تفسير سورة غافر - 4
عدد الزيارات 3571

عناصر المادة :
تفسير الآية (13)
تفسير الآيتين (14-15)

وإذا أشرت إلى اثنين مخاطبًا جماعة إناث؟
طالب: ذانكن.
الشيخ: ذانكن، طيب.
وإذا أشرت إلى جماعة مخاطبًا جماعة ذكور؟
طالب: أولئكم.
الشيخ: أولئكم، صحيح؟ هذا إذا أشرنا إلى جماعة مخاطبًا جماعة ذكور.
إلى جماعة مخاطبًا جماعة إناث؟
طالب: أولئكن.
الشيخ: أولئكن، طيب.
أشرت إلى جماعة مخاطبًا اثنين؟
طالب: (...).
الشيخ: لا.
طالب: أولئكما.
الشيخ: أولئكما. المهم على كل حال اسم الإشارة بحسب المشار إليه، والكاف بحسب المخاطب؛ إن كان مفردًا مذكرًا فالكاف تكون مفردًا مذكرًا، وإن كان مفردًا مؤنثًا فكذلك، مثنى جمعًا كذلك، هذا هو الأفصح.
وربما تأتي الكاف مفتوحة للمخاطب المُذَكَّرِ مطلقًا واحدًا كان أو مثنى أو جماعة، ومكسورة للمخاطب المؤنث مطلقًا واحدة أو اثنتان أو جماعة.
وربما تأتي الكاف مفتوحة مفردة لكل مخاطب، فتقول: ذلك تخاطب الرجل والمرأة والاثنين والجماعة، فهذه ثلاث لغات في كاف الخطاب المقترن باسم الإشارة، الأفصح أن يكون بحسب المخاطَب، ثم مفتوحًا في المذكَّر ومكسورًا في المؤنث، ثم مفتوحًا على كل حال مفردًا مذكرًا.
هنا يقول عز وجل: ذَلِكُمْ بِأَنَّهُالمشار إليه واحد والمخاطب جماعة ذكور، ذلكم فالمخاطبون جماعة ذكور (أي العذاب الذي أنتم فيه بِأَنَّهُأي بسبب أنه في الدنيا إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ) وأشركتم وقلتم: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص: ٥].
(كَفَرْتُمْبتوحيده وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِيُجْعل له شريك تُؤْمِنُواتصدقوا بالإشراك) وهذا هو الواقع؛ إذا ذُكِرَ الله اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة، وإذا ذُكِرَ الذين من دونه إذا هم يستبشرون، فهم يُصَدِّقون بقلوبهم ويستبشرون بألسنتهم، وهذا الإيمان في الواقع قد نقول: إنه إيمان حقيقي، وقد نقول: إنه إيمان دعوي؛ يعني أنه دعوة وأنهم في قرارة أنفسهم يؤمنون بالله، وانظر إلى أكفر أهل الأرض فرعون كيف أنكر الخالق وادعى الربوبية وقال لقومه: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص: ٣٨] ومع ذلك كان مؤمنًا في قرارة نفسه؛ قال له موسى وهو يحاوره: لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ [الإسراء: ١٠٢]. هذه الآية أقول لك: تدل على أن فرعون كان مؤمنًا بربوبية الله، كيف ذلك؟
طالب: لأنه ما قال: ما علمت (...).
الشيخ: لا، لأنه لما قال له موسى: لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِلم يقل: لم أعلم، وهو في مقام يرى نفسه أعلى من موسى؛ يعني يستطيع أن ينكر دعوى موسى لو كان ينكر ذلك، لكنه يُقِرَّ بأن الله أنزل التوراة على موسى، ويدل لهذا قوله تعالى: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النمل: ١٤]؛ ولهذا لا يمكن لأحد عاقل -وأريد بالعاقل من سوى المجنون- أن ينكر أن لهذا العالم خالقًا أبدًا، كل إنسان عاقل إذا تدبر أدنى تدبر في هذا الكون علم أن له ربًّا مدبرًا ولا يمكن أن ينكر.
فقوله هنا: إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواهل هو إيمان دعوى أو إيمان حقيقة؟ الذي يظهر لنا أنه إيمان دعوى؛ يعني يقول: نؤمن بأن هذا شريك مع الله، يقولونه: بألسنتهم، أما في قرارة قلوبهم فلا نظن أن أحدًا ينكر أن الله سبحانه وتعالى واحد.
وقد يقال: إن المراد بقوله: إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواأن المراد توحيد الألوهية يعني يكفرون بتوحيد الإلوهية ويؤمنون بالشرك في الألوهية؛ لأنهم يؤمنون بأن هذه الآلهة تقربهم إلى الله زلفى، فإذا هم يؤمنون بالله ربًّا ويؤمنون بالأصنام شفعاء.
(وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُفي تعذيبكم لِلَّهِ الْعَلِيِّعلى خلقه الْكَبِيرِالعظيم) يعني: فبناء على أنكم في هذه الحال يكون حكمكم إلى الله، فالفاء حينئذ تكون إما للاستئناف وإما للتفريع على ما سبق؛ يعني فبناء على ذلك يكون الحكم في أمركم إلى الله، الحكم في تعذيبكم لله وحده، واللام تكون بمعنى الغاية أحيانًا كما تقول: (ولله ترجع الأمور) بمعنى إلى الله، وهنا (الحكم لله) أي: إلى الله، أي: أن حكمكم ينتهي إلى الله. ويحتمل أن يكون المعنى الحكم لله أي مُسْتَحَقٌّ له لا يشاركه فيه أحد.
الْعَلِيِّيقول المؤلف: (على خلقه) علو ذات وعلو صفة، فالله سبحانه وتعالى عال على خلقه في ذاته فوق كل شيء، وعال على خلقه في صفاته، قال الله تعالى: وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [الروم: ٢٧] المثَل يعني الوصف الأعلى في السماوات والأرض.
وعلو الله سبحانه وتعالى عُلُوًّا معنويًّا وهو علو الصفة أمر مُجْمَع عليه لم يخالف فيه أحد من أهل الملة حتى المعطلون الذين يُنكِرون صفات الله عز وجل إنما أنكروها بناء على تنزيههم لله عز وجل عن مشابهة المخلوقين وإن كانوا أخطؤوا الطريق، لكن هم يقولون: نحن نقول هذا تنزيهًا لله؛ ولهذا يسمون الذين يثبتون يسمونهم المشبهة، ويسمونهم المجسمة والحشوية وما أشبه ذلك، ويرون أنفسهم هم أهل التوحيد. فقصدي أقول: علو الصفة لم ينكره أحد من أهل الملة، حتى أهل البدع يقرون بذلك.
وأما علو الذات فهو محل الصراع بين أهل السنة والجماعة وبين أهل التعطيل، فأهل السنة والجماعة يؤمنون بأن الله تعالى عال على خلقه بنفسه. وأهل التعطيل ينكرون ذلك، ثم انقسموا إلى قسمين: قسم قالوا: إنه في كل مكان، إن الله في كل مكان، في السماء وفي الأرض، في الأسواق في المساجد، في البيوت، في كل مكان.
وقسم آخر قالوا: لا يوصف أنه في مكان، فلا يقال: فوق العالم، ولا في العالم، ولا تحته، ولا يمينه، ولا شماله، ولا متصل بالعالم، ولا مماسّ له، وهذا هو التعطيل المحض؛ لأننا لو أردنا أن نصف المعدوم لم نجد أبلغ من هذا الوصف.
إذن خالف في علو الذات طائفتان: الطائفة الأولى؟
طالب: (...).
الشيخ: كلهم معطلة، كلهم جهمية.
طالب: الطائفة الأولى قالت: إن الله في كل مكان.
الشيخ: إن الله في كل مكان.
طالب: الطائفة الثانية نفت وقالت: إن الله لا يوصف بمكان.
الشيخ: أحسنت.
الطالب: (...).
