فأنت الآن اعرف الحالة التي أنت عليها، وتصرف على ما هي عليه الآن، هذه نأخذها
من قول الرجل المؤمن: اليوم، واعلموا أنني إذا قلت: حسن خطابة هذا الرجل أو
احترازاته أو ما أشبه ذلك، ليس معناه أني أخبركم عن قصة مضت وتاريخ مضى، لا، أريد
أن تأخذوا من ذلك عبرة تسيرون عليها؛ لأن ما دام نثني على هذا الرجل بخطابه
ومعالجته للأمور فإنه يعني أننا نحث على اتباع طريقه.
ومن
فوائد هذه الآية الكريمة: أن آل فرعون قد غلبوا في مصر وظهروا عليها، ولم
يكن لهم منازع؛ لقوله: ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ [غافر: ٢٩]، ومن ثم تكبر فرعون ولم يخضع لموسى؛ لأن موسى من بني إسرائيل، وهم قلة أذلة في
مصر، والغلبة للأقباط.
ومن فوائدها: أن الظهور
والغلبة قد يكون سببًا للأشر والبطر إلا من وفقه الله، بعض الناس إذا أعطاه الله
تعالى سبب رفعة لا يزيده ذلك إلا تواضعًا للحق وللخلق، وبعض الناس إذا أعطاه الله
تعالى رفعة صار هذا سببًا في تعلِّيه على الخلق واستكباره عن الحق، وهذه محنة يجب
على المرء أن يعالج نفسه فيها، لا إذا أعطاه الله مالًا يزم ويعلو ويستكبر، فإن
الذي أعطاه هذا المال قادر على أن يتلفه عليه، لا يقول إذا أعطاه الله علمًا: أنا
عالم، وأنا من أنا، ثم يتعَلَّى عن الحق وعلى الخلق، بل يجب على الإنسان كلما آتاه
الله علمًا أن يزداد تواضعًا.
هذا ما أقوله وأرجو أن أتصف به وإياكم، فعلى
الإنسان أن يعرف هذه المسألة، وأن الله قد يبتلي الإنسان بالشيء الذي قد يكون
داعيًا لعلوه واستكباره عن الحق وعلى الخلق، فليحذر هذا الأمر.
ومن فوائد الآية الكريمة: قوة إيمان هذا الرجل، وأنه لا دافع
ولا مانع لما أراد الله لقوله: فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا [غافر: ٢٩]، وهذا يدل على كمال يقينه -رحمه الله
ورضي عنه- حيث آمن بأنه إذا جاء بأس الله فإنه لا مرد له.
ومن فوائدها أيضًا: التلطف بالخطاب حتى يُشْعِر الإنسانَ
المخاطبَ وكأنه هو أول من يُراد بهذا الأمر، أو بهذا الخطاب لقوله: فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا، ولم
يقل: فمن ينصركم من بأس الله إن جاءكم، كل هذا من باب التنزل مع هؤلاء وإشعارهم
بأنه واحد منهم، وقد يقال: إن في هذا إشارة إلى أن العذاب إذا نزل يعم الصالح
والفاسد، ويكون قوله: فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَايُراد به حقيقته؛ أي أنه هو سيصيبه ما أصابهم، ويكون هذا
شاهده؛ قول الله تعالى: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال: ٢٥] وهذا ليس
ببعيد.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه إذا نزل بأس
الله فإنه لا مرد له، ويدل لهذا قوله تعالى: فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا [غافر: ٨٤، ٨٥].
وهل يُستثنى من هذا أحد؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، الصالح
صالح.
الطالب: (...).
الشيخ: لا، كل من أتاهم بأس الله فإنهم لن ينجوا ولو آمنوا، فلا
يُستثنى من هذا أحد؟
الطالب: (...).
الشيخ: لا، أسألك: هل سافرت؟
الطالب:
(...).
الشيخ: المهم لا تكون مسافة القصر بس.
طالب: قوم يونس.
الشيخ: نعم، قوم
يونس فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا [يونس: ٩٨] يعني إذا نزل بها العذاب، إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ [يونس: ٩٨]، ولماذا خُصَّ قوم يونس؟ لحكمة؛ لأن الله عز وجل لا
يمكن أن يخص أحدًا بشيء إلا لحكمة، الناس عنده سواء إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات: ١٣].
الحكمة أن يونس
عليه الصلاة والسلام خرج من قومه مغاضبًا قبل أن يُؤذن له، وكأنه لم يستكمل الدعوة
فلم تقم عليهم الحجة الكاملة، ولهذا نجوا حين آمنوا بعد رؤية العذاب، فصار إنجاؤهم
له حكمة، وهو خروج نبيهم مغاضبًا قبل أن يُؤذن له، فكأنه لم يستكمل إقامة الحجة
عليهم، فصار في هذا نوع عذر لهم فأنجاهم الله عز وجل.
يُشْكِل على هذا آية
دائمًا إذا قرأتها أقول كيف يكون هذا؟ قال نوح لقومه: يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ [نوح: ٤] كيف قال: إنهم إذا آمنوا يغفر
لهم من ذنوبهم ويؤخرهم إلى أجل مسمى، ثم قال: إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ؟ فكان بالأول يقول: وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ، والثاني يقول: إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ؟
طالب: على التقدير: فإن كفرتم إن أجل الله لا يؤخر، إن
كذبتم..
الشيخ: نعم.
طالب:
قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يُبْسَطَ
لَهُ فِي..» .
الشيخ: نعم، ليس هذا.
طالب: (...)
إذا جاء لا يُؤَخَّر العذاب..
الشيخ: نعم، صحيح؛ يعني
أحذركم من العذاب فإنه إذا جاء لا يؤخر، لكن إذا آمنتم أخركم إلى أجل مُسمى، وعلى
هذا فلا تناقض في الآية، نعم.
قال الله تبارك وتعالى: قَالَ فِرْعَوْنُإلخ، في هذه الجملة والتي بعدها دليل على تمويه فرعون وغشه
وكذبه وضلاله؛ لأنه خدع قومه بقوله: مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ [غافر: ٢٩]، وكذب في
قوله: وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِقطعًا، وكذب في قوله: مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىعلى أحد الاحتمالين.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن
أهل الباطل قد يكون لديهم زخرف من القول غرورًا؛ لأن مثل هذا الزعيم الذي وصلت به
الزعامة إلى أن جعلوه ربًّا إذا قال: مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِسوف يخدع قومه بلا شك،
وعلى هذا فيجب علينا الحذر من خداع بعض الناس، إذا قالوا: نحن نريد كذا ونريد كذا
من الإصلاح، فيجب أن ننظر لأفعالهم، هل تشهد أفعالهم لأقوالهم؟ إن كان الأمر كذلك
فهم صَدَقَةٌ بَرَرَة، وإن كانوا بالعكس فهم كذبة غَشَشَة، يخدعون بزخرف القول
غرورًا.
ولهذا كان الإنسان الذي لديه فراسة لا يغتر بظاهر الأقوال، وإنما يقيس
ما يقوله، أو يعتبر ما يقوله بما يفعله، فإذا رأى أن أفعاله تخالف أقواله علم أنه
كاذب غشاش، وإذا رأى أن أفعاله تصدق أقواله صار صادقًا، وصار مخلصًا لموافقة باطنه
لظاهره.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن كل أحد
يعرف أن الرشد مطلوب، وأن الغي مكروه، من أين تؤخذ؟
طالب: مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِفرعون وقومه.
الشيخ: الجملة الثانية أو الأولى؟
طالب: الثانية.
