تفسير سورة فصلت - 3
عدد الزيارات 2505

عناصر المادة :
تفسير الآيتين (13-14)
تفسير الآيتين (15-16)

(وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا [فصلت: ١٢] الذي أمر به من فيها من الطاعة والعبادة) من هنا نبدأ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَاصرف المؤلف -رحمه الله- الأمر هنا إلى الأمر الشرعي لا الأمر الكوني؛ ولذلك قال: (أَمْرَهَاالذي أمر به من فيها من الطاعة والعبادة)، ويحتمل أن يكون المراد بالأمر هنا الشأن؛ أوحى في كل سماء شأنها، فيشمل أحوال السماء، وأحوال من فيها، وهذا أعم مما ذكره المؤلف رحمه الله.
وإننا نقرر قاعدةً في التفسير: إذا ورد تفسيران في الآية، أحدهما أعم أخذنا بالأعم؛ لأن الأعم يدخل فيه الأخص ولا عكس، فإذا قلنا: شأنها صار أعم من أن نقول: إنه أمرها الشرعي؛ لأن هذا أخص، فالحمل على الأعم أولى، يقول جل وعلا: وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ [فصلت: ١٢]، وهي النجوم (زيَّنَّاها)؛ أي جعلناها زينة تسر من نظر إليها ويبتهج بها.
(وَحِفْظًامنصوب بفعل مقدر؛ أي: حفظناها حفظًا من استراق الشياطين السمع بالشهب) إلى آخره.
قوله: حِفْظًامصدر عامله محذوف، التقدير: حفظناها حفظًا، ومن أي شيء؟ قال الله تبارك وتعالى: وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ [الحجر: ١٦، ١٧]، فيكون المراد بالحفظ حفظها من الشياطين؛ لأن القرآن يفسر بعضه بعضًا.
وما شأن الشياطين بالنسبة للسماء؟ شأن الشياطين بالنسبة للسماء أنها تصعد، يركب بعضها بعضًا إلى أن تصل إلى السماء، فتستمع إلى أخبار السماء، وما تتحدث به الملائكة، ثم تنزل به إلى الأرض، وتُلقيه إلى الكهان الذين لكل واحد منهم رَئِي من الجن، والكاهن يأخذ هذا الخبر، ويضيف إليه أخبارًا أخرى، ثم يُحدِّث الناس بذلك، ومن المعلوم أن ما سُمِع في السماء لا بد أن يكون فتكون هذه الكلمة الواحدة صِدْقًا، تكون مثارًا لإعجاب الناس بالكهان والرجوع إليهم؛ ولهذا كانوا في الجاهلية يتحاكمون إلى الكهان، هذه هي قضية استراق السمع.
ثم إن الله تعالى حفظ السماء وقت بعثة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وصارت الشياطين إذا حاولت الاستماع أرسل الله تعالى عليها شهابًا يحرقها وتهلك، وهل بقي هذا الحفظ بعد موت الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو لا؟ يقال: الله أعلم، لا ندري، لكنها حُفظت في عهد النبوة من استراق السمع، أما الآن فالله أعلم، قد يكون ذلك وقد لا يكون؛ لأنه ليس هناك نبي حتى يختلط المسموع المـسترق بالوحي الصحيح.
يقول عز وجل: ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [فصلت: ١٢] ذَلِكَالمشار إليه ما سبق مما تحدث الله عنه من خلق السماوات والأرض.
تَقْدِيرُأي مُقدَّر. الْعَزِيزِ الْعَلِيمِأو: تقدير مصدر على بابه، ويكون المشار إليه فعل الله لهذا الشيء، فعندنا الآن كلمة تَقْدِيرُمصدر يجوز أن تكون بمعنى اسم المفعول، ويكون المعنى: ذلك مُقدَّر العزيز، ويجوز أن تكون مصدرًا وهو فعل الله عز وجل، ويكون هذا أيضًا معنًى صحيحًا، وكلاهما متلازمان؛ لأنه إذا كان هذا الشيء مُقدَّر الله فهو من تقديره؛ يعني ناتج عن تقديره.
وقوله: الْعَزِيزِقال: (في ملكه الْعَلِيمبخلقه) فيها شيء من القصور (الْعَزِيزِفي ملكه)، والصواب: الْعَزِيزِيعني بذلك ذا العزة، والعزة قسمها العلماء إلى ثلاثة أقسام وهي:
طالب: القدْر، والقهر، والامتناع.
الشيخ: عزة القدْر، وعزة القهر، وعزة الامتناع، معناها عزة القدر؟
طالب: (...) أي عزة (...).
الشيخ: خطأ.
الطالب: أنه ذو قدر عظيم وشرف عظيم.
الشيخ: نعم، أي أنه ذو قدر عظيم وشرف عظيم لا يشاركه فيه أحد، عزة القهر؟
طالب: القاهر الذي يَغلب ولا يُغلب.
الشيخ: نعم، القاهر الذي يَغلب ولا يُغلب، عِزَّة الامتناع؟
الطالب: لا يناله سوء، يمتنع أن يناله سوء.
الشيخ: نعم، يمتنع أن يناله سوء أو نقص.
أما قوله: الْعَلِيمفهي صفة مُشبَّهة، ويجوز أن تكون من باب المبالغة؛ لأن (فعيل) يصح أن تكون صفة مشبهة، ويصح أن تكون صيغة مبالغة، ومعناه: ذو العلم، وعلم الله تعالى واسع، عالم بما كان وما يكون لو كان كيف يكون، وقد سبق لنا الكلام عليه مرارًا لا حاجة إلى إعادته.
من فوائد الآيات الكريمة: في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [فصلت: ٨].
مِن فوائد هذه الآية: تحقيق أن القرآن مثاني تُثَنَّى فيه المعاني المتقابلة؛ إذا ذُكِر ثواب المجرمين ذُكر ثواب المتقين، وإذا ذُكرت الجنة ذُكرت النار، وهلم جرًّا، من أجل أن يكون الإنسان سائرًا إلى ربه بين الخوف والرجاء، وهكذا ينبغي للإنسان في سيره إلى ربه أن يكون خائفًا راجيًا؛ لقوله تعالى: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا [الأنبياء: ٩٠]، فما سبب الخوف؟ سبب الخوف ذنوب الإنسان إذا نظر إلى ذنوبه وتقصيره خاف، كما قال تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ [المؤمنون: ٦٠]، أي: يخافون ألا يقبل منهم، والرجاء: إذا نظر إلى عفو الله وفضله، وأنه جل وعلا حليم، رجا وقوي رجاؤه، فيكون دائرًا بين الخوف والرجاء.
وقال بعض أهل العلم: في الطاعة يُغلِّب جانب الرجاء، وفي المعصية يُغلِّب جانب الخوف. وهذا له نظر قوي؛ لأن الإنسان إذا فعل الطاعة فينبغي أن يُحسِن الظن بالله، وأن الله سيقبل منه، فيقوى رجاؤه، أما إذا هم بالمعصية فينبغي أن يُغلِّب جانب الخوف؛ حتى لا يقع في المعصية.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإيمان وحده لا يكفي حتى يقترن بعمل، لكن إذا أطلق الإيمان شمل العمل، وإن ذُكر معه العمل صار العمل علانية والإيمان سرًّا، مثل: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِهنا جُمِع بين الإيمان والعمل فيكون الإيمان في القلب والعمل في الجوارح.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: دوام نعيم المؤمنين العاملين الصالحات؛ لقوله: لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [فصلت: ٨] أي لا يُقطع كما قال تعالى: وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا [مريم: ٦٢].
ومن فوائد الآية الكريمة: أن أجر الآخرة خيرٌ من أجر الدنيا وثوابها، وجه ذلك: أن أجر الآخرة غير مقطوع بل هو مستمر دائمًا وغير ممنون به أيضًا بل يُعطى الإنسان بدون مِنَّة، وأما ثواب الدنيا فإنه بالعكس.
ثم قال الله تبارك وتعالى: قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ [فصلت: ٩] إلى آخره. في هذا دليل على وجوب إعلان المؤمن ما عليه الكفار من الكفر بالله؛ لقوله: قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ.
