الإخبار بما أصاب الإنسانَ من مصيبةٍ دون التشكِّي، أيجوز هذا أو لا؟
يجوز
هذا؛ وقع هذا من النبي عليه الصلاة والسلام حيث قال: «بَلْ
أَنَا وَا رَأْسَاهْ» . ولا حرج، يعني
هناك فرقٌ بين شخصٍ يتكلم بما أصابه تسخُّطًا أو شكايةً لمخلوقٍ وبين شخصٍ يخبر
عمَّا أصابه فقط مجرَّد خبر، والأعمال بالنيات.
الثاني: حَبْس الجوارحِ عند
المصيبة عن فعل ما لا يجوز وما يُنبئ عن الغضب؛ مثل شقِّ الجيوب، لطْم الخدود، نتف
الشعور، وما أشبه ذلك، هذا أيضًا منافٍ للصبر، ولهذا تبرَّأ النبيُّ صلى الله عليه
وسلم من فاعله فقال: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ شَقَّ الْجُيُوبَ،
وَلَطَمَ الْخُدُودَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ» .
الثالث:
وهو حَبْس القلبِ عن كراهة ما قدَّر الله عز وجل، وهذا أَعْظمُها وأدَقُّها، قد يرى
الإنسانُ الضعيفُ المخلوقُ المملوكُ المدبَّرُ، قد يرى أنَّ ربَّه ظَلَمه -والعياذ
بالله- دون أن يتكلم ودون أن يفعل، لكن قلبه مملوءٌ على الله من السخط ورؤية أنَّ
الله تعالى ظَلَمه أو ما أشبه ذلك، هذا يجب أيضًا أن يتخلَّى القلب عنه، وهذا أخطر
ما يكون بالنسبة للصبر على الأقدار.
اتلُ قولَ الله عز وجل: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ، حَرْفٍيعني طرف، ما هي عبادة راسخة فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الحج: ١١]، وهذا يشمل فتنةَ المصائب وفتنةَ الشبهات.
مِن
الناس مَن يؤمن بالله واليوم الآخِر لكنَّه على طرف، إنْ أصابه خيرٌ ولا ناقشه أحدٌ
ولا جادله أحدٌ ما شكَّ، وإنْ جاء أحدٌ يشكِّكه في هذا الأمر شكَّ فانقلبَ على
وجهه، خَسِر الدنيا والآخرة.
مِن الناس أيضًا مَن يكون في نعمةٍ؛ قد أنعمَ الله
عليه بالأموال والأولاد وما يحتاج إليه من الدنيا أو يُكملها، فأُصِيب بحادثٍ فقدَ
أهلَه به كلَّهم.
مِن الناس مَن إذا كان يعبد الله على حرفٍ يسخط على الله،
ويكره قضاءَ الله كراهةَ سخطٍ، ما هو بكراهة أنه يتمنَّى أنه لم يُصِبه، لا،
يتسخَّط على ربِّه، وهذا من جهل الإنسان، أنت ملْكٌ لمن؟ ملْكٌ لله عز وجل، هذا
الربُّ الكريمُ الذي إذا أصابك بسرَّاء فشكرتَ أثابك، وإنْ أصابك بضرَّاء فصبرتَ
أثابك، كيف تسخط على هذا الربِّ الكريمِ وأنت ملْكه وعبْده يتصرَّف فيك بما شاء وله
الحكمة فيما فعل! وظيفتُك الصبر عند البلاء، والشكر عند الرخاء.
فالمهمُّ أنَّ
الصبر الآن تبيَّن أنه كم؟ ثلاثة أقسام:
الأول أعلاها وأتَمُّها، وهو الصبر على
طاعة الله.
الثاني: الصبر عن معصية الله.
والثالث: الصبر على أقدار الله.
وأفضلُها الأول ثم الثاني ثم الثالث.
يوسف عليه الصلاة والسلام أُصِيبَ
ببلاءٍ في خُلُقه وبلاءٍ في جسده، صبر على هذا وهذا، دعتْه امرأةُ العزيز في مكانٍ
مغلقٍ، وهي امرأة العزيز، عندها من الحلي والزينة وربما الجمال ما ليس عند غيرها،
وهو فتاها أيضًا، ما هو أكبر منها شرفًا عندها، دعتْه إلى نفسها في مكانٍ خالٍ،
وهمَّ أن يفعل؛ لأنَّ النفس البشرية قد يغيب عنها ملاحظةُ أمرِ الربوبية، فهمَّ
بها، لكنْ هي السابقة؛ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا [يوسف: ٢٤]، لكن بعد أن همَّ رأى برهانَ الله عز وجل، أراه الله البرهانَ؛ الآية،
كأنَّها رؤيا عينٍ فامتنع، وقال: رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ [يوسف: ٣٣]، هذا صبرٌ عن أيش؟
الطلبة: عن المعصية.
الشيخ: عن المعصية، وصبرٌ عظيمٌ؛ فتًى شابٌّ مع سيدته الجميلة في
مكانٍ لا يطَّلع عليه أحدٌ ومع هذا كفَّ عنها، وأُوذِيَ في جسده؛ حُبِس، سُجِن،
لَبِث في السجن بضع سنين، ومع ذلك صَبَر، حتى إنَّ الملِك لَمَّا قال: ائتوني به،
أبَى أن يخرج حتى تُسأل النسوةُ ماذا حصل ليتبيَّن أيش؟ براءتُه قبل أن يخرج، وهذا
-لا شكَّ- صبرٌ عظيمٌ، لكن أيُّ الصبرينِ أعظم؟
طالب:
الأول.
الشيخ: الأول؛ الصبرُ عن المعصية؛ لأن السجن
حاصلٌ حاصلٌ صَبَر أو ما صَبَر، وليس باختياره.
قول الله تعالى لرسوله عليه
الصلاة والسلام: فَاصْبِرْ [غافر: ٧٧] يتضمَّن أيَّ
الأقسام؟
طلبة: كلها.
الشيخ: كل الأقسام، ولهذا كان نبيُّنا صلى الله عليه وسلم أصبرَ
الناسِ في أحكام الله وأصبرَ الناسِ على أحكام الله.
وقوله: إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ [غافر: ٧٧] هذه جملة مؤكدة بأنَّ
وعد الله حق.
ويقول المؤلف رحمه الله تعالى: (إِنَّ وَعْدَ اللَّهِبعذابهم حَقٌّ). وهذا قصور
من المؤلف رحمه الله، بل: إنَّ وعد الله بعذابهم ونَصْرك حقٌّ، بل لو قُلنا بأنَّه
أعمُّ من ذلك أيضًا، لولا أنَّه في سياق المحاجَّة مع الكفار لَقُلنا: أنَّه أعمُّ؛
إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّفي كل شيء؛ في عذاب هؤلاء،
ونصرك، وفي الجنة، وفي كل شيء.
وقوله: حَقٌّأي أمرٌ
ثابتٌ واقِعٌ، فكلُّ ما وعد الله به فهو حقٌّ ثابتٌ واقعٌ لكمال صِدقه وكمال قدرته.
لماذا قُلنا هذا؟ لأنَّ إخلافَ الوعدِ يأتي من أحد أمرين: إما كَذِب الواعد، وإما
عَجْزه عن تنفيذ ما وَعَد به. والله عز وجل لا يُخلف الميعادَ لكمال صدقه وكمال
قدرته.
إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ [غافر: ٧٧].
فَإِمَّا نُرِيَنَّكَيقول المؤلف في
إعرابها: (فيه (إن) الشرطية مدغمة، و(ما) زائدة تؤكِّد معنى الشرط أول الفعل،
والنون تؤكِّد آخِره) إلى آخره.
فَإِمَّا نُرِيَنَّكَالفاء هذه عاطفة، و(إنْ) شرطية، و(ما) زائدة للتوكيد، وهي
كزيادتها في قوله تعالى: أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [الإسراء: ١١٠] أَيًّا مَا(ما) زائدة، لو حُذفت وقيل: أيًّا تدعوا، استقام الكلام، لكنْ يؤتى
بحروف الزيادة للتوكيد.
إِمَّا نُرِيَنَّكَلو
حُذفت (ما) وقال: إنْ نُرينَّك، استقام ولَّا لا؟ استقام، لكنَّها تأتي (ما)
للتوكيد.
إِمَّا نُرِيَنَّكَ(نُرِي) فعل مضارع،
لكنَّه بُنِي الفتح؛ على فتح آخِره وهو الياء لاتصاله بنون التوكيد، والنون
للتوكيد، والكاف مفعولٌ به. التوكيد هنا في آخِر الكلام، و(ما) في أوله، فصار هذا
الفعل الذي هو الإراءة مؤكَّدًا بمؤكِّدين، أليس كذلك؟ (ما) الزائدة في أوله، ونون
التوكيد في آخره. والكاف هذه مفعولٌ أول، وبَعْضَمفعولٌ ثانٍ. و(نُري) هنا من باب (كسا) أو من باب (ظنَّ)؟
طالب: من باب (كسا).
الشيخ: من باب
(كسا)؛ لأنَّ الرؤية هنا بصرية، لكن لَمَّا دخلتْ عليها همزة التعدية صارتْ ناصبةً
مفعولين؛ تقول: (فلانٌ رأى النجمَ) كم نصبت؟
الطلبة:
واحدًا.