الشيخ: الثانية، إذن
هم يعرفون أن الرشاد أمر مطلوب، كل إنسان حتى الكافر يرى أن الرشد أمر مطلوب، فما
هو الرشد الحقيقي، هل هو إتباع الهوى أو إتباع الهدى؟ الثاني، إتباع الهدى، لكن
التمويه مُشْكل.
ثم قال: وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ [غافر: ٣٠]، في الأول قال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه، وهنا قال: وَقَالَ الَّذِي آمَنَ، فنقول: لماذا كرر هذا الوصف لهذا الرجل؟ لطول الحديث والفصل، قال: وَقَالَ الَّذِي آمَنَأما اختلاف الجملتين فإن الثانية تؤكد الأولى بأن هذا الرجل قد اصطبغ في الإيمان وحقق الإيمان.
وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ(يا قوم): يعني بذلك فرعون وقومه، وهذا من باب التلطف في المقال، إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِيعني: الطوائف السابقة، وكأن هذا الرجل الملهم عنده علم بأحوال الأمم السابقة، وسيأتي إن شاء الله الكلام على فائدة هذه الجملة.
مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِأي يوم حزب بعد حزب، ثم أبدل منه قوله: مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ [غافر: ٣١] دأب: بمعنى عادة، وذكر قوم نوح؛ لأنه هو أول رسول أرسل إلى أهل الأرض وَعَادٍ وَثَمُودَ [غافر: ٣١]، وكل هؤلاء متقدمون، بعيدو العهد قبل موسى وقبل فرعون، فهم من أوائل الرسل.
قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ(عاد) معطوفة على أيش؟
طلبة: قوم.
الشيخ: على (قوم)، ولا يصح أن تكون معطوفة على (نوح)؛ لأنها لو كانت معطوفة على (نوح) لكان المعنى: مثل قوم عاد، ولا يستقيم الكلام، بل مثل عاد، وهم قوم هود، وثمود قوم صالح.
وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ [غافر: ٣١] من الأمم، وسيأتي أنه أشار إلى يوسف عليه الصلاة والسلام بن يعقوب بن إبراهيم.
يقول: (مثل بدل من مثل قبله، أي مثل جزاء عادة من كفر قبلكم من تعذيبهم في الدنيا) إذن (مثل دأب) ما هو مثل عادتهم، إلا إذا أريد إضافتها إلى المفعول به؛ أي مثل العادة التي أوقعها الله بهم، لكن كأن المؤلف جعلها مضافة إلى الفاعل، وأنها على تقدير مثل جزاء عادتهم؛ لأن الجزاء من الله، والعادة من هؤلاء الأقوام من الأحزاب، العادة عادة الأحزاب، والعقوبة عقوبة الله، فإما أن نقول إن الكلام على تقدير مثل عقوبة عادة قوم نوح إلى آخره، أو نقول مثل دأب قوم نوح؛ أي مثل العادة التي فعلها الله بهم، والمعنى واحد، المراد أنه يخاف عليهم مثل هذه الأيام التي هي عقوبة لهؤلاء الذين كذبوا رسلهم.
وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ [غافر: ٣١] ما: نافية تعمل عمل ليس لتمام الشروط، ولفظ الجلالة اسمها، ويريد جملة هي خبرها، ولو كانت اسمًا لكان التقدير: وما الله مريدًا وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِالظلم يتناول شيئين: إما الزيادة في الآثام وإما النقص في الحسنات، وكله ممتنع بالنسبة لله عز وجل، لا يمكن أن يقع منه ولا يمكن أن يريده، لماذا؟ لكمال عدله.
في هذه الآية من الفوائد: شدة خوف هذا الرجل من عقاب الله، وهذا يدل على كمال إيمانه؛ لأنه لا يخاف أحد من شيء إلا وهو مؤمن به.
ومن فوائدها أن عند هذا الرجل علمًا من نبأ الأولين لقوله: مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (٣٠) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ [غافر: ٣٠، ٣١] إلى آخره.
ومن فوائدها أنه ينبغي للإنسان أن يكون عنده علم بأحوال الأمم السابقة من أجل أن يكون معتبرا بمن مضى فيمن بقي، وعلى هذا فعلم التاريخ علم مهم، ولكن يجب أن نعلم أن التاريخ أصابه شيء من الوضع؛ أي من التحريف والتغيير والكذب والزيادة والنقص، فعلى الإنسان أن يحتاط في ذلك، عليه أن يحتاط في هذا حتى لا ينقل أو لا يروي إلا الصحيح.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن قوم نوح وعاد وثمود كانوا أول الأحزاب لقوله: وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ [غافر: ٣١].
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: انتفاء إرادة الظلم عن الله عز وجل لقوله: وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا [غافر: ٣١] وإذا انتفت الإرادة انتفى الفعل قطعًا؛ لأن الله تعالى يفعل ما يريد، فإذا لم يرد الظلم انتفى الظلم.
على أنه في آيات أخرى نفى الظلم نفسه، فقال: وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف: ٤٩]، وقال: وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت: ٤٦]، وقال: مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [ق: ٢٩]، فيكون الله تعالى قد نفى الظلم عن نفسه، ونفى إرادة الظلم، وذلك لكمال عدله.
وهذه الصفة من الصفات التي يسمونها الصفات السلبية أو الصفات المنفية، ولدينا قاعدة في باب الأسماء والصفات أن النفي المحض لا يوجد في صفات الله أبدًا كل نفي في صفات الله فإنه يتضمن شيئين، أحدهما: نفي ما نُفِي عن الله، والثاني: إثبات كمال ضده، فيُقال: لا يظلم لكمال عدله، وإن شئت فقل: لكمال عدله لا يظلم؛ لأن العدل إذا لم يكن عدله كاملًا قد يظلم في بعض الأشياء، أما الرب عز وجل فإن عدله كامل لا يمكن أن يدخله ظلم بأي وجه من الوجوه.
وهذا الظلم المنفي عن الله لكمال العدل، هل هو مستحيل لذاته أو جائز لكنه مستحيل على الله تعالى لكماله؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني، خلافًا للجهمية الذين قالوا: إن الظلم مستحيل على الله لذات الظلم؛ لأنه إذا كان مستحيلًا لذاته لم يكن مدحًا، ما يُمدح من استحال عليه على ذلك؛ لأنه مستحيل، وهم يقولون: إنه مستحيل لذاته؛ لأن الخلق كلهم ملكه، ويفعل في ملكه ما يشاء، ومن تصرف في ملكه فإنه لا يُقال: إنه ظالم، ولو قَدَّم شيئا على شيء أو نقص شيئًا عن حقه، ولكننا نقول: إن الله تعالى صرح بأنه حرم الظلم على نفسه، وهذا يدل على أن الظلم في حقه ممكن عقلًا، لكنه حرمه على نفسه لكمال عدله.
والخلاصة أن من قواعد الأسماء والصفات أنه لا يوجد النفي المحض في صفات الله، بل لا يوجد نفي في صفات الله إلا لكمال ضده: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ [ق: ٣٨] لماذا؟ لكمال قوته، لا لأن اللغوب لا يلحقه، لكن لكمال قوته لا يلحقه اللغوب، وليس المعنى أنه ليس مما يمكن أن يلحقه لغوب، لا، لكنه مستحيل لكمال قوته.
قال أهل العلم: وإنما قلنا بذلك؛ لأن النفي المحض عدمٌ محضٌ، صحيح أو لا؟ النفي المحض لو نفيتَ شيئًا معناه أنه غير موجود، والعدم المحض ليس بشيء، فضلًا عن أن يكون مدحًا؛ لأنه عدم، والعدم ما يُمدح عليه.
