لأن العالم قد يعمل بعلمه فيكون له حظ من الهدايتين؛ هداية الإرشاد وهداية
التوفيق، وقد لا يعمل بعلمه فيكون له حظ من هداية العلم والإرشاد، لكنها صارت
وبالًا عليه، حيث خالف مع العلم بالحق، وهذا أشد ممن خالف بدون علم بحق.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الوحي الذي ينزله الله عز وجل
على من ينزله من عباده الحكمة منه إنذار الناس يوم القيامة لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ [غافر: ١٥].
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الحكمة لله، وأن أفعاله
مقرونة بالحكمة؛ لقوله: لِيُنْذِرَ، وما أكثر لام
التعليل و(من) التعليلية في القرآن، وكذلك في السنة، وكلها تدل على إثبات الحكمة
لله.
وقد ذكر بعض العلماء أن الحكمة دل عليها ألف دليل من الكتاب والسنة، فلا
تحصَى الأدلة المثبتة لحكمة الله سبحانه وتعالى فيما يفعل، خلافًا لمن قال: إنه
يفعله لمجرد المشيئة، لا لحكمة، فإن هذا إبطال لصفة من أعظم صفات الله؛ لأن هذا
يستلزم أن يكون فعله عبثًا لغير غاية محمودة.
ومن فوائد
هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي لمن آتاه الله علمًا أن يكون منذرًا، يعني
يجمع بين العلم والتفقيه في الدين وبين الإنذار؛ لأنه إن اقتصر على مجرد التعليم
الفقهي مثلًا، أو التوحيد بدون أن يحرك القلوب؛ لم يستفد الناس منه كثيرًا، فلا بد
أن يكون هناك إنذار من أجل تحريك القلوب، وكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا
خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش،
يقول: «صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ» .
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التحذير من خزي يوم القيامة؛
لأنه يوم التلاقي، ولا شك أن العقوبة إذا كانت لا يطلع عليها إلا قليل أهون مما إذا
اطلع عليها الكثير، فكيف إذا اطلع عليهم الخلق كلهم؟ تكون أشد وأعظم.
ومن فوائدها: إثبات قدرة الله سبحانه وتعالى، حيث يجمع الله
الخلق كلهم على صعيد واحد بعد الموت، والله سبحانه وتعالى عل كل شيء قدير.
ثم
قال تعالى: يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَإلى آخره [غافر:
١٦].
طالب: (...).
الشيخ:
إذا بطلت العبادة لا (...) صحيحة، يعني يسأل يقول: رجل دخل في الصلاة مخلصًا، فحضر
إنسان فراآه، ثم ذهب الإنسان، فعاد إلى الإخلاص.
نقول: هذا تبطل عبادته؛ لأن
مراقبته لغير الله أشد من مراقبته لله عز وجل، لم يراقب الله إلا حين ذهبت رقابة
الناس، فهذا عبادته باطلة ولا شك، ولعله إن جاء آخر يحدث رياء، وإذا ذهب ذهب
الرياء، فإن جاء آخر..
طالب: إذا دخل المرء في الصلاة
مرائيًا ثم دافع الرياء فهل تصح؟
الشيخ: هل هو مطمئن
للرياء أولًا ولَّا لا؟
الطالب: هو بدأ
مرائيًا.
الشيخ: إي أسألك هل هو حين بدأ مطمئنًّا
للرياء وإلا دخل عليه الرياء وهو ما يزال يدافعه؟
الطالب: مطمئن.
الشيخ: إذن ما تنعقد
عبادته، لا تنعقد عبادته.
لكن هنا مسألة؛ لو أن الرجل حسَّن عبادته لتعليم
الناس، لم يقصد أن يمدحوه على عبادته، أو يتقرب إليهم بالعبادة، لكن من أجل أن يتخذ
الناس منه أسوة، فهل يدخل في الرياء؟ لا، هذا يدخل في التعليم، وهو مأجور على ذلك،
لكن فرق بين هذا وبين شخص آخر يريد أن يمدحه الناس على صلاته.
طالب: بارك الله فيكم، هل من الرياء يظهر الإنسان يعني بعض ما
عنده من أجل ألا يُذم، أو..
الشيخ: يعني دفع
الملامة؟
الطالب: نعم.
الشيخ: فيه حديث: «رَحِمَ اللهُ امْرَأً
كَفَّ الْغِيبَةَ عَنْ نَفْسِهِ» ،
وفيه أيضًا: الرسول عليه الصلاة والسلام لما خرج لصفية يقلبها ليلًا، فمر به رجلان
من الأنصار فأسرعا، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «عَلَى رِسْلِكُمَا، إِنَّهَا صَفِيَّةُ» ؛
دفعًا للملامة عن نفسه، هو مخلص لله، لكن يريد مع ذلك أن يدفع الملامة عن نفسه؛
لئلا يقال: إنه بخيل مثلًا، أو لئلا يقال: إنه لا يصلي مع الجماعة وما أشبه ذلك،
وأصل النية لله، لكن دفع الملامة لا ليمدح، فبينهما فرق؛ بين من قصده المدح أو من
قصده دفع الملامة.
طالب: بعض الناس يقول في إضافة: ذو
العرش، يقول: إنها إضافة تكريم فقط، وليست إضافة علو، كيف الرد عليهم؟ كقولهم: ناقة
الله، و..
الشيخ: هذه عكس ناقة الله، لأن ناقة الله
أضيف فيها المخلوق إلى الخالق، وهذه أضيف فيها الخالق إلى المخلوق.
الطالب: قلنا :إضافة تشريف.
الشيخ:
ما (...) اللي مثل ناقة الله، لو قال: عرش الله، أما هذه عكس.
طالب: ما المراد بالدرجات؟
الشيخ:
الدرجات سمعت ما قلت فيها؛ أنها معناها التي ينتقل الإنسان فيها مرحلة مرحلة إلى
غاية العلو.
الطالب: (...).
الشيخ: (...) معناها المصعد اللي يصعد فيه الإنسان، يعني أنه
رفيع، هذا معناه، أنه رفيع، فأنت إذا قلت: فلان رفيع الدرجات فربما تقول: رفيع
الدرجات لو كان على الطيارة ما فيه درج.
طالب: هل نفي
الصفات كفر؟
الشيخ: لا، نفي الصفات ينقسم إلى قسمين:
نفي جحود: هذا كفر، ونفي تأويل: هذا منه ما هو كفر ومنه ما هو دون ذلك.
فإذا قال
القائل: إن الله لم يستوِ على العرش فهذا أيش؟
طلبة:
كفر.
الشيخ: ليش؟ لأنه كفر جحود، جحد؛ كذب
الخبر.
وإذا قال: إن الله استوى على العرش لكن معنى استوى استولى، فهذا كفر
تأويل، وكفر التأويل قد يكون كفرًا مخرجًا عن.. يعني جحد التأويل قد يكون كفرًا
مخرجًا عن الملة، وقد يكون دون ذلك حسب ما تقتضيه القواعد الشرعية.
طالب: التمني يا شيخ هل يدخل في الرياء؟
الشيخ: تمني أيش؟
الطالب: يعني مثلًا
لو كان يقرأ في القرأن مثلًا وتمنى في نفسه لو أن فلانًا يسمع قرأته.
الشيخ: ليش؟
الطالب: لشيء مثل الدنيا
مثلًا، غرض ما.
الشيخ: هذا رياء، يعني ليقول: إنه قارئ،
وإنه عابد، هذا رياء، لا شك أنه رياء؛ لأنه هو الآن في قلبه أنه لو كان فلان حاضرًا
لراآه، لكن يجب أن تعلم أن النية لا تصل إلى درجة العمل؛ لا في الثواب ولا في
العقاب.
طالب: (...).
الشيخ: لا يضر، هذا لا يضر، بل هذا من عاجل بشرى المؤمن؛ أن يجد
الإنسان ثواب عمله مقدمًا والثواب الأخروي في الآخرة.
طالب: (...).