الشيخ: تمام، إذن خالف طائفتان: الطائفة الأولى قالت: إن الله في كل مكان بنفسه، وهذا -يا إخواني- حق يعني: قول قيل، لا تظنوا أنه تصور، فيه الآن مَنْ يعتقدون أن الله في كل مكان؛ إن جئت السوق وجدته في السوق، وإذا قالوا بالجبر قالوا: في السوق يبيع ويشتري، لأن فعل العبد منسوب إلى الله، فإذا كان في السوق هو في السوق وفعل العبد فعله صار يبيع ويشتري، نسأل الله العافية، هذا من لازم قولهم. إذا جئت المسجد كان في المسجد، عاد يصلي أو يقعد، لا ندري، إذا أتيت في أي مكان وجدته فيه، ونحن نَفْصِل هذا عن مسألة الجبر حتى لا نصل إلى نهاية سيئة جدًّا، نقول: هم يقولون: إن الله في كل مكان، حتى قال لهم أهل السنة: كيف يمكن أن تقولوا: إنه في أماكن القذر والأذى؟ قالوا: نقول إذا دخلت المكان أنت صار الله معك، أي مكان تدخله فالله معك.
القول الثاني عكس هؤلاء؛ قالوا: لا يصح أن يوصف الله بأي مكان، لا فوق ولا تحت ولا عن يمين العالم ولا عن شمال العالم ولا اتصال بالعالم ولا انفصال من العالم، وقد قال محمود بن سبكتكين لمحمد بن فورك وهو يناظره في هذه المسألة قال له: إذا قلت هذا فأثبت لنا ربك، إذا كان لا هو فوق ولا تحت ولا يمين ولا شمال ولا متصل ولا منفصل ولا مباين ولا محايز، أين يكون؟ لا يكون، هذا العدم تمامًا.
فالحاصل أن العلو قول المؤلف رحمه الله: (عَلِيُّ على خلقه) نقول: العلو نوعان علو صفة وعلو ذات، أما علو الصفة فهذا لم ينكر أحد من أهل القبلة حتى المبتدعة أنه منفي عن الله، كلهم يثبتون لله علو الصفة. لكن أهل التعطيل يرون التعطيل من باب التنزيه ورفع الله عز وجل، وأهل التمثيل كذلك يرون هذا من باب تعظيم الله عز وجل وإثبات حقيقته، وأما علو الذات فهو الذي انقسم فيه الناس إلى هذه الأقسام الثلاثة التي سمعتموها.
الْكَبِيرِقال: (العظيم) وهذا تفسير تقريبي، ولو قال: الكبير ذو الكبرياء لكان أقرب، فهو كبير عز وجل ذو كبرياء، وهو كبير أيضًا، كبير باعتبار ذاته لا يحيط به شيء من مخلوقاته، والسماوات السبع والأراضين السبع في يده كخردلة في يد أحدنا.
طالب: شيخ -بارك الله فيك- قلنا: إن الدعوة (...) وإذا بلغت الإنسان فيجب عليه أن يبحث، فهل يبلغ الناس أنه يجب عليهم أن يبحثوا، ثم كيف نقول لهم هذا وهم أصلًا كسالى ما يبحثون يعني جهلة لم..؟
الشيخ: نحن لا نتكلم عن العرب، العرب يفهمون الدعوة بمجرد أن تبلغهم. نتكلم عن قوم لا يفهمون المعنى، يجب عليهم أن يبحثوا، أما عوام الناس الآن فقد بلغتهم وفهموها؛ ولهذا يعرفون معنى لا إله إلا الله ويعرفون معنى محمد رسول الله، وما أشبهها.
طالب: (...) إن قال قائل في قول الله تبارك وتعالى: أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ [غافر: ١١]: يُقْصَد بها الموتتان: الموتة في الدنيا حين المنام، والموتة الأخرى في يوم القيامة؟
الشيخ: لا يصح؛ لأن موتة الدنيا في المنام ما هي مرتين أو ثلاث ولا أربع ولا مئة، الإنسان في الشهر ينام كم مرة؟ على الأقل ثلاثين مرة وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ [الأنعام: ٦٠]، فإذا بُعِثْنا من موتة الليلة البارحة جاءت الليلة الثانية، مِتْنَا ثانية، واللي وراءها؟ والذي ينام بعد صلاة الفجر، والذي ينام في القيلولة، والذي ينام بعد العصر، أربع ميتات في يوم واحد.
طالب: (...) بيمين ولا شمال (...) وصف نفسه (...)؟
الشيخ: لا، (...) ليس بيمين ولا بشمال، لكن وصف نفسه بما هو أحسن من هذا، لأنه لو قال: لا يمين ولا شمال صارت الصفة صفة سلبية، لكن إذا قال: وَهُوَ الْعَلِيُّ [البقرة: ٢٥٥] انتفى اليمين والشمال بوصفٍ ثبوتي لا بوصف سلبي، والوصف الثبوتي أكمل من الوصف السلبي؛ لأن دلالة الوصف السلبي على الإثبات دلالة التزام، قد ينكرها منكر ولا يلتزم بها.
طالب: (...) العدم، يعني يقول: إن الله لا فوق ولا تحت ولا يمين ولا شمال بماذا استدل؟
الشيخ: يقول: لأنك إذا أثبت أنه في جهة فقد جَسَّمْتَ جعلته جسمًا، إذا صار فوق معناه أنه جسم، يمين شمال كذلك، كل هذا فرارًا من التجسيم؛ والسبب أن الشيطان تلاعب بهم في الواقع، وإلا نقول لهم: ما هو التجسيم الذي تريدون أن تنفوه عن الله؟ تريدون أن الله ليس بشيء، فنحن لا نوافقكم، تريدون أن الله تعالى جسم موصوف بالصفات الكاملة فهو كذلك هو موصوف بالصفات الكاملة، لكن لا نطلق لفظ جسم على الله أبدًا، ورد في الحديث ما يدل على أنه يوصف بالشخص، ومع ذلك لا نقول: إنه شخص كأشخاص المخلوقين أبدًا لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١].
طالب: الذين (...) في أي مكان يستدلون بالآية: فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة: ١١٥].
الشيخ: هل هذا ينافي العلو حتى يكون دليلًا على عدمه؟ ألا يمكن أن يكون الشيء فوقك وهو أمامك؟ يمكن، هذا في المخلوق كيف بالخالق المحيط بكل شيء؟ ثم كيف نورد آية تحتمل على آيات محكمة لا تحتمل وهو العلو؟ انتبهوا يا إخواني لهذا، لأن أهل الباطل يوردون المتشابه على المحكم، ولا يحملون المتشابه على المحكم، يوردون المتشابه على المحكم ليناقضه، وليسوا يحملون المتشابه على المحكم ليكون محكمًا، وهذا هو البلاء قالت عائشة رضي الله عنها: إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سَمَّى الله فاحذروهم  هكذا روته عن النبي صلى الله عليه وسلم.
انتبهوا، وهذه مسألة أحب أن أنبهكم عليها؛ وهو أنه إذا وردت آيات متعارضة وأحاديث متعارضة فلا توردوها على أنفسكم على أنها متعارضة، أوردوها على أنفسكم على أنكم تطلبون الجمع بينها لتُوَفَّقوا للجمع، أما إذا أوردتم هذه على أنها متعارضة بقيت محل إشكال، وأنا دائمًا أنهاكم عن هذا، أقول: لا توردوا الآيات المتشابهة التي ظاهرها التعارض أو الأحاديث كذلك على أنها متعارضة، أوردوها على أنكم تريدون الجمع بينها لا أن بعضها معارض لبعض، حتى تُهْدَوا إلى الصراط المستقيم؛ لأن هناك فرقًا بين الإيراد وبين الرد، إيراد المتشابه على المحكم معناه أنه يطلب التعارض، لكن رد المتشابه إلى المحكم هذا معناه أنه حاول الجمع دون أن يتصور التعارض، وهذه المسألة كما تكون في الأمور العلمية تكون أيضًا في الأمور العملية، أحيانًا ترد عن النبي عليه الصلاة والسلام صفات في عبادة واحدة فيظن الظان أن هذا تعارض، لكن نقول: لا تقرأها ولا توردها على نفسك على أنها متعارضة، لا، أَوْرِدْها على أنك تجمع بينها، فتحمل هذه على وجه وهذه على وجه، وأكثر ما يكون الشك للطالب أنه يورد الآيات المتعارضة التي ظاهرها التعارض أو الأحاديث التي ظاهرها التعارض على أنها متعارضة، لكن لو أوردها على أنه يرد بعضها إلى بعض ويضم بعضها إلى بعض لوجد وجهًا ومخرجًا مما كان يظن، وهذا شيء جربوه إن شاء الله ستنتفعون به.
