تفسير سورة غافر - 15
عدد الزيارات 3815

عناصر المادة :
تفسير الآية (65)
تفسير الآية (66)
تفسير الآية (67)
تفسير الآية (68)

عند التقاط الصورة لها على أحسن جمال أو تجميل بمكياج وكحل وما أشبه ذلك، فتُصَوَّر على هذا الوجه وتُعْطى الخاطب، فإذا نظرها على الطبيعة -كما يقولون- وجد خلاف ذلك، وجد أنها لا عين ولا وجه، وحينئذٍ يحصل البلاء، فالذي نرى أنه يحرم أن يتبادل الخطيبان الصور.
ثم إن هذه الصورة قد تبقى عند الخاطب أو عند المخطوبة أيضًا ولو بعد إطلاق الخِطبة، يتمتع بالنظر إليها متى شاء، وهي أيضًا تتمتع بالنظر إليه متى شاءت.
طالب: شيخ بارك الله فيكم، ذكرتم في موضوع الصور حبس الضوء؛ يعني الكاميرا التي تحبس الضوء وتخرج الصورة فورًا، طيب هنالك كاميرا هي تحبس الضوء بالفعل، كاميرا أخرى، ويصنع عملية تسمى الرطوش، الرطوش هذه (...) المصور بقلم رصاص ويغيِّر في بعض الصورة ما شاء، يعني إذا أراد..
الشيخ: تجميل يعني؟
الطالب: نعم، ما رأيكم يا شيخ؟
الشيخ: الظاهر أن هذه تدخل في التحريم؛ لأن له عملًا في شكل الصورة.
طالب: الناس إذا (...) ما يحرم من باب سد الذريعة، الآن الناس في التصوير وفي غيره -كالتلفزيون- يستخدمونه تسعة وتسعين في المئة فيما لا يُباح، فلماذا لا يقال بالتحريم سدًّا للذريعة، ويُباح للضرورة مثل البطاقات وما أشبه ذلك؟
الشيخ: نحن نتكلم عن التصوير من حيث هو تصوير، لا عن المصوِّر، المصوِّر هو ونيته؛ إذا كانت نيته سيئة فهو حرام، إذا كانت غير سيئة فهو حلال.
طالب: شيخ، بعض الصغار صغار السن؛ يعني غير مكلفين، يرسمون رسومات لأناس، فهل مثلاً نقول: إن هذا يحرم عليهم كما يحرم على الكبار على القاعدة المطردة؟
الشيخ: إي نعم، ما حرم على الكبار حرم على الصغار، لكن الصغير لا يؤاخذ عليه، وإنما يؤاخذ عليه وليُّه حيث لم يمنعه منه، ثم هناك أشياء يمكن يتسلى بها الإنسان غير صور الحيوان؛ شجر، جبال، نجوم، شمس، أنهار، بناء، ممكن، لكن بلاء، يعني: الشيطان زيَّن للناس سوء العمل، أمرهم أن يصنعوا هذا الشيء المشتبه أو الذي هو محرَّم بلا اشتباه، ويعدلوا عن شيء مباح، الآن في بعض المصنوعات ما هو جميل والإنسان يتمتع بالنظر إليه، وهو مصنوع؛ سيارة، قلم، ساعة، وغير ذلك، فلماذا نعدل إلى الشيء الذي فيه اشتباه أو إلى شيء محرَّم لا اشتباه فيه عن شيء مباح؟!

***

تفسير الآية (65)
00:03:38
طالب: هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥) قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [غافر: ٦٥، ٦٦].
الشيخ:
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَهُوَ الْحَيُّجملة خبرية تفيد الحصر، وهذا الحصر حصرٌ إضافيٌّ؛ لأن المراد بالحي هنا الحي حياة كاملة، أما مطلق الحياة فيكون فيه وفي غيره، كما قال تعالى: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ [الملك: ٢]، أما الحياة الكاملة فهي لله عز وجل.
لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ(لا) نافية للجنس، و(لا) النافية للجنس نصٌّ في العموم، و(إله) بمعنى مألوه؛ لأن فعالًا يأتي بمعنى مفعولٍ في اللغة العربية، وله شواهد كثيرة؛ مثل: غراس، وبناء، وفراش، وما أشبهها، إذن (إله) بمعنى مألوه.
وما معنى المألوه؟ معناه الذي تألهه القلوب محبة وتعظيمًا؛ أي: تهواه وتميل إليه محبةً له وتعظيمًا له، فبالمحبة يكون فعلُ المأمور، وبالتعظيم يكون تركُ المحذور.
وقوله: إِلَّا هُوَ(إلا) أداة حصر، والحصر إثبات الحكم في المحصور فيه ونفيه عما سواه، وإذا كان الأمر كذلك بقِيَ فيه إشكال؛ لأنك إذا قلت: لا إله إلا هو، وقلت: إن ذلك للحصر، ورَدَ على قلبك أو أُورِدَ عليه أن هناك آلهة دون الله بنص القرآن، كما قال تعالى: فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [هود: ١٠١]، وقال تعالى: وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ [القصص: ٨٨].
والجواب عن ذلك أن يقال: إن خبَرَ (لا) محذوف، وتقديره: حق؛ أي: لا إله حق إلا الله، وإذا كان هذا هو التقدير لم يَرِدُ الإشكال الذي ذكرنا؛ لأن الآلهة التي سوى الله كلها باطلة، كما قال تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [الحج: ٦٢].
وما قررناه هنا في هذه الكلمة -كلمة الإخلاص- هو الذي تطمئن إليه النفس، وإلا فقد اختلف فيها العلماء -علماء العربية وعلماء التوحيد- على أقوال متعددة تبلغ نحو ستة أقوال.
ومما ذُكِرَ أن الخبر محذوف تقديره: موجود؛ لا إله موجود، وهذا لا شك أنه باطل؛ لأنك إذا قلت: لا إله موجود إلا الله، لزم من ذلك أن تكون الآلهة التي تُعْبَد من دون الله هي الله، وأن تكون عبادتها حقًّا، وألوهيتها حقًّا.
إذن المتعين ما دلَّ عليه القرآن؛ أن الخبر محذوف تقديره: حق؛ لقوله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ.
قال: فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، قال المفسِّرُ: (ادْعُوهُاعبدوه، مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَوهذا التفسير يُعْتَبَر قاصرًا؛ لأن المراد بالدعاء هنا دعاء العبادة -كما قال المفسِّر- ودعاء المسألة، فالذي يُدْعى دعاء مسألةٍ هو الله، والذي يُدْعى دعاء عبادةٍ هو الله.
كأن المؤلف رحمه الله اقتصر على العبادة لقوله: مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ؛ لأن الدين هو العمل، ولكن يقال: إن الدعاء من العمل، ولا بد فيه من إخلاص، فالصواب أن قوله: ادْعُوهُأي: اعبدوه واسألوه، فهو دعاء عبادةٍ ودعاء مسألةٍ.
إذا قال قائل: دعاء المسألة واضح أنه دعاء، تقول: يا رب اغفر لي، يا رب يسر أمري وإخواننا المسلمين، مثلًا، هذا دعاء مسألة واضح، لكن كيف كانت العبادة دعاء؟
الجواب: أن العابد يدعو الله بلسان الحال؛ لأنك لو سألته: لماذا عبدت الله؟ لقال: أرجو ثوابه وأخشى عقابه، إذن فهو داعٍ بلسان الحال.
فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ(مخلصين) اسم فاعل، وفعْلُه (أخلص)، ومعنى (أخلص)؛ أي: نقَّى الشيء من غيره، (أخلصه) يعني: جعله خالصًا لا شائبة فيه، فمعنى إذن (مخلصين) أي: مُنَقِّين العبادةَ والدعوةَ له وحده.
وقوله: لَهُ الدِّينُالدين يُطْلق في القرآن الكريم على معنيين: المعنى الأول: العمل، والمعنى الثاني: الجزاء.
