لكن المقام مقام مُحاجَّة، ومقام المحاجة لا بأس أن يُذكَرَ فيها المفاضلة بين
المفضل والمفضل عليه، ونظيرُ هذا بل أبلغ منه قول الله تعالى: آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ [النمل: ٥٩]، أفيدوني: هل
في أصنامهم خير؟
طلبة: لا.
الشيخ: لكن هذا من باب المحاجة، وأن الإنسان يحاجُّ الخَصْمُ بما
يُقرُّ به.
قوله: هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً [فصلت: ١٥] يتفرَّع على هذا من الفوائد: خطأُ مَنْ يفسِّر قولََ الله تعالى: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام: ١٢٤]، وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [الإسراء: ٥٥]، وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [الأنعام: ١١٧]، وما أشبه ذلك، حيث يُفسِّر أَعْلَمُبـ(عالم) كالجلالين رحمه الله.
أَعْلَمُيقول: (عالم) هذا خطأ عظيم وتحريف للقرآن
أيهما أبلغ؛ أعلم أو عالم؟
طلبة: أعلم.
الشيخ: أعلم؛ لأن أعلم يمنع المشاركة، وعالم لا يمنع المشاركة،
تقول: فلان عالم، وفلان عالم، وفلان عالم، لكن إذا قلت: فلان أعلم؛ معناه أنه لا
يساويه أحد في درجته، فتفسير أَعْلَمُبـ(عالم) لا شك
أنه تحريف في القرآن وقصور عظيم.
من فوائد هذه الآية
الكريمة: بيان أن هؤلاء المكذِّبين لهود -وهم عاد- جمعوا بين الأمرين: بين
الاستكبار، وبين التكذيب؛ الاستكبار في قوله: فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ، التكذيب وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ [فصلت: ١٥].
ومِن فوائد هذه الآية
الكريمة: أن الله عزَّ وجلَّ أرسل الرسل بالآيات وأقام البينات والبراهين
على أنه الحق، وأن رسله حق؛ لقوله: بِآيَاتِنَا.
ومن فوائد هذه
الآيات: أن الرياح تجري بأمر الله؛ لقوله: فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا [فصلت: ١٦]، ولا شك أن كل شيء يجري بأمر الله، حتى أفعال
البشر تكون بأمر الله عز وجل، كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، فكل شيء يسير بأمر
الله عز وجل؛ الرياح، السحاب، البحار، الأنهار كلها تجري بأمر الله عز
وجل.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان حال هذه
الريح التي أهلك الله بها عادًا، وأنها ريح صرصَرٌ شديدة، وفي آيات أخرى ما يدل على
أنها ليس فيها مطر، وليس فيها خير، بل هي عقيمة من الخير كله.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: حكمة الله عز وجل في مجازاة
مَنْ يستحق الجزاء؛ حيث يُجازى بمثل عمله؛ ولهذا يقول العلماء: الجزاء من جنس
العمل، وجه ذلك أن الله أرسل على هؤلاء المستكبرين الذين يقولون: من أشد منا قوة؛
أرسل عليهم الريح اللَّيِّنة الهينة، ومن حكمة الله عز وجل في هذا العذاب أنها لم
تكن تَجْرِفُهم في آن واحد، بل سُلِّطت عليهم سبعَ ليالٍ وثمانية أيام؛ ليكون هذا
أشد في استمرار العقوبة؛ لأن الإنسان المعاقَب لو عوقب بما يهلكه فورًا لكان ينتهي
من العقوبة، لكن إذا كانت العقوبة تأتي عليه في ساعات أو أيام صار هذا
أشد.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيانُ أن أفعال
الله تعالى مقرونة بالحكمة؛ لقوله: لِنُذِيقَهُمْ [فصلت: ١٦]، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة؛ أن أفعال الله تعالى مقرونة بالحكمة،
وأن شرعَه مقرونٌ بالحكمة، فكل ما شرعه أو قدَّره فإنه لحكمة، لكن هل هذه الحكمة
معلومة؟ منها ما هو معلوم، ومنها ما ليس بمعلوم.
اضرب لي مثلًا بما حكمته غير
معقولة؛ يعني لا ندركها بالعقل.
طالب: يعني: شيء لا
يدركه العقل.
الشيخ: فيه أشياء من الشَّرْع أو من
القَدَر معلومة الحكمة، وفيه أشياء غير معلومة، أنا أريد أن تضرب لي مثلًا للأشياء
غير المعلومة التي لا نعلم حكمتها.
الطالب: تعني من
المقدرات؟
الشيخ: لا، من المشروعات أسهل لك.
الطالب: من المشروعات يعني: مثل ما يُعذِّب به الكفار..
الشيخ: لا، هذه حكمة معلومة.
طالب:
فرض خمس صلوات.
الشيخ: نعم، مثل الصلوات الخمس ما نعلم
الحكمة في أنها خمس، أو نعلم الحكمة في أنها أربع، وأربع، وأربع، وثنتين، وثلاث، ما
نعلم؛ لأن عقولنا قاصرة، لكننا نعلم أن الله لا يفعل شيئًا إلا لحكمة؛ ولهذا كان
جواب عائشة لِمُعاذَة أن قالت: كان يصيبُنا ذلك فنُؤْمَر بقضاء
الصوم، ولا نؤمَر بقضاء الصلاة ؛ يعني: وإذا كان الأمر كذلك؛
نؤمر بقضاء هذا دون هذا، فهذا لا بد أن يكون لحكمة.
طيب، من علماء الأمة
وفِرَقِها من يقول: إن أفعال الله لا تعلل، ما لها حكمة، وشرعه ما له حكمة، يفعل
لمجرد المشيئة، يحكم بالشَّرع لمجرد المشيئة، وهؤلاء لا شك أنهم وصفوا الله بالنقص
والسفه، وقد أنكر الله على ذلك في قوله تعالى: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ [ص: ٢٧]، وقال: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ [الدخان: ٣٨]، وقال: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ [المؤمنون: ١١٥]، والآيات في هذا كثيرة، وكل آية فيها لام التعليل فإنها تدل على
الحكمة.
طيب، فيه أناس عكسوا قالوا: إن أفعال الله مُعلَّلة بحكمة، وأنه يجب
عليه أن يفعل ما تقتضيه الحكمة، وأن يَشْرَع ما تقتضيه الحكمة، وهؤلاء أصابوا من
وجه وأخطؤوا من وجه، أصابوا حيث ظنوا أننا نوجب نحن على ربنا بعقولنا ما نرى أن
الحكمة تقتضيه، وهذا غلط ولَّا صح؟
هؤلاء يقولون: يجب على الله أن يفعل ما فيه
الحكمة وجوبًا، هذا غلط من وجه، وصحيح من وجه، فإن أرادوا بذلك أنَّنا نوجب على
الله أن يفعل ما تقتضي عقولنا أنه الحكمة، فهذا غلط، وإن أرادوا أن الله أوجب على
نفسه أن يفعل ما به الحكمة؛ لأنه حكيم فهذا صحيح، ونحن لا نشك أنَّ الحكمة هي مرادُ
الله عز وجل، وأنه لا يفعل شيئًا ولا يحكم شيئًا إلا لحكمة، لكن هل نحن الذين
نُقدِّر الحكمة ثم نوجب على الله أن يفعل؟ هذا هو الخطأ، فالثاني هذا مذهب
المعتزلة، والأول مذهب الأشاعرة وأتباعهم، والصواب الوسط، ودائمًا خير الأمور
الوسط.
طالب: ما هو الوسط يا شيخ؟
الشيخ: الوسط أن الله يجب عليه أن يفعل؛ لإيجابه على نفسه
الحكمة؛ لأنه نفى أن يكون فعله عبثًا، أو لعبًا، أو باطلًا، وهذا يقتضي أنه سبحانه
وتعالى يفعل الشيء لحكمة، لكن لسنا نحن الذين نوجبها على الله.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن عذاب الآخرة أشدُّ من عذاب
الدنيا؛ لقوله: لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.