فالذين قالوا: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة: ١١٥] يدل على عدم العلو فيعارض أدلة العلو. نقول: من قال هذا؟ من قال: إنه يدل على عدم العلو؟ وإذا كان الشيء مقابلًا لك هل يلزم أن يكون محاذيًا لك؟ أبدًا، ما يلزم، قد تقول: هذا عن يميني وهو أسفل شيء، لكن مع الجهة اليمنى، وهذا عن يساري وهو أسفل شيء وهو عن الجهة اليسرى، كما جاء في حديث المعراج: «أَنَّ عَلَى يَمِينِ آدَمَ أَسْوِدَةٌ وَعَلَى يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ، فَإِذَا رَأَى إِلَى الْيَسَارِ بَكَى» اليسار هي نسم بنيه الكفرة في النار، وهذا في الأسفل، فلا يلزم من كون الشيء على يمينك أن يكون محاذيًا لك، ولا يلزم من كون الشيء فوقك أن يكون محاذيًا لك، ولا من كونه أسفل منك أن يكون محاذيًا لك، هذا ليس بلازم، لكن الذين في قلوبهم زيغ يتبعون ما تشابه منه لإيراد التشكيك.

***

الطالب: رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (١٥) يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦) الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [غافر: ١٥ - ١٧].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا [غافر: ١٣].
ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ [غافر: ١٢].. إلى آخره.
في هذه الآية فوائد؛ أولًا: إثبات الأسباب؛ لقوله: ذَلِكُمْ بِأَنَّهُفالباء للسببية وقد مر علينا كثيرًا أن أهل السنة والجماعة يثبتون الأسباب للمسبَّبَات، ولكن لا على أنها فاعلة بنفسها بل بما أودع الله فيها من القوى المؤثرة؛ تؤخذ من قوله: ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ؛ لأن الباء للسببية.
ومن فوائد الآية الكريمة: بيان ما عليه هؤلاء الكفار من كونهم إذا دُعِيَ الله وحده كفروا، وإذا أُشْرِكَ به أقروا هذا الشرك؛ لقوله: بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الحكم لله؛ لقوله تعالى: فَالْحُكْمُ لِلَّهِوليس لغيره. وحكم الله تعالى ينقسم إلى قسمين: كوني، وشرعي؛ فالكوني ما قضى به على عباده كونًا وتقديرًا، والشرعي ما قضى به على عباده شرعًا وتنظيمًا. والحكمان موجودان في القرآن جميعًا؛ فمن الحكم القدري قوله تبارك وتعالى: فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي [يوسف: ٨٠]، ومن الحكم الشرعي قوله تعالى: ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [الممتحنة: ١٠]. والفرق بينهما أن الحكم الشرعي يرضاه الله عز وجل، والحكم الكوني يتعلق فيما يرضاه وفيما لا يرضاه، والفرق الثاني أن الحكم الشرعي قد يقع من المحكوم عليه وقد لا يقع، وأما الحكم الكوني فإنه لا بد أن يقع، فإذا حكم الله على شخص بموت أو مرض أو فقر أو عاهة أو غير ذلك وقع ولا بد، إذا حكم الله على شخص بأن يؤمن ويعمل صالحًا فقد يقع وقد لا يقع.
وقوله: فَالْحُكْمُهنا يشمل الأمرين جميعًا، يستفاد من هذا أنه لا يجوز الحكم بالقوانين المخالفة للشريعة؛ لقوله: فَالْحُكْمُ لِلَّهِوهذه الجملة تفيد الحصر أي الحكم لله لا لغيره. والحكم بالقوانين المخالفة للشريعة قد يكون كفرًا وقد يكون ظلمًا وقد يكون فسقًا، كما ذكره الله عز وجل على هذه الوجوه الثلاثة في سورة المائدة وهي من آخر ما نزل؛ فإن وضع الحكم القانوني شرعًا نافذًا فهذا كفر؛ لأنه يقتضي رفع الحكم الشرعي وإحلال حكم آخر محله، وهذا كفر بما أَنْزَل الله محبط للعمل،؛ لأنه لا يمكن أن يرفع الحكم الشرعي إلا بعد كراهته إياه، وقد قال الله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ [محمد: ٩]، وعلى هذا فالذين يحكمون أممهم بالقوانين المخالفة للشريعة يُعْتَبَرون كفارًا يجب عليهم أن يتوبوا إلى الله وأن يحكموا بشريعة الله وإلا ماتوا كفارًا والعياذ بالله، ونحن لا نحكم لهذا الشيء لكل واحد بعينه؛ إذ قد يكون بعضهم مُلَبَّسًا عليه أو مُغَررًا به أو تكلم عنده من يثق به فَأَضَلَّه، قد يكون هذا الذي وضع القانون غَرَّه مَنْ يقول: إن الحكم الشرعي إنما يكون في ما بين الإنسان وبين ربه في العبادات والأحوال الشخصية والمواريث، وأما مسائل الدنيا فهي لأهل الدنيا، ويشبِّه بقوله صلى الله عليه وسلم: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْيَاكُمْ» .
فيأتي هذا الحاكم المسكين الذي لا يعرف عن الأمر شيئًا والذي خُدِعَ بمظاهر الدنيا وزخارفها فيظن أن هذا هو الحق، فيضع القانون المخالف للشرع، فمثل هذا لا نحكم بكفره؛ لأنه مُغَرَّر به مُؤَوَّل، لكن إذا بُيِّنَ له ثم أصر حكم بكفره.
أما الثاني: الحكم بغير ما أنزل الله الذي يكون ظلمًا فهو ما كان الحاملُ عليه حُبَّ الاعتداء على الغير، لا كراهة الشرع ولا الحكم بغير ما أنزل الله، لكن لكراهيته للغير حكم على الغير بغير ما أنزل الله ظلمًا وعدوانًا، فهذا له حكم الظلمة وليس له حكم الكافرين؛ لأنه ما كفر، يقول: أعرف ما جاء به الشرع هو الحق، لكن أريد أن أنتقم من هذا الرجل وأعتدي عليه فيكون هذا له حكم الظالم: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة: ٤٥].
أما القسم الثالث: فهو الذي حكم بغير ما أنزل الله لهوى في نفسه لا كراهة للحق ولا استبدالًا له بغيره، لكن يريد شيئًا في نفسه فحَكَم بغير ما أنزل الله، مثل أن يكون يهوى أن تكون له هذه الأرض أو هذه السيارة أو ما أشبه ذلك فيحكم بها لغرض، ليس قصده ظُلْمَ المحكوم عليه ولكن قَصْدُه اتباع الهوى، فيحكم فيكون بهذا من الفاسقين.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الحُكْمَ لله عز وجل في الدنيا والآخرة؛ ولهذا قَسَّم بعض العلماء الحكم إلى ثلاثة أقسام: كونيٍّ وشرعيٍّ وجزائي. الحكم الجزائي ما يكون في الآخرة، ولكن الصحيح أن الحكم الجزائي لا يخرج عن كونه حكمًا كونيًّا لأنه فعل الله وحينئذ لا حاجة إلى كثرة التقاسيم؛ لأنه كلما أمكن اختصار التقسيم كان أولى؛ ولهذا والله أعلم كان الرسول صلى الله عليه وسلم يأتي أحيانًا ويقول: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ» .
