أن جعله نورًا باردًا حتى لا تبقى حرارة الأرض طوال أربع وعشرين ساعة، وحتى
يستقر الناس في منامهم وذهابهم ومجيئهم.
ثم قال: لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ [فصلت: ٣٧] نَهْي عن السجود للشمس
والقمر؛ لأن من بني آدم من يسجد للشمس ويسجد للقمر، ولذلك
نُهِيَ عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها ،
وقال بعض العلماء: إن المراد: لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِعند تغيرهما بالكسوف، ولكن اسجدوا لله.
قال: (وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ [فصلت: ٣٧] أي:
الآيات الأربع إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ)
يعني: إن كنتم صادقين في عبادته فلا تسجدوا لغيره؛ لأن من يعبد الله ويعبد غيره ليس
صادقًا في عبادته؛ الصادق في عبادته هو الذي يخلص العبادة لله عز وجل، ويأتي إن شاء
الله البقية.
طالب: (...).
الشيخ: إي، هذا يوم القيامة، تلقى في جهنم يوم القيامة ما هو
الآن، ويوم القيامة تتغير الأمور يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ [إبراهيم: ٤٨].
طالب: (...).
الشيخ: ظاهر القرآن
أنها في الأرض في سجين، كما جاء في الحديث في قضية المحتضر: اكتبوا كتاب عبدي في سجين في الأرض السابعة السفلى ،
لكن تتغير الأمور في يوم القيامة، ما هي على ما يُتصور الآن.
طالب: ما الفرق بين الشيطان وإبليس؟
الشيخ: ويش هذا السؤال؟ ما يصلح السؤال هذا، الفرق بين الشيطان
والإنس؟
طالب: وإبليس.
الشيخ: الشيطان هو إبليس، هو واحد.
طالب: قوله تعالى: وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فصلت: ٣٥] هل يكون معناه أن من صفح عند الناس يكون هذا
جُبنًا وخورًا؟
الشيخ: لا، هذا هو الحكمة في أن الله
قال: إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ؛ لأن الإنسان ينال درجة عظيمة عالية من الأخلاق والرزانة
والرجولة والثواب، كلها وليس الحظ العظيم هو أن الإنسان يزداد درهمًا ودينارًا؛
الأخلاق هي كل شيء سواء مع الله أو مع عباد الله.
| وَإِنَّمَا الْأُمَمُ الْأَخْلَاقُ مَا بَقِيَتْ | فَإِنْ هُمُ ذَهَبَتْ أَخْلَاقُهُمْ ذَهَبُوا |
طالب: قوله تعالى: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ [فصلت: ٣٦] (...)؟
الشيخ: نعم، السلطان كما تعرف هو الذي يتولى الأمر بسلطته ويغلب، فالشيطان ينزغ حتى عباد الله الصالحين، ولكن ليس له عليهم سلطان، أليس قد تفلت على الرسول عليه الصلاة والسلام شيطان يريد أن يفسد عليه صلاته؟ لكن ما له سلطان، السلطان يقول ويفعل، كما قال ابن الوردي في المنظومة:
| جَانِبِ السُّلْطَانَ وَاحْذَرْ بَطْشَهُ | لَا تُخَــــاصِمْ مَــــنْ إِذَا قَــــالَ فَعَــــلْ |
فالمراد بـلَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ [الحجر: ٤٢] يعني: لا يمكن أن تتسلط عليهم فتغويهم.
طالب: الذي لا يقدر رد السيئة بمثلها هل يدخل في قوله: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [فصلت: ٣٤].
الشيخ: أيش؟
طالب: الذي لا يقدر رد السيئة بمثلها هل يدخل في قوله: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ؟
الشيخ: لا يا أخي، هذا ضعف وجبن، اللي لا يقدر على الانتصار لنفسه هذا لا يُحمد، بل يُقال: هذا ضعيف، بل لا يحمد إلا العفو عند المقدرة والصفح عند المقدرة، أما الإنسان العاجز يجي شخص –مثلًا- ضعيف يضربه ويضربه ويضربه، ويقول: جزاك الله خيرًا، أحسن الله إليك، عفا الله عنك، وهو (...) هل هذا يُحْمد؟! لأنه عاجز.
