تفسير سورة غافر - 14
عدد الزيارات 3274

عناصر المادة :
تفسير الآيات (61-63)
تفسير الآية (64)

ومن فوائدها: وجوب الإيمان بالبعث؛ لأنه خبر من الله مؤكد، وكل أخبار الله تعالى صدق، وكل وعد الله حق.
ومن فوائد الآية الكريمة: النهي عن الارتياب في هذه الساعة؛ لأن قوله: لَا رَيْبَ فِيهَا [الكهف: ٢١] يحتمل أن يكون خبرًا مجردًا للتأكيد ويحتمل أن يكون خبرًا بمعنى النهي؛ أي: فلا ترتابوا فيها، ونظير ذلك قوله تعالى: ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ [البقرة: ٢] فإن فيه تفسيرين:
الأول: أنه خبر محض، والثاني: أنه خبر بمعنى النهي؛ أي: لا ترتابوا فيه.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن أكثر الناس لا يؤمنون بهذه الساعة وينكرونها يقولون: مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ [يس: ٧٨]، مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ [الجاثية: ٢٤].
ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على كلمة مشهورة، بل إبطال الكلمة المشهورة؛ وهو أن الإنسان إذا مات قالوا: عاد إلى مثواه الأخير، فإن هذه جملة باطلة؛ لأن القبر ليس المثوى الأخير، المثوى الأخير هو الجنة أو النار، أما القبر فإنه زيارة، معبر، كما أن الدنيا معبر كذلك القبر معبر، ولهذا سمع أعرابي قارئًا يقرأ قول الله تعالى: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ [التكاثر: ١، ٢] فقال الأعرابي: والله ما الزائر بمقيم، وإن هناك شيئًا وراء القبور؛ منين استنبط: زُرْتُمُ، الزائر يبقى مدة ثم يرتحل.
إذن إذا سمعنا من يقول: إن هذا دفن في مثواه الأخير. أو ما أشبه ذلك، فإننا ننكر عليه، ونقول: اعدل عن هذه الكلمة؛ لأنها كلمة مضمونها لو اعتقده القائل لكان كافرًا.
ثم قال الله تبارك وتعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي [غافر: ٦٠] إلى آخره.
من فوائد الآية الكريمة: إثبات القول لله عز وجل، وهذا القول هل هو قول نفسي لا يظهر أو هو قول ظاهر؟ الثاني، قول ظاهر؛ لأن القول النفسي إذا أُريد قُيِّد، كما في قوله تبارك وتعالى: وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ [المجادلة: ٨]، يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ [آل عمران: ١٥٤]، فإذا أُطلق القول صار المراد به الكلام المسموع، وهذا قول السلف وأئمة الخلف؛ أن الله يتكلم ويقول بقول مسموع وبحرف؛ لأن ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: ٦٠] هذه كلمات مركبة من حروف أو لا؟ إذن يتكلم بحرف وصوت عز وجل.
وقول من قال: إن كلام الله هو المعنى القائم بالنفس، وأن ما يُسمع عبارة عن كلام الله، خلقه الله ليسمعه الناس، وإلا فإن كلامه ما في نفسه فقط. باطل؛ أي: هذا قول باطل؛ لأننا إذا فسرنا القول بهذا صار معناه العلم وليس القول.
والآن نريد أن نقارن بين قولين: قول يقول: ما في المصحف فهو كلام الله مخلوق. وقول آخر يقول: ما في المصحف فهو عبارة عن كلام الله مخلوق، أيهما أقرب إلى الصواب؟
طلبة: الأول.
الشيخ: الأول، الأول قول الجهمية والمعتزلة، والثاني قول الأشاعرة، فتبيَّن الآن أن قول المعتزلة والجهمية في كلام الله خير من قول الأشاعرة، مع أن الأشاعرة يدعون أنهم من أهل السنة والجماعة، وكيف يكون هذا؟ إذن نثبت من هذه الآية القول لله، والقول لا يكون إلا بنطق مسموع وبحروف.
ومن فوائد الآية الكريمة: بيان عظمة الرب وتعاظمه، من قوله: وَقَالَ رَبُّكُمُ [غافر: ٦٠]، فإن هذه الصيغة تدل على عظمة القائل عز وجل.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الربوبية لله، وهي تنقسم إلى قسمين: عامة وخاصة.
فالعامة: الشاملة للخلق، وهي تربية الخلق بالنعم، وتغذيتهم بالنعم، والخاصة: هي تربية عباد الله المؤمنين حيث رباهم الله عز وجل على ما يُحِب.
وقد اجتمع النوعان في قوله تعالى عن السحرة -سحرة آل فرعون-: قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ [الأعراف: ١٢١، ١٢٢] أيهما العامة؟ الأول (رب العالمين)، رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَخاصة.
ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب دعاء الله أو استحباب دعاء الله؟
طلبة: وجوب دعاء الله.
الشيخ: من أين تأخذها؟ من قوله: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْلأنها تتضمن: لا تدعوا غيري.
من فوائد الآية الكريمة: أن الله تكفل ووعد الداعي بأنه مُجاب لقوله: أَسْتَجِبْ لَكُمْ، فإن قال قائل: ندعو كثيرًا ولا نرى إجابة، ونعمل كثيرًا ولا نحس بقبول، فما الجواب؟
الجواب أن نقول: الأسباب لا تؤثر إلا إذا وجدت محلًّا قابلًّا، أرأيتم السكين إذا قَدَدْتَ بها اللحم ينقطع أو لا؟ ينقطع، إذا قددت بها الحديد لا ينقطع، مع أنها في اللحم بَتَّارة وفي الحديد ما تعمل شيئًا، فالسبب لا بد أن يكون له محل قابل، وإلا فلا أثر له، ففي العبادة يعبد الإنسان ربه ولا يشعر بالقبول لوجود سبب يمنع ذلك؛ إما فوات شرط أو ركن أو واجب، أو حدوث مُفْسد، أليس كذلك؟ وإلا لو أنا أقمنا العبادات على ما طُلِب منا لوجدنا لها أثرًا وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت: ٤٥]، من مِنا يشعر إذا صلى بكراهة الفحشاء والمنكر؟ والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، فلماذا لا نشعر بهذا؟ لأننا مقصرون.
في الدعاء دائمًا ندعو الله عز وجل ولا نرى إجابة، فنقول فيها كما قلنا في الأول: إن السبب لا بد له من محل قابل، فإذا دعا الإنسان ربه لكن قد فاته شيء من آداب الدعاء الواجبة أو المستحبة، أو وُجد مانع يمنع من قبول الدعاء، فليس الخلل في الدعاء، بل الخلل في الداعي والمحل.
ولنضرب مثلًا بإنسان دعا وهو لا يشعر بالافتقار إلى الله عز وجل، ولا يشعر بالفرار إلى الله، فهذا دعاؤه ناقص جدًّا، إذا قلت: رب اغفر لي مثلًا، لا بد أن تشعر أن هناك ذنوبًا تحتاج إلى مغفرة، وأنك في أشد ما يكون من الضرورة إلى مغفرة هذه الذنوب؛ لأن هذه الذنوب إذا لم تُغفر فيا ويلك، ذنب مع ذنب يكون كبيرة، ولهذا نهى الرسول عليه الصلاة والسلام عن مُحقرات الذنوب، وقال: «إِنَّ مَثَلَهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ نَزَلُوا أَرْضًا فَأَتَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِعُودٍ، فَجَمَعُوا حَطَبًا كثيرًا وَأَضْرَمُوا نَارًا كَبِيرَةً» ، مع أن الواحد منهم أتى بعود واحد، فالمهم أنك لا بد أن تشعر حين الدعاء أنك في غاية الضرورة إلى الله عز وجل.