ومن فوائدها: أن الكافِرَ
يُعاقب بالعقوبتين: عقوبة الدنيا، وعقوبة الآخرة؛ لقوله: لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى.
أما المؤمن فإن الله تعالى لا يجمع
عليه عقوبتين؛ إذا عوقب بالذنب في الدنيا لم يُعاقَب به في الآخرة؛ لقوله تبارك
وتعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى: ٣٠]، ولأن النبي صلى الله
عليه وسلم أخبر أن مَنْ أتى شيئًا من هذه القاذورات -يعني المعاصي- فعوقب به في
الدنيا لم يُعذَّب به في الآخرة.
فالمؤمن إذا عوقب في الدنيا على عمله لم يعاقبْ
في الآخرة، والكافر يعاقب بهذا وهذا، وانظر إلى قوله تعالى: وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الفرقان: ٦٨، ٦٩] حيث قال: يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ، فإما أن يكونَ المرادُ أنَّ عذاب الآخرة أشد فيكون
بالنسبة لشدَّتِه مضاعفًا، وإما أن يكون هو الجمع له بين عذاب الدنيا وعذاب
الآخرة.
وقولنا: إنه يجمع له بين عذابين ليس معناه أنه حتميٌّ، لكن نقول: إنه
إذا عُذِّب بذنبه في الدنيا لم يَسْلَم من تعذيبه به في الآخرة، انتبهوا لهذا حتى
لا يَرِدَ علينا أنَّ الكفار الآن يموتون وهم في غاية ما يكون من السرور والعافية
والأموال والأولاد ولم يجدوا عذابًا.
والمعنى أنهم لم يجدوا عذابًا يُشاهَد، لكن
العذابَ القلبيَّ عندهم لا شك أنه موجود، أشد الناس عذابًا قلبيًّا وقلقًا هم
الكفار، وكلما كان الإنسان أعصى لربه كان أشدَّ قلقًا وأقل راحة، وكلما كان أشد
إيمانًا وعملًا صالحًا كان أشد طمأنينة، واستمع إلى قوله تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل: ٩٧]، ولم يقلْ عزَّ وجل: لنعطينَّه مالًا
كثيرًا لا؛ لنحيينه حياة طيبة ولو كان فقيرًا، فتجد حياته طيبة، مطمئن البال،
مستريحًا، لا يهتم بشيء إلا بما يرضي الله عز وجل.
ومن
فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا ناصر للمعذَّبين يوم القيامة؛ لقوله: وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ، وهذه لها شواهد، ومنها قوله تعالى:
يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ [الطارق: ٩، ١٠]، وكذلك هم يُقِرُّون بأنهم فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ [الشعراء: ١٠٠، ١٠١].
ثم قال: وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ.
أما التقسيم الثاني قال: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ [فصلت: ١٧] بينَّا لهم طريق الهدى).
ثَمُودُبلا تنوين، وعَادٌبتنوين، فلماذا؟
طالب: ممنوعة من الصرف.
الشيخ: أيهن؟
الطالب: ثمود.
الشيخ: لأن ثَمُودُممنوعة من الصرف، وعَادٌ؟
الطالب: ليست ممنوعة من الصرف.
الشيخ: ليست ممنوعة من الصرف.
وما هو الصرف؟ هل الصرف جَرُّ ما لا ينصرف بالفتحة، أو الصرف شيء آخر؟
الطالب: عدم التنوين.
الشيخ: عدم التنوين، قال ابن مالك:
| الـــصَّرْفُ تَنْــــوِينٌ أَتَى مُبَيِّنَا | مَعنًى بِهِ يكونُ الاسمُ أَمْكَنَا |
هذا الصرف.
وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْقال المفسر: (بيَّنَّا لهم طريق الهدى) فالهداية هنا هداية بيان؛ يعني بُيِّنَ لهم الحق، واعلم أن كلَّ مَنْ كفر فإنه كفر بعد أن تبيَّن له الحق إذا جاءه الرسول؛ لأن الرُّسُل عليهم الصلاة والسلام يبينون الحق، لا يدعون شيئًا يحتاج إلى بيان إلا بينوه.
قال هنا: فَهَدَيْنَاهُمْأي: بينَّا لهم طريق الحق، فالهداية هنا هداية بيانٌ وإرشاد.
(فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَىاختاروا الكفر عَلَى الْهُدَى) أي: هداية التوفيق؛ يعني على الاهتداء، استحبوا العمى الذي هو الكفر على الهدى الذي هو الذي هو الإسلام.
فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [فصلت: ١٧].
أَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِيعني عذاب الصاعقة؛ لأن ثمود صيح بهم ورُجِفَ بهم فصَعِقُوا، هلكوا هلكة رجلٍ واحد، أصبحوا في أَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ-والعياذ بالله- على رُكَبِهم هامدين.
وقوله: الْعَذَابِ الْهُونِأي: العذاب المهين؛ لأن الهون هو الإذلال.
بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَالباء للسببية، و(ما) إما موصولة، وعليه فيكون عائدُها محذوفًا، التقدير: بما كانوا يكسبونه، وإما أن تكون مصدرية فلا تحتاج إلى عائد ويكون التقدير: بكسبهم.
(وَنَجَّيْنَامنها) أي من صاعقة العذاب الهون الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [فصلت: ١٨] نجينا من هذا العذاب الذين آمنوا وكانوا يتقون، جمعوا بين الإيمان والتقوى، وهذا هو سبب النجاة، وسيأتي إن شاء الله بيان ما يستفاد من الآيات.
طالب: قلنا: إن المؤمن إذا عوقب في الدنيا لم يجمع الله له عذاب الآخرة، هل هذا يشمل حتى لو لم يتب عوقب وهو مصر على ذنبه؟ كالزاني مثلًا.
الشيخ: إي نعم؛ لأنه إذا تاب لا يُعاقَب لا في الدنيا ولا في الآخرة.
الطالب: يا شيخ، التائب من الذنب كمن لا ذنب له، عكسها أنه كمن عليه ذنب؛ لأنه ما استفاد من هذه العقوبة ما ارتدع؟
الشيخ: هو إذا عوقب مُحِيَ عنه إثمُ ما سبق؛ لأنه أخذ جزاءه وانتهى، لكن قد يُؤَخَّر له العذاب إلى يوم القيامة؛ ولهذا إذا أحب الله قومًا عجَّل لهم عقوبة في الدنيا، حتى لا يُخزَوْن بها يوم القيامة.
الطالب: شيخ، لو عوقب الآن، ثم مات مُباشَرَة قبل أن يفعل ذنبًا آخر، هل يعاقب بنية عدم التوبة؟
الشيخ: لا، يعاقَب إن استمرت النية بعد العقوبة، فهذا ربما يعاقب على نيتِه، لا على فعله.
الطالب: شيخ -أحسن الله إليك- قوله تعالى: فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ، وفي الحديث: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ» هل لا يدخل الجنة دُخولًا أوليًّا، أم لا يدخل الجنة أبدًا؟
الشيخ: لا، هذا فيه التفصيل: إن كان الكِبْرُ كفرًا فهو ما يدخل الجنة أبدًا، وإن كان كبرٌ مع الإيمان فإنه لا يدخلها الدخولَ المطلق الذي لم يُسبَق بعذاب، وهذا أيضًا من آيات الوعيد إذا شاء الله تعالى عفا عنه إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء: ٤٨].
طالب: هل مثل قوله: فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّقوله تعالى: وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ [الأعراف: ٣٣]؟
الشيخ: إي نعم، مثلها، يعني: صفة كاشفة هذه.