***
طالب: وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (٣٨) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [فصلت: ٣٧- ٣٩].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [فصلت: ٣٦] ما مناسبة هذه الآية لما قبلها؟
طالب: مناسبة الآية هذه لما قبلها أنه لما ذكر المولى تبارك وتعالى مدافعة العدو من الإنس ذكر مدافعة العدو من الجن.
الشيخ: أحسنت، أين جواب الشرط في قوله: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ؟
طالب: قوله: فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ.
الشيخ: قوله: فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ، لماذا اقترن الجواب بالفاء؟
الطالب: لأن ما بعده فعل أمر.
الشيخ: لأن ما بعده فعل أمر؟ لا ما يكفي هذا.
طالب: أن الجملة طلبية.
الشيخ: أن الجملة طلبية.
وفيه قاعدة ذكرها ابن مالك في هذا الموضوع؟
طالب: قوله:
| وَاقْرُنْ بِـ(فَا) حَتْمًا جَوَابًا لَوْ جُعِلْ | شَرْطًا لِـ(إِنْ) أَوْ غَـــيْرِهَا لَمْ يَنْــجَعِلْ |
الشيخ: نعم؛ يعني إذا لم يصح مباشرة الجواب لأداة الشرط، فإنه يجب اقترانه بالفاء.
ما معنى الاستعاذة؟
طالب: الاعتصام بالله.
الشيخ: الاعتصام بالله.
هل تجوز الاستعاذة بغير الله؟
طالب: الاستعاذة بغير الله تجوز فيما يقدر عليه.
الشيخ: مطلقًا؟
طالب: فيما إذا كان يقدر عليه.
الشيخ: فيما يقدر عليه؟ توافقون على هذا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، وكذلك الاستغاثة تجوز فيما يقدر عليه، والاستعانة تجوز فيما يُقدر عليه.
قال الله تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ، وَمِنْ آيَاتِهِ(من) هذه للتبعيض وعلامة (من) التبعيضية أن يحل محلها (بعض) يعني: بعض آياته، اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُوذكرنا وجه كون هذه الأربع من آياته فيما سبق ولا حاجة للإعادة.
لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِالخطاب لجميع العباد، نهاهم أن يسجدوا للشمس أو للقمر؛ لأن من الناس من يعبد الشمس والقمر ويسجد لها، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام «أَنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، فَإِذَا طَلَعَتْ سَجَدَ لَهَا الْكُفَّارُ» ، ومن ثَمَّ نُهِي عن الصلاة في أوقات النهي التي هي قريبة من طلوع الشمس وغروبها.
وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ(اسجدوا لله) المراد بالسجود هنا -والله أعلم- ما هو أعم من السجود الخاص الذي هو وضع الأعضاء السبعة على الأرض؛ أي: إن المراد بالسجود هنا الذُّل كما قال تعالى: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا [الرعد: ١٥]، ويحتمل أن يكون المراد به السجود الخاص لقوله: لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ، والقاعدة في علم التفسير أنه إذا كان اللفظ يحتمل معنيين أحدهما أوسع وأعم وأشمل فإنه يحمل على الثاني الذي هو أوسع وأعم.
وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّالذي خلق هذه الأشياء، وفي هذا إشارة إلى أن الله هو المستحق؛ لأن يُسجد له؛ لأنه هو الخالق، وأما هذه فهي مخلوقة لا تستحق أن يُسجد لها.
إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [فصلت: ٣٧] أي: إن كنتم ذوي عبادة لله حقًا فاسجدوا لله ولا تسجدوا للشمس ولا للقمر، وقوله: إِيَّاهُ تَعْبُدُونَالعبادة بمعنى الذل، ومنه قولهم طريق معبد، أي: مذلل لمن سلكه ليس فيه وعورة لا طلوع ولا نزول ولا التفاف يمينًا ولا شمالًا، فالطريق المُعَبَّد؛ يعني: المذلل، إذن فالتعبد لله هو التذلل له محبةً وتعظيمًا.
واعلم أن العبادة تطلق على معنيين: المعنى الأول: التعبد لله الذي هو فعل العابد، والمعنى الثاني المُتَعَبَّد به التي هي العبادات، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، بناء على أن المراد بها المتَعَبَّد به، لكن كما قلت لكم هي تطلق على معنيين: على التعبد الذي هو فعل العابد، وعلى المتعبَّد به الذي هو العبادات.
إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَقدم المفعول به؛ لإفادة الحصر؛ لأن من القواعد المقررة في علم البلاغة وغيرها أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، وهذه قاعدة يجب أن تكون لديكم معلومةً: إذا قدم ما حقه التأخير كان ذلك دالًّا على الحصر، فإذا قلت مثلًا: إياك أكرمت. المعنى: لم أكرم غيرك، وقول القائل في سورة الفاتحة: إِيَّاكَ نَعْبُدُ [الفاتحة: ٥] يعني: لا نعبد غيرك وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُيعني: لا نستعين غيرك.
ثم قال تعالى: فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا [فصلت: ٣٨] يعني: عن عبادة الله والسجود له، فإن الله تعالى غني عنهم (فَإِنِ اسْتَكْبَرُواعن السجود لله وحده فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَأي: الملائكة يُسَبِّحُونَيصلون لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَلا يملون) يعني: فإن استكبر هؤلاء عن عبادة الله فلله عباد آخرون، كما في قوله تعالى: فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ [الأنعام: ٨٩]، ثم على فرض أنه لا يوجد عابد لله فإن الله يقول: إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ [الزمر: ٧]، وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عمران: ٩٧] فهنا شيئان:
الشيء الأول: أن يستكبر طائفة من المخلوقين عن عبادة الله فإن استكبروا فهناك طائفة أخرى تعبد الله.
الثاني: أن يستكبر الكل، وهذا محال حسب ما نعلم لكن على فرض أن جميع المخلوقات استكبرت عن عبادة الله فالله غني عنهم كل هذا أفصح به القرآن، وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ، إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ، فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَهذا إذا كفر بعض وآمن بعض، فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ [فصلت: ٣٨] هذا إذا استكبر بعض وذل بعض، فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِجملة فَالَّذِينَهي جواب الشرط وقرنت بالفاء؛؛ لأن ما بعدها لا يصح أن يكون فعلًا للشرط وهذه قاعدة: إذا كان جواب الشرط لا يستقيم أن يكون فعلًا للشرط وجب اقترانه بالفاء كما قال ابن مالك:
| وَاقْرُنْ بِـ(فَا) حَتْمًا جَوَابًا لَوْ جُعِلْ | شَرْطًا لِـ(إِنْ) أَوْ غَــــيْرِهَا لَمْ يَنْـجَعِـــــلْ |
وقد ذكر بعض الجامعين لما يجب أن يقترن بالفاء، جمع ذلك في بيت هو:
| اسْمِيَّـــــــةٌ طَلَبِيَّةٌ وَبِجَــــــامِدٍ | وَبِمَا وَلَنْ وَبِقَدْ وَبِالتَّنْفِيسِ |
فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَوهم الملائكة يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِيقول المؤلف: (يُسَبِّحُونَأي: يصلون) وهذا له وجهة نظر؛ لأن السياق في السجود، ويمكن أن نقول: يسبحون بما هو أعم من الصلاة؛ أي: يقولون: سبحان الله والحمد لله، وما أشبه ذلك من كل ما فيه تنزيه الله عز وجل عما لا يليق به، وقوله: يُسَبِّحُونَ لَهُأي: لله، واعلم أن التسبيح معناه التنزيه، فما الذي يُنزه الله عنه؟
يُنزه الله تعالى عن كل نقص، فهو عز وجل مُنزه عن كل نقص لا يمكن أن يعتريه النقص بأي حال من الأحوال.
ثانيًا: يُنزه عن كل نقص في كماله فلا نقص في سمعه ولا بصره ولا قدرته ولا قوته.
الثالث: يُنزه عن مماثلة المخلوقين، فلا يماثل المخلوق أبدًا بأي حال من الأحوال، والتماثل بين الخالق والمخلوق من أكبر المحال.
فما ينزه الله عنه إذن ثلاثة أشياء: الأول النقص، لا يمكن أن يعتريه نقص إطلاقًا، والثاني: النقص في كماله، فكمالاته من علم وقدرة وحياة وسمع وبصر ورحمة وغير ذلك لا يمكن أن يعتريها نقص بأي حال من الأحوال، والثالث: مماثلة -ما نقول: مشابهة- نقول: مماثلة المخلوقين، لاحظوا هذه المسألة، أكثر الذين يُعبِّرون بمثل هذا يعبِّرون بالمشابهة، وهذا ليس بصواب؛ الصواب أن نعبر بما عبر الله به عن نفسه فقال: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١]، وقال: فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ [النحل: ٧٤]، ولم يذكر التشبيه بأي حال من الأحوال.