ثانيًا: من الآداب التي فَقْدُها سبب لمنع الإجابة أن يكون عندك شك في استجابة الله لدعائك، مثل أن تستعظم المدعو به، تستعظمه تقول: هذا ما هو حاصل، فهذا غلط، هذا مما يمنع الإجابة، ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قول القائل: اللهم اغفر لي إن شِئْتَ، وقال: «لِيَعْزِمِ الْمَسْأَلَةَ وَلْيُعَظِّمِ الرَّغْبَةَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ أَعْطَاهُ» .
كذلك أيضًا من أسباب منع الإجابة أن يدعو الإنسان بإثم أو قطيعة رحم، فيدعو بإثم مثل أن يدعو على شخص لا يستحق الدعاء عليه، فهذا إثم، كأن يدعو على ولي أمر أساء في مسألة من المسائل، فيقول: اللهم لا توفقه وما أشبه ذلك، اعتداء في الدعاء، إذا رأيت ولي أمر صغيرًا كان أو كبيرًا أخطأ فليس علاجه أن تقول: اللهم لا توفقه، علاجه أن تقول: اللهم وفقه، يصلح ويصلح الله به، هذا من الاعتداء في الدعاء الذي لا يُقبل؛ من الاعتداء في الدعاء قطيعة الرحم، أن تدعو بقطيعة رحم أيضًا لا يُقبل، دعاء الظالم على مظلومه؟
طالب: لا يقبل.
الشيخ: ليش؟ لأنه إثم.
رابعًا: من موانع القبول أكل الحرام، أكل الحرام من موانع القبول؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب -كل هذه الوجوه الأربعة من أسباب إجابة الدعاء- ومطعمه حرام، وملبسه حرام، وغُذِّي بالحرام، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ» ، هذه كلها تمنع أو تحول بين الإنسان وبين قبول دعائه واستجابة الله له.
فإذا لم يوجد موانع، وكان المحل صالحًا وقابلًا، بقي عاد ما فوق ذلك، السبب الآن وافٍ ومتوفر، لكن بقي شيء وراء ذلك وهو مشيئة الله عز وجل، قد يدفع الله عن الإنسان من الشر ما هو أعظم مما طلب، وقد يجيب ما طلب، وقد يدخر ذلك له أجرًا يوم القيامة كما جاء في الحديث ، وإلا فنحن واثقون غاية الثقة من صدق قوله تعالى: أَسْتَجِبْ لَكُمْ، وأنه لا بد أن يكون، وأظن أنه لا يُمكننا أن نكمل بقية الفوائد، فلنقتصر على هذا، نعم.
طالب: أحسن الله إليكم، هل ما يقوم بالقلب أو بالنفس يُسَمَّى قولًا يا شيخ؟
الشيخ: لا، إلا إذا قُيد، فقيل: قال في نفسه؛ «مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا» .
الطالب: قول الأشاعرة: ما يقوم بالنفس، هل كلامهم صحيح هذا؟
الشيخ: لا، غير صحيح، هذا كلام باطل، ولهذا الآن وازنَّا بين قولهم وبين قول المعتزلة، فصار قول المعتزلة أقرب إلى الصواب منهم؛ لأنهم يقولون: هذا اللي في المصحف كلام الله مخلوق، وهو كلام الله حقيقة لكنه مخلوق، وأولئك يقولون: مخلوق وعبارة عن كلام الله.
طالب: أحسن الله إليكم، قول عمر رضي الله عنه: لا أحمل هم الإجابة ولكن أحمل هم الدعاء، يقصد (...)؟
الشيخ: إي نعم، يقصد أن الإنسان قد لا تتوفر له أسباب القبول، وأنتم الآن حاسبوا أنفسكم، هل أنت إذا كنت في الصلاة وقلت: رب اغفر لي وارحمني بين السجدتين، هل تشعر بأن هناك ذنوبًا ثقيلة تسأل الله الخلاص منها؟ أو أنها كلمة تقولها لتأتي بالواجب، الواقع أننا إذا حاسبنا أنفسنا وجدنا عندنا نقصًا عظيمًا، الإنسان إذا دعا الله عز وجل بمجرد دعاء الله يستنير قلبه؛ لأن الدعاء عبادة، ولكن نسأل الله أن يعيننا وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته.
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم، هذه تأتي إن شاء الله بالفوائد.
طالب: لماذا لا نقول إن الله عز وجل (...).
الشيخ: لا؛ لأن هناك ضوابط كما سمعتم؛ أكل الحرام، إذا دعا بإثم أو قطيعة رحم، إذا كان قلبًا غافلًا لاهيًا، إذا شك في الأمر، هناك ضوابط معروفة من الشرع.
الطالب: (...).
الشيخ: اقرأ اللي بعدها: فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة: ١٨٦].
الطالب: (...).
الشيخ: لا، هل استجاب لله في آداب الدعاء وفي غيره؟ يجب أن تعلموا جميعًا أن الإطلاقات في موضع لا بد أن تُقَيَّد بما دل على التقييد في موضع آخر؛ لأن الشريعة واحدة، خرجت من مشكاة واحدة.
طالب: قلنا: إن الإنسان لا يتعرض للدعاء حتى يفهم الدعاء، فمثلًا إنسان يكون عارفًا أن هذا الشيء صعب عليه..
الشيخ: صعب على من؟
الطالب: عليه هو.
الشيخ: عليه هو؟! هو لو كان سهلًا عليه ما احتاج إلى الدعاء، يفعله.
الطالب: يدعو به؟
الشيخ: يدعو، إلا الاعتداء في الدعاء هذا ما يُقبل، لو قال: اللهم إني أسألك أن تجعلني من الرسل الكرام، ويش نقول؟
طلبة: اعتداء.
الشيخ: هذا اعتداء في الدعاء، اللهم اجعلني لا أذنب ذنبًا، عدوان في الدعاء، أو يقول: اللهم إني أسألك أن تقلب هذا المسجد من ذهب وزمرد، الله على كل شيء قدير، كن فيكون، لكن هذا خلاف العادة، وهو أيضًا في الغالب لا فائدة منه.
طالب: (...).
الشيخ: هذا ممكن، ما فيه شيء، الله يجعلك كسيبويه في النحو، وكابن تيمية في العلم، آمين، ونحن إن شاء الله، يقولون إنه سُمِع واحد يطوف بالكعبة، فسمعه شخص وهو يقول: اللهم إني أسالك نحوًا كنحو ابن هشام، وفقهًا كفقه شيخ الإسلام، الله علة كل شيء قدير.

***

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [غافر : ٦٤].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر: ٦٠] هذه الآية سبق الكلام عليها، أليس كذلك؟ وذكرنا فوائدها.
قال الله تبارك وتعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْفي هذا وعد الله سبحانه وتعالى لكل داعٍ أن يستجيب له، ولكن لا بد من شروط أظننا ذكرناها.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الذين يستكبرون عن عبادة الله سيدخلون جهنم على وجه الذل والصغار لقوله: سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ.
ومن فوائدها: أن الجزاء من جنس العمل؛ يعني العقوبة تقابل الجرم؛ لأنهم لما استكبروا في الدنيا أُدخلوا النار صاغرين في الآخرة سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات النار لقوله: جَهَنَّمَ.
ومن فوائدها: أن الدعاء من العبادة؛ لقوله: ادْعُونِيثم قال: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي.