الشيخ: لا، تأويل؛
لأنهم يقولون: لو فعل لحكمة لفعل لغرض، ولا يفعل للغرض إلا من كان محتاجًا للغرض،
شبهه!
فيقال: هل هذه الحكمة لأمر يعود لنفسه أو يعود لعباده، ثم إذا كان عائدًا
لنفسه فهو أهل للثناء، إذا كانت الحكمة صفة كمال في نفسه فهو أهل للثناء عز وجل،
وأيما أكمل: من يفعل لا لحكمة أو من يفعل لحكمة؟ لا شك أن الثاني أكمل.
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦) الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٧) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (١٨) يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩) وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [غافر: ١٦ - ٢٠].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (١٥) يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [غافر: ١٥، ١٦].
قوله تعالى: لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ [غافر: ١٥] أين المفعول الثاني أو الأول؟
طالب: (...).
الشيخ: التقدير؟
الطالب: (...).
الشيخ: ما معنى يَوْمَ التَّلَاقِ؟
الطالب: (...).
الشيخ: ومتى يكون ذلك؟
الطالب: (...).
الشيخ: يوم القيامة، أحسنت.
قال الله تعالى: يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ [غافر: ١٦].
يَوْمَهذه بدل من يوم الأولى، يَوْمَ التَّلَاقِ (١٥) يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ [غافر: ١٥، ١٦].
وقوله: هُمْ بَارِزُونَمبتدأ وخبر، والجملة في محل جر بالإضافة، إضافة يوم إليها.
وبَارِزُونَقال المفسر: (خارجون من قبورهم) ولكن المعنى أخص مما قال، بل المعنى: يوم هم بارزون؛ أي: ظاهرون ليس لهم ظل يظلهم؛ لا من شجر ولا حجر، ولا بيت ولا غيره؛ لأن البارز هو الظاهر الذي لا يحجبه دونه شيء، وهم بارزون في ذلك اليوم، وتدنو الشمس منهم مقدار ميل، ويعرق الناس في ذلك اليوم على قدر أعمالهم، منهم من يصل العرق إلى كعبيه، ومنهم من يصل إلى ركبتيه، ومنهم من يصل إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجامًا على حسب أعمالهم.
ولَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ [غافر: ١٦] أي: لا يستتر على الله منهم شيء، ولا يغيب عن علمه منهم شيء، بل هو محيط بهم إحاطة تامة، كما أنه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء من قبل ذلك أيضًا؛ لأن الله تعالى محيط بكل شيء علمًا.
لكن قال هنا: لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ [غافر: ١٦] لأجل تمام التخويف.
لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [غافر: ١٦]
لِمَنِ الْمُلْكُهذه مقول قول محذوف، التقدير: يقال: لمن الملك اليوم.
والقائل هو الله عز وجل؛ فإنه تعالى يقبض السماوات بيمينه وبيده الأخرى الأرض ويهزهن، ويقول: أنا الملك أين ملوك الدنيا، ويقول أيضًا: لمن الملك اليوم؟ فيجيب نفسه: لله الواحد القهار.
قال: (يقوله تعالى ويجيب نفسه) لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [غافر: ١٦] (أي: لخلقه).
فقوله: لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِخبر مبتدأ محذوف، التقدير: الملك لله الواحد القهار.
والواحد يعني الذي لا ثاني له، لا في ذاته ولا في أفعاله ولا في أحكامه ولا في صفاته سبحانه وتعالى.
وقوله: الْقَهَّارِصيغة مبالغة من القهر، وهو الغلبة، فهو قهار لكل شيء.
والمفسر قال: (أي: لخلقه).
في هذه الآية من الفوائد أولًا: أن الناس يبرزون في يوم القيامة، لا يضلهم شجر ولا مدر ولا بناء ولا جبل ولا غير ذلك؛ لقوله: يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ [غافر: ١٦].
ومن فوائدها، من فوائد هذه الآية: أنهم في ذلك اليوم لا يخفى على الله منهم شيء؛ لأنه محيط بهم علمًا وقدرة وسلطانًا.
فإن قال قائل: هل يُستثنى من قوله: يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَأحد؟
قلنا: نعم، يُستثنى من يظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وهم سبعة، بل هم أكثر، بلغوا إلى واحد وعشرين رجلًا، لكن النبي صلى الله عليه وسلم جمع سبعة في سياق واحد.
طيب، يُستثنى من ذلك مَن يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وقد جمع النبي عليه الصلاة والسلام منهم سبعة في حديث واحد، وهو حديث مشهور معروف: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ؛ إِمَامٌ عَادِلٌ» إلى آخره.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الملك، بل جميع الأملاك تتلاشى في ذلك اليوم، فلا فرق فيه بين مالك ومملوك، وسيد ومسود، وحر وعبد، وذكر وأنثى، ليس لأحد في ذلك اليوم ملك، ولهذا قال: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَفيقول: لِلَّهِ [غافر: ١٦].
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من أسماء الله الواحد، والواحد هو المتفرد الذي لا ثاني له، قال الله تعالى: لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ [النحل: ٥١].
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من أسماء الله القهار؛ لقوله: الْقَهَّارِ [غافر: ١٦].
ومن فوائدها: إثبات صفتين من صفات الله، دل عليهما قوله: الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [غافر: ١٦] الصفة الواحد، وفي القهار القهر.
ويترتب على ذلك من الناحية المسلكية: أن الإنسان إذا اعتقد بأن الله سبحانه وتعالى واحد لم يلتفت إلى أحد سواه، وإذا اعتقد أن الله قهار خاف من قهره، واستعان بقهره على عدوه، فيستفيد من هذه العقيدة أن يخاف من قهر الله، وأن يستعين بقهر الله على عدو الله وعدوه.
***
ثم قال تعالى: الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ [غافر: ١٧]
الْيَوْمَظرف متعلق بأيش؟ بـتُجْزَى، والظرف والجار والمجرور لا بد لهما من متعلق؛ لأنهما لا يقعان إلا معمولين أو معمولًا فيهما، لذلك لا بد لهما من عامل يتعلقان به.
قال: الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ، تُجْزَىأي: تكافأ؛ لأن الجزاء بمعنى المكافأة، جازيته على عمله أي كافأته عليه، فمعنى تجزى أي تكافأ كل نفس بما كسبت من خير وشر، ولكن هذا الجزاء في الآخرة يختلف عن جزاءات الدنيا التي يجازى به الناس بعضهم من بعض.
فالجزاء هناك لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [غافر: ١٧].
لَا ظُلْمَ(لا) نافية للجنس، وظلم اسمها.
قال أهل النحو: والنفي للجنس ينفي هذا الجنس مطلقًا، أي: قليله وكثيره، واحده ومتعدده.
ولهم (لا) أخرى يسمونها نافية الوحدة، ونافية الوحدة لا تعمل عمل (إن)، بل تعمل عمل (ليس)، تقول: لا رجل في الدار، أي ليس في الدار رجل واحد، بل ثلاثة رجال مثلًا، أما إذا أردت الجنس فقل: لا رجل في الدار، أي: لا واحد ولا متعدد.
وهي –أي: النافية للجنس- نص في العموم، أي أنها دالة على العموم بالنص، فيكون لَا ظُلْمَ الْيَوْمَأي: لا ظلم واقع من الله، ولا ظلم واقع من الخلق بعضهم لبعض، بل كل واحد من الخلق يفر من الآخر لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ.
إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [غافر: ١٧] أي: سريع محاسبة الخلائق على أعمالهم.