فمن الأول قوله تعالى: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [الكافرون: ٦]، ومن الثاني قوله تعالى: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: ٤]؛ لأن يوم القيامة ما فيه عمل، فـمَالِكِ يَوْمِ الدِّينِيعني: يوم الجزاء.
والمراد به هنا مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، ما المراد العمل ولَّا الجزاء؟ العمل، مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَأي: مخلصين له عملكم وهو الدعاء.
وقوله: (من الشرك) متعلق بـمُخْلِصِينَ؛ أي: مُنَقِّين له من الشرك بحيث لا يكون في عملكم إشراكٌ.
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَهذه جملة تتضمن الثناء على الله عز وجل بعموم ربوبيته، والحمد مصدر: حَمِدَ يَحْمَدُ حمدًا، وهو -أعني الحمد- وصف المحمود بالكمال على وجه المحبة والتعظيم.
فقولنا: (وصف المحمود بالكمال) خرج به القدح؛ لأن القدح وصْفُ الموصوف بالنقص، وقولنا: (على وجه المحبة والتعظيم) خرج به المدح؛ لأن المدح المجرد قد لا يكون للمحبة ولا للتعظيم، قد يكون للخوف؛ فربما يمدح الرجل سلطانا جائرًا لا لمحبته ولا لتعظيمه ولكن للخوف منه، أما الحمد فلا يصدُرُ إلا عن محبَّة وتعظيم.
وقوله: لِلَّهِاللام هنا للاختصاص والاستحقاق؛ للاختصاص لأن الحمد المطلق لا يصح إلا لله وحده، والاستحقاق لأن المستحق للحمد حقيقة هو الله عز وجل، المخلوق وإن استحق الحمد لكنه ليس استحقاقًا حقيقيًّا؛ لأن كل شيء يأتيك من المخلوق أو كل كمال في المخلوق فمن الله، فأنا أحمد المخلوق عندما يُحْسِن إليَّ أو عندما أرى فيه صفات كمال، أحمده لا لأنه هو المستقِل بذلك، ولكن لأنه السبب، إذن اللام هنا لِلَّهِ؟
طلبة: للاستحقاق والاختصاص.
الشيخ: للاستحقاق والاختصاص طيب.
وقوله: رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّبُّ هو الخالق المالك المدبِّر؛ يعني كلمة (رب) المضافة إلى الله عز وجل أو التي وُصِفَ بها الله تتضمن ثلاثة معانٍ: الخلق والملك والتدبير؛ فالله عز وجل هو الخالق لكل شيء، وهو المالك لكل شيء، وهو المدبِّر لكل شيء، حتى المشركون يقرون بهذا؛ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ [يونس: ٣١].
وقوله: الْعَالَمِينَقال العلماء: العالَم كلُّ مَن سوى الله، وسُمُّوا عالَمًا لأنهم علَمٌ على خالقهم جل وعلا؛ إذ إن في كل شيء من هذه المخلوقات آية تدل على عظمة الرب وقدرته وغير ذلك مما تقتضيه معاني الربوبية.
في هذه الآية الكريمة فوائد، منها: ثبوت الحياة المطلقة لله عز وجل؛ لقوله: هُوَ الْحَيُّ، وحياة الله تعالى كاملة من كل الوجوه؛ فهي كاملة لأنها لم يسبقها عدمٌ، كاملة لأنه لا يلحقها فناء، كاملة لأنها متضمنة لجميع أوصاف الكمال، كاملة لأنها منزَّهة عن كل صفات النقص، فكمالها من وجوه كم؟
طالب: وجوه أربعة.
الشيخ: أربعة، عدها.
الطالب: من جهة أنها لم تسبق بعدم، ومن جهة أنها لا يعتريها فناء، ومن جهة أنها كاملة..
الشيخ: متضمنة لجميع أوصاف الكمال. ومن الجهة الرابعة؟
طالب: منزه عن النقصان.
الشيخ: منزه عن كل نقص، كما قال تعالى: الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ [البقرة: ٢٥٥]، شوف الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌصفة كمالٍ ونفيُ نقصٍِ.
فإن قال قائل: (الحي) من الأسماء اللازمة أو المتعدية؟ الأسماء اللازمة، وقد ذكَرَ العلماء في كتب التوحيد أن أسماء الله عز وجل إن كانت متعدية فإنه لا يتم الإيمان بها إلا بأمور ثلاثة: إثباتها اسمًا لله، وإثبات ما دلت عليه من الصفات، وإثبات ما يترتب على هذه الصفة، وأما إذا كان الاسم لازمًا فإنه يتضمن شيئين: إثبات ذلك الاسم لله عز وجل، والثاني: إثبات ما دلَّ عليه من الصفات فقط.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: انتفاء الإلوهية عما سوى الله؛ لقوله تعالى: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وعرفتم معنى الإلوهية؛ وهي تأله العبد لله عز وجل محبةً وتعظيمًا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الإخلاص لله عز وجل في العبادة والدعاء؛ لقوله: فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات كمال الله عز وجل في ذاته وفي إنعامه؛ لقوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فالله أثنى على نفسه بذلك لكمال صفاته.
ومن فوائدها: عموم ربوبية الله سبحانه وتعالى لكل شيء؛ لقوله: رَبِّ الْعَالَمِينَ.
ومن فوائدها: أن المستحق للحمد هو الله عز وجل، والمختَصُّ بالحمد المطلق هو الله سبحانه وتعالى.
تفسير الآية (66)
00:19:31

ثم قال تعالى: قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِإلى آخره.
قُلْالخطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يخاطب من؟ أُمِر أن يخاطب المشركين فيقول: إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ.
وقوله: إِنِّي نُهِيتُالجملة هنا مؤكَّدة بـ(إنَّ)، ونُهِيتُفعل ماضٍ مبنيٌّ لما لم يسمَّ فاعله، وحُذِف الفاعلُ للعلْمِ به، كما قال تعالى: وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا [النساء: ٢٨]، حُذِفَ الفاعلُ للعلْمِ به؛ لأنه لا أحد ينازع في أن الخالق هو الله، وهنا المسألة مسألة شرعية؛ نهي، فلا نزاع في أن الذي له الأمر والنهي هو الله كما أنه الذي له الخلق، إذن يكون الناهي هو الله عز وجل.
والنهي: طلَبُ الكفِّ على وجه الاستعلاء، هذا تعريف النهي في أصول الفقه، طلب الكف على وجه الاستعلاء بصيغة المضارع المقرون بـ(لا) الناهية، فقولنا: (طلب الكف) خرج به الأمر، وخرج به المباح، وقولنا: (على وجه الاستعلاء) خرج به الدعاء؛ مثل: رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا [البقرة: ٢٨٦]؛ لأننا لا ندعو الله على وجه الاستعلاء بل على وجه الاستضعاف؛ نستضعف أنفسنا أمام الله عز وجل، وخرج بقولنا: (بصيغة المضارع المقرون بـ(لا) الناهية)، خرج به نحو قولك: انتهِ عن كذا، اجتنبْ كذا، هذا نهي لكنه ليس نهيًا اصطلاحًا، بل هو أمر بالاجتناب.
فلو قال لك قائل: اجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ [الحج: ٣٠]، هل هذا نهي عن الرجس من الأوثان أو أمر باجتنابه؟ نقول: الثاني؛ أمْرٌ باجتنابه، لكن إذا قلت: لا تقربِ الرجس من الأوثان، صار نهيًا.
نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِأَنْ أَعْبُدَالعبادة هي التذلل للمعبود محبةً وتعظيمًا.
وقوله: الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، قال المفسِّر: (تعبدون مِنْ دُونِ اللَّهِ)، وهذا أيضًا فيه شيء من القصور، والصواب أن المراد تَدْعُونَ؛ أي: تعبدون وتسألون؛ لأن من المشركين من يسألون أصنامهم، ويتذللون لها بالسؤال، فهي أعم مما ذكره المفسر رحمه الله تعالى.
نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وقوله: مِنْ دُونِ اللَّهِ؛ أي: من سوى الله.