الشيخ: واحدًا، طيب. (فلانٌ أَرَيتُه النجمَ)؟
الطلبة: مفعولين.
الشيخ:
مفعولين؛ من أجْل دخول الهمزة على (رأى)، هذه مثْلها؛ لأنَّ (نُرِي) رباعي، أصلُها:
أَرَى، يُرِي ونُرِي.
فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْيعني: فأنت تراه، فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ(به من العذاب في حياتك، جوابُ الشرط محذوفٌ؛
أي: فذاك). أين الشرط؟ (جوابُ الشرط).
طالب: (إنْ).
الشيخ: (إنْ) في قوله:
إِمَّا نُرِيَنَّكَ؛ يعني: إنْ أريناك بعضَ الذي
نَعِدُهم فقد رأيتَه بعينك، وأقرَّ الله عينَك به. وهذا هو المطلوب. أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَيعني: قبل أنْ نُرِينَّك، فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَوسنُرِيك بهم. هذا تهديدٌ عظيمٌ.
وقوله: أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَهذه معطوفة على نُرِيَنَّكَ، وهي قسيم قوله: فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ؛ يعني: إمَّا أنْ ترى العذاب قبل موتك، وإمَّا أنْ نتوفَّاك ثم
نعذِّبهم بعد الرجوع إلينا. وهذا أشدُّ؛ فإنَّ عذاب الآخرة أشدُّ وأبقى، ولهذا جاء
في الحديث أنَّ الله سبحانه وتعالى إذا أحبَّ شخصًا عجَّل له بالعقوبة في الدنيا؛
عُوقِب في الدنيا بماله أو بَدَنه أو أهله أو مجتمعه، وإلَّا تَرَكه حتى يُوافي به
يوم القيامة ،
نسأل الله أنْ يقيَنا وإيَّاكم عذابَ الدنيا والآخرة ويرزقنا العافية.
أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ(فنعذِّبهم
أشدَّ العذاب، فالجواب المذكور للمعطوف فقط). أين المعطوف؟
طالب: أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ.
الشيخ: أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَيعني: إذا توفَّيناك فإلينا
يُرجعون.
في هذه الآية الكريمة: وجوب الصبر؛ لأنَّ
الله تعالى أَمَر به في قوله: فَاصْبِرْ، ووجْه كَوْنه
واجبًا لأنَّ الأصل في الأمر الوجوب.
وهذه المسألة اختلف فيها الأصوليون: هل
الأصل في الأمر في كتاب الله وسُنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم الوجوب، أو الأصل
الندب؟
إن قُلنا: الأصل الوجوب، كان هذا المأمور به ملزَمًا به. وإذا قُلنا:
الندبُ، صار الإنسان بالخيار؛ إنْ فَعَله فهو خيرٌ وإنْ تَرَكه فلا شيء عليه. عرفتم
يا جماعة؟ وهذا محلُّ إشكالٍ في الواقع، عند التطبيق محلُّ إشكال، وعند (...) أيضًا
فيه نظر. انتبهوا، وهذه مسألة من أصول الفقه نبحثها؛ لأننا -كما قلتُ لكم من قبل-
لدينا ضيوف قد لا يمر بهم هذا البحث.
أقول: الأصوليون اختلفوا في الأمر هل هو
للوجوب أو الندب، والمراد الأمر المطْلق المجرَّد عن القرينة، أمَّا ما دلَّت عليه
القرينة فالأمر فيه واضح؛ إنْ دلَّت على الوجوب فهو واجب، وإنْ دلَّت على الاستحباب
فهو المستحبٌّ، وإنْ دلَّت على الإباحة فهو مباح، وإنْ دلَّت على التهديد فهو
للتهديد؛ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ [فصلت: ٤٠] المعنى
الإنسان يعمل ما شاء أو هذا تهديد؟
الطلبة: تهديد.
الشيخ: نعم، فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف: ٢٩].
لكن المراد هنا
الأمر المجرَّد عن كل قرينةٍ هل هو للوجوب أو للاستحباب؟
من العلماء مَن قال:
إنَّه للوجوب، ولهم أدلَّة.
ومنهم مَن قال: إنه للاستحباب، ولهم أدلَّة.
القائلون بالوجوب يستدلُّون بمثل قوله تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور: ٦٣]، قالوا: هذا يدلُّ على الوعيد فيمن خالف أمْر
الله عز وجل، فيدلُّ إذَن على أنَّ الأمر للوجوب.
وقالوا أيضًا: إنَّ الرسول
عليه الصلاة والسلام قال: «مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَأْتُوا
مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَمَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ» .
وهذا أيضًا يدلُّ على الوجوب؛ لأنه قال: «ائتُوا مَا
اسْتَطَعْتُمْ» ومثل هذا التعبير إنما يكون في الواجب «وَمَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ»، ولأنَّه يَقْبح
عادةً أن يقول السيد لعبده: افعل كذا، ثم يخالفه. فتكون مخالفة الأمر قبيحة،
والقبيح منهيٌّ عنه مكروه.
أمَّا القائلون بأنَّ الأصل في الأمر الاستحباب
فيقولون: إنَّ كَوْنه مأمورًا به يدلُّ على فِعله، والأصل براءة الذِّمَّة، فلا
نُؤَثِّم الإنسانَ إذا ترك ما أُمِر به إلا بدليل؛ لأن الأصل براءة الذِّمَّة،
ولأنَّنا وجدْنا مسائلَ كثيرةً وأدلَّةً كثيرة فيها الأمر أجمع العلماء على أنَّه
للاستحباب، وهذا يوهن القولَ بأنَّ الأمر للوجوب.
توسَّط قومٌ فقالوا: إذا كان
الأمر في عبادةٍ فهو للوجوب، وإذا كان في آداب فهو للاستحباب. وهذا أقربُ من
الإطلاق بأنَّه للوجوب أو الإطلاق بأنَّه للاستحباب؛ يعني هذا التفصيل هو أقربُ ما
يكون، ومع هذا فليس بمنضبط، بل قد تأتي أوامر في الآداب وهي واجبة.
فعلى كل حالٍ
نقول: أقربُ ما يقال في هذه المسألة أنَّ الأصل في الأوامر في التعبُّد أيش؟
الوجوبُ؛ لأنَّنا خُلِقْنا للعبادة وأُمِرنا بها فنتعبَّد، والأصل في الأوامر في
غير العبادة -كالآداب مثلًا- هذا للاستحباب. ومِثْل ذلك يقال في النهي هل هو
للتحريم أو للكراهة.
ومن فوائد الآية الكريمة:
إثبات وقوع وَعْد الله عز وجل، وأنَّه حقٌّ ولا بدَّ أن يقع؛ لقوله: إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ، وهذه جملة مؤكَّدة بأيش؟ الجملة
هنا مؤكَّدة بـ(إِنَّ) تدلُّ على أنَّ وَعْد الله لا بدَّ أن يقع.
طيب، هل
وعيده كذلك؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم، حتى وعيده حقٌّ ولا بدَّ أن يقع، إلَّا أن يَمُنَّ
الله عز وجل بالعفو، وإلَّا فالأصل أنَّ وعيده واقع. أفهمتم الآن؟ لا يقال كما قال
بعض الناس: الوعيد ليس بواقع وليس بحقٍّ وأمَّا الوعد فهو حقٌّ. نقول: كلُّه حقٌّ،
لكن الوعيد قد يعفو الله سبحانه وتعالى عنه، والعفو كرم.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات كلام الله؛ أنَّ الله
يتكلَّم. من أين تؤخذ؟
طالب: من قوله: وَعْدَ اللَّهِ.
الشيخ: وَعْدَ اللَّهِ؛ لأنَّ الوعد يكون بالقول، ولا شكَّ أنَّ الله
تعالى يتكلم، وأنَّه لا نفاد لكلماته؛ قال الله تبارك وتعالى: قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي [الكهف: ١٠٩]، الْبَحْرُاسم جنس يعمُّ كلَّ البحار. لَنَفِد البحر قبل أن
تنفد كلماتُ الله، سبحان الله! لو كان حبرًا يُكتَب به البحارُ كلُّها لنفدتْ قبل
أن تنفد كلمات الله؛ وقال تعالى: وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌيعني: لو أنَّ الذي في الأرض من الشجر كان أقلامًا
وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍيعني: وكُتِب بالأقلام بمداد البحر، ويش قال؟ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ [لقمان: ٢٧]، وهذا يدلُّ على عظمة الربِّ عز وجل؛ لأنه
مدبِّر الكون، وإذا أراد أمرًا فإنما يقول له: (كُنْ) فيكون، ولا منتهى لإرادة
الله.
طيب، وهل قول الله عز وجل قولٌ مسموعٌ؛ يعني بصوت أو بلا صوت؟
الطلبة: بصوت.
الشيخ: بصوت؛ قول الله
تعالى بصوت؛ لأنَّ الله تعالى قال: وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا [مريم: ٥٢]، ولا نداء
ومناجاة إلا بصوت.
وورد الصوتُ صريحًا فيما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم
أنَّ الله تعالى يقول: «يَا آدَمُ» -يوم القيامة- «فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ. فَيُنَادِي بِصَوْتٍ: إِنَّ
اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُخْرِجَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّار. قَالَ:
يَا رَبِّ وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟...» إلى
آخره، هذا صريحٌ بأنَّ الله يتكلم بصوت.
