في هذا أمثلة كثيرة؛ عقدية وفقهية؛ كثير من العلماء فسَّروا القرآن بآرائهم؛ أي:
بما يناسب مذاهبهم. وهذا في العقائد مشهور معروف:
يفسر قول الله تعالى: وَجَاءَ رَبُّكَ [الفجر: ٢٢] أي: جاء أمر ربك.
يفسر قوله
تعالى: فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ [التوبة: ٦] بأنه الكلام المخلوق.
يفسر قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: ٥٤] يعني: استولى عليه.
يفسر قوله
تعالى: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: ٧٥] أي: بقدرتي
وما أشبه ذلك، هذا قال في القرآن برأيه لا شك؛ لأنه لا فسره بمقتضى اللغة، ولا
بمقتضى الشرع، وإنما بمقتضى رأيه الذي يطابق أيش؟ ما هو عليه من المذهب أو من
الطريقة.
فالتفسير بالرأي إذن مُحَرَّم ومن كبائر الذنوب، وهو داخل في قوله
تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا [الأنعام: ٢١]؛ لأن هذا المُفَسِّر يقول: إن الله أراد بهذا هذا،
فيكون صادقًا أو كاذبًا؟ يكون كاذبًا، فيكون ممن افترى على الله كذبًا؛ حيث قال: إن
الله أراد كذا؛ ثم هو ممن اعتدى في حق الله حيث قال: لم يُرِدْ كذا؛ شوف الخطر، إذا
قال: وَجَاءَ رَبُّكَقال أراد الله: وجاء أمر ربك،
فيكون كذب على الله، قال: ولم يرد أنه جاء بنفسه. يكون اعتدى على كلام الله وتجاوز
حده، من قال لك: إن الله لم يرد هذا، وهذا ظاهر كلامه؟ فيكون هذا معتديًا محرفًا
والعياذ بالله.
وكذلك أيضًا في المسائل الفقهية مثلًا: وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ [المائدة: ٦] قال
الرافضة: يعني أن الله أمرنا أن نمسح الأرجل بدل الغسل، فيقال: هؤلاء قالوا برأيهم؛
لأنهم أهملوا قراءة النصب وَأَرْجُلَكُمْولم يعملوا
بها، ثم خالفوا المراد بقراءة الجر، وهي أنها تُمْسَح الرجل على الوجه الذي بينته
السنة، وما الذي بينته السنة؟ أن الرجل تُمْسَح إذا كان عليها خُفَّان أو جوربان أو
ما أشبه ذلك؛ فتبين الآن أن التفسير بالرأي من كبائر الذنوب؛ لأنه يتضمن مفسدتين
عظيمتين:
إحداهما: تحريف الكلم عن مواضعه.
والثاني: الكذب على الله والتعدي
في حقه؛ حيث قالوا: إنه لم يردْ كذا وأراد كذا.
المبحث الخامس: أهمية التفسير،
التفسير من أَجَلِّ العلوم وأعلاها قَدْرًا؛ لأن الإنسان يحاول أن يفهم به معنى
كلام الله عز وجل، والعلوم تَشْرُف بحسب موضوعها، ولا أشرف من موضع تفسير كلام الله
عز وجل، فيكون التفسير من أَجَلِّ العلوم إن لم نَقُلْ: هو أجل العلوم وأعظمها
قدرًا؛ لأنه عناية بكلام الله عز وجل، ولأنه إتباع لطريق السلف الذين لا يجاوزون
عشر آيات حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل، ولأن الإنسان إذا فَهِمَ كلام
الله ذاق له طعمًا، وصار يقرؤُه وهو يجد حلاوة معناه والأنس به أكثر من إنسان
أُمِّيٍّ لا يعلم الكتاب إلا أماني.
ففي علم التفسير يطمئن القلب وفي علم
التفسير يعرف الإنسان قَدْر هذا القرآن العظيم الذي وصفه الله بعدة أوصاف عظيمة:
وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ [الحجر: ٨٧]، وأكثرنا -عفا الله عنا- لا يعتني بالتفسير، ولا
يهتم به، ربما يستشرف كتاب عالم من العلماء يخطئ ويصيب، ويتأمل هذا الكتاب منطوقًا
ومفهومًا وإشارة وإيماء وغير ذلك من أنواع الدلالة، لكن كلام الله لا يعتني به،
ولولا أنه يَتَبَرَّك به في أَجْرِه لما عَرَّج عليه أصلًا إلا أن يشاء الله، وهذا
غلط.
حتى في طلبة العلم الآن مَنْ لا يهتم بالتفسير، تجده يهتم بكتب الفقه، يهتم
بكتب الحديث، يهتم بكتب الرجال، ويُعْرِض عن هذا اللي هو الأصل، أصل الأصول الذي
يجب علينا أن نعرفه، والذي سنُحَاسَب عليه، «الْقُرْآنُ
حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ» استوقف
شخصًا من أكبر طلبة العلم، عندي آية من القرآن قل له: ما معناها؟ ما يقول؟ إما أن
يكون جريئًا فيقول: أراد الله بهذا كذا وكذا، وهو لم يرده، أو أنه يكون وَرِعًا
ويقول: لا أردي، لكن لو أن طلبة العلم أخذوا القرآن من أَوَّلِهِ يقرؤونه ويتدبرونه
ويتأملونه لوجدوا خيرًا كثيرًا، وانفتح لهم من أبواب المعرفة ما لا يخطر على
البال.
والله عز وجل في القرآن الكريم يقول: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ [القمر: ١٧] ما هو صعب، القرآن إذا أقبلت
عليه حقيقة بقلب ونية جازمة فهو سهل، أسهل من جميع الكتب؛ لأنه يقول: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر: ١٧].
هذه نُبَذٌ تَكَلَّمْتُ بها أسأل الله تعالى أن
ينفع بها في مقدمة التفسير؛ لأن بعض إخواننا قد لا يكونون حضروا مثل هذه
القواعد التي سوف تفيدهم إن شاء الله تعالى، أما الآن فإلى الدرس الذي نحن
بصدده.
طالب: يقول بعضهم: إن هناك شيئان ليس لهما سند
التفسير والتاريخ؛ ما صحة هذا القول؟
الشيخ: نعم، هذا
يذكر عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وقال هي ثلاثة: المغازي والسير والتفسير،
ومراده بذلك أنه ليس لها سند أن الناس يتناقلونها بدون إسناد، فمثلًا يقول: قال
مجاهد كذا، قال ابن عباس كذا، بدون إسناد هذا المعنى، كذلك التواريخ تجد مثلًا
يتكلم الناس في هذا في غزوة أحد، لكن لا تجد الرجل يقول: حدثني فلان عن فلان عن
فلان حتى يصل إلى الغزوة، وكذلك يقال في السير، هذا مراد الإمام أحمد رحمه الله
تعالى، وقصده بذلك أنك إذا سَمِعْت مثل هذا الذي اشتهر ونُقِلَ أن تتأكد
منه.
طالب: لو أن شيخا الآن أو مدرسًا عرض على طلابه
تفسير آية، وقال: ما تقولون في هذه الآية؟ وهو عالم بها، يجلس التلاميذ فيقول هذا
بقول وهذا بقول، هل يدخلون في ضمن (...)؟
الشيخ: لا،
هذا لا يدخل في ضمن؛ لأن هذا الذي قال: معنى الآيات: كذا. لا يريد أن هذا المعنى
مستقر، لكن يعرضه على شيخٍ أعلم منه، فكأنه حينما يقول: أراد الله كذا، كأنه يقول
بلسان الحال: هل أراد الله بهذا كذا؟ فهذا لا يُعْتبر تفسيرًا للقرآن بالرأي ولا
محرمًا.
طالب: بعض الناس يتركون التفسير ويتبعون السنة
وآثار الرجال وما أشبه ذلك، ويعللون يقولون: إن أهل البدع يستدلون بعمومات القرآن،
فنقرأ السنة لكي نبين هذه العمومات (...) السنة، فما رأيكم في هذا؟
الشيخ: رأيي صحيح أننا لا نزهد في السنة ولا في معرفة الرجال ولا
في معرفة المصطلح، لكننا نرى أن هناك أولويات، وهناك أهميات قَبْلَ المهمات، وأما
ما ادعاه من أن القرآن لم يُبَيِّن الرد على أهل البدع، والسنة بَيَّنَت فهذا غير
صحيح، القرآن ليس فيه دليل واحد لأي بدعة من البدع أبًدا، بل إن شيخ الإسلام رحمه
الله قال في كتابه درء تعارض العقل والنقل قال: أي دليل يستدل به شخص على
بدعة فأنا أجعل هذا الدليل دليلًا عليه. وصدق.
