لا بد أن يكون مؤمنًا، فإن لم يكن مؤمنًا فإن عمله الصالح لا ينفعه، حتى وإن كان
العمل مما يتعدى نفعه فإنه لا ينفعه؛ لقوله تعالى: وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ [التوبة: ٥٤]. فغير المؤمن لا ينفعه عمله، لو أن
رجلًا كافرًا أصلح الطرق، ومد أنابيب الماء يسقي الناس، وبنى المساجد، وطَبَع
الكتب، وكسا العريان، وأطعم الجائع، فهل هذا ينفعه؟
لا؛ ولهذا لا ينفع المنافقين
عملهم؛ لأنهم ليسوا مؤمنين، وبه نعرف أن الإيمان هو الأصل، آمِن ثُمَّ اعملْ، أما
العمل بدون إيمان، نسأل الله ألا يخلع عنا وعنكم الإيمان، العمل بدون إيمان هباء،
وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان: ٢٣] لا بد من الإيمان أولًا، ثم إذا آمن
اعمل، وإذا عملت فأخلص واتبع.
فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ [غافر: ٤٠] جملة فَأُولَئِكَجواب
الشرط، أي شرط هو؟ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا [غافر: ٤٠].
فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَوهنا قال:
(أولئك) باسم الإشارة الموضوعِ للبعيد إشارةً إلى علو مرتبتهم؛ كأنك تشير إليهم وهم
فوق.
فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَقال:
(بضم الياء وفتح الخاء (يُدْخَلُونَ) وبالعكس)، ما العكس؟ يَدْخُلُونَفيجوز {يُدْخَلُونَ}
أي يدخلهم الله، ويجوز يَدْخُلُونَأي: هم بأنفسهم لكن
بإذن الله. ومن المعلوم أن أهل الجنة لا يدخلون الجنة إلا بعد الشفاعة، بعد شفاعة
محمد صلى الله عليه وسلم في فتح الجنة؛ لأنهم يصلون إليها وبابها مغلق، فيطلبون من
يشفع لهم إلى الله عز وجل أن يفتح لهم الباب، فيشفع النبي صلى الله عليه وسلم وحده
في أن يُفتح لهم الباب فيُفتح.
يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ [غافر: ٤٠] يُرْزَقُونَ: الرزق بمعنى
العطاء، ومنه قوله تعالى: وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ [النساء: ٨] أي: أعطوهم، فمعنى يُرْزَقُونَإذا يعطون.
وقوله: (بِغَيْرِ حِسَابٍأي بغير
تبعة) يعني لا يحاسبون عليه، ولا ينقدون له ثمنًا، في الدنيا لا تملك رزقًا إلا
بثمن، لكن في الآخرة تُعطى الرزق بغير ثمن، وبغير تبعة، لا تحاسب عليه، لماذا؟ لأن
الثمن كان مقدمًا، سلمًا، تعرفون السَّلَم؟ نقد الثمن، وتأخير الْمُثْمَن، فهنا
الثمن مُقدَّم، الثمن كان في الدنيا حين عملوا بطاعة الله فكان هذا هو العِوَض،
فالقوم قد أسلموا في هذا المبيع، وقدموا ثمنه، ولهذا قال: يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ.
في هذه الآيات الثلاث فوائد:
أولًا: تلطف هذا الداعي، هذا الرجل المؤمن الذي يدعو إلى
الله؛ لقوله: يَا قَوْمِفإن هذا لا شك من أساليب
التلطف.
ومن فوائد هذه الآية؛ وهي الآية الأولى:
قوة جأش هذا المؤمن، حيث كان رجلًا واحدًا يقول لهؤلاء الجماعة: اتبعوني،
وهذا -كما قلنا في التفسير- فعل أمر.
ومن فوائد هذه
الآية: أنه ينبغي للداعية إذا دعا إلى شيء أن يُبين ما يكون به ترغيب المدعو
حتى ينشط ويفعل؛ لقوله: أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ [غافر: ٣٨].
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة
إلى كذب فرعون حين قال لقومه: مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ [غافر: ٢٩]، ففرق بين قول
فرعون وبين قول هذا المؤمن؛ قول فرعون كذب، وقول هذا الرجل حق لا شك.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن السبل تختلف، سبل ضلال،
وسبل غي، وسبل رشاد، فالسبيل الموصِل إلى الله هذا سبيل رشاد، والسُّبل المتفرقة
هذه سبل ضلال، قال الله تعالى: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ [الأنعام: ١٥٣].
ومن فوائد
هذه الآية الكريمة: بيان حال الدنيا، وأنها متاع يتمتع بها الإنسان، ثم
تزول، إما بزوال هذا التمتع، وإما بزوال المتمتِّع؛ ولهذا انظر مصارع الدنيا، هل
فيها أحد خُلِّد؟ وهل فيها أحد خُلِّد له ما بين يديه؟ كل ذلك لم يكن، فالدنيا إما
زائلة، وإما أن يُزال عنها، قال الله تعالى: وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ [الأنبياء: ٣٤].
ومن فوائد هذه الآية الكريمة:
انحصار الدنيا في هذه الكلمة القليلة وهي متاع، كل الدنيا متاع لا تتحمل أكثر من
ذلك.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الاستعداد
والرغبة في الآخرة؛ لقوله: وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ [غافر: ٣٩]، فإذا اجتمع هذا إلى ما قبله صار متضمنًا لفائدتين،
وهما: الزهد في الدنيا، والرغبة في الآخرة.
ثم قال: مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً [غافر: ٤٠] إلى آخره.
فيها من
الفوائد: أن عمل السيئة لا يزداد إثمًا على قدر السيئة؛ لقوله هنا: مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا [غافر: ٤٠].
ومن فوائد الآية: أنه في مقام التهديد ينبغي
أن يُبدأ بما يدل على التهديد قبل أن يُبدأ بما يدل على الترغيب؛ لأنه هنا بدأ
بالسيئة، ثم أعقب بالصالح، وانظر إلى قول الله تبارك وتعالى في مقام ذكر الأحكام
الشرعية، قال: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة: ٩٨].
ولما أراد جل وعلا أن
يتحدث عن نفسه ويبين كمال صفاته قال: نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ [الحجر: ٤٩، ٥٠]، فلكل مقام مقال، فالإنسان ينبغي له أن يرتب
المعاني حسب ما تقتضيه الحال، لا يُلقي الحديث على عواهنه، وفضل الله يؤتيه من
يشاء، قد يُريد الإنسان هذا الشيء، ويريد أن يُرتِّب كلامه، وأن يبنيه على ما
تقتضيه الحال، ولكن يخونه التعبير، إلا أن الإنسان إذا استعان بالله سبحانه وتعالى
واعتمد عليه يَسَّرَ الله له الأمر.
ومن فوائد هذه الآية
الكريمة: أنه لا يُقبل العمل إلا إذا كان صالِحًا ولا ينفع صاحبه إلا إذا
كان صالحًا.
وذكرنا أن الصالح ما اجتمع فيه شروط القبول، وهما: الإخلاص
والمتابعة. بفقد الإخلاص يكون الإنسان مشركًا، وبفقد المتابعة يكون الإنسان
مبتدعًا؛ ولهذا لا يُقبل العمل إلا الخالص الموافق للشرع.
ففي فقد الإخلاص يقع
الإنسان في الشرك، وبفقد المتابعة يقع الإنسان في البدعة؛ أيهما أشد؟ الأول، وقد
يكون الثاني حسب المخالفة، لكن الشرك من حيث هو أعظم من البدعة، وقيل: إن البدعة
أشد وأعظم؛ لأن الله قال: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [الأعراف: ٣٣]. والآية
بالتدريج من الأدنى إلى الأعلى، وصاحب البدعة يضر نفسه ويضر غيره؛ لأنه يكون إمامًا
يدعو إلى مخالفة الرسل، والذي يظهر أن الشرك من حيث هو شرك أعظم، لكن قد يكون
المترتب على البدعة أشد من المترتب على الشرك.