وبين المفسر -رحمه الله- هذه السرعة فقال: (يحاسب جميع الخلق في قدر نصف نهار من أيام الدنيا؛ لحديث ورد في ذلك) يحاسب جميع الخلائق كلهم في مقدار نصف يوم، لكن من أيام الدنيا؟! هذا يحتاج إلى تحقيق؛ لأن يوم القيامة يوم مقداره خمسون ألف سنة، يفرغ الله سبحانه وتعالى من حساب الخلائق في نصف ذلك اليوم، ولهذا قال الله تعالى: أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا [الفرقان: ٢٤]، ومعلوم أن القيلولة تكون في نصف النهار، وهذا يدل على أنه لا ينتصف النهار إلا وقد فرغ الله سبحانه وتعالى من الخلائق من حسابهم، وصار كل واحد إلى ما آل إليه، لكن هل هو كيوم الدنيا أو هو يوم القيامة الذي مقداره خمسون ألف سنة.
في الآية الكريمة هذه: إثبات الجزاء؛ لقوله: الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ [غافر: ١٧].
وفيه: أن كمال الجزاء يكون ذلك اليوم، وذلك أن الجزاء قد يكون في الدنيا، قد يجازي الله الإنسان في الدنيا فيعطيه بالحسنة حسنات، ويؤاخذ الظالم بظلمه، وهذا واقع كثيرًا، قال الله تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى: ٣٠]، وهذا يدل على أن الإنسان قد يجازى في الدنيا على عمله، لكن الجزاء الأكمل الأوفى يكون يوم القيامة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن النفس لا تجازى إلا بما كسبت، وبماذا يكون الكسب؟ يكون الكسب إما بالقول، وإما بالعمل، أما مجرد النية فليست كسبًا، أو مجرد حديث النفس فليس بكسب، فالكسب قول أو عمل، وأما مجرد حديث النفس فليس بكسب؛ لأن الإنسان لم يركن إليه، ودليل ذلك: قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِى مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ» .
ومن فوائد الآية الكريمة: على قول بعض العلماء أن إهداء القرب لا يصح، يعني: لو عملت عملًا صالحًا وأهديته إلى غيرك فإنه لا يصح؛ لأن الغير الذي أهديته له لم يكسبه إلا ما دلت السنة عليه، فهو مستثنى، وإلى هذا ذهب كثير من العلماء أنه لا يُهدَى من القرب إلا ما جاءت به السنة.
وذهب آخرون إلى جواز إهداء جميع القرب، وقالوا: إن ما وردت به السنة قضايا أعيان، إذا ثبت الحكم فيها ثبت في نظيرها؛ لأن الشريعة لا تفرق بين متماثلين، وقد وردت السنة بإجزاء العبادات المالية والبدنية والمركبة من مال وبدن.
أما العبادات المالية ففي قصة الرجل الذي قال: يا رسول الله، إن أمي افتُلِتَت نفسها -افتلتت يعني: أخذت بغتة- وإنها لو تكلمت لتصدقت، أفأتصدق عنها؟ قال: «نَعَمْ» .
وكذلك سعد بن عبادة رضي الله عنه كان له مخراف -أي: بستان يخرف- فتصدق به على أمه بإذن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. هذه العبادة المالية.
أما العبادة البدنية فقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» ، وهذه عبادة بدنية محضة.
وأما المركبة منهما فالحج، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام للمرأة التي سألته عن أمها: إنها ماتت (...) أن تحج، قال: «حُجِّي عَنْهَا» .
وهذا مذهب الإمام أحمد، أعني جواز إهداء القرب إلى الغير بشرط أن يكون المهدى إليه مسلمًا، أما إن كان كافرًا فإنه لو أهدي إليه لا تُقبل؛ لأن الكافر لا يُقبل له عمل؛ لا من نفسه ولا من غيره.
وهذا القول أقرب إلى الصواب من القول بالمنع.
ولكن مع ذلك لا نحبذ أن الإنسان يهدي إلى أمواته شيئًا؛ لأن هذا لم يكن من عادة السلف، ولا سيما الإكثار منه كما يفعله بعض الناس اليوم، تجد بعض الناس في رمضان يختم القرآن عدة مرات، كل ختمة يجعلها لواحد من أقاربه، هذه لأمه، وهذه لأبيه، وهذه لأخيه، وهذه لعمه، وما أشبه ذلك، هذا في الحقيقة خلاف عادة السلف.
ونقول: إن أردت أن تنفع ميتك نفعًا محققًا فاعمل بما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، حيث قال: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» ، هذا هو الذي نحبذه ونقول: أكثر من الدعاء لأمواتك، أما إهداء القرب فاجعلها لنفسك؛ لأن هذا هو السنة، وأنت أيها الحي سوف تحتاج إلى هذه الأعمال الصالحة كما أن الأموات أيضًا يحتاجون إلى زيادة الأعمال الصالحة؛ كما جاء في الحديث: «مَا مِنْ مَيِّتٍ يَمُوتُ إِلَّا نَدِمَ؛ إِنْ كَانَ مُحْسِنًا نَدِمَ أَلَّا يَكُونَ ازْدَادَ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا نَدِمَ أَلَّا يَكُونَ اسْتَعْتَبَ» .
إذن نقول: بِمَا كَسَبَتْ [غافر: ١٧] استدل بها بعض العلماء على أيش؟ على أن من أُهدي إليه شيء من القرب فإنه لا ينتفع به؛ لأنه ليس من كسبه إلا ما جاءت به السنة، ولكن الصحيح أنه ينتفع به.
فإذا قلت: إن هذا هو الصحيح فكيف الجواب عن الآية؟
الجواب عن الآية أنها تدل على أن النفس تُجزى بما كسبت، لكن لا تدل على أنها لا تنتفع بعمل غيرها، الشيء المضمون تمامًا هو ما كسبت، وأما ما أهداه الغير لها فهذا شيء آخر، وله أدلة أخرى.
ومن فوائد الآية الكريمة: انتفاء الظلم في ذلك اليوم؛ لقوله: لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ [غافر: ١٧]، ولكن الإنسان يُجازَى بحسب عمله، قال الله تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا [طه: ١١٢] قال المفسرون: ظلمًا في زيادة سيئاته، وهضمًا في نقص حسناته.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الحساب، المحاسبة أن الله يحاسب الخلائق، وهذا كما أنه مدلول النصوص فهو مقتضى الحكمة؛ إذ ليس من الحكمة أن يُؤمَر الناس ويُنهوا ثم يذهب هذا الأمر والنهي هدرًا لا يحاسب عليه العبد، هذا في الحقيقة لو ثبت لكان عبثًا، والله تعالى منزه عنه؛ كما قال تعالى: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ [المؤمنون: ١١٥]، وقال تعالى: أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى [القيامة: ٣٦] فلا بد من مجازة، لا بد من محاسبة حتى يتبين ما للإنسان وما عليه.
ومن فوائد هذه الآية: تمام قدرة الله جل وعلا وقوته، مأخوذة من قوله: سَرِيعُ الْحِسَابِ [غافر: ١٧]؛ لأن السرعة تدل على القدرة والقوة، كيف يحاسب هذه الخلائق التي لا يحصيها إلا هو عز وجل في نصف يوم، هذا تدليل على كمال القدرة وكمال القوة.
فإن قال قائل: كيف يكون الحساب؟
قلنا: الحساب يختلف باختلاف المحاسَب، أما المؤمن فإن الله تعالى يضع عليه كنفه -أي: ستره- ويخلو به ويقرره بذنوبه، ويقول: فعلت كذا وكذا في يوم كذا، حتى يقر، فإذا أقر واعترف قال الله تعالى: «سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ» فيذهب طليقًا.
أما الكفار فإنهم لا يحاسبون حساب من تُوزَن حسناته وسيئاته؛ لأنهم ليس لهم حسنات، ولكن تُحصَى أعمالُهم، فيوقفون عليها ويُقرَّرون بها، ويُخزون بها ويُوبَّخون عليها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ [الملك: ٨، ٩] فيوبَّخون زيادةً في حسرتهم والعياذ بالله، وبيان أنهم لم يظلموا، فالحساب إذن يختلف.
يستفاد من هذه الآية من الناحية المسلكية: تحذير الإنسان من المخالفة، وحثه على الموافقة، من أين تأخذ؟
طالب: من قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [غافر: ١٧].