مع أن هناك آخرين لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، لكن كون الشيء يُجَزَّأ وتُقَلَّل أقسامُه يكون أقرب إلى الفهم؛ ولهذا يُفَرَّق بين أن تعطي الماء لشخص عطشان دفعة واحدة أو أن تعطيه إياه على دفعات، الثاني أهنأ وأبرأ وأمرأ كما جاء في الحديث أنه ينبغي للإنسان في شرابه أن يتنفس ثلاث مرات، الكأس مثلًا إذا كنت عطشان لا تشربه جميعًا تنفس فيه ثلاث مرات، اشرب ثم أَبِنِ الكأس عن فمك ثم رُدَّه ثم أَبِنْهُ ثم رده حتى يكون ذلك أهنأ وأمرأ وأبرأ.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العلو لله عز وجل؛ لقوله: الْعَلِيِّوهو علو بنفسه وعلو بصفته، فصفاته عُلْيا وهو نفسه سبحانه وتعالى فوق كل شيء.
وأدلة علو الله سبحانه وتعالى الذاتي خمسة أنواع: الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة؛ أما الكتاب فمملوء من ذلك، أي من دلالته على أن الله فوق كل شيء على وجوه متنوعة، تارة يصرح بأنه في السماء، وتارة يصرح بأنه استوى على العرش، وتارة يصرح بأن الأشياء تنزل منه، وتارة يصرح بأن الأشياء تُرْفَع إليه وتصعد إليه وتعرُج إليه، وكل هذا يدل على علو الله تعالى بذاته.
والسنة كذلك جاءت بأوجهها الثلاثة: قول، وفعل، وإقرار؛ فالقول ما كان الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «رَبُّنَا اللَّهُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ تَقَدَّسَ اسْمُكَ، أَمْرُكَ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ» ، وما كان يقول في سجوده: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى» .
والفعل إشارته صلى الله عليه وسلم إلى السماء حين قال: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ» .
والإقرار إقراره للجارية حينما قالت: إن الله في السماء لما قال لها: «أَيْنَ اللَّهُ؟» .
وأما الإجماع فقد أجمع السلف على أن الله تعالى عال بذاته فوق كل شيء، ودليل هذا الإجماع أنه لم يَرِد عنهم حرف واحد ينافي ما دل عليه الكتاب والسنة من علو الله، وهذا يدل على أنهم كانوا يقولون به، وهذا من الطرق التي ذكرناها لكم فيما سبق أنه لو قال قائل: ائتوا لنا بحرف واحد من السلف يقول: إن الله عال بذاته. نقول: لا حاجة أن نأتي لكم بذلك؛ لأن ورود ذلك في الكتاب والسنة من غير أن يأتي عنهم ما يعارضه يدل على قولهم به، وهم مُجْمِعُون على هذا.
وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله كلامًا قال فيه: والله يعلم أي بعد البحث التام ومطالعتي ما أمكن من كلام السلف لم أجد أحد منهم صرَّح بأن الله ليس في السماء وأن الأشياء لا تعرج إليه. وذكر نحو هذا، وعلى هذا فنقول: إن علو الله بذاته قد أجمع عليه السلف، فمن قال بغير ذلك فقد شاقَّ الرسول واتبع غير سبيل المؤمنين، ولكن الله اشترط قال: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى [النساء: ١١٥].
وأما العقل فدلالته على علو الله ظاهرة؛ لأننا نسأل أيما أعلى صفة العالي أو السافل؟ لقيل باتفاق العقلاء: إن العالي أكمل، وإذا ثبت أن العلو كمال وجب أن يكون ثابتًا لله عز وجل؛ لأن الله تعالى موصوف بصفات الكمال.
وأما الفطرة فاسأل عنها عجائز المسلمين. لا تسأل طلبة العلم. اسأل العجوز: أين الله؟ فتقول لك: في السماء، اسأل كل داعٍ إذا دعا أين يطير قلبه؟ إلى السماء. وهذه الفطرة هي التي ألجمت أبا المعالي الجويني حين قال له أبو العلاء الهمداني: يا شيخ، دعنا من ذكر العرش. لما قال أبو المعالي: إن الله كان ولا شيء. يعني: لا عرش ولا غير عرش وهو الآن على ما كان عليه. ماذا يريد؟ يريد نفي الاستواء، إذا كان ولا عرش وهو الآن على ما هو عليه لزم ألا يكون مستويًا على العرش. فقال له: يا شيخ دعنا من ذكر العرش -لأن دليل استوائه على العرش دليل سمعي- لكن أخبرْنا عن هذه الفطرة التي نجدها في نفوسنا؛ ما قال عارف قط: يا الله إلا وجد من قلبه ضرورة بطلب العلو. فلطم أبو المعالي على رأسه وقال: حيَّرني الهمداني؛ تحير لأن هذا أمر فطري، لا يمكن إنكاره أبدًا، إن كان الإنسان ينكر أن يكون بشرًا أنكر ما دلت عليه الفطرة.
فالحاصل أن علو الله بذاته دلَّ عليه الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة، وهو ولله الحمد لا يحتاج إلى منازعة، ولولا أن أهل البدع والتعطيل ألجؤوا أهل السنة إلى الحديث عنه ما احتاج إلى أن يتحدث الإنسان عنه؛ لأنه أمر فطري لا يحتاج إلى كبير عناء، لكن هؤلاء المتكلمون المبتدعون المعطلون المحرفون المنحرفون هم الذين ألجؤوا أهل السنة إلى أن يقولوا بمثل ذلك وأن يحاولوا إثبات هذه الأمور بما يستطيعون من الأدلة.
ومن فوائد الآية: إثبات الكبرياء لله والكِبَر؛ لقوله: الْكَبِيرِوالله تعالى يجمع بين الكبرياء والكِبْر والكِبَر في غير ما آية؛ قال الله تعالى: الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ [الرعد: ٩]، وهنا يقول: الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ؛ لأن بذلك يحصل الكمال المطلق العلو والكبرياء والكِبَر فيه كمال الكمال.

***

تفسير الآية (13)
00:42:46

ثم قال الله تعالى: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ [غافر: ١٣] هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْأي: يُظْهِر لكم آياته حتى تروها، والضمير يعود إلى الله، فهو الذي له الحكم وهو العلي الكبير، ومع ذلك لم يدع عباده هملًا، بل أراهم آياته حتى يؤمنوا.
فقوله: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِأي: يُظْهِرُها لكم حتى تَرَوْها عيانًا، والآيات هنا العلامات الدالة على معلومها، وهي أبلغ من المعجزات وما أشبهها.
وآيات الله سبحانه وتعالى نوعان: آيات كونية، وآيات شرعية؛ فالآيات الكونية هي مخلوقات الله عز وجل، والآيات الشرعية هي الوحي الذي جاءت به الرسل. كل المخلوقات آيات من آيات الله وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ [الذاريات: ٢٠، ٢١]، وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا [الروم: ٢١]، وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ [الشورى: ٢٩]، والأمثلة على هذا كثيرة كلها تدل على خالقها عز وجل وعلى تفرده بالخلق، وعلى حكمته وعلى رحمته، وعلى عزته إلى غير ذلك من معاني الربوبية التي تدل عليها هذه الآيات، وقد تكون آية واحدة تدل على عدة آيات وعلى عدة أوصاف. هذه الآيات الكونية قلت لكم: إنها شاملة لكل المخلوقات، وفي هذا يقول القائل:
فَوَاعَجَبَا كَيْفَ يُعْصَى الْإِلَهُ أَمْ كَيْفَ يَجْحَدُهُ الْجَاحِدُ
وَفِي كُلِّ شَـــــــــــــيْءٍ لَــــهُ آيَــــــــــــةٌ تَــــــدُلُّ عَــــــــلَى أَنَّــــهُ وَاحِدُ

كل شيء تأملْ فيه تجدِ الدلالة الكاملة على أن له خالقًا مدبرًا حكيمًا عليمًا إلى غير ذلك من معان الربوبية.