الطالب: أحسن الله إليك، هل عذاب الكفار، يعني إذا مات متصل إلى يوم القيامة ولَّا هل يوم القيامة يعذبون في الدنيا؟
الشيخ: قل: هل عذاب القبر، بارك الله فيك.
أمَّا عذاب الكفار في الآخرة فمستمر، لكن عذاب القبر بالنسبة للمؤمن قد ينقطع، يُعذَّب بقدر ذنوبه ثم ينقطع، وبالنسبة للكافر فإن الظاهر استمراره.
الطالب: قول الله عز وجل: فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍإضافة النَّحس للأيام.
الشيخ: نعم، لا بأس به، كما قال لوط: هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ [هود: ٧٧]، هذا إذا كان المرادُ به مجرَّد الخبر، وهنا المراد به مجرد الخبر، وأمَّا إذا كان المراد به العيب والسبَّ فإنه لا يجوز، فإذن يكون هذا السب أو العيب إما أن يكون على سبيل الإخبار، أو على سبيل السب، على الأول جائز، وعلى الثاني غير جائز، نظير ذلك إخبار المريض بما يَجِدْ، أحيانًا يسأله صاحبه، كيف أنت البارحة؟ فيتشكَّى يقول: والله ما نمت البارحة، آلام في الرأس، في الرقبة، في الظهر، في البطن، في الرجلين، هذا إذا قاله على سبيل التَّشَكِّي فهذا لا يجوز؛ لأنه ينافي الصبر. وإذا قاله على سبيل الإخبار فلا بأس به، ولهذا بعض المرضى يُقدِّم فيقول: إخبارًا لا شكوى، حصل لي كذا وكذا. فهمت؟
طالب: بارك الله فيك، الذي يعاقَب في نيته هل يعاقب إذا لم يباشرْ هذا الفعل؟
الشيخ: لا، العقاب على النيَّة، إذا نوى الإنسان فعل المعصية إما أن يدافِعَ هذه النية ويدع المعصية لله عز وجل فهذا يثاب، وإما أن يستمر على نيته ويعزم ولكنه يعجز، فهذا يعاقب على نيته.
***
الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ [فصلت: ١٩ - ٢٤].الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
باسم الله نبتدئ هذه الفترة من هذا العام عام سبعة عشر وأربع مئة وألف في الإجازة بين آخر الفصول الدراسية وأولها، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، ومن نعمته تعالى أن كان أول درس نبتدئه في هذه الإجازة تفسير كلام الله عز وجل، ولا ريب أن القرآن الكريم نزل ليتعبَّد الناس بتلاوته وليتدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب؛ قال الله تبارك وتعالى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [ص: ٢٩]، وإذا كان الإنسان لو قرأ متنًا ألَّفه إنسان من البشر فلا بد أن يتفهَّم معانيه، فكذلك كلامُ الله عز وجل من باب أولى أن يتدبر الإنسان معانيه ويتفهمها؛ لأنَّ قراءةً بلا معنى ليست قراءة، فالقارئ الذي لا يفهم المعنى بمنزلة الأميِّ الذي لا يقرأ، ودليل ذلك قوله تعالى: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ [البقرة: ٧٨] يعني: إلا قراءة، فوصفهم الله بأنهم أميون؛ لأنهم لا يعلمون الكتاب إلا قراءةً فقط، وقد ذكر العلماء -رحمهم الله- في تفسير كلام الله عز وجل قواعد مهمة نذكر منها ما يلي:
أولًا: أوَّل وأولى ما يُفَسَّر به القرآن أن يُفَسَّر القرآن بالقرآن؛ لأن الذي فسَّره هو الذي أنزله، وهو أعلم بمراده، فنفسر القرآن بالقرآن، ما وجدنا إلى ذلك سبيلًا، ولهذا أمثلة كثيرة مثل قوله تعالى: وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ [الانفطار: ١٧، ١٨] فسَّر الله ذلك اليوم بقوله: يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [الانفطار: ١٩]، فلو سألَنا سائل: ما هو يوم الدين؟ نقول: يوم لا تملك نفس لنفس شيئًا والأمر يومئذ لله، وقال تعالى: الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (٤) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ [القارعة: ١ - ٥]، ولهذا أمثلة كثيرة.
ثم نُفَسِّر القرآن بتفسيرِ أعلم الناس به وهو رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولهذا أمثلة منها قوله تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس: ٢٦] الزيادة لم يبينها الله عز وجل ولكن بينها الرسول عليه الصلاة والسلام بقوله: «هِيَ النَّظَرُ إِلى وَجْهِ اللهِ» ، وكذلك مثال آخر قول الله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال: ٦٠] فسَّرها النبيُّ عليه الصلاة والسلام بقوله: «ألَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ» وكررها، وكما يكون تفسيرُ النبيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم للقرآن بلفظه يكون كذلك بفعله؛ فقوله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ [البقرة: ٤٣] لم يبيِّنْ الله تعالى كيفية هذه الإقامة التي أمر بها، لكن فسرها النبي صلى الله عليه وسلم بفعله فقام وركع وسجد وقعد، وقال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» ، إذن أول ما نفسِّر القرآن بماذا؟ بالقرآن، عَلِّلْ؛ لأن الذي فسَّره هو الذي تكلم به وهو أعلم بمراده، ثم بأيش؟ بسنة النبي صلى الله عليه وسلم القوليَّة والفعلية، عَلِّلْ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعلم الناس بكلام الله؛ لأنه رسوله.
ثم بعد ذلك بتفسير الصحابة رضي الله عنهم، تفسير الصحابة لا شك أنه أولى من غيره؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم أعلم الناس بلغة القرآن بلا منازع، ولأن القرآن نزل في عصرهم وفي الأحوال التي يعرفونها، ولا ريب أن المعنى يُعْرَف في الزمن والحال التي نزل بها؛ ولهذا ينقُلُون إلينا أسباب النزول في الآيات التي نزلت على سبب؛ لأنهم كانوا يعلمون ذلك، فيُرْجَع في تفسيرِ القرآن إذا لم يوجد في كتاب الله أو سنة رسوله يرجع إلى من؟ إلى أقوال الصحابة، والصحابة رضي الله عنهم يختلفون في فَهْم القرآن اختلافًا ظاهرًا، كما يختلفون في مراتبهم في الفضائل، كذلك أيضًا يختلفون في العلم وفي تفسير القرآن، ومن أعلمهم بالتفسير ابن عباس رضي الله عنهما؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم دعا له فقال: «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ» يعني التفسير.
وبعد هذا المرتبة الرابعة: الرجوع إلى كلام التابعين الذين أخذوا عن الصحابة رضي الله عنهم، ليس كل التابعين، بل الذين اشتهر عنهم الأخذ عن الصحابة، وعلى رأسهم مجاهد بن جبر رحمه الله الذي أخذ تفسير القرآن عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، فكان يقرأ القرآن على ابن عباس، ويقف عند كل آية يسأله عن تفسيرها، ثم بعد ذلك يُؤْخَذ بالأمثل فالأمثل من أقوال أئمة هذه الأمة وعلمائها.
ثم اعلم أن تفسير القرآن لا يقتصر على تفسير الصحابة والتابعين، ولأنَّه قد يخرج للآيات معان لم تكن تطرأ على البال فيما سبق، كما يشير بعض الآيات إلى المخترعات الحديثة التي وقعت في زماننا هذا، وكما تشير بعض الآيات إلى ما عُلِمَ في علم الأحياء والكائنات؛ وذلك لأن القرآن كتاب عالميٌّ لا يزال الناس يستخرجون كنوزَه وفوائده إلى يوم القيامة، وبناءً على ذلك ينبغي لنا، بل يجب علينا أن نعتني بكلام الله عز وجل وأن نتدبَّره ونتفهمه حتى نلحق بالركب.