وإما أن يكون النفي متضمنًا لإثبات، هذا الإثبات قد يكون عجزًا، فمثلًا إذا قلنا: فلان لا يظلم؛ لأنه غير قادر على الظلم، فليس هذا يعني أننا مدحناه، بل هذا ذم له كقول الشاعر:
| قُبَيِّلَةٌ لَا يَغْدِرُونَ بِذِمَّةٍ وَلَا | يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَ خَرْدَلِ |
أول ما تسمع هذا الكلام تقول: ما شاء الله، هؤلاء أوفياء ذوو عدل، لكنه في الواقع ذم، يقول: إن هؤلاء ما يقدر الواحد منهم أن يغدر، ولا يقدر أن يظلم، والثاني يقول:
| لَكِنَّ قَوْمِي وَإِنْ كَانُوا ذَوِي عَدَدٍ | لَيْسُوا مِنَ الشَّرِّ فِي شَيْءٍ وَإِنْ هَانَا |
| يَجْزُونَ مِنْ ظُلْمِ أَهْلِ الظُّلْمِ مَغْفِرَةً | وَمِـــنْ إِسَــاءَةِ أَهْلِ الـــسُّوءِ إِحْــسَــانَا |
يعني أنه إذا أساء إليهم الإنسان أحسنوا إليه، وإذا أساء إليهم غفروا له وتجاوزوا عنه، لكن لكمال إحسانهم وكمال عفوهم أو لعجزهم؟ لعجزهم، ولهذا قال:
| فَلَيْتَ لِي بِهِمُ قَوْمًا إِذَا رَكِبُوا | شَنُّوا الْإِغَارَةَ فُرْسَانًا وَرُكْبَانَا |
ليت لي بهم: أي بدلهم، وهذا يدل على أنه ذمهم ذمًّا عظيمًا.
وقد يكون النفي لعدم صلاحية هذا الوصف لما نُفي عنهم، قد يكون نفي الشيء عن الشيء؛ لأنه غير قابل وغير صالح لأنْ يوصف به، كما إذا قلت: الجدار لا يظلم، هل هذا مدح للجدار؟
طالب: لا.
الشيخ: ليش؟
الطالب: لأنه غير صالح ولا..
الشيخ: لأنه غير قابل ولا صالح للظلم أو عدم الظلم، فتبين بذلك أن الله تعالى لا ينفي عن نفسه شيئا إلا لكمال ضد هذا المنفي، لا لأنه غير قابل له أو غير صالح في حقه أو ما أشبه ذلك من الناحية العقلية.
وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ [غافر: ٣١] إذن نستفيد من هذا نفي إرادة الظلم عن الله لكمال عدله.
(...)
طالب: كيف استنبطنا يا شيخ من الآية أنها إشارة إلى يوسف؟
الشيخ: مذكورة في هذا، هو سيقول: وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ [غافر: ٣٤].
طالب: هل يستدل بقول موسى لفرعون: وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا [الإسراء: ١٠٢]، هل استدل بذلك على الإغلاظ في الدعوة؟
الشيخ: هو الإغلاظ في محله طيب؛ لأنه هو قال له كلمة أشد من هذه، قال: إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا [الإسراء: ١٠١] فهل يغلظ له بالقول ويسكت؟! وموسى عليه الصلاة والسلام معروف بالقوة.
الطالب: يا شيخ، من باب التلطف الداعية يقول: وإني أكثركم تقصيرًا، فيظن ضعاف النفوس الجهال فيقولون: ما دام هذا الداعية أو هذا الشيخ كثير التقصير نحن إذن من باب أولى، ثم يصيبهم ما يصيبهم.
الشيخ: على كل حال هذه الكلمة ينبغي للإنسان أن ينظر في مصلحتها، وإلا فقد قالها عمر بن عبد العزيز رحمه الله في آخر خطبة خطبها، قال: إني لأقول لكم هذا وما أعلم أحدًا عنده من التقصير -أو قال: من الذنوب- أكثر مما عندي. هي في الحقيقة قد تكون مشجعة وقد تكون مخذلة، قد يقول قائل: إذا كان هذا الرجل الداعية العابد مقصرًا كيف بنا نحن، إذن فلنشمِّر عن ساعد الجد، وقد تكون كما قلت، فيه سلاح ذو حدين، فلينظر الإنسان للمصلحة، والإنسان أحيانًا يقول مثل هذا؛ لأنه يخشى على نفسه من العجب.
طالب: قلتم يا شيخ من قبل: لا ينبغي أن يزوج ابنته من فاسق ويقول: لعل الله أن يهديه، لو حصل العكس وأراد الرجل أن يتزوج بامرأة غير مستقيمة، وقال: لعل الله أن يهديها بي وإلا طلقتها.
الشيخ: نفس الشيء، لا، ما هو إلا طلقتها، قد يكون الإنسان عنده عزم في هذا أول الأمر، لكن إذا تزوجها ورغب فيها عصفته، جذب النساء للرجال ما هو هين.
الطالب: لو ظن فيها قبول الدعوة؟
الشيخ: كلمة الظن هذه غير واردة في الواقع، ولذلك أنت غير مكلف إلا بما بين يديك، حتى لو أخلفت الأمور فيما بعد فأنت مجتهد ولا لوم عليك ولا إثم عليك، لكن عليك إثم أنك تقدم على شيء تعرف أنه الآن غير صالح لكن رجاء أن يصلح، هذا خطأ.
والمرأة ربما تغلب الرجل، إذا أحبها حبًّا شديدًا ربما تقول له: اسجد لي، يقول: ما هو الله أكبر أنتِ أكبر، ألم تعلم أنه ذكر أحد العلماء -نسيت من هو- قال: إن مؤذنًا دعت عليه أمه بدعوة، وكان رجلًا صالحًا، فلما صعد إلى المنارة يؤذن وإذا بامرأة نصرانية في سطح بيتها جميلة، فأخذت بلُبِّه، فأرسل إليها يخطبها، فقالت: لا يمكن إلا إذا كنت نصرانيًّا، حاول، قالت: أبدًا، فتنصَّر، والعياذ بالله، صار نصرانيًّا، ارتد عن الإسلام الآن، فأعاد الخطبة قالت: الآن أنت لست مسلمًا ولا نصرانيًّا فلا أَحِلُّ لك، يعني هذا الرجل -نسأل الله العافية- ارتد عن دينه من أجل هذه المرأة، وصارت هذه المرأة كيدها أعظم من كيده، قالت له: لست مسلمًا ولا نصرانيًّا، والنصرانية لا تحل إلا للمسلم أو النصراني ارجع وراءك؛ نسأل الله العافية.
طالب: يا شيخ أحسن الله إليك، ذكرتم قاعدة وقلتم النفي المحض لا يوجد في صفات الله، وكل نفي في صفات الله تضمن شيئين..
الشيخ: الشيء الأول: نفي الصفة، والثاني: إثبات كمال ضدها.
طالب: (...).
الشيخ: ما هي المشكلة؟
الطالب: اتخاذهم فرعون (...).
الشيخ: أبدًا (...).
الطالب: (...).
الشيخ: لا، يقولون بأن لهم ربًّا، لكن ربهم فرعون.
الطالب: يعني يؤمنون بالربوبية.
الشيخ: لفرعون.
الطالب: لا لله.
الشيخ: لا لله.
الطالب: يعتبرون موحدين بالربوبية؟
الشيخ: إي معلوم، موحدين بربوبية فرعون، عندهم توحيد فرعون ولّا لا؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: (...)، أيش تقولون يا جماعة؟
طلبة: لا، ما عندهم توحيد.