ويتفرع على هذه الفائدة: أنه لا تجوز مداهنة الكفار، وإن كانت المداراة تجوز لكن المداهنة لا تجوز، والفرق بينهما: أن المداهنة سكوت الإنسان عن معصية العاصي كأنه يقول: لك معصيتك ولي طاعتي، فأنت اعمل وأنا أعمل، هذه مداهنة، مُصانَعة لا تجوز، قال الله تعالى: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ [القلم: ٩] لكن لا يجوز للمؤمن أن يداهن، أما المداراة فمعناه أن ينقل الإنسانُ مما هو عليه من المعصية شيئًا فشيئًا وهو غير راضٍ بها بل هو كاره، ولا يرى أنه يجوز إقرارها، بخلاف المداهِن؛ المداهنة في الحقيقة أشبه ما لها في وقتنا الحاضر، ما يسمونه بالمجامَلة أو بالعلمنة، العلمنة الآن العلمانيون يقول: خلِّ كل إنسان وشأنه، الدولة دولة والدين دين، الدولة لا بد أن تتحد والدين لِكُلٍّ دينه، لا تنكر على الكافر ولا على الفاسق خلوا كل إنسان يعمل ما شاء، فالمهم أن هذه الآية الصريحة في أنه يجب أن نُنكر على الكافرين كفرهم وألا نداهنهم.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي تأكيد ما يمكن أن يُنفى أو يُشك فيه، وجهه: أنه أكد ذلك بقوله: أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ، وإلا فيكفي أن يقول: قل لقد كفرتم أو قل كفرتم، لكن لما كان هذا أمرًا يشك فيه، ويقال: هؤلاء لم يكفروا بالله بل آمنوا به؛ لأنهم يؤمنون بأن الله موجود، وبأن الله خالق السماوات والأرض، لكن إذا لم يتبعوا شرعه فهم كافرون به ولو أقروا بوجوده.
ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل، وبيان حكمته في خلق السماوات والأرض، حيث خلق هذه الأجرام العظيمة الكبيرة الواسعة في خلال ستة أيام، أما الحكمة فوجهه أن الله جل وعلا كان قادرًا على أن يخلقها بلحظة واحدة: كن فيكون، لكنه جل وعلا ربط الأسباب والمسببات، وجعلها تتفاعل شيئًا فشيئًا حتى تنتهي، هذا من وجه، ومن وجه آخر أنه أخَّر ذلك ليُعَلِّم عباده التأني في الأمور.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن خلق الأرض قبل خلق السماء؛ لأنه لما ذكر خلق الأرض في أربعة أيام قال: ثم استوى إلى السماء، وهذا كقوله تعالى في سورة البقرة: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة: ٢٩]، ولكن هذا يعارضه ظاهر قوله تعالى: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا [النازعات: ٢٧ - ٣٠]، فهنا ذكر أن الأرض دُحيت بعد خلق السماء فهل المراد بالدحو شيء سوى الخلق؟ أو أن البعدية هنا بعدية ذكر، يعني كما يقولون: هذا ترتيب ذكري وليس ترتيبًا زمنيًا؟ في هذا وجهان:
الوجه الأول: أن الدحو ليس الخلق بل هو شيء آخر فسره الله بقوله: أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا [النازعات: ٣١] هذا الدحو، وإخراج الماء والمرعى شيء زائد على الخلق والتكوين.
وأما الوجه الثاني: فإن البعدية هنا بعدية ذكر وهو ما يعرف عند علماء النحو بالترتيب الذكري، ومنه قول الشاعر:

إِنَّ مَنْ سَادَ ثُمَّ سَادَ أَبُوهُ ثُمَّ سَادَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ جَدُّهُ

فتجد الآن الترتيب على خلاف الترتيب الزمني لكن هذا يسمى ترتيبًا ذكريًّا، يحتمل وجهين، ولكن الوجه الأول أولى أن يقال: إن الدحو ليس الخلق، الخلق والتكوين شيء والدحو شيء آخر، والدليل أن الله تعالى قال في الدحو مفسرًا إياه قال: أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَاأفهمتم الآن؟
إذن لا معارضة بين الآيتين؛ لتنزل كل واحدة منهما على وجه لا يعارض الوجه الآخر، واعلم أنه ينبغي للإنسان إذا رأى آيتين ظاهرهما التعارض ألا يسرع في الحكم بالتعارض؛ لأنه لا يمكن أن تتعارض آيتان من كل وجه كما ذكرنا ذلك في أصول التفسير، ولكن ليتأنى وليتأمل وليفكر، فإن أدرك ألا تعارض فهذا المطلوب وإلا وجب أن يسأل أهل العلم، فإن لم يتبين له الأمر وجب عليه التوقف، وصارت هذه من الآيات المتشابهات التي يجب أن يقول فيها: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا [آل عمران: ٧]، وقد ذكرنا لكم فيما مضى أن من العلماء من ألَّف في الآيات التي ظاهرها التعارض وجمع بينها، وذكرت لكم أن من أحسن ما رأيت ما ألفه الشيخ الشنقيطي رحمه الله (دفع إيهام الاضطراب عن آي الكتاب).
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن نوع الكفر الذي حصل من هؤلاء المخاطبين: الشرك؛ لقوله: وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا [فصلت: ٩] وجعل الأنداد له أنواع كثيرة: إما أن يجعل له أندادًا في الذات فيقول: إن الله له مثيل كما فعلت النصارى، حيث قالوا: إن الله ثالث ثلاثة، وكما فعل الممثِّلة الذين مثَّلوا صفات الله بصفات خلقه، فإن هذا من الشرك، وقد يكون نِدًّا في العبادة، يعبده وإن كان لا يرى أنه مثل الله لكن يعبده ويدعي أنه إنما عبده ليقربه إلى الله عز وجل وقد يكون هناك أنداد في المحبة يحب الشيء كما يحب الله، والعجب أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم فيحب الشخص، ويتعلق به كثيرًا ويقول: أنا أحبه لله، والحقيقة أنه يحبه مع الله وليس لله، الذي يحب الشخص لله تكون المحبة الأصلية لمن؟
طالب: لله.
الشيخ: محبة الله، وهذا أحبه؛ لأنه يحب الله، لكن الذي يجعل قلبه منصرفًا إلى هذا المحبوب لا يفكر إلا به، ولا ينام إلا على ذكره، ولا يستيقظ إلا بذكره، هذا لم يحبه لله، بل أحبه مع الله، وهذا شرك كما قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ [البقرة: ١٦٥]، كذلك من الند أن يتعلق قلب الإنسان بالمخلوق خوفًا ورجاءً لا محبة؛ خوفًا ورجاءً، بحيث يعتمد عليه في تحصيل معاشه أو في دفع الضرر عنه، وهذا يقع كثيرًا ولا سيما بعد فتح المستشفيات، فإن أكثر الناس يتعلق قلبه بالمستشفى، تجده إذا مرض قال: أروح آخذ حبة أو حبتين، ما يقول: يا رب عافني، أو يلجأ إلى الله، على طول، روح حبة ولا حبتين ولا ثلاثة مع أنه ربما يكون هذا الطبيب الذي اعتمد عليه ورجاه كافرًا ملحدًا، هذا أيضًا من اتخاذ الند لله؛ ولهذا كان ضرر المستشفيات الآن مع ما فيها من نفع وخير كثير، والحمد لله لكن كان فيها ضرر عظيم؛ لأن الناس الآن صاروا يعلقون آمالهم ويجلون آلامهم بالمستشفيات، أبدًا لو يجي الإنسان لو تقطُّه الشوكة، يلَّا المستشفى، طلعها بظفرك، ولا طلعها بالمنقاش، قال: المستشفى، لا إله إلا الله، المرأة إذا جاها الطَّلق وصارت تطلق طلقًا عاديًّا أيش يعمل؟ المستشفى، والمستشفى ماذا يقول؟ والله هذه مسألة خطيرة لا بد من قيصرية، القيصرية هذه نشق البطن، ثم يبقى عندها عشرة شقوق في بطنها إذا ولدت عشرة أولاد، يبقى هذا البطن ما يتحمل أي حمل لو حمل انفجر، كل هذا نوع من الشرك، لا تلجأ إلى المستشفى إلا للضرورة القصوى، اجعل رجاءك دائمًا معلقًا بالله، وقل: إن الذي خلقني وأوجدني أول مرة قادر على أن يزيل ما نزل بي من مرض أليس كذلك؟ وهو أقدر من كل أحد، يزيله عز وجل بدون أي عملية، وبدون حبوب، وبدون مياه، وبدون إبر.