تفسير الآيات (61-63)
00:24:19

ثم قال الله تعالى مبينًا نعمته على عباده: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ [غافر: ٦١] الله: مبتدأ، والذي: خبره، وجعل بمعنى: صَيَّر، ونصبت مفعولين، الأول: الليل، والثاني: لكم، والجعل هنا جَعْل قَدَرِي وليس جَعْلًا شرعيًّا، جَعَلَ لَكُمُاللام هنا هل هي للتعدية أو للتعدية مع التعليل؟ الجواب: الثاني.
وقوله: لِتَسْكُنُوا فِيهِاللام للتعليل، والسكون ضد الحركة وضد العمل، وهو شامل لسكون الجوارح وسكون القلب وسكون النفس، ولهذا يجد الإنسان إذا تَعِب ثم نام يجد أن نشاطه يستجد ويزداد، وقوله: وَالنَّهَارَ مُبْصِرًايعني: وجعل النهار مبصرًا، هذه معطوفة على الليل؛ أي: جعل النهار مبصرًا، وإسناد الإبصار إلى النهار؛ لأنه موضعه؛ أي: موضع إبصار الناس، ولهذا قال المفسر: (إسناد الإبصار إليه مجازي؛ لأنه يُبْصَر فيه)، فهو زمن الإبصار، النهار محل عمل وبصر.
ثم قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ [غافر: ٦١]، أكد الله تبارك وتعالى كونه ذا فضل على الناس بـ(إن) و(اللام)، و(ذو) بمعنى صاحب.
لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِفضل: بمعنى إفضال، فالله سبحانه وتعالى هو المتفضل على العباد، ومنه –أي: من فضله- جعل الليل سكنًا والنهار مبصرًا.
وقوله: عَلَى النَّاسِعامة، تشمل المؤمن والكافر، وهذا هو الواقع؛ لأن الليل سكن للمؤمنين والكافرين، والنهار مُبْصِر للمؤمنين والكافرين.
وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ [غافر: ٦١] يعني مع كون الله ذا فضل على الناس أكثرهم لا يشكر، والعياذ بالله، أكثرهم كافر، ولهذه الآية نظائر منها قوله تعالى: وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [يوسف: ١٠٣].
وجاءت السنة بمثل ذلك، حيث أخبر النبي صلى الله عليه وسلم «أَنَّ اللَّهَ يُنَادِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا آدَمُ أَخْرِجْ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ، فَيُخْرِجُ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِئَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ كُلُّهُمْ فِي النَّارِ» ، من الألف واحد ينجو.
والشكر: هو الاعتراف للمنعم بالنعمة بالقلب واللسان والجوارح، قال الشاعر:
أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَ الْمُحَجَّبَ

يعني: أنكم ملكتم مني ثلاثة بسبب نعمائكم: يدي ولساني والضمير المحجب.
أما الشكر بالقلب فهو أن تعترف بقلبك أن كل نعمة بك فإنها من الله كما قال تعالى: وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [النحل: ٥٣]، وأفضل النعم نعم الدين، ثم العقل، ثم يتلوه النعم شيئًا فشيئًا بحسب حاجتها والضرورة إليها.
وأما بالجوراح؛ اليد أو الرجل أو السمع والبصر، فاستعمال هذه في طاعة الله، شكر الجوارح أن تستعملها في طاعة الله.
اللسان كذلك، شكر الله باللسان أن تعترف بلسانك بأن ما بك من نعمة فمن الله، وأن تحدث بنعمته عليك، لا فخرًا واختيالًا ولكن افتقارًا إلى الله عز وجل، واعترافًا بفضله سبحانه وتعالى لقوله: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى: ١١] ثم تستعمل هذا اللسان في طاعة المنعم، إذن صار الشكر في الحقيقة هو الدين كله القلب واللسان والجوارح.
وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ [غافر: ٦١] ثم إن الشكر يتبعَّض، قد يشكر الإنسان ربه على نعمة من النعم دون النعم الأخرى، قد يُنعم الله عليه بالمال فيشكر، وينفق في سبيل الله، وينعم الله بالعلم (...)، وقد ينعم الله عليه بالعلم فينشر العلم، وبالمال فيبخل، فالشكر يتنوع كما أن الكفر يتنوع وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ.
ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [غافر: ٦٢] هذه الجملة نريد أن نعربها، أولًا (ذا): لا شك أنها مبتدأ، واللام للبعد، و(الكاف) للخطاب، و(الميم) للجمع، (الله): هل نقول: إنها بدل أو عطف بيان من اسم الإشارة أو أنها خبر؟ الظاهر الأول، (ربكم): خبر المبتدأ، و(خالق كل شيء): خبر آخر؛ لأن الخبر يتعدد، إذ إن الخبر وصف للمخبر عنه، وإذا كان وصفًا له فالأوصاف يجوز أن تتعدد، قال الله تعالى: وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [البروج: ١٤ - ١٦] كم خبرًا عندنا؟ الغفور، الودود، ذو العرش، المجيد، فعال، خمسة أخبار، الخبر يتعدد؛ لأن الخبر وصف للمخبر عنه، فإذا قلت: زيد قائم، فمعناه أن وصفه القيام، والأوصاف يجوز أن تتعدد على موصوف واحد، إذن نقول: (خالق كل شيء) خبر ثانٍ.
خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [غافر: ٦٢] لا يشذ عن هذه الجملة شيء أبدًا، كلية عامة، خالق كل شيء من الأعيان والأوصاف والأحوال، كل شيء فالله خالقه، العبد مخلوق، أحوال العبد من مرض وصحة وعقل وجنون وما أشبه ذلك مخلوقة، أفعاله مخلوقة، كل شيء، فإنه مخلوق لله عز وجل لا يشذ عن هذه الجملة شيء أبدًا، حتى العجز والكيس وهو من الأوصاف، العجز يعني أن الإنسان يكون غير حازم، والكيس يكون حازمًا.
لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [غافر: ٦٢] لما بَيَّن أنه خالق كل شيء وأنه لا خالق معه بناء على هذه الجملة الكلية، بين أنه لا إله إلا هو؛ أي: لا معبود حق إلا لله عز وجل، فكما أنه منفرد بالخلق فيجب أن يفرد بالعبادة.
(إله) بمعنى مألوه، وفعال تأتي بمعنى مفعول في اللغة العربية كثيرًا، ومنه: غراس، بناء، فراش، كتاب، لباس، وعُدَّ.
لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، إذا قال قائل: كيف تصح هذه الجملة مع قوله تعالى: لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ [الإسراء: ٢٢]، وقوله: فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ [هود: ١٠١]، فأثبت آلهة دون الله؟
الجواب: تصح هذه العبارة إذا عرفنا الخبر المقدر، ما الخبر المقدر: حَقٌّ، لا إله حق إلا الله، نعم، دليل هذا: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [الحج: ٦٢].
فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [غافر: ٦٢] الاستفهام هنا للتعجب والإنكار، أَنَّىيعني: كيف، تُؤْفَكُونَتصرفون عن الإيمان مع قيام البرهان.
ثم قال تعالى: كَذَلِكَ يُؤْفَكُ [غافر: ٦٣] هذا التركيب يأتي كثيرًا في القرآن الكريم، وقد مر علينا كيف نعربه، فقلنا: إن (الكاف) اسم بمعنى مثل، وهو مفعول مطلق للعامل بعده، أي: مثل ذلك الإفك يؤفك، والإفك بمعنى الصرف.
كَذَلِكَأي: مثل ذلك الإفك، وهو الإشراك بالله وعدم شكر النعم يُؤْفَكُأي: مثل إفك هؤلاء إفك الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [غافر: ٦٣]، وقوله: (الذين) إعرابها على أنها نائب فاعل.
الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَأي: كانوا ينكرون بآيات الله؛ أي: يكفرون، والجحد هنا بمعنى الكفر، بدليل أنه تعدى بالباء.
وقول المؤلف: (بِآيَاتِ اللَّهِمعجزاته) هذا لا شك أنه خطأ، بل نقول آيات الله: دلالاته التي تدل على كماله عز وجل واستحقاقه للعبودية، فهي آيات وليست معجزات، بِآيَاتِ اللَّهِأي: بالدلالات التي تدل على كماله وعلى استحقاقه بالعبودية وحده؛ وآيات الله سبحانه وتعالى نوعان:
كونية وشرعية، فالمخلوقات كلها كونية، آيات تدل على كماله:
وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدُ

فكل ما في الكون فإنه شاهد بكمال الله عز وجل وقدرته وعزته وسلطانه وغير ذلك، المهم أن جميع المخلوقات آيات كونية تدل على خالقها، وعلى حكمته ورحمته وغير ذلك من كمال صفاته.
وآيات شرعية: وهي ما جاءت به الرسل من أحكام عادلة وأخبار صادقة وقصص نافعة، هذه آيات شرعية، التكليفات والأوامر والنواهي كلها عادلة، الأخبار كلها صادقة، ما فيها شيء كذب، القصص كلها نافعة: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ [يوسف: ٣].
كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [غافر: ٦٣].
في هذه الآيات فوائد: قال الله تعالى: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ [غافر: ٦١].
أولًا: كمال قدرة الله عز وجل بإيجاد الليل والنهار، فإن هذا من عظيم قدرته جل وعلا، هل يستطيع البشر إذا طلعت الشمس أن يردوها فتغرب؟ وإذا غابت أن يجروها فترجع؟ أبدًا، ولهذا قال الله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ [القصص: ٧١، ٧٢]، فأقول: الليل والنهار الذي جعله الله للعباد لا يُمكن لأحد أن يغيره إطلاقًا، ثم إذا نظرنا أيضًا إلى هذا الليل والنهار وتعاقبه وولوج بعضه ببعض فهو آية أخرى، أحيانًا يزيد الليل، وأحيانًا يزيد النهار، من يستطيع أن يفعل ذلك إلا لله سبحانه وتعالى؟!
ومن فوائد الآية الكريمة: تعليل أحكام الله القدرية كما هو ثابت في الأحكام الشرعية؛ يعني أن أحكام الله الكونية لا يمكن أن تكون إلا لحكمة، من أين تؤخذ؟ لِتَسْكُنُوا، واللام قلت لكم إنها للتعليل، إذن جعل الله ذلك لنسكن.
ذكرنا أن أحكام الله الكونية معللة كأحكامه الشرعية، لكن هل يلزم من تعليلها أن نعلم بالعلة؟ لا يلزم، إن فتح الله علينا ما فتح من ذلك فهذا خير منه وفضل، وإن حُرِمنا ذلك بذنوبنا فنحن مخطئون، إنما على كل حال ما من شيء إلا وله حكمة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان منة الله سبحانه وتعالى بالليل والنهار، حيث جعل الليل سكنًا وجعل النهار مبصرًا، من: لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا [غافر: ٦١]، لولا هذا ما سكن الناس، ولذلك تجد الإنسان بطبيعته إذا جاء الليل أحب السكون، ولولا أن في وقت عصرنا هذا شاعت الأنوار وشاعت الأضواء وصار الليل كالنهار لوجدت لليل لذة عظيمة، ونحن أدركنا ذلك، تجد لذة ومحبة للسكون، وسكون قلب وسكون بدن وسكون نفس، ثم إذا طلع الفجر وإذا هو كالرطب يأتي بعد التمر، نفرح به، وجاء النهار جاء النهار، الآن ما كأن هناك ليلًا ولا نهارًا، ولذلك لا نجد اللذة التي كنا نعرفها من قبل، ولعل منكم من أدرك ذلك، على كل حال اخرجوا للبادية لكم أسبوعًا وابعدوا عن الأنوار تجدون هذا، على كل حال هذا من فضل الله عز وجل أن جعل لنا الليل للسكن والنهار للعمل.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله ذو فضل على الناس عمومًا، تؤخذ؟
طالب: إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ [غافر: ٦١].
الشيخ: عَلَى النَّاسِولّا: على المؤمنين؟ في آية أخرى: وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران: ١٥٢] فكيف نجمع بين التعميم والتخصيص؟ أن نقول: الفضل نوعان: عام وخاص، فالعام لجميع الناس، والخاص للمؤمنين.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن أكثر عباد الله لا يشكرون الله لقوله: وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ [غافر: ٦١].
ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من قياس الأحكام الشرعية بأعمال العباد؛ بمعنى أننا إذا قلنا لشخص: هذا حرام، قال: كل الناس يفعله، فيجعل المعيار أعمال الناس، وهذا خطأ، كل الناس يعمله ما هي حجة وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنعام: ١١٦]، الحجة فيما قاله الله ورسوله: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء: ٥٩] سواء كانت الطائفة الأخرى أكثر من التي قبلها أو العكس، إذن لا يجوز أن نجعل أعمال الناس معيارًا للأحكام الشرعية.
ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب شكر الله عز وجل، والإشارة إلى أن يكون هذا الشكر من جنس الفضل، الشكر يكون من جنس الفضل، فما شكر صاحب المال؟
طالب: (...).
الشيخ: شكره هو لربه كيف؟
طالب: (...).
الشيخ: أن ينفقه في سبيل الله.
ما شكر العلم؟
طالب: (...).
الشيخ: صح، وبذله.
ما شكر من أعطاه الله شجاعة وقوة بدنية والجهاد قائم؟
طالب: أن يجاهد في سبيل الله.
الشيخ: أن يجاهد في سبيل الله، إذن الشكر من جنس النعم؛ لأن الله قال: لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ [غافر: ٦١] الفضل.
ومن فوائد الآية الكريمة الثانية: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ [غافر: ٦٢] إثبات ربوبية الله عز وجل على كل شيء، أنه رب كل شيء، لقوله: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ.
ومن فوائدها: الإشارة إلى وجوب طاعته وعبادته؛ لقوله: رَبُّكُمْ، وإذا كان هو الرب فهو السيد، وإذا كان هو الرب فهو الذي له السلطان، وإذا كان هو الرب فهو الذي له الحق أن يُعبد، كل ما يُثبت الربوبية فهو دليل على وجوب الألوهية، ولهذا يستدل الله عز وجل على المشركين بكونهم يثبتون الربوبية وينكرون الألوهية، فكل من أثبت الربوبية لزمه أن يثبت الألوهية.
إذن توحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية، وتوحيد الإلوهية متضمن لتوحيد الربوبية، إذ لا يمكن لأحد أن يعبد الله إلا وهو يعلم أنه ربٌّ أهلٌ للعبادة.
ولهذا لو قال لك قائل: هل التوحيدان متلازمان؟ فقل: أما توحيد الربوبية فمستلزم لتوحيد الألوهية، وأما توحيد الألوهية فمتضمن لتوحيد الربوبية.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات خلق الله عز وجل لكل شيء، لقوله: خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [غافر: ٦٢]، فلو قال قائل: استثنى العقل نفسه فليس خالقًا لها، فهل يصح هذا القول؟
طالب: لا.