ولهذا كان التعبير بنفي التمثيل هو الصواب دون التشبيه، دليل هذا أن الله منزه عن كل نقص وعيب، قوله: وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى [النحل: ٦٠] الـمثل؛ يعني: الوصف؛ لأن المثل يُطلق على ذلك، كما في قوله تعالى: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ [محمد: ١٥]، مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَمَثَلُبمعنى وصفها، صفتها: فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍإلى آخره، فإذا كان الله له المثل الأعلى -أي: الأكمل- لزم أن يكون مُنزهًا عن كل نقص.
أما النقص في كماله فيدل له قوله تبارك وتعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ [ق: ٣٨] أي من نقص على أن هذه المخلوقات عظيمة جدًّا ومع ذلك ما لحق الله تعالى فيها نقص، وقال تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى [الأحقاف: ٣٣].
الثالث ما هو؟ مماثلة المخلوقين، يقول الله عز وجل: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: ١١]، ويقول جل وعلا: فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [النحل: ٧٤]، ويقول تعالى: فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: ٢٢]، إذن التسبيح بمعنى التنزيه، والذي يُنزه الله عنه ثلاثة أشياء عرفتموها الآن.
يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ(الباء) هنا بمعنى (في)؛ لأن المقصود بالليل يعني: ظرف الليل، وعلى هذا فتكون (الباء) بمعنى (في) كما هي في قوله تعالى: وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [الصافات: ١٣٧، ١٣٨] (بالليل) يعني: في الليل.
وقوله: بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِيعني إذن كل الوقت يسبحون الله، ويقول عز وجل: وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَهم مع كونهم مستغرقين الليل والنهار بتسبيح الله لَا يَسْأَمُونَأي: لا يملُّون، وكذلك لا يتعبون؛ لأن الملل يكون من الضجر والتعب وذل النفس أمام ما يتحمله الإنسان هؤلاء الملائكة عليهم الصلاة والسلام لَا يَسْأَمُونَ.
في الآيتين فوائد: أولًا: أن لله آيات كثيرة لا تنحصر بآيتين أو ثلاث، ندرك ذلك من قوله: وَمِنْ آيَاتِهِوما أكثرها في القرآن الكريم: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ [الروم: ٢٠]، وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا [الروم: ٢١]، وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ [الشورى: ٢٩]، وهي كثيرة.
من فوائد الآية الكريمة: أن لله تعالى آيات محسوسة تُعِين على الآيات المعقولة، وهذا من رحمة الله عز وجل أن الله أرى عباده الآيات المحسوسة ليستعينوا بها على الآيات المعقولة، كلٌّ يعلم أن كل حادث لا بد له من مُحدِث، هذه آية عقلية لا ينكرها أحد، ولهذا قال تعالى: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ [الطور: ٣٥] الجواب: لا هذا ولا هذا، هم ما خلقوا من غير شيء، بل لا بد لهم من خالق، ولا خلقوا أنفسهم، إذن لهم خالق وهو الله عز وجل.
ولهذا لما سمع جبير بن مطعم هذه الآية وكان من أسرى بدر وسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بـ(الطور) وصل هذه بالآية يقول: كاد قلبي يطير ؛ يعني: عرفت أني على خطأ، وأن المشركين كلهم مخطئون أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَالجواب: لا هذا ولا هذا، فيتعين أن يكون لهم خالق، إذن آيات الله عز وجل إما عقلية وإما سمعية محسوسة، هنا من آياته الليل والنهار الآيات هذه محسوسة ولّا عقلية؟ محسوسة كل يعرف الليل والنهار، وأنه لا يمكن لأحد أن يأتي بهما.
من فوائد الآية الكريمة: أن الليل والنهار والشمس والقمر آيات عظيمة، ولهذا نص الله عليهم، والأمر كذلك، هذه الشمس الكوكب العظيم الـمنير الحار لا يمكن لأي مخلوق أن يصنع مثله إطلاقًا، وقد بينا في أثناء التفسير وجه ذلك.
ومن فوائد الآية الكريمة: النهي عن السجود للشمس والقمر؛ لقوله: لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِمع أنهما من آيات الله لكنها مخلوقة، والسجود إنما يكون للخالق.