ومن فوائد
هذه الآية الكريمة: أن الذكور والإناث مشتركون في الثواب والعقاب؛ بمعنى أن
الله لا يُعاقِب الأنثى أكثر من عقوبة الرجل، ولا الرجل أكثر من عقوبة الأنثى،
وكذلك لا يجزي الرجل أكثر من جزاء الأنثى، ولا الأنثى أكثر من جزاء الرجل؛ لقوله في
هذه الآية: مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى.
ونظيرها قوله
تعالى: فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى [آل عمران: ١٩٥].
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن العمل الصالح لا
ينفع إلا مبنيًّا على الإيمان؛ لقوله: وَهُوَ مُؤْمِنٌ.
والجملة كما تعرفونها أيها المعربون، الجملة في موضع نصب على الحال، يعني والحال
أنه مؤمن.
وبناءً على هذا نسأل: هل عمل المنافق ينفعه؟ لا، لفقد الإيمان، هو
غير مؤمن.
وهل الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر
خيره وشره أو هو إيمان وراء ذلك كله؟ الجواب الثاني، من جملة الإيمان الذي يجب أن
تكون الأعمال الصالحة مبنية عليه أن تُؤمن بالثواب على العمل؛ ولهذا إذا عمِل
الإنسان العمل الصالح وهو يرجو هذا الثواب لا شك أنه سيزداد رغبةً في العمل،
وسيزداد إحسانًا للعمل؛ لأنه يعرف أن السلعة على قدر الثمن، فإذا كنت تعمل وأنت
تشعر بأنك ستُجازى على هذا العمل مجازاةً تامة، فسوف تحسن العمل لأجل أن يحسن لك
الثواب والجزاء، وهذه مسألة مهمة يغفل عنها الإنسان كثيرًا عن كونه ينوي بذلك
الثواب الذي أعده الله لعامل هذا العمل.
ومن فوائد هذه
الآية الكريمة: أن رزق الجنة ليس فيه حساب؛ يعني أنه لا يُطلب من الإنسان
عِوَض، ولا يلحقه تبعة؛ لقوله: يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ [غافر: ٤٠].
ثم قال هذا الرجل الذي آمن: وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ [غافر: ٤١] هذا استفهام تعجب وإنكار، كأنه يقول: عجبًا لكم،
أدعوكم إلى الجنة، وتدعونني إلى النار، وهذا والله محل العجب؛ أن تدعو رجلًا إلى
الجنة وهو يدعوك إلى النار، فتأتي إلى رجل تقول: يا فلان، اترك شُرْب الخمر؛ شُرْب
الخمر حرام، ولا يجوز، من شربه في الدنيا لم يشربه في الآخرة، هي أم الخبائث، مفتاح
كل شر، فيقول لك: يا ولد لذة وطرب وأنس وسرور، اشرب فأنت تشوف إذا شربت كأنك ملك
الملوك، ثم يرغبه، ثم يقول له أيضًا يُمنِّيه، يقول: اشرب، وإذا شربت وحصلت لك
اللذة والطرب فاستغفر الله، الباب مفتوح؛ أيهم الأحق بالإجابة، الأول ولَّا الثاني؟
طبعًا الأول، هذا يقول: مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ. وهذا استفهام –كما قلت لكم- تعجب وإنكار،
وهو محل للتعجب ومحل للإنكار أيضًا.
الطالب: (...) هل
الإرادة بالمعصية يأثم بها الإنسان؟
الشيخ: الإرادة
-بارك الله فيك- نوعان: إرادة يلحقها هم، وإرادة مجرد خاطر، فهذه الثانية لا يأثم
بها الإنسان، لا في مكة ولا في غيرها، والثاني: إرادة يلحقها هم، هذه يأثم بها
الإنسان.
الطالب: في الآية: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الحج: ٢٥]؟
الشيخ: نعم، عذاب أليم؛ لأن الحرم ليس كغيره،
فإذا كان الهم بالإلحاد المقرون بالظلم يُذقه الله من عذاب أليم، فما بالك بالفعل؟
يكون أشد.
الطالب: قول الله تعالى في سورة إبراهيم:
إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللَّهِ [إبراهيم: ١، ٢] سبب الجر؟
الشيخ: إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللَّهِهذه على
أنها عطف بيان، من هو العزيز الحميد؟ الله، فبيَّن، قوله: اللَّهِبالكسر بيان لـالْعَزِيزِ الْحَمِيدِ.
الطالب: ينبني عليها شيء لو قلنا
صفة؟
الشيخ: هو العادة أن لفظ الجلالة هي التي توصف؛
لأنها العلم الْمُعيِّن لمسماه تعيينًا لا اشتباه فيه؛ ولهذا قال النحويون: إنه
أعرف المعارف، وإنه أعرف حتى من الضمير، وإذا كان أعرف فإنه لا يكون صفة، بدل أو
عطف بيان، وعطف البيان يقول ابن مالك:
| وَصَــــــالحًا لِبَــــدَلِيَّةٍ يُـــــــرَى | فِي غَيْرِ نَحْوِ (يَا غُلَامُ يَعْمُرَا) |
| وَنَحْوِ بِشْرٍ تَابِعِ الْبَكْرِيِّ | وَلَـــــيْسَ أَنْ يُبْدَلَ بِالْــــــمَرْضِيِّ |
كل عطف بيان فهو صالح أن يكون بدلًا إلا في هاتين المسألتين.
طالب: (...)؟
الشيخ: ما هو على كل حال؛ لأنه قد يُراد بالإلحاد هنا إلحاد بظلم إن نوى الكبيرة.
الطالب: (...).
الشيخ: لا، هو ضمير الفصل، أما الضمائر المنفصلة الأخرى فالأصل أن لها محلًّا من الإعراب.
الطالب: (...).
الشيخ: لا، هذا -سلَّمَك الله- بعد أن يستقر أهل الجنة في الجنة، بعد أن يخلص كل شيء؛ يعني أهل الجنة ما يخرجون منها، وأهل النار ما يخرجون منها، يعني بعد أن يستقر كل شيء.
***
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ [غافر: ٤١] سبق الكلام على هذه الجملة، وبينا أن الاستفهام فيها للتعجب والإنكار.
مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ. جملة وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِمعطوفة على الجملة التي قبلها، وليست استئنافية ولا حالية كما قيل فيها به، بل هي معطوفة على ما سبق؛ لأن التعجب إنما يكون من اجتماع الأمرين أنه يدعوهم إلى النجاة وهم يدعونه إلى النار.
وقوله: إِلَى النَّجَاةِيعني النجاة من النار، ولم يقل: (إلى الجنة) مع أنه قال: وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ [غافر: ٣٩]؛ لأنهم هم يدعونه إلى الهلاك، يدعونه إلى النار، فقابَل دعوته بدعوتهم، فكأنه يقول: أنا أدعوكم إلى النجاة من النار وأنتم تدعونني إلى النار، والدعوة إلى النار ليس أن يقول القائل: هلموا إلى النار أيها الناس، لكنها الدعوة إلى عمل أهل النار، وليُعْلم أن النار حُفَّت بالشهوات، وأن الجنة حُفَّت بالمكاره، وعمل أهل النار مبني على الشهوات أو على الشبهات؛ يعني إما جهالات وضلالات كعمل النصارى، وإما شهوات كعمل اليهود، وعلى هذين يدور عمل أهل النار؛ الشبهات والشهوات، والشبهات دواؤها العلم، والشهوات دواؤها الحزم والإرادة التامة لما يحبه الله ويرضاه وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ [غافر: ٤١].