وهنا في هذه المسألة مذاهب، نذكر منها
المذاهب المشهورة الثلاثة:
-أنَّه يتكلم بصوتٍ مسموعٍ وحرفٍ غير مخلوق؛ لأنه
كلامه، وهذا مذهب السلف وأئمَّة الخلَف؛ أنَّ الله يتكلم بصوتٍ مسموعٍ، ويش بعد؟
وحرفٍ غير مخلوق، فكلامه عز وجل هو اللفظ والمعنى.
-والقول الثاني: أنَّ الله
تعالى يتكلَّم بصوتٍ مسموعٍ وحرفٍ مخلوقٍ، والكلام كلامه، وهذا مذهب الجهمية الذين
يقولون: إنَّ القرآن كلام الله لكنَّه مخلوق، لأن كلَّ كلام الله عندهم مخلوقٌ.
-والثالث: مَن يقولون: إنَّه لا يتكلم بصوتٍ ولا بحرفٍ مخلوق، إنما كلامه هو
المعنى القائم بنفسه، لكن يخلق شيئًا يعبِّر عن هذا الذي في نفسه، فيُسمع هذا
المخلوق ويُضاف إلى الله عز وجل إضافةَ تكريمٍ وتشريفٍ، وهذا مذهب الأشاعرة الذين
هم أهل الكلام، والذين يقولون: إنهم هم الذين دافعوا المعتزلةَ عن الباطل، وهم
الذين انتصروا للإسلام. وهُم في الحقيقة لا للإسلام انتصروا ولا لحرب الإسلام
كسروا، بل قد نقول: قولُهم في الكلام شرٌّ من قول الجهمية، كيف ذلك؟ لأنهم اتفقوا
على أنَّ ما يُسمع من كلام الله مخلوقٌ وعلى أنَّ القرآن مخلوقٌ، لكن الجهمية
يقولون: مخلوقٌ وهو كلام الله. وهؤلاء يقولون: مخلوقٌ وليس كلامَ الله بل هو عبارةٌ
عنه. طيب، وين كلام الله؟ قالوا: المعنى القائم بنفسه.
والحقيقة أنَّ المعنى
القائم بالنفس ليس كلامًا، وإنما هو عِلْمٌ؛ عَلِم بما سيخلق من كلام، فيقولون: هذا
هو كلامه. والعجيب أنهم استدلُّوا بآية وشعر؛ نظْم:
أمَّا الآية فقالوا: إنَّ
الله تعالى يقول: وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ [المجادلة: ٨]، فأثبت القولَ
النفسيَّ.
أمَّا الشعر فقالوا: إنَّ الشاعر قال:
| إِنَّ الْكَــلَامَ لَفِي الْفُـــــؤَادِ وَإِنَّمَا | جُعِلَ اللِّسَانُ عَلَى الْفُؤَادِ دَلِيلَا |
الفؤاد يعني القلب.
فنقول لهم: أمَّا الآية فلا دلالة فيها لكم، بل هي على رؤوسكم؛ لأنَّ الله تعالى لم يُطْلق القولَ، بل قيَّده فقال: وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ، وهذا كقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا» ، وحديث النفس لا يمكن أنْ يقال: إنه حديثٌ، ولا أنْ يقال: إنه قولٌ، إلَّا بقَيْد، ولهذا لو حُذِفتْ فِي أَنْفُسِهِمْوقيل: ويقولون لولا يعذِّبنا الله، فماذا يُفهم منه؟ كلام باللسان. لكنْ هم بأنفسهم يقدِّرون؛ يقول الواحد منهم: لولا يعذِّبنا الله بما نقول، إذَن ما نقوله حقٌّ؛ لأنَّ الله لم يعذِّبنا. هذا يقدِّره الإنسان في نفسه.
أمَّا الشعر: (إنَّ الكلامَ لَفِي الفؤاد ...) فهو قول الأخطل الشاعر النصراني، قاله بعد تغيُّر الألسُن، وعلى فرض أنَّه موافقٌ فإنَّه يجب أن يُحمل على أنَّ المعنى: إنَّ الكلام المعتبَر هو ما يقدَّر أولًا في الفؤاد ثم ينطِق به اللسان. ولهذا يُعتبر الكلام الذي يسبق على اللسان لا يُعتبر كلامًا ولا يُؤاخَذ به، فالكلام الحقيقي الرَّصين المعتبَر هو الذي يكون أولًا في القلب ثم يُعبَّر عنه باللسان، هذا معنى البيت الذي لا يحتمل غيره.
إذنْ نُبقي بعض الفوائد إن شاء الله إلى الدرس القادم.
***
الشيخ: هناك فرقٌ بين كراهة المقدور وكراهة التقدير؛ كراهة المقدور من طبيعة الإنسان، كلٌّ يَكره أن يُصاب بأذى، لكن كراهة التقدير هذا هو المراد؛ أنْ تَكره تقديرَ الله من حيث هو فِعْل الله، فيولِّد لك ذلك أنَّك ربما تُبغض الله عز وجل -أعوذ بالله- ربما تُبغض الله؛ تقول: ويش هذا الرب؟! كيف يقدِّر عليَّ هذا التقدير؟! أمَّا كراهة المقدور فلا بدَّ منها، كلُّ إنسانٍ يُصاب بما لا يلائم طَبْعه سوف يَكره هذا الشيء.
الطالب: يا شيخ، الكراهة هذه تقع في القلب مع كراهة الإنسان ظاهرًا لها، ويُدافعها لكنْ يجدها في قلبه.
الشيخ: لا ما أظن، لا تفكِّر إنسان مؤمن بيَكْره ما قدَّر الله من حيث هو تقديرٌ لله، أبدًا، لأنه ويش يكره؟ ما هو أنت مملوك لله؟! كيف تكره هذا الشيء؟! هل لستَ أنت تذبح بعيرك لتأكله؟! والبعير يكره هذا الشيء، لكنه ملكك، فالله عز وجل احذرْ أن تكره تقديره من حيث هو تقدير، أمَّا من حيث هو مقدور فهذا شيءٌ -كما قلت- شيءٌ لا بدَّ منه.
طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، هل ما أراه الله سبحانه وتعالى للنبي صلى الله عليه وسلم من النصر في غزوة بدر وغيرها يُعتبر أنه أراه قبل وفاته؛ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ؟
الشيخ: إي نعم، أراه قبل وفاته أشياء كثيرة، لكن الله عز وجل سلَّى رسوله؛ قال: لا بدَّ أن يقع بهم ما وعدناهم.
الطالب: أحسن الله إليكم، هل يصح أن يقال: إن الله سبحانه وتعالى قبل أن يخلق العالم ما كان يتكلم لأنه لم يوجَد المخاطَب. هل يصح هذا؟
الشيخ: لا يجوز أن نقول هكذا، نقول: إنَّ الله تعالى لم يَزَلْ ولا يزال متكلِّما. وهل يلزم أن يتكلم بمخاطبة مخلوق؟ لا، قد يتكلم بما يُثني به على نفسه؛ مثل أن يقول: أنا الله الواحد الأحد، وما أشبه ذلك؛ كما يقول عز وجل يوم القيامة: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ [غافر: ١٦] ما يجيبه أحد، فيقول: لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [غافر: ١٦].
الطالب: طيب، هل يُتوقَّف، أو يقال: يتكلم بهذا؟
الشيخ: ما نقول شيئًا. نقول: الكلام صفة كمالٍ، والله تعالى موصوفٌ بالكمال أزلًا وأبدًا .. الكلام صفة كمالٍ، وإذا كان كذلك فإنَّ الله لم يَزَل موصوفًا به، ولا يَلزم من هذا أن يكون هناك مخاطَب، وكذلك الأفعال؛ فالذين -مثلًا- أثاروا مسألة التسلسل وما أشبه ذلك هُم بعيدون عن النصوص في الواقع، وإلا لو علموا أنَّ الله تعالى لم يَزَل ولا يزال فعَّالًا وأنَّه لم يكن في وقتٍ من الأوقات معطَّلًا عن الفعل، ولا يَلزم من الفعلِ المفعولُ، أليس كذلك؟ حتى فينا لا يَلزم من فِعْلنا أن يكون هناك مفعول، قد يتحرَّك الإنسانُ ولا يُنتج شيئًا، لكن الفعل .. يُقال: لا يمكن أن يمرَّ على الله تعالى زمانٌ من الأزمنة وهو معطَّل عن الفعل؛ لأنه إمّا أن يقال: تعطُّله هذا عن عَجْز، أو: عن غير عَجْز، فإنْ قلنا: عن عَجْز فهذا بَلِيَّة، وإن قلنا: عن غير عجزٍ، نقول: ما الذي يمنعه. إذَنْ فالتسلسل ليس بممنوعٍ في الماضي، كما أنه ليس ممنوعًا في المستقبل، مع أني أنا أكره أن يتكلم الناسُ في هذا لأنه كلامٌ لا فائدة منه، ولم يكن السلف يقولون به، لكن جاؤونا أهلُ الكلام وأدخلونا في هذه المعمعة وصار ما كان.
طالب: شيخ، ما هو الفرق بين العبارتين إذا أصاب الإنسان شيء مكروه يقول: قَدَّرَ الله وما شاء فَعَل، وبعضهم يقول: قَدَرُ الله وما شاء فَعَل؟
الشيخ: يجوز هذا وهذا؛ (قَدَّرَ اللهُ) هذا فعل ماضٍ، و(قَدَرُ اللهِ) خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: هذا قَدَرُ اللهِ.
***
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ.
فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ [غافر: ٧٧].
من فوائد الآية الكريمة: أنَّ وعْد الله حقٌّ ثابتٌ لا بدَّ أن يقع، وهو كذلك، وقد صرَّح الله بذلك في قوله: إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ [آل عمران: ٩].
ومن فوائد الآية الكريمة: تهديد هؤلاء المكذِّبين للرسول عليه الصلاة والسلام بأحد أمرين: إمَّا بعقوبةٍ عاجلةٍ قبل أن يُتوفَّى، وإمَّا بعقوبةٍ آجلةٍ في يوم القيامة؛ لقوله: فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ [غافر: ٧٧].
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ مَرجِع الأمور كلها إلى الله، وليستْ باختيار أحدٍ، فهو الذي يقدِّر ما شاء سواءٌ في الدنيا أو في الآخرة؛ لقوله: فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ.
ومنها: أنَّ عذاب العدوِّ يشفي غليل عدوِّه؛ لقوله: فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ؛ فإنَّ الإنسان إذا رأى عذاب الله تعالى لعدوِّه فلا شك أنه يشفي غليله.
ومن فوائدها: أنَّه لا بأس أن نفرح إذا أصاب الله عدوَّنا بمصيبة؛ لأنَّ الظاهر أن قوله تعالى: فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْلأجْل أن تقرَّ عينُه بذلك، فإذا أُصِيبَ أعداؤنا بخسْفٍ أو صواعق أو فيضانات أو ما أشبهَ ذلك وفَرِحْنا بهذا فلا لوم علينا؛ لأنهم أعداؤنا يفرحون بما يصيبنا، فالجزاء من جنس العمل.
ومنها: إثبات رجوع الخلْق إلى الله؛ لقوله: فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ، وهذا عامٌّ في كل شيء؛ في الأحوال والأوقات وفي كل شيء، المرجع إلى الله وحده.
***
ثم قال عز وجل: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ [غافر: ٧٨] إلى آخره.
الجملة هذه مؤكَّدة بثلاثة مؤكِّدات: اللام، و(قد)، والقَسَم المحذوف. والتقدير: واللهِ لقد أرسلْنا رُسُلًا من قبلك.
والرسول هو بَشَرٌ يوحى إليه بشرعٍ ويُؤمر بتبليغه، ولهذا سُمِّي رسولًا؛ أي: مدفوعًا من قِبَل الله عز وجل ليبلِّغ، وأمَّا النبيُّ فإنَّه بَشَرٌ أُوحِيَ إليه بشرعٍ ولكن لم يُكلَّف بتبليغه؛ بمعنى أنَّه يجدِّد شَرْع مَن قبله إنْ كان قبله رسولٌ حتى يُحْيي هِمَمَ الناسِ فيقتدوا به، وإذا لم يحتج الناسُ إلى رسولٍ لم يُرسَل إليهم أحد؛ فإنَّ آدم عليه الصلاة والسلام كان نبيًّا ولم يكن رسولًا، هو نبيٌّ يتعبَّد لله تعالى بما أوحاه الله إليه، ولكن لم يُرسَل لأنَّ الناس لم يختلفوا بعد؛ كما قال الله تعالى: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ [البقرة: ٢١٣]، فالرُّسُل إنما أُرسلوا بعد الاختلاف، ولهذا قال بعض أهل العلم: إنَّ تقدير الآية الكريمة: كان الناسُ أُمَّةً واحدةً فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشِّرين. وقال: إنَّ في الآية إيجاز حذْفٍ؛ أي: حُذِفَ منها ما دلَّ السياقُ على حَذْفه. على كل حالٍ الرسولُ مَن؟ بَشَرٌ أُوحِيَ إليه بشرعٍ وأُمِرَ بتبليغه، هذا الرسول.
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَوهؤلاء الرُّسُل كانوا يُرسَلون إلى أُمَمِهم فقط كما ثبت ذلك في الصحيحين من حديث جابر: «وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً» ، وما من أُمَّةٍ إلا خلا فيها نذيرٌ كما قال الله عز وجل، كل أُمَّةٍ أرسل الله إليها رسولًا لتقوم الحجَّة.
مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ(مِن) هذه تبعيضيَّة؛ أي: بعضهم قصصناهم عليك وأخبرناك بهم، وبعضهم لم نقصصهم عليك.
قال أهل العلم: وإنما قصَّ الله على رسوله صلى الله عليه وسلم مَن كانوا من الجزيرة العربية وما حولها؛ لأن أخبار هؤلاء له بقيَّةٌ في العرب، فلهذا قصَّه الله، أمَّا مَن كانوا في أمريكا أو في شرق آسيا أو ما أشبهَ ذلك من الأماكن البعيدة فهؤلاء لم يُقَصَّ علينا من نبئهم شيء.
(مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَرُوي أنَّه تعالى بَعَثَ ثمانيةَ آلاف نبيٍّ؛ أربعة آلافٍ من بني إسرائيل وأربعة آلافٍ من سائر الناس). وجديرٌ بالمؤلف رحمه الله أن يقول: (رُوي) بصيغة التمريض؛ لأنَّ هذا لا يصح؛ كيف يكون من بني إسرائيل -وهم متأخرون عن أُمَمٍ كثيرة- أربعة آلاف، ومن سائر الناس أربعة آلاف؟! هذا بعيد، بل إنَّ الله أرسل في كل وقتٍ وحينٍ ما تقوم به الحجة.
وهل لنا أن نبحث عن عدد هؤلاء؟ لا، وإن قلنا: لنا، فإنَّه ليس علينا؛ يعني لو قيل لنا أن نبحث للاطِّلاع لم يكنْ سائغًا أن نقول: علينا أن نبحث، بل نقول: آمَنَّا بالله وبرُسُله مَن عَلِمنا منهم ومَن لم نعلم.
قال: (وَمَا كَانَ لِرَسُولٍمنهم أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [غافر: ٧٨] لأنهم عبيدٌ مربوبون).
قوله: وَمَا كَانَ، مانافية، وكَانَفعلٌ ماضٍ ناقص، ولِرَسُولٍخبره، وأَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍاسم كان؛ أي: وما كان إتيانُ أحدِهم بآيةٍ إلا بإذن الله.
وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِيعني أنَّ الرُّسُل عليهم الصلاة والسلام آتاهم الله آيات، لكنْ هل هُم الذين يملكون هذا؟ لا، هذا من عند الله، ولكنَّ الله تعالى بيَّن أنه ما من رسولٍ إلا وأُوتِيَ آية؛ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ [الحديد: ٢٥] يعني بالآيات البيِّنات، حتى يؤمن البشر، وحتى لا يكون لهم حُجَّة عند الله؛ لأنَّ الله لو بعث رسولًا هكذا إلى الناس وقال: إنِّي رسول الله، ولم يأتِ بآية، فإن الناس لن يقبلوا منه، وإلا لَأمْكنَ لكل كاذبٍ أن يدَّعي الرسالة، لكن لا بدَّ من آيات بيِّنات -يعني واضحة- على أنَّه رسول، ومع هذا لا يمكن لرسولٍ أن يأتي بآية إلا بإذن الله.
وقوله: إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِالإذن الكوني، إذا أَذِنَ الله كونًا أن يأتي الرسول بآية أتى بآية، والرسول قد يأتي بآيةٍ ابتداءً، وقد يأتي بآيةٍ بطلبٍ من المرسَل إليهم؛ كما قد جاء في الحديث الصحيح أنَّ قريشًا قالوا للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: أَرِنا آيةً، فأشار إلى القمر فانفلقَ فلقتين إحداهما على الصفا والثانية على المروة، وشاهد الناسُ ذلك ، ولكن مع ذلك: إِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ [القمر: ٢]، قالوا: إنَّ محمدًا سَحَرنا والقمر لم يتصدَّع، ولكن لَمَّا لم يُعَيِّنوا الآية التي طلبوها لم يُؤاخَذوا بالعقاب؛ لأنَّ الأُمَم إذا عَيَّنوا الآية التي طلبوها ثم لم يؤمنوا عاجَلَهم الله بالعقوبة.
وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ(آية) أي: علامة على صِدْقه إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ. وهنا قال: (آية)، ولم يقل: بمعجزة، وقد جرى على ألسنة كثيرٍ من العلماء رحمهم الله تسمية آيات الأنبياء بالمعجزات، ولكن هذه التسمية غير سديدة، بل الأَوْلى أن نعبِّر بأيش؟
الطلبة: بآية.
الشيخ: بآية، نقول: آية النبي، ولا نقول: معجزة.
أولًا: لأنَّ هذا هو التعبير القرآني.
وثانيًا: لأنَّ المعجزة تأتي من الرسول، وتأتي من الساحر، وتأتي من الشياطين، يأتي من هؤلاء ما يعجز عنه البشر، فالتعبير السليم أن نعبِّر بـ(آية).
أولًا: لموافقة القرآن.
والثاني: لأن المعجزة تكون من الرسول وغيره.
والثالث: أنَّ كلمة (آية) فيها إشارة إلى أن ما جاء به هذا الرسول مما يُعجِز البشر أيش؟ آية، علامة.
فهذه ثلاثة أشياء تبيِّن رُجحان التعبير بـ(آية) على التعبير بـ(معجزة).
التعبير بـ(الآية) خيرٌ من التعبير بـ(المعجزة) من كمْ وجه؟ من ثلاثة أوجه:
أولًا: أنَّ القرآن جاء بتعبير (آية) دون (معجزة).
ثانيًا: أنَّ المعجزة تكون من غير النبي، تكون من الساحر والمشعوذ والشياطين.
ثالثًَا: أنَّه ليس المقصود مجرَّد الإعجاز، المقصود أن تكون علامةً على صدق النبي.
قال الله عز وجل: (فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِبنزول العذاب على الكفَّار قُضِيَبين الرُّسُل ومكذِّبيها بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ [غافر: ٧٨] أي: ظَهَر القضاءُ والخسرانُ للناس، وهم خاسرون في كلِّ وقتٍ قبل ذلك).
إِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِأمْر الله تعالى الكوني؛ لأنَّ أمر الله ينقسم إلى قسمين: كوني وشرعي، كما سنذكر إن شاء الله.
فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِبماذا؟ بنزول العذاب على الكافرين، ونزول النصر للرُّسُل وأتباعهم.
قُضِيَ بِالْحَقِّوالقاضي هو الله عز وجل، وحُذِف الفاعلُ هنا للعلم به؛ لأن الله تعالى هو الذي يقضي بالحق؛ كما قال تعالى: وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ [غافر: ٢٠]، ويُحذَف الفاعلُ أحيانًا للعلم به كما في قوله: وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا [النساء: ٢٨] وكما في هذه الآية. وقد يُقال: إنَّه حُذِف الفاعلُ هنا للتعميم؛ ليكون القاضي هو الله، وكذلك القاضي بالحقِّ هم الرُّسُل وأتباعُهم؛ لأنهم قضوا بالحقِّ بالانتصار على عدوِّهم، لكن الأوَّل أَوْلى؛ أنْ يكون الفاعلُ واحدًا ولكن حُذِف للعلم به.
قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ [غافر: ٧٨] هنا خَسِرَالخُسران: فوات الربح، و(هُنَا) اسم إشارة للمكان، والمراد به الزمان، ولهذا قال المؤلف: (في كل وقت)؛ المعنى: خَسِر في ذلك الوقتِ المبطلون.
فإذا قال قائل: ألستم تقولون: إن (هُنَا) إشارةٌ للمكان؟
قلنا: بلى، لكن قد تُستعار إشارةً للزمان.
واللام في قوله: هُنَالِكَللبُعد، والكاف حرف خطاب.
الْمُبْطِلُونَأي: الذين وقعوا في الباطل؛ لأن القضاء بالحق يقتضي زوالَ الباطل، وإذا زال الباطلُ خَسِر أهلُه.
والباطل ضدُّ الحق، ويُفَسَّر في كل موضعٍ بحسبه؛ فالباطل في الكلام الخبري ما هو؟ الكذب، والباطل في الحُكْم أيش؟ الجور، والباطل في المعاملة: الغِشُّ وما أشبه ذلك، المهمُّ أنَّ الباطل يُفسَّر في كل موضعٍ بحسبه.
وقول المؤلف: (وهُم خاسرون في كلِّ وقتٍ) احترازٌ من الإشارة في قوله: هُنَالِكَ؛ لئلَّا يظنَّ الظانُّ أنهم خاسرون حين نزول العذاب فقط، مع أنهم خاسرون كلَّ وقت.
وقد يقال: لا حاجة إلى ذلك، يعني لا حاجة إلى ما قال المؤلف؛ لأن المقصود وَخَسِرَ هُنَالِكَأي: ظهرتْ خسارتهم وبانت؛ لأنهم قبل أن يُؤتَوا بالعذاب ربما يقول قائل: إنهم ربحوا، كما قال أبو سفيان في يوم أُحُد، قال: يومٌ بيوم بدرٍ، والحربُ سِجَال . فظنَّ أنه ربح في ذلك اليوم.
فالأَوْلى أن تبقى الآيةُ على ظاهرها وألَّا يُستدرك القرآن، فيقال: خَسِرَ هُنَالِكَأي: ظهر خُسرانهم وبانَ، أمَّا خُسرانهم قبل نزول العذاب فهو ليس ببيِّن؛ إذْ قد يقول القائل: إنهم يربحون فيما إذا أدالهم الله تعالى على الإسلام إدالةً غير مستقرَّة. لأنه لا يجوز لنا أن نعتقد بأنَّ الله يُدِيل الكفرَ على الإسلام إدالةً مستقرَّة، بل مَن ظنَّ بالله هذا فقد ظنَّ به ظنَّ السوء، لكن الله يقول: تِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ [آل عمران: ١٤٠].
من فوائد هذه الآية الكريمة:
أولًا: إثبات الرُّسُل السابقين؛ لقوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ.
ومن فوائدها: عدلُ اللهِ عز وجل في عباده؛ حيث لم يعاقبهم إلا بعد إرسال الرُّسُل وتكذيب هؤلاء القوم الذين أُرسِل إليهم.
ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أنه لا رسول بعد محمد؛ لقوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ، ولم يقل: سنُرسل. وهذه الفائدة في الواقع ليست بتلك القوية؛ يعني مأخذها من الآية لولا الواقع ما أخذناه من الآيات؛ لأنَّ الله إنما يتحدَّث عن شيء مضى.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ مِن الرُّسُل مَن قَصَّهم الله على محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومنهم مَن لم يقُصَّه؛ لقوله: مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ الله تعالى يتكلم، يعني: إثبات كلام الله؛ لقوله: مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا، والقَصُّ في الأصل تتبُّع الأثر، وأمَّا في الكلام فهو ذِكْر أخبار مَن سلف، وهذا يدلُّ على أنَّ الله يتكلم عز وجل، وهذا هو ما دلَّ عليه الكتاب والسُّنة وإجماع السلف.
ولكن هل يتكلم بصوتٍ يُسمع أو لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: نعم، يتكلم بصوت يسمع.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات حِكمة الله عز وجل في حديثه عن الأُمَم السابقة؛ حيث قَسَّم مَن قُصَّ علينا نبأُهم ومَن لم يُقَصَّ، وما ذلك إلا لحكمةٍ عظيمةٍ بالغة.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ الرُّسُل عليهم الصلاة والسلام أيَّدَهم الله تعالى بالآيات؛ لقوله: وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ.
ومن فوائدها: أنَّ الرُّسُل لا يملكون إيجادَ الآيات، مهما بلغتْ منزلتُهم فإنهم لا يملكون أن يأتوا بآية واحدة؛ لقوله: وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ.
ومن فوائد الآية الكريمة: تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام؛ فإنَّ الكفَّار يطلبون منه آيات، ولكن الله تعالى يقول: وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ [العنكبوت: ٥٠] يُسلِّي الرسولَ عليه الصلاة والسلام وأنَّ هذا الأمر ليس إليك، بل هو إلى الله، إذا شاء أن يؤتيك آيةً آتاك، وإلَّا فهو الحكيم.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثباتُ الإذْن لله عز وجل، والإذن نوعان: إذنٌ شرعي، وإذنٌ كوني؛ فالإذن الكوني ما يتعلَّق بالمخلوقات وإيجادها وإعدامها وتغييرها وما أشبهَ هذا، والإذن الشرعي ما يتعلَّق بالمشروعات.
فلننظر إلى قوله تعالى: قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ [يونس: ٥٩]. شرعي، ولا يصحُّ أن يكون كونيًّا؛ لأنَّا نعلم أنه إذا فعلوه فقد أذن الله فيه.
وقوله تعالى: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [الشورى: ٢١] شرعي، ذكرنا الشرعي في المثال الأول، كذلك هم؛ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُهنا أي: لم يأذنْ به شرعًا، ولا يجوز أن يكون إذنًا كونيًّا لأنه وقع، فقد أذِنَ الله تعالى فيما شرع هؤلاء إذنًا كونيًّا.
وقال الله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة: ٢٥٥].
طلبة: كوني.
طلبة: شرعي.
طالب: كوني شرعي.
الشيخ: كيف (كوني شرعي)؟
الطالب: يوم القيامة.
الشيخ: ما يخالف، هو يوم القيامة، لكن أين الشرع؟! الشفاعة يُطلَب من الله عز وجل أن يخفِّف العذابَ عن شخصٍ أو ما أشبهَ ذلك أو يرفع درجاته، وهذا إذنٌ كوني لا شك.
ومن فوائد هذه الآية: إثباتُ أفعال الله الاختيارية؛ يعني أنَّ الله تعالى قد يُحدِث من أمْرِه ما شاء؛ لقوله: فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ، وإذا هنا شرطية للماضي أو للمستقبل أو للحاضر؟ أجيبوا.
طلبة: للمستقبل.
الشيخ: للمستقبل، إذَن الأمر لم يأتِ بعد، وهذا يدلُّ على أن الله سبحانه وتعالى مُتَّصف بالأفعال الاختيارية، خلافًا للأشاعرة ونحوهم الذين قالوا: إنَّ الله تعالى لا يوصَف بالأفعال الاختيارية، كيف يوصَف بالأفعال الاختيارية؟!
إذا قلنا: يوصَف، قالوا: هذا يقتضي أحدَ أمرين: إمَّا أن يكون الله حادثًا، وإمَّا أن يكون ناقصًا؛ أمَّا كونه يستلزم أنْ يكون الله حادثًا فلأنَّ الحوادث لا تقوم إلا بحادث، فإذا أثبتُّم أنَّ الحوادث تقوم به لَزِمكم أن يكون الله حادثًا؛ لأنَّ الحوادث لا تقوم إلا بحادث، هذه واحدة. أمَّا النقص فنقول: إذا كان هذا الفعل الذي فعله الآن كمالًا فلماذا لم يَتَّصف به من قبل؟ إذا كان كمالًا فلماذا يحدث بعد أن لم يكن؟ لماذا لم يَتَّصف به من قبل؟ وإنْ لم يكن كمالًا فهو نقصٌ يجب أن يُنَزَّه الله عنه.
أفهمتم؟ وهذا لا شك أنه تلبيس؛ أمَّا الأول فقولهم: إنَّ الحوادث لا تقوم إلا بحادث. نقول: من أين أتاكم هذا؟ أمِن جيوبكم أمْ من آرائكم الفاسدة؟ مَن قال: إنَّ الحوادث لا تقوم إلا بحادث؟! الحوادث منَّا الآن تحدث قبل أن تكون، ونحن سابقون عليها، فكذلك ما يُحدِثه الله عز وجل، يُحدِثه وهو سابقٌ عليه، وسَبْقُه أزلي، فدعواكم هذه باطلة تحتاج إلى أيش؟ إلى دليل، ولا دليل، بل الدليل على نقضها.
وأمَّا قولكم: إنْ كان كمالًا فلماذا لم يَتَّصف به من قبل؟ وإن لم يكن كمالًا فهو نقصٌ فيجب نَفْيه. نقول: هذا أيضًا باطل؛ لأنَّا نقول: إنَّ فِعْل الله الذي يُحدِثه هو كمالٌ حال إحداثه، وليس كمالًا حال عدمه؛ لأن الله تعالى مُتَّصف بالكمال، ففي حال عدمه لا يكون كمالًا، وفي حال وجوده يكون هو الكمال، وهذا واضح؛ فِعْل الإنسان -وهو الإنسان- أحيانًا يكون مناسبًا وفي محلِّه، وأحيانًا يكون غير مناسب وتكون الحكمة ألَّا يفعله.
وبذلك نعرف أنَّ الرجوع إلى العقل فيما يتعلَّق بالله أيش؟ باطلٌ وضلالٌ؛ لأن العقل قد يَزِلُّ وقد يَهِمُ، فالرجوع فيما يتعلَّق بالله عز وجل إلى الكتاب والسُّنة لا ثالث لهما، اللهم إلا أنْ يُقال: إجماعُ السلف أيضًا يُرجع إليه، فيكون مصدر التلقِّي في العقيدة وفيما يتعلَّق بذات الله عز وجل وأسمائه وصفاته ثلاثة: القرآن، والسُّنة، وإجماع السلف. لكنَّنا نقول: لا حاجة إلى قول: (إجماع السلف)؛ لأنَّ إجماع السلف لا يكون إلا عن كتابٍ أو سُنَّة.
من فوائد الآية الكريمة: تهديد هؤلاء المشركين الذين كذَّبوا الرسولَ عليه الصلاة والسلام؛ لقوله: فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ، ووجْه التهديد أنَّ علماء البلاغة يقولون: إنَّ إِذَاتفيد وقوعَ الشرط في المستقبل؛ كما إذا قلتُ لك: إذا جاء زيدٌ فأكرِمْه. تفهم من هذا أنَّ زيدًا سوف يأتي، لكنَّه متأخِّر، بخلاف (إنْ)، فإنَّ (إنْ) شرطيةٌ، لكن للمحتمل؛ إنْ جاء زيدٌ فأكرِمْه، هل مجيئُه محقَّق؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا، لكنْ إذا جاء فأكرِمْه، يكون المجيء محقَّقًا، لكنَّه مربوطٌ بزمنٍ مستقبل.
هذه؛ إِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِيفيد أنَّ أمْر الله لا بدَّ أن يأتي.
أمْر الله ينقسم إلى قِسْمين: كوني، وشرعي. فقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا [النساء: ٥٨] شرعي ولَّا كوني؟
الطلبة: شرعي.
الشيخ: لماذا لا يكون كونيًّا؟
طالب: لأن (...).
الشيخ: نعم، لأنَّه لو كان كونيًّا لَكان كلُّ الناس يؤدُّون الأمانة إلى أهلها، إذَنْ هو شرعي.
إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران: ٤٧]؟
الطلبة: كوني.
الشيخ:كوني، فصار الأمر الآن يكون كونيًّا ويكون شرعيًّا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ ما قضى الله تعالى من عقابٍ أو عذابٍ فإنَّه حقٌّ؛ لقوله: قُضِيَ بِالْحَقِّ، وعلى هذا فينتفي بذلك أن يكون الله تعالى ظالمًا لِمَن عاقبه.
فإنْ قال قائل: أليست العقوبة تنزل بالأُمَّة وفيهم الصالحون؟
الجواب: بلى، تنزل العقوبة على الأُمَّة وفيهم الصالحون، لكنَّها تكون عقوبةً على المسيء ورِفْعةَ درجاتٍ وتكفيرَ سيئاتٍ على أيش؟ على الصالح، ولهذا لَمَّا قالت إحدى أمهات المؤمنين: أنهلكُ وفينا الصالحون؟ قال: «نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ» . فإذا غلبَ الخبثُ على الطيِّب حلَّت العقوبة بالجميع.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ المبْطِل خاسرٌ إذا نزل به العذاب؛ لقوله: خَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ.
وإذا كان المبْطِل خاسرًا فالمصلِح رابح، ولهذا قال تعالى: وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ [هود: ١١٧]، ولهذا إذا كان الأهل مصلِحون فإنَّ الله لا يُهلك الأُمَّة، لكن إذا كانوا صالحين فقد تهلك الأُمَّة إذا كَثُر الخبث، وهذه نقطةٌ قد لا يتفطَّن لها كثيرٌ من الطلبة؛ انتفاء الإهلاك متى؟ إذا كان الأهل مصلحين ومحاولين للإصلاح، أمَّا إذا كانوا صالحين فإنه قد يقع الإهلاك إذا كثُر الخبَث، أمَّا مع الإصلاح ولو كثُر الخبَث ما دامت الأُمَّة تحاول الإصلاح وتسعى به فإنها لن تهلك، وهذه نقطةٌ -كما قلت لكم- قد لا يتفطَّن لها كثيرٌ من الناس، نسأل الله أن يُصلح أحوالنا وأحوالكم.
طالب: قلنا: مِن عدْل الله عز وجل أنه لن يعذِّب العباد إلا بعد أن أرسلَ إليهم الرُّسُل، في هذه الآيه هل هناك ضابط للعُذر بالجهل؛ الذين يقعون في الباطل وعلى اعتقادهم أن هذا صواب، فهل يُعذَرون بجهلهم في هذه الأيام؟
الشيخ: قد يُعذَرون بجهلهم؛ لأنَّ مِن العوامِّ مَن لا يعرف الحقَّ إلا عن طريق أناسٍ مُعَيَّنين، وهؤلاء الأُناس المعيَّنون منحرفون، فيُعذَرون، وربما أُناس في الغابات البعيدة لا يسمعون إذاعاتٍ ولا يقرؤون صُحُفًا ولا يعرفون شيئًا.
طالب: أورد بعضُ المستشرقين على قول الله تعالى: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ [فاطر: ٢٤] على أنَّ هناك فترات ما بين الأنبياء، فترات (...) ليس هناك نبي، انقطع الرسالة.
الشيخ: لا، هذا غلط؛ لأنَّه إذا جاء النذير ليس معناه أنَّ النذير يبقى نذيرًا ما دام حيًّا فقط، قد تبقى رسالته، أليستْ رسالةُ إسماعيل وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام بقيتْ في العرب إلى قُرب بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام؟ أول ما دخل الشركُ على العرب من عمرو بن لُحَيٍّ، متأخِّر.
الطالب: (...) النصارى قبل الرسول صلى الله عليه وسلم، قبل بعثة الرسول هناك فترة يكاد ينقطع الوحي تكاد تنقطع الرسالة.
الشيخ: هذه الفترة لحكمة، يعني معناه امتداد ما بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام لحكمةٍ؛ حتى يعرف الناسُ شِدَّة ضرورتهم إلى الرسالة.
طالب: (...) تعريف النبي أنَّه الذي أُمِر بالوحي ولم يُؤمَر بتبليغه، كيف نوفِّق بينه وبين قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ لِأُمَّتِهِ خَيْرَ مَا يَعْلَمُهُ ويُحَذِّرَهُمْ مِنْ شَرِّ مَا يَعْلَمُهُ» ؟
الشيخ: هذا .. المراد بالنبي الرسول، المراد به الرسول، ولهذا تجد الآن في القرآن الكريم أنبياء هم رُسُلٌ، لكن تُذكَر بلفظ الأنبياء: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ [النساء: ١٦٣]، ثم قال في الأخير: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ [النساء: ١٦٥]، إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا [مريم: ٤١].
الطالب: شيخ، بارك الله فيك، هل يصحُّ أن نُطلق لفظة (الدلائل) على آيات الأنبياء؟
الشيخ: إي نعم؛ لأنَّ الدليل ما يهدي إلى غيره، ولهذا يُسمَّى الرجل الذي يدلُّك الطريق يُسمَّى هاديًا، فالآيات لا شك أنها دليلٌ وبيِّنات.
الطالب: هل ورد نص أنَّ الآيات تُسمَّى دلائل، مثل المعجزات يا شيخ، قلنا: لا تُسمَّى .. أن نُطلقها على آيات الأنبياء؟
الشيخ: إحنا نقول: الآية دليل، واللغة مترادفة، فما دام اللفظ مرادفًا للآخَر ولا يتضمَّن محظورًا ليس فيه مانع أن نعبِّر به.
الطالب: هل فيه دليل على عدد الأنبياء والرُّسُل؟
الشيخ: فيه حديث أبي ذر أنَّهم كانوا أربعةً وعشرين ألفًا، منهم ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا رسول، والباقي أنبياء ، لكن الحديث بعض العلماء قال: إنه غير صحيح، وإن كان ابن حبان صحَّحه، فالله أعلم، ما هناك شيءٌ يركن إليه الإنسان في العقيدة بأنَّ عددهم كذا وكذا، لا الأنبياء ولا الرُّسُل.
طالب: هل -يا شيخ- القولُ بأنَّ كل رسولٍ نبيٌّ وليس كل نبيٍّ رسولًا؟
الشيخ: صحيح.
طالب: ضوابط المعجزة والكرامة.
الشيخ: عندنا معجزة، وكرامة، وشعوذة.
المعجزة هي آيات الأنبياء، وكما سمعتَ أنَّنا نُسمِّيها آيةً ولا نُسمِّيها معجزةً.
الكرامة كلُّ أمرٍ خارقٍ للعادة يُظهره الله تعالى على يد متَّبع الرسول. ما هو على يد الرسول، على يد متَّبع الرسول.
أمَّا السِّحر والشعوذة فهو كلُّ خارقٍ للعادة يظهر على يد مُخالِف الرسول.
وقد أنكرت المعتزلة الكرامات وقالت: لو أنَّا أثبتنا الكرامات لَاشْتبهَ النبيُّ بالوليِّ، والوليُّ بالساحر.
فيقال: هذا مغالطة؛ لأنَّ النبي يقول: إنَّه نبيٌّ، والذي ظهرت الكرامةُ على يده يقول: إنَّه وليٌّ وليس بنبيٍّ، والساحر ليس نبيًّا ولا وليًّا، معروفٌ بأنَّه فاسقٌ مخالفٌ للشرع، فلا يمكن أن يكون التباس.
***
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَقيل: الإبلُ خاصَّة هنا، والظاهر: والبقر والغنم).
اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ، جَعَلَأي: صيَّرها مُسَخَّرةً لكم، والجَعْل هنا جَعْلٌ كونيٌّ؛ لأن الجَعْل المضاف إلى الله عز وجل يكون كونًا ويكون شرعًا؛ يعني يكون جَعْلًا كونيًّا ويكون جَعْلًا شرعيًّا؛ ففي قوله تعالى: مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ [المائدة: ١٠٣] هذا الجَعْل شرعيٌّ، وفي قوله تعالى: وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا [الإسراء: ٦] هذا جَعْلٌ كونيٌّ، وفي قوله تعالى هنا: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَجَعْلٌ كونيٌّ.
والْأَنْعَامَجمع نَعَم، قال المؤلف؛ المفسِّر: (قيل: الإبلُ خاصَّة هنا، والظاهر: والبقر والغنم). بل والظاهر ما هو أعمُّ من ذلك، وهو ما أنعمَ الله به علينا من الحيوان الذي سخَّره لنا من إبلٍ وبقرٍ وغنمٍ وفِيَلةٍ وغيرها، كل شيء.
وقوله: لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَقسَّم الله سبحانه وتعالى هذه الأنعام إلى قِسْمين: قِسْم تُركب، وقِسْم تؤكل؛ يعني ولا تُركب. وعلى هذا فتكون (مِن) في الموضعين للتبعيض، وعلامة (مِن) التي للتبعيض أن يحلَّ محلَّها كلمة (بعض)، فهنا احذفْ (مِن) وقُل: (لتركبوا بعضَها وبعضَها تأكلون) يستقيم الكلام، فهذه علامة (مِن) التبعيضية أنْ يحلَّ محلَّها كلمة (بعض).
وقوله: وَمِنْهَا تَأْكُلُونَهذا التقسيم لا يعني الانقسام؛ بمعنى أنَّه يمكن أن يوجد من الأنعام ما يُؤكَل وما يُركب؛ مثل الإبل فإنها تُؤكَل وتُركب.
(لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٩) وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُمن الدَّرِّ والنَسْل والوَبَر والصوف) يعني: والشعر، وغير ذلك من المنافع كنَقْل البضائع وغيرها، ولهذا جاءت كلمة (منافع) جمع منفعة بصيغة منتهى الجموع، وصيغة منتهى الجموع ما كانت على وزن (مَفَاعِل) أو (مَفَاعِيل).
(وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْهي حَمْل الأثقال إلى البلاد) وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ.
قوله: وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْفسَّرها المؤلف بأنها حَمْل الأثقال، ولكن الذي يظهر أنها غير ذلك وأنها قوله تعالى: وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ [النحل: ٦، ٧]؛ يعني ما يكون في قَلْب الإنسان من محبَّة الفخر والخُيَلاء وغيرها، وإنْ كانت هذه الحاجات قد تكون ممنوعة كالفخر والخيلاء، لكن لا شكَّ أن هذه حاجةٌ لكلِّ إنسان أنَّه يجد فرحًا وسرورًا إذا غَنِم كثيرًا من المواشي من الإبل والبقر والغنم والظباء والأرانب وغيرها، يجد الإنسانُ لهذا طعمًا في نفسه.
ويمكن أن يقال أيضًا: ومن الحاجات في النفس الاتِّجار بها؛ فإنَّ بعض الناس يتَّجر بهذه الأنعام، والله سبحانه وتعالى لم يذكر نوع الحاجة، فيشمل كلَّ ما يقع في القلب من مثل هذه الأمور.
وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ، (وَعَلَيْهَافي البر وَعَلَى الْفُلْكِالسُّفُن في البحر تُحْمَلُونَ) بيَّن الله عز وجل أنَّ هذه الأنعام نُحمَل عليها وكذلك السُّفُن؛ كما في قوله تعالى: وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ [الزخرف: ١٢ - ١٤].
في هذه الآية من الفوائد: بيانُ نعمة الله عز وجل علينا بهذه الأنعام؛ حيث جعلها لنا مُسَخَّرة مُذَلَّلة.
ومن فوائد هذه الآية: جواز ركوبها وأكْلها، ومن المعلوم أنَّ هذا ليس على إطلاقه؛ فإنَّ الذي يُركب لا يُركب على وجهٍ يشقُّ عليه، لو أراد الإنسان أن يركب على بهيمة وهي لا تطيق أكثر من واحد فأردفَ عليها، قلنا: هذا لا يجوز؛ لِمَا في ذلك من المشقَّة، وكذلك أيضًا مِنْهَا تَأْكُلُونَليس على إطلاقه؛ إذْ من هذه الأنعام ما لا نأكله مثل الحُمُر، فإنها لا تؤكل، ولكنَّها يُحمَل عليها وتُركب.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ الأصل جواز كلِّ ما يُنتفع به من وجوه الانتفاع في هذه الأنعام؛ وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ، وبناءً على ذلك يجوز أن يركب ما لا يُركب عادةً إذا لم يشقَّ عليه لأنَّ ذلك من المنافع؛ فلو كان مع الإنسان بقرةٌ واحتاج إلى أن يركب عليها قُلنا له: اركبْ؛ لأنَّ هذه من المنافعِ، واللهُ تعالى أطلقَ المنافع ما لم يشقَّ عليها، فإنْ شقَّ عليها كان ممنوعًا؛ لأنَّ إيذاء الحيوان محرَّم.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جوازُ ما يقع في قلب العبد من الفرح والسرور بهذه الأنعام، بشرط ألَّا يؤدِّي ذلك إلى الكبرياء والخُيَلاء، فما دام هذا الفرح في نطاق الأمر المباح فإنَّ الإنسان لا يُلام عليه، بل هو مما جعله الله له.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيانُ نعمة الله عز وجل بحملنا على هذه الأنعام وعلى الفُلك؛ يعني أنَّ الله سَخَّر لنا ما نركبه في الماء وما نركبه في البر.
وهُنا تسخيرٌ ثالثٌ حَدَث بعد نزول القرآن، وهو ما نُحمَل عليه في الجوِّ، فيكون الله عز وجل أنعم علينا بمراكب جوِّية وبحرية وبرِّية.
***
قال تعالى: وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ [غافر: ٨١] يُرِيكُمْأي: يُظهرها لكم حتى تروها، وعلى هذا فـ(يُرِي) من الرباعي لا من الثلاثي؛ لأنَّه من: أَرَى يُرِي؛ أي: أَظْهرَ الشيءَ حتى يراه الإنسان.