فيما سبق ذكر بعضكم أننا لم نأخذ فوائد ما سبق من قوله تعالى: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى [فصلت: ١٧] أهكذا؟
في هذه الآية فوائد:
منها: أن الله تعالى أبلغ رسالاته كلَّ أحد ولم يَدَعْ أحدًا بلا هداية؛ أي: بلا هداية دلالة؛ لقوله: وَأَمَّا ثَمُودُ، وهذه الجملة التفصيلية -كما سبق في التفسير- معطوفة على فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِوَأَمَّا ثَمُودُ.
ومن فوائد هذه الآية: أن الهداية ليست مقصورةً على هداية التوفيق، ولكنها تُطْلَق على هداية الدلالة والبيان؛ لقوله: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْأي: دللناهم على الحق.
ومنها: الردُّ على الجبرية الذين قالوا: إن الإنسان مُجبَر على عمله، من أين تَأْخُذ من أين تأخذ الرد على الجهمية من هذه الآية وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ؟
الطالب: قوله تعالى: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ.
الشيخ: لا.
الطالب: فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى.
الشيخ: لا.
طالب: ذَكَر الله هنا هداية التوفيق وهداية الدلالة والإرشاد.
الشيخ: لا، أنا قلت لك: لا في اسْتَحَبُّوالأني أخشى أنك تتدرج كلمةً كلمة حتى تصل إلى آخر الآية، لكن ما وجه أخذنا الردَّ على الجبرية من قوله تعالى: فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى؟
الطالب: (...) اختيار لأنفسهم يعني فَاسْتَحَبُّوا.
الشيخ: إي نعم؛ لأن اسْتَحَبُّواتدلُّ على اختيارهم لهذا الشيء، وأنهم آثروه على الهدى.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن مَنْ لم يتمش على هدى الله فإنه أعمى، منين؟
الطالب: فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى.
الشيخ: فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَىطيب، إذا كانوا مبصرين بأعينهم فهم؟
الطالب: عميان البصائر.
الشيخ: عمي البصائر، إذن نأخذ من ذلك فائدة؛ وهي: أن العمى نوعان: عمى بصر، وعمى بصيرة وأيهما أشد؟
طالب: البصيرة.
الشيخ: نعم، عمى البصيرة، كم من إنسان أعمى البصر، لكنه مبصر البصيرة، وكم من إنسان مبصر البصر، لكنه أعمى البصيرة.
ومِن فوائد الآية الكريمة: تعجيل العقوبة لمن آثر العمى على الهدى، منين نأخذه؟
الطالب: فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ
الشيخ: وجه الدلالة؟
الطالب: أنه الفاء تفيد تدل على الترتيب والتعقيب.
الشيخ: الترتيب والتعقيب، نعم، هذا وجه، وجه آخر: أن الفاء هنا للسببية، والمسبَّب يعقُب السبب.
ومِن فوائد الآية الكريمة: التحذيرُ من إيثار العمى على الهدى، وأن الإنسانَ إذا بُيِّن له الحق ولكنه عمي عنه فإنه جدير بأن يعاقبه الله عز وجل، من أين؟ لأن الله أخبرنا بأخذهم لنحذر من ذلك، أخبرنا الله تعالى بعقوبتهم حين خالفوا لنحذر من ذلك، انتبه لهذه الفائدة العظيمة، دليل ذلك أن الله يخبرنا عمن سبق لنحذر من طريقهم دليل ذلك قوله تعالى: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ [يوسف: ١١١] هذا دليل، دليل آخر أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا [محمد: ١٠].
ومن فوائد الآية الكريمة: أن ثمود أُهْلِكوا بصاعقة، أي: بشيءٍ صُعِقوا به وهُلِكوا، وقد بَيَّن الله في آية أخرى أنه أخذتهم الرجفة، فيكون أُخِذوا بالرجفة حتى صُعِقوا وهلكوا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين غرَّهم الكبر أهينوا وأُذلوا، من أين نأخذها؟ فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِيعني: عذاب الذل.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الأسباب؛ لقوله: بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ، والباء هنا للسببية.
واعلم أن الله تعالى لنْ يحكمَ حكمًا شرعيًّا ولا حكمًا قدريًّا ولا حكمًا جزائيًّا إلا بسبب هذه، خذها قاعدة: لن يحكم حكمًا شرعيًّا كالإيجاب والتحريم والإباحة، ولا قدريًّا كالخلقِ والتكوين، ولا جزائيًّا إلا بسبب، نعلم ذلك علمَ اليقينِ، ونأخذه من أن الله تعالى حكيم، والحكيم هو الذي يضع الأشياء مواضعها، لا يمكن أن يكون فعلُ الله فلتةً ولا صدْفَةً ولا لغوًا ولا لعبًا، بل لا بد له مِنْ سببٍ اقتضاه، لكن هل كل سبب اقتضى حكمَ اللهِ يكون معلومًا للخلق؟ لا؛ لأن الخلق أعجز من أن يدركوا حكمة الله عز وجل، وكم من أحكام شرعية وكونية وجزائية لا نعلم حكمتها؛ لأننا أقصر من أن نحيط بحكمة الله عز وجل.
ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: إثبات أن العمل كسب للإنسان، بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ.
يتفرع على هذه الفائدة أنه إذا كان العمل كسبًا للإنسانِ فإنَّه يجب عليه بمقتضى العقل كما هو مقتضى الشرع أن يسعى إلى الكسب المفيد، لا إلى الكسب الضار، كما كان يفعل في الدنيا، أليس الواحد منا في الدنيا يسعى إلى الكسب النافع؟
طلبة: بلى.
الشيخ: بلى؛ إذن يجب أن تسعى إلى الكسب النافع في الآخرة؛ ولهذا ضلَّ مَنْ ضلَّ في عقله ودينه من احتجَّ بالقدَرِ على معاصي الله، ولم يحتج بالقدر على أمور الدنيا؛ في أمور الدنيا يعمل ويكدح ويسعى لما فيه المصلحة والمنفعة، لكن في أمور الآخرة يتكاسل ثم يقول: هذا القدر. فنقول: قد ضللت، كيف تحتج بالقدَرِ على كسب الآخرة، ولا تحتج به على كسب الدنيا؟
ومن فوائد الآية التي بعدها: وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَعدل الله عزَّ وجلَّ، وجه ذلك العدل قوله: فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٧) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوافيها إثبات العدل لله عز وجل، العدل يعني معناه عدم الجور وعدم الظلم؟ طيب، نعم، ما وجه الدلالة في الآية والتي قبلها على عدل الله؟ ما أريد أن تذكر لي محل الدلالة، أنا أريد وجه الدلالة؟
طالب: إن الذين استحبوا العمى على الهدى جازاهم الله عز وجل بما يستحقون عذاب الهون، والذين آمنوا جازاهم الله عز وجل أن نجاهم يوم القيامة.
الشيخ: أحسنت، إثبات النجاة للمؤمنين، والعذاب للمعْرِضِين، هذا دليل على العدل؛ لأنه أعطى سبحانه وتعالى كلَّ إنسان ما يستحق، ولا شك أن الله سبحانه وتعالى أحكم الحاكمين، ومن كونه أحكم الحاكمين لازم أن يكون أعدلهم؛ لأنه كلما كان الحكم أعدل كان أحكم.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإيمان والتقوى سبب للنجاة؛ لقوله: وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ، ومثله قوله تعالى: وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ [الزمر: ٦١].
ومِن فوائدها: أن الإيمان وحده لا يكفي، بل لا بد من إيمان وتقوى؛ لقوله: الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ، ما هو المقارنة بين هذه الآية وبين قوله تعالى: أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس: ٦٢]؟
الطالب: أن الولي هو المؤمن التقي.