ثم بَيَّن بعد أن أَجْمَل في قوله: وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِبَيَّن الأعمال التي يدعونه إليها فقال: تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ [غافر: ٤٢] تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَاللام هنا لبيان المدَّعى إليه، أو المدعو إليه؛ يعني تدعونني لهذا، وعلى هذا فـأَكْفُرَمنصوبة بـ(أن) مضمرة بعد اللام على مذهب البصريين، أو باللام على مذهب الكوفيين.
لِأَكْفُرَ بِاللَّهِأي: أجحده وأُنكره، والمراد: إنكار وحدانيته بدليل قوله: وَأُشْرِكَ بِهِ. وقد يقال: إن المراد إنكار وجوده بالكلية أو الإشراك به مع الإقرار به، فيكونون يدعونه إلى شيئين: إما إنكار الخالق عز وجل، وهذا يستفاد من قوله: لِأَكْفُرَ بِاللَّهِأي: أجحده، أو إثباته مع وجود شريك له، وهذا مستفاد من قوله: وَأُشْرِكَ بِهِ.
وقوله: مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ [غافر: ٤٢] هذا قيد مبين للواقع، وأن كل من أشرك بالله فإنه مشرك بلا علم، بل بما يُعلَم بالفطرة خلافه، ولكن من المعلوم أن الشيء إذا كان بلا عِلْم فإنه لا ثبوت له ولا أصل له، فالصفة بل فالصلة في قوله: مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌلبيان الواقع، وقد بينا أن كل قيد لبيان الواقع أو الغالب أو المبالغة فإنه لا مفهوم له.
وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ [غافر: ٤٢] بدأ هنا باسم العزيز؛ لأن المقام يقتضيه؛ إذ إن هؤلاء أقباط من آل فرعون، يظنون أن العزة له، فقال: أدعوكم إلى العزيز، ولم يقل: (إلى الغفور الرحيم)، بل قال: إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ، يعني العزيز الغالب، فيهلككم إذا أنتم أشركتم به أو كفرتم به. الْغَفَّارِيغفر لكم ما سبق إن أنتم آمنتم به، وهذا من تمام فقه هذا الرجل المؤمن.
فإنه قد يقول قائل: إن المقام يقتضي: وأنا أدعوكم إلى الغفور الرحيم، لكن الأمر بالعكس، المقام يقتضي ذكر اسمه العزيز؛ لأن هؤلاء يدعون أنهم فوق الناس، وأن ربهم فرعون، وأنه لا غالب له.
وقوله: (العزيز) اسم من أسماء الله، و(الغفار) اسم من أسماء الله، و(الغفور) اسم من أسماء الله، وليُعلم أن أسماء الله سبحانه وتعالى تنقسم إلى قسمين: الأول: ما كان مشتقًّا من وصف متعدٍّ، فهذا لا يتم الإيمان به إلا بأمور ثلاثة:
الأول: إثباته اسمًا لله، والثاني: إثبات الصفة التي دل عليها، والثالث: إثبات الْحُكم المترتب على هذه الصفة.
والقسم الثاني: غير المتعدي، لا يتم الإيمان به إلا بإثبات اثنين: إثباته اسمًا من أسماء الله، وإثبات الصفة التي دل عليها هذا الاسم؛ لأن كل اسم من أسماء الله يدل على صفة، ليس لله اسم يكون جامدًا، خلافًا لمن قال: إن كلمة (الله) اسم جامد غير مشتق، وهذا ليس بصحيح، ما من اسم من أسماء الله إلا وهو مشتق؛ لأن الله وصف أسماءه بأنها حُسنى، وما لا يتضمن صفة ليس بحسن فضلًا على أن يكون أحسن، نضرب أمثلة لهذا:
(الحي) من أي القسمين؟ من اللازم، تؤمن به اسمًا من أسماء الله، وبالحياة التي دل عليها الاسم، (السميع) متعدٍّ، تؤمن بالسميع اسمًا لله، وبالسمع صفة لله، وبأنه يسمع إثباتًا للحكم؛ وهو الأثر المترتب على هذه الصفة.
ثم اعلم أن الاسم يتضمن أحيانًا صفة، وأحيانًا صفتين، وأحيانًا أكثر؛ لأن أنواع الدلالة ثلاثة:
مطابقة، وتضمن، والتزام، فمثلًا من أسماء الله تعالى: الْخَلَّاقُ، إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ [الحجر: ٨٦]، تؤمن بـ(الخلَّاق) اسمًا من أسماء الله، تؤمن بصفة الخلق التي تضمنها اسم (الخلاق)، وإيمانك بالاسم والصفة هذا إيمان بدلالة المطابقة، وإيمانك بالاسم وحده أو بالصفة وحدها إيمان بدلالة التضمن، ثم إيمانك بأنه عليم قدير إيمان بدلالة الالتزام؛ لأنه ما من خلَّاق إلا وهو عليم، وما من خلَّاق إلا وهو قادر؛ لأنه إن كان جاهلًا فكيف يخلق؟ وإن كان عاجزًا فكيف يخلق؟ فدلالة الخلَّاق على العلم والقدرة دلالة التزام.
وهذه الدلالة -أعني دلالة الالتزام- يتفاوت فيها الناس تفاوتًا كثيرًا، فمن الناس من يعطيه الله تعالى فهمًا يدرك به اللوازم التي تلزم على هذا الاسم، ومن الناس من هو دون ذلك، فتجد بعض الناس يستنبط فوائد عدة بدلالة اللزوم، وآخر لا يقدر، وفضل الله تعالى يؤتيه من يشاء.
إذن العَزِيزلا يتم الإيمان به إلا بأيش؟ ثلاثة ولَّا اثنين؟ العزيز نعرف معناه أولًا، العزيز بمعنى ذو العزة سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ [الصافات: ١٨٠]، والعزة قالوا: إنها ثلاثة أنواع:
عزة القَدْر، وعزة القهر، وعزة الامتناع؛ عزة القَدْر بمعنى أنه سبحانه وتعالى عزيز قدْرًا، بحيث لا يكون مماثلًا له، عِزَّة الامتناع؛ يعني أنه عز وجل عزيز؛ أي: يمتنع أن يناله السوء، والعزيز يأتي بمعنى الامتناع كقوله تعالى: وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ [إبراهيم: ٢٠] أي: بممتنع.
والثالث: عزة القهر؛ بمعنى أنه الغالب. ومنه قوله تعالى: يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ [المنافقون: ٨] فقال الله تعالى: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون: ٨] العزة يعني الغلبة، إذا كان العزيز بمعنى الغالب فهو من الأسماء المتعدية، عَزَّ أي غلب، فهو (غالِب) ومقابله (مغلوب)، وإذا كانت عَزَّ بمعنى (امتنع)، أو بمعنى (كان ذا قدر عظيم) فهو لازم.
إذن نقول: العزيز من جهة تكون من الأسماء المتعدية متى؟ إذا كانت بمعنى الغالب، ومن جهة أخرى تكون غير متعدية إذا كانت بمعنى الامتناع أو بمعنى القَدْر.