أضرب مثلًا لكم: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ [الأنعام: ١٠٣] استدلَّ بهذه الآية من يرى أن الله لا يُرَى، عرفتم؟ والحقيقة أنها
تدل على أن الله يرى، استدل بها وهي دليل عليه؛ لأن نَفْيَ الأَخَصَّ يستلزم وجود
الأعم؛ لَا تُدْرِكُهُإذن تراه، ولو كانت لا تراه
لقال: لا تراه الأبصار، أما أن يعبر بـلَا تُدْرِكُهُعن لا تراه فهذا لا شك أنه تعمية وإلغاز، ولا يمكن أن يكون هذا في كلام الله الذي
جعله الله تبيانًا لكل شيء، عرفت؟
استدلوا بقول موسى: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِيقالوا: هذا يدلُّ على أن
الله لا يرى؛ نقول: هذا دليل عليكم، موسى سأل الرؤية في الآخرة ولا في الدنيا؟ في
الدنيا، كيف تنقلونها أنتم إلى الآخرة؟! ولهذا قال: لَنْ تَرَانِييعني: الآن ليس بك قدرة على أن تتحمل رؤيتي، ورؤية الله تعالى
مستحيلة في الدنيا لا لأمر يتعلق بالرؤية، لكن لأمر يتعلق بالرائي، الرائي لا
يتحمل؛ ولهذا ضرب الله مثلًا لموسى فقال: انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ [الأعراف: ١٤٣] جَلَّ وعلا، ماذا صار؟ جَعَلَهُ دَكًّا، هذا الجبل العظيم الذي لا تدكه القنابل صار
دَكًّا بمجرد أن الله تجلى له؛ ولهذا خَرَّ موسى صعقًا، عجز أن يتحمل الموقف فضلًا
عن رؤية ربه عز وجل.
فالمهم أن الآية الآن فيها دليل عليهم؛ لأن موسى إنما سأل
الرؤية متى؟ في الدنيا لا في الآخرة.
ثم إن موسى سأل الرؤية وأنتم تقولون: رؤية
الله مستحيلة، إذن أنتم أعلم بالله من موسى؛ يعني: إما أن تكونوا أعلم بالله من
موسى؛ لأن موسى ما سأل شيئًا مستحيلًا، يرى أن الله يُرى، لكن البشر لا يتحملون
ذلك، فإما أن يكون جاهلًا بقدر الله وأنتم عالمون به، وإما أن يكون معتديًا على
الله حيث سأل ما لا يحل له سؤاله.
فأقول لكم يا إخواني: من قال: إن البدع لا
تُدْفَع إلا بالسنة أو لا يتم دفعها إلا بالسنة فقد أخطأ، وهذا يدل على قصور فهمه
للقرآن أو على تقصيره في تَفَهُّمِ القرآن، وإلا فالقرآن نفسه لا يمكن أن يوجد بدعة
إلى رَدَّ عليها، أبدًا، ولو لم يكن من ذلك إلا قوله: شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [الشورى: ٢١] هذه
الآية قاضية على كل بدعة، كل بدعة تُبْطَل بهذه الآية سواء كانت عقدية أو قولية أو
فعلية.
طالب: قلتم: إن تفسير القرآن بالقرآن ثم بالسنة
ثم بالصحابة، لكن لو أراد الإنسان أن يتتبع كل آية فينظر من أقوال الصحابة والسنة
وكذا لضاع عليه الوقت، لكن (...) كتاب تفسير من كتب الأئمة المعروفين (...) حتى
يحفظه.
الشيخ: هذا يكون تقليدًا؛ يعني: كوني أمسك تفسير
ابن كثير أو غيره من العلماء هذا تقليد، لكن أنا أريد تفسير المجتهد، أما مَنْ لم
يجد إلا ميتة فيأكل الميتة للضرورة؛ ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: ينبغي
أن نعلم أن التقليد بمنزلة أكل الميتة، إن اضطررت إليه فقلد وإلا فاجتهد، أدل إلى
البئر بمثل ما أدلى به الناس، أدلِ بدلوك، والحقيقة أن التقليد لا يجوز إلا عند
الضرورة وعند العجز، وإلا مَنْ أمكنه أن يأخذ الأحكام أو العقائد من كتاب الله وسنة
رسوله فليفعل؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ [القصص: ٦٥] هذه
تحتاج إلى جواب، ولولا قول الله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: ١٦] لقلنا: يجب على كل إنسان أن يجتهد، وأن يأخذ
الحُكْمَ من القرآن والسنة، لكن الحمد لله وسع الله علينا لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة: ٢٨٦] فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْوإلا لقلنا: يجب أن كل
واحد يأخذ من الكتاب والسنة؛ لأننا سنُسْأَل عن القرآن والسنة.
الطالب: ما أفضل كتب التفسير التي تمشي على القواعد التي ذكرتم
حتى يتبين للطالب ويتمرن عليها؟
الشيخ: هو أحسن شيء
فيما أرى من التفاسير التي تعتني بالأثر تفسير ابن كثير، تفسير ابن كثير من أحسن ما
يكون من الكتب التي تعتمد على التفسير بالأثر، لكن تعلمون أن القرآن -سبحان الله-
القرآن واسع، لو اجتمع الناس كلهم على أن يدركوا معناه ما استطاعوا، تجد مثلًا هذا
يبحث في القرآن من الناحية اللغوية، وهذا من الناحية العقدية، وهذا من الناحية
الفقهية، وهذا من ناحية البلاغة، علوم شتى كثيرة في القرآن الكريم؛ ابن كثير مثلًا
في الآثار لا شك أنه جيد، لكن في كثير من أمور اللغة يكون قاصرًا، أيضًا في استنباط
الأحكام قليل جدًّا أن يتكلم عن الأحكام، نجد مثلًا القرطبي يعتني بالأحكام
ويُفَرِّع على الآية وما أشبه ذلك، المهم: كل عالم له منهج في تفسير كلام الله عز
وجل.
طالب: (...) القرآن الكريم لا تُفَسَّر إلا
باللغة، فهل نجزم بأن التفسير اللغوي هو الصحيح؟
الشيخ:
يعني إذا وجدنا كلمة لم تفسر بالقرآن ولا بالسنة ولا بأقوال الصحابة، على كل حال
نرجع للغة؛ لأن القرآن كما قال الله عز وجل: بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء: ١٩٥] إِنَّا جَعَلْنَاهُ [الزخرف: ٣] أي: صيرناه قُرْآنًا عَرَبِيًّاأي: باللغة العربية لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الزخرف: ٣]، شوف الآيات الثانية: وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ [الشعراء: ١٩٨، ١٩٩] لماذا؟ لأنهم لا يفهمون
معناه.
الطالب: (...) فكيف نجمع بين هذا وحديث النبي
صلى الله عليه وسلم: «إِذَا اجْتَهَدَ الْعَالِمُ فَأَصَابَ
فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِنْ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ»؟
الشيخ: إي، إذا اجتهد، والذي يُفَسِّر القرآن برأيه ما اجتهد،
وأنا ضربت لكم عدة أمثلة من التفسير بالرأي، ليس معنى التفسير بالرأي أن تُفَسِّر
القرآن حسب ما تقتضيه اللغة العربية، التفسير بالرأي أن تحمل معنى القرآن على رأيك،
وهذا إنما يكون فيمن؟ في المتعصبين لمذاهبهم الذين يحاولون أن يَلْوُوا أعناق
النصوص إلى ما كانوا عليه.
طالب: الفقهاء يقولون: إن
الذي تزوج امرأة في عدتها وبنى بها تحرُم عليه تحريمًا مؤبدًا؟
الشيخ: من الفقهاء؟
الطالب: العلماء
يقولون: في كتب الفقه.
الشيخ: كتب من؟
الطالب: الكتب المعرفية.
الشيخ: هذه
-بارك الله فيك- على مذهب الحنابلة لا تحرم، لكن قد رُوِيَ عن عمر أثر بأنه
حَرَّمها على مَنْ تزوجها عقوبة له، عقوبة له ما هو تحريم نسب ولا مصاهرة لكن عقوبة
له، ولعلها مرت عليك قاعدة ابن رجب: (من تعجل شيئًا قبل أوانه -على وجه محرم- عوقب
بحرمانه) هذه قاعدة مفيدة لطالب العلم.