الشيخ: لا، تحذيره من المخالفة وحثه على الموافقة؟
طالب: قوله تعالى: تُجْزَى [غافر: ١٧].
الشيخ: بس تجزى؟
الطالب: الْيَوْمَ تُجْزَى [غافر: ١٧]
الشيخ: الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ [غافر: ١٧] هذا يوجب للإنسان إذا أمن به أن يحرص على موافقة الأمر وعلى طاعة الله؛ لأنه يكسب.
وأنا أسالكم كما أسأل نفسي: هل نحن إذا صلينا -نعتقد، لا مو نعتقد- يكون في نفوسنا شعور بأننا سنأخذ أجرًا على هذه الصلاة، أو الشعور السائد أننا أدينا ما يجب علينا فقط؟ الثاني، ولهذا لو كان عندنا الشعور الأول أننا سنُجازَى على هذه الصلاة، وبقدر ما أتقنا فيها، لكنا نتقنها جيدًا؛ لأننا نعلم أن الجزاء من جنس العمل، ابذل دراهم كثيرة يأتك سلعة طيبة، لكن ابذل قليلًا يأتك سلعة رديئة.
لهذا ينبغي لنا – ونسأل الله أن يعيننا ويعيذنا من الغفلة- ينبغي لنا أن نشعر حين نعمل العمل الصالح أننا سوف نجازى عليه؛ حتى يكون ذلك أشحذ لهممنا في إتقان العمل؛ لأن الإنسان إذا علم أن عمله هذا هو جزاؤه فسوف يتقن العمل، سوف يأتي به على حسب ما يرضي الله سبحانه وتعالى.
ثم قال تعالى: وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ [غافر: ١٨] يوم القيامة، (أزف الرحيل: قرب).
أَنْذِرْهُمْالضمير فاعل يعود على من؟ على الرسول، والمفعول به الناس، يعني أنذر الناس هذا اليوم، وهذا العامل استوفى مفعولين: الهاء هي المفعول الأول، ويوم الآزفة المفعول الثاني.
وقوله: يَوْمَ الْآزِفَةِأي: اليوم الآزف، فهو من باب إضافة الموصوف إلى صفته، أي: أنذرهم اليوم القريب.
وإن شئت فقل: الآزفة صفة لموصوف محذوف، والتقدير: يوم القيامة الآزفة. والآزفة بمعنى القريبة، قال الله تعالى: أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ [النجم: ٥٧، ٥٨].
وقال الشاعر:
| أَزِفَ التَّرَحُّلُ غَيْرَ أَنَّ رِكَابَنَا | لَمَّا تَزُلْ بِرِحَالِنَا وَكَأَنْ قدِنْ |
أي: وكأن قد زالت.
فالحاصل أن الأزف بمعنى القرب، فالآزفة: القريبة، وهو يوم القيامة، قال الله تبارك وتعالى: وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ [الشورى: ١٧]، فهي قريبة مهما طال الوقت، فهي قريبة لو تبقى الدنيا ملايين الملايين الملايين من السنين فهي قريبة، وإذا شئت أن يتبين لك ذلك فانظر ما تستقبله الآن، إذا أردت أن تعرف ذلك فانظر إلى المستقبل، المستقبل تنظر إليه نظر البعيد، فإذا به يأتي بسرعة كأنه برق خاطف، هكذا مستقبل الدنيا كلها قريب، فإن أدركته أدركته، وإن لم تدركه قامت قيامتك قبلها، فقيامتك قريبة وإن بقيت إلى القيامة الكبرى فهي أيضًا قريبة.
إذن كل آتٍ قريب، وكل ماضٍ بعيد، الماضي ولو كان قبل وقتك بساعة بعيد؛ لأنه لا يمكن يرجع، والمستقبل قريب.
إذن سُميت القيامة آزفة لقربها، ووجه قربها وإن كان بيننا وبينها ما لا يعلمه إلا الله من السنين فإن المستقبل مهما بعُد قريب.
إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ [غافر: ١٨].
إِذِ الْقُلُوبُ(إذ) بدل من يوم الآزفة، يعني أنذرهم يوم الآزفة، أنذرهم إذ القلوب لدى الحناجر، و(إذ) ظرف لما مضى من الزمان، وتأتي ظرفًا، وتأتي تعليلًا على حسب ما جاءت معانيها في اللغة العربية.
وقوله: الْقُلُوبُ [غافر: ١٨] (أل) هنا للاستغراق، أي: كل القلوب.
وقوله: لَدَى [غافر: ١٨] يقول: بمعنى (عند).
قال المفسر: (إِذِ الْقُلُوبُترتفع خوفًا لَدَىعند الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ).
قال الله تعالى: إِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُفي عام الأحزاب وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ [الأحزاب: ١٠] وهذا شيء معلوم محسوس؛ أن الإنسان كلما اشتد به الخوف ارتفع قلبه وانكمش وازداد خفقانه، فيوم القيامة ترتفع القلوب حتى تصل إلى الحناجر، الحنجرة هذه ما بين الترقوتين.
كَاظِمِينَ(ممتلئين غمًّا حال من القلوب، عوملت بالجمع بالياء والنون معاملة أصحابها)
إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِالقلوب كما تعلمون جماد، هي نفسها جماد، والجماد لا يجمع بالواو والنون؛ لأنه لا يجمع بالواو والنون إلا العاقل، علمًا كان أو وصفًا، وقد مر عليكم في شروط جمع المذكر السالم أن يكون علمًا أو وصفًا لعاقل، فهنا القلوب ليست عاقلة، القلوب جزء من البدن، ما هي عاقلة، فكيف توجيه الحال التي جاءت منها بجمع على صيغة جمع المذكر السالم؟
يقول المؤلف: لأن المراد بها أصحاب القلوب الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِوالكاظم صاحبها، واضح؟ وهذا حق؛ أن كاظمين حق من القلوب باعتبار أصحابها.
والكاظم يقول: الممتلئ غمًّا، لماذا يمتلئون غمًّا؟ لشدة الأهوال والمخافة، قلوب مرتفعة، أنفس ممتلئة غمًّا.
مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ [غافر: ١٨].
مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ(الظالمين) هم الكافرون هنا؛ لقول الله تعالى: وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة: ٢٥٤]، وليس المراد مطلق الظلم، بل المراد الظلم المطلق، وهو ظلم الكفر، فالظالمون في ذلك اليوم ليس لهم حميم.
والحميم هو المحب كما قال المؤلف، وقيل: القريب؛ كما قال تعالى: فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ [الشعراء: ١٠٠، ١٠١] أي: قريب، ولا نقول: ولا صديق محب؛ لأنه ما من صديق إلا وهو محب ولولا المحبة ما صادقك، وعلى هذا فنقول: إن الأولى أن تفسر الحميم بالقريب.
والغالب أن الذي يحامي عنك ويدافع عنك ويشفع لك هو القريب، هذا الغالب.
يقول: مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ [غافر: ١٨] شفيع بمعنى شافع، فهي فعيل بمعنى فاعل؛ كسميع بمعنى سامع.
ومن هو الشافع؟ الشافع من شفعك، أي: صار معك حتى تكون بعد الفرد شفعة، ولهذا يقال: الشافع هو من توسط لك بجلب منفعة أو دفع مضرة، هذا هو الشافع.
التوسط للغير بجلب الخير أو دفع الضير، هذا الشافع، التوسط، الشفاعة يعني، الشفاعة هي التوسط للغير لجلب الخير أو دفع الضير، هذا إذا أردت أن تأتي بها على سبيل السجع، تكون أريح، فهذا هو.
ففي يوم القيامة ليس لهم شفيع، لا يشفع لهم أحد؛ لأن من شرط الشفاعة أن يكون الله راضيًا عن الشافع وعن المشفوع له.