الشيخ: لماذا؟ لأن نفسه لم تدخل أصلًا؛ لأن هناك فاعلًا ومفعولًا، والفاعل لا يمكن أن يدخل في المفعول حتى يُستثنى منه، فنحن نقول: إن الرب عز وجل لم يدخل في قوله: كُلِّ شَيْءٍأصلًا في هذه الآية؛ لأن الخلق أو إن شئت فقل: لأن المخلوق بائن من الخالق، فلا يمكن أن يدخل الخالق في المخلوق حتى نقول: استثنى العقل، والاستثناء إخراج الشيء من الشيء، وهنا لم يدخل أصلًا.
أقول: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، هل يصلح أن نقول: واستثنى العقل ذاته فليس خالقًا لها؟
طالب: (...).
الشيخ: هذه الآية، الله خالق كل شيء، هل نقول: إلا ذاته؟
نقول: لا، لماذا؟ لأن الأصل أنه لم يدخل هو في أنه خالق كل شيء؛ يعني ما دخل في المخلوق هو فاعل وغيره مفعول، فهو لم يدخل أصلًا حتى نقول: أخرجوا ما يستطيع العقل في هذا الباب.
استدل الجهمية والمعتزلة بأن كلام الله مخلوق؛ لأن كلام الله شيء فيكون داخلًا في العموم، نقول: إذن يلزمكم أن تقولوا: إن الله مخلوق؛ لأن الله شيء قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ [الأنعام: ١٩]، إذن قولوا: إن الله مخلوق أيضًا، فإن قالوا: لا يمكن أن نقول؛ لأن الفاعل غير المفعول، قلنا: وصفات الفاعل كالفاعل، الصفات يُحذى بها حذو الذات، فإذا كان الرب عز وجل خالقًا وغيره مخلوق فصفاته أيضًا غير مخلوقة، فالقرآن ليس بمخلوق؛ لأنه كلام الله، وكلام الله من صفاته، وصفات الله كلها غير مخلوقة.
فإن قال قائل: إن الخلق ثابت للعبد، قال الله تبارك وتعالى: فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ [المؤمنون: ١٤]، فأثبت أن هناك خالقين، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم في المصورين: «أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ» فأثبت أنهم خالقون.
فالجواب: أن الخلق الثابت للباري عز وجل ليس كالخلق الذي أُثبت للمخلوق، خلق المخلوق للشيء تحويله من حال إلى حال، وليس إيجاده، فالنجار إذا صنع الخشبة بابًا هل يُقال إنه خلق الخشبة؟ حولها من خشبة إلى باب ولم يخلقها، حتى لو قلنا: إن صنعه هذا خلق فهو في الحقيقة بمعنى تغيير وتحويل وليس بمعنى الإيجاد، وقد تحدى الله عز وجل الأصنام التي تُعبد من دون الله والتي يُدَّعى أنها آلهة، قال: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ [الحج: ٧٣].
ومن فوائد الآية الكريمة: بناء توحيد الألوهية على توحيد الربوبية؛ لقوله بعد: اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍلَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [غافر: ٦٥] أي: لا معبود إلا هو، أي: لا تعبدوا إلا إياه؛ لقوله: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ.
من فوائد الآية الكريمة: إنكار التعجب على أولئك الذين صرفوا عن الحق مع وضوحه وبيانه لقوله: فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [غافر: ٦٢].
ومن فوائد الآية الثالثة: أن المكذبين بآيات الله يصدر منهم ما يُقضى به العجب؛ لقوله: كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [غافر: ٦٣].
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الذنوب تحول بين الإنسان وبين رؤية الحق؛ لأن هؤلاء لما جحدوا بآيات الله صرفوا عنه، وهذا واقع، الذنوب تحول بين الإنسان وبين رؤية الحق، قال الله تبارك وتعالى: إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ [المطففين: ١٣]، هل أحد يمكن أن يقول هذا القرآن العظيم أساطير الأولين؟ يقول الله عز وجل: كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين: ١٤] من الأعمال السيئة حتى رأوا هذا الحق المنير فجعلوه أساطير.
ولهذا يجب أن نعالج أنفسنا إذا رأينا أننا نقرأ القرآن وكأنه حروف تُتلى نرجو بركتها وثوابها، إذا لم تؤثر على القلب باللين والخشوع والرجوع إلى الله عز وجل فإن ذلك دليل على مرض القلب، وربما نقول على موت القلب، نسأل الله العافية، كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من المؤمنين بآياته المتبعين لمرضاته.
الطالب: شيخ، هل ورد لفظ خلق بمعنى التصيير والتحويل في اللغة العربية؟
الشيخ: إي نعم، منه: إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا [العنكبوت: ١٧] يعني: تقولون الإفك.
الطالب: في غير هذا في اللغة العربية، حتى نجابه بها..
الشيخ: القرآن عربي.
طالب: يُدَرِّسون قاعدة في المدارس: أن المادة لا تفنى ولا تُستحدث من عدم، فما رأيكم؟
الشيخ: رأيي أن هذا كفر، اللي يعتقد مدلول هذا كفر، كل شيء فانٍ إلا وجه الله عز وجل: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص: ٨٨]، ومعنى هالك: قابل للهلاك، وقد يجعله الله مؤبدًّا كالجنة والنار، لكن الذي أوجد قادر على الإعدام، والإعدام أهون من الإيجاد، وقولهم أيضًا: لا تُستحدث، معناه أنهم حكموا بأنها أزلية أبدية، لا يقول هذا مؤمن، وهي بالمدارس دي؟!
طلبة: (...).
الشيخ: (...) تلميذ أعطوه في الاختبار: ما حكم فرقعة الأصابع في الصلاة؟ فقال التلميذ: قال المؤلف -رحمه الله تعالى: فصل يُكره في الصلاة التفاته ورفع بصره إلى السماء وفرقعة الأصابع وتشبيكها وإقعاؤه.. إلى أن ذكر الفصل كله، عشر (...)، ثم قال: خذ ما شئت ودع ما شئت؛ أنتم تريدون نروح نقرأ كتب الكيمياء كلها عشان ندور أن المادة لا تُستحدث ولا تفنى.
طالب: الأمم الكافرة يستغلون سكون الليل وإبصار النهار أكثر من الأمة المسلمة..
الشيخ: عجيب، كيف هذا؟
الطالب: ينامون مبكرًا في التاسعة يكونون نائمين، وفي الصباح الباكر الرابعة أو الخامسة يكونوا صاحيين.
الشيخ: سبحان الله، مع العلم أن هذا هو الشرع، كان النبي صلى الله عليه وسلم يكره النوم قبل العشاء والحديث بعد العشاء ؛ لأن النوم قبل العشاء ربما يستمر، ولأنه يقوم إلى صلاة العشاء بكسل؛ ولأن بعض الناس إذا نام ساعة أو نصف ساعة انطرد عنه النوم، وصار ما ينام كل الليل، ثلاث علل، لكن ليش يجيبون التلفزيونات هذه يخلونها إلى نصف الليل أو أكثر؟ أو يضحكون علينا؟ الله المستعان.
طالب: يضحكون علينا.
الشيخ: يضحكون علينا، الله المستعان.
الطالب: ولكن سمعنا يا شيخ أنه إذا غربت الشمس يغلقون محلاتهم أيضًا في الخامسة، السادسة.
الشيخ: عجيب؛ يعني بعد الغروب، الله أكبر، ما هو في وقتنا؟ يعني في أمريكا، في إنجلترا، في فرنسا، وأنتم تكونون الثانية في الليل.
طالب: (...).
الشيخ: هم كفار ما لهم أجر، لكن هم أقرب منا للحق في هذه المسألة، النوم المبكر أفضل.