الطالب: هل هو
يدخل تحت هذه القاعدة؟
الشيخ: إي نعم.
***
الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (٣٠) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ (٣١) وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣) وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ [غافر: ٣٠ - ٣٤].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِوَقَالَ الَّذِي آمَنَأبهم الله سبحانه وتعالى الذي آمن حيث إنه من أول القصة وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ [غافر: ٢٨] فما زال الحديث عنه بلفظ الإبهام؛ لأنه لا حاجة إلى تعيينه باسمه، فإن تعيين الاسم قد يكون فيه شيء من الضرر، والمقصود هو المعنى وما تتضمنه هذه القصة.
قَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِيَا قَوْمِ: معروف أن (يا) النداء إذا دخلت على نكرة مقصودة فإنها تُبْنَى على الضم كما إذا دخلت على معرفة، وهنا لم تكن مبنية على الضم بل آخرها الكسر، فيقال: إن أصلها: يا قومي، ولكن حُذِفَت الياء للتخفيف، وفي قوله: يَا قَوْمِتَلَطُّف لدعوتهم، وإلا فهم معادون له؛ لأنهم كفار وهو مؤمن، لكن من باب التلطف في الدعوة إلى الله عز وجل قال لهم: يا قوم.
إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِأكَّد الجملة وإن كانت مستقرة في نفسه، لكن المخاطب بها فعلُه فعلُ المنكِر لها.
(إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِأي: يوم حزب بعد حزب) وإنما قال الشارح: (حزب بعد حزب)؛ لأن هذه الأحزاب ليست مجتمعة في آن واحد أو مكان واحد، بل نجد قصة نوح وحدها، وهود وحدها، وصالح وحدها وهكذا؛ ولذلك فَسَّر المؤلف قوله: يَوْمِ الْأَحْزَابِبقوله: (يوم حزب بعد حزب).
مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍمِثْلَهذه بدل من مِثْلَالتي قبلها، مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (٣٠) مِثْلَ دَأْبِ، والبدل أحد التوابع الأربعة المعروفة، أو من قول ابن مالك:
| يَتْبَعُ فِي الْإِعْرَابِ الْاسْمَاءَ الْأُوَلْ | نَعْتٌ وَتَوْكِيدٌ وَعَطْفٌ وَبَدَلْ |
وعلامةُ البدل أنه يصح أن يحل محل المُبْدَل منه؛ يعني: يصح أن يُحْذَف المبدل منه ويحل محله البدل.
فإن قال قائل: ما الفائدة من أن نأتي بالمبدل منه ثم بالبدل؟ لماذا لم نأت بالبدل من أول الأمر؟
نقول: لا بد أن يكون هناك فائدة؛ إما تفصيل بعد إجمال، أو تبيين بعد إبهام، أو ما أشبه ذلك، ولا بد أن يكون للبدل فائدة.
مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَإلى آخره، مثل دأبهم، هو لا يريد مثل دأبهم، يريد مثل جزاء دأبهم؛ لأن هناك دأب وهناك جزاء؛ فالجزاء من الله، والدأب من الأمم أو من الأحزاب، مثل دأب مثل جزاء دأبهم، فما دأبهم؟ بَيَّن الله تعالى دأبهم بقوله: كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا [آل عمران: ١١] هذا هو دأبهم.
مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَهؤلاء كلهم دَأْبُهم أيش؟ التكذيب بالرسل والكفر بهم.
وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْمن بعد مَنْ؟ من بعد قوم نوح وهي أول الأمم، وعاد وثمود.
قال المفسر: (مِثْلَبدل مِن مِثْلَقبله؛ أي: مثل جزاء عادة مَنْ كفر) فأفادنا المؤلف رحمه الله أنَّ في الكلام تقديرًا، أي أن في الكلام شيئًا محذوفًا، ما هو؟ جزاء، مثل جزاء دأبهم؛ لأن هذا هو الذي يخاف منه، أن ينال هؤلاء القوم عقوبة كما نال هؤلاء.
فإذا قال قائل: كيف يُطْلَق العمل على الجزاء؟ قلنا: لأنه سببه، وهذا يوجد في القرآن كثيرًا؛ أن الله تعالى يُطْلِق العمل على الجزاء مثل: ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [العنكبوت: ٥٥] المعنى: ذوقوا جزاء، لكن يُعَبَّر به أي: بالعمل عن الجزاء؛ لأن الجزاء من جنس العمل، وحتى يحذر الإنسان من عمله كما يحذر من عقوبة عمله.
يقول: (مثل جزاء عادة مَنْ كفر قبلكم من تعذيبهم في الدنيا).
قال: وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ(ما) نافية وهي تميمية أو حجازية؟ تميمية، القرآن تميمي ولا حجازي؟
طالب: القرآن عربي لكن أحيانا تأتي بعض الآيات على لغة تميم وأحيانا تأتي على لغة..
الشيخ: أنت من تميم؟
الطالب: لا.
الشيخ: ما تقولون في هذا؟
طالب: حجازية.
الشيخ: حجازية؛ لأن هذا القرآن باللغة الحجازية، انظروا إلى قوله تعالى: مَا هَذَا بَشَرًاولم يقل: ما هذا بشر، فنحمل كل ما كان على شاكلتها عليها، وإلا صحيح أن ما الله يريد ظلمًا للعباد ما تَتَبَيَّن أنها حجازية أو تميمية؛ لأن الخبر جملة ليس مفردًا يظهر فيه النصب، لكن يُحْمَل ما لا يظهر فيه الإعراب على ما ظهر فيه الإعراب وهو قوله: مَا هَذَا بَشَرًا، ثم اعلم أن القرآن إنما كُتِبَ بلغة قريش كما قال عثمان رضي الله عنه للذين كبتوا المصاحف قال: إن اختلفتم في شيء فاجعلوه على حرف قريش . يعني: على لغتهم.
وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ.
في هذه الآية من الفوائد: بيان نُصْحِ هذا الرجل المؤمن؛ حيث حَذَّر قومه من عذاب الله.
وفيه: دليل على التلطف في الدعوة إلى الله، وأن الإنسان لا يستعمل في الدعوة إلى الله عاطفته؛ لأنه إن استعمل عاطفته أخذته الغَيْرَة ففعل ما لا يحمد عقباه، وإنما يُحَكِّم العقل وينظر إلى العواقب والنتائج، ولا ضير على الإنسان إذا أصابه ذُلٌّ في أول الأمر إذا كانت النتيجة طيبة، ولا أظنه يخفى عليكم ما حصل للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في غزوة الحديبية من الشروط التي ظاهرها الإهانة ولكنها كانت نتيجتُها طيبة حتى إن الله تعالى سماها فتحًا لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ [الحديد: ١٠]، فالحاصل أنه ينبغي للإنسان عند الدعوة إلى الله ألا يُحَكِّم العاطفة فتزل قدمه، ولكن يُحَكِّم العقل وينظر إلى العواقب والنتائج.
ومن فوائد هذه الآية: بيان أن ذِكْرَ الأمم السابقة ينتشر في الأمم اللاحقة، إما بواسطة الكتب المُنَزَّلة، وإما بواسطة التاريخ المنقول، ويدل لذلك قوله: إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ [غافر: ٣٠]؛ لأنه لا يمكن أن يُخَوِّفَهُم بأمر لا يعرفونه، ولو كان الأمر كذلك لقالوا: ما هذه الأيام أو ما هذا الجزاء.
ومن فوائد الآية الكريمة: تحذير اللاحق أن يصيبه ما أصاب السابق؛ لقوله: مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (٣٠) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍووجه ذلك أن الله سبحانه وتعالى سنتُه في خلقه واحدة، هو لا يُعَذِّب هؤلاء لأنه يكرههم شخصيًّا، يعذب هؤلاء لأنه يَكْرَه عملهم فإذا وُجِدَ عملهم في آخرين فالكراهة حاصلة، واذكر قول الله تعالى: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا [محمد: ١٠]، وحذَّر شعيب قومه أن يصيبهم ما أصاب من قبلهم، فالحاصل أن الأمم لا بد أن يتعظ اللاحق بالسابق بناء على أن سنة الله واحدة.
ومن فوائد الآية الكريمة: انتفاء إرادة الله الظلمَ لعباده وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ، ومعلوم أنها إذا انتفت الإرادة انتفى الفعل، فنَفْيُ إرادة الظلم نفي للظلم من باب أولى، كما أنه جاءت آيات صريحة في نفي الظلم عن الله عز وجل.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اتصاف الله سبحانه وتعالى بالنفي، أي: أن الله يتصف بالصفات المنفية التي يُعَبِّر عنها بعض العلماء الصفات السلبية؛ لأن النفي سلب.