الشيخ: ما عندهم توحيد، التوحيد هو توحيد رب العالمين، أما توحيد فرعون أو غيره فلا.
الطالب: (...) الأنبياء والصالحين في القرآن، هل هي بنصها؟
الشيخ: يعني باللفظ نفسه لا، ما هي بلفظها، بالمعنى، ولهذا تجد العبارات مختلفة، مما يدل على أن الله تعالى ينقلها بالمعنى، وإن أضافها إليهم قولًا لكن بالمعنى، ثم هم أيضًا لغتهم غير عربية.
الطالب: بعض الآيات التي يحكي فيها الله عز وجل عن إنسان أو أحد مثل قوله عز وجل: أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا [الكهف: ٣٩] هل يقول الإنسان: قال الله تعالى حاكيًا عن رجل، أو يقول: قال الله تعالى: أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا؟
الشيخ: لا، يقول: حاكيًا؛ لأنه قد يوهم أن الضمير يعود على الله.
طالب: إذا كان الزوج كافرًا والزوجة مسلمة (...) فرعون وزوجته؟
الشيخ: هذا الإشكال صحيح، يقول: هل يجوز للكافر أن يتزوج مؤمنة؟
فنقول: لا، فأورد علينا إشكالًا وهو أن امرأة فرعون كانت مؤمنة لا شك، وهو أكفر الكافرين.
الجواب: أن هذا شرع من قبلنا، أما شرعنا فلا، وتعرف القاعدة في الأصول: أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه. هذا وجه، ومن وجه آخر قد يُقال: إن فرعون أكرهها على ذلك، وأنها لا تحبه، ولهذا تقول: رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [التحريم: ١١] لكن هو ظالم ولا يبالي.
طالب: يا شيخ ذكرت أنه لا يجوز للمسلم أن يتزوج امرأة مسلمة غير ملتزمة؟
الشيخ: أنا قلت هذا؟! أعوذ بالله.
الطالب: لا يجوز، لا يُستحب.
الشيخ: بس فرق بين لا يجوز ولا يستحب، أنتم طلبتي وتعرفون كلامي وتعرفون أسلوبي، إذا نقلتم عني أنه لا يجوز للفاسق أن يتزوج مسلمة هذه داهية، معناه: ما نزوج أحدا أبدًا؛ لأن أكثر الناس فُسَّاق، عَدِّل العبارة.
الطالب: لا يستحب له أن يتزوج المرأة غير الملتزمة؛ لأنها قد ترجعه إلى طريقتها.
الشيخ: هذا صحيح، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ»، ثم قال في النهاية: «فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ» .
طالب: (...).
الشيخ: ويش الإشكال؟
الطالب: (...).
الشيخ: إن الله إذا عذب أهل سماواته وأرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم .
***
طالب: وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣) وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ (٣٤) الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ [غافر: ٣٤، ٣٥].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِوقبل البدء في التفسير نقدم مقدمة نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفع بها.
فنقول: إن من نعمة الله سبحانه وتعالى على العبد أن يحبب إليه العلم، وذلك لأن العلم الشرعي مفتاح كل خير؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» وهذه بشرى لكل من فقهه الله في دينه وعلمه أن الله أراد به خيرًا.
والفقه في الدين هو معرفة الأحكام الشرعية من أدلتها، ثم تطبيق هذه الأحكام التي علمها؛ لأن من لم يطبق فليس بفقيه، بل هو قارئ، ولهذا حذر عبد الله بن مسعود رضي الله عنه من أن يكثر القراء ويقل الفقهاء ؛ فالفقيه في دين الله هو الذي يعلم شريعة الله ثم يطبقها على نفسه وعلى غيره بقدر استطاعته.
وطالب العلم عليه مسؤولية كبيرة؛ لأنه واسطة بين الخلق وبين الرسول صلى الله عليه وسلم، إذ أنه ينقل شريعة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أمته، ولهذا يجب أن يكون أسوة حسنة في عباداته وأخلاقه ومعاملاته؛ لأنه إذا كان أسوة حسنة في ذلك فقد أثمر العلم في حقه ثمراته الجليلة؛ ولأنه إذا كان أسوة للنبي صلى الله عليه وسلم في ذلك أحبه الناس، وألفوه واقتدوا به، وصار إمامًا، وإن لم يكن إمامًا كبيرًا ولكنه إمام بحسب حاله، وكلما ازداد الإنسان علمًا وتمسكًا بما علم ازداد احترام الناس له واقتداؤهم به، وجعلهم إياه أسوة.
ثم إن طالب العلم يجب عليه الإخلاص لله عز وجل في طلبه؛ لأن الإخلاص هو أهم شيء، وهو الذي يكون به تحقيق ما أراده العبد، والإخلاص لله في طلب العلم أشار الإمام أحمد رحمه الله إلى شيء منه فقال: العلم لا يعدله شيء لمن صحت نيته. قالوا: وبم تصحيح النية؟ قال: ينوي بذلك رفع الجهل عن نفسه وعن غيره.
وهذا لا شك أنه من تصحيح النية، لكنه ليس كله تصحيح النية، بل هناك أشياء تجب ملاحظتها أيضًا، وذلك بأن ينوي بطلب العلم امتثال أمر الله سبحانه وتعالى؛ لأن الله أمر بالعلم ورغب فيه فقال تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [محمد: ١٩]، وقال تعالى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة: ١١]، وهذا شيء مشاهد، بينوا لي تاجرًا من أكبر التجار في عهد الأئمة الأربعة حصل له من رفع الذكر ما حصل لهؤلاء الأئمة الأربعة، لن تجدوا إلى ذلك سبيلًا، فأهل العلم مرفوعون عند الله، ومرفوعون عند العباد، مرفوعون في حياتهم، مرفوعون بعد مماتهم، حتى وإن نال أحدًا منه ما يناله من التعذيب أو المضايقة أو ما أشبه ذلك فإنه يزداد بذلك رفعة عند الله، ورفعة عند العباد.
فأنت إذا نويت بطلبك للعلم امتثال أمر الله صارت كل حركة تتحركها في هذا المجال عبادة، إن راجعت الدرس فعبادة، وإن حفظت فعبادة، وإن مشيت فعبادة، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ» ، وهذه مسألة تغيب عنا كثيرًا، كثيرًا ما نراجع الكتب لتحقيق مسألة ما، ولكن يغيب عنا أننا الآن في عبادة نرجو بها ثواب الله، لكن إذا استحضر طالب العلم أنه يمتثل أمر الله سبحانه وتعالى بطلبه العلم، صار طلبه للعلم عبادة.
الثاني: أن ينوي بطلب العلم حفظ الشريعة؛ لأن الشريعة تُحفظ برجالها، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُهُ بِمَوْتِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَم يِجِدِ النَّاسُ عُلَمَاءَ يَسْتَفْتُونَهُمْ اسْتَفْتَوْا أُنَاسًا جُهَّالًا فَأَفْتُوا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» إذن حفظ الشريعة يكون بالعلماء، برجالها، فانْوِ بطلبك العلم حفظ الشريعة، ونعم الرجل أنت إذا كنت خزانة لشريعة الله عز وجل.