وقوله: آيَاتِهِجمع آية، والآية هي العلامة على الشيء؛ كما قال تعالى: وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ [يس: ٤١]، وقال تعالى: أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ [الشعراء: ١٩٧] أي: علامة. فما هي العلامة؟
الآية علامةٌ على ما يختصُّ بها من صفة؛ فمثلًا إذا نزل الغيثُ وأنبتت الأرض فهو آيةٌ على أيش؟
طالب: على رحمة الله.
الشيخ: على رحمة الله عز وجل. إذا اهتزَّت الأرض بأهلها أو خُسِفت بأهلها فهو آيةٌ على أيِّ شيء؟
طالب: على سخط الله.
الشيخ: على سخط الله وعقابه، وعلى قدرته؛ حيث يزلزل هذه الأرض الكبيرة العظيمة، فيكون هذا آية على ما يختصُّ به، فالآيات إذَنْ آياتٌ على ما تختصُّ به من صفة، لا نقول: إنها كلَّها آية على شيءٍ واحدٍ، بل منها ما يكون آيةً على الرحمة، وآيةً على العِزَّة، وآية على الحكمة، وآيةً على القُدرة، وهلُمَّ جرًّا.
إذَنْ آيَاتِهِنقول: جمع آية، وهي .. ما هي؟
طالب: العلامة.
الشيخ: العلامة، طيب. هذه الآيات هل هي كلُّها تدلُّ على شيءٍ معيَّن من الآيات، أو لكلِّ آيةٍ ما يختصُّ بها؟
طالب: لكلِّ آيةٍ ما يختصُّ بها.
الشيخ: لكلِّ آيةٍ ما يختصُّ بها، بارك الله فيك.
فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ، أَيَّهنا استفهامية منصوبة على أنها مفعولٌ مقدَّم لقوله: تُنْكِرُونَ. وأسألكم لو كانت الآية (تُنكرونها) أو (تُنكرونه)، فهل ننصب (أي) أو نرفعها؟
طالب: نرفعها.
الشيخ: نرفعها، ويجوز النصب؛ لأنَّ هذا يكون من باب الاشتغال، وأضربُ لكم مثلًا من عندي حتى لا نتصرَّف في كلام الله، لو قلت: (زيدًا أكرمتُ) هنا يتعيَّن النصب على أنه مفعول مقدَّم، ولو قلت: (زيدٌ أكرمتُه) فهنا يجوز الوجهان والرفع أرجح لأنه الأصل، وأمَّا النصب فيكون على سبيل الاشتغال، وعليه فإذا جاء معمولٌ مقدَّمٌ وعاملٌ مؤخَّرٌ لم يستوفِ عملَه فإنه يجب أن يكون هذا المعمول السابق حسب ما يقتضيه هذا العامل.
فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ، (أَيَّ آيَاتِ اللَّهِالدالَّة على وحدانيَّته تُنْكِرُونَ)، يعني لو قال المؤلف ما هو أعمُّ لَكان أحسن؛ لأن (...) ليست آيات دالَّة على الوحدانية فقط، بل على الوحدانية وعلى ما يختصُّ بتلك الآية.
(تُنْكِرُونَاستفهامُ توبيخٍ وتذكير)، (استفهامُ توبيخٍ) يعني قولَه: أَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ، وهو أيضًا استفهامُ تَحَدٍّ، فهو جامعٌ بين التوبيخ والتحدي؛ يعني هذه آياتٌ ظاهرةٌ لا يمكنكم أن تنكروها.
قال: (وتذكير (أي) أشهر من تأنيثه)، لأنَّه يقال: أيَّةُ، ويقال: أيُّ، وعلى كلام المؤلف يكون التذكير أشهر من التأنيث ولو كان المشار إليه مؤنَّثًا، ولهذا قال: فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ، وآيَاتِمؤنث، ولم يقل: فأيَّة آيات الله، لكن في غير القرآن لو قيل: فأيَّة آيات الله، لَكان هذا سائغًا إلا أنَّه مرجوح.
من فوائد هذه الآية الكريمة: نعمة الله سبحانه وتعالى على عبادة بإراءتهم الآيات الدالَّة عليه، ولو شاء الله لَأخفى عنَّا ذلك ووَكَلنا إلى ما في نفوسنا وفِطَرنا، ولكن من رحمته أنَّه يُظهر الآيات حتى يكون هذا عونًا على ما في الفِطرة من معرفة آيات الله عز وجل.
ومن فوائد الآية الكريمة: جواز تحدِّي الإنسان بما يعترف به لولا الجحد؛ لقوله: فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ، وهل تعرف أن أحدًا جحد الآيات مع تيقُّنه بها؟ مَن؟
طالب: (...).
الشيخ: وغيره.
طالب: فرعون.
الشيخ: نعم، أحسنت، فرعون وقومه، فإنهم جحدوا بآيات الله مع أنَّ أنفسهم مستيقنةٌ بها.
***
ثم قال: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً [غافر: ٨٢] إلى آخره.
أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِهذا الاستفهام يحتمل أن يكون للحثِّ، وعليه فيكون بمعنى الأمر؛ أي: سيروا في الأرض. ويؤيِّد هذا قول الله تعالى: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ [الأنعام: ١١]، ويحتمل أن يكون للتوبيخ؛ أي: توبيخ هؤلاء على عدم السير في الأرض.
والسير هنا يشمل السير بالقَدَم والسير بالقلب؛ أمَّا السير بالقلب فمرجعه إلى الأخبار الصادقة؛ بحيث يقرأ الإنسان عن الأُمَم السابقة، ولا شيء أصحُّ من كتاب الله عز وجل في الحديث عن الأُمَم السابقة؛ لقول الله تبارك وتعالى: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ [إبراهيم: ٩] فلا شيء أصحُّ في الأخبار مما جاء به الكتاب العزيز وصحَّت به السُّنة، هذا نقول: سيرٌ بالقلب.
السير بالقَدَم أن يمشي الإنسان لينظر ما صنع الله تعالى بالمكذِّبين؛ مثال ذلك أن يسير الإنسان إلى ديار ثمود لينظر ماذا صنع الله بهم، ولكن -كما قال النبي عليه الصلاة والسلام- لا يجوز أن يدخلها إلَّا وهو باكٍ خوفَ أن يُصيبه ما أصاب هؤلاء المكذبين ، وأمَّا مَن ذهب إليها للتنَزُّه والفُرجة فإنَّ ذلك لا يجوز كما يصنع كثيرٌ من الناس اليوم؛ يذهبون إليها لا على سبيل العِظة والاعتبار، ولا أن يدخلوها وهُم باكون، بل على سبيل الاطِّلاع فقط على آثار السابقين وعلى سبيل النُّزهة، وهذا حرامٌ ولا يحلُّ.
وقوله: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُإعراب الجملتين أن نقول: إنَّ (لم) حرف نفيٍ وجَزْمٍ وقلبٍ؛ حرف نفيٍ لأنها تنفي، جَزْم لأنها تجزم، قلب لأنها تحوِّل المضارع إلى الماضي.
والفاء في قوله: أَفَلَمْ يَسِيرُواعاطفةٌ لا شك، لكن هل هي عاطفةٌ على مقدَّرٍ محذوفٍ أو عاطفةٌ على ما قبلها من الجُمَل، في ذلك قولان:
القول الأول: أنها عاطفةٌ على محذوفٍ مقدَّرٍ بعد الهمزة، ويُقَدَّر بما يناسب المقام، وعلى هذا فترتيبها بعد الهمزة ترتيبٌ طبيعي.
والثاني: أنها عاطفةٌ على الجملة السابقة، وبناءً على ذلك تكون الفاء هنا مزحلقةً عن موضعها؛ إذْ إنَّ موضعها يكون قبل الهمزة.
والقولان معروفان لأهل العلم بالنحو. على التقدير الأول أنها عاطفةٌ على مقدَّر بعد الهمزة يكون المعنى: أَغَفَلوا فلمْ يسيروا في الأرض.
وقوله: فَيَنْظُرُواالفاء عاطفةٌ على أيش؟
طالب: على يَسِيرُوا.
الشيخ: على يَسِيرُوا، وعلى هذا يكون المعنى: أفلمْ يسيروا فلمْ ينظروا. ويحتمل أن تكون منصوبةً بعد فاء السببية؛ أي: انتفَى سيرُهم فينظروا، كما تقول: لم تَزُرني فأُكرمَك، وما أشبه ذلك من الكلام.
وقوله: كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [غافر: ٨٢]، كَيْفَهذه اسم استفهام، وهي في محلِّ نصبٍ خبرُ (كان) مقدَّم، وعَاقِبَةُاسمها.
عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْفما هي العاقبة؟ العاقبةُ ذكرها الله تعالى في سورة القتال في قوله: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا [محمد: ١٠]، هذا هو فائدة النظر أنَّ هؤلاء القوم المكذِّبين كانوا أشدَّ من هؤلاء قوَّةً ومع ذلك دمَّرهم الله عز وجل.
كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْأي: في العدد، وَأَشَدَّ قُوَّةًأي: في الكيفية، فصاروا متميِّزين عنهم في العدد والكيفية، (وَآثَارًا فِي الْأَرْضِمن مصانع وقصور)، فَمَا..