ولكن إذا قال قائل: هل في النفي ثناء ومدح مع أن الله عز وجل يقول: وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى [النحل: ٦٠] فصفات الله تعالى كلها صفات كمال، والنفي عدم، فهل يكون مدحًا وثناء؟
الجواب: نقول: أما بالنسبة لغير الله عز وجل فإنه لا يدل على الكمال ولا على المدح، أما بالنسبة لله فيتعين أن يكون دالًّا على الكمال؛ لقوله تعالى: وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَىفكل نفي نفاه الله عن نفسه فإنه متضمن للكمال، دليلنا هذه الآية: وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى، وإلا فالنفي المجرد لا يدل على الكمال إطلاقًا، بل أحيانًا يدل على النقص، فقول الشاعر مثلًا:
| قُبَيِّلَةٌ لَا يَغْدِرُونَ بِذِمَّةٍ | وَلَا يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَ خَرْدَلِ |
وَصَفَهُم بأنهم لا يغدرون بالعهد، وأنهم لا يظلمون، وهذا في ظاهره مدح، لكنه في الواقع ذَم، يذمهم بأنهم ناس جبناء وضعفاء، لا يغدرون لأنهم لا يستطيعون لجبنهم، ولا يظلمون لا يستطيعون لضعفهم، وكذلك قول الشاعر الآخر:
| لِكِنَّ قَوْمِي وَإِنْ كَانُوا ذَوِي عَدَدٍ | لَيْسُوا مِنَ الشَّرِّ فِي شَيْءٍ وَإِنْ هَانَا |
يعني: ما هم بالشر إطلاقًا ولو هان.
| يَجْزُونَ مِنْ ظُلْمِ أَهْلِ الظُّلْمِ مَغْفِرَةً | وَمِنْ إِسَاءَةِ أَهْلِ السُّوءِ إِحْسَانَا |
ثم قال:
| فَلَيْتَ لِي بِهِمُ قَوْمًا إِذَا رَكِبُوا | شَنُّوا الْإِغَارَةَ فُرْسَانًا وَرُكْبَانَا |
هنا يذمهم مع أنهم إذا ظُلِموا غفروا لمن ظلمهم، وإذا أُسِيء إليهم أحسنوا لمن أساء إليهم، وهذه صفة قد تبدو مطلوبة محمودة، لكن إذا كان السبب في ذلك أنهم ضعفاء صارت مذمومة.
والخلاصة الآن أنه لا يمكن أن يوجد في صفات الله تعالى نفيٌ محض أبدًا؛ الدليل قوله تعالى: وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَىوالنفي المحض ليس من المثل الأعلى في شيء، ولكن إذا نفى الله شيئًا عن نفسه فالمراد إثباتُ كمال ضده؛ يعني أنه لثبوت كمال ضده انتفى عنه هذا الشيء.
فما ضد الظلم؟ العدل، إذن نثبت من نفي الظلم عن الله نثبت إثبات كمال عدله، وأنه جل وعلا لعدله لا يظلم، لا لعجزه، لا، هو قادر على أن يظلم، لكنه لا يظلم لكمال عدله؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح القدسي: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي» لم يقل: يا عبادي إني لا أستطيع أن أظلم، قال: «إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي» وهذا يدلُّ على أنه قادر على أن يظلم، لكنه لا يظلم لكمال عدله، ولو كان غير قادر على أن يظلم لم يكن انتفاء الظلم عنه مدحًا؛ لأنه عاجز، لكنه قادر ولكنه لا يظلم.
أقول هذا؛ لأن الجهمية وغيرهم قالوا: إن الله لا يستطيع أن يظلم أبدًا، وإلى هذا أشار ابن القيم في النونية حين قال:
| وَالظُّلْمُ عِنْدَهُمْ الْمُحَالُ لِذَاتِهِ | ............................. |
يعني: أنه مستحيل لذاته، لا لكمال الله لكن لذاته، لا يمكن أن يظلم. ليش؟ قال: لأن الظلم أن يتصرف الإنسان في مُلْكِ غيره، والله عز وجل يتصرف في ملكه، فإذا ظَلَمَ لم يكن ظالمًا؛ لأن هذا ملكه، فيقال: تَبًّا لعقولكم الفاسدة؛ إذا وعد المؤمن بشيء على عمل معين وعمل هذا العمل ولم يُعْطِه إياه ماذا يكون؟ يكون ظلمًا ولا شك في هذا، وأنتم تقولون: يجوز أن يُثيبَ العاصي الذي يَعْصِي اللهَ كلَّ عمره، ويعاقب المطيع الذي يعمل بطاعة الله كل عمره؛ وأن الأمرين على حَدٍّ سواء؛ لأنه لا يظلم حيث إنه يتصرف في ملكه، فنقول: هذا لا شك أنه سفه في العقل وضلال في الدين، والله عز وجل وَعَد العاملَ عملًا صالحًا بالثواب، والمخالفَ بالعقاب؛ كيف يجوز أن يخلف الله وعده؟!
المهم على كل حال هذا قول باطل ولا شك في بطلانه، ومجرد تصوره يعرف الإنسان أنه باطل.
فقوله تعالى: وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِنقول: نفي إرادة الظلم يستلزم كمالَ عدله، وهو أيضًا يستلزم نفي الظلم؛ لأن مَنْ لا يريد الظلم لا يمكن أن يفعل الظلم.
ثم قال الله تبارك وتعالى: وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ [غافر: ٣٢] رضي الله عن هذا الرجل، خَوَّفهم أولًا بالعقوبة الدنيوية حين قال: إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ، ثم خَوَّفَهم من العقوبة الأخروية فقال: وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِقال: (بحذف الياء وإثباتها) {التَّنَادِي} هذا إثباتها، التَّنَادِهذا حذفها؛ أما إثباتها فعلى الأصل، وأما حذفها فللتخفيف، والياء دائمًا تُحْذَف للتخفيف، قراءة، أي نعم، والياء دائمًا تحذف دائمًا للتخفيف، مثل قول الله تعالى: فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ [الأنبياء: ٣٧] ويش أصلها؟ (تستعجلوني)، وليست النون هنا نون الرفع؛ لأنها مكسورة، فهي نون الوقاية وحُذِفَت الياء تخفيفًا.
طيب يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِكلمة يَوْمَهنا هل هي ظرف منصوبة على الظرفية والتقدير: إني أخاف عليكم العذاب يوم التناد، أو إن الفعل مُسَلَّطٌ عليها فهي مفعول به؟ الثاني؛ لقوله تعالى: يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ [النور: ٣٧] فجعل الخوف مُسَلَّطًا على يوم؛ لأن يوم تصلح أن تكون مفعولًا فيه، وأن تكون مفعولا به، وأن تكون مبتدأ، وأن تكون خبر مبتدأ، تتصرف.
يقول: (يَوْمَ التَّنَادِبحذف الياء وإثباتها أي: يوم القيامة) هذا هو المراد به، وأنا أشرت في كلامي على قواعد في التفسير أن هناك تفسيرًا لفظيًّا، والثاني: معنوي؛ اللفظي يُفَسِّر اللفظي، والمعنوي يُفَسِّر المراد، فهنا يَوْمَ التَّنَادِتفسيرها اللفظي أي: يوم يتنادى الناس بعضهم مع بعض. والمراد بها يوم القيامة، فإذا قلنا: يَوْمَ التَّنَادِأي: يوم القيامة فهذا ليس تفسيرًا لفظيًّا، بل هو تفسير معنوي للمراد بالآية.
يقول: (يَوْمَ التَّنَادِأي: يوم القيامة يكثر فيه نداء أصحاب الجنة أصحاب النار وبالعكس، والنداء بالسعادة لأهلها، والشقاوة لأهلها وغير ذلك) التنادي يوم القيامة يكثر، ينادي الله الناس، والناس ينادي بعضهم بعضًا، وأهل النار ينادون أهل الجنة، وأهل الجنة ينادون أهل النار، والتنادي الحاصل يوم القيامة ليس كالتنادي الحاصل في الدنيا؛ لأنه بأصوات مزعجة، وحزينة إذا كان أهل النار ينادون أهل الجنة وما أشبه ذلك، فهذا اليوم ذَكَّر هذا المؤمن قومه به ليحذروا من عذاب يوم القيامة.