***

تفسير الآية (64)
00:59:13
طالب: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٦٤) هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥) قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [غافر: ٦٤ - ٦٦].
الشيخ:
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًاالجملة: (الله): مبتدأ، و(الذي): خبره؛ يعني: الله هو الذي جعل لكم الأرض قرارًا والسماء بناء إلى آخره، جعل لكم هذه من أفعال التصيير؛ أي: صَيَّر لكم، و(قرارًا) يعني: ذات قرار؛ أي: مستقر، و(السماء بناء)؛ أي: فوق، وقد بَيَّن الله تعالى في آية أخرى أنه سقف؛ فالله جعل الأرض قرارًا؛ أي: مستقرة.
وهل معنى هذا القرار أنها لا تتحرك أو أنها لا تميد بنا؟ يقال: القرآن يفسر بعضه بعضًا، فقد قال الله تعالى: وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا [النحل: ١٥] فبين أن المراد بالقرار أنها لا تميد بساكنيها؛ أي: لا تضطرب، وليس المعنى أنها قارة لا تتحرك كما سيأتي إن شاء الله في الفوائد.
وَالسَّمَاءَ بِنَاءً [غافر: ٦٤] أي: سقفًا عاليًا، والمراد بالسماء هنا السماوات ذات الأجرام؛ وذلك لأن السماء يطلق على معنيين؛ المعنى الأول: العلو، والمعنى الثاني: السماء السقف، والذي يعين أحد المعنيين هو السياق.
فقول الله تعالى: أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا [الرعد: ١٧] المراد بالسماء هنا العلو؛ لأن المطر ليس ينزل من ذات السماء السقف، بل ينزل من العلو، ويدل لذلك قوله تعالى: وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ [البقرة: ١٦٤]، فالسماء هنا بمعنى ذات السقف، والمطر ينزل من السحاب، فإذا كان مسخرًا بين السماء والأرض اقتضى ذلك أن لا يكون المطر ينزل من السماء ذات السقف، ولكنه ينزل من السماء التي بمعنى العلو، والذي معنا هنا وَالسَّمَاءَ بِنَاءًالمراد به السماء ذات السقف.
وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ [غافر: ٦٤] أي: جعلكم على صورة معينة، والصورة هي الشكل، فشكل الآدمي هو أحسن شكل في المخلوقات وأحسنه وأقومه لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [التين: ٤]، فلا صورة أحسن من صورة الآدمي، ولا شكل أحسن من شكله، ولهذا قال: فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ.
وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ [غافر: ٦٤] فبين الله في هذه الآية أربعة أشياء: الأرض التي هي محل السكنى، والسماء التي هي محل الظل، والتصوير الذي هو الهيكل الإنساني، والإمداد لهذا الهيكل وهو قوله: وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِرزقكم: أي أعطاكم، والطيبات هنا ما طاب ولذ.
واعلم أن الطيب تارة يُراد به الحلال، وتارة يُراد به الحسن، وتارة يُراد به اللذيذ، ويعين ذلك السياق، فقول الله تعالى: لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [الأنفال: ٣٧] المراد بالطيب هنا الحسن، والمراد بالخبيث الرديء؛ والمراد بقوله تعالى: كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ [البقرة: ٥٧] المراد بها الحلال لقوله: وَاشْكُرُوا لِلَّهِ [البقرة: ١٧٢]؛ لأنه لو قيل: المراد اللذيذ، لكان قوله: وَاشْكُرُوا لِلَّهِلا معنى له، ولا يمكن إقامة الشكر إلا إذا تناول الإنسان الشيء الحلال، والمراد بقوله هنا: مِنَ الطَّيِّبَاتِما طاب ولذَّ، وإنما قلنا بذلك؛ لأن رزق الله عز وجل بالمعنى العام يشمل الحلال والحرام، ولهذا نقول: إن الإنسان إذا اكتسب مالًا محرمًا عن طريق الربا مثلًا فإنه مرزوق لا شك، لكنه رزق فيه التبعة.
ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْذلكم الله: اسم إشارة مبتدأ، وما بعده عطف بيان أو نعت، ورب: خبر المبتدأ؛ يعني: هذا الذي أمدكم بهذه الأشياء الأربعة هو الله لا أحد غيره، وقوله: رَبُّكُمْيعني أنه جل وعلا رب عباده الذي هو الخالق المالك المدبر؛ لأن الرب يجمع ثلاثة أوصاف: الخلق والملك والتدبير.
فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [غافر: ٦٤] (تبارك): قيل معناه تعالى وتعاظم، وهذا المعنى قريب، لكن فيه أن تبارك أخص من ذلك، ومعنى تبارك: أنه ذو البركة العظيمة الثابتة، ولهذا لا يُطلق على غير الله بهذا المعنى، أي بمعنى أنه ذو البركة العظيمة الثابتة؛ لأن هذا الوصف لا يليق إلا بالله عز وجل، وأما يقوله بعض الناس كما سيأتي إن شاء الله في الفوائد فسنتكلم عليه، وقوله: رَبُّ الْعَالَمِينَرب هذه: عطف بيان أو صفة للفظ الجلالة، والعالمون: كل من سوى الله، كل الخلق عالمون، وسموا بذلك؛ لأنهم علم على خالقهم، ففي كل الخلق آية من آيات الله، كما قيل:
وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدُ

والربوبية هنا الربوبية العامة؛ لأنه أضافها إلى العالمين، فهي عامة شاملة.
في هذه الآية فوائد: أولًا: أن الله تعالى هو خالق الأرض لقوله: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ [غافر: ٦٤].
ومن الفوائد نعمة الله عز وجل علينا بكون الأرض ذات قرار؛ أي: مستقرة لا تميل.
ومن فوائدها أن الأرض لا تتحرك لقوله: قَرَارًا، هكذا قال بعض العلماء، ولكن إذا قارنا هذه الآية بقوله تعالى: وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ [النحل: ١٥] تبين أن الاستدلال بهذه الآية على أن الأرض لا تتحرك فيه نظر، فيقال إذن: من فوائد هذه الآية أن نعمة الله عز وجل علينا بكون الأرض لا تميد بنا ولا تضطرب بنا، ومن ثَمَّ نعرف الحكم على اختلاف الناس اليوم ما بين مؤيد ومُفَنِّد هل الأرض تتحرك أو لا تتحرك؟ فمن المعروف عند علماء الفلك أنها تتحرك، وهذا عندهم بمنزلة الأمور البدهيات اليقينيات التي لا تقبل الجدل، يقولون: إن الأرض تتحرك وتدور بذاتها دورانًا يختلف به الليل والنهار، وتدور دورانًا محوريًّا به تختلف الفصول، وليس عندهم في ذلك شك، ولا يجادلون في هذا.
ومن العلماء من قال: لا، إنها لا تدور، بل هي ساكنة قارٌّةٌ، وأن اختلاف الليل والنهار إنما يكون بسبب دوران الشمس على الأرض، لا بسبب دوران الأرض، والذي يظهر لي أن القرآن الكريم ليس فيه شيء صريح بأنها تدور أو لا تدور، وهو إلى كونها تدور أقرب من كونها لا تدور؛ لأن نفي الأخص في قوله: أَنْ تَمِيدَ بِكُمْيقتضي وجود الأعم، كما قلنا في قوله تعالى: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ [الأنعام: ١٠٣] أن هذه الآية تدل على ثبوت رؤية الله عز وجل؛ لأن نفي الإدراك يدل على ثبوت أصل الرؤية، نفي الميدان يدل على وجود أصل الحركة.