الشيخ: أن الذين آمنوا وكانوا يتقون والذين ينجيهم الله هم أولياء الله؛ لأن قوله: أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس: ٦٢، ٦٣] يطابق تمامًا هذه الآية حتى في اللفظ هناك الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس: ٦٣]، وهذه الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ.
ومن فوائد الآية الكريمة: جواز حذف ما يعلم، من أين تؤخذ؟
الطالب: كَانُوا يَتَّقُونَ.
الشيخ: وين المحذوف؟
الطالب: كانوا أي يعود على (...).
الشيخ: نعم، ولكن أين المحذوف؟
الطالب: المحذوف خبر (...).
الشيخ: مفعول يَتَّقُونَ، أي: الذين آمنوا وكانوا يتقون الله، وإن شئت فقل: وكانوا يتقون ما يجب اتقاءه؛ لأن الله تعالى أحيانًا يقول: اتَّقُوا اللَّهَ [البقرة: ٢٧٨]، وأحيانًا يقول: وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ [البقرة: ٤٨]، وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [آل عمران: ١٣١]، فإذا قلنا: وكانوا يتقون ما أمروا باتقائه، صار ذلك أيش؟ أعم، أنتم معنا يا جماعة؟ أيش قلنا؟ تقدير المحذوف في قوله: يَتَّقُونَ؟ لا، تقديره؟ أيش نقدره؟
طالب: (...).
الشيخ: لا.
طالب: محذوف.
الشيخ: أيش التقدير.
طالب: تقديره محذوف، وهو ما يُتَّقى.
الشيخ: محذوف، ما تقديره؟
الطالب: تقديره كل ما يتقى؛ الآخرة..
الشيخ: ما تقديره؟ أنا قدرت لكم، آخر كلمة قبل هذا السؤال.
طالب: (...).
الشيخ: أحسن ما أُمِروا باتقائه؛ يتقون ما أمروا باتقائه، وقد أُمِرْنا بتقوى الله، وتقوى النار، وتقوى يوم القيامة، إذن المعنى العام أن نقول: وكانوا يتقون ما أمروا باتقائه.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: فضيلة الإيمان والتقوى، وأنه سبب للنجاة؛ لقوله: وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ.
فإذا قال قائل: أليس الله تعالى يُنْزِل عقوبة أحيانًا في أقوامٍ فيهم المتقي وفيهم غير المتقي، فما الجواب؟ الجواب: أن الله تعالى يأخذ المتقي بذنب غير المتقي في الدنيا، في الدنيا يُعذَّبون جميعًا، ويُبْعَثون في الآخرة على نيَّاتهم وأعمالهم، دليل هذا قوله تعالى: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال: ٢٥]، يعني: احذروا هذه الفتنة، وهذا يعني أننا نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر لنتقيها وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الأنفال: ٢٥].
***
قال الله تعالى: وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَيُحْشَرُفيها قراءتان: يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِوعلى هذه القراءة يكون الفعل مبنيًّا لما لم يُسَمَّ فاعلُه، وكلما رأيت فعلًا مضارعًا مضموم الأول مفتوح ما قبل الآخر فهو مَبْنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعلُه، فإن رأيتَهُ مضمومَ الأوَّلِ فقط، فهل يكون مبنيًّا لما لم يُسَمَّ فاعلُه أو لا؟ لا؛ لأن المضارع من الرباعي يكون مضمومَ الأوَّلِ، مثل يُقدِم الرجل، يُكرِم الرجل، وما أشبه ذلك، إذن هذا اللفظ إحدى القراءتين وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ، وعلى هذا فيكون يُحْشَرُفعلًا مضارعًا مبنيًّا لما لم يُسَمَّ فاعلُه، ولاحظ أن قولَنا: لما لم يُسَمَّ فاعله أولى مِنْ قولِنا مبني للمجهول؛ لأنه قد يكون الفاعل معلومًا كقوله تعالى: وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا [النساء: ٢٨]، مَنِ الخالق؟
طلبة: الله.
الشيخ: معلوم ولَّا غير معلوم؟ معلوم، مع أن الفعل مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعلُه، ولهذا التعبير بقولك: (خُلِقَ) فعل ماض مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعلُه أولى من قولك: (خُلِقَ) فعل ماض مبني للمجهول، انتبه لهذا، وكذلك يُحْشَرُفعل مضارع مبني لما لم يُسَمَّ فاعلُه، أَعْدَاءُ اللَّهِأَعْدَاءُنائب فاعل.
طيب، فيها قراءة أخرى {وَيَوْمَ نَحْشُرُ أَعْدَاءَ اللَّهِ} أشار إليه المؤلف، ما حاجة إلى تعليقها؛ موجودة في الكتاب {وَيَوْمَ نَحْشُرُ أَعْدَاءَ اللَّهِ}، وعلى هذه القراءة تكون {نَحْشُرُ} فعلًا مضارعًا مبنيًّا للفاعل، والفاعل هنا مستتر، جوازًا أو وجوبًا؟
طلبة: وجوبًا.
الشيخ: وجوبًا، طيب، و{أَعْدَاءَ} مفعول به منصوب، وهنا نذكر: متى يكون الفاعل مستترًا وجوبًا أو مستترًا جوازًا؟
إذا كان تقديره: أنا أو أنت أو نحن فهو مستتر وجوبًا، وإذا كان تقديره: هو أو هي فهو مستتر جوازًا، (أقوم) مستتر، تقديره أنا. (تقوم) تخاطب رجلًا تقول: أنت تقوم. وجوبًا؛ لأن تقديره أنت. (نقوم) وجوبًا؛ لأن تقديره نحن، طيب، (قام)؛ جوازًا؛ لأن تقديره هو، (قامت)؛ جوازًا؛ لأن تقديره هي. (تقوم) أنتم قلتم قبل قليل وجوبًا.
طالب: إذا كانت (هي) فهو جوازًا.
الشيخ: إذا كان تتحدث عن امرأة، فقلت: (هند تقوم) فهو مستتر جوازًا؛ لأن التقدير هي، وإذا كنت تخاطب رجلًا فهو مستتر وجوبًا؛ لأن التقدير أنت، إذن هذا الضابط: ما كان تقديره (أنا) أو (نحن) أو (أنت) فهو مستتر وجوبًا، وما كان تقديره: (هو) أو (هي) فهو مستتر جوازًا.
***
طالب: شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ [فصلت: ٢١ - ٢٤].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَفي قوله تعالى: وَيَوْمَ يُحْشَرُإعراب وهو أن يوم ظرف وكل ظرف لا بد له من متعلق؛ لأن الظرف اسم مفعول فيه فلا بد من فعل، ولهذا قال ناظم الجمل:
| لَا بُدَّ للْجَارِّ مِنَ التَّعَلُّقِ | بِفِعْلٍ اوْ مَعْنَاهُ نَحْوُ مُرْتَقِي |
فأين العاملُ في يَوْمَ؟ العامل في يَوْمَمحذوف، التقدير: كما قال المؤلف: (وَاذكر يَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ)، ويُحْشَرُبمعنى يُجْمَع ويساق، وفيها قراءتان: (بالياء والنون المفتوحة وضم الشين وفتح الهمزة) لم يُكْمِل المؤلف -في الواقع- القراءة الثانية.
يُحْشَرُفيها قراءتان:
الأولى: ضم الياء وفتح الشين يُحْشَرُ، وعلى هذه القراءة يجب أن تكون أَعْدَاءُمرفوعة على أنها نائب فاعل.