ثم بَيَّن ذلك بقوله: (يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَعن موقف الحساب إلى النار مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِأي: من عذابه مِنْ عَاصِمٍمانع وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) وَصَفَ هذا اليوم بأوصاف:
أولُا: أنه يوم التناد، ينادي الناس بعضهم بعضًا، والله تعالى يناديهم أيضًا، ويتنادون بنداءات قد يكون بعضها مجهولًا لنا الآن.
الوصف الثاني: يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ، يَوْمَهذه بدل من قوله: يَوْمَ التَّنَادِأو عطف بيان، يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَمُدْبِرِينَهذه حال، حال مؤكدة لعاملها أو لصاحبها؟ لعاملها؛ لأن التولي هو الإدبار، وعلى هذا فهي حال مُؤَكِّدة لعاملها،؛ يعني: تولون يوم القيامة حال كونكم مدبرين، يولون إلى أي شيء؟ إلى النار، والعياذ بالله يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا [مريم: ٨٥، ٨٦]، فهم والعياذ بالله يولون مدبرين.
قال: مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍالجملة هذه جملة خبرية مبدوءة بـ (ما) النافية، والمبتدأ فيها قوله: مِنْ عَاصِمٍ، لكن دخلت عليه (مِنْ) الزائدة للتوكيد، وتقدير الكلام لولا من ما لكم من الله عاصم، وهنا نسأل هل هي تميمية أو حجازية؟ تتفق فيها اللغتان؛ لأنها لا تكون حجازية إلا بالترتيب كما قال ابن مالك:
| ........................ | مَعَ بَقَا النَّفْيِ وَتَرْتِيبٍ زُكِنْ |
وهنا لا ترتيب؛ لأن الخبر مقدم، وعلى هذا فنقول: (ما) هنا اتفقت فيها اللغتان التميمية والحجازية.
مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍأي: من مانع وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍهذه الجملة قد تُشْكِل كيف خَتَمَ بها الدعوة إلى الله عز وجل؛ لأن مقتضى الحال أن يقول: وأسأل الله لكم الهداية؟
فيقال: هل قوله: وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍهل هي من كلام الرجل أو من كلام الله؟ لا بد أن نبحث قَبْلَ كل شيء، هل هي من كلام الله عز وجل ليبين أن هؤلاء القوم مع قوة الدعوة لم يستفيدوا أو هي من كلام المؤمن؟ إن كانت من كلام الله فلا إشكال، ليس فيه إلا أنها حالت بين الكلام أوله وآخره، وهذا لا يضر؛ لأن الجملة الاعتراضية تأتي كثيرًا، وإن كانت من كلام الرجل فهنا محل الإشكال، ونُرْجِئ الأمر عنكم إلى غد إن شاء الله، يكون الجواب منكم غدًا، والله أعلم.
طالب: (...) يأتيه في أول الدعوة الضغط عليه أو ما أشبه ذلك (...) ويحاكم العقل، كيف الإنسان يعرف أن النتائج تكون طيبة (...)؟
الشيخ: هو لا شك أن الدعوة إلى الله برفق أقرب إلى النتائج الطيبة من العنف؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ» وكذلك قال: «إِنَّ اللَّهَ يُعْطِي بِالرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ» هذا واضح؛ يعني: لو لم يكن إلا أنا استعملنا ما هو أولى وما يحبه الله عز وجل لكفى، ونحن نشاهد الآن أن النتائج الطيبة في الدعوة برفق.
وهناك وقائع كثيرة؛ يقال: إن أحد مشائخ الدعوة من آل الشيخ جاء إليه رجال الحسبة يشكون عاملًا، ما هو عامل أجنبي، كان بالأول الناس يسنون الإبل ويسنون على البقر ويسنون على الحمير، ويسمون الذي يسوق السانية يسمونه عاملًا، ويكون معه عادة عصا طويلة من عسب النخل جيدة، لأنه يريد أن يسوق إبلًا أو بقرًا أو حُمُرًا؛ فجاءه قوم من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر عند غروب الشمس وهو يغني، عند غروب الشمس الناس يسبحون ويهللون وهذا يغني بأعلى صوته لأي شيء؟ لأن هذا يوجب أن تُهَمْلِج الدواب، تسرع، الدابة تطرب للغناء كما قال الرسول: «رِفْقًا بِالْقَوَارِيرِ» فتكلموا عليه، الناس يُسَبِّحون ويحمدون ويهللون في هذا الوقت وأنت رفعت صوت الشيطان. قال: ويش تقولون؟ قالوا: هذا اللي نقول. المسوقة هذه اللي تسمونها المسوقة عصا (...) أخذ بهم ضربًا، قال: أنا أسوق إبلي لأروي زرعي، وأنتم تقولون: ترفع صوت الشيطان، راحوا؛ لأنه هو قوي وكبير الجسم ونشيط، تَوَلَّوْا عنه وجاؤوا للشيخ وقالوا: يا شيخ، هذا الرجل الفلاني فعل كذا وكذا. قال: أنتم ويش قلتم له؟ قالوا: (...) الناس يسبحون ويهللون وأنت تغني، فقام على واحد منا بالمسوقة، قال: طيب، الظاهر أن الخطأ منكم أنتم، لكن خلوا الرفق بالأول، اليوم الثاني ذهب الشيخ العالم هذا عند غروب الشمس وجاء وإذا الرجل على حاله يغني ويسوق الإبل، وضع مشلحه على العصا على نخلة هناك وتوضأ، وقد أذن بعد ما فرغ من الوضوء، فجاء إلى الرجل وذاك يغني، الظاهر ما أدري أجاب المؤذن أو ما أجاب، المهم قال له: يا ابن الحلال، ألا أدلك على شيء أحسن من هذا؟ الآن أَذَّن لو رحت وصليت وبعدين ترجع أنزل الله لك البركة، والصلاة سبب للرزق وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ [طه: ١٣٢] المهم كلمه بهدوء، قال: الله يعافيك، الله يجزيك خيرًا، جاءني أمس ناس ثيران، أنا أفعل مثل ما أفعل اليوم، وقاموا يتكلمون علي، وقالوا: هذا صوت الشيطان، والله عجزت أن أملك نفسي وضربت واحدا منهم، لكن جزاك الله عني خيرًا، ذهب الشيخ يصلي، ويوم صلى وانتهى، والرجل قد لحقه لكن فاتته ركعة، تركه ما قال شيء، في اليوم الثاني راح يتوضأ عند غروب الشمس ولم يقل له شيئًا أبدًا، وجده في اليوم الثاني يصلي ولم يفته شيء، سبحان الله! المهم أن الرفق كله خير، وهذا شيء مجرب، لكن أحيانًا الإنسان للغيرة التي عنده يثور يعجز أن يملك نفسه، نقول: هَدِّئ؛ لأنك أنت مثل الطبيب الذي يريد أن يشق الجرح، فلا بد أن تكون بهدوء وعلى الوجه الذي يحصل به المطلوب.
الطالب: أعوذ بالله من الشطيان الرجيم: وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣) وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ [غافر: ٣٢ - ٣٤].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍوقبل أن ندخل في تفسير الجديد نسأل عما سبق:
قوله تبارك وتعالى عن مؤمن آل فرعون: مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَما معنى مثل دأب؟
الطالب: مثل جزاء قوم نوح وعاد وثمود.
الشيخ: يعني مثل جزائهم، وليس مثل دأبهم.
الطالب: على تقدير مضاف (...).
الشيخ: إذن هو من التعبير بالعمل عن الجزاء.
هل هذا كثير في القرآن أن يُعَبِّر عن الجزاء بالعمل؟
الطالب: نعم.
الشيخ: ما الحكمة منه؟
الطالب: لأن المقصود الجزاء (...) الجزاء لكي يكون أبلغ في الزجر حيث يكون العمل مذكر والجزاء مذكور.
طالب آخر: الجزاء من جنس العمل.
الشيخ: ليبين أن الجزاء من جنس العمل سواء في الخير أو في الشر.
قوله تعالى: وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِهل في الآية ما يدل على انتفاء الظلم عن الله؟
طالب: (...).
الشيخ: وكيف ذلك والآية لم يقل: وما الله يظلم، قال: وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا؟
طالب: أن الله ما أراد الظلم (...).
الشيخ: أنا أسألك الآن هل فيها دليل على نفي الظلم عن الله؟
طالب: (...).
الشيخ: كيف ذلك والآية تقول: وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا؟
طالب: أنه ذكر في الحديث..
الشيخ: دعنا من الحديث، نريد من الآية نفسها؟
طالب: لأن نفي الإرادة (...).