قال: وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ [غافر: ١٨] قال: (لا مفهوم للوصف؛ إذ لا شفيع لهم أصلًا، لقوله تعالى: فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ [الشعراء: ١٠٠]، أو له مفهوم بناء على زعمهم أن لهم شفعاء أي: لو شفعوا فرضًا لم يقبلوا)
الآية الكريمة: وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُكلمة يطاع جملة فعلية في محل جر صفة، لأيش؟ لشفيع، ولو حولناها لاسم فاعل لكان التقدير: ولا شفيع يطاع، فهل هذه الصفة، هل هي قيد بمعنى أن لهم شفيعًا لا يطاع، أو هي بيان للواقع، والمراد نفي الشفيع؟
ذكر المؤلف احتمالين: الأول: أن يكون المراد ليس لهم شفيع مطلقًا، واستدل لذلك بقوله تعالى عنهم: فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ [الشعراء: ١٠٠، ١٠١].
أو أن المعنى: لو قدر أن لهم شفعاء، فإن هؤلاء الشفعاء لا يطاعون، وهذا بناءً على قولهم: إن الذين يعبدون من دون الله يكونون شفعاء لهم، والآية تحتمل ما قال المؤلف.
أما إذا قلنا بالأول، بالوجه الأول، وهو نفي الشفعاء مطلقًا، فالأمر ظاهر ما فيه إشكال.
أما الثاني أن يقام لهم شفعاء، ولكن ترد شفاعتهم، فهذا من أجل التخجيل لهم، أن يخجلوا حيث تقام الشفعاء الذين يدعون أنهم شفعاء لهم، ثم ترد الشفاعة، هذا أبلغ في خجلهم وفي ردهم وعدم انتفاعهم بآلهتهم، والله أعلم.
طالب: (...).
الشيخ: وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [الحج: ٤٧]، وقال: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ [السجدة: ٥] لكن يوم القيامة لم يرد فيه إلا خمسون ألف سنة: فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [المعارج: ٤] وفي الحديث الصحيح في قصة مانع الزكاة: «فِي يَوْمٍ مِقْدَارُهُ خَمْسُونَ أَلْفَ سَنَةٍ» .
وعلى هذا فاليوم الذي عند ربنا كألف سنة ما ندري ما هذا اليوم، هو يوم مجهول لنا، أما: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ [السجدة: ٥]، فهذا لأن ما بين السماء والأرض خمس مئة سنة، فإذا كان ما بينهما خمس مئة سنة فإن صعود الأمر إلى الله ثم رجوعه يكون ألف سنة.
فالأيام ثلاثة: يوم مقداره خمسون ألف سنة، وهذا يوم القيامة، ويوم عند الله لا نعلم ما هو مقداره ألف سنة، ويوم مقداره ألف سنة في تدبير الأمر من السماء إلى الأرض ثم عروجه إلى الله عز وجل.
طالب: (...) قلنا: الوجه الثاني في مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ [غافر: ١٨] أن يقام ثم يرد، ما حال الشفيع الذي يقام ثم يرد، هل هو من تقبل شفاعته أو أنه هو مثله ؟
الشيخ: لا، تمثل لهم أصنامهم حتى الذي يعبدون عيسى يمثل لهم عيسى عليه الصلاة والسلام.
طالب: (...).
الشيخ: هو لا يعارضه لأن يوم القيامة كما تعرف خمسون ألف سنة.
طالب: (...).
الشيخ: يفرغ منهم في نصف يوم.
الطالب: (...).
الشيخ: إي نعم، الساعة تطلق على الزمن القليل والكثير إلا إذا فصلت، مثل من جاء في الساعة الأولى من يوم الجمعة من جاء في الثانية من جاء في الثالثة.
طالب: قوله يا شيخ: (بالجمع بالياء والنون) الياء والنون تعود على أيش؟ الياء والنون قول المفسر؟
الشيخ: كَاظِمِينَ [غافر: ١٨] ما قال: إذ القلوب لدى الحناجر كاظمة؛ لأنه لو جرى الوصف للقلوب لقال: إذ القلوب لدى الحناجر كاظمة قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ [النازعات: ٨]، وأنا ذكرت لكم أنه لا يجمع جمع المذكر السالم بالواو والنون إلا العاقل.
طالب: كل آت قريب: (...)؟
الشيخ: ما سمعنا بهذا إلا صباح هذا اليوم، الذي نسمع والذي يريده الناس إذا قال: كل آت قريب أن المستقبل قريب.
الطالب: (...).
الشيخ: (...) حتى واحد يوعدك، يقول: إن شاء الله أمر عليك بعد ستة أشهر، قال: بعيد رجال، قال: كل آت قريب، هذا الذي يستعمله الناس.
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩) وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٢٠) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٢١) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ [غافر: ١٩ - ٢٢].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ [غافر: ١٨] ما معنى أنذرهم؟
طالب: الإنذار هو التخويف.
الشيخ: نعم التخويف، وإن شئت فقل: الإعلام بتخويف، أن تخبرهم إخبارًا مقرونًا بالتخويف. طيب.
الشيخ: ما المراد بيوم الآزفة؟
طالب: يوم القيامة.
الشيخ: ما معنى الآزفة؟
الطالب: الآتية.
الشيخ: لا.
الطالب: القريبة.
الشيخ: القريبة طيب.
قوله: إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ [غافر: ١٨] ما هي الحناجر؟
طالب: الحناجر..
طالب آخر: الحناجر هي: طرف في الحلق، ما بين الوجه والصدر.
الشيخ: الرقبة يعني؟
الطالب: نعم.
الشيخ: لا.
طالب: ما بين الترقوتين.
الشيخ: ما بين الترقوتين، نعم هذه الحناجر.
ما معنى قوله: لَدَى الْحَنَاجِرِ [غافر: ١٨]؟
طالب: (...).
الشيخ: كيف ذلك؟
الطالب: (...).
الشيخ: ترتفع القلوب إلى الحناجر من شدة الخوف.
تكلم المؤلف رحمه الله عن كاظمين؟
طالب: أنها حال من صاحب القلوب.
الشيخ: حال من القلوب؟
الطالب: من صاحب القلوب.
الشيخ: وين أصحاب القلوب؟
الطالب: (...) من جامد.
الشيخ: لا.
طالب: حال من القلوب باعتبار أصحابها.
الشيخ: حال من القلوب باعتبار أصحابها.
لماذا اضطر إلى القول باعتبار أصحابها؟
طالب: لأن أصحاب القلوب هم الذين يمتلئون غمًّا.
الشيخ: لا.
طالب: لأن جمع المذكر السالم لا يكون إلا للعاقل، والقلوب ليست عاقلة، فنقلت إلى أصحاب القلوب.
الشيخ: طيب صحيح.
كاظمين ما يقال: القلوب كاظمين، يقال: الرجال كاظمين، أو ما أشبه ذلك، لكن لما كان المراد بالقلوب أصحابها، صح، مجيء الحال منها.
ما معنى كاظمين؟
طالب: ممتلئين.
الشيخ: ممتلئين غمًّا.
ما معنى قوله: وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ [غافر: ١٨]؟
طالب: (...).
الشيخ: لكن ما معنى قوله: وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ؟
الطالب: (...).
الشيخ: كلمة يطاع؟
الطالب: (...).
الشيخ: لكن قوله: وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ، هل معناه أن هناك شفعاء لا يطاعون، أو ما المعنى؟
الطالب: (...).
الشيخ: ما راجعت الظاهر.
طالب: أقول: فيها وجهان: إما أنها صفة كاشفة، يعني ليس هناك شفعاء، أو أنهم تمثل لهم أصنامهم ولكن لا تشفع لهم، وكذلك عيسى بن مريم عليه السلام كما ادعوا..
الشيخ: يعني لا تطاع هذه الأصنام ولو شفعت طيب؛ وعلى هذا فتكون الصفة مقيدة وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ [غافر: ١٨] أي: يشفع ولكن لا يطاع.
لماذا لجأنا إلى هذا التأويل؟
طالب: لجأنا إلى التأويل لورود الآية الثانية، الشفاعة وانتفاء الشفاعة.