الثالث: أن ينوي بهذا -أي: بطلبه العلم- حماية الشريعة والذود عنها؛ لأن الشريعة لها أعداء معلنون بعداوتهم، وأعداء يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول، فلها أعداء، فأنت انْوِ بطلبك العلم حماية الشريعة والدفاع عنها، وإذا كان هذا مقصود طالب العلم فإنه سوف يختار الجهة التي يكون غزو أعداء المسلمين من ناحيتها، وعلى هذا يجب أن يكون على علم بما يجري في الساحة من الأفكار الرديئة أو العقائد الفاسدة، ونضرب مثلًا بوقت من الأوقات، مر على الناس وهم لا يعرفون مذاهب أهل التعطيل، ولا يعرفون الأفكار المنحرفة الهدامة؛ لأنهم لم يخرجوا من بلادهم، ولم يَفِد عليهم أحد من غيرهم، فهم ملتفون على علمائهم ولا يعرفون إلا الحق، هؤلاء لا يهمهم أن يشتغلوا بأمور أخرى من وسائل العلم أو الدفاع عن الشريعة؛ لأنهم آمنون، لكن إذا جاء العدو فلا بد أن نستعد له، وأن يكون استعدادنا بسلاح مناسب لسلاحهم، فمن المعلوم مثلًا أن من هاجمك بالمدافع والصواريخ لا يصح ولا يستقيم أن تدافعه بما يسمى بالسلاح الأبيض بالخناجر والسيوف وما أشبهها؛ لأن الواجب أن تستعد لكل عدو بما يناسب سلاحه.
فالآن صار في الساحة أفكار رديئة خبيثة إن لم تكن ملحدة فهي إلى الإلحاد أقرب من الاعتدال، ولا حاجة إلى التخصيص؛ لأنه معلوم عند كثير منكم.
نحتاج أن نعرف هذه الأفكار وكيف نبطلها، وإني أقول لكم: إن جميع الأفكار المنحرفة إبطالها سهل جدًّا، حتى وإن هولوا الأمر وإن ضخموه فهم كالإسفنج، اعصره بيدك يخرج كل ما فيه، ولا تتهيبوا؛ لأنهم ليس عندهم علم مسموع، ولا عقل مصنوع، فلا بد أن الإنسان إذا كان قد نوى بطلب العلم حماية الشريعة والدفاع عنها لا بد أن يعرف ما يكون في الساحة، حتى يستطيع أن يدافع، ولكل مقام مقال، ولكل مكان ما يناسبه.
وإني أقول لكم: إن حماية الشريعة والدفاع عنها لا يكون إلا برجالها، لو أنك كنت في مكتبة ومعك جماعة، ودخل رجل ملحد يقرر الإلحاد، وأنتم لا علم عندكم، لكن المكتبة مملوءة من الكتب التي ترد على الملحدين وتبين زيف ما هم عليه، هل يمكن أن يقفز كتاب منها من أجل أن يرد على هذا الملحد؟ لا يمكن، فالكتب وإن كثرت لا تفيد، لا بد من علماء، وإذا كان في هذا المكان الذي ذكرت، إذا كان فيه عالم فسوف يتكلم بما يرد قول هذا الملحد، حتى ينكص على عقبيه.
هذه أمور ثلاثة كلها تترتب على إخلاص النية.
الأمر الرابع: ما أشار إليه الإمام أحمد رحمه الله تعالى: أن ينوي رفع الجهل عن نفسه وعن غيره. ومتى كان ينوي ذلك فلا بد أن يجد في الطلب؛ لأن من أراد الغنى لا بد أن يكتسب، ولا بد أن يتجر، ولا بد أن يخوض جميع ميادين التجارة، فإذا كان يريد رفع الجهل عن نفسه فليس من الممكن ولا من المعقول أن يجلس من غير تعلم، لا بد أن يجدّ في الطلب، وإذا كان يريد رفع الجهل عن غيره فلا بد أن يحرص غاية الحرص على نشر علمه بالوسائل المناسبة، الوسائل القوية في كل مجال.
يمكن أن ينشر العلم عن طريق الحديث في المجالس العادية، جلس مجلسًا في وليمة، في أي مكان، يمكن أن ينشر علمه، ولكن كيف ذلك؟ بالطريقة اللبقة المحببة للنفوس، والتي لا توجب الملل والاستثقال، يمكن أن يورد مسألة من المسائل في هذا الجمع الذي عنده، يورد مسألة يقول: ما تقولون في رجل فعل كذا وكذا، أو قال كذا وكذا، أو يأتي بمسألة إلغاز حتى يفتح الأذهان، وحينئذ يدخل في تعليم الناس، لست أقول افرض نفسك في المجلس الذي أنت فيه؛ لأن هذا صعب على النفوس، لكن اجلبهم إلى العلم بالطرق المحببة المناسبة حتى يشتغل المجلس بالعلم، مناقشة أو إلقاء أو ما أشبه ذلك.
كذلك أيضًا ينشر علمه عن طريق الأشرطة، والأشرطة -ولله الحمد- نفع الله بها نفعًا كثيرًا، خصوصًا وأن الناس كثيرًا منهم -وخاصة من الشباب- يتلقون هذه الأشرطة بشغف ولهف، لا تكاد تخرج إلا والناس يتلقونها وينتفعون بها، فهذه الأشرطة ولله الحمد فيها مصلحة كبيرة ونشر للعلم، وليس في مكانك أو بلدك أو منطقتك، بل إنه يتعدى إلى خارج بلادك، كما سمعنا أن أشرطة الدعاة والعلماء تذهب إلى أماكن بعيدة، هذه من وسائل نشر العلم.
ثالثًا: يمكن أن تنشر العلم عن طريق الكتابة، كتابة الرسائل، تأليف كتب، نشرة ورقية، وما أشبه ذلك، بقدر المستطاع، حتى تنشر علمك وتنفع وتنتفع.
وهناك نشر للعلم بطريق خفي يخفى على طالب العلم أو على كثير من طلبة العلم ألا وهو نشر العلم عن طريق العمل به، كثيرًا ما يرقب الناس هذا العالِم ويرون ماذا يصنع فيقتدون به، قال بعض الناس: إنه كان يصلي، فقال بعض الذين شاهدوه: إنك تفعل كذا وكذا في صلاتك، فانظر كيف كان الناس يراقبون أفعال طالب العلم من أجل أن يقتدوا به، وهذا من طريق نشر العلم، بل قد يكون هذا من أبلغ الطرق التي يتأثر بها الناس؛ لأن تأثر الناس بالفعل قد يكون أشد وأقوى من تأثرهم بالقول، ولهذا نكرر ما أسلفناه من أن طالب العلم لا يكون فقيهًا إلا إذا عمل بعلمه، وإلا فهو قارئ وليس بفقيه.
وبهذه المناسبة أود أن أحثكم على مكارم الأخلاق من السماحة، وبذل السلام، وبذل المعروف، والتسامح فيما بينكم، وملاقاة الناس بالبشر وطلاقة الوجه، فقد كان من صفات النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان دائم البشر كثير التبسم صلوات الله وسلامه عليه، دائم البشر لا تجده منغلقًا ولا مكفهرًّا، كثير التبسم في محله، فلنا فيه صلوات الله وسلامه عليه أسوة حسنة، قال الله تعالى فيه: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: ٤].
ومما ينبغي لطالب العلم: أن يحفظ وقته عن الضياع، وضياع الوقت يكون بأسباب، أو يكون له وجوه:
الوجه الأول: أن يدع المذاكرة ومراجعة ما قرأ.
والوجه الثاني: أن يجلس إلى أصدقائه وأحبائه، ويتحدث معهم بحديث لغو ليس فيه فائدة.