الشيخ: صحيح؛ لأن نفي الإرادة يستلزم نفي الوقوع من باب أولى.
نفي إرادة الظلم نفي للظلم، ما الذي نستفيده من نَفْيِ الظلم وهي صفة سلبية والسلب عدم؟
طالب: السلب عدم هذا في صفات المخلوقين أما في صفات الله سبحانه وتعالى فالسلب يراد به إثبات كمال ضده.
الشيخ: يعني: لا يوجد السلب المحض..
الطالب: في صفات الله.
الشيخ: إذن ما الذي يتضمنه نفي إرادة الظلم هنا؟
الطالب: كمال العدل لله سبحانه وتعالى.
الشيخ: أحسنت -بارك الله فيك- طيب، قوله تعالى: يَوْمَ التَّنَادِ؟
طالب: يوم القيامة.
الشيخ: المراد به يوم القيامة.
الطالب: (...).
الشيخ: وما معنى التناد؟
الطالب: مناداة أصحاب النار.
الشيخ: يعني التنادي بين الناس، ومنه؟
الطالب: مناداة أصحاب النار يوم القيامة..
الشيخ: لأصحاب؟
الطالب: الجنة.
الشيخ: طيب، ما الفرق بين التحذير الأول والثاني؟ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِثم قال: إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ؟
طالب: حذرهم بالعذاب الدنيوي وبالعذاب الأخروي.
الشيخ: أحسنت، الأول عقوبة دنيوية، والثاني عقوبة أخروية.
نأخذ الفوائد إن شاء الله:
من فوائد الآية وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ [غافر: ٣٢].
من فوائد الآية: أن هذا المحذر كان مؤمنا باليوم الآخر.
ومن فوائدها: أن ما يحدث في اليوم الآخر كان معلومًا للناس من قبل أن ينزل القرآن؛ لقوله: يَوْمَ التَّنَادِ؛ وذلك لأن هذا أمر لا بد منه، أي: لا بد أن يعلم العباد ما يحدث في اليوم الآخر ليكونوا على بصيرة من أمرهم.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن يوم القيامة له أحوال؛ فقد قال الله تعالى في سورة طه: وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا [طه: ١٠٨] وهنا يذكر أنه يوم تنادٍ، والنداء هو الصوت الرفيع، وعلى هذا فيكون الجمع بين هذه الآية وبين قوله: وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا [طه: ١٠٨] هو أن يوم القيامة له أحوال؛ لأن يوم القيامة مقداره خمسون ألف سنة، فلا بد أن تتغير أحوال الناس.
ومن فوائد الآية الكريمة: نصح هذا الرجل لقومه؛ حيث يناديه بهذا النداء اللطيف يَا قَوْمِ.
ثم قال الله تبارك وتعالى: مُكَمِّلًا لما ذكره هذا المُحَذِّر: يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ [غافر: ٣٣] هذه معروف إعرابها أنها بدل مما سبق، ففيها: إثبات أن آل فرعون يولون مدبرين يوم القيامة إذا لم يؤمنوا، وقد بين الله في آية أخرى أنهم يعرضون على النار غُدُوًّا وعَشِيًّا، وأنهم يوم القيامة يقال لهم: أدخلوا آل فرعون أشد العذاب، فهم والعياذ بالله سيولون مدبرين معذبين في نار جهنم.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا أحد يَعْصِم من عذاب الله؛ لقوله: مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ، وهذا كقول نوح لابنه لما قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ [هود: ٤٣] قال: لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ [هود: ٤٣].
***
ثم قال الله تعالى: وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [غافر: ٣٣] (من) هذه شرطية، وفعل الشرط (يضلل)، وحُرِّكَ بالكسر لالتقاء الساكنين، وجواب الشرط جملة: فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍوقُرِنَ بالفاء؛ لأنه لا يصلح أن يكون فعلًا للشرط، وكل جواب لا يصلح أن يكون فعلًا للشرط فإنه يجب أن يَقْتَرِنَ بالفاء، كما قال ابن مالك:| وَاقْرِنْ بِفَا حَتْمًا جَوَابًا لَوْ جُعِلْ | شَرْطًا لِـ(إِنْ) أَوْ غَيْرِهَا لَمْ يَنْجَعِلْ |
وذكروا له ستة ضوابط مجموعة في قوله:
| اسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّةٌ وَبِجَامِدٍ | وَبِـ(مَا) وَ(قَدْ) وَبِـ(لَنْ) وَبِالتَّنْفِيسِ |
فهذه الجمل الستُّ إذا وقعت جوابًا للشرط فإنه يجب أن يقترن بالفاء، وهنا الجملة؟ مُصَدَّرة بـ(ما)، وإن شئت فقل: إنها جملة اسمية، ولا مانع أن يوجد سببان لحكم واحد.
وقوله: مِنْ هَادٍأصلها:من هادي، بالياء وحُذِفَت الياء للتخفيف.
يقول الله عز وجل: إن من يضلل الله أي: من كتب الله إضلاله فإنه لا أحد يهديه؛ لأن الذي يهدي ويضل هو الله، بيده الأمر كله، ولكن ليُعْلَم أنه لا يهدي أحدًا إلا لحكمة ولا يضل أحدًا إلا لحكمة، فمن كان أهلًا للهداية هداه، ومن كان أهلًا للإضلال أضله والعياذ بالله، وإلا فإن الله سبحانه وتعالى لا يحرم فضله مَنْ أراده، إنما يحرم فضله مَنْ لم يُرِدْه، ودليل هذا قوله تعالى: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف: ٥] فجعل إزاغة الله لقلوبهم مُتَرَتِّبًا على زيغهم، أما مَنْ أراد الهدى بِجِدٍّ فإن الله سبحانه وتعالى يُيَسِّرُه له فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى [الليل: ٥ - ٧]؛ إذن قوله: وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍمقيد بماذا؟ بمن فعل ما يقتضي إضلاله؛ لأن الله لا يضل أحدًا إلا لحكمة.
ومن فوائد هذه الآية: أنه يجب على الإنسان إذا أراد أن يسأل الهداية أَلَّا يسألها إِلَّا مِنَ الله الذي بيده الإضلال والهداية؛ فلا تسألْ الهدايةَ من غيره، اسألها من الله عز وجل، فيستفاد منها تفويض الأمر إلى الله تبارك وتعالى.
ثم قال تعالى: وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ [غافر: ٣٤] هذا من كلام مَنْ؟ من كلام الرجل المؤمن المُحَذِّر، قال: لَقَدْ جَاءَكُمْ، الجملة هنا مؤكدة بثلاثة مؤكدات:
باللام و(قد) والقسم وكلما جاءتك صيغة كهذه فإنها مؤكدة بثلاثة مؤكدات: اللام و(قد) والقسم؛ لأن تقدير الكلام: والله لقد جاءكم.
وقوله: يُوسُفُالمراد به يوسف بن يعقوب، فإن قال إنسان: كيف يخاطبهم فيقول: جاءكم، ويوسف بن يعقوب قَبْلَهم بأزمان كثيرة؟
فيقال: إن ما حصل للأسلاف فهو للأخلاف، يعني: أن ما جاء أسلافهم فهو كالذي جاءهم، ودليل ذلك أن الله يخاطب بني إسرائيل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم بما حصل لأسلافهم في عهد موسى، وبينهم قرون كثيرة: وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦) وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ [البقرة: ٥٥ - ٥٧] معلوم أن هذا كله لم يحصل لليهود في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه حصل لأسلافهم، فما كان من الأمة من أولها فإنه ثابت للأمة في آخرها، إذن لا إشكال في هذه الآية ما دمنا نقول: إنه قد جاء أسلافهم، وأن ما يحصل من أسلافهم فيما سبق يكون منسوبًا إلى الجميع إذا لم يخرجوا عن هذا المنهاج.
(وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِأي: مِنْ قبل موسى، وهو يوسف بن يعقوب) إلى آخره.
قوله: مِنْ قَبْلُلماذا جَرَّها بالضم والمعروف أن (مِنْ) حرف جر إذا دخلت على كلمة جَرَّتْها كسرتها، تقول: من زيدٍ، فهنا قال: مِنْ قَبْلُ؟
طالب: مبنية.
الشيخ: مبنية! لا إله إلا الله، ويش سبب بنائها؟
الطالب: أحيانا تعرب وأحيانا تبنى.
الشيخ: طيب أحيانًا تبنى وأحيانًا تعرب. متى تبنى ومتى تعرب؟
الطالب: (...).