جملة معترضة، قال الله تعالى: يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ [المنافقون:٨] هل الجواب مطابق لقولهم أو غير مطابق؟ المطابقة أن يقول: والله أعز والمؤمنون، لكن لم يذكر هذا، بل قال: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُإشارة إلى أن المنافقين لا عِزَّة لهم أصلًا؛ لأنه لو قال: الله أعز؛ لأثبت للمنافقين عزة، ولكنه ليس لهم عزة، حصر العزة في الله ورسوله والمؤمنين؛ وهذه من بلاغات القرآن، وإذا تأملت القرآن، سبحان الله، تبين لك أمور تبهرك في دلالاته وإشاراته وإيماءاته، فسبحان الذي أنزله عز وجل!
(الغفار) اسم من أسماء الله، وهل هو من الأسماء المتعدية؟ المتعدية؛ لأن الله قال: يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ [آل عمران: ١٢٩] إذن لا بد أن نثبت الغفار اسمًا من أسماء الله، ولا بد أن نثبت الصفة وهي المغفرة وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ [الرعد: ٦]. ونثبت أنه يغفر، يوصل المغفرة من شاء. قال: أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ [الزمر: ٥].
لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ [غافر: ٤٣] وهو الكفر بالله والإشراك به لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌأي ليس له استجابة دعوة فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِولا جرم أيضًا أَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ.
قال المفسر: (لَا جَرَمَحَقًّا) يعني أن معنى لا جرم حق، وعلى هذا فتكون لَازائدة، وجَرَمَبمعنى حقًّا، وهذا ما ذهب إليه المؤلف، والمعربون اختلفوا فيها، والصواب في إعرابها أن (لا) نافية للجنس. و(جرم) اسمها، ومعنى (جرم) أي لا شك، أو لا بد، هذا هو الصواب، والتركيب واضح، ولا يحتاج أن نقدر أن (لا) زائدة، و(جرم) بمعنى قطع، وأن مصير الجملة إلى أن تكون مصدرًا لعامل محذوف؛ يعني: أُحِقُّ حقًّا أن ما تدعون إليه لا حاجة لهذا، إذا قلنا: لا شك أنما تدعونني إليه إلى آخره ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة، زال الإشكال.
وعلى هذا فتكون جَرَمَاسم لَا، وأَنَّمَا. و(ما) دخلت عليه في تأويل مصدر خبر لَاوانتهى الموضوع، والمعنى يقول: لا شك، ولا ارتياب أن الذي تدعونني إليه ليس له دعوة.
وقوله: أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِمكتوبة عندي مربوطة؛ أي: ما مربوطة بـ(أن)، وحسب القواعد المعروفة أن تكون مفصولة؛ لأن المعنى لا جرم أن الذي تدعونني إليه، وإذا كانت (ما) موصولة فإنها تُفصَل عن (أن) كتابة، لكن رسم المصحف تمشى فيه العلماء على الرسم العثماني، احترامًا للقرآن أن يُغَيَّر؛ ولهذا تجدون (الصلاة) في المصحف مكتوبة بالواو، (والزكاة) بالواو، (والربا) بالواو، إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف: ٥٦] بالتاء المفتوحة، كل هذا اتباعًا للرسم العثماني؛ احترامًا لكتاب الله أن يدخله التغيير.
وقد اختلف العلماء هل يُكتب القرآن حسب القواعد، وفي كل وقت بحسبه، أو على الرسم العثماني؟
فقيل: إنه يجوز أن يُكتب على القواعد في كل وقت بحسبه؛ لأن المقصود أن يُتلى كتاب الله على حسب ما نزل، لا على حسب ما كُتب، والقرآن نزل مكتوبًا أو نزل مقروءًا؟ مقروءًا، إذن الكتابة ما هي إلا اصطلاحات تخضع لأعراف الناس.
والقول الثاني: أنه لا يجوز أن يُغَيِّر أبدًا؛ سدًّا للباب، ومنعًا للتغيير، حتى لا يجرؤ أحد أن يُغَيِّر في كتاب الله عز وجل، وهذا لا شك أنه يرمي إلى قوة احترامنا للقرآن الكريم، والأول يرمي إلى قوة إيصال القرآن إلى الناس على وجه لا إشكال فيه.
والقول الثالث: أنك إن كتبته للدارسين المبتدئين، فلا بأس أن تكتبه حسب القواعد المعروفة؛ لأن الدارسين المبتدئين لا يعرفونه، وأما إذا كنت تريد أن تكتبه ليُقرَأ فهذا يُكتب على حسب الرسم العثماني، والظاهر أن هذا القول الْمُفصَّل أرجح الأقوال الثلاثة.
لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ [غافر: ٤٣] (أنَّ): حرف توكيد ينصب المبتدأ ويرفع الخبر، و(ما): اسمها، ولَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ: خبرها الجملة.
يقول: (أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِلأعبده) ولكن هذا التفسير قاصر، ما الذي دعوه إليه؟ أن يكفر بالله ويشرك به، هم دعوه إلى أمرين، والمؤلف قصره على أمر واحد وهو عبادة غير الله، وهذا إشراك.
(لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌأي ليس له استجابة دعوة) والصواب أنه ليس له دعوة يُدعَى بها، ولا دعوة يجيبها، فمعنى: لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌيعني لا يستحق أن يُدعى، وهو أيضًا لا يستجيب إذا دُعِي، كما قال الله تعالى: وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا [فاطر: ١٣، ١٤] فرضًا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْزد على ذلك أنكم تريدون أن ينفعوكم في الآخرة والأمر ليس كذلك وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [فاطر: ١٤]، وهذه الآية كقوله تعالى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأحقاف: ٥] هذا الذي تدعوه لا يمكن أن يستجيب لك إلى يوم القيامة أبدًا.
وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ [الأحقاف: ٥] هُمْ: يجوز أن يكون المدعوون، ويجوز أن يكون الداعون، والهاء في دُعَائِهِمْيجوز عودها لهذا، وهذا حسب الضمير السابق.
وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ [الأحقاف: ٦] وهو الوقت الذي يُريد هؤلاء الداعون أن ينتفعوا بالمدعوين وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ [الأحقاف: ٦]؛ لأن الله يقول: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ [البقرة: ١٦٦] أي المودة والمحبة التي كانوا يُضمرونها لهم في الدنيا وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا [البقرة: ١٦٧].
على كل حال لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ [غافر: ٤٣]. المؤلف يقول: (ليس له دعوة مستجابة) يعني لا يستجيب الدعوة، والصواب أن لها معنيين: لا يستجيب ولا يستحق؛ فهو لا يستحق أن يُدعى ولو دُعِي لم يستجب.
لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ [غافر: ٤٣] نعم، لا يستطيع هذا، لا في الدنيا، ولا في الآخرة؛ فالأصنام لا تنفع عابديها لا في الدنيا ولا في الآخرة.
قال: وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ [غافر: ٤٣] ذكَّرهم بالحساب رحمه الله وجزاه خيرًا.
وَأَنَّ مَرَدَّنَاأي: مرجعنا إِلَى اللَّهِعز وجل في الدنيا والآخرة ولَّا في الآخرة فقط؟ في الدنيا والآخرة. فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء: ٥٩]، فالمرد هو الله في الدنيا وفي الآخرة.
وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ [غافر: ٤٣] يعني: ولا جرم أيضًا أن المسرفين هم أصحاب النار، فهذه ثلاثة أشياء كلها جزم بها جزمًا:
أولًا: أن ما تدعون إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة، والثاني: أن مردنا إلى الله، والثالث: أن المسرفين هم أصحاب النار.
الْمُسرِف اسم فاعل من الإسراف، وهو تجاوز الحد، ويكون كُفرًا، ويكون دون الكُفْر، فالإنسان الذي يملأ بطنه من الطعام والشراب مُسْرِف، لكنه ليس بكافر؛ لأن الله قال: كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا [الأعراف: ٣١]. وكذلك الإسراف في اللباس وغيره لا يؤدي إلى الكفر، لكن الإسراف في عبادة الله بأن تتجاوز عبادة الله إلى عبادة غيره هذا هو الكفر، وهذا هو مراد هذا الرجل المؤمن وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ [غافر: ٤٣].