أما الآيات الشرعية فهي ما جاءت به الرسل وقد أرانا الله تعالى إياها وأعطى الرسل عليهم الصلاة والسلام من الآيات ما يؤمن على مثله البشر، فالرسل لم يَأْتُوا هكذا يقولون للناس: نحن رسل إليكم، بل أَتَوْا بالآيات الدالة على ما أرسلوا به وعلى مُرْسِلِهم.
هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِإذن الآيات تشمل الكونية والشرعية، البرق آية كونية: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا [الرعد: ١٢].
وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًاالتنزيل يكون من أعلى وهنا قال: مِنَ السَّمَاءِوهو العلو، وليس المراد بالسماء هنا السماء المحفوظة السقف المرفوع، بل المراد به العلو؛ لقوله تعالى: وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ [البقرة: ١٦٤]، فالمطر ليس ينزل من السماء السقف المحفوظ، وإنما ينزل من العلو من السحاب المسخر بين السماء والأرض وهذا أمر مشاهَد.
وقوله: رِزْقًاأي: ماء يكون به الرزق، فالذي ينزل ماء يكون به الرزق، فهو نفسه رزق أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ [الواقعة: ٦٨، ٦٩]، وبه يكون الرزق فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ [الأعراف: ٥٧] والثمرات أرزاق، والماء رزق يشرب، فهو رزق بكل حال.
وفي تقديم الآيات على إنزال الرزق من السماء دليل على أن النعمة الدينية أهم وأكبر من النعمة الدنيوية.
وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُقال المفسر: (هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِدلائل توحيده) يعني التي تدل على توحيده وغير ذلك مما تدل عليه من معاني الربوبية.
(وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًابالمطر) فالمؤلف رحمه الله يرى أن الرزق هو ما يَخْرُج بالمطر يعني النبات وما أشبه ذلك، ولكن ما ذكرناه هو الأصوب، أن المطر نفسه رزق؛ لأن الله قال: أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ، وأحيانًا يكون احتياج البدن إلى الماء أكثر من احتياجه إلى الأكل.
(وَمَا يَتَذَكَّرُيتعظ إِلَّا مَنْ يُنِيبُيرجع عن الشرك) وقوله: إِلَّا مَنْ يُنِيبُقال: (يرجع عن الشرك) وهذا لا شك أنه صحيح لكنه قاصر، فالصواب: مَنْ يُنِيبُمن يرجع إلى الله عز وجل من الشرك وغيره من المعاصي والفسوق فهو أعم مما قاله المؤلف.
من فوائد هذه الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل؛ لأنه يرينا الآيات.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن ما يرينا الله تعالى من آياته حُجَّة مُلْزِمة لئلا يقول قائل: نحن لم يأتنا آيات حتى نتعظ بها.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن المخلوقات والمشروعات كلها تدل على الخالق المُشَرِّع سبحانه وتعالى.
ومن فوائد الآية الكريمة: مِنَّةُ الله عز وجل بإنزال المطر من السماء وأنه رزق لنا.
ومن فوائدها: الحكمة في أن المطر ينزل من السماء، والله عز وجل قادر على أن يجعل للأرض أنهارًا تسير على سطح الأرض وتسقي ما شاء الله أن تَسْقِيَه، لكن المطر أنفع وأفضل؛ لأن المطر إذا نزل من أعلى شمل قِمَم الجبال فيشمل السهل والوعر والنازل والعالي، وهذه من الحكمة أن يكون المطر ينزل من فوق حتى يشمل الأرض كلها.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن ما تتغذى به الروح أهم مما يتغذى به البدن؛ لأنه قَدَّم إراءة الآيات على الرزق الذي ينزل من السماء، وهذا يدل على أنه أهم وهو كذلك، هذا هو الواقع؛ وذلك لأن فَقْدَ الغذاء البدني لا يكون فيه إلا شيء لا بد منه وهو الموت الذي لا بد منه، حتى لو كان الإنسان في أَنْعَمِ ما يكون من نعيم البدن وأترف ما يكون فلا بد أن يموت، لكن غذاء الروح هو الذي يحتاج إلى معاناة ومعالجة وبفقده يكون الهلاك في الدنيا والآخرة قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الزمر: ١٥]، قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٥] وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر: ١ - ٣].
إذن خسارة البدن دون خسارة الروح بكثير، خسارة الدنيا دون خسارة الدين بكثير؛ ولهذا قدم الله نعمته بإراءة الآيات على نعمته بإنزال المطر.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الآيات والرزق والعطاء لا ينتفع به إلا من أناب إلى الله، أما مَنْ لم يُنِبْ إلى الله فإن الله يقول: وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ [يونس: ١٠١].
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه كلما كان الإنسان أكثر إنابة إلى الله كان أقوى إيمانًا بالآيات؛ لأن الحكم المُعَلَّق على وصف يقوى بقوته ويضعف بضعفه، فإذا كان التذكر لمن ينيب فكلما كان الإنسان أقوى إنابة كان أقوى تذكرًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن مَنْ لم يكن عنده إنابة فإنه يُحْرَم من الانتفاع بالآيات؛ لأن الله قال: وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ.
ومن فوائدها: أن الإنابة إلى الله سبب لكثرة الرزق، ويدل لذلك قوله تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ [الطلاق: ٢، ٣]. والله أعلم.
طالب: لو قال قائل في قول الله تبارك وتعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة: ٤٥]، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [المائدة: ٤٧]: المراد به الكفر. كيف (...)؟
الشيخ: نجيب بأنه غلط، كيف يراد به شيء واحد ويكرِّرُه الله بألفاظ متعددة، والأصل أن اختلاف اللفظ يدل على اختلاف المعنى. لكن بعض العلماء قال: إن وصف الحاكم بالكفر لا يمنع من وصفه بالفسق؛ لأن الله تعالى وصف الكفار بالفسق فقال تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا [السجدة: ٢٠]، ووصف الكافرين بالظلم فقال: وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة: ٢٥٤] فجعل هذه الأوصاف الثلاثة جعلها لموصوف واحد، ولا مانع من أن يوصف الإنسان بعدة أوصاف، فالكافر لا شك أنه ظالم، ولا شك أنه فاسق خارج عن الطاعة، بل فسقه فسق مطلق، وفسق المؤمن العاصي فسق مقيد، ولكننا إذا جعلنا اختلاف هذه الألفاظ مُنَزَّلًا على أحوال كان أبلغ؛ لأننا نقول: الكفر متضمن للظلم والفسق، فدلالته عليه بالالتزام فيكون مجرد وصفنا إياه بالكفر هو وصف له بالظلم والفسق، ثم نستفيد فائدة جديد بالحكم بغير ما أنزل الله حيث يكون ظلمًا محضًا لا كفرًا، أو فسقًا لا كفرًا.
طالب: (...).
الشيخ: لا، أنا أقول: إن كوننا نجعل الاختلاف في اللفظ اختلافًا في المعنى أحسن لأن هذا هو الأصل، وقد قال العلماء في هذه المسألة: حمل الكلام على التأسيس أولى من حمله على التوكيد.
طالب: (...).
الشيخ: لا، ما قلنا هكذا، يقول إننا قلنا: أن ما ينزل من السماء فهو أعيان وأوصاف.
طالب: (...).