وننتقل من هذا إلى نقطة مهمة أشار إليها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو أن صفات الله عز وجل ليست هي الله، فلا يجوز دعاء الصفة، ولا السجود لصفات الله، ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله: من دعا صفة من صفات الله فإنه كافر بالاتفاق. يعني لو قال قائل: يا رحمة الله ارحميني. كيف يا رحمة الله ارحميني؟ هل الرحمة شيء بائن عن الله يستطيع أن يرحم أو لا؟! لا، فإذا قلت: يا رحمة الله ارحميني. معناه: أنك جعلت مع الله إلهًا آخر، وهذا كفر.
وكذلك لو قلت: يا قدرة الله أنقذيني، هذا حرام، شرك، قل: يا الله بقدرتك أنقذني. ولا يَرِد على هذا قوله: اللهم برحمتك أستغيث. لأنه ليس المعنى أنني أستغيث بالرحمة وكأني أعتقدها شيئًا مستقلًا، لكن المعنى التوسل إلى الله تعالى برحمته، كأنه يقول: يا رب أغثني برحمتك، فيجب التنبه لهذه المسألة.
ومن ذلك أيضًا -من الخطأ في مثل هذا- قول بعض الناس: شاءت قدرة الله، شاء القدر. هذا حرام لا يجوز، القدرة نفسها ليس لها مشيئة، المشيئة لله عز وجل، أما القدرة فليس لها مشيئة؛ لأنها صفة في موصوف، والشائي والمختار هو الله عز وجل، أما: اقتضت قدرة الله. فهذا صحيح؛ يعني أن من مقتضيات القدرة كذا وكذا، أما المشيئة فلا تكون إلا من شَاءٍ له اختيار، وهذا لا يمكن أن يكون من الصفة.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن من بلاغة القرآن أنه إذا ذكر الحكم ذكر الدليل العقلي عليه لقوله: وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ(اسجدوا لله): هذا واضح أمر شرعي، لكن الَّذِي خَلَقَهُنَّدليل كوني قدري على أن المستحق للسجود من؟ الذي خلق هذه الأشياء، كيف تسجدون للشمس والقمر ولا تسجدون لله الذي خلقهن، ونظير ذلك قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة: ٢١]، ونظير ذلك قوله تعالى: فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةًقال الله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً [فصلت: ١٥]، لم يقل: أولم يروا أن الله أشد منهم قوة، بل قال: الَّذِي خَلَقَهُمْليدل بذلك دلالة عقلية واضحة أنهم دون الله تعالى في القدرة؛ لأن الله هو الذي خلقهم، وهذا من أساليب القرآن المعجزة التي تدل على أنه من لدن حكيم خبير.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الرد على عابدي الشمس والقمر؛ لقوله: لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ [فصلت: ٣٧]، استنبط بعض العلماء من هذه الآية فائدة، وهي مشروعية صلاة الكسوف، قال: لأن الله قال: مِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِولم يقل: لليل والنهار، وذلك لأن الشمس والقمر إذا تغيرتا فقد ينشأ في قلب عابدهما أن يسجد لهما كالتائب، فقال: لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ، وهذا الاستنباط فيه شيء من البعد لكنه ليس ممتنعًا أن يكون في ذلك إشارة إلى مشروعية صلاة الكسوف.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يمكن؛ لإنسان يدعي أنه يعبد الله حقًّا أن يسجد لغير الله؛ لقوله: إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحدي من أشرك بالله -بأي نوع من الشرك- أن يكون عابدًا حقًّا لله، فالمرائي مثلًا نقول: إنك لم تعبد الله حقًّا، لم تفرده بالعبادة؛ لأنك أردت بعبادتك التقرب إلى المخلوقين، ولهذا قال: إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ.
ومن فوائد الآية الكريمة: التي بعدها أن المستكبرين عن عبادة الله لن يضروا الله شيئًا؛ لقوله: فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ [فصلت: ٣٨].
ومن فوائدها: كشف تحدي هؤلاء الذين يعبدون غير الله بأنهم إذا عبدوا غير الله فلله من يعبد الله عز وجل.