المهم أن اتخاذ الأنداد ليس خاصًّا بشيء معين؛ يكون في أشياء كثيرة، فإياك أن يكون لك ند حتى إن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ، تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيصَةِ، تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيلَةِ» . من عابد هذه؟ هل الإنسان يضع الدينار فوقه ويسجد له ويركع؟ لا، ولا كذلك الدرهم، ولا الخميصة، ولا الخميلة، لكن لما كان قلبه معلقًا بهذا الشيء إن أُعطي رضيَ وإن لم يُعطَ سخط صار عبدًا لها، نسأل الله أن يعيذنا وإياكم من ذلك.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان امتناع الند لله عز وجل؛ لقوله: ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ [فصلت: ٩] وجه الامتناع: أنه رب العالمين، وأي ند يكون رب العالمين؟ ماذا تقول؟ أجب؟ ما هو؟ أين ذهبت؟
طالب: لا، لا، أسمع..
الشيخ: تسمع ولكنك لا تعي؛ لأن القلب غير حاضر، أليس كذلك؟
الطالب: (...).
الشيخ: نعم ولَّا بلى؟
الطالب: (...).
الشيخ: الظاهر أن المقر بالذنب يُعفى عنه. أقول في هذا في قوله: ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَدليل على أنه لا يمكن أن يكون أحد ندًّا لله، لماذا؟ يعني من يمكن أن يقال: إنه رب العالمين؟ لا يمكن، فهو رب وما سواه مربوب، إذن ما سواه لا يصح أن يكون ندًّا له.
ومن فوائد الآية الكريمة: عموم ربوبية الله عز وجل لكل العالم؛ لقوله: ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ.
ومن فوائدها: وجوب الخضوع له شرعًا كما أننا نخضع له قدَرًا؛ لأن هذا مقتضى الربوبية؛ أن تخضع لهذا الرب شرعًا كما أنك خاضع له قدرًا، كل خاضع لله قَدَرًا وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا [الرعد: ١٥] هذا السجود أيش؟ القدَري، فيجب أن تخضع له شرعًا، وأن تتذلل له تكون أمامه ذليلًا كما كنت أمامه ذليلًا في قدره.
ومن فوائد الآية الكريمة: مِنَّة الله سبحانه وتعالى على عباده، حيث جعل في الأرض رواسي؛ أي: ثوابت، ما الحكمة؟ الحكمة ذَكَرَها الله في قوله: أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ [النحل: ١٥]، لولا هذه الرواسي لمادت بنا الأرض.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الأرض تدور؛ لقوله: أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ؛ لأن نفي الميدان دليل على وجود أصل الحركة؛ إذ لم يقل: أن تتحرك بكم، ونفي الأخص يقتضي وجود الأعم كما قلنا في قول الله تبارك وتعالى: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ [الأنعام: ١٠٣] إنه دليل على أن الله يُرَى لكن لا يدرك؛ إذ لو كان لا يُرَى لوجب أن يقول: لا تراه الأبصار، فلما نفى الأخص صار دليلًا على وجود الأعم.
هكذا قررها بعضهم وقال: إن في الآية دليلًا على أن الأرض تدور؛ لأن الله ألقى هذه الرواسي لتكون دورتها متزنة لا تتخلخل فتضطرب بالناس، ولكن هذا وإن كان قويًّا من حيث النظر لكنه ليس متعينًا؛ إذ يجوز أن يكون المعنى أن تميد بكم تضطرب ولو كانت واقفة، فالسفينة مثلًا على الماء تضطرب ولو كانت واقفة، فيكون المعنى: أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ [النحل: ١٥] يعني أن تضطرب بكم، وسواء كانت تدور أو لا تدور؛ ولهذا ليس في الآية دلالة قطعية على أن الأرض تدور.
فإن قال قائل: إذا قلت: إنه يحتمل أنها تكون دالةً على أن الأرض تدور فما جوابك عن آيات كثيرة تدل على أن الشمس تجري، تطلع، تغرب، تزاور، توارى، تذهب؟ كل هذه الأفعال أسندت إلى الشمس، والأصل أن الفعل إذا أُسنِد إلى شيء أن يكون قائمًا به، فيكون ظاهر القرآن أن الشمس هي التي تدور على الأرض وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ [الكهف: ١٧] إذن معناه هي التي كانت مختفية، ثم طلعت علينا، وهؤلاء الذين يقولون: الأرض تدور، يكون المعنى إِذَا طَلَعَتْأي إذا طلعنا عليها؛ لأنا نحن الذين نأتي إليها أما هي ثابتة قارة أعني الشمس.
قلنا: يجوز أن تكون الأرض تدور، والشمس أيضًا تدور جائز، وإذا كان الدوران بالعكس فظاهر أنه يتعاقب الليل والنهار؛ يعني مثلًا لو كانت الأرض تدور نحو الشرق، والشمس تدور نحو الغرب، هذا ممكن بكل سهولة، فإن كانتا تدوران إلى اتجاه واحد فإن إحداهما إذا كانت أسرع من الأخرى تحقق اختلاف الليل والنهار، ومن قال: إنه لا يمكن أن نقول: إن الشمس تجري إلا إذا قلنا: إن الأرض ثابتة لا تدور فأما إثبات دوران الأرض مع دوران الشمس فهذا لا يمكن. فإن قوله غير صحيح.
الإمكان ممكن ولو قلنا بدورانهما جميعًا، لكن الشيء الذي نعتقده الآن أن الليل والنهار يحصل بتعاقب الشمس على الكرة الأرضية، لا بتعاقب الكرة على الشمس، هذا الذي نعتقده إلى الآن؛ لأن هذا هو ظاهر القرآن، والقرآن صدر من الخالق عز وجل وهو أعلم بما خلق.
ولا يمكن أن نحيد عن هذا قيد أنملة ما دام لم يظهر لنا أمر حسي لا يمكن التكذيب به، وعند بعضهم -أي بعض الذين يقولون بدوران الأرض- يقولون: عندنا أمر قطعي بدليل الصواريخ العابرة للقارات فإنها تقدر بتقدير معين بحيث يتماشى مع دوران الأرض فيصيب الهدف، وإلا لما أمكن.
على كل حال هذه أنا أردت يعني أن أتكلم فيها بعض الشيء؛ لأنها في يوم من الأيام كانت مثارًا للجدل بين الناس؛ بين طلبة العلم وبين عامة الناس وبين الذين لم يتمكنوا من العلم كثيرًا، فنحن نقول: أولًا: البحث العميق في هذا والجدل في هذا أمر لا ينبغي ولا فائدة منه.
ثانيًا: عندما نريد أن نحقق المسألة تحقيقًا علميًّا نظريًّا ننظر إلى الآيات، فإذا كان ظاهر قوله تعالى: أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ [النحل: ١٥] يقتضي أنها تدور قلنا بذلك ولا حرج، ولا مانع أن نقول: هي تدور وكذلك الشمس لا مانع، فنكون أخذنا بظاهر القرآن في الشمس، وبظاهر أَنْ تَمِيدَ بِكُمْفي الأرض، وإذا كان قوله: أَنْ تَمِيدَ بِكُمْلا يتعين أن يكون بحركتها وإنما قد تضطرب وهي ساكنة قارة فلا يبقى في الآية دليل على أن الأرض تدور.
طالب: (...) أقرهم أنه لا يمكن يقرهم على قولهم (...) الشمس (...).
الشيخ: نعم، نحن نقول: لا نقرهم على أن اختلاف الليل والنهار يكون باختلاف دورة الأرض بل نقول: هو باختلاف طلوع الشمس على الأرض.
الطالب: ولا يمنع أن يكون الشارع (...) الأرض؟
الشيخ: ولا يمنع، لكن لو فُرِض أنه جاءنا دليل حسي ملموس على أن اختلاف الليل والنهار بسبب دورة الأرض لقُلنا به، ويكون إضافة الأفعال هذه إلى الشمس على حسب رؤية الإنسان لها.
الطالب: هم يقولون بثبوت الشمس..
الشيخ: لا، أنا أقول: لا، هم يقولون: الشمس تدور في الجو أو تدور حول نفسها؟
طالب: دوران الشمس (...) دورة سنوية (...).