الشيخ: لا أبدًا ما قلنا هذا، هل نحن قلنا: ما ينزل من السماء، أو ما يضاف إلى الله مما أنزل؟ إي، فرقٌ بينه وهذا، فرق؛ لأنه على كلامك يقتضي أن الغنم تنزل من السماء، والبقر تنزل من السماء. قلنا: ما يضاف إلى الله إنزاله إما أن يكون أعيانًا وإما أن يكون أوصافًا، فإن كان أوصافًا فهو وصف لله، وإن كان أعيانًا فهو أعيان قائمة بنفسها.
طالب: قلنا: إن الروح (...) أوصاف (...).
الشيخ: ما هي أوصاف، الصحيح أن الروح جسم، لكنه جسم ليس كالأجسام المعروفة الكثيفة. إحنا قلنا: إن ما أنزله الله تعالى ينقسم إلى قسمين، والله تعالى لم يذكر أنه أنزل الروح.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، في قوله تعالى: ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواقال بعض أهل العلم: فيه متروك استُغْنِيَ عنه بدلالة الظاهر عليه ومجازُه ألا سبيل إلى ذلك أينما تريدون.
الشيخ: هذا قصده لما قالوا: فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍكأنه قال: لا سبيل إلى الخروج؛ لأنكم قدمتم لأنفسكم ما لا يمكن معه الخروج، وهو أنه إذا دُعِيَ الله وحده كفرتم وإن يُشْرَك به تؤمنوا.
طالب: العلماء يقولون: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة: ٤٤] قال: إذا استحله، أما إذا لم يستحلَّه فهذا غير كافر.
الشيخ: هو على كل حال الذي يضع القانون بدلًا عن القانون السماوي هل استحله أو لا؟
طالب: يقول: إن الشرع أفضل.
الشيخ: سؤالي: هل استحله أو لا؟ أقول: استحله بل رآه أفضل، فيكون كافرًا، مع أن من استحلَّ الحكم بغير ما أنزل الله وإن لم يحكم به فهو كافر، من قال: إنه يحل أن نحكم بغير ما أنزل الله فهو كافر وإن لم يحكم.
وهذه مشكلة، كثيرًا ما يلجأ بعض الناس إلى الاستحلال أو إلى الجحود، مثلًا يقول: مَنْ ترك الصلاة جاحدًا فقد كفر، هذا تحريف للكلم عن مواضعه، وهذه مسألة أخبركم بأنه يلجأ إليها المتعصب لقوله، فيحاول أن يلوي أعناق النصوص إلى ما يقول، فمثلًا: «مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ فَقَدْ كَفَرَ» الذين قالوا: لا يكفر ماذا عملوا؟ قالوا: مَنْ تركها جاحدًا لوجوبها فقد كفر، نحن نقول: سبحان الله! أنتم إذا فعلتم ذلك جنيتم مرتين على كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم: المرة الأولى حملكم الكلام على غير ظاهره، والمرة الثانية إثبات أمر لم يقله الرسول عليه الصلاة والسلام، الرسول قال: «مَنْ تَرَكَهَا» ولم يقل: من جحدها. هل في لسانه عِيٌّ أن يقول مَنْ جحدها؟! ثم نقول لكم: الجحد كفر وإن صلى، والرسول يقول: «مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ» لو أن الإنسان قال: إن الصلاة ليست بواجبة، ولكنه يواظب عليها وهو أول من يأتي للمسجد وآخر من يخرج يكفر ولا ما يكفر؟ يكفر. كيف تلغون وصف الترك وتأتون بوصف جديد تُعَلِّقُون به الحكم، وهذه مشكلة.
ولما قيل للإمام أحمد في قوله تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء: ٩٣] قالوا له: إن فلانًا يقول: هذا فيمن استحل قتل المؤمن. ضحك الإمام أحمد قال: سبحان الله! مَنِ استحل قتل المؤمن فهو كافر قتلَه أو لم يقتله. وهذا التحريف لا شك أنه مضحك. كذلك أيضا مَن استحلَّ الحكم بغير ما أنزل الله فهو كافر سواء حكم أم لم يحكم. والآية علقت الحكم بالحكم وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُأعرفت الآن؟
وهذه مسألة احذروها، احذورا تحريف الكلم عن مواضعه من أجل اعتقاد تعتقدونه، واجعلوا اعتقادكم وحكمكم على الشيء تابعًا للنصوص، لا تجعلوا النصوص تابعة، إذا جعلت النص تابعًا لما تعتقد فإن هذا هو اتباع الهوى تمامًا، اجعل نفسك بين يدي النصوص كالميت بين يدي الغاسل، تقلبك النصوص ولا تقلبها، هذا هو المؤمن، لكن قد يكون أحيانًا النصوص بعضها يقيد بعضًا أو يخصص بعضًا، أو الفقه بالشريعة يقتضي تقييد المطلق أو تخصيص العام وما أشبه ذلك، وهذا لا يخرج بنا عن اتباع النصوص.
تفسير الآيتين (14-15)
01:03:15
الطالب: رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (١٥) يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦) الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [غافر: ١٥ - ١٧].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [غافر: ١٤] لما بيَّن الله سبحانه وتعالى أنه أرانا آياته الكونية والشرعية أمرنا أن ندعوه وحده مخلصين له الدين؛ فقوله: فَادْعُوا اللَّهَقال المفسر: (فاعبدوه) وهذا أحد معنيي الدعاء، والمعنى الثاني دعاء المسألة، يعني اسألوه، والصواب أنه شامل للأمرين، أي دعاء المسألة ودعاء العبادة، فالعبادة تُسَمَّى دعاء كما في قوله تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر: ٦٠] قال: ادْعُونِيثم قال: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي، وأما دعاء العبادة فإن كل إنسان يدعو الله سبحانه وتعالى فإنه لا يدعوه إلا وهو يؤمن أنه بكل شيء عليم وأنه على كل شيء قدير فلهذا دعاه، فصار بذلك عابدًا له.
قال: فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَمخلصين حال من الواو في قوله: فَادْعُوا اللَّهَ، والإخلاص التنقية، تنقية الشيء تسمى إخلاصًا، والمعنى: نَقُّوا دينكم من الشرك.
وقوله: لَهُ الدِّينَالمراد بالدين العمل سواء كان عبادة أم دعاء، والدين يُطْلَق على العمل ويطلق على جزاء العمل، فقوله تعالى: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [الكافرون: ٦] هذا من باب إطلاق الدين على العمل. وقوله تعالى: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: ٤] هذا من باب إطلاق الدين على الجزاء، ويقال: (كما تدين تدان) أي: كما تعمل تجازى، فالدين هنا بمعنى العمل.
(مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَمن الشرك) كما قال المؤلف رحمه الله تعالى؛ أن ندعو الله تعالى مخلصين له الدعاء، وأن نعبده مخلصين له العبادة من الشرك، فلا نشرك به غيره لا في دعائنا ولا في عبادتنا.
(وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَإخلاصَكم) يعني: ادعوا الله مخلصين على كل حال سواء رضي الكافرون أم سخطوا، ومن المعلوم أنهم سوف يسخطون، لكن لا يهم أن يسخطوا علينا إذا أخلصنا الدين لله، وقول المؤلف: (وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَإخلاصَكم) ينبغي أن يقال: ولو كرهوا عملكم المخلص؛ لأن الإخلاص نية القلب، والكافر إنما يَكْرَه ما يظهر من عمل الإنسان، فالمعنى: ولو كره الكافرون عملكم الذي تخلصون فيه لله على رغم أنوفهم.
ثم قال: (رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ [غافر: ١٥] أي الله عظيم الصفات، أو رافع درجات المؤمنين في الجنة).