القراءة الثانية: بفتح النون {نَحْشُرُ} وضم الشين، وعلى هذه القراءة يجب أن تكون أَعْدَاءُمنصوبة على أنها مفعول به، {وَيَوْمَ نَحْشُرُ أَعْدَاءَ اللَّهِ}، وهنا نسأل: هل القراءتان اللتان تكونان في القرآن الذي بين أيدينا هل هما الحروف السبعة أو سواها؟
الجواب: أنها سوى الحروف السبعة؛ الحروف السبعة الآن غير معلومة؛ لأنه قضي عليها بتوحيد المصحف في عهد عثمان رضي الله عنه، لكن القراءات السبع الموجودة في حرف واحد وهو حرف قريش الذي توحدت المصاحف عليه في عهد عثمان رضي الله عنه، وعلى هذا فلا حاجة إلى التفتيش والتنقيب عن الحروف السبعة في وقتنا هذا؛ لأنها انتهت، قضي عليها.
قال: وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَفمَنْ أعداء الله؟ أعداء الله يمكن أن نعرفهم بمعرفة أولياء الله، وأولياء الله تعالى قال الله في بيانهم: أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس: ٦٢، ٦٣] ضد الإيمان الكفر، وضد التقوى المعاصي والفسوق؛ فأعداء الله إذن هم الكفار والفَسَقة.
يحشرون إلى النار، أي: يساقون إليها ويُجْمَعون إليها.
إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَيقول المؤلف: (يُساقُون)، ولها معنًى آخر أيضًا: يُساقون بالتوزيع، يعني: أنهم طوائف وأمم، كلما دخلت أمة لعنت أختها، فهم يوزعون بالسياق أي يُساقون، ويوزعون أيضًا بالتفريق، كل أمة وحدها، فَهُمْ يُوزَعُونَ.
حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْإلى آخره [فصلت: ٢٠].
حَتَّى إِذَا مَاقال المؤلف: (زائدة) يعني كلمة مَازائدة؛ لأنها وقعت بعد (إذا)، وكلما وقعت (ما) بعد (إذا) فهي زائدة، وعليك بحفظ البيت:
| يَا طَالِبًا خُذْ فائِدَه | (مَا) بَعْدَ (إِذَا) زَائِدَه |
حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَايقول: مَازائدة جَاءُوهَاأي: وصلوا إليها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَقبل أن يدخلوها تُستَشْهد عليهم هذه الجوارح حتى يدخلوا وهم موقنون أنهم عُوملوا بالعدل والإنصاف، يشهد عليهم سمعُهم هل يشهد بما سمعوا من اللغو والكلام المُحَرَّم أو يشهد السمع بجميع الأعمال؟
يحتمل وجهين: إما أن يكون المعنى: شهد عليهم سمعُهم بما سمعوا من الباطل، وأبصارهم بما شاهدوا من الباطل، وجلودهم بما لمسوا من الباطل، أو أن هذه الأعضاء تشهد على كل عَمَلٍ عملوه، يحتمل هذا وهذا، والثاني أعظم: أن يكون السمع يشهد بما حصل عن طريقه، وبما حصل عن طريق البصر، وبما حصل عن طريق اللمس، هذا أعظم مما لو شهد بما حصل منه فقط.
سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَوهل هذا بعد إنكارٍ أو للتحقيق والتوكيد؟ ليس في الآية ما يدل على ذلك، لكن قيل: إن هذه الأعضاء وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ [النور: ٢٤] كما في آية أخرى إنما يكون بعد إنكارهم أن يكونوا أشركوا، كما قال تعالى: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام: ٢٣].
وقوله: جُلُودِهِمْبما مَسَّتْ وهي أعم من شهادة السمع والبصر؛ لأنه يدخل في ذلك اليد والرجل والشم وغير ذلك، كل هذا عن طريق الملامسة.
وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا [فصلت: ٢١] ولم يقل: لأبصارهم وسمعهم؛ لأن شهادة الجلود أعظم وأعم.
قَالُواأي: أعداء الله لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا، وهذا الاستفهام استفهام إنكار كأنهم يقولون: نحن نجادل عنكم، فكيف تشهدون علينا؟!
قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍيعني: أننا شهدنا؛ لأن الله أنطقنا، والله عز وجل بيده ملكوت السماوات والأرض، يُنْطِق كل شيء.
قال المؤلف: (أي: أراد نطقه) ولا حاجة إلى هذا القيد؛ لأن الله تعالى لا يُكْرِهْهُ أحدٌ حتى نقول: إن هذا الفعل مقيد بالإرادة، نقول: أَنْطَقَ كل شيء، ولا نقول: أراد نطقه؛ لأنه لا يمكن أن ينطق الشيء إلا بعد إرادة الله، ومثل هذا القيد غير مناسب؛ لأننا لو اعتبرناه لقلنا: كل فعل ذكره الله عن نفسه يجب أن نُقَيِّدَه بالإرادة، وهذا أمر مُسْتَكْرَه؛ إذ إننا نعلم أن كل فعل فعله الله فإنما هو عن إرادة، كما قال تعالى: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: ٨٢]، فالله تعالى أنطق كل شيء، هل أنطق الحجر؟ نعم، أْنْطَقَ الحجرَ والشجرَ، وسُمِعَ تسبيحُ الحصى والطعامِ بين يدي النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، بل قال الله تعالى: تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء: ٤٤]، كل شيء يسبح الله بلسان المقال إلا الكافر فإنه لا يُسبِّح الله بلسان المقال؛ لأنه كافر بالله، يصف الله تعالى بكلِّ نقص وعيب، وكل شيء يُسبِّح الله بلسان الحال حتى الكافر يسبح الله بلسان الحال، كيف ذلك؟ الكافر ما أودع الله فيه من الآيات في الخِلْقة والخلق، وما أشبه ذلك كله يسبح الله عز وجل، أي: يستدل به على تنزيه الله عن كل نقص وعيب.
قال: وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ(قيل: هو من كلام الجلود، وقيل: هو من كلام الله تعالى كالذي بعده، وموقعه قريب مما قبله بأن القادر على إنشائكم ابتداءً وإعادتكم بعد الموت أحياءً قادر على إنطاق جلودكم وأعضائكم).
قوله: وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍيحتمل أنه من كلام الله يخاطب به هؤلاء المكذبين والأعداء، ويحتمل أنه تتمة كلام الجلود؛ يعني أن الجلود تستدل على قدرة الله تعالى على إنطاقها بأنه خلقهم أول مرة، يقول المؤلف في بيان ذلك: (قيل: هو من كلام الجلود، وقيل: هو من كلام الله) أيهما قَدَّم؟
طالب: الجلود.
الشيخ: لا، إذا قال المؤلفون: قيل كذا، وقيل كذا، فالخلاف هنا مطلق، لا تقديم فيه ولا تأخير، وإذا قيل: هو من كلام الجلود، وقيل: من كلام الله، هنا يكون قدم الأول، انتبهوا لهذا، أما إذا قال المؤلفون: قيل وقيل، فهذا ليس فيه تقديم، بل هو نقل خلاف على وجه الإطلاق.
(قيل: هو من كلام الجلود، وقيل: هو من كلام الله) وعلى هذا فالقولان لدى المؤلف متساويان، فأيهما أقرب: أن نجعله من كلام الجلود حتى يتصل الكلام بعضه ببعض أو من كلام الله؟ الأول من حيث اللفظ أقرب؛ أن الجلود تقول: أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ، وتقول لهؤلاء: هو الذي خلقكم أول مرة وإليه ترجعون، لكن القول الثاني أقوم للمعنى؛ يعني أن الله لما بَيَّن أن هؤلاء يُعادَوْن يوم القيامة ويُحاسبون، وتشهد عليهم السمع والأبصار والجلود بيَّنَ عزَّ وجل أنه قادر على الإعادة؛ لأن هؤلاء الذين كذبوا ينكرون البعث فقال: وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ، والقادر على الخلق أول مرة قادر على إعادته واضح؟ دليل ذلك قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [الروم: ٢٧]، فهو يقول: هو خلقكم أول مرة، والقادر على ذلك قادر على الإعادة.