وقوله: لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي(لمَّا) ظرف زمان بمعنى (حين)، و(لمَّا) تأتي في اللغة العربية على أربعة أوجه:
الوجه الأول: أن تكون بمعنى (حين)؛ كما في هذه الآية.
والوجه الثاني: أن تكون بمعنى (إلا)؛ كما في قوله تعالى: إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ [الطارق: ٤]، معنى لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ: إلَّا عليها حافظ.
والمعنى الثالث: أن تكون أداة جزم؛ كقوله تعالى: بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ [ص: ٨]؛ أي: بلْ لَمْ يذوقوا عذابي ولكنه قريب.
المعنى الرابع: أن تكون حرف وجود لوجود؛ كقولك: لما جاء زيد جاء عمرو.
لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي؛ أي: حين جاءني، والبينات صفة لموصوف محذوف للعلْمِ به، والتقدير: الآيات البينات، قال المفسر: (دلائل التوحيد)، والمعنى أعم مما قال رحمه الله تعالى، بل هي دلائل التوحيد ودلائل القدرة، ودلائل السمع والبصر، وغير ذلك، المهم أنه جاءه البينات من الله عز وجل.
وأنتم ترون في القرآن العزيز كلمة البينات دائمًا محذوف موصوفها؛ وذلك للعلْمِ به، والشيء المعلوم يجوز حذفه، كما قال ابن مالك في الألفية: وحذف ما يعلم جائز، وهذه قاعدة عامة في كل شيء، ليس في المبتدأ والخبر فقط بل في كل شيء.
وقوله: مِنْ رَبِّيمتعلق بجاء؛ أي: جاءني من الله عز وجل، ولكنه ذكره باسم الربوبية لأن هذه ربوبية خاصة يربِّي بها الله عز وجل أنبياءه ورسله، وَأُمِرْتُمقابل نُهِيتُ، نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَوَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ. من الآمِرُ؟ الله. والأمر: طلَبُ الفعل على وجب الاستعلاء بصيغة (افعل) أو غيرها مما يدل على الأمر.
وقوله: أَنْ أُسْلِمَ(أن) مصدرية، وأُسْلِمَفعلٌ مضارع منصوب بها. ومعنى أُسْلِمَأستسلم لرب العالمين، والمراد بالإسلام هنا الإسلام الشرعي؛ لأنه هو الذي بِطاقَتِنا، وهو الذي يمكن أن نفعله أو لا نفعله، وهو الذي لا يكون إلا من المؤمن، أما الإسلام الكوني فليس بِطاقَتِنا، ولا يمكننا أن ندافعه، ويكون من المؤمن والكافر.
إذن يتبين لنا أن الإسلام له معنيان: المعنى الأول: الإسلام الكوني القدري، والثاني: الإسلام الشرعي الديني.
فمن الأول قوله تعالى: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ [آل عمران: ٨٣]، الإسلام هنا كوني أو شرعي؟ كوني؛ لأنه قال: طَوْعًا وَكَرْهًا، والإسلام الشرعي لا يكون بالإكراه، والإسلام الشرعي لا يكون عامًّا لكل شيء، فالإسلام هنا كوني قدريٌّ.
وهنا قوله: أَنْ أُسْلِمَالمراد به الإسلام الشرعي الديني؛ يعني أَنْ أُسْلِمَأي: أستسلم تعبدًا وتذللًا لله عز وجل.
وقوله: لِرَبِّ الْعَالَمِينَنقول فيها ما قلنا في مثل الآية السابقة، لكن لو قال قائل: لماذا لم يقل: أن أسلم لله؟
قلنا: ليكون ذلك دليلًا على وجه الإسلام، يعني لماذا أسلمت؟ لأن الله رب العالمين، وربُّ العالمين أحقُّ أن يُسْلَمَ له، وأن يتعبد له عز وجل، فهو كالدليل للحكم السابق الذي هو الإسلام.
في هذه الآية الكريمة فوائد:
أولًا: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عبدٌ مأمور منهي، تؤخذ مِن: أَنْ أُسْلِمَ.
ويتفرع على هذه الفائدة: بطلان دعوى من يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم له الأمر والنهي في السماوات والأرض؛ لأنه لا يمكن أن يكون كذلك وهو مأمور مَنْهيٌّ.
من فوائد الآية الكريمة: وجوب الإخلاص لله عز وجل؛ لقوله: نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَوَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ، وهذا حقيقة الإخلاص.
ومن فوائدها: الإشارة إلى القاعدة المشهورة، وهي أن التخلية قبل التحلية، ليس تحلية الماء، التحلية؛ يعني: التزيين، التخلية قبل التحلية، تؤخذ مِن نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَهذه تخلية، وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَهذه تحلية.
ووجه كون التخلية قبل التحلية أن التحلية إذا وردت على محل غير نظيف صارت ناقصة متلوثة، فأنت طهِّر المحل أولًا، ثم حلِّه ثانيًا، وهكذا كلمة الإخلاص؛ (لا إله) نفي، (إلا الله) إثبات، الأول تخلية، والثاني تحلية.
من فوائد الآية الكريمة: بطلان عبادة ما سوى الله؛ لأن النهي يقتضي البطلان والفساد، فلما نُهِينَا عن عبادة ما سوى الله دلَّ ذلك على أنها باطلة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كغيره يحتاج إلى العلم؛ لقوله: لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي.
فإن قال قائل: في هذا إشكال كبير، وهو كيف يكون الرسول عليه الصلاة والسلام لم يعلم ببطلان هذه الآلهة إلا حين جاءه النهي، مع أن بطلان هذه الآلهة مركوزٌ في الفطر والعقول؟
أما كونه مركوزًا في الفِطر فلقوله صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا عَلَى الْفِطْرَةِ» ، والفطرة هي عبادة الله وحده، وأما العقل فلأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام استدل على بطلان الآلهة بدليل عقلي حين قال لأبيه: لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا [مريم: ٤٢].
قلنا: إن الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم بطلان هذه الآلهة، لكنه أسند هذا العلم إلى الآيات البينات لإثبات الرسالة، فتكون الرسالة مؤيِّدةً لما تقتضيه الفطرة ويدل عليه العقل.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام فهو آيات بينات ليس فيها خفاء؛ لقوله: الْبَيِّنَاتُ.
والعجب أن المشركين كانوا يتردَّدون إلى منزل الرسول عليه الصلاة والسلام خفية يستمعون القرآن؛ لأنه أخذ بألبابهم وعقولهم، لكنهم -والعياذ بالله- ينكرون استكبارًا ومُكابرةً.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التحذير مِن خَفاءِ ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام؛ بمعنى أن الذي لا يرى أن ما جاء به الرسول متضمنٌ للآيات البينات فليعلم أن على قلبه غشاوة؛ لأن القلب النظيف النزيه لا بد أن يعرف أن ما جاء به الرسول حق بيِّنٌ، لكن قد تتراكم الذنوب على القلوب فلا تعرف الحق، قال الله تعالى: إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين: ١٣، ١٤]، فصاروا يرون هذا القرآن الكريم يرونه أساطير الأولين، نسأل الله ألا يعمي قلوبنا وقلوبكم، فالمسألة خطيرة، إذا لم تجد قلبك مستنيرًا بهذا القرآن -أو بعبارة أعم: بما جاء به الرسول- فاعلم أن في القلب بلاءً، فداوِ القلب ما دام في أول المرض؛ حتى لا يستشري المرض فيقضي على القلب، فلا تتمكن من إصلاحه بعد.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عناية الله تعالى برسوله محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وذلك في إثبات الربوبية الخاصة في قوله: مِنْ رَبِّي.
ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الإسلام لله عز وجل؛ لقوله: وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ.
ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أنه لا بد للقلب من حركة؛ فإما إلى باطل، وإما إلى حق؛ لقوله: نُهِيتُ، وهذا تفريغ، هذا الفراغ لا بد أن يكون له ما يملؤه وهو الإسلام؛ لأن كل شيء إذا لم يكن له بديلٌ سيبقى الأمر خاويًا، فإذا خُلِّيَ المكان من الباطل وجب أن يملأ بالحق.
وهكذا أيضًا إذا تأملت وجدت كل شيء باطلٍ إذا لم يخلفه حق بقي الأمر خاويًا، فتذبذب الإنسان، لما قال الله تعالى: لَا تَقُولُوا رَاعِنَا [البقرة: ١٠٤]، ماذا قال؟ وَقُولُوا انْظُرْنَا، لا بد من قول، فإذا أُبْطِلَ الباطل فلا بد أن يخلفه الحق.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن ما سوى اللهِ لا يستحق أن يُسْلَمَ له؛ لقوله: لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، فمن كان ربَّ العالمين فهو الأحق بالإسلام له، ولا يوصف برب العالمين إلا الله عز وجل.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات عموم الربوبية لله؛ لقوله: لِرَبِّ الْعَالَمِينَ.
ومن فوائد الآية الكريمة: مُراعاة الوصف المناسب وإن كان فيه عدولٌ عن الأشهر؛ لقوله: لِرَبِّ الْعَالَمِينَعدولًا عن (لله)، مع أن (الله) هو الأشهر، لكن اعتبار الوصف المناسب أولى، والله أعلم.
طالب: قلنا: إن الأمر لا يُعَدُّ نهيًا في الاصطلاح، ألا تنطبق عليه قاعدة (...)؟
الشيخ: لا؛ لأن الأمر بالاجتناب يقتضي الفساد أيضًا.
طالب: شيخ بارك الله فيك، كيف نفرق بين الاسم اللازم والمتعدي؟
الشيخ: ما تعدَّى إلى الغير فهو متعدٍّ، وما لا فلا.
الطالب: التفريق ليس لغويًّا؟
الشيخ: لا، لغوي ومعنوي، إذا قلت: الله هو السميع، معناه لا بد من مسموع، لكن (الحي) ما يتعدى للغير، حيٌّ بنفسه، عظيم بنفسه، إي نعم.
الطالب: بالنسبة للأسماء اللازمة غير الحي والعظيم؟
الشيخ: كثيرة: الجليل..
طالب: شيخ أحسن الله إليك، تفريقنا بين دعاء المسألة ودعاء العبادة، أليس جميع الدعاء يعتبر من العبادة؟
الشيخ: بلى، لكن فرق بين أن أقوم أصلي أو أقول: يا رب اغفر لي، الثاني سؤال صريحٌ.
الطالب: لكن كلاهما دعاء؟
الشيخ: إحنا قلنا هكذا، قلنا: العبادة لماذا سميت دعاءً؟ لأن العابد يريد الثواب والنجاة من العقاب، فهو داعٍ بلسان الحال، أما الدعاء الصريح فهو بلسان المقال: اللهم اغفر لي وارحمني، وما أشبه ذلك.
الطالب: كلٌّ يطلق عليه عبادة.
الشيخ: إي نعم، لكن الدعاء عبادة؛ لأنك تتعبد لله وتذل له بالسؤال، والعبادة معروفة، وكلها أيضًا يُسمَّى مسألة؛ لأن العابد سائل.
طالب: شيخ بارك الله فيكم، الحمد هو وصف المحمود بالكمال على وجه التعظيم والمحبة، وقلنا: هذا أبلغ من المدح، في قوله عليه الصلاة والسلام: «لَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنَ اللَّهِ» ، المدح ليس محبَّةً وتعظيمًا كما في تفسيرها اللغوي، فكيف هذا الإيراد؟
الشيخ: المراد بالمدح هنا الحمد.
طالب: شيخ، بعضهم فسر: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَقال التقدير: أحق، وقال: إن الإله في اللغة العربية لا تأتي للآلهة الباطلة، وورودها في القرآن من باب التنزل مع الخصم؟
الشيخ: خطأ، هذا ما هو صحيح؛ لأن هؤلاء المشركين يتعبَّدون لهذه الأصنام كما يتعبَّد المؤمنون لله، يعظمونها في نفوسهم، ألم تسمع قول أبي سفيان يوم أحد: أُعْلُ هُبَل.
الطالب: من باب المشاكلة؟
الشيخ: أبدًا ولا مشاكلة، الأصل الحقيقة.
طالب: شيخ، بعض السلف استحسن إذا قلت: لا إله إلا الله مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون؟
الشيخ: هذا ليس بصحيح، استحسانٌ في غير محله؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يقول في أذكار الصلاة: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ، مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ» ، الحمد لله رب العالمين ولَّا ولو كره الكافرون؟
الطالب: ولو كره..
الشيخ: طيب.
الطالب: (...)؟
الشيخ: لا، ما يقول أبدًا، إحنا لا نقول: إنها مشروعة.
طالب: ذكرتم في الآية أن مطلق الحياة يكون على الله وعلى غيره، ثم استشهدت بقوله تعالى: خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ [الملك: ٢]، الاستشهاد هنا..
الشيخ: الاستدلال.
الطالب: بس ما يكون فيه تقدير محذوف: وخلق الحياة؟
الشيخ: بلى، هو خلق الحياة، والحياة المخلوقة حياة من؟ حياة المخلوق، إذن مطلق الحياة يكون لله ويكون للمخلوق، أنا أردت أن أستدل بهذه الآية عدولًا عن قوله: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ [الأنعام: ٩٥]؛ لأن هذه صريحة في أن الحياة مخلوقة، ولا يمكن أن تكون حياة مخلوقة إلا حياة المخلوق.
طالب: النهي (...) صيغة المضارع، طيب صيغة الماضي؟
الشيخ: ما يمكن ترد (لا) بصيغة الماضي.
الطالب: (نُهِيتُ)؟
الشيخ: لا، هذه ليست صيغة النهي.
الطالب: نهيت (...)؟
الشيخ: (لا) هي نهي لا شك، النهي المعنوي غير النهي الاصطلاحي، اجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ [الحج: ٣٠]، هذا نهي ولَّا غير نهي؟ وليس نهيًا اصطلاحًا.
الطالب: (...).
الشيخ: إي نعم، النهي في الاصطلاح هو طلب الكفِّ على وجه الاستعلاء بصيغة هي المضارع المقرون بـ(لا) الناهية.
الطالب: (...).
الشيخ: هذا تعريفه عند العلماء، أما النهي بالمعنى العام يعني ما دلَّ على النهي، حتى الاستفهام بمعنى الإنكار يدل على النهي، حتى لو قلت لواحد فعل شيئًا غير مرغوب فيه تقول: أتفعل هذا؟ لأنك مستفهم الآن، لكنه متضمن للنهي، تعريفه اصطلاحًا هو هذا، ولسنا نتكلم عما يفيد النهي.
فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَلو قلت: إن هذا نهي، قلنا: غلط، بل نقول: هذا أمر بالاجتناب.
الطالب: (نُهِيتُ)؟
الشيخ: لا، فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ، (نُهِيتُ) هذه صيغةُ فعلٍ ماضٍ لكن ما هي صيغةُ نهيٍ، إخبار بأنه نُهِيَ، فما صيغة النهي؟ لا تعبد الذين يدعون من دون الله، هذا معناها.
الآن الْتبس على الأخ النهي بالمعنى والنهي بالصيغة؛ النهي بالصيغة المصطلح عليه هو طلب الكَفِّ على وجه الاستعلاء بصيغة المضارع المقرون بـ(لا) الناهية، هذا النهي، وأما ما دلَّ على النهي بغير هذه الصيغة فإنه لا يُسَمَّى نهيًا اصطلاحًا، وإن كان نهيًا بالمعنى لكن ليس نهيًا بالاصطلاح.

***

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦٧) هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٦٨) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (٦٩) الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢) ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ [غافر: ٦٧ - ٧٣].
الشيخ: لا، هذه آية؟ عندك آية هذه؟
الطالب: إي نعم.
طالب آخر: بس ما كمَّل الآية.
الشيخ: لا، تُشْرِكُونَهي آخر آية؟
الطالب: إي نعم، عندي آخر الآية.
الشيخ: طيب خلاص، رُؤوس الآي يوقف عليها وإن تعلَّق ما بعدها بها، يعني يجوز أن تقول: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ [الماعون: ٤] وتقف، ثم تقول: الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ [الماعون: ٥].
أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ [غافر: ٧٣]، مِنْ دُونِ اللَّهِ [غافر: ٧٤] متعلِّقٌ بها، لكن إن كانت هي رأس آية فهو توقيفيٌّ يوقف عليه.
الطالب: ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ [غافر: ٧٣، ٧٤].
تفسير الآية (67)
00:49:44

الشيخ:
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍإلى آخره.
خَلَقَكُمْأي: ابتدأ خلقكم، والخلق بمعنى الإيجاد مع التقدير، قال الشاعر:
وَلَأَنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ وَبَعْضُ النَّاسِ يَخْلُقُ ثُمَّ لَا يَفْرِي

فهو إيجاد بتقدير.
مِنْ تُرَابٍقال: (بخلقِ أبيكم آدم منه)، فالأصل أننا من تراب؛ من هذه الأرض مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى [طه: ٥٥]، فالأرض هي الأول والآخر بالنسبة لبني آدم إلى يوم البعث.
(ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍمَنِيٍّ) وهذا باعتبار نسل آدم عليه الصلاة والسلام، ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍهذا الطور الثالث، والثاني باعتبار نسل آدم، والعلقة قال: (دم غليظ) مثل الخيط، ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا، وطوى الله تعالى ذكر المضغة وإنشاء الخلق الآخر إلى قوله: (ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًابمعنى أطفالًا)، وإنما قال: (بمعنى أطفالًا)؛ لأنها حالٌ من الكاف في يُخْرِجُكُمْ، وهي جمع، و(طفل) مفرد، وعلى هذا فيتعيَّن أن يكون طفلٌ بمعنى أطفالًا، وقيل: إن طِفْلًابمعنى المفرد، وإن المعنى: ثم يخرج كل واحد منكم طفلًا، فيكون يُخْرِجُكُمْجمعًا باعتبار المجموع؛ أي: أن كل واحد منا يخرج طفلًا، وعلى هذا فلا حاجة إلى تأويل (طفل) بمعنى أطفال.
ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْقال: (ثُمَّيُبْقيكم لِتَبْلُغُواوإنما قدَّر ذلك لأن اللام تحتاج إلى متعلق، وعلى هذا فمتعلقها محذوف، والتقدير: ثم يبقيكم. (لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْتتكامل قوتكم من الثلاثين سنة إلى الأربعين) هذا بلوغ الأشد، أقوى ما يكون الإنسان من ثلاثين سنة إلى أربعين، ثم يبدأ بالانحدار شيئًا فشيئًا، ولكن قد يكون هناك عوامل توجِبُ أن تبقى قوته مدة من الزمن أكثر، وقد تكون هناك عوامل توجِبُ أن تنهدم قوته قبل تمام الأربعين، لكن في الأصل أنه إذا تم الإنسان أربعين سنة بدأ في الضعف. ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ؛ أي: كامل قوتكم.
(ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًابضم الشيء وكسرها) يعني: {شِيُوخًا} وشُيُوخًا، والقراءتان سبعيتان، وهذه طريق المؤلف إذا ذكر الوجهين جميعًا فمعناه أن القراءتان سبعيتان، ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا؛ يعني كبارًا تبلغوا سن الشيخوخة.
قال: (وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُأي: قبل الأشد والشيخوخة) قال: (فعل ذلك بكم لتعيشوا وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى)، والمفسِّر يُقدِّر ذلك لوجود حرف العطف، وهو قوله: وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى، (أَجَلًا مُسَمًّىوقتًا محدودًا) والمسمى بمعنى المعيَّن، وهو بمعنى المحدود.
وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَأي: تكونون من ذوي العقول وتفهمون حكمة الله عز وجل في تقديره وتشريعه، فأنتم ترون الآن أن القدر يكون فيه المقدَّر شيئًا فشيئًا حتى يكبر، وهكذا الشرع تكون فيه الشرائع شيئًا فشيئًا حتى تكمُلَ، وهذه من سُنة الله تعالى الكونية وسنته الشرعية؛ أن الأمور لا تأتي دفعة واحدة، بل تتطور حتى تبلغ الكمال، وهذا من الحكمة البالغة.
وقوله: لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَليس المراد بذلك عقل الإدراك بل المراد بذلك عقل التدبير والرشد؛ لأن العقل عقلان:
عقل إدراك تتوقف عليه التكاليف الشرعية، ولهذا يقال: من شروط صحة الصلاة العقل، والمراد به عقل الإدراك.
وعقل تدبير ورشد، وهو حسن التصرف، ولهذا نقول: إن الكفار لا يعقلون، مع أنهم بالنسبة لعقل الإدراك أقوياء أشداء أذكياء، لكن عقل التدبير والتصرف هم خالون منه.
وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَفي هذه الآيات بيَّن الله سبحانه وتعالى منشأ بني آدم وغاية بني آدم.
ففيها من الفوائد:
أولًا: بيان أن الله سبحانه وتعالى هو الذي خلقنا وحده وأنه لا خالق إلا الله، وقد قال الله تبارك وتعالى في سورة الطور: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ [الطور: ٣٥]، ما الجواب؟
جوابنا: أنه لم يُخْلَقوا من غير شيء، وليسوا هم الخالقين، إذن فلهم خالق.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان أن أصل بني آدم هو التراب؛ لقوله: مِنْ تُرَابٍ، والتراب معروف أنه يختلف، ومن ثَمَّ اختلفت طبائع بني آدم، واختلفت ألوان بني آدم، واختلفت ألسنة بني آدم، كما اختلف أصْلُهم، فالتراب -كما تعرفون- منه الرمل والطين والسباخ، وغير ذلك.
ومن فوائد الآية الكريمة: انتقال هذا الأصل إلى أصل آخر، وهو الماء، النطفة، المني، فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ [الطارق: ٥ - ٧]، وفي آية أخرى: مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ [المرسلات: ٢٠]؛ يعني: غليظ لا يندفع ولا يجري؛ لأنه غير سائل، ليس كالماء المائع الذي يسيل، بل هو ماء مهين؛ أي: ضعيف لا يتحرك.
ومن فوائد الآية الكريمة: تطور خلق الإنسان في بطن أمه. وهنا لم يذكر الله عز وجل إلا النطفة والعلقة؛ لأن النطفة هي الأصل، والعلقة هي أصل مادة الحياة؛ إذ إن الحياة لا تكون إلا بالدم وهو أصل المادة، ولهذا لو تفرغ دم الإنسان لهلك.
ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل أنه بعد هذه الحال في بطن أمه يخرج طفلًا متكاملًا.
ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن الله قسَّم الناس بعد خروجهم أطفالًا إلى أقسام:
القسم الأول: أن يبلغ الإنسان أشده ثم يموت.
والثاني: أن يبلغ الشيخوخة.
والثالث: أن يموت قبل ذلك؛ أي: قبل بلوغ الأشد وقبل الشيخوخة.
وعلى أي أساس يكون هذا؟ نقول: هذا محض مشيئة الله عز وجل، ليس له أساس معلوم، لكنه محض المشيئة، لكن مع كونه محض المشيئة قد يُقدِّر الله تعالى أسبابًا كونية وأسبابًا شرعية بها يطول العمر وتبقى الصحة، وقد يقدر الله أسبابًا على العكس من ذلك.
فمن الأسباب الشرعية ما ذكره النبي عليه الصلاة والسلام في قوله: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، وَيُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» ، هذا دليل على أن صلة الرحم من أسباب سعة الرزق وطول العمر، فييسِّر الله تعالى لهذا العبد أن يصل رحمه فيطول عمره، وهذا شيء مكتوب، ولكننا لا علم لنا به، فحثَّنا النبي صلى الله عليه وسلم عليه بهذه الطريقة.
وأما الأسباب الكونية فهي توقي الأسباب الضارة في الصحة، وهذا شيء لا نهاية له، وهو أمر معلوم، وأكثر من يعرفه الأطباء، فييسِّر الله تعالى للإنسان من أسباب الصحة من دواء وغذاء وهواء ما يكون به طول العمر.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الأجل مهما طال بالإنسان فإنه محدودٌ له غاية، مع أن الإنسان في نفسه يمد أملًا بعيدًا جدًّا، يظن أنه سيبقى عشرات المئات، ولكنه في الواقع مهما بلغ فإن الأجل محتوم، والشيء المحدود المعدود غايته النهاية؛ لأن كل يوم يمضي ينقص العمر، قال الشاعر:
وَالْمَرْءُ يَفْرَحُ بِالْأَيَّامِ يَقْطَعُهَا وَكُلُّ يَوْمٍ مَضَى يُدْنِي مِنَ الْأَجَلِ

وهذا صحيح؟ نعم، المرء يفرح بالأيام يقطعها، يقول: ما شاء الله عمري طويل، ومُتِّعْت كثيرًا، لكن وكل يوم مضى يدني من الأجل، يعني إذن يطول من وجه، ويقصُرُ من وجه آخر، ثم عند انتهاء الأجل: كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا [النازعات: ٤٦].
وقِسْ ما يستقبل بما مضى، الآن منا من عمِّر ستين سنة أو خمسين سنة أو عشرين سنة، أو ما أشبه ذلك، هذه الأيام التي مضت كأنها ساعة؛ يعني الآن أنت اليوم كأنت بالأمس، وأنت بالأمس كأنت قبل أمس، كأنها ساعة، كأنها أحلام، ولذلك قال: وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى.
ومن فوائد الآية الكريمة: بيان نعمة الله عز وجل علينا بالعلم والبيان؛ لأن ذلك سبب لبلوغ الغاية في العقل؛ وذلك لقوله: وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات تعليل أحكام الله؛ أي: أن أحكام الله تعالى مُعلَّلة بحكمة.
وهل هذا مقتصرٌ على الأحكام الشرعية، أو على الأحكام الشرعية والكونية؟
الجواب: الثاني؛ فكل أحكام الله الكونية والشرعية كلها مُعلَّلة؛ يعني كلها لحكمة، لكن هذه الحكمة قد تكون معلومة لنا، والناس يختلفون في هذا اختلافًا عظيمًا متباينًا؛ منهم من يطلعه الله عز وجل على أسرار خلقه وأسرار شرعه، ومنهم من لا يطلعه، ومنهم مَن بين ذلك.
وكذلك أحكام الله الشرعية كلها لحكمة، كلها مُعلَّلة.
وما يذكره الفقهاء من أن هذا الحكم تعبدي لا يعنون بذلك أنه ليس له علة، وإنما يعنون بذلك أن علته غير معلومة لنا، فنحن ليس لنا إلا مجرد التعبُّد، ولهذا لما سألت المرأة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت: كان يصيبنا ذلك، فنُؤْمَرُ بقضاء الصوم ولا نُؤْمَرُ بقضاء الصلاة ، هذه الحكمة، إذن الحكمة شرع الله، شرع الله كله حكمة، لكن لو أراد إنسان أن يلتمس لذلك حكمة معقولة فلا حرج عليه.
ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على أهل العقل، أي: على العقلاء؛ لأن الله تعالى جعله غاية فقال: وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ.
ذكرنا الآن أن أحكام الله الكونية والشرعية لها حكمة، فإن قال قائل: ماذا تجيبون عن قوله تعالى: لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء: ٢٣]؟
الجواب: أنه لا منافاة؛ لأن الله لم يقل: لا حكمة لما يفعل، بل قال: لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ؛ لأن كل ما يفعله فهو حكمة لا يُسْأل عنه، نعلم أنه ما فعله إلا لحكمة فلا يُسْأل.
تفسير الآية (68)
01:05:17

ثم قال تعالى: هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُهذا كالأول جملة استئنافيةٌ تبيِّن كمال قدرة الله عز وجل، هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُأي: يجعل الحياة في الميت والموتَ في الحي، هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُوحده أو مع غيره؟ وحده، لا أحد يحيي ويميت، ولهذا قال إبراهيم للذي حاجه في ربه، قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ [البقرة: ٢٥٨]، فلا يمكن أن يحيي أحد ميتًا ولا أن يميت حيًّا.
فإن قيل: أليس عيسى ابن مريم يحيي الموتى؟ قلنا: بلى، ولكن بإذن الله، بنفس الآية وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ [آل عمران: ٤٩].
فإن قيل: أليس الرجل يقتل الآخر وهو حي فيموت؟ قلنا: بلى، لكن ما فعله هو سبب الموت وليس هو الإماتة، وكثيرًا ما تقطَعُ أوداج الإنسان ويشق بطنه، ثم يبقى حيًّا ويحيى، فالحاصل -يا جماعة- أن الإحياء والإماتة بيد الله عز وجل.
(فَإِذَا قَضَى أَمْرًاأراد إيجاد شيء فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) أَمْرًاهنا بمعنى شأنًا؛ أي: فهو واحد الأمور وليس واحد الأوامر، أي: إذا قضى شأنًا من الشؤون وقدَّره فإنه لا يعجزه أن يوجده. بماذا يوجده؟ بالكلمة؛ كُنْ فيكون إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران: ٥٩]، ولهذا يوصف عيسى بأنه كلمة الله؛ أي: كان بكلمته، فالحاصل أنه إذا قضى أمرًا وقدَّره قال له: كنْ، فيكون.
وهل المراد الموجودات أو المعدومات أو الكل؟ الكل، حتى لو أراد إعدام شيء قال له: كنْ، فينعدم، فقول المؤلف: (إيجاد شيء) لو زادها: (أو إعدامه) لكان خيرًا؛ لأنه إذا قضى أمرًا من إيجاد أو إعدام قال له: كنْ، فيكون.
غيرُ الله عز وجل، لو أردت أن تهدم بيتًا تبقى أيامًا وأنت تهدمه، لكن الله إذا أراد أن يهدم هذا البيت أو القرية كلها بكاملها ماذا؟ يقول: كنْ، فيكون؛ تنهدم، تكون هباء.
فإذن نقول: إذا قضى أمرًا بإيجاد شيء أو إعدامه فإنما يقول له: كنْ، فيكون، قال الله تبارك وتعالى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر: ٤٩]، كل شيء بقدر؛ الصغير والكبير، المتعلق بأفعاله وأفعال عباده، كل شيء خلقه فهو بقدر، وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ [القمر: ٥٠] ويتأخر المأمور؟
طالب: لا.
الشيخ: أيش هو؟ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ، لمح البصر ليس شيء أسرع منه، واحد بدون تكرار، كُنْ فَيَكُونُالفاء للتعقيب.
وقال تعالى في بعث الناس: فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ [النازعات: ١٣، ١٤]، سبحان الله ما أعظم قدرة الله! كلمة واحدة بها تكون الأشياء كلها كما أراد الله عز وجل، انتبهوا للنقطة الأخيرة: تكون كما أراد الله، وإن كان هذا المأمور لا يعلم به، لكن لا بد أن يكون كما أراد الله، لما قال القلم: «رَبِّ مَاذَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» ، وماذا فعل؟ كتب ما هو كائن إلى يوم القيامة مع أنه لا يعلم، لكن أُمِرَ فلا بد أن يمتثل.
ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ [فصلت: ١١] ما فيه إكراه، طوعٌ.
إذن نقول: إِذَا قَضَى أَمْرًا؛ أي: بإيجاد شيء أو إعدام شيء، فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُُنْ فَيَكُونُُالفاء في قوله: فَإِنَّمَارابطة لجواب (إذا)، وهي تدل على التعقيب.
وقوله: كُنْ فَيَكُونُبدون تأخير؟
طلبة: بدون تأخير.
الشيخ: بدون تأخير؛ لأن الفاء هذه للتعقيب.
قال: (بضم النون وفتحها بتقدير أنَّ) إذن فيها قراءتان: كُنْ فَيَكُونُ، {كُنْ فَيَكُونَ}؛ فعلى القراءة الأولى تكون الفاء للاستئناف، وعلى الثانية تكون الفاء فاء السببية التي ينتصب بعدها الفعل، وهي معروفة في علم النحو.
قال: (بتقدير أنَّ؛ أي: يوجد عقب الإرادة التي هي معنى القول المذكور) اللهم اعف عن هذا المؤلف، يقول: (عقب الإرادة التي هي بمعنى القول المذكور) يريد أن ينفي بذلك القول؛ يعني أن قوله: إِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْإنما يريد أن يقول؛ لأنه -عفا الله عنه- يريد أن ينفي قول الله عز وجل، فإن مذهبه مذهب الأشاعرة الذين يقولون: إن الكلام هو المعنى القائم بالنفس، وليس شيئًا يُسْمَع، وليس توجيهًا يُصَدَّر إلى الموجَّه إليه، مع أن الآية صريحة: إِنَّمَا يَقُولُ لَهُقولٌ صريحٌ مُصدَّرٌ، كُنْ فَيَكُونُ.
يكون معنى: يَقُولُ لَهُ-على كلامه- أي: يريد أن يكون فكان، ولا شك أن هذا تحريف للكلم عن مواضعه، نسأل الله تعالى أن يعفو عمَّن حرفه بحسن نية، والمؤلف لا نعتقد فيه -إن شاء الله- إلا الخير، لكنه أخطأ في هذا، والصواب أنه يقول: قولًا مسموعًا يسمعه الموجَّه إليه، فيمتثل أمر الله عز وجل.
في هذه الآية الكريمة: بيان أن الله تعالى هو الذي يحيي ويميت، وهذا من تمام ربوبيته.
ومن فوائدها: أن الإحياء والإماتة ليست بصعبة عليه؛ لقوله: فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.
ومن فوائدها: الرد على منكري البعث الذين قالوا: مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ [يس: ٧٨]. وجهه؟ أنه إذا قضى البعث ماذا يقول؟ كُنْ، فيكون، ولهذا قال تعالى: أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا [يس: ٧٧ - ٨٠] إلى أن قال: فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: ٨٢].
ولنأتي على بيان الأدلة الدالة على قُدرة الله عز وجل على إحياء الموتى في هذه الآيات، لقد ذكر الله تعالى ثمانية أوجه على قدرته على إحياء الموتى:
الوجه الأول: قوله: قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ. وجه الدلالة؟
طالب: لأن الذي أحياها أول مرة هو الذي يستطيع أن يحييها مرة أخرى.
الشيخ: أحسنت، لأن الذي قدر على إنشائها أول مرة قادر على إعادتها؛ لأن الإعادة أهون وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [الروم: ٢٧].
الدليل الثاني: وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ. وجه الدلالة؟
طالب: يستلزم القدرة؛ يعني قادر على أن يحيي.
طالب آخر: الذي يخلق المخلوقات عالم بما خلق.
الشيخ: كيف يخلقها، يعني هو لا يخفى عليه الخلق، فإذا كان لا يخفى عليه الخلق فما الذي يعجزه؟ هو على كل شيء قدير.
الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا. وجه دلالة هذه الجملة على قدرة الله على إحياء الموتى؟
طالب: الله هو الذي خقلنا، فلا يعجزه أن يجعل من الشجر الأخضر نارًا.
الشيخ: لا، الذي جعل من الشجر الأخضر نارًا قادر على أن يعيدنا. وجه الدلالة؟
الطالب: الله عز وجل خلق الشجر أصله وهو أخضر، فلما حوَّله من الخضار إلى نار..
الشيخ: صار حطبًا يوقد.
الطالب: نعم.
الشيخ: لا، غلط.
طالب: لما كان أول خلقه للشجر كان حيًّا، فلما مات الشجر أحياه مرة أخرى بأن يستفيد منه.
الشيخ: هذا كلامه.
طالب: ما دام سبحانه وتعالى صير الشجر الأخضر وهو ضد النار -أي: لا يشتعل- هو قادر على أن يُحْيِيَ.
الشيخ: إي، فيه شجر معروف في الحجاز إذا ضربته بالقدح هكذا اشتعل نارًا، فخرجت النار من ضدها، فالذي أخرج الضد من ضده قادر على أن يحييَ الموتى، الشجر الأخضر فيه الرطوبة والبرودة، والنار فيها اليبوسة والحرارة، فيخرِجُ هذه المادة الحارة اليابسة من مادة رطبةٍ باردةٍ، وهذا من تمام القدرة.
وقوله: فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَهذا للتأكيد؛ تأكيد أنه خرج هذا وأوقدتموه.
أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى [يس: ٨١]. وجه الدلالة؟
طالب: أن الذي خلق السماوات والأرض قادر على إعادة إحياء..
الشيخ: يقدر على إعادة إحياء أو على إحياء الموتى؟
الطالب: إحياء الموتى.
الشيخ: طيب، وجه الدلالة؟
الطالب: كذلك كما أنه خلق السماوات والأرض على عظمتهما، فخلق الإنسان من باب أولى، أو إعادته.
الشيخ: أحسنت، لأن خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس، فالقادر على الأكبر قادر على ما دونه.
وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ.
طالب: (...).
الشيخ: طيب، فإذا كان الخلاق العليم فهو قادر على أن يخلق كل شيء، ومنه إعادة الموتى، هذا دليل خامس.
إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: ٨٢]. وجه الدلالة؟
طالب: أن شَيْئًانكرة في سياق الشرط فتعم كل شيء.
الشيخ: نعم، فتعم كل شيء حتى إحياء الموتى.
أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُلا يحتاج إلى أعوان ولا تردد.
فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ [يس: ٨٣]. هذه الجملة وجه الدلالة منها؟
طالب: كُلِّ شَيْءٍنكرة في سياق النفي، فبيده ملكوت.
الشيخ: ما هي نفي.
الطالب: فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍمن عموم (كل)، فإنه إذا كان مالكًا لكل شيء فالبعث يدخل ضمن العموم.
طالب آخر: وجه آخر: فَسُبْحَانَتنزيه الله عن النقائص، ومنها العجز عن الإحياء.
الشيخ: طيب، هذان وجهان.
طالب: وجه ثالث: أن كون الله تعالى مالك كل شيء فهو خالق كل شيء، فخالق الشيء مالك له.
الشيخ: العموم.
وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَهذا الثامن.
طالب: فيه وجه الدلالة أنهم يرمون أنهم يموتون وينتهون كما يرون (...)، فالله سبحانه تعالى أثبت أنهم سيرجعون إليه، ولا يرجعون إلا بإعادة، الإحياء.
الشيخ: نبغي أوضح من هذا.
طالب: لأنه لا يمكن أن يرجع إلا إذا (...).
الشيخ: طيب، وغير هذا، اختلف اللفظ.
طالب: يرجعهم الذي خلقهم.
الشيخ: كيف يرجعهم الذي خلقهم؟
الطالب: القادر على إرجاعهم قادر على إحيائهم.
الشيخ: القادر على إرجاعهم، ما يصح، ما يستقيم، نقول: وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَلولا هذا الرجوع لكان الخلق عبثًا، فكوننا لا بد أن نرجع إلى الله إذن لا بد من إحياء، وإلا لكانت الحياة كلها عبثًا.
فانظر إلى تقرير الله عز وجل الإحياء بعد الموت؛ لأنه ينبني عليه العمل، لو أن أحدًا لا يؤمن بيوم الحساب لم يعمل، يعمل لأي شيء؟ ما دام ليس فيه إلا الحياة الدنيا نموت ونحيا فلأي شيء نعمل؟! إذن الإنسان يعمل للدنيا؛ ينهب ويسرق ويزني ويشرب الخمر، ويعمل كل شيء؛ لأنه ليس وراء هذه الدنيا شيء، فلا يمكن أن نستقيم إلا بالإيمان باليوم الآخر، ولهذا تجدون الله عز وجل يقرن الإيمان باليوم الآخر بالإيمان به في مواضع كثيرة، ربما لو أحصيناها لوجدناها أكثر من الإيمان به وبرسله؛ لأن الإيمان باليوم الآخر عليه أساس العمل، ونحن لولا أننا نعتقد ونؤمن بأن أعمالنا أمامنا يوم القيامة ما حرصنا على العمل الصالح؛ لأنه يذهب هباء، فلهذا الإيمان باليوم الآخر من أعظم الباعث على الاستقامة، أما من لا يؤمن بالله -والعياذ بالله- ولا بالبعث فهذا سيكون عمله كله هباء.
طيب، وقفنا على قوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ.
طالب: هل الله سبحانه وتعالى يقول للشيء: كنْ، يعني هذه الكلمة (...)؟
الشيخ: هل هذه من الأمور الغيبية أو الأمور الحسية؟
الطالب: الغيبية.
الشيخ: طيب من الأمور السمعية أو العقلية؟
الطالب: السمعية.
الشيخ: إذن نقف على ما جاء به السمع كُنْ فَيَكُونُ، الله أعلم.
طالب: شيخ، بالسنة لبعض الذين يعتقدون في المشايخ وكذا، يقولون: إن الشيخ ينفع ويضر ولكن بإذن الله تعالى، نريد ردًّا حاسمًا عليهم؛ لأنه تشكل هذه المسألة، يقولون: هم ينفعون ويضرون لكن بإذن الله وبإرادة الله؟
الشيخ: نقول: أين الدليل على أن الله أذن لهم؟
الطالب: يقولون: الدليل الحس.
الشيخ: ما هو الحس؟
الطالب: كثرة حصول هذا الشيء.
الشيخ: طيب كثرة حصول هذا الشيء؛ إما أن يكون شيئًا يدركه كل إنسان، فلا ميزة للمشايخ، مثل الدعاء؛ يدعو فيستجيب الله، وإما أن يكون شيئًا لا يدركه الإنسان، فهو من الشياطين، الشياطين تخدم هؤلاء الشيوخ؛ لأنهم يضلون عن سبيل الله، والشيطان لا يريد منا إلَّا أن يوقع بيننا العداوة والبغضاء ويصدنا عن ذكر الله، فنقول هذا، وإلا لا شك أنهم يغرون العوام، يقولون: تعالَ، تبغي أخلي حمارك حصانًا، ثم يدعو الله عز وجل ظاهرًا، والشيطان يحول هذا الحمار إلى حصان بالرؤية، وإلا حقيقة اللي يروح شوي لصار الحصان حمارًا، يعني نوع من السحر ونوع من التمويه، وهم يأكلون أموال الناس بالباطل.
أنا سمعت من بعض الجهات في أفريقيا، المشايخ يقولون: إنه قد رُفِعَ عنا التكليف، ما حاجة نصوم ولا نصلي ولا نزكي ولا شيء، ورُفِعَ عنا كل المحرمات، ولهذا يكون الواحد منهم مثل التيس يتزوج خمسين امرأة أو أكثر بعقد نكاح أيش؟
طالب: باطل.
الشيخ: لا، شرعي عنده، هو ولي مرفوع عنه التكاليف، ويقول: هذه التكاليف ما هي إلا وسائل حتى تصل إلى الغاية؛ إذا وصلت للغاية خلاص بطلت التكاليف، كالرجل يتأهب للسفر ويركب السيارة، أو يأخذ عصا الجمل، فإذا وصل إلى البلد رماها، نسأل الله العافية، والشياطين تخدمه.
حتى ذكر شيخ الإسلام أن بعض الناس يقول: إني رأيتك أنت في عرفة -أنت يا ابن تيمية- وهو في الشام ما حج، قال: هذا الشيطان يتمثل بي، ويقول: أنا ابن تيمية، ويقول: اللي يبغي ويقول: هذا حلال، وهذا حرام، إي نعم.
طالب: الخلاق من أسماء الله.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: والخالق؟
الشيخ: والخالق من أسماء الله، مثل: الغفور، وغافر الذنب، والغفار.
الطالب: (...) من يقول: سبحان من أمره بين الكاف والنون؟
الشيخ: ما هو بصحيح هذا، من أمره بعد الكاف والنون، (كنْ)، هو يكون بعد الكاف والنون ولا بينهن؟ بعد الكاف والنون؛ يعني أمرٌ هنا بمعنى مأمور، فإن كان الأمر الذي هو فعله -يعني أمره- فهو قبل الكاف والنون، وإن كان الأمر الذي هو مأموره فهو بعد الكاف والنون.
الطالب: جائز؟
الشيخ: لا، ما هو جائز، جائز وهو ما هو بصحيح؟
الطالب: بعد؟
الشيخ: إي، بعد، أو تقول: أما أمره بالكاف والنون، أو لا تقول هذه كلها..

***

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (٦٩) الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢) ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ (٧٤) ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (٧٥) ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٦) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ [غافر: ٦٩ - ٧٧].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، نبتدئ دراستنا في حلقات الصيف لهذا العام ١٤١٦، في هذا اليوم السبت العاشر من شهر صفر من هذا العام، ونسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياكم للعلم النافع والعمل الصالح.
وإني أقول لكم: إن العلم يحتاج إلى مكابدة وإلى مصابرة وإلى دأبٍ، وكلما عوَّد الإنسان نفسه على ذلك اعتاده وصار أمرًا سهلًا عليه، أما إذا ركن إلى الكسل والدعة والسكون فإنه يصعب عليه جدًّا أن يكون مجتهدًا؛ لأن النفس وما تعودت، والإنسان في طلب العلم كالمجاهد في سبيل الله في إعداد العدة؛ لأن الله تعالى جعل الجهاد في سبيل الله والعلم عديلين، حيث قال تعالى: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً؛ يعني: لا يمكن أن يخرجوا جميعًا في الجهاد، فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ؛ يعني: وقعدت طائفة، لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [التوبة: ١٢٢] لِيَتَفَقَّهُواالفاعل هم الفرقة الباقية، لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ.
بل قال بعض العلماء: إن طلب العلم أوكد من الجهاد في سبيل الله؛ لأن طلب العلم ينبني عليه الجهاد، والعلم لا ينبني على الجهاد، بل إن المجاهد لا يمكن أن يجاهد على الوجه الصحيح إلا بطلب العلم، فلهذا كان أوكد.
إذن فبقاء الإنسان يُطالع ويراجع ويذاكر ويحفظ في العلم الشرعي هو كالمجاهد في سبيل الله سواء بسواء.
ولو سئلنا: أيهما أفضل الجهاد في سبيل الله أو طلب العلم؟ قلنا: لا يمكن أن نفضِّل أحدهما على الآخر على الإطلاق، فمن الناس من نقول له: طلب العلم في حقك أفضل. ومن الناس من نقول: الجهاد في حقك أفضل، ولهذا تجدون أجوبة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في التفاضل بين الأعمال أنه يخاطب كل إنسان بما تقتضيه حاله.
وبهذا ينفك الإشكال الذي يرد على النفس، حيث يقول الرسول عليه الصلاة والسلام في بعض الأحاديث: أفضل الأعمال كذا وكذا، وفي بعضها: أفضل الأعمال كذا وكذا، فيقال: إن هذا الاختلاف هو على حسب حال المخاطَب.
نقول: بعض الناس طلب العلم أفضل في حقه، وبعض الناس الجهاد في حقه أفضل، فمن كان وعاءً للعلم حفاظًا فاهمًا مُكابدًا للعلم، فهذا طلب العلم في حقه أفضل؛ لأنه ينتج أكثر.