الشيخ: يعني: إذا لم تُضَفْ بُنِيَت، طيب وإذا أضيفت؟
الطالب: أعربت.
الشيخ: مطلقًا.
الطالب: حُذِفَ المضافُ إليه ونُوِيَ معناه.
الشيخ: أحسنت، حُذِفَ المضاف إليه ونُوِيَ معناه؛ لأنه إما أن يوجد المضاف أو يُحْذَف ويُنْوَى معناه، أو يحذف وينوى لفظه، أو يحذف ولا ينوى لا لفظه ولا معناه. فالأقسام أربعة، تبنى في واحد منها والباقي معربة؛ تبنى إذا حذف المضاف إليه ونوي معناه.
فإن قال قائل: ما هو الدليل؟ قلنا: الدليل أنها تكون مضمومة؛ لأنها تُبْنَى على الضم، فإذا كَلَّمَنَا مَنْ هو عالم بالعربية وبناها على الضم عرفنا أنه حَذَف المضافَ ونوى معناه.
يقول: مِنْ قَبْلُأي: من قبل مجيء موسى عليه الصلاة والسلام (وهو يوسف بن يعقوب في قولٍ عُمِّر إلى زمن موسى أو يوسف بن إبراهيم بن يوسف بن يعقوب في قول) يعني: حكى المؤلف رحمه الله قولين في المراد بيوسف، فقيل: إنه يوسف بن يعقوب وأنه عُمِّر إلى زمن موسى، وهذا قول باطل لا إشكال فيه، ليس بصحيح بل هو باطل؛ لأنه لو كان الأمر كذلك لكان يأتي موسى ويتصل به؛ لأنهم كلاهما رسول.
القول الثاني: أنه يوسف وجَدُّه يوسف بن يعقوب، يوسف بن إبراهيم بن يوسف وهذا أيضًا لا دليل عليه، والصواب أن المراد به يوسف بن يعقوب وأنه لم يُعَمَّر إلى زمن موسى، وأنه مات في زمنه، لكنه جاء أسلافهم؛ لأنه -كما تعرفون- يوسف عليه الصلاة والسلام أخذه المارة الذين مروا بالبئر الذي أُلْقِيَ فيها وذهبوا به إلى مصر، والقصة معروفة في سورة كاملة.
وقوله: بِالْبَيِّنَاتِالبينات من (بان يبين) إذا ظهر، ومعلوم أنها وَصْفٌ لموصوف محذوف؛ وذلك لأنه يجوز أن يُحْذَف النعت وأن يحذف المنعوت إذا دلَّ عليه دليل؛ فما هو المحذوف هنا؟ المحذوف تقديره الآيات، كما يعبر به في القرآن كثيرًا، بالآيات البينات، بآيات بينات وما أشبهها.
وأما قوله: (بالمعجزات) فإن هذا تعبير متأخر لم يُعْرَف في عهد السلف، وهو تعبير ناقص؛ لأن كلمة معجزة تشمل ما يفعله السحرة والمشعوذون من الأمور الخارقة للعادة، فإنها تُعْجِزْ مَنْ ليس منهم، ولكنه إذا قيل: آية بمعنى علامة صارت أَبْيَن وأوضح وأوفق لموافقتها للتعبير القرآني، على أنه لا يمكن أن تكون آية لرسول إلا والناس يعجزون عنها، لماذا؟ لأنهم لو كانوا يستطيعون أن يأتوا بمثلها لم تكن آية للنبي؛ إذ كل واحد يأتي بها.
طيب إذن تقدير الكلام: بالآيات البينات، ولكن حُذِفَ الموصوف لدلالة السياق عليه، ومنه قوله تعالى: أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ [سبأ: ١١] يعني: أن اعمل دروعًا سابغات، طيب.
بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِيعني: مِنْ وقت يوسف إلى وقت موسى وآل فرعون، وإن شئتَ فعَبِّرْ بالقبط، في شك مما جاء به يوسف، فلم يؤمنوا به الإيمان الواجب الخالي من الشك.
(حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْمن غير برهان لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا) يعني: أنهم كانوا في شك مما جاء به يوسف ولم يصدِّقوه، ولما هلك قالت لهم نفوسهم: الآن استرحتم فلن يبعث الله من بعده رسولًا، كُفِيتُم، هلك مَنْ أُرْسِلَ فكذبتموه فاطمئنوا لن يبعث الله من بعده رسولًا، فكانوا قالوا ذلك بناء على أُمْنِيَّةٍ كاذبة؛ لأنهم قالوا: هذا الرسول الذي جاءنا وتَوَعَّدَنْا إن خالفناه، مات، هلك، فلن يأتي من بعده رسول، وحينئذ نكون قد استرحنا من الرسل ومشاكلهم على زعمهم.
(قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًاأي: فلن تزالوا كافرين بيوسف وغيره)؛ لأنهم إذا قَرَّروا في أنفسهم أن الله لن يبعث رسولًا فسوف يُكَذِّبُون كلَّ من جاء من الرسل من بعد يوسف بناء على هذه العقيدة الفاسدة التي أَصَّلُوها.
قال الله تعالى: (كَذَلِكَأي: مثل إضلالكم يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌمشرك مُرْتَابٌشاك فيما شهدت به البينات) كَذَلِكَقال المفسر: (أي: مثل إضلالكم يُضِلُّ اللَّهُ) وعلى هذا فتكون إعرابها: الكاف: اسم بمعنى مثل، وهي مفعول مطلق مضاف إلى اسم الإشارة، وعامله قوله: يُضِلُّ، عامله متأخر عنه، وهذا التعبير القرآني يَكْثُر في كلام الله عز وجل، وإعرابه كما سمعتم؛ أن تقول: الكاف اسم بمعنى مثل منصوبة على المفعولية المطلقة، مضافة إلى اسم الإشارة.
فإن قيل: وهل الكاف تأتي اسمًا؟ قلنا: نعم، اللغة العربية واسعة، وإلَّا فالأصل أن الكاف حرف، لكن تكون اسمًا، قال ابن مالك:
| شَبِّهْ بِـــــــــــكَافٍ وَبِهَا التَّعْــــــــــــــــــلِيلُ قَدْ | يُعْنَى وَزَائِدًا لِتَوْكِيدٍ وَرَدْ |
| وَاسْتُعْمِلَ اسْمًا وَكَذَا (عَنْ) و(عَلَى) | ...................... |
استعمل: يعني الكاف اسمًا أي في اللغة العربية.
كَذَلِكَأي: مثل ذلكم يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌلا يضل الله تعالى رجلًا مؤمنًا مقتصدًا مُوقنًا أبدًا، يضل الله والعياذ بالله مَنْ هو مسرف مرتاب.
يقول: (مُسْرِفٌمشرك) ولا شك أن الشرك من الإسراف؛ لأن الإسراف معناه تجاوز الحد، ومن جعل لله شريكًا فقد تجاوز الحد بلا شك، لكن معنى الآية أعم من المشرك، فالمسرف مَنْ تَجَاوَزَ حَدَّه هذا المسرف بإفراطٍ أو تفريط، لكن الغالب يكون بالإفراط؛ لأنه مجاوزة الحد زيادة، فالمشرك لا شك أنه مسرف، والمستكبر مسرف، والجاحد مسرف، وهلم جرًّا، إذن مَنْ هُوَ مُسْرِفٌينبغي أن يقال في تفسيرها: مَنْ هو مجاوزٌ لحدِّه كالمشرك.
وقوله: (مُرْتَابٌأي شاك) نسأل الله تعالى أن يعيذنا وإياكم من الشك. المرتاب -والعياذ بالله- الذي يطمئن للارتياب لا يهتدي، يبقى على ضلاله والعياذ بالله، أما إذا أوقع الشيطان في قلبك شكًّا ثم حاولتَ أن تَنْزِعَه من قلبك فإن الله يعينك عليه ويهديك، لكن البلاء كل البلاء أن تركن إلى هذا الشكِّ وألا تَنْتَشِلَ منه، والدليل على هذا ما شكاه الصحابة رضي الله عنهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يقع في نفوسهم حتى قالوا: نودُّ أن يكون الواحد منا حممة، أي: فحمًا محترقًا ولا نتكلم به، فأخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن ذلك لا يضرهم، لماذا؟ لأنهم لا يركنون إلى ما وقع في قلوبهم؛ ولهذا يجب أن تكون شجاعًا؛ إذا ألقى الشيطان في قلبك مثل هذه الأمور فكن شجاعًا، لا تركن لا تسترسلْ معها، كنْ شجاعًا، استعمل معه السلاح الذي أعطاك إياه مَنْ هو عالم به، ومن هو عالم بإصابته بالعدو وهو الرسول صلى الله عليه وسلم، وذلك بأمرين فقط:
أن تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وتنتهي، تعرض، استعذ بالله ثم انتهِ، وبذلك يزول عنك هذا البلاء، أما إن استرسلتَ معه فالأمر خطير جدًّا؛ لأنه يتفاعل في نفسك ويقوى حتى يصل إلى درجة الشك والارتياب، وحينئذ تُحْرَم من الهداية، وهذا لا شك أنه من حكمة القرآن مثل هذا التعبير، لئلا يقع في نفسك مثل ما ذكر الله عز وجل، فدواؤه بهذين الأمرين، لو أن أذكى العالم حاول أن يجد دواء لهذا البلاء ما وجده بهذه العبارة المختصرة السهلة، قال: «فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ ثُمَّ لِيَنْتَهِ» اعرض عن هذا، اشتغل بشؤونك، وقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فاشتغالك بشؤونك وإعراضك عنه يوجب لك أن تنساه، وهذا شيء مشاهد ومُجَرَّب.