ومِن فوائد الآية الكريمة: ما استدل به بعضهم على أن الملائكة أفضل من البشر، وعلل ذلك بأن الملائكة ليس فيهم مشرك؛ لقوله: إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ [الأعراف: ٢٠٦] وبنو آدم فيهم مؤمن وكافر، والجنس الذي ليس فيهم مشرك خير من الجنس الذي يكون فيه مشرك وموحد، ولكن قد يُعارض هذا الاستدلال، فيُقال: عبادة الجنس الذي فيه مشرك وموحد أفضل من عبادة جنس ليس فيه مشرك؛ وذلك لمشقة التوحيد في جنس فيه مشرك على الموحد، فيكون الموحد من بني آدم أفضل من الملائكة؛ لأنه عبَدَ الله في قوم لا يعبدون الله، أما الملائكة فكلهم يعبدون الله ولا يستكبرون عن عبادته، وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم ولكل منهم أدلة، لكن جمع شيخ الإسلام رحمه الله بين الأدلة فقال: الملائكة أفضل باعتبار البداية، وصالحو البشر أفضل باعتبار النهاية، وهذا قول لا بأس به، الجمع بين الأدلة الدالة على التفضيل؛ تفضيل الملائكة على البشر والبشر على الملائكة، ولهذا قال السفاريني رحمه الله:
| وَعِنْدَنَا تَفْضِيلُ أَعْيَانِ الْبَشَرْ | عَلَى مِـــلَاكِ رَبِّنَا كَمَا اشْتَـــــهَرْ |
قال -يعني الإمام أحمد-: ومن قال سوى هذا افترى. يعني: مَن قال بغير تفضيل أعيان البشر على الملائكة فهو مفترٍ، لكن الصواب أن نقول كما قال شيخ الإسلام رحمه الله: أما باعتبار البداية فالملائكة أفضل؛ لأنهم خُلِقوا من نور ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، لكن بالنهاية يكون لصالحي البشر من الثواب والأجر والقرب من الله ما ليس للملائكة.
ومِن فوائد الآية الكريمة: أن للملائكة إرادة، من أين يؤخذ؟
طالب: يُسَبِّحُونَ لَهُ [فصلت: ٣٨].
الشيخ: يُسَبِّحُونَ لَهُولا تسبيح إلا بإرادة.
ومن هنا نقفز إلى الفائدة الثانية وهي: أن جميع المخلوقات من الأحجار والأشجار والأنهار والشمس والقمر والسماء والأرض لها إرادة؛ لأنها كلها تسبح الله تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [الإسراء: ٤٤]، وبهذا نَرُد على الذين قالوا: إن قوله تعالى: يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ [الكهف: ٧٧] -يعني: الجدار- هذا مجاز؛ لأن الجدار ليس له إرادة، فيُقال: من قال لكم إنه ليس له إرادة، بل له إرادة، وميله يدل على أنه أراد، ولقد قال النبي عليه الصلاة والسلام في أحد: «إِنَّه يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ» ، والمحبة أخص من الإرادة وأثبتها الرسول عليه الصلاة والسلام للجبل.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن بعض أهل العلم استدل بها على علو الله، وأن الأشياء ليست كلها سواءً بالنسبة للقرب منه؛ لقوله: فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ، والعندية تقتضي القرب، وأن بعض المخلوقات إلى الله أقرب من بعض، وهذا لا إشكال فيه، من يقول: إن من كان في الأرض السابعة السفلى هو في القرب إلى الله كالذي في السماء السابعة؟ لا أحد يقول بهذا، أما من جهة الإحاطة بالخلق فلا شك أن القريب والبعيد عند الله على حد سواء، وأما من جهة الواقع فلا شك أن من كان في السماوات أقرب إلى الله ممن كان في الأرض، ولهذا قال: فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ.
أقول إن بعض العلماء استدل بهذه الآية على علو الله، وقال: نحن في الأرض والذين عند الله لا بد أن يكونوا في السماء؛ لأنه لولا علوه لكنا نحن أيضًا عنده، فكونه يقول: فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَيخاطب من في الأرض، يدل على علو الله عز وجل، وهذا لا شك أنه استنباط جيد، لكنا لسنا بحاجة إلى أن نأتي بهذا الدليل الذي قد تخفى دلالته على كثير من الناس.