لكن الأمر الخطير فيما أرى: هل الشمس هي التي تدور على الأرض عند الطلوع والغروب أو لا؟ نحن نعتقد أنها هي التي تدور، ولا مانع من أن يكون هناك دوران للأرض ودوران للشمس، لا مانع؛ لأن ظواهر الكتاب والسنة كلها تدل على أن الشمس هي التي تطلع وتغرب وتميل وتزول وتزيغ وما أشبه ذلك، فقد قال الله تبارك وتعالى: وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ [الكهف: ١٧]، هذه أربعة أفعال كلها أضيفت إلى الشمس، والأصل أن ما أضيف إلى الشيء فهو فعله، وقال الله تبارك وتعالى في سور (ص): إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ [ص: ٣٢]، وقال تعالى في سورة الكهف: حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ [الكهف: ٨٦]، إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ [الكهف: ٩٠]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر حين غربت الشمس: «أَتَدْرِي أَيْنَ ذَهَبَتْ؟» قال: الله ورسوله أعلم .
فكل هذه الأفعال مضافة إلى الشمس نفسها، فكيف نعدل عن ظاهر هذا اللفظ إلى معنى آخر بدون أمر قطعي يكون لنا حجة عند الله عز وجل أن نخالف ظاهر كلامه، لكن من تبين له الأمر تبينًا واضحًا، ورأى أنه أمر قطعي يقيني بدهي -كما يقولون- فإنه يمكن أن تؤول الآيات بأن نسبة الطلوع إلى الشمس والغروب والذهاب باعتبار رأي العين لا باعتبار الواقع، لكني إلى الآن لم يتبين لي أن اختلاف الليل والنهار يكون بدوران الأرض، بل هو يكون بدوران الشمس، والله على كل شيء قدير.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن السماء مَبْنِيٌّ لقوله: وَالسَّمَاءَ بِنَاءً [غافر: ٦٤] وهو كذلك، قال الله تعالى: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا [النازعات: ٢٧]، وقال: وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ [الذاريات: ٤٧]، إذن فهي أجرام ولا شك في هذا، وهي أجرام محفوظة لا يمكن الولوج إليها إلا بعد إذن، ويدل لهذا أن أفضل الرسل البشرية محمد صلى الله عليه وسلم وأفضل الرسل الملكية جبريل كلاهما لم يدخل السماء الدنيا وما بعدها إلا بعد استئذان، مما يدل على كمال حفظها.
ومن فوائد الآية الكريمة: منة الله تعالى علينا نحن البشر أن صورنا هذا التصوير البديع الذي هو أحسن الصور فقال: صَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ [غافر: ٦٤].
ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم التصوير، يمكن أن يؤخذ منها تحريم التصوير؟ كيف ذلك؟
طالب: (...) نسبة إلى الله تعالى.
الشيخ: يمكن أن نأخذ منها ذلك، فنقول: إن من صَوَّر فقد نازع الله تعالى فيما هو من اختصاصه وهو الخلق، ولهذا جاء في الحديث: «يُقَالُ لِلْمُصَوِّرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ»، وهذا هو الصحيح، أن التصوير حرام، بل هو من كبائر الذنوب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لعن فاعله، ولكن هنا ثلاثة أمور:
الأمر الأول: الصورة التمثالية، بمعنى أن يخلق الإنسان من الطين أو الخشب أو الحديد شيئًا على شكل صورة، هذه لا شك في تحريمها؛ ولهذا قال في حديث علي ابن أبي طالب الذي رواه مسلم أنه قال لأبي الهياج: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أَلَا تَدَع قبرًا مشرفًا إلا سويته ولا تمثالًا إلا طمسته تمثالًا، ولا أعلم نزاعًا بين العلماء في تحريم ذلك.
الثاني: ما كان بالرقم؛ أي: التصوير بالرقم، بمعنى أن الإنسان يصور بيده صورة، فهذه اختلف فيها السلف والخلف، فمنهم من قال: إنها لا تحرم، لقوله في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري: «إِلَّا رَقْمًا فِي ثَوْبٍ»، وهذا رقم في ثوب فلا يحرم؛ ولأن هذا ليس شيئًا مُجسمًا حتى يطابق ما خلق الله عز وجل، إنما هو شكل فقط، والصورة التي صورها الله هي جسم محسوس ملموس يشاهد بالعين، وأما هذا فهو مجرد تلوين، فلا يدخل في الحديث، ولكن الجمهور على أنه داخل في الحديث، بدليل حديث النمرقة حديث عائشة رضي الله عنها أن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء إلى بيته فلم يدخل من أجل صورة كانت في نمرقة جعلتها للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وهذا هو الصحيح أن التصوير برسم اليد حرام وداخل في اللعن، ولا يحل لأحد أن يقوم به.
الثالث: ما كان تصويرًا بالالتقاط وليس باليد، وذلك ما يُعرف بالتصوير الفوتوغرافي الذي ليس للإنسان فيه أي عمل، بل هو شيء يتمثل أمام هذا الضوء المعين فينطبع، وليس للإنسان فيه أي عمل سوى تحريك الآلة التي تقوم بالتقاط هذه الصورة، فهذا مختلف فيه اختلافًا كبيرًا بين المتأخرين؛ لأنه لم يظهر إلا أخيرًا فاختلفوا فيه، والذي يتبين لي أنه لا يدخل في التصوير؛ لأن هذا لم يخلق بيده كما خلق الله عز وجل، لم يشكل العين ولا الأنف ولا الفم ولا الشفة ولا أي شيء، غاية ما هنالك أن هذا الضوء انعكس على هذه الصورة فانطبعت، فهو بمنزلة ما لو شاهدت المرآة فرأيت صورتك فيها، إلا أن الفرق أن هذا يثبت وما في المرآة يزول بزواله، ولهذا نسمي صورة الناظر في المرآة نسميها صورة، وهي بالاتفاق لا تدخل في التصوير المنهي عنه.
لكن يبقى النظر لماذا صور هذا الإنسان؟ يعني الآن تقرر عندي أن هذا التصوير مباح، لكن لماذا صَوَّر؟ نقول: نجري على هذا ما نجريه على سائر المباحات، وهو أنه إذا كان لغرض مقصود فهو مباح، وإذا كان لغرض محرم فهو حرام، فلو أن إنسانًا صور صورة امرأة أجنبية من أجل أن يتلذذ برؤيتها كلما سنحت له الفرصة لقلنا: هذا حرام لا شك، ولو أراد أن يصور صورة عظيم ليعلقها في بيته قلنا: هذا حرام، ولو أراد أن يصور صورة أبيه أو أخيه أو عمه أو صديقه من أجل أن يتسلى به عند المصائب لقلنا: هذا حرام، فيكون هذا المباح حكمه حكم الغرض الذي من أجله صور، هذا ما يظهر لي حول هذه المسألة، والناس فيها بين متهاون وبين متشدد، والذي يظهر لي والله أعلم هو هذا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: منة الله عز وجل برزقه إيانا من الطيبات؛ لقوله: وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ [غافر: ٦٤]، ذكرنا أن المراد بالطيبات هنا اللذائذ، ليشمل الرزق العام والخاص، وليُعْلَم أن الرزق ينقسم إلى قسمين: رزق عام، ورزق خاص، فالعام: كل ما ينتفع به الإنسان فهو رزق، كما قال السفاريني -رحمه لله: والرزق ما ينفع من حلال وضده. وهو الحرام، هذا رزق عام، يستوي فيه المؤمن والكافر والبر والفاجر والمكتسب عن طريقٍ حلال والمكتسب عن طريقٍ حرام، كل هذا رزق، وعلى هذا فالمسروق بالنسبة للسارق رزق، لكنه رزق وإن تمتع به في الدنيا فسيكون عليه وبالًا في الآخرة.
أما النوع الثاني من الرزق: فهو الرزق الطيب الحلال، وهذا هو الرزق الخاص، وهو الطيب الحلال، وهو خاص بالمؤمن، وعلى هذا فالكافر ليس له رزق خاص إطلاقًا، حتى لو اكتسبه عن طريق حلال فليس رزقًا خاصًّا، بل داخل في العموم، لقول الله تبارك وتعالى: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الأعراف: ٣٢]، ولغير الذين آمنوا؟ ليست لهم، ولهذا نقول: الكافر يحاسب على كل لقمة أكلها وكل جغمة شربها يُحاسب عليها يوم القيامة.
بل إن من الخطر أن يُحاسب المؤمن على الطيبات إلا بالشروط التي ذكر الله: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا [المائدة: ٩٣] شروط ثقيلة لحل الرزق مع أنه طيب، نسأل الله أن يعيننا على تحقيق هذه الشروط، إذن الكافر لا يمكن أن يكون في حقه زرق خاص، لا يمكن، كل الرزق وإن كان طيبًا فهو عام بالنسبة له؛ لأنه يُحاسب عليه، أما المؤمن فينقسم الرزق في حقه إلى خاص وعام، فما أثم به فهو من العام، وما لم يأثم به فهو من الخاص.
ومن فوائد الآية الكريمة: بيان أن ربوبية الله عز وجل مبنية على الرحمة؛ لقوله: ذَلِكُمُأي: الذي أعطاكم هذه الأشياء الأربعة اللَّهُ رَبُّكُمْ، فربوبية الله عز وجل مبينة على الرحمة، ويدل لهذا قوله تعالى في سورة الفاتحة: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة: ٢، ٣] فربوبيته عز وجل مبنية على الرحمة والرأفة.
فإن قال قائل: ينتقض عليكم هذا بما يحصل في الحياة الدنيا من المنغصات التي تؤذي الإنسان وربما تضره؟ قلنا هذه رحمة، هذه بالنسبة للمؤمن رحمة، كيف ذلك؟ لأنها مكفرة للذنوب: «لَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ شَيْءٌ مِنْ هَمٍّ أَوْ غَمٍّ أَوْ أَذَى إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهِ عَنْهُ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا» إذن فهي رحمة؛ لأنها تكفر السيئات، ومع احتساب الأجر على الله عز وجل تكون حسنات؛ لأن ترقب ثواب الله واحتساب الأجر على الله عمل صالح يثاب عليه المرء، وهذا الأذى أو هذا الضرر الذي ينال العبد عرض يزول، أليس كذلك؟ ولهذا لو رجعت إلى الوراء في تفكيرك لوجدت أنه مر بك أشياء كثيرة من الأذى وأشياء كثيرة من الضرر فزالت وكأنها لم تكن، إذن الثواب الذي حصل وتكفير السيئات الذي حصل هو خير من هذه الأذية وهذه الأضرار فتكون بذلك رحمة، فلا تخرج عن نطاق الرحمة في الربوبية.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان عظمة الله عز وجل في قوله: فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [غافر: ٦٤]، وقد استنبط بعض العلماء من هذا أن اسم الله عز وجل تُنال به البركة، واستشهد لذلك بقوله: «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ بِبِاسْمِ اللَّهِ فَهُوَ أَبْتَرُ» ، وهذا ليس ببعيد، وإن كان فيه شيء من الركاكة.
ومن فوائد الآية الكريمة: عموم ربوبية الله عز وجل لقوله: رَبُّ الْعَالَمِينَ.
ويتفرع على ذلك أنه يجب أن يقوى اعتماد الإنسان على الله في جلب المنافع ودفع المضار؛ لأنه إذا كان رب العالمين عز وجل فهو مسيطر على كل العالمين، وله السلطان على كل العالمين.
ويتفرع على ذلك أيضًا مسألة أخرى: وهي اللجوء إلى الله عز وجل عند حصول المضايقات من بني آدم أو غير بني آدم؛ لأنه سبحانه رب العالمين بيده الأمر، فهو القادر على أن يعصم الإنسان من الأسد الضاري المهاجم، وإن كان الإنسان لا يستطيعه بمجرد قدرته لكن الله تعالى قد يصرفه عنه.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الربوبية العامة لقوله: رَبُّ الْعَالَمِينَ، وهناك ربوبية خاصة وربوبية أخص، وقد اجتمع النوعان في قوله تعالى عن سحرة آل فرعون: قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ [الأعراف: ١٢١، ١٢٢] إذن ربوبية الله العامة شامله للمؤمن والكافر والبر والفاجر، الربوبية الخاصة للمؤمنين، الربوبية التي هي أخص للرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وبهذا نعرف أن من صفات الله سبحانه وتعالى ما يكون عامًّا وخاصًّا وأخص.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل المخلوقات آية على الله لقوله: الْعَالَمِينَ، وقد قلنا: إنهم سموا بذلك؛ لأنهم عَلَمٌ على خالقهم جل وعلا، والله أعلم.
طالب: يا شيخ، ما الجمع بين إخباره عليه الصلاة والسلام أن الشمس تسجد كل غروب عند العرش، ثم بعد ذلك تستأذن ربها في أن تشرق فيأذن لها، وما قرره العلم الحديث أن الشمس لا يمكن أن تغرب أبدًا، فهي كل لحظة إما أن تشرق على ناس أو تغرب على آخرين، وأنه في شمال الكرة الأرضية الشمس ستة أشهر كاملة لا تغرب وستة أشهر كاملة غائبة غير موجودة؟
الشيخ: إي نعم، نحن ذكرنا قاعدة أن الأمور الغيبية التي لا يدركها الحس تُبقى على ظاهرها، ولا يقال: كيف نجمع؟ لأن هذا أمر لا ندركه حتى نجمع، فنقول كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم إنها إذا غربت تسجد، ولم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم كلما غربت في أي مكان، قد يكون سجودها إذا غربت عن هذا الوجه -وجه الأرض الذي فيه الحرمان- بخلاف ما إذا غابت على وجه آخر، لا ندري، فنحن نقول كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام، ونقيد الزمن بما قيده الرسول صلى الله عليه وسلم؛ يعني إذا غابت عن المدينة حصل هذا، وهذا أمر ممكن محتمل؛ لأن أفضل وجه الأرض هو هذا الوجه الذي فيه المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى.
طالب: يا شيخ، أحيانًا لا يتمكن الخاطب من رؤية مخطوبته فهل رؤيته صورة لها يكون مباحًا؟
الشيخ: من السنة أن ينظر الخاطب إلى مخطوبته بالشروط المرعية المعروفة عند العلماء، فهل تقوم الصورة مقام النظر؟ لا تقوم مقام النظر، ولا فائدة منها، أولًا: لأنك كثيرًا ما ترى صورة شخص في مجلة أو صحيفة ثم إذا رأيت الرجل بنفسه وجدته يختلف، وهذا شيء مجرب ومشاهد، هذه واحدة.
الشيء الثاني: ربما تكون هذه المرأة عند التقاط الصورة لها على أحسن جمال أو تجميل بمكياج وكحل وما أشبه ذلك، فتُصَوَّر على هذا الوجه وتعطى الخاطب، فإذا نظرها على الطبيعة -كما يقولون- وجد خلاف ذلك، وجد أنها لا عين..