الشيخ: ما هي الآية الثانية؟
الطالب: قوله تعالى: فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ [الشعراء: ١٠٠].
الشيخ: نعم فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ، وقوله تعالى: وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء: ٢٨]، وهؤلاء لا يرتضيهم الله.
الشيخ: نرجع الآن إلى استنباط من الآية الفوائد، قال الله تبارك وتعالى: وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ [غافر: ١٨].
يستفاد من هذه الآية فوائد:
منها: وجوب الإنذار على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ لقوله: وَأَنْذِرْهُمْ، والأصل في الأمر الوجوب، لا سيما أن الرسول صلى الله عليه وسلم مكلف بذلك.
ومن فوائدها: أنه ينبغي للداعية أن يكون مخوفًا أحيانًا ومبشرًا أحيانًا.
أما البشارة أحيانًا ففي آيات كثيرة: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [البقرة: ٢٢٣]، وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا [البقرة: ٢٥] وما أشبه ذلك.
وأما الإنذار فكذلك في مثل هذه الآية، فالداعية ينبغي أن يكون منذرًا مبشرًا من أجل أن يحرك القلوب.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي في الإنذار أن يذكر الناس أحوال يوم القيامة وأهوالها؛ لقوله: وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ [غافر: ١٨].
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الآية قريبة؛ لقوله: يَوْمَ الْآزِفَةِ [غافر: ١٨]، والقرب هنا يعني أن الوقت يمضي بسرعة حتى لا يشعر الإنسان إلا وقد قامت القيامة؛ إما قيامته هو وتسمى القيامة الصغرى أو القيامة العامة.
ومن فوائد الآية الكريمة: بيان هذا التمثيل العظيم في حال الناس ذلك اليوم إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ [غافر: ١٨].
ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذه الحال عامة للمؤمنين وللكافرين، دليل ذلك عموم قوله: إِذِ الْقُلُوبُ [غافر: ١٨]، ثم قوله: مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ [غافر: ١٨]، فدل ذلك على أن الآية عامة، ولكن هل يلحق المؤمنين شر من ذلك اليوم؟ لا؛ لقول الله تعالى: فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ [الإنسان: ١١]، ومجرد الغم والهم لا يلزم منه الشر والضرر.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن القلوب عند شدة الخوف ترتفع حتى تبلغ الحناجر، وهذا يشهد به الواقع، قال الله تبارك وتعالى في سورة الأحزاب: وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ [الأحزاب: ١٠]، والإنسان في نفسه أيضًا يحس أنه إذا خاف خوفًا شديدًا، وكأن قلبه قد علق في حنجرته.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الناس في ذلك اليوم مع شدة الخوف يمتلئون غمًّا؛ لقوله: كَاظِمِينَ [غافر: ١٨]، والغم هو التحزن أو التهيؤ لما يستقبل، فالغم في المستقبل، والهم والحزن في الماضي.
ومن فوائد الآية الكريمة: تقطع الأسباب بالظالمين فلا يجدون حميمًا ولا شفيعًا؛ لقوله: مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ [غافر: ١٨] والمراد بالظالمين ما سبق، وهم الكافرون.
فإن قال قائل: الظلم أعم من الكفر، فكيف فسرتم الظلم هنا بالكفر؟
قلنا: لأن الله تعالى قال: وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة: ٢٥٤]، ولأن ما دون الكفر من المعاصي تمكن فيه الشفاعة، فإن الشفاعة ثابتة لأهل الكبائر من هذه الأمة.
ومن فوائد الآية الكريمة: تحذير هؤلاء الكفار من ذلك اليوم، فإنهم في الدنيا يجدون من يناصرهم ويواليهم ويساعدهم ويعاونهم، ولكن في الآخرة لا يجدون شيئًا من ذلك.
ثم قال الله تبارك وتعالى: يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [غافر: ١٩].
يعلم: الفاعل هو الله عز وجل.
خائنة الأعين: هذا من باب إضافة الصفة إلى موصوفها، أي: الأعين الخائن، وخيانة العين: مسارقتها النظر إلى الشيء المحرم، يعني أن الإنسان قد ينظر إلى شيء محرم وجليسه إلى جنبه لا يشعر بذلك؛ لأنه يسارقه النظر، كأنما يتحين الفرص في غفلة صاحبه حتى ينظر إلى ما حرم الله عز وجل. هذه واحدة.
ثانيًا: قد ينظر الإنسان النظر بدون مسارقة بل بمجاهرة ولا يحس جليسه أنه ينظر نظرًا محرمًا، لذلك حذر الله عز وجل من هذه الحال فقال: يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِقال المفسر: (بمسارقتها النظر إلى محرم وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [غافر: ١٩] القلوب)، فسر المؤلف الصدور بالقلوب لأنها في الصدور؛ كما قال الله تعالى: فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج: ٤٦] فبين الله عز وجل هنا دقة علمه ولطف علمه بأنه يعلم حتى هذه الحال التي لا يعلمها الناس الذين يشاهدون يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [غافر: ١٩].
وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [غافر: ٢٠] وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّالجملة معطوفة على قوله: يَعْلَمُ.
يَقْضِي بِالْحَقِّأي: يحكم به شرعًا وقدرًا؛ لأن القضاء، أعني قضاء الله عز وجل، على قسمين:
قضاء كوني: كقوله تعالى: وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا [الإسراء: ٤].
وقضاء شرعي؛ كقوله تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء: ٢٣]، قضى يعني قضاء شرعيًّا، ومعناها: وصى ربك ألا تعبدوا إلا إياه، فهنا يقول الله يقضي بالحق.
هل المراد القضاء الكوني أو القضاء الشرعي؟ المراد الأمران جميعًا، أي أنه يقضي قضاء كونيًّا بالحق، فليس في قضائه الكوني عبث ولا لعب وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ [الدخان: ٣٨، ٣٩].
وكذلك يقضي قضاء شرعيًّا بالحق، فقضاؤه سبحانه وتعالى الشرعي كله حق؛ لأنه خير، فيأمر به أو شر فينهى عنه، وهذا هو الحق.
إذن الله يقضي بالحق بالنوعين القضاء الكوني والقضاء الشرعي.
وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ [غافر: ٢٠] الواو هنا عاطفة، ويجوز أن تكون استئنافية.
وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِقال: (يعبدون، أي: كفار مكة، بالياء والتاء) هنا تفسير لكلمة يَدْعُونَ، وتفسير للضمير الواو، وقراءة.
أما القراءة فقد ذكر المؤلف أن فيها قراءتين: القراءة الأولى يَدْعُونَبالياء، والقراءة الثانية {تدْعُونَ} بالتاء على سبيل المخاطبة، وكلاهما قراءتان سبعيتان.
وأما يَدْعُونَففسرها بكلمة يعبدون.
والصواب أن المراد بها يعبدون ويسألون؛ لأنهم هم يعبدون الأصنام ويسألونها جلب المنافع ودفع المضار، ويعبدونها أيضًا بالركوع والسجود والنذور وغير ذلك.
وأما الواو ففسرها المؤلف بكفار مكة، فجعل الضمير عائدًا إلى كفار مكة، وهنا نسأل: هلَّا يوجد أحد يعبد الأصنام ويدعو الأصنام إلا كفار مكة؟ يوجد منهم ومن غيرهم، وإذا كان كذلك فإن تفسير العام بالخاص نقص في التفسير، فالتفسير المطابق للواو أن تكون عامة لكل من يدعو من دون الله من كفار مكة أو كفار المدينة أو كفار الطائف أو كفار العراق أو كفار الشام أو كفار هذه الأمة أو كفار من قبلها، عامة كل من يدعو من دون الله فإنه يدعو من لا يقضي بشيء.