هُمْضمير فصل، وقد سبق لنا أن ضمير الفصل من حيث الإعراب لا محل له من الإعراب، فلا يؤثر فيما قبله، ولا يؤثر فيه ما بعده، وسبق لنا أن لضمير الفصل فوائد: التوكيد، والحصر، وتمييز الخبر عن الصفة، وضربنا لذلك مثلًا.
من فوائد هذه الآيات: إنكار هذا الرجل المؤمن على قومه بما يشهد العقل بصحته حيث قال: وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ [غافر: ٤١]. وإذا كان العقل يدل على صحته فهو محل عجب، كل إنسان عاقل يعجب أن يكون هذا الشيء، رجل يدعو قومه إلى النجاة، ورجل يدعوهم إلى النار!
ومن فوائد الآية الكريمة: مراعاة الحال في الخطاب، وجهه أنه قال: إِلَى النَّجَاةِمع أنه يدعوهم إلى الجنة، لكن لما كانت دعوتهم إياه إلى الهلاك آثر أن يقول: إلى النجاة.
سؤال: هل يلزم من النجاة من النار دخول الجنة؟ يلزم، كيف اللزوم؟
طالب: (...).
الشيخ: وجه اللزوم، لو قال: واحد، ينجو من النار ويجد محلًّا ثانيًا، أين قاله الله؟ أين آية واحدة؟ هذه، لكن هذا أنجاه الله من النار، وتركه من ها الأرض.
طالب: (...).
الشيخ: لكن هذا ما زُحْزح وأُدخِل، لكن واحد زُحزِح عن النار وسكت الله عنه، ما هو بدليل، الدليل أنه ليس في الآخرة إلا داران، إما هذا أو هذا؛ ولذلك كان أصحاب الأعراف الذين يبقون بين الجنة والنار مآلهم إلى الجنة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن كل من أشرك بالله أو أنكره كفر به فليس له عِلْم في ذلك مهما كان، تُؤخَذ من: وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ [غافر: ٤٢].
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإشراك بالله كجحود الله، من أين؟
طالب: (...).
الشيخ: ويدل لذلك أيضًا قول الله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» .
ومن فوائد الآية الكريمة: تذكير هذا الرجل المؤمن هؤلاء بعزة الله ومغفرته ترغيبًا وترهيبًا؛ لقوله: وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ [غافر: ٤٢] في أي الكلمتين يكون الترهيب؟ في قوله: الْعَزِيزِ، والترغيب في قوله: الْغَفَّارِ، والله أعلم.
الطالب: ما يُذكر في القرآن من كلام أشخاص معينين كملكة سبأ ومؤمن آل فرعون هل يؤخذ بالمعنى أو باللفظ؟
الشيخ: هذا سؤال مهم، يقول: ما ينقله الله عز وجل عن الأمم السابقة هل هو بالمعنى أو باللفظ؟
الجواب: بالمعنى لا شك، أولًا: لأن لغة هؤلاء ليست لغة عربية، وثانيًا: لو كان باللفظ لكان كلام البشر مُعجِزًا؛ لأن الإعجاز يحصل بالآية والآيتين والثلاثة، وهذا الرجل المؤمن كم تكلم من آية؟
طالب: يمكن يا شيخ يشير لشيء معين، وهو أنها تأتي بلاغًا (...).
الشيخ: إذن لأن الله هو الذي صاغه بنفسه، فنقله بالمعنى.
هذا يوصلنا إلى شيء؛ الحديث القدسي هل هو كلام الله بلفظه أو معناه؟
هذا -على كل حال- فيه خلاف؛ منهم من يقول: تكلم الله به لفظًا، ومنهم من يقول: تكلم به معنى، والصياغة من الرسول عليه الصلاة والسلام، ومنهم من يقول: قل: قال الله، ولا تقل لفظًا ولا معنى، ما دُمت في عافية فاسلك طريق العافية، لكن أحيانًا يُحرج الإنسان، يُقال: أعطني الفرق بين الحديث القدسي والقرآن؟ وأما إذا أمكن الإنسان السلامة فالسلامة خير، لكن يأتيك بعض الناس ويقول لك: أخبرني عن الفرق بين الحديث القدسي والقرآن؟ فالفرق هو هذا؛ أن الحديث القدسي ليس لفظ الله عز وجل؛ لأنه لو كان لفظ الله لكان معجزًا ولثبت له أحكام القرآن، بحيث لا يقرؤه جنب، ولا يُمَس إلا بطهارة، ولا أحد يقدر على تحريفه، وما أشبه ذلك، وهذا كله مُنتهٍ.
فإذا قال قائل: أليس الرسول يقول: قال الله؟ قلنا: بلى. أليس الله يقول: قال فرعون، قال موسى وما أشبه ذلك وهو بغير لغتهم؟ هذا لا يمنع.
ثم لو قلنا: إنه كلام الله باللفظ أشكل علينا إشكالًا عظيمًا، فإما أن يكون بواسطة جبريل، أو بغير واسطة، فإن كان بغير واسطة كان أعلى سندًا من القرآن؛ لأن القرآن بواسطة من؟
طلبة: جبريل.
الشيخ: وإن كان بغير واسطة، فأي إنسان يقول بغير واسطة فإننا ربما نخنقه أو نعطيه كفًّا على الرأس؛ لأن إذا جعله بواسطة، والرسول حذف الواسطة صار عندنا إشكال، ما هو؟ التدليس، والرسول صلى الله عليه وسلم مُنَزَّه عن هذا، فعلى كل حال المسألة -كما قلت لكم- أحد يقول: إنه كلام الله لفظًا ومعنى، والثاني يقول: كلام الله معنى لا لفظًا، والثالث يسكت، يقول: نقول: قال الله ونسكت، وهذا إذا حصل للإنسان السلامة فهو أسلم، لكن كما قلت لكم أحيانًا يقول لك: لازم، أعطني الفَرْق بين القرآن والحديث القدسي، نقول: هذا الفرق، القرآن كلام الله لفظًا ومعنى، والحديث القدسي كلام الله معنًى لا لفظًا.
فإن قال قائل: وحينئذٍ نطالبكم بالفرق بين الحديث النبوي والقدسي؛ لأن الحديث النبوي كلام الرسول، نقول: هذا سهل، الفرق بينهما أن الحديث النبوي لا يضيفه الرسول إلى الله، والحديث القدسي يضيفه إلى الله، انتهى الإشكال في هذه المسألة، ثم اعلم أن هذه المقامات إذا حصلت السلامة فهي أسلم، ولكن إذا ابتُلِي الإنسان فلا بد أن يُفَصِّل.
ومن ذلك، وأنا أحب أن أستطرد؛ لأن معنا إخوانًا لم يدركوا ما نقوله في بعض المجالس؛ من ذلك مثلًا لفظ (الجسم)، الجسم تعلمون أن جميع الْمُعطِّلة بنوا تعطيلهم على مسألة الجسم، حيث ادعوا أنهم إذا أثبتوا الوجه أو اليد أو ما أشبه ذلك فإنه يقتضي أن يكون الله جسمًا، حتى الاستواء يقولون: إذا أثبتنا أن الله استوى فهو جسم، ونحن نقول لهم: ما هذا الجسم الذي جعلتموه دبُّوسًا معلقًا تخرقون به كل سياج لإثبات الصفات؟
إن أردتم أنه جسم مكون مخلوق يمكن انفصال بعضه عن بعض، وبانفصال بعضه ينقص وربما يهلك، فالله مُنَزَّه عن هذا ولا شك، ومن اعتقد هذا في ربه فهو كافر.