الوجه الثالث: وهو أضرها على طالب العلم، ألا يكون له هم إلا تتبع أقوال الناس وما قيل وما يقال، وما حصل وما يحصل في أمر ليس معنيًّا به، وهذا لا شك أنه من ضعف الإسلام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيِه» ، والاشتغال بهذا القيل والقال وكثرة السؤال مضيعة للوقت، وهو في الحقيقة مرض إذا دب في الإنسان نسأل الله العافية صار أكبر همه، وربما يعادي من لا يستحق العداء، أو يوالي من لا يستحق الولاء من أجل تشاغله في هذه الأمور التي تشغله عن طلب العلم، بحجة أنه يقول له فكره هذا من باب الانتصار لصاحب الحق، وليس كذلك، بل هذا من إشغال النفس بما لا يعني الإنسان.
أما إذا جاءك الخبر بدون أن تتلقفه وبدون أن تطلبه فكل إنسان يتلقى الأخبار، لكن لا ينشغل بها، لا تكن أكبر همه؛ لأن هذا يشغل طالب العلم ويفسد عليه أمره، ويفتح في الأمة باب الحزبية والولاء والبراء فتتفرق الأمة، فنسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياكم لما فيه الخير والصلاح، وأن يجمع القلوب على طاعته، ويرزقنا علمًا نافعًا وعملًا صالحًا وزقًا طيبًا واسعًا يغنينا به عن خلقه.
الطالب: (...).
الشيخ: حقيقة أن الناس في كل أمورهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام -كل أمور الناس: طرفان ووسط، طرف مفَرِّط، وطرف مفْرِط، ووسط، من الناس من يشتغل بما يسمونه فقه الواقع ولا يكون له هم إلا تتبع الناس وقيل وقال وكثرة السؤال، وهذا لا شك أنه مضيعة وتشاغل بالمهم -إن كان مهمًّا- عن الأهم، وهذا غلط، ومن الناس من يتشاغل بالفقه الشرعي ويحرص عليه، لكنه لا يلتفت إلى أحوال الناس إطلاقًا، بل ربما ينكر من الفقه الشرعي ما يظن أن الدليل لا يدل عليه، وهذا أيضًا طرف خطأ، ومن الناس من يحاول الجمع بين هذا وهذا.
ونحن إذا سبرنا سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وجدنا أنه عليه الصلاة والسلام يفهم الواقع ويفهم الناس، ويفهم الخَيِّر من الشرير، لكنه صلى الله عليه وسلم يهتم بالأمر الثاني، الذي هو الفقه في الدين، ولهذا قال: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» ، لم يقل يفقهه في الواقع، فقه الواقع وسيلة للتطبيق فقط، فلا بد لطالب العلم من هذا ومن هذا، لا تجنح إلى طرف الفقه في الواقع، ولا تغلو في الفقه في الدين فتعرض عن كل شيء، فالإنسان يجب أن يكون وسطًا.
طالب: يا شيخ أحسن الله إليك، (...) حماية الشريعة، ولمن إذا نظرنا إلى واقعنا المعاصر الآن وسائل الإعلام تدعو إلى الكفر والإلحاد والشرك وما إلى ذلك، وأهل الحق يمنعون من ذلك، فكيف تكون حماية الشريعة بالله، أحسن الله إليكم؟
الشيخ: هو -بارك الله فيك- أنت انوِ بذلك حماية الشريعة، أما كونك تطبق ذلك في المجتمع هذا ليس إليك، هذا إلى الله عز وجل: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص: ٥٦]، وتعلمون ما جرى للإمام أحمد وغيره من الأئمة من المحن في محاولة تطبيق الشريعة في الناس، ومع ذلك هم صبروا واحتسبوا حتى ظهر الحق ولله الحمد، فتطبيق الشريعة ليس معناه أن طالب العلم إذا نوى تطبيق الشريعة وحمايتها أنه يستطيع ذلك، قد لا يستطيع، لكن هو ينوي هذا، ويجعل طلبه للعلم مركزًا على هذه النية، والله سبحانه وتعالى ييسر له الأمر، ثم إذا أوذي في الله فهو رفعة لدرجاته، ورفعة لذكره، لو تأملت من أكثر الناس إيذاء من العلماء لوجدت أنهم العلماء الكبار، هم الذين يلحقهم الأذى من حبس وضرب وإهانة، وربما قتل، فيكون هذا من رفعة الله لهم.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، ما العلوم التي يحسن لطالب العلم البدء فيها، (...)؟
الشيخ: والله نرى أن أهم المهمات العلم بهذا الكتاب العزيز؛ كتاب الله، قبل كل شيء؛ لأن الصحابة لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل، ثم العناية بما صح من السنة، ثم العناية بما كتبه أهل العلم وأخذوه من هذين المصدرين الأساسيين: الكتاب والسنة.
ولا يعني إذا قلنا: احرص على معرفة كلام الله وكلام رسوله أن تعرض عن كل شيء، لا بد أن ننتفع بأفكار العلماء الذين كرسوا جهودهم لخدمة العلم، وإلا ضِعْنَا، ولهذا كتب العلماء -رحمهم الله- في أصول الفقه، وفي أصول الحديث، وفي قواعد الفقه، وفي قواعد التحديث، وغير ذلك من أجل الضبط، حتى ينضبط الناس ويكونوا ماشين على قواعد معلومة.
الطالب: بارك الله فيكم، من الملاحظ أن حفظ المتون فيه صعوبة، بعض الناس يقول: أنا أكرر المسائل مرات فأفهمها وأكتفي بذلك عن حفظ المتون، فحفظ المتون في الفقه مثلًا يقول: هذه إنما كلام أناس نحن نأتي بمثله، ما رأيكم؟
الشيخ: أنا رأيي أن حفظ المتون هو الأساس، وما انتفعت بشيء انتفاعي بما حفظت من الكتب؛ لأن حفظ المسائل يطير، إلا مسائل تتكرر على الإنسان يوميًّا فهو لا ينساها من قِبَل العمل، فحفظ المتون هو العلم في الواقع، وكونه صعبًا على بعض الناس هذا صحيح، فبعض الناس يصعب عليه جدًّا أن يحفظ، تجده يكرر المتن تكرارًا كثيرًا ولكن ما يحفظه، لكن احرص على هذا، وكلما تقدمت السن بالإنسان قوي فهمه وضعف حفظه، يعني فهمه يقوى، ويتفتح عليه من الفهوم ما لم يكن يعرفه من قبل، لكن يقل حفظه، ولهذا ننصح الشاب بالحفظ، وأول ما يجب أن يحفظ كتاب الله الذي هو أساس كل شيء.
طالب: هل ينصح طالب العلم بأن يسير في فن من الفنون مثل فن الفقه، أو أنه يتنقل في الفنون، من فن العقيدة إلى فن الفقه؟
الشيخ: تعرف أن العلوم ليست سواء بعضها أهم من بعض، فأنت كرس جهودك على الأهم، ولا تخلي نفسك من العلوم الأخرى المساندة للأهم؛ يعني مثلًا رجل قال: أنا أهوى النحو، أبغي أكرس جهودي على النحو ولا أتعرض لغير هذا. نقول: غلط، كرس جهودك على ما تهواه نفسك لئلا يضيع عليك الوقت؛ لأن الإنسان إذا حاول أن يرغم نفسه في دراسة شيء لا يختاره سيضيع عليه الوقت، لكن لا تنسى العلوم الأخرى.
كذلك أيضًا لا تكثر على نفسك من العلوم؛ لأن كثرة العلوم تضعف الإنسان في همته وفي فهمه، والذين درسوا في المدارس النظامية يعرفون هذا، تجد مثلًا في المعاهد أو الثانويات تجد فيها مثلًا خمسة عشرة مادة تُضَيِّع على الإنسان، لو أردت أن تبحث معه في شيء عميق من المواد التي درسها ما وجدت عنده شيئا.