وقوله: مِنْ دُونِهِ [غافر: ٢٠] أي: من دون الله، والدون هنا بما سوى، أي: من سوى الله عز وجل، وهم الأصنام، هنا قال المؤلف: (وهم الأصنام)، وكان مقتضى اللغة العربية أن يقول: وهي الأصنام؛ لأن الجمع لغير ما يعقل لا يعود عليه ضمير ما يعقل، هم للعقلاء ولا لغير العقلاء؟ للعقلاء، ولكن المؤلف عدل عن الأصل وهي الأصنام؛ لمراعاة قوله: وَالَّذِينَ يَدْعُونَكما تعرفون هذه للعاقل؛ وذلك أن الله تعالى جعل هذه المعبودات نزلها منزلة العقلاء، ومع كونها منزلة منزلة العقلاء لا تقضي بشيء.
وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ، ولم يقابل هذه الجملة بالجملة التي قبلها، بل جعلها أعم، في الجملة الأولى قال: وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّوهنا قال: لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍولم يقل: لا يقضون بالحق، إشارة إلى أنها لا تقضي لا بحق ولا بباطل، فليست أهلًا لأن تعبد من دون الله عز وجل.
لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍأبدًا لا شرع ولا قدر ولا حق ولا باطل، فكيف يكونون شركاء لله؟ هذا محط النفي، يعني إذا كانت هذه الأصنام لا تقضي بشيء فكيف تجعل شريكة لله، وهذا يعني توبيخ هؤلاء الذين يعبدون هذه الأصنام من دون الله.
إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُالسَّمِيعُلأقوالهم الْبَصِيرُبأفعالهم.
وهو في قوله: هُوَ السَّمِيعُيجوز أن تكون ضمير فصل، ويجوز أن تكون مبتدأ، والجملة خبر (إن)، لكن هي ضمير فصل أحسن منها مبتدأ.
يقول الله عز وجل: يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [غافر: ١٩].
في هذه الآية فوائد: منها: عموم علم الله عز وجل بكل شيء، حتى في الأشياء الخفية يعلمها عز وجل.
ومنها، أي: من الفوائد: لطف علم الله ودقة علم الله، وأنه يصل إلى أشياء لا تصل إليها علوم الآخرين، وهي خيانة الأعين وما تخفيه الصدور، فإن هذا لا يعلمه إلا الله، حتى الذي إلى جنبك لا يعلم.
ومنها: التحذير من مخالفة أمر الله، وجهه: أنه يعلم، فإياك إياك أن تخالف الله عز وجل لا في سرك ولا في جهرك.
ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن القلوب في الصدور؛ لقوله: وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [غافر: ١٩]، والإخفاء والإسرار يكون بالقلب، فلهذا قال: وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ.
ثم قال: وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّإلى آخره.
من فوائدها: إثبات أن قضاء الله تعالى كله حق؛ لقوله: يَقْضِي بِالْحَقِّسواء كان القضاء كونيًّا أم شرعيًّا.
ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على الله عز وجل بهذه الصفة الكاملة، وهي قضاء الحق، وأنه لا يفعل شيئًا سدى أو عبثًا، بل كل ما يقضيه فإنه حق.
ومن فوائد الآية الكريمة: التنديد بعباد الأصنام، حيث عبدوا مع الله من ليس بشيء بالنسبة لله عز وجل؛ لقوله: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذه الأصنام لا تنفع عابديها إطلاقًا؛ لقوله: لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ، وشيء نكرة في سياق النفي فتعم كل شيء.
فإن قال قائل: إن من القوم الذين يدعون مع الله إلهًا آخر من إذا دعوا هذه الأصنام أجابتهم، فإذا دعوها لكشف الضر انكشف الضر عنهم، ومن الناس من إذا خالف هذه الأصنام أصيب ببلاء، فما هو الجواب؟
الجواب أن يقال: هذا الذي يحصل يحصل من الله عز وجل، لا من هذه الأصنام ابتلاء وامتحانًا، ويقال فيه: إنه حصل عند ذلك، لا به، يعني حصل هذا القضاء من الله عز وجل عند دعاء هذه الأصنام، لا بدعاء هذه الأصنام.
فإن قال قائل: لماذا تعدلون عن السبب الظاهر إلى سبب آخر لا يعلم؟
قلنا: عدلنا إلى ذلك؛ لقول الله تبارك وتعالى: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ، وبقوله تعالى: إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [فاطر: ١٤]، وبقوله تعالى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ [الأحقاف: ٥ ، ٦]، وإلا فإن العامي قد يأتي إلى صاحب القبر ويقول: يا سيدي، يا ولي الله، يا مولاي، أنقذني من هذه البلية، أنقذني من هذه الضائقة، فيذهب إلى بيته ويجد الأمر قد انفرج، هو على كل حال سوف يضيف هذا الانفراج إلى السبب الظاهر الذي قام به، وهو دعاء هذا القبر حتى انفرجت عنه الغمة.
فنقول: هذه فتنة، ونعلم علم اليقين أنه -أي صاحب القبر- ليس هو الذي كشف الضر، وإنما الذي كشفه الله عز وجل، لكن حصل الكشف عند دعاء صاحب القبر، لا بدعائه.
انتبهوا لهذا؛ لأنه دائمًا يوردون علينا أصحاب القبور هذه الشبهة، يقول: أنا دعوت السيد الفلاني فاستجاب لي وانكشفت الغمة، وواحد كنا قد أتينا من مكة إلى المدينة في زمان مضى طويل، فلما أقبلنا على المدينة قاموا يدعون، ويدعون الرسول، خافوا الله يا جماعة -وكان ذاك الوقت الإنسان صغيرًا لم يترعرع بعد- اتقوا الله، ادعوا الله، قالوا: لا، هذا سيدنا، واحد من الناس انفتح بطنه وتدلت أقتابه وضاقت به الأرض ذرعًا، فقالوا: اذهب إلى نبي الله، فذهب فلما أقبل على المدينة دعا الله فدخلت الأمعاء وانسدت البطن.
طالب: (...).
الشيخ: لا دعا النبي، لما أقبل على المدينة دعا النبي قال: يا رسول الله، أنقذني، البطن منفرج، والأمعاء متدلية، فدخلت الأمعاء في البطن وانسد البطن.
هذه أولًا القصة من يقول: إنها صدق، ثم على فرض على أنها صارت صدقًا هل هذا حصل بدعاء الرسول؟ أبدًا ما حصل، الرسول لا يملك هذا أبدًا، في حياته ربما يريهم الله آية من آيات الرسول فيحصل مثل هذا، كما حصل في عين أبي قتادة أصيبت فندرت حتى صارت على خده، فأدخلها النبي عليه الصلاة والسلام في مكانها والتأمت في الحال ، وهذه آية من آيات الله، ولكنها حدثت في حياته، أما بعد موته فلا.
المهم أن الله تعالى قد يجعل الشفاء عقب دعاء صاحب القبر ابتلاءً وامتحانًا، فيصدق الإنسان بالحس ويكذب الشرع، يصدق بالحس، وهو بناء هذا الأمر على الشيء الظاهر ويكذب بالشرع.
فإن قال قائل: هل لهذا نظائر؟ قلنا: نعم، قد يبتلي الله الإنسان بتيسير أسباب المعصية ابتلاء ليعلم الله من يخافه بالغيب، كما ابتلى بني إسرائيل بالحيتان، حرم الله عليهم صيد الحوت في يوم السبت وابتلاهم، فكانت الحيتان يوم السبت تأتي شرعًا على الماء بكثرة، وفي غير يوم السبت لا تأتي، فطال عليهم الأمد وقالوا: لا بد أن نصطاد هذا السمك، ولكن يوم السبت محرم علينا، ويش العمل؟ قال: فيه حيلة -واليهود أصحاب حيل- ضعوا شبكة يوم الجمعة وتأتي الحيتان يوم السبت تدخل وخذوا الحيتان يوم الأحد، وقولوا لله: إننا لم نصطد يوم السبت، فماذا عوملوا به؟ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ [البقرة: ٦٥] قلبهم الله عز وجل إلى شيء يشبه الإنسان وليس بإنسان، كما صنعوا شيئًا يشبه الحل وليس بحل، جزاءًا وفاقًا.