وإن أردتم بالجسم أنه ذو ذات يفعل ما يشاء، ويتكلم، ويجيء، وينزل، ويستوي، ويتصف بالصفات اللائقة به فهذا حق، لكن من جهة إثبات لفظ الجسم أو نفيه فهذا ممنوع، لا تقل إثباتًا: إن الله جسم، ولا نفيًا: إن الله ليس بجسم؛ لأنه لم يرد إثباته ولا نفيه.
فهذه مسائل ينبغي لطالب العِلم أن يفهمها، فمثلًا إذا جادلنا إنسان، ويقول: ما تقول في الجسم؟ أقول: أما باعتبار لفظه فالواجب الكف عنه إثباتًا أو نفيًا، أما من جهة معناه فنحن نستفصل.
***
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بقي فوائد فيما سبق وقفنا فيها على قوله: مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً [غافر: ٤٠] بعدها لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي [غافر: ٤٣] إلى آخره.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن كل ما يُدعى من دون الله فليس له دعوة اسحقاقًا ولا استجابة؛ لقوله تعالى: لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ [غافر: ٤٣].
ومن فوائدها: أن هذه الأصنام لا تنفع عابديها سواء دعوها دعوة مسألة أو دعوة عبادة.
والفرق بين دعوة المسألة؛ أن المسألة يطلب فيها الإنسان حاجة ما، ودعاء العبادة يتعبد لله، وإنما كانت العبادة دعاء؛ لأن العابد يدعو بلسان حاله أن يُثاب على هذه العبادة، ويدل على ذلك قوله تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي [غافر:٦٠] فقال: ادْعُونِي، ثم قال: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي [غافر: ٦٠] فدل هذا على أن الدعاء عبادة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الرجوع إلى الله عز وجل، وأن مرد الأمور إليه في قوله: وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ [غافر: ٤٣]، وهذه الآية لها نظائر، منها قوله تعالى: وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ [البقرة: ٢١٠]، ومنها: إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ [الغاشية: ٢٥، ٢٦]، ومنها: يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ [الانشقاق: ٦]، ومنها قوله تعالى: وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى [النجم: ٤٢]، والآيات في هذا المعنى كثيرة؛ أن مرجع الخلائق إلى ربها عز وجل.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحريم الإسراف، وجه الدلالة؟ من أين نأخذ تحريم الإسراف من الآية؟
وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ [غافر: ٤٣].
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإسراف قد يصل إلى حد الكفر من الآية؛ قوله: هُمْ أَصْحَابُ النَّارِومتى وجدتَ أَصْحَابُ النَّارِالذين هم أهلها والذين هم مُخلَّدون فيها.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: قوة إيمان هذا الرجل، فقال: وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ [غافر: ٤٣].
ومن فوائدها: استعمال التعريض.
طالب: (...).
الشيخ: لا، كيف ذلك؟
الطالب: (...).
الشيخ: أحسنت؛ لأنه لا شك أنه أول ما يدخل في هذه الجملة هؤلاء، لكنه لم يشأ أن يتكلم بذلك صريحًا.
هل يمكن أن نقول: في هذه الآية إظهار في موضع الإضمار؟
طالب: (...).
الشيخ: ما ممكن أن نقول؟ وممكن أن نقول: هذا تورية، وعلى كل حال، فالإظهار في موضع الإضمار من أساليب اللغة العربية، وهو كثير في القرآن. وله فوائد، منها:
إرادة العموم: يعني ليعم الحكم، من استُعمل في حقه ومن لم يُستعمل.
ومنها بيان العلة التعليل؛ لأنه إذا جاء الوصف مُعلَّقًا عليه حكم من الأحكام دل ذلك على عِلِّيَّة هذا الوصف.
ومنها: التسجيل على هؤلاء الذين كان مقتضى السياق أن يذكروا بالضمير بما يقتضيه هذا الوصف، فهذه ثلاث فوائد: إرادة التعميم، بيان العلة، الحكم على هؤلاء بأنهم مستحقون لهذا الوصف.
ثم قال الله تبارك وتعالى في بقية كلام هذا الرجل المؤمن: فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ [غافر: ٤٤] (السين) و(سوف) كلاهما يختصان بالفعل المضارع، ومن علاماته، وإذا رأيت كلمة تقبل (السين) و(سوف) فهي فعل مضارع، لكنهما يفترقان، (السين) تدل على القُرب، و(سوف) تدل على المهلة، فقوله: فَسَتَذْكُرُونَأي عن قريب، وهي مع إفادتها القُرب تفيد التحقق؛ يعني أن هذا أمر لا بد أن يحصل فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْمتى؟ إذا عاينتم العذاب، وهذا ليس ببعيد؛ لأن غاية ما بينهم وبينه أن تنتهي آجالهم، وكل آتٍ قريب فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ. وحينئذٍ ينفعهم ذلك أو لا؟ لا ينفعهم، كما لو نصحك ناصح عن فعل شيء، ثم لم تقبل نصيحته، وبعد ذلك رأيت عاقبته وخِيمة فإنك ستذكر قول الناصح، تذكره ندمًا وحزنًا.
قال: وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ [غافر: ٤٤]، الواو هنا للاستئناف، ولا يصح أن تكون عاطفة؛ لأنها لو كانت عاطفة لكان المعنى: وسأفوض أمري إلى الله، ولكن ليس هذا المعنى، بل المعنى: وأنا أفوض أمري إلى الله، فالواو هنا للاستئناف، أفوضه إلى الله؛ أي: أَكِله إلى الله عز وجل.
وقوله: أَمْرِيهذا مفرد مضاف يعم، والمراد به الشأن، أي الشأن كله إِلَى اللَّهِ. وهذا غاية ما يكون من التوكل.
إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [غافر: ٤٤] هذه الجملة تعليلية للحكم السابق وهو قوله: أفوض أمري إلى الله، كأن قائلًا يقول: لماذا فوض أمره إلى الله؟ فأجاب بأن الله تعالى بصير بالعباد.
بَصِيرٌ بِالْعِبَادِأي: بأحوالهم، وحاضرهم، ومستقبلهم، وجميع شؤونهم، فهو جل وعلا يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، يعلم كل أحوالهم.
قال ذلك لما توعدوه بمخالفة دينه؛ يعني كأنهم توعدوه فقال: أفوض أمري إلى الله، ولكن التوعد ليس في الآية دليل عليه، والظاهر -والله أعلم- أنه لم يقل ذلك حين توعدوه ولكنه قال ذلك حين أيس من أن يمتثلوا لنصيحته، فقال كالمودع لهم: فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْوأما أنا فأفوض أمري إلى الله؛ لأني قمت بما يلزمني من نصيحة، وهذا أكثر ما يجب عليَّ.
قال الله تعالى: فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا [غافر: ٤٥] هذا أيضًا يدل على رد كلام المؤلف؛ لأنهم لو توعدوه بالقتل لم يكن هذا مكرًا؛ إذ إن المكر هو الإيقاع بالغير من حيث لا يشعر، هذا المكر؛ أن توقع بغيرك من حيث لا يشعر، أما لو توعدوه بالقتل لم يكن هذا مكرًا، بل كان هذا صريحًا واضحًا.
فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُواأي: نجاه من مكرهم السيئ، فـسَيِّئَاتِهنا من باب إضافة الصفة إلى موصوفها؛ أي: المكر السيئ، وقد قال الله تعالى: وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [فاطر: ٤٣].