فإذا ركز الإنسان على العلوم واختصرها بقدر ما يستطيع صار هذا أجود له وأكثر استفادة، ويذكر أن بعض الناس يقول: إن من أتقن علمًا من العلوم إتقانًا جيدًا استغنى به عن سائر العلوم؛ وهذا لا شك أنه غلط، لو أنك أدركت النحو جيدًا، هل يغنيك عن معرفة الفقه؟
وما يذكر عن أبي يوسف والكسائي أنهما تناظرا في حضرة الرشيد، وقال الكسائي: إن الإنسان إذا أتقن العلم -أي علم أتقنه- يستغني به عن غيره، وأن أبا يوسف أورد عليه الرجل يسهو في سجود السهو، فقال الكسائي: ليس عليه سجود، قال: ومن أين يوجد هذا في علمك؟ -لأن الكسائي إمام في النحو- قال: من قواعد علمي أن المُصَغَّر لا يُصَغَّر؛ هذا يصح دليلًا في حكم شرعي؟ أبدًا، وأنا أظن أن هذه القصة مصنوعة، ما هي صحيحة.
لكن على كل حال الإنسان ينبغي له أن يركز، وأنا في نظري أن أهم ما أركز عليه هو القرآن الكريم، القرآن كنوز عظيمة، كلما أخذت آية وصرت تتأملها انفتح لك من العلوم فيها ما لا يعلمه إلا الله، ثم القرآن سند، يعني ليس القرآن ككتاب أي عالم من العلماء، هو سند يحتج به الإنسان أمام الله عز وجل؛ لأنه كلام الله سبحانه وتعالى، فلهذا أنا أرى أن نركز على علم التفسير، ثم على معرفة ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وأنتم تعرفون أن ما نسب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يحتاج إلى جهد قبل أن يكون دليلًا، الجهد هو أن نعرف صحته إلى الرسول؛ لأنه ما أكثر الأحاديث التي رواها ضعاف الناس رواية، إما لقلة أمانتهم أو لسوء حفظهم أو ما أشبه ذلك، بل ما أكثر الأحاديث الموضوعة المكذوبة على الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن الأهواء كثرت فصار من لا يخاف الله يضع ما شاء من الأحاديث وينسبها للرسول صلى الله عليه وسلم، تحتاج السنة إلى عناية كبيرة في ثبوت صحتها عن الرسول صلى الله عليه وسلم.
أما القرآن فلا يحتاج إلى هذا؛ لأنه ثابت بالنقل المتواتر الذي ينقله الأصاغر عن الأكابر، فالعناية بالكتاب والسنة هو أهل شيء، لكن لا يعني ذلك الإعراض عما كتبه العلماء، لا بد من الاستعانة بآراء العلماء وكيفية استنباطهم للأحكام من القرآن والسنة، ونقتصر على هذا.
***
طالب: مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ (٣١) وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [غافر: ٣١ - ٣٣].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، نبدأ هذا الصباح في درس التفسير، وينبغي أن نلم بشيء من قواعد التفسير، فنقول:
أولًا: التفسير مأخوذ من الفَسْر، فَسَرَت الثمرة عن قشرها؛ أي: اتضحت وبانت، وهو عبارة عن توضيح كلام الله عز وجل، والتفسير يُراد به التفسير اللفظي؛ يعني أن تفسر اللفظة بقطع النظر عن سياقها، ويُراد به التفسير المعنوي بأن تفسر اللفظة بحسب سياقها.
فمثلًا قول الله تبارك وتعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال: ٦٠]، إذا فسرنا القوة التفسير اللفظي صار معناها ضد الضعف، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ» ، وعلى هذا فنقول معنى القوة ضد الضعف، هذا باعتبار اللفظ، والمراد بها الرمي، هذا باعتبار المعنى المراد.
ومثله أيضًا: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس: ٢٦]، الزيادة معناها الفضل، زيادة الشيء على الشيء، هذا من حيث اللفظ، لكن المراد النظر إلى وجه الله عز وجل كما فسره النبي صلى الله عليه وسلم، إذن التفسير اللفظي غير المراد، المراد يعينه السياق أو يبينه النبي صلى الله عليه وسلم أو ما أشبه ذلك، وأما اللفظ فأنت تفسر الكلمة باعتبار معناها منفردة، دون النظر إلى سياقها.
والقرآن الكريم يفسر بالمعنى الأول ولّا بالمعنى الثاني؟ بالمعنى الثاني؛ أي: بما أراد الله به.
ثانيًا: هل المراد يخالف الظاهر أو هو الظاهر إلا بدليل؟ المراد هو الظاهر، يعني أن الله يريد بكلامه ظاهره، ولا بد، ولا يمكن أن نعدل عن الظاهر إلا بدليل، فمن عدل عن الظاهر إلى غيره بدون دليل كان ممن يحرفون الكلم عن مواضعه.
مثال هذه القاعدة قال الله تبارك وتعالى: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: ٥٤]، ظاهر قوله: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِأي: علا عليه علوًّا يليق بجلاله وعظمته، وهو علوٌّ خاص بالعرش، وليس هو العلو العام على جميع المخلوقات، فإذا جاء الإنسان وقال: استوى على العرش؛ يعني استولى عليه، فإننا لا نقبل منه، لماذا؟ لأن هذا خلاف الظاهر بلا دليل، فإذا كان خلاف الظاهر بلا دليل فإنه من باب تحريف الكلم عن مواضعه، وإن تَسَمَّى أهله بأنهم مؤوِّلة فإنما يسمون أنفسهم بذلك من أجل قبول قولهم، وتسهيل خطئهم على الناس؛ لأنه فرق بين أن تقول: هذا مؤول أو هذا محرف، وإلا فالحقيقة أنهم محرفون.
ولهذا تجدون شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- عبر في العقيدة الواسطية بقوله: من غير تحريف. ولم يقل: من غير تأويل؛ لأن التحريف مذموم بكل حال، والتأويل منه صحيح ومنه فاسد.
فإن دل دليل على أن المراد خلاف الظاهر فسرناه بالمراد، مثل قوله تعالى: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [النحل: ٩٨]، معنى قرأت؛ يعني: أردت أن تقرأ، وليس المعنى إذا فرغت، لو أننا فسرنا اللفظ بظاهره لقلنا: إذا قرأت؛ يعني: إذا انتهيت من القراءة فاستعذ بالله، ولكن هذا غير مراد، ما الذي يبيِّن أن هذا غير مراد؟ فعل النبي عليه الصلاة والسلام فإنه كان يستعيذ قبل أن يبدأ القراءة، هاتان قاعدتان.
القاعدة الثالثة: إلى من يُرجع في تفسير القرآن؟ هل يرجع إلى اللغة والحقيقة اللغوية أو يُرجع إلى الحقيقة الشرعية أو ماذا؟
نقول أولًا: يُرجع في التفسير إلى تفسير من تكلم به، وهو الله عز وجل، فيرجع في التفسير أولًا إلى كلام الله، فإذا كانت الكلمة مجملة في موضع من القرآن مفصلة في موضع، فإنه يُرجع إلى ما فُصِّل بالقرآن نفسه، إذا كانت مبهمة في موضع لكنها مبينة في موضع آخر نرجع إلى الموضع الآخر، فيُفَسَّر القرآن أولًا بالقرآن؛ لأن المتكلم به أعلم به من غيره، ففي قوله تعالى: الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ [القارعة: ١ - ٣] ما هي القارعة؟ بينها الله بقوله: يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ [القارعة: ٤]، وقال تعالى: وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ [الانفطار: ١٧، ١٨]، فسرها بقوله: يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا [الانفطار: ١٩]، وكذلك قوله تعالى: لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ [العلق: ١٥] أي: ناصية هي؟ كل ناصية يسفع الله بها؟ لا نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ [العلق: ١٦] وعلى هذا فَقِسْ، فنرجع أولًا إلى تفسير من تكلم به وهو الله، أي إلى تفسير القرآن بالقرآن.
