف زائد.
الشيخ: إذن المبتدأ سبيل دخلت عليه حرف (من) الزائدة إعرابًا؛ ولهذا نقول في إعرابها: (من) حرف جر زائد، وسبيل مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.
***
ثم قال الله تعالى: ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ [غافر: ١٢] ذَلِكُمْيقول المفسر: (أي العذاب الذي أنتم فيه) فالمشار إليه موجود؛ أي أن العذاب الذي أنتم فيه بسبب كذا وكذا، وهنا قال: ذَلِكُمْوتأتي أحيانًا بـ(ذلك)، وتأتي أحيانا بـ(ذلكن)، وتأتي أحيانًا بـ(ذلكما)، فما هو السبب في تَغَيُّر الخطاب في هذه الإشارات؟
فيقال: اسم الإشارة بحسب المشار إليه، وكاف الخطاب التي بعدها بحسب المخاطب، فإذا أشرتَ إلى واحد مخاطِبًا اثنين فقل: ذلكما، كما قال يوسف لصحابي السجن: ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي [يوسف: ٣٧].
وإذا أشرتَ إلى اثنين مخاطبًا واحدًا فماذا تقول؟
طالب: ذانكم.
الشيخ: ذانكم؟ أشرت إلى اثنين مخاطبًا واحدًا؟
طالب: ذانك .
الشيخ: ذانك، كقوله تعالى: فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ [القصص: ٣٢].
وإذا أشرت إلى واحد مخاطبًا جماعة ذكور؟
طالب: ذاكم.
الشيخ: ذاكم؟ هات اللام أحسن.
طالب: ذلكم.
الشيخ: ذلكم. ومنه قوله تعالى: وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ [فصلت: ٢٣] طيب.
وإذا أشرت إلى واحد مخاطبًا جماعة إناث؟
طالب: ذلكن.
الشيخ: ذلكن. قالت: فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ [يوسف: ٣٢] طيب.
وإذا أشرت إلى اثنين مخاطبًا اثنين؟
طالب: ذانكما.
الشيخ: ذانكما. طيب.
وإذا أشرت إلى اثنين مخاطبًا جماعة ذكور؟
طالب: ذانكم.
الشيخ: ذانكم، صح.
وإذا أشرت إلى اثنين مخاطبًا جماعة إناث؟
طالب: ذانكن.
الشيخ: ذانكن، طيب.
وإذا أشرت إلى جماعة مخاطبًا جماعة ذكور؟