في الآية فوائد منها: تمام نصح هذا الرجل حينما ذَكَّر قومه بما سلف.
ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يكون لديه عِلْم بما سبق؛ فإن التاريخ عِبَرٌ سواء في هذه المسألة الكبيرة أو في المسائل الصغيرة، اقرأ التاريخ يتبينْ لك ما قَدَّره الله على العباد، وأن سنةَ الله سبحانه وتعالى في السابقين ستكون في اللاحقين، فمن فوائد الآية: أنه ينبغي أن يكون عند الإنسان خبرة بما سبق.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن أعظم رسول أُرْسِلَ إلى آل فرعون بعد موسى هو يوسف؛ ولهذا طُوِي ذكر ما بعده، والظاهر -والله أعلم- أن الله تعالى لا يدع هذه الأمة -أعني أمة فرعون- لا يدعهم بلا رسول من بعد موسى الذي له أزمان كثيرة، لكنهم ليسوا كيوسف فَنَوَّه بذكر يوسف.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الرسل يأتون بالبينات الدالة على صدقهم ونبوتهم؛ لأن هذا من حكمة الله، لو أرسل الله رسولًا للناس ليس معه آية وقال: أنا رسول الله إليكم آمنوا بي وإلا فلكم النار، هل يطيعونه؟ أبدًا، يقولون: هذا مجنون، لا بد من آية تدل على صدقه، وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «مَا مِنْ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَّا آتَاهُ مِنَ الْآيَاتِ مَا يُؤْمِنُ عَلَى مِثْلِهِ الْبَشَرُ» لا بد من ذلك.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الآيات التي جاءت بها الرسل آيات بَيِّنة لا تخفى إلا على العُمْيَان، ودليل ذلك قوله: بِالْبَيِّنَاتِوهنا رَكَّز على الوصف دون الموصوف؛ لأن الوصف أهم، وهو كون هذه الآيات بينة لا تخفى على أحد.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن آل فرعون ما زالوا في شكٍّ حتى مع وجود يوسف فهم في شك؛ لأن الله تعالى لم يُقَدِّر هدايتهم، فبقوا حَيَارى واستمروا على الكفر.
ومن فوائد الآية الكريمة: بيان كراهة الشعوب المكذِّبة للرسل لما جاءت به الرسل؛ لأنهم كأنهم انتهزوا الفرصة لما هلك يوسف فقالوا: لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًاوهذا يدل على أنم متضايقون غاية التضايق بوجود يوسف عليه السلام.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإيمان بوجود الله لا يكفي في التوحيد والخلاص من عذاب الله، من أين يُؤْخَذ؟ من قولهم: لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُفهؤلاء كانوا مقرين بالله ومع ذلك لم ينفعهم إقرارهم بالله.
وكذلك الذين بُعِثَ فيهم الرسول عليه الصلاة والسلام مُقِرُّون بالله؛ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ [يونس: ٣١] مؤمنين بالربوبية تمامًا، وبأن المدبر هو الله، ومع ذلك استباح النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم دماءهم وأموالهم ونساءهم وذرياتهم وأرضهم؛ لأن مجرد الإيمان بالله ليس إيمانًا أبدًا، لا بد من الإيمان بالله عز وجل بوجوهه الأربعة المعروفة وهي: الإيمان بوجوده وبربوبيته وبألوهيته وبأسمائه وصفاته لا بد من هذا، فمن لم يؤمن كذلك فليس بمؤمن بالله.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن إضلال الله عز وجل لا يكون إلا في محل من هو أهل للإضلال؛ لقوله: كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ [غافر: ٣٤].
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن مَنْ لزم حَدَّه وأيقن بما يجب الإيقان به فإنه أبعد الناس عن الإضلال، يؤخذ هذا من المفهوم أو من المنطوق؟ من المفهوم، إذا كان الله يضل من هو مسرف مرتاب فإنه يهدي من لزم حده وأيقن في أمره وآمن بذلك، كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ، والله أعلم.
طالب: شيخ، في الدرس الماضي إشكال طلبت منا أن نخبرك عنه وهو قوله: وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ، قلت: لماذا لم يقل بعد هذا النصح: أسأل الله لكم الهداية أو شيئًا من هذا؟ (...).
الشيخ: طيب، اقرأ.
الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم: جاء في تفسير التحرير والتنوير: قوله: وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍعطف على جملة: إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْلتضمنها معنى: إني أرشدكم إلى الحذر من يوم التنادي، وفي الكلام إيجاز يدل عليه الجملة المعطوفة، والتقدير: هذا إرشاد لكم فإن هداكم الله عملتم به، وإن أعرضتم عنه فذلك لأن الله أضلكم وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ؛ وفي الجملة معنى التذييل، ولم يقل لهم: ومن يهد الله فما له من مضل؛ لأنه أحس منهم الإعراض، ولم يتوسم فيهم مخائل الانتفاع بنصحه وموعظته.
وقوله: وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍيهديه إلى طريق النجاة أصلًا، وكأن الرجل يئس من عدم قبولهم نصحه فقال ذلك.
الشيخ: هذا هو الظاهر، أن الرجل آيس، وهذا كقول نوح عليه الصلاة والسلام: رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا [نوح: ٢٦، ٢٧].
الطالب: قلنا: (...) الآية أن الإسراف ينقسم إلى قسمين، وهنا فَسَّر الإسراف بالمشرك، وآية أخرى كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا [الأعراف: ٣١] (...) يتقسم إلى قسمين؟
الشيخ: غالب الأشياء تنقسم إلى قسمين أو أكثر؛ الإسراف أكبر وأصغر ومتوسط، فليس المسرف في الإشراك كالمسرف في خبزة يأكلها. (...).
قوله: الَّذِينَ يُجَادِلُونَ [غافر: ٣٥] المجادلة هي المخاصمة والمناظرة من أجل إفحام الخصم، مأخوذة من جدل الحبل أي: فتله، فإن الحبل إذا فُتِلَ احتكم وصار أقوى، فهذا المجادل تجده يحتكم ويتصلب من أجل أن يغلب مُجادِلَه.
وقوله: فِي آيَاتِ اللَّهِقال المؤلف المفسر: (معجزاته) والصواب أن يقال: آيات الله؛ يعني العلامات الدالة على ما يستحقه جل وعلا من الربوبية والألوهية والأسماء والصفات والأحكام وغير ذلك، هذا هو المراد، وقد مر علينا أنه لا ينبغي أن نسمي الآيات المعجزات؛ لأن ذلك نقص في التعبير، وليس محددًا للمعنى، وربما يدخل عليه فِعْلُ المشعوذين والسحرة؛ لأنه معجز.
وقوله: يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِهل هم يجادلون لإثبات الآيات أو لنفي الآيات؟ الثاني لا شك؛ ولهذا قال: بِغَيْرِ سُلْطَانٍلأنهم لو كانوا يجادلون لإثبات الآيات والإقرار بها لكانوا على سلطان.
وقوله: بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْقال المؤلف: (برهان) أي: بغير دليل؛ وذلك لأن السلطان كل ما يكون به السلطة، ويختلف بحسب السياق، فالإمام الأعظم يسمى السلطان لأنه ذو سلطة، والدليل يُسَمَّى سلطانًا؛ لأن الآخذ به ذو سلطة، وعلى هذا يكون معنى قوله: بِغَيْرِ سُلْطَانٍأي: بغير دليل.