ثم بعد هذا نرجع إلى تفسير القرآن بالسنة؛ لأن أعلم الناس بكلام الله رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنرجع إلى تفسيره، ولا نقبل تفسير غيره، مثال ذلك قوله تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس: ٢٦]، فقد فسرها صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأنها النظر إلى وجه الله، لو جاءنا جاءٍ وقال: (وزيادة) أي: زيادة في الحسن، قلنا له: لا نقبل قولك، وإن كانت الكلمة من حيث معناها اللفظي تحتمل ما قلت، لكنّا لا نقبل، لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فسرها بأنها النظر إلى وجه الله، وهو أعلم الناس بمراد ربه، فلا نقبل قولك.
ثالثًا: نرجع إلى تفسير الصحابة؛ يعني إذا لم نجد في القرآن ولا في السنة رجعنا إلى تفسير الصحابة؛ لأن الصحابة أعلم الناس بمراد الله ورسوله، حيث إنهم في عصر التنزيل، وشاهدوا الأحوال والقرائن الدالة على المراد، ولا شك أن المشاهد للشيء ليس كالغائب عنه، الآن ربما أتكلم أنا بكلام منفعل فيه، وأقول: أتفعلون كذا؟ ولمَ كذا؟ تجدونني منفعلًا، والذي يسمع كلامي وهو لم يشاهدني يظنه كلامًا عاديًّا، ولا يعرف؛ لأنه ما عنده قرينة، فلهذا نقول: الصحابة أعلم الناس بتفسير كلام الله ورسوله؛ لأنهم قد شاهدوا الأحوال وعرفوا القرائن فيرجع إلى تفسيرهم.
مثال ذلك قوله تعالى: وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ [النساء: ١٢]، فهنا فسر أبو بكر الكلالة بأنه من ليس له ولد ولا والد، بأنه الميت يموت ليس له ولد ولا والد؛ يعني لا أصول ولا فروع، هنا نأخذ بتفسير أبي بكر، لماذا؟ لأنه من الصحابة، والصحابة أعلم الناس بتفسير كلام الله عز وجل، ومعنى قولنا هذا أنه لو جاء أحد من المتأخرين، وفسر القرآن بخلاف ما فسرت به الصحابة فإننا لا نرجع إلى قوله أبدًا.
بعد ذلك الرابع: إذا لم نجد في القرآن ولا في السنة ولا في كلام الصحابة نرجع إلى أقوال التابعين، ولا سيما من عُرِف منهم بالتلقي عن الصحابة، مثل مجاهد بن جبر رحمه الله، فإنه قال: عرضت المصحف على ابن عباس مرتين أو أكثر أقفه عند كل آية وأسأله عن معناها ، فمثل هذا يؤخذ بقوله؛ لأنه أخذ عن الصحابة، وإن كان بعض التابعين قد لا ينال هذه المرتبة لعدم أخذه عن الصحابة، لكن على كل حال التابعون أقرب إلى المعنى الصحيح ممن بعدهم، إلا أنهم كما عرفتم يقلون مرتبة عن الصحابة.
الخامس: نرجع إلى المعنى الحقيقي للكلمة، وهو المعنى اللغوي؛ يعني نرجع إلى معنى الكلمة في اللغة العربية، ودليل ذلك قوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الزخرف: ٣] يعني: تفهمون المعنى، وهذا إحالة من الله عز وجل إلى اللغة العربية، وأن عقل القرآن يكون بمقتضى اللغة العربية، ولنا حجة، فإذا قال قائل: ما دليلك على أن معنى هذه الكلمة هو كذا؟ قلنا: هذا معناه في اللغة، والقرآن نزل باللغة العربية، وقد أشار الله إلى ذلك في قوله: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [الدخان: ٥٨] إلى غير ذلك من الآيات الواضحة.
فإن اختلفت الحقيقة اللغوية والحقيقة الشرعية رجعنا إلى الحقيقة الشرعية، يعني الحقيقة الشرعية واللغوية لا شك أنها تتفق في أشياء كثيرة، فالسماء سماء لغة وشرعًا، والأرض أرض لغة وشرعًا، والإبل إبل لغة وشرعًا، وما أشبه ذلك، فإن تعارضت الحقيقة الشرعية والحقيقة اللغوية نقدم الحقيقة الشرعية؛ لأن هناك كلمات نقلها الشرع من المعنى الأصلي اللغوي إلى المعنى الشرعي، مثال ذلك الإيمان، الإيمان في اللغة هو الإقرار والاعتراف أو التصديق على خلاف بين العلماء في التفسير، لكنه في الشرع غير ذلك، الإيمان في الشرع أوسع من هذا، يشمل المعنى اللغوي ويشمل ما سواه، مثل الأعمال، الأقوال، الأفعال، التروك، كل هذه من الإيمان شرعًا، ومثل الصلاة وجدنا في القرآن: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ [البقرة: ٤٣]، على أي شيء نحمل الصلاة؟ على المعنى اللغوي الذي هو الدعاء أو على المعنى الشرعي؟ على المعنى الشرعي؛ لأن الشرع نقل بعض الألفاظ العربية إلى معنى جديد ليس مستعملًا في اللغة العربية فنأخذ بما أقره الشرع.
أخذنا الآن خمسة: نرجع في التفسير إلى القرآن، السنة، الصحابة، التابعين، المعنى اللغوي، وإذا تعارض اللغة والشرع قدمنا المعنى الشرعي، وهذا هو المبحث أظن المبحث الثالث.
المبحث الرابع: هل يجوز لنا أن نفسر القرآن دون الرجوع إلى كلام العلماء المكتوب أو المسموع؟
هذا ينظر، إذا كانت الكلمة لها معنى لغوي، ولم نعلم أن لها معنى شرعيًّا يعارضه فلنا أن نفسر القرآن بمقتضى اللغة، إذا لم نعلم أن لها معنى شرعيًّا نُقلت إليه؛ لأن القرآن كما قلنا واستدللنا نزل باللغة العربية، فإذا فسرته بمقتضى اللغة العربية فلا بأس، لكن بشرط أن يكون لي علم باللغة العربية، ما هو أي عامي ييجي يفسر القرآن.
أما إذا فسرت القرآن بما يوافق رأيي مع مخالفته للقواعد السابقة، فهذا جاءت الأحاديث بالوعيد فيه، وأن من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار ، ولهذا أمثلة كثيرة عقدية وفقهية، كثير من العلماء فسروا القرآن بآرائهم؛ أي: بما يناسب مذاهبهم، وهذا في العقائد مشهور معروف، مثل: يفسر قول الله تعالى: وَجَاءَ رَبُّكَ [الفجر: ٢٢] أي جاء أمر ربك، يفسر قول الله تعالى: فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ [التوبة: ٦] بأنه الكلام المخلوق، يفسر قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: ٥٤] يعني: استولى عليه، يفسر قوله تعالى: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: ٧٥] أي: بقدرتي، وما أشبه ذلك، هذا قائل في القرآن برأيه لا شك؛ لأنه لا فسره بمقتضى اللغة، ولا بمقتضى الشرع، وإنما بمقتضى رأيه الذي يطابق ما هو عليه من المذهب أو من الطريقة.