قوله: رَفِيعُمن الرفعة وهي العلو، فسَّرها المؤلف -رحمه الله وعفا عنه- بأحد معنيين؛ أن المراد بالرفعة العظمة والمراد بالدرجات الصفات، أي أن الله تعالى عظيم الصفات، والمعنى الثاني رفيع الدرجات أي رافع درجات غيرِه وهم المؤمنون في الجنة، وكلا المعنيين تحريف للكلم عن مواضعه؛ لأن رفيع اسم فاعل أو صفة مشبه فاعلها يعود على الله عز وجل المذكور في قوله: فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَوعلى هذا فلا يصح أن تفسر بأن المراد رافع درجات المؤمنين؛ لأنه على هذا التفسير تكون الدرجات درجات غيره، درجات المؤمنين، ولا يصح أن تُفَسَّر رفيع الدرجات بعظيم الصفات لما بينهما من الفرق العظيم. لكن المؤلف عفا الله عنه فسرها بهذا التفسير فرارًا من إثبات العلو الذاتي؛ لأنه ممن لا يرون ذلك أنه عال بذاته، فلهذا حرف القرآن إلى أحد هذين المعنيين وكلاهما باطل، والصواب أنه سبحان هو رفيع الدرجات، ويدل لهذا ويعينه قوله: ذُو الْعَرْشِأي: صاحب العرش، والعرش هو أعلى المخلوقات، فكأنه قال: رفيع الدرجات فوق العرش، وهذا هو المتعين.
وقول المؤلف: (خالقه) فيه أيضا إشارة إلى إنكار الاستواء؛ لأن معنى ذو العرش أي صاحبه المستوي عليه، هذا هو المعنى؛ ولهذا لا يقال: ذو الأرض ولا ذو السماء ولا ذو الجبال ولا ذو السحاب مع أنه خالقها. فتفسيره ذو العرش بخالقه لا شك أنه تحريف للكلم عن مواضعه فرارًا من إثبات الاستواء على العرش.
وتفسير الآية المتعيِّن أن نقول: إنه رفيع الدرجات أي هو نفسه عز وجل مرتفع، بل رفيع الدرجات أتى بالصفة المشبهة الدالة على الثبوت والدوام، والدرجات من الدرجات المعروفة أي ما كان بعضه فوق بعض حتى يصل إلى الغاية، وأما ذو العرش فمعناه صاحب العرش المختص بالاستواء عليه، هذا هو المتعين من الآية.
(يُلْقِي الرُّوحَالوحي مِنْ أَمْرِهِأي: قوله عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) إلى آخره يُلْقِي الرُّوحَالروح الوحي لقوله تعالى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا [الشورى: ٥٢]، وسمى الله تعالى الوحي روحًا؛ لأن به حياة القلوب.
وقوله: (مِنْ أَمْرِهِأي: قوله) وهذا جيد، هذا التفسير؛ يعني أن الوحي من قول الله عز وجل يقول فيسمع جبريل ثم ينزل به إلى من شاء الله سبحانه وتعالى.
وقوله: عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِولم يبين مَنْ هؤلاء، ولكننا نعلم أنهم الأنبياء؛ لأنهم هم الذين يُلْقَى إليهم الوحي سواء كانوا رسلًا أم غير رسل.
ثم إن قوله: عَلَى مَنْ يَشَاءُإطلاق المشيئة في كل موضع جاءت في القرآن مقيد بالحكمة، كلما رأيت الله يقول: (يشاء) فإنه مشيئة مقرونة بالحكمة؛ لقوله تعالى: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير: ٢٨، ٢٩]، ولقوله تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [الإنسان: ٣٠].
ومَنْ هؤلاء الذين يشاء الله تعالى أن يلقي عليهم الروح؟ بيَّنهم الله في قوله: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام: ١٢٤].
وقوله: مِنْ عِبَادِهِالمراد بالعباد هنا العبودية الخاصة، وهم الذين آمنوا بالله عز وجل بل ما هو أخص وهم الرسل.
لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِقال: (لِيُنْذِرَيخوف) واللام هنا للتعليل، والإنذار هو الإعلام المقرون بالتخويف؛ ولهذا قال المؤلف: (ليخوف) تفسيرًا بلازمه وإلا فإن الإنذار إعلام مقرون بتخويف.
وقوله: (الملقى عليه الناس) أفادنا المفسر رحمه الله أن فاعل يُنْذِرَهو الملقى عليه وهو الرسول، ولا شك أنه هو المنذر مباشرة، ويحتمل أن الفاعل يعود على فاعل يُلْقِي الرُّوحَوهو الله عز وجل؛ أي: لينذر الله. والحكمة من عدم ذكر الفاعل -والله أعلم- ليصلح الفعل للأمرين؛ أي ليكون صالحًا لأن يعود الإنذار إلى الله وأن يعود إلى الرسول، فإن عاد إلى الله فلأنه الأصل، وإن عاد إلى الرسول فلأنه المبلِّغ المباشر للإنذار.
وقوله: (الناس) هذا تقدير للمفعول الأول الذي هو مفعول يُنْذِرَ، لأن (ينذر) تنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر، المفعول الأول يكون محذوفًا أو المفعول الثاني يكون محذوفًا؛ قال الله تعالى: وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ [غافر: ١٨] هذا موجود فيه المفعولين جميعًا وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ [إبراهيم: ٤٤] كذلك المفعولان جميعًا، وقد يُحْذَف أحدهما إما الأول وإما الثاني لدلالة السياق عليه.
(لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِبحذف الياء وإثباتها) أي أن فيها قراءتين {التَّلَاقِي} بالياء، والتَّلَاقِبحذف الياء؛ أما إثبات الياء فلأنه الأصل، وأما حذف الياء فللتخفيف؛ مثل قوله تعالى: الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ [الرعد: ٩] أصلها المتعالي لكن حُذِفَت الياء للتخفيف، فهنا التلاق أصلها التلاقي وحذفت الياء للتخفيف.
ويوم التلاق هو يوم القيامة وعلل المفسر ذلك بقوله: (لتلاقي أهل السماء والأرض، والعابد والمعبود، والظالم والمظلوم فيه) أي في ذلك اليوم، ولو قلنا بمعنى أعم: لتلاقي الخلائق في ذلك اليوم؛ لأن كل شيء يلاقيه الآخر حتى الوحوش وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ [التكوير: ٥] فسُمِّي يوم التلاقي لتلاقي الخلق فيه، يحشر الله عز وجل الخلائق كلها في ذلك اليوم فيتلاقَوْنَ.
من فوائد هذه الآيات والتي قبلها: وجوب الإخلاص لله تعالى في الدعاء؛ لقوله: فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ. ودعاء غير الله فيما لا يقدر عليه المدعو يُعْتَبر من الشرك، ثم قد يكون شركًا أكبر وقد يكون شركًا أصغر بحسب الحال، فمن دعا قبرًا فهذا شرك أكبر، ومن دعا غيره ليحمل معه متاعه وما أشبه ذلك والغير لا يستطيع أن يحمل فهذا ليس بشرك أكبر، بل هو إما عبث وإما شرك أصغر، ومن دعا غائبًا لينقذه من شدة فهذا شرك أكبر؛ لأن هذا يُسَمَّى شرك السر؛ إذ أن الغائب لا يمكن أن يدعوه الإنسان إلا وهو يعتقد أن له تصرفًا في الكون، يتصرف وهو بعيد، بخلاف من دعا قريبًا وقال: يا فلان، احمل معي كذا، أعني على كذا، فهذا يدعوه ليقوم بشيء محسوس.
ومن فوائدها أيضًا: وجوب إخلاص العبادة لله؛ لأننا فسرنا الدعاء بدعاء المسألة ودعاء العبادة، وجوب إخلاص العبادة لله، فمن تَعَبَّد لغير الله استقلالًا فقد صرف شيئًا من أنواع العبادة لغير الله فيكون بذلك مشركًا شركًا أكبر، يعني: مَنْ صلى لشخص فإنه يكون مشركًا شركًا أكبر، أو ذبح لشخص تقربًا إليه وتعظيمًا له فإنه يكون مشركًا شركًا أكبر مخرجًا عن الملة.
وأما إذا فعل العبادة لله لكن راءى فيها أو سَمَّع فهذا لا يكون مشركًا شركًا أكبر، ولكنه مشرك شركًا أصغر، وعبادته مردودة عليه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه عن ربه: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ؛ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» .