وقوله: وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَهذا فيه أيضًا إشارة إلى الحكمة مِنْ خلق الخلق؛ أنهم يبتلون فيُؤمَرون ويُنْهَون، ومآلهم إلى من؟ إلى الله عز وجل يجازيهم بحسب أعمالهم التي كلَّفَهم بها.
ثم قال الله تعالى: وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَإلى آخره، هذا هو معنى قول المؤلف: (كالذي بعده) ويش الذي بعده؟ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَهذا لا شك أنه من كلام الله، وليس من كلام الجلود.
وقول المؤلف رحمه الله: (وموقعه قريب مما قبله) يعني: موقع هذا الكلام وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ(قريب مما قبله)، يعني يبين المناسبة مناسبة هذه الجملة لما قبلها؛ (وهو أن القادر على إنشائكم ابتداءً وإعادتكم بعد الموت أحياءً قادر على إنطاق جلودكم وأعضائكم).
(وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَعن ارتكابكم الفواحش من أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ) يعني: ما كنتم تستخفون في معاصيكم وكفركم وغير ذلك مما يستترون به خوفًا من أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم؛ يعني أن الكفار يستترون أحيانًا بالمعاصي، ليسوا يستترون خوفًا من أن تشهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم؛ لأن هذه الأشياء لا استتار عنها إطلاقًا؛ إذ إنها هي الإنسان، ولا يمكن الاستتار عنها، وأيضًا هم لا يؤمنون بأنها سوف تشهد عليهم يومًا من الأيام، فصاروا لا يستترون عن هذه الأشياء لوجهين:
الأول: أنه لا انفكاك عنها، وجهه أنها هي مكوناته.
الوجه الثاني: أنه ما كان يطرأ على بالهم يومًا من الأيام أن هذه سوف تشهد عليهم؛ لأنهم ينكرون البعث، وإنكار البعث يستلزم ألا يؤمنوا بأنها تشهد عليهم.
وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَمعنى تستترون (تستَخْفُون)، وقوله: أَنْ يَشْهَدَهي على تقدير محذوف، التقدير: خوف أن يشهد عليكم سمعكم وأبصاركم إلى آخره.
يقول: (لأنكم لم توقنوا بالبعث) هذا التعليل أضفنا إليه تعليلًا آخر وهو عدم انفكاك جلودهم وسمعهم وأبصارهم.
(وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْعند استتاركم أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ) هذا الذي ظنوه بالله، فظنوا بالله تعالى ظن السوء، وأنهم إذا استتروا عن الخلق استتروا عن الله؛ ولهذا قال: كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَالكثير الثاني ما يفعلونه علانية ولا يهتمون به.
(وَذَلِكُمْمبتدأ ظَنُّكُمُبدل منه الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْنعت، والخبر أَرْدَاكُمْ) المؤلف أعرب الآية على وجه التفصيل؛ وَذَلِكُمْ(ذا) اسم إشارة، واللام للبُعْد، والكاف حرف خطاب، وجاءت بالجمع؛ لأن المخاطب جماعة، وهنا يجب عليكم أن تعرفوا أن اسم الإشارة يعود إلى المشار إليه، والكاف تعود إلى المخاطب، فكيف تقول إذا خاطبت ذكرًا تشير إلى شيء مذكر؟
ذلك. وكيف تقول إذا أشرت إلى اثنين مخاطبًا ذكرًا؟
طالب: ذانك.
الشيخ: ذانك؛ صح، ذانك؛ لأنك تشير إلى اثنين تخاطب واحد، وماذا تقول إذا أشرت إلى واحد تخاطب اثنين؟
طالب: ذلكما.
الشيخ: ذلكما، صح، تشير إلى واحد تخاطب اثنين تقول: ذلكما، وماذا تقول إذا أشرت إلى واحد تخاطب جماعة نساء؟ ذلكن، طيب، تشير إلى واحدة تخاطب جماعة إناث؟
طالب: ذلكن.
الشيخ: ذلكن خطأ.
طالب: تلكما.
الشيخ: أنت تخاطب جماعة إناث، تشير إلى واحدة تخاطب جماعة إناث؟
طالب: ذلكن.
الشيخ: خطأ.
طالب: تلكما.
الشيخ: أنت تخاطب جماعة إناث، تشير إلى واحدة تخاطب جماعة إناث.
طالب: تلكن.
الشيخ: تلكن، صح؟ تلكن، المهم انتبهوا لهذا، لا يلتبس عليكم المشار إليه في المخاطب، اسم الإشارة يكون بحسب المشار إليه، والكاف بحسب المخاطب، واضح؟ طيب، تشير إلى جماعة مخاطبًا جماعة ذكور؟
طالب: أولئكم.
الشيخ: أولئكم في القرآن: وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا [النساء: ٩١]، طيب، تمام، تشير إلى مؤنثتين تخاطب اثنتين؟
طالب: تانكما.
الشيخ: تانكما، صح، طيب على كل حال الأمثلة كثيرة، بس تَحَرَّوا الدقة، وهل الأفصحُ في كاف المخاطب في الإشارة أن تكون حسب المخاطب أو أن تكون بالإفراد المذكَّرِ دائمًا، أم بالإفراد المفتوح المذكر للمذكر، والمؤنث للمؤنث؟
أقوال ثلاثة، وكلها لغات؛ يعني: الكاف هل نلزمها طريقةً واحدة بالإفراد والفتح فنقول: ذلك تانك ذانك؟ أو نلزمها الإفراد مع الفتح للمذكر والكسر للمؤنث، هذا وجهان، أو نقول: هي حسب المخاطب المفرد المذكر له كاف مفتوحة، والمفردة المؤنث كاف مكسورة، والمثنى كاف مقرونة بعلامة التثنية، وجماعة النساء كاف مقرونة بنون النسوة، وجماعة الذكور كاف مقرونة بميم الجمع، الأخير هو الأفصح. لكن يجوز الوجهان الآخران.
يقول الله عز وجل: وَذَلِكُمْقال المؤلف: (مبتدأ ظَنُّكُمُبدل منه الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْنعت، والخبر أَرْدَاكُمْ) يعني معناه أن قوله: ذَلِكُمْوما عطف عليها أو صار صفةً لها في مقام المبتدأ، وأَرْدَاكُمْفي مقام الخبر، هل يمكن احتمال وجه آخر؟ نعم، يمكن، يمكن أن نجعل (ذا) مبتدأ وظَنُّكُمُخبره، وأَرْدَاكُمْخبر ثانٍ، وهذا الوجه أقوى في المعنى؛ يعني: ذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم؛ يعني: لم تظنوا به سواه، وأنه لن يعيدكم، ثم أخبر عن هذا الظن خبرًا آخر، فقال: أَرْدَاكُمْ، فهذا المعنى أقوى من قول المؤلف رحمه الله تعالى أن ظَنُّكُمُبدل من ذَلِكُمْ، وأن الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْنعت له، وأن أَرْدَاكُمْخبر له.
ذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْوهو الله عز وجل وأضاف الربوبية إليهم؛ لأنهم يُقِرُّون بربوبية الله لا ينكرونها قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ [المؤمنون: ٨٦، ٨٧]، وفي قراءة أخرى سبعية {سَيَقُولُونَ اللَّهَ}.
أَرْدَاكُمْيعني: أهلككم فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَفَأَصْبَحْتُمْأي: صرتم من الخاسرين، وهنا أصبح لو نظرنا إلى مجرد لفظها لكانت دالةً على الإصلاح، لكنها تُسْتَعمل في اللغة العربية بمعنى الصيرورة تقول: أصبح لا يعلم شيئًا، أي: صار لا يعلم شيئًا.