الشيخ: إي، المهم على كل حال ما يهمنا، الكلام على أن من جهة القرآن، الآن إذا قرأنا: وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ [الكهف:١٧]، هذه فيها أربعة أفعال أُضِيفت كلها إلى الشمس، الأصل أن الأفعال المضافة إلى الشيء أنها قائمة به، فالشمس هي اللي تطلع هم يقولون: لا، الشمس ما تطلع علينا؛ نحن الذين نطلع عليها بسبب دوران الأرض؛ يعني الآن مثلًا اللمبة اللي فوقي يدي مثلًا كظاهر اليد مقابل لها الشمس طالعة، ثم تقول: هكذا تغيب الشمس؛ يعني نحن غبنا عن الشمس ونحن طلعنا عليها، نقول: إذا ثبت هذا ثبوتًا قطعيًّا لا شك فيه فالقرآن لا يخالف الحس أبدًا، وتُفسَّر الأفعال المضافة إلى الشمس بحسب رؤية الرائي.
طالب: كيف تكون طاعة الكافر طاعة قدرية؟
الشيخ: أليس الله يأمره أن يكون مريضًا فيمرض؟ ويكون صحيحًا فيصح؟ ويموت فيموت؟
الطالب: بلى.
طالب آخر: شيخ، أحسن الله إليك، يقول تعالى: قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ [فصلت: ١١] هل هذا يدل على أن الجمادات تريد وتنطق؟
الشيخ: هذه ما هو وصلناها، بارك الله فيك.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، ألا يشهد لقولهم: أنا نحن الذين نطلع على الشمس، قوله تعالى: فَأَتْبَعَ سَبَبًا (٨٥) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ [الكهف: ٨٥، ٨٦] أسند الفعل للشمس، وفسر أهل العلم بأنها في عين الرائي..
الشيخ: وَجَدَهَا تَغْرُبُ.
الطالب: تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍوَجَدَهَا تَغْرُبُتَغْرُبُالفعل أسند إلى الشمس، هذا وقال أهل العلم: إنه في عين الرائي ولا تغرب، إنما تغرب (...).
الشيخ: تختفي عنه.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: إيه، طيب.
الطالب: هل هي تغرب في عين حمئة؟
الشيخ: كيف؟ تختفي عنه في البحر لكن ما هي في وسط البحر طبعًا؛ ولهذا قال: وَجَدَهَا تَغْرُبُ.
طالب: علمنا يا شيخ أن الأرض خلقت قبل الشمس فما الحكمة؟
الشيخ: الأرض قبل الشمس؟
الطالب: الأرض خلقت قبل الشمس.
الشيخ: ما علمنا هذا، قبل السماء.
الطالب: الحكمة في أن الله عز وجل ذكر السماء والأرض (...) السماء؟
الشيخ: هذه ما وصلناها، الحكمة بأن الله تعالى يذكر الأعلى قبل الأسفل، أما التحدث عن خلْق السماء فبيَّن الله تعالى أن الأسفل يُخلق قبل الأعلى كالبناء الآن، عندما تريد أن تبني شيئًا، هل تبني السقف قبل أن تبني العمود؟ فعند الذكر والتحدث يبين الأشرف والأعلى يقدم، وعند التكوين والبناء يبدأ بالأسفل؛ لأنه هو الأصل. (...)

***

الطالب: إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (١٤) فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (١٦) وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٧) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [فصلت: ١٤ - ١٨].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. كنا نتكلم على فوائد الآيات السابقة من قوله تعالى: قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ [فصلت: ٩] وأخذنا عدة فوائد منها كم؟
طالب: (...).
الشيخ: ثلاثة؟
طالب: (...).
الشيخ: إلى؟
الطالب: (...).
الشيخ: ما وصلناها.
الطالب: منة الله تعالى على عباده حيث جعل في الأرض رواسي ثوابت (...).
الشيخ: ومن فوائد هذه الآيات: أن الله تعالى جعل الرواسي من فوق الأرض لما في ذلك من المنافع، ودفع المضار الذي أشرنا إليه في أثناء التفسير.
ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أن الله تعالى بارك في الأرض، ووجه البركة ظاهر، فقد حملت الأحياء والأموات، وحملت من الدواب ما لا يعلم أجناسَه فضلًا عن أنواعه فضلًا عن أفراده إلا الله عز وجل.
ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أن الله قدَّر في الأرض أقواتها؛ أي جعلها مُقدَّرة بقدر معلوم، ومن ذلك التقدير أن جعل في جهات من الأرض من الأقوات ما ليس في جهات أخرى حتى يتبادل الناس هذه الأقوات، وتتحرك التجارة إلى غير ذلك من الفوائد، ولعله يشير إلى هذا قول الله تبارك وتعالى: وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْيعني المطر لِيَذَّكَّرُوا [الفرقان: ٥٠].
ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أن خلق الأرض تم في أربعة أيام؛ لقوله تعالى: فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً [فصلت: ١٠].
ومن فوائدها: أن الله تبارك وتعالى يجيب السائلين أسئلتهم، سواء سألوا بلسان الحال أو بلسان المقال، فالإنسان مُتشوِّف إلى علم المسألة دون أن ينطق بلسانه، يقال: إنه سائل بلسان الحال، والإنسان الذي يتكلم باللسان سائل بلسان المقال، والسؤال عن خلق السماوات والأرض وكيف ذلك؟ هذا يكون بلسان الحال ويكون بلسان المقال.
ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أن السماء كانت قبل أن تُخلَق كانت دخانًا، ثم حوَّل الله هذا الدخان إلى سماوات؛ لقوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ [فصلت: ١١].
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات عُلُوِّ الله عز وجل على أحد القولين في تفسير اسْتَوَىوهما أيش؟ قَصَدَ أو ارتَفَعَ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل شيء قابل لمخاطبة الله عز وجل؛ أي قابل أن الله يخاطبه؛ لأن الله خاطب السماء والأرض وهي جماد، قال: ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا، لكننا نحن لو خاطبنا الجماد لعُدَّ ذلك سفهًا ونوعًا من الجنون، أما الرب عز وجل فإنه يخاطب ما شاء من عباده من عاقل وغيره وجماد وغيره؛ لأن كل من خاطَبَهُ الله فإنه يفهم خطاب الله.
ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أن كل شيء خاضع لله عز وجل سواء كره أم رضي؛ لقوله: ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا [فصلت: ١١].
ومِن فوائد هذه الآيات الكريمة: كمال خضوع السماوات والأرض لله عز وجل حيث قالتا: أَتَيْنَا طَائِعِينَ.
ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أنه يصح أن يُعبَّر عن غير العاقل بما يُعبَّر به عن العاقل إذا نُزِّل غير العاقل منزلة العقل؛ لقوله: طَائِعِينَ [فصلت: ١١]، فإن هذا الجمع -جمع المذكر السالم- لا يصدر إلا من عاقل، وغيره يُقال: طائعات وما أشبهها لكن إذا نُزِّل غير العاقل منزلته بالخطاب صح أن يُعامل معاملة العاقل.
من فوائد هذه الآيات الكريمة: إثبات الطواعية والكراهية لغير العاقل؛ لقوله: ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا، فهل هذا يعني أن لغير العاقل إرادةً؟ الجواب: نعم؛ لأن الطائع له إرادة، ومن يتصور إكراهه له إرادة أيضًا، وإرادة كل شيء بحسبه، وقد مر علينا أن الحصى تُسبِّح بين يدي الرسول عليه الصلاة والسلام، ولا تسبيح إلا بعد إرادة، وثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال في أُحُد: «يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ» . والمحبة أخص من الإرادة، وعلى هذا فهذه الجمادات التي نحن لا نفقه تسبيحها هي لها إرادة، وتُسبِّح الله عز وجل.
ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أن مُدَّة خلق السماوات أقل من مدة خلق الأرض مع أن السماوات أعظم، لكن لما كانت الأرض موضوعة للأنام كما قال تعالى: وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ [الرحمن: ١٠] كان خلقُها أكثر مُدَّة؛ لبيان عناية الله تعالى بهذه الأرض التي وضعها للأنام، وليعلم الأنام الذين على الأرض أن العبرة بالإتقان لا بالسرعة.
ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أن الله أتم خلق السماوات حين أوحى في كل سماء أمرها، ورتَّبها الترتيب المحكم المتقَن.
ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أن الله تعالى خلق هذه النجوم؛ لفائدتين: الفائدة الأولى: زينة السماء، والفائدة الثانية: حفظ السماوات من الشياطين، فهي تحفظ السماوات من الشياطين وهي كذلك زينة للسماء، هناك فائدة ثالثة ذكرها الله تعالى في سورة النحل في قوله تعالى: وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ [النحل: ١٦] ولهذا قال قتادة -وهو من أئمة التابعين-: خلقَ الله هذه النجوم لثلاث: زينةً للسماء، ورجُومًا للشياطين، وعلامَاتٍ يُهتَدَى بها .
ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: كمال إتقان الله عز وجل لمخلوقاته؛ لقوله: ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [فصلت: ١٢] وهذا التقدير لا شك أنه تقدير مُحكَم مُتقَن من جميع الوجوه.
ومن فوائدها: إثبات اسمين من أسماء الله وهما: العزيز العليم، وهذان الاسمان يتضمنان صفتين هما: العزة والعلم، وهنا نسأل: هل في العزيز ما يسمى بالحكم أو بالأثر؟ الجواب: نعم، بناءً على أن من معناه: عزة القهر، والقاهر لا بد من شيء مقهور حتى يتم به القهر، فعلى هذا يكون الإيمان بهذين الاسمين يتضمن ثلاثة أمور:
الأول: الإيمان بالاسم اسمًا لله.
والثاني: الإيمان بالصفة.
والثالث: الإيمان بالأثر، وإن شئت فقل: بالْحُكْم.
تفسير الآيتين (13-14)
00:47:24

ثم قال الله تعالى: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً [فصلت: ١٣] إلى آخره، قال المفسر: (فَإِنْ أَعْرَضُواأي كفار مكة). ومعلوم أن الآية لم تنص على كفار مكة لكن السياق يدل على ذلك، حيث قال: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ [فصلت: ١٣].
(فَإِنْ أَعْرَضُواأي كفار مكة عن الإيمان بعد هذا البيان فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْخوفتكم صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَأي عذابًا يهلككم مثل الذي أهلكهم).
أَنْذَرْتُكُمْالإنذار فسره المؤلف بأنه التخويف، وهو كذلك؛ لأن المنذِر هو من تكلم بكلام يخوف به غيره؛ ولهذا قيل: إن الإنذار هو الإعلام المتضمِّن للتخويف.
وقوله: صَاعِقَةًالصاعقة ما يصعق المرء أي: يُهلكه مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ، والمثلية هنا لا تقتضي -والله أعلم- المماثَلة من كل وجه بل مِثلية في أصل الإهلاك، أو في مآل العذاب، ويحتمل أن الله تعالى أنذرهم مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ.
وصاعقة عاد وثمود نوعان: الرجفة، والريح الشديدة، الذين أُهلكوا بالريح الشديدة هم عاد، والذين أهلكوا بالرجفة والصيحة هم ثمود، وإنما ذكر الله عادًا وثمود؛ لأن العرب يعرفونهما فهم يمرون بديار ثمود إذا ذهبوا إلى الشام، وهم كذلك يعرفون محل عاد الأحقاف، ويذكرون ويتناقلون ما جرى لهم من العذاب، وإلا فهناك أناس أيضًا أهلكهم الله عز وجل لكن لما كان هؤلاء القوم -أعني عادًا وثمود- هم الذين تعرفهم العرب -أي كفار مكة- نص عليهم، مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ، عَادٍهم قوم هود، وثَمُودَهم قوم صالح.
أُهلكت عاد بالريح، والحكمة من ذلك أن يريهم الله عز وجل ضعفهم، وكانوا قد افتخروا بقوتهم فقالوا: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً [فصلت: ١٥]، فقال الله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً [فصلت: ١٥]. وأما ثمود فأهلكهم الله عز وجل برجفة وصيحة، صِيح بهم وأرجفت بهم الأرض فهلكوا.
إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ [فصلت: ١٤] إلى آخره إِذْهذه ظرف للتعليل يعني عن تعليل الصاعقة التي أهلكتهم سبب ذلك أن الرسل جاءتهم من بين أيديهم ومن خلفهم قال المفسر: (أي مقبلين عليهم ومدبرين عنهم فكفروا كما سيأتي والإهلاك في زمنه فقط).
إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ. قوله: مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْيقول المؤلف: (أي مُقبلين عليهم ومُدبرين عنهم) يعني تارة يقبلون فيدعون، وتارة يُدبرون فيهددون إذا لم يؤمنوا، ويحتمل أن يكون المراد من بين أيديهم ومن خلفهم أي أتوهم بالآيات الماضية والآيات المستقبلة، فلم يُقصِّروا في بيان الحق بل جاؤوا ببيان الحق من كل وجه.
وقوله: (فكفروا) هذا هو المقصود من الإنذار؛ أنهم كفروا فأُهلكوا، ولهذا قال: (والإهلاك في زمنه فقط) أي في زمن الكفر، وليس في زمن المجيء؛ لأن الرسل جاءت أولًا، ثم دعت ودعت، فلما أصروا على كفرهم أهلكوا، (أن أي بأن لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ) أفادنا المؤلف رحمه الله أن (أن) هنا مصدرية، والتقدير: بألَّا تعبدوا. أي جاءتهم بعدم عبادة غير الله، ويحتمل أن تكون (أن) تفسيرية؛ لأنه سبقها معنى القول دون حروفه؛ لأن مجيء الرسل جاؤوا بكلام ووحي يتكلمون به، ففيه معنى القول دون حروفه، وكلما جاءت (أن) بعد ما فيه معنى القول دون حروفه فإنهم يسمونها تفسيرية مثل قوله تعالى: فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا [المؤمنون: ٢٧] أوحينا أن اصنع الفلك.
وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي [النحل: ٦٨] فـأَنهنا تفسيرية، فكلما جاءت أَنبعد ما تضمن معنى القول دون حروفه فإنها تكون تفسيرية، إذن أَنهنا يحتمل أن تكون مصدرية كما مشى عليه المفسر، وأن تكون تفسيرية.
ينبني على هذا الخلاف كيف نعرب (لا)؟ إن أعربنا أَنمصدرية فـ(لا) نافية، والفعل منصوب بـ(أن)، وإن أعربناها تفسيرية فـ(لا) ناهية، والفعل مجزوم بـ(لا).
فإعراب تَعْبُدُواإذن يتنزل على الخلاف في أيش؟ في أَنقل يا أخ! إذا جعلناها تفسيرية يكون الفعل مجزومًا بماذا؟
طالب: (...).
الشيخ: كيف تعرب الفعل إذا كانت أَنتفسيرية؟
طالب: فعل مضارع مجزوم بـ(لا) الناهية.
الشيخ: أحسنت، فعل مضارع مجزوم بـ(لا) الناهية، وإذا أعربنا (أن) مصدرية؟
طالب: منصوبة بـأَن.
الشيخ: منصوبة بـأَنتمام، وتكون على هذا (لا) نافية بالفاء، وعلى الأول تكون ناهية.
أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا [فصلت: ١٤] إلى آخره (لا تعبدوا إلا الله) هو معنى قول (لا إله إلا الله)؛ لأن (لا إله) بمعنى لا معبود حق إلا الله، وهؤلاء يقول: (لا تعبدوا إلا الله) فهي بمعنى لا إله إلا الله، وهي بمعنى قوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: ٢٥].
ومتى حقق الإنسان هذه الكلمة (لا إله إلا الله) فلا بد أن يقوم بطاعة الله، لا بد، ما دمت تشهد بأنه لا إله إلا الله فلا بد أن تتخذ الوسائل التي تُوصلك إلى هذا الإله الذي شهدتَ أنه لا إله سواه.
قَالُواالفاعل مَنْ؟ قوم عاد وثمود. (قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَعلينا مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِعلى زعمكم كَافِرُونَ).
هذا الجواب، جواب في غاية السقوط: لو شاء ربنا أن نهتدي وألا نعبد إلا الله لأنزل ملائكة، وعلى هذا التقدير الذي قلت لكم يكون مفعول شَاءَمحذوفًا أي: لو شاء ربنا ألا نعبد إلا إياه لأنزل ملائكة، فـلَوْشرطية، وشَاءَفعل الشرط، وجواب الشرط لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً [فصلت: ١٤]، ومفعول شَاءَمحذوف، التقدير: لو شاء ألا نعبد إلا إياه لأنزل ملائكة.
هذه الحجة حجة باطلة؛ لأن المرسل إليهم هل هم ملائكة أو بشر، أجيبوا؟
الطلبة: بشر.
الشيخ: بشر، ما فيه إشكال، فكيف ينزل الله ملائكةً على بشر؟ ثم إن الله قال في جواب هذا: ولو أنزلنا ملكًا لجعلناه رجلًا؛ يعني بصورة رجل، لا يمكن أن ينزل ملكًا بصورة الملك على بشر، لو فُرِض أن الله أنزل ملكًا لجعله بصورة البشر، وحينئذٍ تعود الشبهة وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ [الأنعام: ٩]، أرأيتم لو أرسل الله إلى بني آدم جبريل وله ست مئة جناح قد سَدَّ الأفق، يتطابق هذا مع الناس؟ أبدًا بل يهربون منه، ولا يقفون أمامه، فإذا كان كذلك بطلت هذه الحجة؛ لأننا نقول لهؤلاء ولمن قال مثل قولهم: لو أنزل الله ملكًا لجعله رجلًا، وحينئذٍ تعود الشُّبْهة.
إذن الحجة باطلة لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً. وقوله: لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَعلينا مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَالفاء هنا للتفريع أي: فبناءً على أنه لم يُنزل ملائكة إنا بما أرسلتم به كافرون.
نسأل الله العافية، أكدوا كفرهم وقالوا: بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ. فقُدِّم المفعول؛ لأن بِمَا أُرْسِلْتُمْمتعلق بـكَافِرُونَفلماذا قدم عليه؟ لوجهين: الوجه الأول: مراعاة فواصل الآيات، لو قال: فإنا كافرون بما أرسلتم به؛ لم تتناسب الفواصل، ولما قال: بما أرسلتم به كافرون. تناسبت الفواصل ومراعاة المناسبة أمر ثابت، أرأيتم موسى وهارون أيهما أفضل؟
الطلبة: موسى.
الشيخ: ومن الذي يقدم في القرآن؟
طلبة: هارون.
الشيخ: موسى يا ناس، وين أنتم؟! إلا في آية واحدة؛ من أجل التناسب، في سورة طه ذكر الله عن السحرة أنهم قالوا: قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى [طه: ٧٠] مع أنهم كانوا قالوا: آمَنَّا بِرَبِّ [الأعراف: ١٢١] مُوسَى وَهَارُونَ [الأعراف: ١٢٢]، هذا قول السحرة لكن لما نقله الله عنهم في سورة طه قدم ذكر هارون؛ لتناسب الآيات مع أن موسى أفضل، وموسى هو الذي نطق بتقديمه السحرة كما في آيات عدة لكن الله عز وجل نقل كلامهم في سورة طه مقدمًا هارون لماذا؟
الطلبة: لتناسب الفواصل.
الشيخ: نعم، لتناسب الفواصل، هنا فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَقُدِّم المتعلِّق وهو بِمَا أُرْسِلْتُمْعلى المتعلَّق؛ لسببين: السبب الأول: مراعاة الفواصل، السبب الثاني: الحصر، كأن هؤلاء المكذبين المعاندين قالوا: لو أنا آمنا بكل شيء لكفرنا بما أُرسلتم به، فكأنهم يقولون: لا نكفر بأي شيء إلا بما أُرسلتم به، وتقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر.
شوف العناد بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَكأنهم قالوا: لا نكفر إلا بما أُرسلتم به، هذا معنى الحصر، فيكون هذا أبلغ في العناد كأنهم يقولون: لو آمنا بكل شيء فلن نؤمن بما أُرسلتم به.
ثم إن قوله: بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِقالوه على سبيل التنزُّل؛ ولهذا قال المفسِّر: (على زعمكم). وإنما قلنا: إنهم قالوه على سبيل التنزل؛ لأنهم لو قالوه على سبيل الإقرار لآمنوا لكانوا مؤمنين، لكن قالوه على سبيل التنزل بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ. في هذه الآية أمْر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن ينذر هؤلاء المكذبين بعذاب من قبلهم؛ لقوله: فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ [فصلت: ١٣].
ومن فوائد هذه الآية: إثبات القياس؛ لأن إنذار المكذبين إذا لم يكن المراد بذلك قياس حال المكذبين للرسول على حال المكذبين لهود وصالح لم يكن لهذا الإنذار فائدة، لولا القياس ما كان لهذا الإنذار فائدة؛ إذن ففيه جواز القياس والاعتبار بالنظير والمماثل، ولقد قال الله تعالى في آية أخرى: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ [يوسف: ١١١] وإثبات القياس دليلًا من محاسن الشريعة؛ لأن إثبات القياس دليلًا هو مقتضى العقل السليم؛ إذ إن العقل لا يمكن أبدًا أن يفرق بين متماثلين.
وعلى هذا فالذين أنكروا القياس خالفوا الدليل السمعي والدليل العقلي، الذين أنكروه وقالوا: لا قياس في الشريعة. سبحان الله! القرآن كله يشير إلى هذا، كل الأمثال المضروبة في القرآن كلها دليل على القياس لا شك وإلا لم يكن فائدة في الْمَثل، السنة أيضًا أتت بالقياس «أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَتِهِ؟ اقْضُوا اللَّهَ فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ» . هم أيضًا مخالفون للعقل؛ لأنه لولا ثبوت القياس لكانت الشريعة ناقصة، حيث لم تجمع بين المتماثلين، إذن في الآية اللي معنا إثبات القياس.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الرسل أتوا قومهم من كل جانب مُقبِلين ومُدْبِرين، يُرونهم الآيات الماضية والآيات المستقبَلة ولكن لا فائدة.
ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أن الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أتوا بتحقيق التوحيد؛ لقوله: أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ [فصلت: ١٤]، وهذه هي الأصل الأصيل الذي دعت إليه الرسل جميعًا الدليل على أنهم الرسل جميعًا؟
طالب: (...).
الشيخ: لا.
طالب: (...).
الشيخ: نعم، وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل: ٣٦] وآية أصرح منها؟
طالب: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: ٢٥].
الشيخ: نعم هذه صريحة وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِذكرنا في قوله: إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ [فصلت: ١٤] أن المؤلف يقول: (مقبلين ومدبرين). وقلنا معنًى آخر: آتيناهم بالآيات الماضية والمستقبلة، وهناك أيضًا انقدح في ذهني الآن مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْالرسل الذين جاؤوهم مباشرة يعني ثمود جاءهم صالح، وعاد جاءهم هود.
وَمِنْ خَلْفِهِمْالرسل السابقة؛ ولهذا قال: إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ، ومعلوم أن الذي أرسل إلى عاد هود، وإلى ثمود صالح وهما اثنان، والرسل جمع فيقتضي أن يكون المعنى: إذ جاءتهم الرسل السابقون واللاحقون، ولعل هذا أقرب الاحتمالات الثلاثة.
ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أن أهل الباطل يُشبِّهون بما ليس له حقيقة، وذلك حين ردوا دعوة الرسل بما لا يصح أن يكون ردًّا فما هو الذي ردوا به؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، ما هو الذي ردوا به، ويش شبهتهم؟
طالب: قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً [فصلت: ١٤].
الشيخ: أحسنت، هل هذه الشبهة حجة؟
الطالب: لا، ليست بحجة.
الشيخ: ليست بحجة، ما دليلك على أنها ليست بحجة؟
الطالب: الدليل أن الله عز وجل يقول في آية أخرى: وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ [الأنعام: ٩] وحينئذٍ لو أنزل الله عز وجل ملائكة لجعله رجلًا وتعود الشبهة.
الشيخ: تمام.
من فوائد هذه الآية: شدة عناد المكذبين لصالح وعاد.
طالب: هود.
الشيخ: نعم، وهود، أحسنت، وجهه؟
الطالب: أنهم حتى مع إثبات الرسالة لهم فهم مصرون على عنادهم و(...).
الشيخ: أيضًا وجه آخر أشرنا إليه؟
طالب: أنهم بقولهم هذا حصروا التكذيب ..
الشيخ: كفرهم.
الطالب: حصروا كفرهم بما جاءت به رسلهم.
الشيخ: كأنهم يقولون: لو آمنا بكل شيء لم نؤمن بما أرسلتم به خاصةً، ووجه الخصوصية تقديم الجار والمجرور على متعلقه.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المكذبين للرسل يؤمنون بالملائكة وهم كفار؛ لقوله: لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً.
ومن فوائدِها أيضًا: أن المقر بالربوبية لا يُعتبر مؤمنًا حتى يقر بالألوهية؛ لقوله: لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً، وهكذا الكفار الذين بُعِث فيهم الرسول عليه الصلاة والسلام كانوا مقرين بالربوبية وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ [الزخرف: ٩] وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف: ٨٧] ولكن الإيمان بالربوبية لا يكفي في كون الإنسان مسلمًا لا بد من الإيمان بالألوهية إضافةً إلى الإيمان بالربوبية، أيهما المستلزِم للآخر، وأيهما المتضمِّن للآخر؟ المستلزم للآخر: مَنْ آمن بالربوبية؛ لزمه أن يؤمن بالألوهية، إذن المستلزِم هو الربوبية، ومن آمَن بالألوهية فقد تضمن إيمانه بالألوهية الإيمان بالربوبية، واضح؟
الطلبة: واضح.
الشيخ: فأحدهما متضمن للآخر والثاني مستلزم للآخر.
أيضًا ومن مظاهر العناد لهؤلاء أنهم أكدوا كفرهم بـ(إن (فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَفصار تأكيدهم لكفرهم وعنادهم من عدة أوجه: أولًا: التأكيد بـ(إن).
وثانيًا: الحصر، وذلك بتقديم ما حقه التأخير؛ أي بتقديم الجار والمجرور على متعلَّقه.
والثالث: أنهم أتوا به بالجملة الاسمية الدالة على الثبوت والاستمرار بخلاف الفعلية، فهي دالة على الحدوث وعدم الاستمرار، وهنا أتوا بالجملة الاسمية الدالة على الثبوت والاستمرار.
طالب: قوله: خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُيدل على أن الكفار كانوا يُوحِّدون الله في الأسماء والصفات؟
الشيخ: قد يكونون وقد يكونون أقروا ببعض الأسماء والصفات؛ لأنهم ينكرون الرحمن.
الطالب: البعض؟
الشيخ: إي، البعض يثبتونه لا شك.
طالب: (...) مقبلين أو مدبرين (...).
الشيخ: ثلاثة احتمالات نعم، الأول: ما قاله المؤلف، والثاني: الإقبال بالآيات والإدبار بها، الآيات السابقة والآيات اللاحقة، والثالث: الرسل السابقون واللاحقون.
طالب: قوله تعالى: وَهِيَ دُخَانٌ [فصلت: ١١] هل كان الدخان قبل خلق السماوات والأرض قديمًا؟
الشيخ: لا، قديمًا ماء، ثم تكوَّن من هذا الماء البخار حين خلق الله الأرض.
الطالب: (عاد وثمود) يعني بالنسبة للناحية الإعرابية من ناحية الإعراب يعني: فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ [فصلت: ١٣] ثَمُودمعطوفة على أي شيء؟
الشيخ: على عَادٍ.
الطالب: وعَادٍمجرورة؟
الشيخ: وثَمُودَمجرورة؟
الطالب: لا، مو مجرورة؛ منصوبة.
الشيخ: ما هو مجرور؟ مجرور، بشيء مؤكد أنه مجرور.
الطالب: لا، عندنا ما هو مجرور.
الشيخ: ورِّينا عند غيرك!! وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا [الأعراف: ٧٣] إِلَى ثَمُودَإِلَىما هي بحرف جر؟!
الطالب: نعم.
الشيخ: وثَمُودَ؟
الطالب: منصوب.
الشيخ: مجرور، الظاهر أنك ما تعلمت النحو؟ نعم، قل نعم ولَّا لا؟
الطالب: نعم.
الشيخ: لم تتعلم؟
الطالب: تعلمت شوية.
الشيخ: إي، إذن اصبر حتى تتعلم ويتبين لك، ما تقول: هل هو منصوب ولا مجرور؟ ثَمُودَ؟ أنت.
طالب: مجرور.
الشيخ: كيف مجرور وعليه فتحة؟
الطالب: مجرور وعلامة جره الفتحة؛ لأنه ممنوع من الصرف.
الشيخ: إيه، شوف الممنوع من الصرف يا أخ يُجر بالفتحة ولا ينون.
الطالب: إيه سببه، يعني السبب؟
الشيخ: السبب اللغة العربية.
طالب: شيخ، بالنسبة لقوله: تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [فصلت: ١٢] كيف نستطيع نستنبط الصفة الثالثة من اقتران هذين الاسمين؟
الشيخ: العزة والعلم، اجتماع العزة والعلم كمال؛ لأن العزيز بلا علم قد يبطش عن جهل، والعليم بلا عزة ضعيف.
الطالب: الكلام اللي ذكره سبحانه وتعالى عن قوم عاد وثمود قولهم: فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ(...) هل هو اللفظ الذي قاله القوم أم أنه على لسان حالهم ومقالهم؟
الشيخ: لا، قالوه.
الطالب: نفس اللفظ هذا قالوه؟
الشيخ: لا، هم لغتهم غير عربية لكن الله ينقل عنهم بالمعنى.
الطالب: والعرب؟
الشيخ: العرب؟ أيش العرب؟
الطالب: (...) كفار قريش (...).
الشيخ: لا، هذا حكاية عن عاد وثمود، لكن قريش كذبوا الرسول، معروف.
طالب: نقل هذه الشبهة عنهم (...)، نقلها يكفي في إبطالها أو الرد في آية أخرى.
الشيخ: كان يقال: تصور هذا القول كافٍ في رده وإبطاله، يعني حتى كفار قريش قالوا هكذا في سورة الأنعام: وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (٨) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ [الأنعام: ٨- ١٠ ].

***

تفسير الآيتين (15-16)
01:16:59

الطالب:
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ [فصلت: ١٥، ١٦].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى لما ذكر أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن ينذر قريشًا بصاعقة مثل صاعقة عاد وثمود بيَّن ماذا كان من عاد وماذا كان من ثمود، فقال جلَّ وعلا: فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ(أما) هذه أداة شرط وتفصيل، أما كونها أداة شرط؛ فلأن لها شرط وجزاء فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا، وأما كونها أداة تفصيل؛ فلأنها تأتي كذلك في التفصيل: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى [الليل: ٥، ٦] وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى [الليل: ٨، ٩] فهي إذن حرف شرط وتفصيل.
فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّاستكبروا أي: أصابهم الكِبر؛ وإنما أتت السين والتاء للمبالغة؛ أي: تكبَّروا تكبُّرًا عظيمًا.
وقوله: بِغَيْرِ الْحَقِّهذه ليست صفة مقيدة ولكنها صفة كاشفة؛ لأن كل استكبار في الأرض فإنه بغير الحق، فالاستكبار لا ينقسم إلى قسمين، بل هو قسم واحد، فكل استكبار فإنه بغير حق، ويسمى مثل هذا القيد صفةً كاشفة؛ أي تكشف ما سبق، وتبين حقيقته، إذن فما حقيقة الاستكبار؟ أنه بغير حق، والحق ضد الباطل، والباطل إما أن يكون في الخبر، وإما أن يكون في الطَّلب، فأما الباطل في الخبر فأن يكون كذبًا، وأما الباطل في الحكم فأن يكون جورًا، وقوله تعالى: وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ [الحج: ٦٢] يشمل الأمرين: يشمل دعواهم أن هذه آلهة، وهذه دعوى كاذبة، ويشمل عملهم لهذه الآلهة وهو جور وظلم، حيث يعدلون المخلوق بالخالق.
وَقَالُوايعني من جملة ما استكبروا به. (قَالُوالما خُوِّفوا بالعذاب مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً) أي: لا أحد. ومَنْهنا استفهام بمعنى النفي والإنكار، وقد كررنا مرارًا أن الاستفهام إذا كان بمعنى الإنكار والنفي صار أبلغ من النفي المجرد؛ لأنه يتضمن التحدي.
مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةًومَنْكما تعلمون اسم استفهام وأَشَدُّخبر المبتدأ؛ لأن مَنْمبتدأ، وأَشَدُّخبر المبتدأ، وقُوَّةًتمييز لـأَشَدُّومن الضوابط الغالبة أنه إذا أتى الاسم منصوبًا بعد اسم التفضيل كان تمييزًا، مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةًأي لا أحد، ثم ذكر المؤلف نموذجًا من قوتهم قال: (كان واحدهم يقلع الصخرة العظيمة من الجبل يجعلها حيث يشاء). وهذا المثال قد يكون حقًّا وقد يكون إسرائيليًّا؛ لأن المعروف أن عادًا كانوا أيش؟
طالب: ينحتون.