ثم اعلم أن الرياء إذا طرأ على القلب فإن كان قبل الدخول في العبادة أبطلها من أصلها؛ لأنه دخل فيها على شرك، وإن كان في أثناء العبادة فإن كان آخرُها ينبني على أولها بطلت، وإن كان لا ينبني على أولها بحيث يصح أن يُمَيِّز الأول عن الثاني فإنه لا يصح ما فيه الرياء ويصح ما سبق الرياء.
مثال الأول: إذا دخله الرياء في أثناء الصلاة في الركعة الثانية فإن الصلاة تبطل كلها؛ لأنه إذا بطلت الركعة الثانية لزم بطلان الركعة الأولى، لأن الصلاة لا تتبعض.
ومثال الثاني: رجل أعدَّ مئة صاع للصدقة بها فتصدق بخمسين صاعًا صدقة خالصة ثم دخله الرياء في الأصواع الباقية، فهنا تبطل الأصواع الباقية أما الأولى فتصح؛ وذلك لأن هذه العبادة -أعني الصدقة- تتبعض ولا ينبني آخرها على أولها، حتى لو فُرِضَ أنها مما عَيَّنَهُ الشرع كإطعام ستين مسكينًا مثلًا في الكفارة، فأطعم ثلاثين مسكينًا بإخلاص ثم بعد ذلك دخله الرياء فإن ما سبق الثلاثين الأخيرة يكون مجزيًا؛ هذا إذا استرسل مع الرياء وأما إذا طرأ عليه الرياء فدافع وما زال جاهدًا في مدافعته فإنه لا يضره شيئًا؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَل أَوْ تَتَكَلَّمْ» . وهذا لم يعمل ولم يتكلم، بل ربما أنه لم يحدث نفسه لكن هاجمه الرياء.
فصار الآن مَنْ فعل العبادة لغير الله -يعني تَعَبَّد لغير الله- فحكمه شرك أكبر أو أصغر؟ أكبر. ومن فعل العبادة لله لكن دخلها الرياء.
طالب: (...).
الشيخ: شرك؟ ما فيه تفصيل ولا..؟
طالب: إن كان قبل (...) العبادة بطلت، وإذا جاء..
الشيخ: بس، حط لنا التفصيل (...)..
الطالب: أما إذا كان في أثنائها ففيها التفصيل.
الشيخ: وهو؟
طالب: إن كان (...) العبادة (...).
الشيخ: أو بالعكس؛ آخر العبادة ينبني عليه أولها ولو سبق، كيف ينبي عليها؟ إن كان أخرها ينبني على أولها بمعنى أنها لا تتبعض.
الطالب: (...) لا تتبعض بطلت، وإن كان آخرها لا ينبني على أولها..
الشيخ: بأن كانت تتبعض.
الطالب: بطلت في (...) الرياء.
الشيخ: وما سبقه فهو يصح. صحيح كلامه؟
طلبة: صحيح.
الشيخ: طيب، قيدنا هذا التفصيل بماذا؟
طالب: إذا استرسل..
الشيخ: إذا استرسل مع الرياء واستمر المرائي، طيب، فإن دافعه؟
الطالب: فلا شيء عليه.
الشيخ: فلا شيء عليه ولا يضره ذلك.
من فوائد هذه الآية الكريمة: مراغمة الكفار في الإخلاص لله بالعمل وفي العمل؛ لقوله: وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَوينبني على ذلك أنه يجب على الإنسان أن يقوم بالواجب ولو كره ذلك غيره، ولا يحابي أحدًا في هذا، فمثلًا إذا كره أبو الشاب أن يصلي ابنه مع الجماعة -كما يوجد الآن- فهل يداهن أباه في ذلك؟ لا، يصلي مع الجماعة ولو رغم أنف أبيه، ولو كره ذلك.
ولو وصل الشاب رحمه كعمه وخاله وما أشبه ذلك، وكان بينه وبين أبيه عداوة شخصية فكان يكره لابنه أن يصل أقاربه الذين يكرههم أبوه، فهل يواصلهم ولو كره أو لا؟ نعم، يواصلهم ولو كره، لكن في هذه الحال يداري أباه، بمعنى أنه يكتم عنه أنه وصلهم لتحصل المصلحة بدون مفسدة، وهناك فرق بين المداراة والمداهنة، المداراة أن يفعل الإنسان ما يلزمه مع التكتم عن الشخص الآخر الذي يكره؛ ولهذا سميت مداراة من الدرء وهو الدفع.
وأما المداهنة فأن يوافقه في ترك ما يجب مداهنة له، مأخوذة من الدُّهْن؛ لأنه يُلَيِّن.
فعلى كل حال نقول: يتفرع على هذه الفائدة أن الإنسان يفعل ما يلزمه ولو كره ذلك غيره ولو كان الكاره أقرب أحد إليه.
ثم قال: رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ [غافر: ١٥].. إلى آخره.
من فوائد هذه الآية: إثبات علو الله عز وجل خلافًا للمؤلف المفسر؛ لقوله: رَفِيعُ الدَّرَجَاتِونقصد بالعلو علو الذات، أما علو الصفة فقد أَقَرَّ به المؤلف بقوله: (أي عظيم الصفات) ففي هذه الآية إثبات علو الذات ذات الله عز وجل؛ لقوله: رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ.
وهذا مر علينا كثيرًا وبَيَّنَّا أن الأدلة الخمسة كلها تدل على علو الله: الكتاب، والسنة، وإجماع السلف، والعقل، والفطرة.
ومن فوائد الآية الكريمة: فضل العرش؛ لقوله: ذُو الْعَرْشِفإن اختصاص العرش بالله عز وجل لا شك أنه فضل عظيم.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العرش؛ لقوله: ذُو الْعَرْشِ.
ومن فوائدها: إثبات عظمة الله؛ لأن العرش يختص بالملك والسلطان، فلا يقال للرجل الجالس على الكرسي: إنه على عرش، لكن يقال للملك والسلطان الجالس على الكرسي الفخم العظيم يقال له: صاحب عرش.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات مِنَّة الله سبحانه وتعالى على مَنْ يشاء بالوحي؛ لقوله: يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ.
ومن فوائدها: أن الوحي روح تحيا به القلوب؛ لقوله: يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ.
ومن فوائدها: إثبات القول؛ لقوله: مِنْ أَمْرِهِوالله سبحانه وتعالى يقول ويتكلم متى شاء بما شاء كيف شاء، لا نحجر على ربنا سبحانه وتعالى في الكلام لا وقتًا ولا كيفية، بل له أن يتكلم بما شاء متى شاء كيف شاء.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المشيئة؛ لقوله: عَلَى مَنْ يَشَاءُ.
ومن فوائدها: أن مرتبة النبوة لا تُنال بالكسب والفتوة -كما قال السفاريني في العقيدة- وإنما هي فضل من الله سبحانه وتعالى على مَنْ يشاء من عباده.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن العلماء لهم حظ ونصيب من الروح التي يُلْقيها لله تعالى على الرسل؛ لأنهم ورثة الأنبياء، فلهم حظ ونصيب من هذه الروح التي يلقيها الله على من يشاء، لكن لهم حظ من هذه الهداية هداية الدلالة والبيان، ثم قد يكون لهم حظ من هداية التوفيق وقد لا يكون؛ لأن العالم قد يعمل بعلمه فيكون له حظ من الهدايتين هداية الإرشاد وهداية التوفيق، وقد لا يعمل بعلمه فيكون له حظ من هداية العلم والإرشاد، لكنها صارت وبالًا عليه حيث خالف مع العلم بالحق، وهذا أشد ممن خالف بدون علم بالحق.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الوحي الذي يُنْزِلُه الله عز وجل على مَنْ يُنْزِلُه من عباده الحكمةُ منه إنذار الناس يوم القيامة: لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ.