قال: بِغَيْرِ سُلْطَانٍلأنهم لو كانوا يجادلون
لإثبات الآيات والإقرار بها لكانوا على سلطان.
وقوله: بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْقال المؤلف: (برهان) أي:
بغير دليل؛ وذلك لأن السلطان كل ما يكون به السلطة، ويختلف بحسب السياق؛ فالإمام
الأعظم يسمى السلطان لأنه ذو سلطة، والدليل يُسَمَّى سلطانًا لأن الآخذ به ذو سلطة،
وعلى هذا يكون معنى قوله: بِغَيْرِ سُلْطَانٍأي: بغير
دليل.
وهذا النعت أو الحال يعني جملة: بِغَيْرِ سُلْطَانٍحال من فاعل يُجَادِلُونَ، هذا الوصف
وصف لبيان الواقع وليس وصفًا مقيِّدًا، والفرق أننا لو قلنا: إنه وصف مقيد صار
الذين يجادون بآيات الله لإبطالها أحيانًا يكون معهم سلطان وأحيانًا لا يكون معهم
سلطان، والواقع أنه ليس لهم سلطان، والقيد المبين للواقع ليس له مفهوم، وهذا آت في
القرآن كثيرًا، وإنما المقصود به -أي بالقيد المبين للواقع- المقصود به الاستدلال؛
يعني: فكأنه تعليل للموصوف.
وانظر إلى قول الله تعالى: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ [المؤمنون: ١١٧] فقوله: لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِمُبَيِّن للواقع وليس قيدًا؛ لأنه لا
يمكن أن يدعوَ أحد مع الله إلهًا آخر له فيه برهان.
وكذلك قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ [الأنفال:٢٤] فإن هذا لا يعني أنه قد
يدعونا لما لا يحيينا، بل هو لا يدعون إلا لما يحيينا، فيكون هذا كالتعليل لموصوفه
الذي صار قيدًا فيه.
إذن بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ [غافر: ٣٥] هذا نقول: إنه وصف لبيان الحال والواقع، وأنه لا
سلطان لهم بذلك، وعلى هذا فيكون كالتعليل لموصوفه، وأعنى بالوصف هنا ما يشمل الحال
وغير الحال.
وقوله: أَتَاهُمْالجملة صفة لسلطان،
وقوله: كَبُرَ مَقْتًاهذه الجملة خبر مبتدأ؛ وقوله:
كَبُرَأي: عظُم، وضُمَّت الباء حتى صار من باب فعُل؛
لأنه أريد به التعجب، يعني: ما أكبر مقتهم عند الله.
قال: مَقْتًاهذه تمييز لكَبُرَ؛ لأن
كبر المراد به الجدال، يعني كبر جدالهم مقتًا، فهي مميزة للفاعل المستتر.
وقول
المؤلف: (كَبُرَجدالهم مَقْتًا) الصواب أن يقال: كبر مقتهم مقتًا
عند الله؛ لأن التمييز مبيِّن للفاعل المستتر، وقوله: مَقْتًاالمقت هو أشد البغض، وقوله: عِنْدَ اللَّهِمتعلق بكَبُرَ.
كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا [غافر: ٣٥] يعني: وكذلك المؤمنون يكبر مقتهم
لهؤلاء المجادلين في آيات الله بغير سلطان الذين يريدون إدحاض الحق وإظهار الباطل،
وقوله: عِنْدَ الَّذِينَ آمَنُواإذا أُطْلِقَ الإيمان
فالمراد به ما يشمل الإسلام، وإذا أطلق الإسلام فالمراد به ما يشمل الإيمان، ولهذا
لو سُئِلْتَ فقيل لك: هل الإسلام والإيمان مترادفان بمعنى واحد؟
فقل: هما عند
الإفراد مترادفان، وأما عند الاقتران فإنه يُفَسَّر الإيمان بأعمال القلوب،
والإسلام بأعمال الجوارح؛ مثال ذلك قول الله تبارك وتعالى: قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات: ١٤]
ففرَّق بين الإيمان والإسلام، وبَيَّن أن الإيمان لم يدخل في قلوبهم ولكنه قريب
الدخول؛ لأن (لمَّا) تفيد القرب.
إذن في حديث جبريل فرَّق بين الإيمان والإسلام،
لماذا؟
طالب: (...).
الشيخ:
وهكذا إذا اجتمعا.
ومنه قوله تعالى: فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [الذاريات: ٣٥، ٣٦] ففرَّق بين هذا وهذا؛ المُخْرَجُون
مؤمنون والبيت مسلم لأن في البيت امرأةً كافرة وهي امرأة لوط، فهي في ظاهر الحال
مسلمة مستسلمة؛ لأنها لا تُظْهِر أنها كافرة كما قال تعالى: فَخَانَتَاهُمَا [التحريم: ١٠]، ولكن حينما أراد الله عز وجل
أن يُنْجِيَ مَنْ ينجي من قوم لوط أنجى المؤمنين فقط، وأما المرأة فبقيت مع قومها
وهلكت.
يقول: كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ [غافر: ٣٥] نعوذ بالله، كَذَلِكَمرت علينا، وقلنا: مثل هذا التركيب يكون إعرابه
كالتالي: الكاف اسم بمعنى مثل وهي مفعول مطلق للفعل الذي بعدها، العامل فيها الفعل
الذي بعدها، ويَطْبَعُهو الفعل العامل، وعليه فنقول:
مثل هذا الطبع يطبع الله.
وأما قول المؤلف رحمه الله تعالى: (مثل إضلالهم)
ففيه نظر، وإن كان يلزم من الإضلال الطبع، لكن الأحسن أن يُفَسَّر بما يطابق
العامل، فيقال: مثل هذا الطبع يطبع الله.
قال: (يَطْبَعُيختم) نعم الطبع بمعنى الختم، كأن
الله جعل على قلوبهم غِلافًا ثم ختم عليه كما يُخْتَم على الوثائق، وقد أشار الله
إلى ذلك في قوله: وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا [النساء: ١٥٥].
(كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُبالضلال عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ)
قوله: يطبع الله بالضلال، يقال فيها كما قيل فيما سبق بأن المراد: يطبع الله بالطبع
على القلوب على كل قلب متكبر.
وقوله: (عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍبتنوين قلب ودونه) {عَلَى كُلِّ قَلْبٍ مُتَكَبِّرٍ}، وعَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ، والفرق أنه على قراءة التنوين يكون التكبر وصفًا
للقلب، وعلى قراءة الإضافة يكون الطبع على قلب المتكبر، وليس القلب هو المتكبر،
والمعنى واحد؛ لأنه إذا تكبَّر القلب تكبرت النفس؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:
«أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةٌ إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ
الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ
الْقَلْبُ» .
قوله:
عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ، أو {قَلْبٍ مُتَكَبِّرٍ}، التكبر: معناه الترفُّع، يعني أن
الإنسان يترفع، وهو نوعان: تكبر على الخلق، وتكبر عن الحق، وإلى هذا يشير قول النبي
صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ
وَغَمْطُ النَّاسِ» بطر الحق:
يعني رده وعدم الإذعان له، وغمط الناس: يعني احتقارهم فيرى نفسه أنه فوق الناس؛ هذا
هو الكبر والعياذ بالله، ومعلوم أن مَنْ غمط الحق وازدراه فإنه لا يأخذ به؛ إذ كيف
يأخذ بشيء يرى أنه نقيصة، وكذلك مَنْ غمط الناس فإنه لا يعدل فيهم، بل يعاملهم
بالكبرياء -والعياذ بالله- فيكون الطبع حقيقًا بمثل هذا القلب، وقد أخبر النبي صلى
الله عليه وعلى آله وسلم أنه «لَا يَدْخُلِ الْجَنَّةَ مَنْ
فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ».
في هذه الآية فوائد:
أولًا:
كراهة الله سبحانه وتعالى للذين يجادلون في آيات الله لأجل إبطالها؛ لقوله:
الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ.
ومن
فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا سلطان لكل إنسان جادل لإدحاض الحق وإظهار
الباطل، يؤخذ من قوله: بِغَيْرِ سُلْطَانٍ.
ومن فوائدها: تقوية قلوب المجادلين بالحق؛ لأنكم تعلمون أن
الجدال يكون من طرفين، فالمجادل في آيات الله لإبطالها هذا لا حجة له، يكون الخصم
المقابل الآخر يكون له حجة أو لا؟ فإذن إذا عَلِم المجادل الذي يريد إثباتَ الحقِّ
وإبطال الباطل أنه لا سلطان لخصمه فإنه سوف يَقْوَى قلبُه ويزداد ثباتًا؛ فيستفاد
منه بطريق المفهوم أن المجادل في آيات الله لإثباتها سيكون معه السلطان
والقوة.
ولكن هل كل من معه حجة يستطيع أن يحتجَّ بها؟ لا، قد لا يستطيع، هو يعرف
أنه على حق لكن لا يستطيع أن يجادل بها؛ ولهذا ينبغي للإنسان أن يعرف ما عند
الأقوام من الباطل ليتمكن من ردهم، أما كونه لا يقرأ الباطل ويقول: أنا كل ما ورد
علي من باطل فعندي القدرة على دفاعه، فهذا قد يُخْذَل الإنسان في مكان يحب أن ينتصر
فيه، فلا بد مِنْ أن يعرف الإنسان الباطل من أجل أن يَرُدَّ عليه، ولهذا نرى
العلماء المحققين يقرؤون كتب المناطقة والفلاسفة وغيرها ثم يردون عليها، وهذا إنما
يكون في رجل رسخت قدمُه في العلم، أما رجل ابتدأ طالبًا فهذا لا نشير عليه أن يقرأ
كتب أهل الضلال؛ وذلك لأنه ليس عنده مَنَعَة فيُخْشَى أن يتأثر بهذه الكتب فيضل،
لكن الراسخ في العلم نقول: اقرأ حتى تعرف كيف ترد على هؤلاء.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن مَنْ جادل بحقٍّ فليس بمذموم؛
لقوله: بِغَيْرِ سُلْطَانٍإذ لو كان لهم سلطان لكانوا
على حق، لكن ليس لهم سلطان.
ومن فوائد الآية
الكريمة: إثبات المَقْت لله عز وجل وأنه يتفاضل، فيكون مقته على شخص أو
طائفة أكبر من مقته على شخص أو طائفة آخرين، من أين يؤخذ؟ من قوله: كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ.
وهل هذا المقت حقيقة أو
يراد به لازمه وهو العقوبة؟ الأول، هذا مذهب أهل السنة والجماعة أنهم يقولون: كل ما
وصف الله به نفسه فهو على حقيقته، لكنه يجب أن نعلم أنه لا يماثل صفات المخلوقين؛
لأن الله أثبت ونفى، قال: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: ١١]، وهذه خذها جادة عندك، امشِ عليها في
كل ما وصف الله به نفسه، لا تقل: هذا لا يُرَادُ به ظاهره، كل ما وصف الله به نفسه
فإنه يراد به ظاهرُه لكن يُنَزَّه عن مماثلة المخلوقين. إذن الله سبحانه وتعالى
يمقت ويبغض ويكره ويحب حقًّا على حقيقته، ولكنه لا يماثل صفات المخلوقين.
وذهب
أهل التعطيل الذين يحكمون على الله بعقولهم لا بكلامه وبكلام رسوله، ذهبوا إلى أن
مثل هذه الأوصاف يجب وجوبًا أن تُؤَوَّل إلى لوازمها، فيقولون مثلًا: المقت المراد
به الانتقام والعقوبة، وليس البغض أو الكراهة أو أشد من ذلك، فيقال لهم: إذا فسرتم
ذلك بالعقوبة ارتكبتم محذورين:
المحذور الأول: إخراج كلام الله عن
ظاهره.
والمحذور الثاني: إثبات معنى لا يراد به. أفهمتم؟
وهكذا كل مُحَرِّف
نقول: إنه ارتكب محذورين: المحذور الأول: إخراج الكلام عن ظاهره، وهذه جناية لا شك
حيث سلب اللفظ معناه، والثاني: إثبات معنى لا يراد باللفظ، وهذا عدوان أيضًا، فكل
مُؤَوِّل فإنه يرتكب هذين المحذورين.
والعجب أنهم يُسَمُّون أنفسهم أهل التأويل،
والصواب أنهم أهل التحريف، لكن هم تَسَمَّوْا بهذا الاسم تلطيفًا لما هم عليه من
الباطل؛ لأن التأويل يراد به حق ويراد به باطل، إذا أَوَّلْنَا الكلام بما يريد به
المتكلم فهذا حق، لكن بخلافه هذا باطل، وهذا هو الذي هم عليه، ولكن عدلوا عن اسم
التحريف إلى اسم التأويل.
وانظر إلى دقة عبارة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله
في العقيدة الواسطية قال: من غير تحريف ولا تعطيل. ولم يقل: من غير تأويل،
مع أن أكثر الذين يتكلمون في العقائد أو يكتبون في العقائد يقولون: من غير تأويل.
ولكن ما قاله هو الصحيح؛ لأن كل تأويل لا يدل عليه الدليل فهو تحريف.
إذن نحن
نثبت لله بأنه يَمْقُت ويكره ويبغض حقًّا على حقيقته، وأما العقوبة فهي من لازم
ذلك؛ ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله وغيره قال: أنتم إذا أثبتم أن الله يعاقب فقد
أثبتم أن الله يكره بطريق اللزوم؛ إذ لا يُعاقِب إلا من يكرهه، لا يمكن أن يعاقب من
يحب، فأنتم لما فررتم من إثبات الكراهة أو المقت وقعتم فيه من وجه آخر، نقول: إذا
أَثْبَتُّم العقوبة فلا عقوبة إلا بعد مقت وكراهة، هذا أمر ضروري؛ لأنه لا يمكن
لأحد يحب شخصًا أن يقوم ويضربه.
من فوائد الآية
الكريمة: إثبات العندية لله؛ عِنْدَ اللَّهِ. ثم
العندية نوعان: عندية وصف، وعندية قرب؛ فقول الله تبارك وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ [الأعراف: ٢٠٦] هذه أيش؟ عندية قرب. وقوله هنا: كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِعندية وصف، لأن المقت ليس
شيئًا منفصلًا بائنًا عن الله حتى يكون عندية قُرْبٍ، بل هذا عندية وصف، كما تقول
للشخص: أنت عندي عزيز، تقوله وهو بعيد منك، وليس المعنى أنت عندي عزيز يعني قريب،
لا، هذه عندية وصف؛ أي أن عزتك عندي قائمة بي.
ومن فوائد
الآية الكريمة: أن ما يكرهه الله فإن المؤمنين يكرهونه؛ لقوله: وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُواوهذه علامة الإيمان خذها قياسًا
وميزانَ عدلٍ، متى رأيت من نفسك أنك تكره ما يكرهه الله وتحب ما يحبه الله فذلك
الإيمان، دلَّ عليه هذه الآية وغيرُها من الآيات والأحاديث، ودلَّ عليه العقل
أيضًا، لأن من كمال المحبة والإيمان أن تُحِبَّ ما يحبه مَنْ تحب وتكره ما
يكرهه.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: فضيلة الإيمان
حيث يكون المؤمن دائرًا مع الله عز وجل في محبة ما يحب وكراهة ما يكره.
ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من الكبر وأنه سبب للطبع
على القلب والعياذ بالله، في قوله: كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ.
ومن
فوائد الآية الكريمة أيضًا: التحذير من الجبروت وهو التعاظم على الغير
والشدة عليه وما أشبه ذلك لقوله: كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ. إذن في الآية التحذير من الكبر والجبروت.
ومن فوائد الآية: الرد على من قيل: الكمال أن تتصف بصفات
الكامل. يعنون الله، ولا أكمل من الله.
نقول: هذه قاعدة من أفضل القواعد، ولا
يمكن للإنسان أن يجاري الله تعالى في أوصافه؛ فالتكبر والجبروت والتعالي والتعاظم
بالنسبة لله؟
طلبة: كمال.
الشيخ: وبالنسبة لنا؟ نقص وعيب وسبب للبلاء، وبهذا بطلت هذه
القاعدة التي لا أساس لها من الصحة.
حتى إن بعضهم وضع حديثًا قال: «تَخَلَّقُوا بِأَخْلَاقِ اللَّهِ» أعوذ
بالله، هل نسمي أوصاف الله أخلاقًا؟ أبدًا، لا نسميها؛ لأن كلمة أخلاق قد تدل على
خلق كَسْبِيٍّ، والأخلاق نوعان: غريزي وكسبي، لا إشكال في هذا؛ ولهذا لما قال
الرسول صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس قال: «إِنَّ فِيكَ
لَخُلُقَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ: الْحِلُمُ، وَالْأَنَاةُ» قال: يا رسول
الله أخلقان تَخَلَّقْتُ بهما أم جَبَلَنِي الله عليهما؟ قال: «بَلْ جَبَلَكَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا» قال:
الحمد لله الذي جبلني على ما يحب، أو كلمة نحوها.
فالأخلاق كسبي وغريزي، ولا
يمكن أن نسمي أوصاف الله تعالى أخلاقًا له، بل نقول: أوصاف وصفات وما أشبه ذلك، على
أن من العلماء من أنكر أن تقول: لله صفة مثل ابن حزم، ابن حزم رحمه الله قال: إياك
أن تقول: لله صفة، الله ما له صفة، الأسماء لا بأس، صفة لا، لكنه محجوج بقول الرجل
الذي كان يقرأ قل هو الله أحد قال: «إِنَّهَا صِفَةُ
الرَّحْمَنِ وَأُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَهَا» .
فعلى
كل حال نحن نقول: إن هذه الآية تدل دلالة واضحة على كذب هذه القاعدة التي قَعَّدَها
من قَعَّدَها من الناس، ونحن نقول لكل مؤمن: تخلقْ بأخلاق النبي صلى الله عليه
وسلم؛ لأن نبينا صلى الله عليه وسلم لنا أسوة.
***
وقوله: (وبالعكس) فيه نظر؛ لأنه يقتضي أن يتكبر صاحب القلب قبل القلب؛ لأنك إذا عكست العبارة: متى تكبر القلب تكبر صاحبه، متى تكبر صاحب القلب تكبر القلب، هل هذا صحيح؟ لا، لكن مراده رحمه الله أن تَكبُّر القلب وتكبر النفس متلازمان، إن تكبر القلب تكبرت النفس، وإن تكبرت النفس كان ذلك دليلًا على أن القلب متكبر.
(وكل على القراءتين لعموم الضلال جميع القلب لا لعموم القلب).
طالب: (لعموم الضلال جميع القلوب لا لعموم القلوب).
الشيخ: طيب ما يخالف. يمكن القلوب أصح. ما عندكم حاشية الجمل؟ ويش يقول؟ الظاهر أن القلوب أصح.
الطالب: قوله: (لعموم الضلال جميع القلب) أي: جميع أجزائه فلم يبقَ فيه محل يقبل الاهتداء، وقوله: (لا لعموم القلوب) أي: لا لعموم إخراج القلوب، وهذا الصنيع إخراج لها عن موضوعها من أنها إذا دخلت على نكرة مطلقة أو على معرفة مجموعة تكون لعموم الأفراد، وإذا دخلت على معرفة مفردة تكون لعموم الأجزاء، وهنا قد دخلت على النكرة فكان حقها أن تكون لعموم الأفراد لا لعموم الأجزاء كما سلكه الشارح فليُتَأَمَّل. انتهى شيخنا.
الشيخ: ذَكَر القلوب هنا؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: (لا لعموم القلوب).
الطالب: إي نعم، (لا لعموم القلوب).
كلام المؤلف الآن يقول: إن الكُلية هنا تعود على الفرد لا على الأفراد عَلَى كُلِّ قَلْبِيعني: على كل القلب لا على بعضه، وليست لعموم القلوب، يعني: ليست لعموم كل قلب على حدة، ولكن ما ذهب إليه ليس بصواب، بل نقول: على كل القلوب، والعموم مستفاد من كلمة يطبع على القلب لا على بعضه، فإذا قلنا: إنها لعموم القلوب شملت عموم القلب ولا عكس، ثم إن ظاهر السياق {عَلَى كُلِّ قَلْبٍ مُتَكَبِّرٍ} أو عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍإذا نظرنا إلى السياق ماذا نفهم؟ هل نفهم أن جميع القلوب المتكبرة يُطْبَع عليها أو نفهم أن القلب الواحد يطبع على جميعه لا على بعضه؟ الأول لا شك، هذا ظاهر السياق، وهذا كما أنه ظاهر السياق فهو أشمل في المعنى؛ لأنه إذا قيل: كذلك يطبع الله على كل القلوب المتكبرة الجبارة، الطبع على القلب يشمل الطبع على جميعه، ما لم يوجد دليل على أن المراد الطبع على بعضه، وحينئذ يكون الصواب عكس ما قال المؤلف.
الصواب أن هذا لعموم القلوب وليس لعموم القلب، لكن ليت شعري هل فهمتم الفرق؟
إذا قلنا: إنها لعموم القلب صار معنى الآية: أن الله يطبع على القلب كله لا على جميع القلوب، فيخرُج بذلك بعض القلب، ما يُطْبَع على بعض، يطبع على القلب كله، لكنه مثلًا على قلب فلان من الناس.
إما إذا قلنا: إنها لعموم القلوب صارت معنى الآية أن الله يطبع على جميع القلوب المتكبرة، في أي واحد من الناس، فإذا قلنا: لعموم القلوب صارت عامة لأفراد القلوب، إذا قلنا: لعموم القلب صارت عامة للقلب الواحد؛ يعني: والقلوب الأخرى مسكوت عنها، هذا وجه الفرق.
ولكن نقول: الصواب أن معنى قوله: {عَلَى كُلِّ قَلْبٍ مُتَكَبِّرٍ} يعني: من جميع الناس، وإذا قال: طُبِعَ على القلب، فالمعنى أنه على جميع القلب ما لم يُنَصَّ على أن المراد بعض القلب.
طالب: قوله: (على جميع القلب) هذا معناه أن القلب ينقسم (...).
الشيخ: إي نعم، والطبع ما ينقسم، الطبع ختم على القلب ما فيه نافذة يخرج منها.
الطالب: فإلى كم ينقسم القلب؟
الشيخ: القلوب باعتبار الأفراد تنقسم إلى أقسام، لكن القلب الواحد ما ينقسم.
الطالب: إذن لماذا يقول: (على جميع القلب)؟
الشيخ: هذا معناه: لا على بعضه؛ ولذلك كلام المؤلف فيه نظر من عدة وجوه، كلما تأملت عرفت أنه خطأ، والمُحَشِّي (الجَمَل) يقول: (فليتأمل) تأملناه ووجدناه غير صحيح.
طالب: ما الحكمة في بقاء زوجاتهم معهم وهن كافرات؟
الشيخ: من؟
طالب: نوح عليه السلام ولوط، هل هم لم يكونوا يعلمون ذلك؟
الشيخ: ما دام الله يقول: فَخَانَتَاهُمَا [التحريم: ١٠]، وقال له: إِلَّا امْرَأَتَكَ [هود: ٨١].
الطالب: ما كانوا يعلمون.
الشيخ: ما كانوا يعلمون، وهذه لأجل الاعتبار بالنسبة لزوجات الرسول عليه الصلاة والسلام، وأنت تعرف السورة هذه كلها نزلت شبه مُعاتَبة لزوجات الرسول صلى الله عليه وسلم: إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ [التحريم: ٤].
سمعت واحدًا من المتثَيْقِفين يقول: هذه الآية فيها دليل على عِظَمِ كيدِ المرأة، إن الله (...) هو وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة على امرأتين من زوجات الرسول! وهذا غلط عظيم، ليس المقصود بهذا بيان قوة المرأتين، المقصود بيان عناية الله عز وجل برسوله، وأنكما إن تظاهرتما عليه فله أولياء، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ.
طالب: يا شيخ بالنسبة لقول الشارح: (لعموم القلوب) ألا نقول: إنه لعموم القلب، والقلب هذا كل مَنْ وصف بالتحدي والجبروت داخل (...)؟
الشيخ: لا، ليس هذا مراده، مراده مثلًا قلب زيد وعمرو وبكر وخالد هذه القلوب، لكن إذا قلنا: (لعموم القلب) صار معناه قلب زيد فقط، الطبع عام له.
الطالب: كله موصوف بهذا الوصف بالجبروت والتكبر (...).
الشيخ: إي، بس ما نقول: لعموم القلب، نقول: لعموم القلوب، هذا عام في كل قلب متكبر، ففرق بين أن تقول: الكلية هذه للأجزاء أو للأفراد، إن قلنا: لعموم الأجزاء صار معناه لعموم القلب، وإن قلنا: لعموم الأفراد صار جميع القلوب، كل قلب متصف لو يكون مئات الملايين متصف بهذا فهو مطبوع عليه، ولا شك أن كلام المؤلف رحمه الله ما له وجه إطلاقًا، ولكن سبحان الله.
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى في قصة موسى مع فرعون: وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَفرعون هو ملك مصر، قيل: إنه اسم شخص أو إنه عَلَمُ شخصٍ، وقيل: إنه علم جنس، فإذا قلنا: إنه علم شخص صار اسمًا لشخص معين، وإذا قلنا: إنه علم جنس صار اسمًا لكل من ملك مصر كافرًا، وهذا هو الذي عليه الأكثر، لكن فرعون موسى علم شخص وعلم جنس أيضًا.
قَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًاهامان وزيره، وقوله: ابْنِ لِي صَرْحًايعني: مُرْ مَنْ يبني لي ذلك؛ لأن من المعلوم أن الوزير لن يباشر بناء الصرح صَرْحًاقال المفسر: (بناء عاليًا) يعني رفيعًا.
لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ(لعل) هنا للتعليل، وهي تأتي للتعليل تارة، وللإشفاق تارة، وللترجي تارة.
فمن مجيئها للتعليل هذه الآية، وقوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [يوسف: ٢] هذه للتعليل، وكلما جاءت (لعل) في حق الله عز وجل فإنها للتعليل؛ لأن الرب عز وجل لا يَتَرَجَّى؛ إذ إن كل شيء عليه هين.
وتأتي للإشفاق مثل أن تقول: لعل الحبيبَ هالكٌ، يعني أخشى أن يكون هالكًا.
وتأتي للترجي مثل: حضرتُ إلى الدرس فلعلي أفهم، لو قلت: لعلي أفهم، احتُمِلَ أن تكون للتعليل، فإذا قلت: (فلعلي) صارت للترجي.
وتكون أيضًا للتَّوَقُّع كما لو قلت لشخص تخاطبه: لعلك فاهم.
وهذه المعاني التي تأتي للحروف بل وللأسماء أيضًا وللأفعال إذا كانت متعددة فالذي يُعَيِّنُها السياق وقرائنُ الأحوال.
قال: لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِالأسباب جمع سبب، وهو كل ما يُوصِل إلى المقصود، فالسبب وسيلة، والمسبَّب غاية، فما هي الأسباب هنا؟ بَيَّنَها بقوله: أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِفأسباب السماوات محلُّها مما قبلها عطفُ بيان، تُبَيِّن الإبهام الموجود في الأسباب.
فإن قال قائل: لماذا لم يقع الكلام مبينًا مِنْ أَول الخطاب فيقال: لعلي أبلغ أسباب السماوات؟
قلنا: إن الإبهام أولًا ثم التفصيل والبيان ثانيًا أوقع في النفس؛ لأن الشيء إذا جاء مُبْهَمًا ثم بُيِّن صار البيان وقع عند تَشَوُّف النفس لمعرفة هذا المبهم، يعني: لو جاء الكلام مُبَيَّنًا من أول الأمر لكان سهلًا على النفوس، لكن إذا جاء أولًا مبهمًا تشوفت النفس لمعرفة هذا المبهم، ثم جاء البيان والنفس مستعدة لقَبوله مُتَشَوِّفَة إلى الوصول إليه.
أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِقال المفسر: (طُرُقها الموصلة إليها فَأَطَّلِعَبالرفع عطفًا على أَبْلُغُ، وبالنصب جوابًا لابن) يعني أن فيها قراءتين سبعيتين: {فَأَطَّلِعُ} فَأَطَّلِعَ، أما على قراءة الرفع فإنها معطوفة على أَبْلُغُ، يعني: لعلي أبلغ السماوات فلعلي أطلع. وأما على قراءة النصب فإنها وقعت جوابًا لابْنِ، ابْنِ: فعل أمر، وفعل الأمر يقع جوابه إذا كان مقرونًا بالفاء بالنصب فَأَطَّلِعَفتكون الفاء هنا للسببية.
واعلم أن القراءتين الواردتين في القرآن الكريم هما أحد الحروف السبعة التي نزل القرآن عليها، فإن القرآن أُنْزِل على سبعة أحرف، ولما كان في زمن عثمان رضي الله عنه أمر أن يجعل القرآن على حرف واحد هو حرف قريش؛ يعني: لغتها، فهذه القراءات الموجودة ليست هي الأحرف السبعة، بل هي على حرف واحد.
الثاني: اعلم أن القراءتين كلتاهما صحت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأنها نُقِلَت بالتواتر.
ثالثًا: اعلم أنه لا ينبغي للإنسان أن يقرأ بين العامة بقراءة تُخالِف ما في أيديهم من المصاحف؛ لأن ذلك يوجب التشويش والارتباك واتهام القارئ، وربما تَهْبِطُ عظمةُ القرآن في نفوسهم بسبب هذا الاختلاف، أما فيما بينك وبين نفسك فالأفضل أن تقرأ بهذا تارة وبهذا تارة بشرط أن تكون عالمًا غيرَ مُتَخَبِّط، وإنا قلنا: إن هذا هو الأفضل لأن كل من القراءتين قد قرأ به النبي صلى الله عليه وسلم، فيكون هذا مثل العبادات الواردة على وُجوهٍ متنوعة كالاستفتاحات والتشهد وما أشبه ذلك، لكن هذا متى؟ بينك وبين نفسك، أو في مقام التعليم إذا كنت تُعَلِّم طلبة.
لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَىيعني: أَصِل إليه وأنظر هل هذا حق أو غير حق؟ ثم استدرك خوفًا من أن يقول أحد من جنوده: إنه حق فقال: (وَإِنِّي لَأَظُنُّهُأي موسى كَاذِبًافي أن له إلهًا غيري) قال هذا تمويهًا على أصحابه، وخوفًا أن يقع في نفوسهم شيء حين أمر وزيره أن يبني له صرحًا، قال: وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًاوفرعون في هذه المقالة كاذبٌ، هو لا يظن أن موسى كاذب، بل يعلم أنه صادق لقول الله تبارك وتعالى عن موسى أنه قال له أي لفرعون: لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ [الإسراء: ١٠٢] قال هذا الكلام: لَقَدْ عَلِمْتَقال هذا مُؤَكِّدًا إيَّاه بالقسم واللام وقد، ويخاطب هذا الرجل القادر على إنكار ما قاله موسى لو كان كَذِبًا قال له: لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًافرعون هل له مانع يمنعه أن يقول: لم أعلم؟ لا، هو قادر، لكنه يعلم أنه يعلم أنه ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر.
وقال الله تعالى: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا [النمل: ١٤] هذه مفعول من أجله لـجَحَدُواما هي لـ(استيقن)، جحدوا بها ظلمًا، فالمهم أن قوله: وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًاهذه الجملة كَذِبٌ أو حق؟ هو كاذب، يقول: لَأَظُنُّهُ كَاذِبًاوهو كاذب، هو يعلم أنه صادق، لكنه قال ذلك تمويهًا لقومه وخوفًا من أن يقع في قلوبهم شيء من الشك.
قال الله تعالى عن فرعون: وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًايقول المفسر: (قال فرعون ذلك تمويهًا).
وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِوَكَذَلِكَأي: مثل هذا الفعل أو مثل هذا التزيين، أيهما الذي على القاعدة؟ الثاني؛ لأننا قلنا: إن (كذلك) تكون مفعولًا مطلقًا للفعل الذي بعدها، أي: مثل هذا التزيين الذي زُيِّنَ لفرعون، وهذا التمويه والترويج لقومه زُيِّنَ لفرعون سوء عمله، ومَنِ الذي زَينه؟ الشيطان والنفس الأَمَّارة بالسوء، وقد يُقال: والله عز وجل؛ لأن الله يضل من يشاء، كما قال تعالى: كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ، فالله تعالى زينه قدرًا بمعنى أنه حَجَب عنه الهدى، ثم زَيَّن له الشيطانُ والنفسُ الأمارة بالسوء أن يعمل هذا العمل.
سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِالسَّبِيلِهنا فيها (أل) التي للعهد، أَيُّ العهود الثلاثة؛ الذكري أو الحضوري أو الذهني؟ الذهني، عَنِ السَّبِيلِالذي هو سبيل الهدى؛ ولهذا قال المؤلف: (طريق الهدى وفيها قراءتان: صُدَّبفتح الصاد وضمها) صُدَّهذه بضم الصاد على أنها مبنية لما لم يُسَمَّ فاعله، {صَدَّ} بفتح الصاد على أنها مبنية لما سُمِّي فاعله، ولكن هل هي متعدية أو لازمة؟ هل معناه أنه صَدَّ بنفسه أو صد غيره؟ تشمل المعنيين؛ لأنها لفظ مشترك صالح للمعنيين جميعًا، والقاعدة في التفسير أن كُلَّ لفظ يصلح لمعنيين لا يتنافيان فإنه يُحْمَل عليهما جميعًا، إلا إذا كان في أحدهما ما يُرجِّحه فيعمل بما يترجح.
وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِقال الله تبارك وتعالى: وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍالكيد والمكر والخداع وما أشبهها كلها كلمات متقاربة، ومعناها أن يَتَوَصَّل الإنسان بالأسباب الخفية إلى مقصوده بِخَصْمِه، كل إنسان يقصد مِنْ خَصْمِه أن يكون مغلوبًا، فيتوصل إلى هذا بأسباب خَفِيَّة لا يعلم بها الخصم إلى الوصول إلى هذا.
فرعون كاد كيدًا في أن يقول لهامان: ابن لي صرحًا، من أجل أن يرقى على هذا الصرح فإذا وصل غايته نظر أمام الناس ثم نزل وقال: لم أجد رب موسى، وهذا تمويه ولا غير تمويه؟ تمويه، لا سيما على العامة، لا سيما على عامة كآل فرعون الذين قد بَهَرَهم هذا الظالم الطاغية، فكل شيء يكون عندهم حقيقة، لكن هل هذا الكيد ينفعه؟ قال الله تعالى: وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍأي: إلا في خسار.
مَاهنا حجازية أو تميمية؟
طالب: حجازية.
الشيخ: نعم، هي حجازية مهملة، يعني أنها لا تعمل، ما الذي أبطل عملها؟ الإثبات، وابن مالك يقول:
| إِعْمَالَ لَيْسَ أُعْمِلَتْ مَا دُونَ إِنْ | مَعَ بَقَا النَّفْيِ.................. |
والنفي هنا لم يبقَ، فعلى هذا نقول: هي مهملة لبطلان النفي وانتفائه ب(إلا).
في هذه الآية فوائد:
من فوائد هذه الآية: استعلاء فرعون وترفعه، وذلك بتوجيه الأمر إلى وزيره أن يبني له صرحًا، وتأملْ قوله: ابْنِ لِيولم يقل: ابن؛ لأن هذا أعظم في الترفع والتعاظم، إذ لو قال: ابن، لكان لأي أحد يبني، فيه إبهام، لكن إذا قال: لِيدلَّ هذا على أنه استخدم هذا الرجل الذي هو الوزير استخدامًا تامًّا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن اتخاذ الوزراء كان عُرْفًا قديمًا سواء كان وزيرًا في الخيرِ أو وزيرًا في الشَّرِّ؛ فمن وزراء الخير قول موسى عليه السلام: وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي [طه: ٢٩، ٣٠] وقول علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين سأله زعماء الشيعة وهم الرافضة عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فترحم عليهما، وقال في الثناء عليها: هما وزيرا جدي. يعني النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فرفضوه؛ لأنهم قد زُيِّنَ لهم سوء عملهم بأن كل مَنْ أحب أبا بكر وعمر فقد أبغض عليًّا، وعلى هذا يكون النبي صلى الله عليه وسلم مُبْغِضًا لعليٍّ، لأنه سُئِل أي الرجال أحب إليك قال: «أَبُو بَكْرٍ» فعلى قاعدتهم يكون الرسول مبغضًا لعلي، فانظر كيف كانت عاقبة هذه القاعدة الفاسدة الباطلة.
من فوائد هذه الآية الكريمة: جواز نسبة الشيء إلى الآمر به دون فاعله، تؤخذ من قوله: ابْنِ لِي صَرْحًاوهو لا يريد أن هامان يتولى البناء بنفسه بل يأمر؛ لأنه وزير.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات علو الله تعالى العلوَّ الذاتي في الشرائع السابقة، تؤخذ من قوله: ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ [غافر: ٣٦، ٣٧] فهذا يدل على أن موسى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد أبلغه بأن الله في السماء.
وهذا أعني علو الله الذاتي أمر لا يُنْكَر؛ لأنه دَلَّت عليه جميع الدلائل: الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة. كلها دلت على عُلُوِّ الله عز وجل العلو الذاتي، وأنه سبحانه وتعالى في السماء، وأنه لا يمكن أن يكون في الأرض، ونحن نُرَكِّز على هذه النقطة لأهميتها؛ لأنها تتعلق بالعقيدة.
أما القرآن فما أكثر الأدلة المتنوعة الدالة دَلالة قاطعة على علو الله الذاتي.
وكذلك السنة دَلَّت على ذلك قولًا وفعلًا وإقرارًا؛ النبي عليه الصلاة والسلام أثبت عُلُوَّ الله الذاتي بقوله وبفعله وبإقراره:
أما بقوله فإنه عليه الصلاة والسلام يقول في سجوده: «سُبْحَانَ رِبِّيَ الْأَعْلَى».
وأما في فعله فأشار إلى علو الله تعالى في الوقوف بعرفة حين خطب الناس وقال: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ».
وأما إقراره فبإقراره الجارية التي قالت: في السماء لما سألها: «أَيْنَ اللَّهُ؟».
وأما الإجماع: فقد أجمع السلف على ذلك، ما منهم أحد قال: إن الله ليس في السماء، وما منهم أحد قال: إن الله في الأرض، وما منهم أحد قال: إن الله لا يُوصف بعلو ولا سفول ولا محايذة ولا مجانبة؛ يعني ما منهم أحد قال: إن الله ليس فوق ولا تحت ولا يمين ولا شمال ولا متصل بالخلق ولا منفصل كما قاله المعطلة.
فإذا قال قائل: نُسَلِّم أنه لم يَرِدْ عنهم النفي، فما هو دليل الإثبات؛ أنهم أثبتوا؟ فنقول: دليل ذلك أن كُلَّ نَصٍّ في القرآن والسنة لم يأت عن الصحابة خلافه فإننا نعلم علم اليقين أنهم يقولون به؛ لأن القرآن نَزَل بلغتهم ويعرفونه، فإذا خوطبوا بهذا ولم يَرِدْ عنهم خلافُه دَلَّ ذلك على أنهم قائلون به، وهذه نقطة مهمة تنفعك عند المناظرة مع الخصوم، إذا قال لك: أين قال الصحابة أن الله في العلو مثلًا؟ تقول: قال الصحابة ذلك؛ لأن كل نص جاء بإثبات العلو ولم يَرِدْ عن الصحابة خلافُه فإنهم قائلون به قطعًا؛ لأنه نزل بلغتهم وعرفوه وفَهِمُوه على ما أراد الله عز وجل.
وأما العقل: فلو سألتَ أيَّ إنسان هل العلو صفةُ كمالٍ أو النزول؟ لقال لك: العلو. ولو قلت: العلو صفةٌ أكمل أو المحاذاة؟ لقال لك: العلو؛ إذن فالعلو دَلَّ العقل على ثبوته لله عز وجل.
وأما الفطرة: فلا تسأل، اسأل عجوزًا من العجائز لم تقرأ في كلام المتكلمين المعطلين ماذا تقول لك؟ لو سألتها: أين الله؟ قالت: في السماء، ولا تعرف إلا ذلك، والعجب أن نفس القائلين بالنفي إذا دَعَوا الله عز وجل رفعوا أيديهم قَهْرًا عليهم إلى السماء، وهذا شيء مُسَلَّم.
وادعاؤهم أنهم يقولون: إن السماء قِبْلَةُ الداعي كما أن الكعبة قبلة المصلي، نقول: إذن أنتم تدعون السماء، فوقعتم في الشرك من حيث لا تعلمون، وعلى كل حال الحمد لله أن عُلُوَّ الله عز وجل أمر فطري لا يحتاج إلى تعلُّم ولا تكلف، ومع ذلك جميع الأدلة دلت عليه، ثم يأتي أقوام أعمى الله تعالى بصائرهم فيقولون: إن الله تعالى ليس في العلو، فماذا يقولون؟ استمع:
منهم من يقول: إن الله في كُلِّ مكان، وهؤلاء حلولية الجهمية، إن الله في كل مكان؛ في المساجد، في الأسواق، في البيوت، في الجو، في السماء، والعياذ بالله في المراحيض. في كل مكان، وهذا باطل كما تُبْطِل الشمس ظُلْمَة الليل؛ لأنه يلزم منه واحد من أمرين ولا بد:
إما أن يكون الله متعددًا، وإما أن يكون الله متجزئًا بعضه هنا وبعضه هناك، أو متعددًا واحد هنا وواحد هناك، هذا بقطع النظر عما يلزم عليه من اللوازم الفاسدة التي توجب أن يكون الله في أَقْذَر الأمكنة وأَنْتَنِ الأمكنة.
والقول الثاني لمن ينكرون علو الله الذاتي يقولون: لا نقول: إن الله فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال، ولا متصل بالعالم ولا منفصل عنه. وين يروح؟ عدم، يعني: قال بعض العلماء: لو قيل: صِفُوا لنا العدم لم نجد وصفًا أشمل من هذا؛ فحقيقة الأمر أنهم لا يعبدون الله، وأنه ليس لهم إله إطلاقًا.
نعود إلى التفسير فنقول: في الآية دليل على علو الله الذاتي.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن من بلاغة المتكلم أن يسلك أقرب الطرق إلى جَذْبِ المخاطب.
ومنها: الإبهام ثم البيان؛ لقوله: لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ [غافر: ٣٦، ٣٧]، وهذا كثير في القرآن وفي كلام البشر.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن السماوات جمع وعدد؛ لقوله: السَّمَاوَاتِوهي -كما هو معروف سبعة- قال الله تعالى: وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا [النبأ: ١٢]، وقال تعالى: قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ [المؤمنون: ٨٦] وهذا متفق عليه، وهل السماوات هذه مُتَرَاصَّة أو بينها فَجَوات؟ الجواب الثاني، ويَدُلُّ على ذلك دَلَالَةً قاطعة حديثُ المعراج؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرج من سماء إلى سماء.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن رؤساء الضلال وأئمة الضلال يَدْعُون الناس إلى الضلال بكلِّ ما يستطيعون، ويحاولون أن يَحُولوا بينهم وبين الحق؛ لقوله: وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًاوقد بَيَّنَّا في التفسير لماذا قال هذه الكلمة، فلا تغتر برؤساء الضلال وأئمة الضلال وما يقولون من التمويه والدجل، وليس هذا مقصورًا على أئمة السلطة الذين لهم السلطة، بل حتى على أئمة الدعوة الذين يَدْعُون الناس إلى أفكارهم الهدامة وأخلاقهم السافلة، تجد عندهم من التمويه والتضليل ما يوجب أن يكون فَخًّا يقع به مَنْ ليس له بصيرة.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل يبتلي العبد فَيُزَيِّن له سوءَ عمله؛ لقوله: وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ، ويدل لهذا قول الله تبارك وتعالى: كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ [الأنعام: ١٠٨]، وقوله تعالى: أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ [فاطر: ٨]. فاحرصْ على الانتباه لهذه المسألة، فإن الإنسان قد يُزَيَّن له سوءُ العمل. والتزيين نوعان:
النوع الأول: أن يرى الإنسان هذه السيئة حسنة، وهذا أعظم النوعين.
النوع الثاني: ألا يراه سيئًا فيميل إليه بهواه، ويقول: هذا سهل وليس فيه شيء. هذا من التزيين في الواقع؛ لأن مَنْ لا يرى السيئ سيئًا فإنه سيقع فيه، إما رغبة فيه؛ لأنه زُيِّنَ له، وإما لهوى في نفسه لأنه لا يراه سيئًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن فرعون يَصُدُّ الناس عن سبيل الله، فهو من أئمة الصَّدِّ عن سبيل الله تعالى، وقد قال الله تعالى في آية أخرى: وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ [القصص: ٤١] فاحذر هؤلاء الأئمة؛ لا يخدعونك، فإنهم يكيدون كيدًا، والله تعالى يكيد كيدًا لعبده المؤمن.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن فرعون أَمَر ببناء هذا الصرح مكايدةً لا حقيقة، وإلا فمن المعلوم أنه سوف يخسر نفقات كثيرة على هذا الصرح العالي، لكنه لغرضه وهواه لا يهتم بذلك.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن كيد المضلين -والحمد لله- في خسار، كل مضل فكيده في خسار؛ لأنه إذا كان كيد هذا الطاغية في خسار فمن دونه من باب أولى ولا شك، ولهذا حصر كيده في الخسارة، ما هو إلا في خسار، وقال الله تبارك وتعالى: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا [الطارق: ١٥، ١٦] أي: كيدًا أعظم من كيدهم.
وقال تعالى: أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ [الطور: ٤٢] وهذه من أعظم الآيات التي تفرِّح المؤمن أن كيد الكافر يجعله هو المكيد. وجاءت الآية بالجملة الاسمية فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَوبضمير الفصل إشارةً إلى ثبوت ذلك عليهم وتَأَكُّده، إلى ثبوته بماذا؟ بكونه جاء بالجملة الاسمية؛ لأن الجملة الاسمية -كما يقول أهل العلم- تفيد الثبوت والاستقرار، وجاء بالحصر عن طريق ضمير الفصل فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ.
وهذه الآيات والحمد لله تُفَرِّح المؤمن، لكن لاحظوا أن هذا وعد الله عز وجل وهو لا يخلف الميعاد، لكنه يحتاج إلى سبب، أن يكون من المؤمن عمل مضاد، وأن المؤمن إذا عَمِل العمل المضاد لكيد الكافرين يَثِقُ بوعد الله ويقول: إن هذا الكيد سيكون عليهم وهم في خسارة منه.
أما أن نقول: إن الله يكيد لهم وهم المكيدون، ولكننا ننام على فُرُشِنا وندع السباع تأكل الغنم فهذا غير صحيح، لا بد من عمل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ [محمد: ٧]، وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ [غافر: ٣٧].
طالب: صحيح (...) بعض المفسرين أن هامان لم يبن لفرعون فقط (...) يصدقه (...).
الشيخ: هذا لا يظهر، لأن كونه يقول: ابْنِ لِي صَرْحًا [غافر: ٣٦] ولا يبني هذا بعيد؛ إذ إنه سيقول والناس يسمعون، إما أن يكونوا حاضرين أو يبلغهم الخبر، وسيبني الصرح.
طالب: لماذا نقول: إن فرعون استفاد أن الله سبحانه وتعالى من موسى هل يكون هذا بفطرته (...).
الشيخ: نعم، سواء كان بفطرته أو بدعوة موسى، لكنه إذا قلنا: بدعوة موسى ما بقي علينا شيء، أما بفطرته فقد تكون انحرفت كما جاء في الحديث: «فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ» ، لكن الشيء المؤكد لدينا الآن هو قول موسى وتقريره بأن الله في السماء.
طالب: بالنسبة لقراءات ابن مسعود هل هي ثابتة أم هو تفسير من الصحابي على أنها قرآن؟
الشيخ: أيهم؟
الطالب: قراءات ابن مسعود مثلاً (...) تفسير ابن كثير: وقرأ ابن مسعود هل هو تفسير من الصحابي للقرآن؟
الشيخ: لكن هات لي مثالًا.
الطالب: كقراءته في آيات الكفارة: (ثلاثة أيام متتابعة)، هل هي قراءة سبعية مثلًا يُقْرَأ بها، أو هو تفسير من الصحابي؟
الشيخ: هي ليست بسبعية، لكن إذا صحت القراءة سندًا فالصحيح جواز القراءة بها لا في الصلاة ولا في خارج الصلاة، وأما قول بعضهم: إنه لا يجوز القراءة إلا بالسبعيات وأنه لو قَرَأ بقراءة غير سبعية مما صح عن الرسول صلى الله عليه وسلم فإن صلاته تبطل فهو ضعيف، ثم إن كلمة: (متتابعة) ليست تفسيرًا بل هي قيد، وابن مسعود رضي الله عنه لا يقرأ قراءة تكون قيدًا في مطلق إلا وقد سمعها من الرسول صلى الله عليه وسلم:
طالب: بالنسبة يا شيخ لقراءة معينة لا بد أن يعرف لأي من القراء ولَّا يكفي أنه يعرف ويوقن تمامًا أنها سبعية؟
الشيخ: لا، ما هو لازم؛ لأن المهم النقل، إذا قال لك إنسان: فيها قراءة كذا، لا بد أن تعرف أن الناقل ثقة، فإذا علمت أنه ثقة فلا حاجة أن تعرف من القارئ من القراء السبعة ما هو لازم.
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ [غافر: ٣٨] في أول هذه الآيات يقول الله عز وجل: وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ [غافر: ٢٨] وهنا وما قبلها يقول: وَقَالَ الَّذِي آمَنَتحقيقًا لإيمانه وأنه مؤمن حقًّا.
قَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِيَا قَوْمِ: سبق الكلام على إعرابها، وبينَّا أنها منادى منصوبة مُقَدَّرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة.
وقوله: (يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْبإثبات الياء وحذفها أَهْدِكُمْ) يعني أنها قراءتان: اتبعوني واتبعون، أما على وجود الياء فالأمر ظاهر؛ لأنها ياء المتكلم، وأما على حذفها فهي محذوفة للتخفيف.
وقوله: اتَّبِعُونِفعل أمر، وأَهْدِكُمْجواب فعل الأمر؛ ولهذا وقع مجذومًا بحذف الياء والكسرة قبلَها دليل عليها، وأصل أهدكم أهديكم، لكن الفعل المضارع إذا وقع جوابًا للأمر فإنه يكون مجزومًا، قيل: إنه مجذوم به وقيل أنه مجذوم بشرط مُقَدَّر، والتقدير إن تتبعوني أهدكم، وهكذا يقال في كل ما جاء على هذا التركيب.
أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِأي: طريقه، والهداية هنا هداية الدلالة؛ لأنه لا يمكن أن يُراد بها هداية التوفيق؛ إذ إن هداية التوفيق تكون بيد الله عز وجل؛ لقوله تبارك وتعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص: ٥٦] أي: لا تهدي هداية التوفيق، فقوله: أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِيعني: أدلكم على سبيل الرشاد، سبيل الرشاد ضد سبيل الغَيِّ، والرشاد هو حُسْن التصرف، والغي هو ارتكاب الخطأ عن عمد.
يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِلما رَغَّبَهُم في إتباعه زَهَّدَهُم في الدنيا، لأن أصل ضلال بني آدم هو الطمع في الدنيا، والتنافس إنما يكون عليها؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وَاللَّهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَإِنَّمَا أَخْشَى أَنْ تُفْتَحَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا -أي مَنْ قبلنا- فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ» فهو لما طلب أن يتبعوه بَيَّن لهم حال الدنيا التي ينافسون فيها، والتي صَدُّوا عن سبيل الله بها، فقال: يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌإِنَّمَاأداة حصر، وهَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَامبتدأ، ومَتَاعٌخبره، أي: ما هذه الدنيا إلا متاع يتمتع به الإنسان قليلًا ثم يزول؛ ولهذا يقول المؤلف في التفسير: (مَتَاعٌتمتع يزول).
وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِالْآخِرَةَما بعد الدنيا، هِيَضمير فصل، ودَارُ الْقَرَارِخبر إِنَّ.
واعلم أن ضمير الفصل ضمير لا محل له من الإعراب، لا يُعْرَب مبتدأ ولا خبرًا ولا أي شيء، لا محل له من الإعراب.
واعلم أيضًا أن له ثلاث فوائد:
الفائدة الأولى: التوكيد.
والفائدة الثانية: الحصر.
والفائدة الثالثة: تمييز الخبر من الصفة.
ويظهر هذا في المثال فإذا قلت: زيد هو الفاضل، فـ(هو) ضمير فَصْلٍ استفدنا منه ثلاث فوائد:
أولًا التوكيد: حيث أَكَّدْنَا أن زيدًا هو الفاضل، بل حيث أَكَّدْنَا أن زيدًا فاضل.
ثم الحصر؛ لأنك قلت: زيد هو أي: لا غيره، زيد هو الفاضل.
الفائدة الثالثة: التمييز بين الصفة والخبر، فإنك لو قلت: زيد الفاضل، لاحتمل أن يكون الفاضل صفة لزيد وأن الخبر لم يأت بعد، فإذا قلت: هو الفاضل، تعيَّن أن تكون الفاضل خبرًا، فبذلك يَحْصُل التمييز بين الخبر وبين الصفة.
ذكرنا أنه لا مَحَلَّ له من الإعراب، ودليل ذلك قوله تعالى: لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ [الشعراء: ٤٠] فهنا جاءت الْغَالِبِينَخبرًا لـ(كان)، ولو كان له محل من الإعراب لكانت: (إن كانوا هم الغالبون)، لكنه ليس له محل من الإعراب.
إذن ما هي دار القرار؟ هي الدار الآخرة، وأُكِّدَ ذلك بالإتيان بضمير الفصل.
وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِأي: دار المستقر، ولهذا «يُؤْتَى بِالْمَوْتِ عَلَى صُورَةِ كَبْشٍ فَيُوقَفُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَيُقَالُ: يَا أَهْلَ النَّارِ، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَطَّلِعُونَ، وَكَذَلِكَ يُقَالُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَطَّلِعُونَ، فَيُقَالُ لَهُمْ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا الْمَوْتُ، فَيُذْبَحُ أَمَامَهُمْ، وَيُقَالُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ وَلَا مَوْتٌ وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ وَلَا مَوْتٌ» إذن هذا القرار، ما دام ليس فيه انتقال عن هذه الدار فهي دار القرار، طيب إذا كانت هي دار القرار والدنيا متاع، فما الأولى أن يعمل له؟ الآخرة؛ لأنها دار القرار، أما هذه فهي دار عبور دار متاع؛ «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ» .
ثم قال: مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ [غافر: ٤٠] هذا كالبيان لحال الآخرة وكيف يُجَازَى الناس فيها، فقال: مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَامَنْشرطية، وعَمِلَفعل الشرط، وجملة فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَاهذه جواب الشرط.
وقوله: فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا(مثل) مفعول يُجْزَىالثاني، والمفعول الأول هو نائب الفاعل المستتر.
يقول: مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةًالسيئة هي ما يسوء حالًا أو مآلًا، فما أصاب الإنسان مِنْ مَرَضٍ أو فقر أو عاهة أو ما أشبه ذلك، هذا سوء لكنه في الحال، وما أصاب الإنسان من عقوبة على أعماله فهذا سوء ولكنه في المآل، وقد يكون في الحال قد يُعاجَل الإنسان بالعقوبة، فالسيئة كل ما يسوء حالًا أو مآلًا.
فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَاالسيئة بواحدة مهما كانت حتى وإن كان الإنسان في مكة أو في المدينة أو في المسجد أو في أي مكان، أو في أي زمان أيضًا، حتى ولو كان في الأشهر الحرم التي نَصَّ الله تعالى عن النهي عن الظلم فيها، فقال: مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ [التوبة: ٣٦] فإن السيئة لا تزاد، ولكن اعلموا أنها قد تكون أشدَّ من حيث الكيفية لا من حيث الكمية؛ كيف الكيفية؟ يعني أننا نرى أن ضربة واحدة قد تكون أشد على الإنسان من عَشْرِ ضربات لشدتها وشدة وقعها؛ ولهذا قال الله تعالى في الحرم المكي: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الحج: ٢٥].
وبهذا التقرير الذي دَلَّ عليه الكتاب والسنة تَبَيَّن أن ما يُذْكَر عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه خرج من مكة وقال: لا أبقى في بلد سيئاته وحسناته سواء؛ فإن هذا لا يصح عن ابن عباس رضي الله عنه، وابن عباس أفقه وأعلم من أن يلتبس عليه هذا الأمر، مع أن الله قال في سورة الأنعام وهي مكية: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [الأنعام: ١٦٠].
قال: وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى [غافر: ٤٠] مَنْهذه شرطية، وصَالِحًايجوز أن نعربها صفة لموصوف محذوف، والتقدير: عمل صالح، ويجوز أن نجعلها مفعولًا مطلقًا؛ لأن وَصْفَ المصدر المحذوف يصح أن يقع الإعراب عليه على أنه مفعول مطلق أو على أنه صفة لموصوف محذوف، والتقدير (عملًا صالحًا).
فما هو العمل الصالح؟ العمل الصالح ما توافرت فيه شروط القَبول، وذلك بأن يكون خالصًا لله على شريعة منه؛ يعني: يجمع بين أمرين: الإخلاص لله، والمتابعة لرسله عليهم الصلاة والسلام. هذا العمل الصالح؛ إذن هو ما توافرت فيه شروط القَبول وهما الإخلاص لله عز وجل، والثاني المتابعة لرسل الله سواء محمد أو غيره، لكن من المعلوم أنه بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم لا يصلح اتباع غيره.
إذا فُقِدَ الإخلاص فليس العمل صالحًا بل هو مردود على صاحبه؛ لقوله تبارك وتعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» .
وإذا فُقِدَت المتابعة لم يكن العمل صالحًا وكان مردودًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» .
وقوله: مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىبيان لـ مَنْ، فمن هنا بيانية، كيف نقول بيان لـ مَنْ؟ لأن مَنْاسم موصول، واسم الموصول الأصل فيه الإبهام، فإذا وُجِدَ بعده بيانٌ فإنه يكون مبينًا لإبهامه.
مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌهذا الشرط؛ لا بد أن يكون مؤمنًا، فإن لم يكن مؤمنًا فإن عمله الصالح لا ينفعه، حتى وإن كان العمل مما يتعدى نفعُه فإنه لا ينفعه؛ لقوله تعالى: وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ [التوبة: ٥٤]، فغيرُ المؤمن لا ينفعه عمله، لو أن رجلًا كافرًا أصلح الطرق، ومَدَّ أنابيب الماء يسقي الناس، وبنى المساجد، وطَبَع الكتب، وكسا العريان، وأطعم الجائع، فهل هذا ينفعه؟ لا؛ ولهذا لا ينفع المنافقين عملُهم لأنهم ليسوا مؤمنين، وبه نعرف أن الإيمان هو الأصل، آمنْ ثم اعملْ.