هذه الأمة حرم الله عليهم الصيد في حال الإحرام، فابتلاهم الله، بدأت الصيود تأتي بكثرة، الصيد الطائر يناله الرمح، والصيد الزاحف تناله اليد: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ [المائدة: ٩٤] فصارت الصيود الطائر يناله الإنسان برمحه، مع أنه لا ينال الطائر إلا بالسهم، والزاحف باليد، فالصحابة رضي الله عنهم تجنبوا هذا، لا أمسكوا باليد ولا صادوا بالرمح.
فأنت احذر أيها المسلم أن تنخدع إذا تيسرت لك أسباب المعصية، فإن الله تعالى قد يبتليك، ربما يبتلي الله الإنسان بوظيفة يستطيع أن يسرق فيها من بيت المال؛ إما سرقة حقيقية، يعني يأخذ دراهم، وإما سرقة غير مباشرة بأن يتأخر عن الدوام، أو يتعجل في الخروج؛ لأن من فعل ذلك فهو سارق، إذا قدرنا أنه يتأخر عن الدوام بمقدار السدس، أو يتعجل بمقدار السدس، كم سرق من راتبه؟ سرق سدسًا؛ لأنه إذا تأخر السدس لا يستحق من الراتب إلا خمسة أسداس فقط، والباقي يأخذه بغير حق، هو مطمئن؛ لأنه ليس فوقه أحد، هو المدير مثلًا، أو مطمئن لأن مديره يتأخر، ومعلوم أن المدير إذا كان يتأخر ويتأخر من تحته أنه لا يقول لهم شيئًا؛ لأنه لو قال لهم شيئًا فضح نفسه.
إذن احذر أن تغتر إذا يسر الله لك أسباب المعصية؛ فإن الله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، لا تغتر بهذا الشيء.
من فوائد هذه الآية الكريمة: النداء الصارخ على سفاهة هؤلاء القوم الذين يعبدون من دون الله، من أين يؤخذ؟ لكونهم عدلوا عن عبادة من يقضي بالحق إلى عبادة من لا يقضي بشيء، وهذا في غاية السفه.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله هما: السميع والبصير.
وإثبات ما دلا عليه من صفة، وإثبات ما دلا عليه من أثر أو من حكم.
وذلك أن أسماء الله عز وجل لا يتم الإيمان بها إلا بالإيمان بأمور ثلاثة -إذا كانت متعدية-: الأول: إثبات الاسم، والثاني: إثبات ما دل عليه من الصفة، والثالث: إثبات ما دل عليه من أثر أو من حكم، هذا إذا كان متعديًا.
أما إذا كان لازمًا فلا يتم الإيمان به إلا بأمرين: إثبات الاسم، وإثبات ما دل عليه من صفة.
السميع لازم أو متعدٍّ؟
طلبة: لازم.
طلبة آخرون: متعدٍّ.
الشيخ: كيف لازم، متعد؟ إذن بدي القسم الثالثة، لا لازم ولا متعد.
هل هو لازم أو متعد؟
الطلبة: متعد.
الشيخ: متعد، قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَوَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا [المجادلة: ١] متعد، إذن لا بد أن تؤمن بالسميع اسمًا من أسماء الله.
وهل هناك أحد أنكر الأسماء؟ نعم، فيه من المعطلة المنتسبين للملة الإسلامية من ينكر أسماء الله.
وأن تؤمن بما دل عليه من صفة، وهي السمع، فليس الله تعالى سميعًا بلا سمع، بل هو سميع بسمع.
وهل أحد أثبت الاسم دون الصفة؟ نعم المعتزلة، قاعدتهم إثبات الأسماء وإنكار الصفات التي دلت عليها هذه الأسماء.
فيقولون: إن الله سميع بلا سمع، بصير بلا بصر؛ سبحان الله! كيف بصير بلا بصر؟! قال: نعم بصير بلا بصر؛ لأنك إذا أثبت البصر فالبصر صفة زائدة على الذات، أو لا؟ الصفة غير الموصوف، فإن قلت: إنها قديمة أثبت تعدد القدماء، وصرت أكفر من النصارى، النصارى كم أثبتوا؟ ثلاثة آلهة، أنت الآن تبغي تثبت خمسين إلهًا أو أكثر بقدر الأسماء اللي يثبت لها الصفة، وهذا كفر، فإذا كفرنا النصراني بثلاثة وقلنا: كافر، نقول: أنت كافر كافر كافر، اضرب ثلاثة في.. حتى تصل إلى الأسماء، أنت أكفر من النصارى إذا أثبت صفة قديمة.
وإن أثبتها حادثة لزم من ذلك قيام الحوادث بالله، والحوادث لا تقوم إلا بحادث، فتكون أنت أثبت أن الله مخلوق، وأنه حادث.
ما بالكم إذا صيغ هذا الكلام بكلام أفصح من كلامي وأبلغ، أفلا ينخدع به الجهال؟ ينخدعون به لا شك.
لكننا نقول: إن الله تعالى سميع بسمع، ولا يعقل أن يكون مشتقًّا بدون ما اشتق منه، أبدًا؛ إذ لا يصح أن تقول للأصم: إنه سميع، ولا للأعمى: إنه بصير، لا يمكن أن يوجد اسم مشتق في جميع لغات العالم إلا والأصل المشتق منه سابق عليه.
وأما قولكم: إن الصفة غير الموصوف، فإننا نقول: إن الله تعالى لم يزل ولا يزال بصفاته، ولا يوجد ذات بلا صفة إطلاقًا، من ادعى أنه يوجد ذات بلا صفة فقد ادعى المحال، ما من موجود إلا وله صفة، لو لم يكن من صفاته إلا صفة الوجود والقيام بالذات وما أشبه ذلك، فما من موصوف إلا وله صفة، لكن الموصوف بصفاته ليست شيئًَا بائنًا منه، ولهذا لا نقول: إن صفات الله هي الله، ولا نقول: إنها غير الله، بل نقول: إن الله بصفاته؛ لأنك إذا قلت: إن الصفات هي الله صار معناه أنه لا صفة له، وإذا قلت: إنها غيره أبنت الصفة عن الموصوف، وهذا مستحيل.
إذن الإيمان بالاسم لا بد أن تؤمن بما تضمنه من صفة، وتضمنه للصفة قد تكون تضمنًا، وقد تكون التزامًا، فهل نؤمن بالصفة التي دل عليها تضمنًا فقط، أو تضمنًا والتزامًا؟ أوما تدرون ما المعنى؟ تضمنًا والتزامًا.
فمثلًا: الخالق اسم دل على صفة الخلق دلالته على صفة الخلق بطريق التضمن، ودلالته على العلم التزام؛ لأنه لا خلق إلا بعلم، ودلالته على القدرة التزام أيضًا؛ لأنه لا خلق إلا بقدرة.
إذن تؤمن بما دل عليه الاسم من صفة، سواء كانت تضمنًا أو التزامًا.
الشرط الثالث إذا كان الاسم متعديًا أو الأمر الثالث إذا كان الاسم متعديًا الأثر أو الحكم، فمثلًا السميع ذو السمع الذي يسمع، لا بد أن تؤمن بسمع يتعدى للغير، فيسمع كل قول، البصير كذلك متعد نؤمن بالبصير اسمًا، وبالبصر صفة، وبأنه يبصر حكمًا أو أثرًا.
أما إذا كان الاسم لازمًا فإنه يؤمن بأمرين: الأول: الاسم، والثاني: الصفة.
الحي لازم أو متعد؟
طالب: لازم.
الشيخ: كيف؟ الحي. ما هو الله يحييه؟
الطالب: (...).
الشيخ: يحيي ليست من الحي، من المحيي، الحي وصف لازم أو الحياة وصف لازم لا يتعدى لغير الله.
فالحي إذن اسم من الأسماء اللازمة، فتؤمن بالحي اسمًا من أسماء الله، وتؤمن بالصفة التي دل عليها الحي وهي الحياة.