الشيخ: النحت إذا ثبت ممكن يحملون الجبل، أين موقعهم؟
وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ [الأحقاف: ٢١] والمعروف أن الأحقاف كلها جبال رملية، لكن على كل حال سواء صح هذا المثال أم لم يصح فإنهم كانوا بلا شك أقوياء أشداء فقالوا: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةًقال الله تبارك وتعالى رادًّا عليهم: أَوَلَمْ يَرَوْاأي يعلموا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً [فصلت: ١٥]، وهذا تقرير لكون الله تعالى أشد منهم قوة. أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْولم يقل: إن الله أشد، بل قال: خَلَقَهُمْ؛ ليبين ضعفهم وأنهم مخلوقون، وأن الخالق سوف يكون أقوى منهم، فالذي خلقهم أشد منهم قوة؛ لأنه هو الذي أعطاهم القوة ومُعطِي الكمال أولى به، وهذا هو الحكمة من كونه تعالى قال: أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْولم يقل: أولم يعلموا أن الله الذي خلق السماوات والأرض، أو أن الله هو أشد منهم قوة؛ ليبين ضعفهم وأنهم مخلوقون ضعفاء.
قال: وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ [فصلت: ١٥]. قوله: وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَهذه معطوفة على قوله: فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِوَقَالُوا [فصلت: ١٥]، وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ. قال: (بآياتنا المعجزات) يَجْحَدُونَيعني يُكذِّبون؛ لأن الجحد هو التكذيب والإنكار ولا سيما وهو مُعدًّى بـ(الباء) الدالة على ذلك، وقول المؤلف: بآياتنا معجزاتنا.
فيه نظر؛ لأن الآيات هي العلامات والدلالات على الخالق عز وجل وليست معجزات، وقد ذكرنا أن المعجزات تأتي آيات وتأتي من الشياطين بواسطة السحرة وغير ذلك لكن إذا قلنا: آيات. صار معناه علامات دالة على الحق وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ.
({فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا} [فصلت: ١٦] باردة شديدة الصوت بلا مطر) رِيحًاهنا نكرة يُراد بها التعظيم؛ أي: ريحًا عظيمة صَرْصَرًاشديدة الصوت، تسمع لها صوتًا كالرعد من شدتها، وشدة اصطدامها بالهواء والأشجار والأحجار والبيوت.
وقول المؤلف: (بلا مطر) هذه الظاهر أنها لا تدل عليه السياق الموجود الآن، الموجود في هذه الآية لا يدل على أنه بلا مطر فيما يظهر لي لكنه قد دل عليه قوله تعالى: وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ [الذاريات: ٤١] يعني التي ليس فيها مطر؛ لأن المطر من أسباب الرياح، يرسلها الله تعالى فتثير سحابًا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفًا فترى الودق يخرج من خلاله، لكن ريح عاد ليس فيها ذلك.
({فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ} [فصلت: ١٦] بكسر الحاء وسكونها مشؤومات عليهم) فِي أَيَّامٍهذه الأيام بيَّن الله قدرها في آية أخرى في قوله: سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا [الحاقة: ٧] ابتدأت بالفجر وانتهت به، أو بالغروب؟ ابتدأت بالفجر وتنتهي؟ نشوفها: الأول والثاني والثالث والرابع والخامس والسادس والسابع، سبع ليالٍ وثمانية أيام، ثمانية أيام تنتهي بالغروب، وسبع ليال لأن الليلة الأولى حُذفت.
يقول عز وجل: (لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِالذل فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) اللام للعاقبة، ويحتمل أن تكون للتعليل، وكلاهما صحيح؛ فإن الله تعالى أرسل عليهم الريح العقيم لهذا الغرض، أو أرسل عليهم الريح العقيم حتى كانت عاقبتهم أن ذاقوا عذاب الخزي في الحياة الدنيا؛ يعني هذه الحياة التي نحياها وسُمِّيت دُنيَا لوجهين: لدناءتها وحقارتها بالنسبة للآخرة؛ لأن موضع سوط الإنسان في الجنة خير من الدنيا وما فيها؛ ولأنها أيضًا دنيا مُنغَّصة، لا تكاد يمر بك الشهر إلا وقد وجدت تنغيصًا بل أقل من ذلك كما قال الشاعر:
فَيَوْمٌ عَلَيْنَا وَيَوْمٌ لَنَا وَيَوْمٌ نُسَاءُ وَيَوْمٌ نُسَرْ

الوجه الثاني: لدنوها؛ لأنها سابقة للآخرة فهي أدنى إلى المخلوقات من الآخرة، إذن لماذا سُميت دنيا؟
طالب: إما لدناءتها أو حقارتها، وإما (...)، أو إما؛ لأنها والدناءة كذلك من أنها كثيرة المنغصات ليست كالآخرة، أو أنها لدنوها وقربها.
الشيخ: إي، كما قال تعالى: قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ [الحاقة: ٢٣] أي قريبة، وقول أسامة: إما لكذا وإما لكذا خطأ والصواب: لكذا وكذا؛ لأنها جمعت بين الأمرين ما هي بـ(إما لهذا وإما لهذا).
قال تعالى: وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى [فصلت: ١٦] أشد وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ [فصلت: ١٦] بمنعه عنهم، اللام في قوله: وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِيسمونها لام الابتداء وهي للتوكيد؛ ولذلك إذا جاءت (إن) أين تذهب اللام؟ تُزحلق تُؤخَّر عن مكانها، وتكون في المتأخر من اسم (إن) أو خبرها، وإنما زحلقناها؛ لئلا يجتمع في أول الكلام مؤكدان متواليان؛ ولهذا نقول: اللام في قوله: وَلَعَذَابُهي لام الابتداء وتفيد التوكيد، ويدل لهذا أنها مع (إن) تُزحْلق حتى تُبعد عنها. وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَىيعني أشد خزيًا -والعياذ بالله- لأن عذاب الدنيا لا يسمع به من سبق، أليس كذلك؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: ولا يراه من لحق، أليس كذلك؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: لا يسمع به من سبق؛ لأنه جاء بعدهم، فالقوم الذين قبل عاد ما علموا بذلك، والقوم الذين بعدهم ما رأوه؛ سمعوا به ولم يروه، لكن في الآخرة سماع ورؤية -والعياذ بالله- الذي يُعذَّب في الآخرة سماع ورؤية يسمعه كل أحد، السابق واللاحق؛ ولهذا قال: أَخْزَىثم هو أيضًا أشد كما قال تعالى في آية أخرى: وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى [طه: ١٢٧] أشد وأعظم كما تعرفون من عذاب النار أعاذنا الله وإياكم منها.
وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَهذه استئنافية يعني أنهم في الآخرة لا أحد ينصرهم، في الدنيا ربما يُنصر الإنسان من العذاب بدفعِه أو رفعِه: بدفعه قبل وقوعه، أو رفعه بعد وقوعه لكن في الآخرة لا ناصر.
في هذه الآيات فوائد، منها: بيان عِظم استكبار هؤلاء المكذبين لنبيهم؛ أعني عادًا؛ لقوله: فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً [فصلت: ١٥].
ومنها: بيان طغيان الإنسان، وأن الإنسان لا حد لطغيانه؛ لأن وصوله إلى هذه الدرجة مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةًيدل على الطغيان العظيم والكبرياء.
ومنها: حِكمة الله عز وجل بأخذهم بالعذاب حيث أُخِذوا بما هو ألطف الأشياء وهو الريح اللطيفة التي يكون بها إنعاش البَدَن وتقويته ونشاطه هي التي أُهلك بها عاد؛ لأنهم قالوا: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً، وانظر إلى فرعون حين قال: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ [الزخرف: ٥١، ٥٢] بماذا عُذِّب؟ بالماء الذي كان بالأمس يفتخر به.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بلاغة القرآن في الإقناع وإقامة الحجة؛ لقوله: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً [فصلت: ١٥] وجه ذلك أنه قال: الَّذِي خَلَقَهُمْ.
ومن فوائد الآية الكريمة: جواز عقد المفاضلة بين الخالق والمخلوق؛ لقوله: أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةًمع أنه سبحانه وتعالى أشد من كل أحد لكن المقام مقام مُحاجَّة، ومقام المحاجَّة لا بأس أن يُذكر فيها المفاضلة بين المُفضَّل والْمُفضَّل عليه، ونظير هذا بل أبلغ منه قول الله تعالى: آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ [النمل: ٥٩] أفيدوني: هل في أصنامهم خير؟
طالب: لا.
الشيخ: لكن هذا من باب المحاجَّة، وأن الإنسان يحاج الخصم بما يُقِرُّ به..