وقوله: مَا مَكَرُواالمكر والخداع والغدر والْمِحال وما أشبه ذلك؛ كلها ألفاظ متقاربة تدور حول شيء واحد، وهو أن توقع بغيرك من حيث لا يشعر.
مَا مَكَرُواقال: (به من القتل) بَيَّنَ في هذا أن العائد على الصلة في قوله: (ما) محذوف والتقدير: ما مكروا به.
قال: (وَحَاقَنزل بِآلِ فِرْعَوْنَقومه معه سُوءُ الْعَذَابِالغرق) (حاق) بمعنى (نزل)، لكن تشعر بأنها ليست بمعنى (نزل) من كل وجه، وأن تفسيرها بالنزول تفسير تقريبي، (حاق) القاف قريبة من الطاء فكأن المعنى: حاط بهم، وهذا أشد من نزل، فالظاهر أن (حاق) بمعنى (نزل) مُحيطًا بهم، وليست بمعنى نزل على وجه مجرد بدون إضافة معنى.
وقوله: بِآلِ فِرْعَوْنَقال المؤلف: (قومه). وقال غيره: أتباعه. والظاهر أن المعنى متقارب؛ لأن الذين اتبعوه إنما هم قومه، وأما بنو إسرائيل فإنهم لم يتبعوه بل كان يُذَبِّح أبناءهم ويستحيي نساءهم؛ بِآلِ فِرْعَوْنَ.
وقوله: (معه) ذكرها لئلا يظن الظان أن العذاب نزل بآل فرعون دونه، ولكن هذا لا يمكن أبدًا، إذا كان آل فرعون إنما نزل بهم العذاب؛ لأنهم كفروا بالله، ففرعون أكفر بالله من هؤلاء، ثم إن الظاهر أن الإنسان إذا قال: أكرِمْ آل فلان، فإن فلانًا هو مقدمهم، ولا بد أن يدخل فيهم لغة.
وقوله: سُوءُ الْعَذَابِهذا أيضًا من باب إضافة الصفة إلى موصوفها؛ أي المعنى: العذاب السيئ، وفسره المؤلف بأنه الغرق، وهذا لا شك أنه من سواء العذاب، لكن هناك عذابات أخرى أُصِيب بها آل فرعون: وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ [الأعراف: ١٣٠]. وقال تعالى: فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ [الأعراف: ١٣٣] كل هذا من سوء العذاب؛ الطوفان ليُغرق ما بُذِر من نباتهم، والقُمَّل لأجل أن يُفسد ما ظهر، والضفادع لتفسد الماء؛ لأنهم صاروا كلما أخذوا إناءً يشربونه وجدوا هذه الضفادع قد ملأته، والدم هو نزيف الدم إما من الأنف، أو من غيره، فعُوقِبوا من كل وجه، بالزروع غرق، ما ادخروه قُمَّل، الماء ضفادع، بعد أن يصل إلى الجسم ويتغذى به الجسم يخرج هذا، ينزف دمًا، فهلكوا.
وهذا فيه الترتيب ودرجات، ويش قلنا؟ الطوفان غرق الزروع، الجراد أكل ما ظهر، الطوفان والجراد، تأكل الزرع، الطوفان يغرق ما بُذِر، والجراد يأكل ما ظهر، والقُمَّل يفسد ما ادخر، والضفادع تفسد الماء، والدم -وهو النزيف- تذهب ما حصل من الغذاء بالطعام الذي يقدر أنه سلم من هذه الآفات، فهذا من سوء العذاب، والنهاية هو الغرق، أن الله أغرق آل فرعون بالبحر.
قال: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا [غافر: ٤٦] هذه الجملة مستأنفة، فـالنَّارُمبتدأ، ويُعْرَضُونَالجملة خبرها.
يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّاليس معنى يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّاأنها تحرقهم؛ لأن الله لو أراد ذلك لقال: النار يصلونها غدوًّا وعشيًّا، لكنهم يُعرضون عليها فيأتيهم من سمومها وعذابها ما لا يطيقون والعياذ بالله، يُعرضون عليها غُدوًّا في الصباح، وعشيًّا في المساء، والظاهر أن المراد الدوام، ويحتمل أن المراد هذان الوقتان فقط، فأما الأول فقد يستدل له بقول الله تبارك وتعالى: وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا [مريم: ٦٢] يعني في كل الزمن.
وأما الثاني فيمكن أن يقال: إن هذا ظاهر اللفظ؛ أي في أول النهار وآخره، وأنهم يُعرَضون على النار أول النهار، ثم إذا صُرِفوا عنها أَمَّلوا أنها لا تعود إليهم، فتعود إليهم، فيكون هذا أشد من الاستمرار؛ لأن كون الإنسان يُؤمل اندفاع العذاب عنه ثم يعود أشد من كونه مستمرًّا آيسًا من زواله، ولهذا قال الله تعالى لأصحاب النار: كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا [السجدة: ٢٠].
النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ [غافر: ٤٦] يقال: {ادْخُلُوا} يا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِهذه قراءة، (ادْخُلوا) أمر، والمقصود به الإهانة والإذلال، بخلاف قوله تعالى لأهل الجنة: ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ [الحجر: ٤٦] هذه للإكرام، أما هذه: {ادْخُلُوا آلَ فِرْعَوْنَ} هذه للإهانة والعياذ بالله.
وقوله: آلَفسَّرها المؤلف بقوله: (يا آلَ) إشارة إلى أنها منصوبة بـ(ياء) النداء المحذوفة، ادخلوا يا آل فرعون. (وفي قراءة بفتح الهمزة وكسر الخاء أَمْر للملائكة) أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ، يعني ويوم القيامة يقال للملائكة: أدخلوا آل فرعون (أَشَدَّ الْعَذَابِعذاب جهنم) نسأل الله العافية.
في هذه الآيات من الفوائد:
أولًا: أن الله سبحانه وتعالى حسْب من تَوَكَّل عليه؛ لقوله: فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ [غافر: ٤٤].
في هذه الآيات من الفوائد:
أولًا: بيان تحذير هؤلاء الذين ينصحهم المؤمن بأنهم سوف يذكرون كلامه، ويعرفون أنه الحق لكن متى؟ في حال لا تنفعهم هذه الذكرى.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: قوة توكُّل المؤمن، حيث قال: وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ. وهكذا يجب على كل مؤمن إذا أراد أن تُقضى أموره وتسهل فلْيُفَوِّض أمره إلى الله؛ لأن الله تعالى قال: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق: ٣]، وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال: ٦٤]، ومن كان الله حسبه فهو رابح وناجح.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات عِلْم الله سبحانه وتعالى بكل عباده؛ لقوله: إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [غافر: ٤٤]، وهذا -كما قلت لكم- تفسير يشمل الأحوال والأعيان.
ومن فوائد الآية التي بعدها: أن الله سبحانه وتعالى يكفي من تَوَكَّل عليه، فيحميه من عدوه؛ لقول الله تعالى: فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا [غافر: ٤٥].
ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من أعداء المسلمين؛ لقوله: مَا مَكَرُوا، وأن أعداء المسلمين قد لا يُواجهونهم بالعداوة ولكنهم يمكرون بهم، فليحذر المؤمن مكر أعداء الله، وهذا في القرآن كثير، قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [الأنفال: ٣٠]. وقال تعالى: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا [الطارق: ١٥ - ١٧].