وهنا أَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَليس المعنى دخلتم في الصباح خاسرين، ولكن المعنى: صِرْتُمْ من الخاسرين، والخاسر ضد الرابح، وإنما قال: مِنَ الْخَاسِرِينَلأن هؤلاء الذين أنكروا البعث خسروا الدنيا والآخرة في الواقع؛ فدنياهم لم تنفعهم، وهم في الآخرة في النار، وهذا غاية الخسران.
(فَإِنْ يَصْبِرُواعلى العذاب فَالنَّارُ مَثْوًىمأوى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوايطلبوا العُتْبى أي: الرضا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَمن المرضيين).
انتبهوا لهذا الوعيد الشديد إِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْلم يقل: إن يصبروا فلينتظروا الفرج، بل قال: فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْأي: ليس لهم إلا النار، وهذا كقوله تعالى: اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ [الطور: ١٦] العذاب سوى عذاب الآخرة ينتظر الفرج له؛ لأن دوام الحال من المحال، فإذا صبر الإنسان على البلاء فالنهاية الزوال، لكن في الآخرة إن يصبروا فلن يسلموا من العذاب، فالنار مثوًى لهم، وهي مثوًى لهم قبل الصبر وبعد الصبر، لكن هذا من باب التيئيس لهم، وأن صبرَهم لا يفيدهم شيئًا، وَإِنْ يَسْتَعْتِبُواأي: يطلبوا العتبى أي الرضا.
فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَلأنهم يَسْأَلون الله تعالى؛ يقولون: رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ [المؤمنون: ١٠٧]، والجواب: اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ [المؤمنون: ١٠٨]، لكن في الدنيا لو طلبوا العتبى وتابوا إلى الله لحصل لهم ذلك، لكن في الآخرة قد فات الأوان.
وقوله: فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْأي: مأوى، وكل إنسان مأواه النار، فلا حظَّ له في الجنة.
في الآيات هذه فوائِد: أولًا: إثبات حقيقة النار؛ لقوله: وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ.
ومن فوائدِها: إثبات أعداء لله كما أن له أولياء، وعدو الله عز وجل مَنْ كان كافرًا فاجرًا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أهل النار -والعياذ بالله- يُساقون إلى النار أوزاعًا أي: متفرقين أُمَمًا؛ لقوله: فَهُمْ يُوزَعُونَ.
ومن فوائد الآية التي بعدها: إثبات حقيقة النار، وأن هؤلاء يصلون إليها حقيقة؛ لقوله: حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا.
ومِن فوائدها: دخول التوكيد في كلام الله عز وجل؛ لقوله: حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا؛ لأننا قلنا: (ما) زائدة، لكنها للتوكيد.
فإن قال قائل: كلام الله عز وجل مُؤَكَّد بدون أداة توكيد، فما الفائدة من أن الله تعالى يأتي كثيرًا في كلامه بأدوات التوكيد؟
فالجواب: القرآن لا شك أنه مؤكد، وأن أخباره لا تحتاج إلى توكيد، لكن القرآن نزل بلسان عربي مبين، واللسان العربي يقتضي أن يكون الكلام الهام مؤكَّدًا بأنواع من التأكيدات، واضح؟ إذن تأكيد ما يؤكد في القرآن دليل على بلوغ القرآن الفصاحة في أعلى معانيها في أنه مُتَمَشٍّ على أيش؟ على قواعد اللغة العربية الفصحى.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات النطق للسمع والبصر والجلود؛ لقوله: شَهِدَ عَلَيْهِمْ، والشهادة تكون بالنطق، وقد تكون بغير النطق، لكنها في الأصل بالنطق، ولذلك قَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أعضاء الإنسان تكون يوم القيامة خصومًا له، وجه ذلك أن هؤلاء أنكروا على سمعهم وأبصارهم وجلودهم أن شهدوا عليهم، وما ظنك -أيها الأخ- بأعضاء تكون يوم القيامة خصومًا لك؟! يعني يتفرع على هذه الفائدة فائدة؛ أن الواجب على الإنسان أن يرعى هذه الأعضاء حق رعايتها وألا يورِّطَها فيما تكون خصمًا له به يوم القيامة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الأعضاء منفردةً تعرف ربها عز وجل؛ لقولها: أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ.
ومن فوائدِها: عموم قدرة الله تعالى؛ لقوله: أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ.
ومِن فوائدها: أن ابتداء الخلق من الله لم يشرك أحد رب العالمين في الخلق لا أم ولا أب ولا سلطان ولا رئيس ولا وزير، المنفرد بالخلق هو الله عز وجل.
ومن فوائد الآية الكريمة: جواز استعمال الأدلة العقلية، من أين تؤخذ؟ من استدلال الله تعالى بالمَبْدَأ على المعاد، فإن هذا دليل عقلي.
فإن قال قائل: وهل تُقَدَّم الأدلة العقلية على الأدلة السمعية؟
فالجواب: لا؛ لأن العقل قد يخطئ فيظن الإنسان أن هذا عقلٌ وليس بعقل، وأما الأدلة السمعية الثابتة عن الله ورسوله فهذه لا تخطئ، ولهذا أخطأ مَنِ استعمل العقل، بل قدَّمه على السمع والنقل فيما يتعلق بالله واليوم الآخر، وحَكَمُوا بعقولهم القاصرة على أمور الغيب استحالةً أو وجوبًا أو جوازًا، وأعرضوا عن نصوص الكتاب والسنة، ومن هؤلاء جميع المتكلمين من الأشاعرة، والمعتزلة، والجهمية، وغيرهم حيث جعلوا التلقي فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته على الاعتماد على العقل.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الرجوع إلى الله عزَّ وجل، فاستعدَّ لهذا الرجوع، واعلم أنك ملاقٍ ربَّك، ولكن أبشر إن كنت مؤمنًا، قال الله تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [البقرة: ٢٢٣]، يعني: لا يخاف المؤمن من هذه الملاقاة، بل له البَشارة في الدنيا قبل الآخرة، لكن حقيقة هذه البشارة للمؤمن خاصة. ويأتي -إن شاء الله- بقية الكلام على الفوائد.
طالب: شيخ، هل عموم قوله تعالى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِينطبق على قول الصحابة أن الطعام كان يُسَبِّح بين أيديهم، وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء: ٤٤] بأن يكون سبح، ولكن لم يعلموا تسبيحهم إلا بإخبار النبي صلي الله عليه وسلم لهم، أو أنه سبَّح حقيقة يفهمه أيُّ واحد؟
الشيخ: ظاهر النصوص أن يسبح حقيقة، لكن التسبيح لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْباعتبار المجموع، لا باعتبار كل فرد، فإنَّ مِنَ الأشياء ما نسمع تسبيحه، يسبح تمامًا إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ [ص: ١٨]، فالظاهر أنها تُرَدِّد، كما قال تعالى: يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ [سبأ: ١٠].
الطالب: يا شيخ، نكمل السؤال: هل التسبيح كما نعرفه نحن أو خاصٌّ بهم بأن بعضهم..؟
الشيخ: لا، تقول: سبحان الله.
الطالب: بعضهم قال: صوت غدير الماء هو تسبيحه؟
الشيخ: لا، خطأ، صوت خرير الماء ليس صوت تسبيح، هذا طبيعي، فهل نقول: حركة الإنسان بالأرض إذا وَطِئَتْ أقدامُه الأرضَ وسُمِعَ لها صوت، هل هذا تسبيح؟!
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- فسَّرْنا يُسْتَعْتَبُونَ [الجاثية: ٣٥] بمعنى الرضا، إذا فسر بالرجوع إلى الدنيا..