ومن مكر أعداء الله؛ أنهم لا يُجابهون المسلمين بالعداوة، لكنهم يغزونهم من حيث لا يشعرون بالأفكار المنحرفة والأخلاق السيئة، كما تُشاهدون الآن وتسمعون ما يفعل أعداء المسلمين بالمسلمين، يَجُرُّون إليها الأخلاق السافلة من وسائل الإعلام المرئية والمقروءة والمسموعة، يُوفِدون إليهم كل ما يخالف دين الإسلام في الملابس وغير الملابس، يغرونهم بالأموال الطائلة لإذهاب أوقاتهم سُدًى بلا فائدة كمسألة الرياضة وما أشبهها. فالمهم أن أعداء المسلمين يمكرون بهم مكرًا عظيمًا، والمسلمون إما أنهم لا يهتمون بهذا المكر أو أنهم لا يعرفونه، ولكن -على كل حال- الواجب علينا أن نحذر.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى يُجازي المحسِن بإحسانه، ويجازي المسيء بإساءته، وتكون إجازة المسيء بإساءته تكون في الحقيقة مجازاة للمحسن؛ لأن أخذ أعدائك بالعذاب هو -في الحقيقة- انتصار لك، وأنت تفرح بذلك، تؤخذ من قوله: فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ [غافر: ٤٥] فبين الله تعالى جزاء هذا وجزاء هؤلاء.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات عذاب القبر؛ لقوله: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا [غافر: ٤٦].
وعذاب القبر ثابت بالقرآن والسنة والإجماع؛ أما القرآن: ففي مثل هذه الآية: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا. ثم قال: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا [غافر: ٤٦]؛ لأن قوله: (يوم) ظرف زمان متعلق بما بعده، المتعلق بالفعل أَدْخِلُواأو ادْخُلُوا، وهذا إذن لا يكون إلا بعد يوم القيامة، وعرضهم على النار غُدوًّا وعشيًّا يكون قبل يوم القيامة، ففيه إثبات عذاب القبر، قلت لكم: إنه ثابت بالقرآن، والسنة، والإجماع، أما القرآن ففي مثل هذا.
ومنه -أي من أدلة القرآن- قول الله تبارك وتعالى: وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ [الأنعام: ٩٣]. الْيَوْمَمتى؟ اليوم هنا (أل) للعهد الحضوري؛ يعني هذا اليوم الذي هو يوم موتكم، فدل ذلك على ثبوت عذاب القبر.
أما السنة فهي متواترة في ذلك، كثيرة على وجوه متنوعة؛ عامة وخاصة؛ من الخاصة قوله صلى الله عليه وسلم حين مر بقبرين يُعذَّبان: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ» .
وأما الإجماع، فكل المسلمين يقولون في صلواتهم: أعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر؛ وهذا أمر لا إشكال فيه، وهو من عقيدتنا.
فإن قال قائل: هل العذاب يكون على البدن أو على الروح أو عليهما جميعًا؟
نقول: ظاهر السُّنَّة أن العذاب يكون على البدن حين مُساءلة الملكين، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن المنافق والمرتاب يقول: «لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ، فيُضْرَبُ بِمِرْزَبَةٍ مِنْ حَدِيدٍ فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الثَّقَلَانِ؛ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ؛ فَإِنَّهُمْ لَا يَسْمَعُونَهُ، وَكُلُّ شَيْءٍ يَسْمَعُهُ» . والمراد بذلك من قرب منها بحيث يسمع، أما من كان في أقطار الدنيا البعيدة فلا، وهذا يدل على أن الذي يُعذَّب حين المساءلة البدن؛ لقوله: «فَيُضْرَبُ».
أما بعد ذلك فالأصل أن العذاب على الروح، وقد تتصل بالبدن كما قال ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وإن شئنا قلنا: هذا بحث لا طائل تحته، ولم يسأل عنه الصحابة، فنُثبِت عذاب القبر على حسب ما جاء في الكتاب والسُّنة، لا نزيد ولا ننقص.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجود النار؛ لقوله: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا [غافر: ٤٦] ووجودها ثابت في القرآن والسنة، وقد رأى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم النار حين عُرِضَتْ عليه وهو يُصَلِّي بالناس صلاة الكسوف، ورأى فيها من يُعَذَّب؛ فالنار موجودة الآن.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات قيام الساعة؛ لقوله تعالى: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ [غافر: ٤٦].
ونحن نؤمن بالساعة، وأنها ستقوم، وسيُبعث الناس، وبهذا نعرف أن ما يذكره بعض الناس اليوم حين يموت الرجل فيُدفن يقولون مثلًا: إنهم ذهبوا به إلى مثواه الأخير، هذه الكلمة كلمة كُفْر، إذا قلت: إلى مثواه الأخير، فهذا يعني أنه لا بعث بعد ذلك، وأن هذا آخر مرحلة للإنسان، وليس الأمر هكذا، ولهذا نقول: إن من قال هذه الكلمة وهو يعرف معناها ويريده فإنه كافر؛ لأنه مُنكِر للبعث، أما من قالها وقال: إلى مثواه الأخير باعتبار الدنيا المشاهَدَة؛ فهذا صحيح، لكن ظاهر العبارة الكُفْر، ولهذا يجب التحرز منها، ويقال مثلًا: ذهبوا به إلى قبره، ذهبوا به إلى محل زيارته،
أو غير صحيح؟
طالب: إذا كان المقصود (...).
الشيخ: الواقع أن القبر زيارة، قال الله تعالى: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ [التكاثر: ١، ٢] ولما سمع أعرابي رجلًا يقرؤها قال: والله إن الزائر ليس بمستقر؛ يعني أن هناك شيئًا وراء هذا القبر، وصدق، الزائر ما هو مستقر، يزور ويمشي.
ومن فوائد الآية الكريمة: إهانة الكفار إهانةً بدنية وإهانةً قلبية، من أين تؤخذ؟ من توبيخهم وإهانتهم: أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ [غافر: ٤٦] ولا شك أن قلوبهم تأثر بهذا، وستجد الحسرة والندامة والعياذ بالله.
ومن فوائد الآية الكريمة: التنكيت على آل فرعون، كأنه قال: ادخُلوا آل فرعون وانظروا هل ينفعكم أن تكونوا من آله أو لا؟ ففيها نوع تبكيت لهؤلاء.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن النار أشد العذاب، وأن كل ما قبلها أهون منها؛ لقوله: أَشَدَّ الْعَذَابِولا شك أنها أشد العذاب، كذلك نقول بالنسبة للنعيم، ما يجده المؤمن من النعيم في القبر فليس بشيء بالنسبة لما يجده يوم القيامة، فأكمل النعيم يكون بدخول الجنة وما قبله فهو كالتقدمة بين يديه.
طالب: هل يستدل على (...) يراها الإنسان في منامه؟
الشيخ: ويش يرى؟ يرى أنه يعذب؟
الطالب: في الأحلام هو أنه..
الشيخ: يرى أنه يُعذَّب؟
الطالب: أحيانًا الإنسان يرى (...)؟
الشيخ: لا، ما يُستدل، لكن يستدل به على دفع دعوى أهل الإلحاد؛ حيث قالوا: إنكم تقولون: إن الميت يُقعد في قبره ويُعذَّب، ونحن نحفر القبر ونجد أن الميت باقٍ على ما هو عليه؟ فنرد عليهم بأن هذا النائم يرى أنه مُعذَّب، وأنه مُنَعَّم، وأنه ذهب، وأنه جاء وهو على فراشه لم يتغير، حتى اللحاف ما سقط عن ظهره. فنقول: قِس الغائب بالحاضر، ثم لو كان عذاب القبر يُدرَك بالاطلاع عليه لم يكن إيمانًا بالغيب، لكان إيمانًا بالشهادة، والإيمان بالشهادة لا ينفع؛ يعني الإنسان إذا عَايَنَ الشيء فإن إيمانه به لا ينفع..