وعندنا أدلة كثيرة واضحة على علو الله عز وجل: أدلة عقلية وأدلة سمعية وأدلة فطرية على علو الله، ولا أحد ينكر علو الله عز وجل العلو الذاتي إلا مخبول غير عاقل، وهو بين أمرين: إما أن يقول بالحلول وإما أن يقول بالعدم، من أنكر علو الله فهو لا يخرج عن واحد من أمرين: إما أن يقول بالحلول أو بالعدم، وفعلًا التزموا ذلك فالذين أنكروا علو الله انقسموا إلى قسمين: قسم قال: إن الله في كل مكان ولم ينزه الله عز وجل عن الحشوش والأقذار والأنتان والأسواق اللي فيها اللغو والكذب والغش، وهذا -فيما أرى- كفر صريح؛ أن من قال: إن الله بذاته في كل مكان فهو كافر لو مات ما صليت عليه ولا دعوت له بالرحمة؛ لأنه مكذب للقرآن وللأدلة العقلية، وواصم لربه بكل عيب.
ومنهم من يقول: إن الله تعالى ليس داخل العالم، ولا خارج العالم، ولا متصل بالعالم، ولا مباين، ولا محايز، ولا فوق، ولا تحت، ولا يمين، ولا شمال، بماذا وصف الله؟ بالعدم، وصف الله بالعدم، لو قيل لنا: صفوا المعدوم ما وصفناه بأكثر من هذا، فيُقال: أين هو؟ ما دام لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصل بالعالم ولا منفصل عن العالم ولا فوق ولا تحت ولا يمين ولا شمال، وين يروح إلا العدم؟!
ولهذا لما قال ابن فورك لمحمود بن سبكتكين رحمه الله: إني لا أقول إن الله فوق العالم ولا داخل العالم ولا تحت إلى آخره، وذكر هذه الأسلوبات، قال: بَيِّن لنا الفرق بين وجود ربك وعدمه، أو كلمةً نحوها؛ يعني معنى أنك إذا وصفت الله بهذه الأوصاف فهذا هو العدم تمامًا.
على كل حال تقرير أن الله تعالى في السماء يعني العلو الذاتي أمر لا إشكال فيه، والعجب أنك تأتي العجوز التي لم تدرس ولم تفهم ولم تعلم وتسألها: أين الله؟ تقول: في السماء. إلا إذا كان الأمر كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَبَواهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ» ؛ أي إلا إذا كانت عائشةً بين قوم ينكرون العلو، فربما تنكره بناءً على أن البيئة تتغير، أما لو أتينا إلى الإنسان من حيث الفطرة لرأيناه لا يشك في أن الله في السماء.
ولذلك أفحم الهمداني -رحمه الله- أفحم أبا المعالي الجويني حين كان أبو المعالي الجويني ينكر استواء الله على العرش، ويقول: إن الله تعالى كان ولا عرش، وهو الآن على ما كان عليه، يريد أن ينكر استواءه على العرش، استواء الله على العرش دليله عقلي ولّا سمعي؟ سمعي؛ يعني: لولا أن الله أخبرنا أنه استوى على العرش ما علمنا، بخلاف العلو؛ العلو دليله عقلي وسمعي وفطري، وأما هذا فدليله سمعي، قال له الهمداني -رحمه الله- قال له: يا شيخ، دعنا من ذكر العرش، أخبرنا عن هذه الضرورة، فما قال عارف قط: يا الله، إلا وجد من قلبه ضرورة بطلب العلو، ما قال عارف هذه؛ كلمة (عارف) اصطلاح صوفي، العارف عندهم: هو العالم الواسع العلم العابد الكثير العبادة، ما قال عارف قط: يا الله، إلا وجد من قلبه ضرورة بطلب العلو، صحيح هذا ولّا لا؟
طالب: صحيح.
الشيخ: أي إنسان يقول: يا الله، يجد قلبه يتجه إلى السماء، فصرخ أبو المعالي وجعل يضرب على رأسه، يقول: حيرني الهمداني حيرني، عجز أن يرد على هذا، فنحن نقول والحمد لله: إن العلو أمر لا غموض فيه ولا إشكال فيه ولا ينكره إلا شخص مغموس -والعياذ بالله- بالبدعة، ونحن نرى أنه كافر، وأنه لا تنفعه صلاة ولا صدقة ولا صيام ولا حج، ولو مات ما صلينا عليه.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الملائكة مستغرقون الزمن كله في العبادة؛ لقوله: يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِو(الباء) وإن كانت بمعنى الظرف بمعنى (في) التي هي الظرفية لكن فيها نوع من الدلالة على الاستيعاب، كما قال تعالى في آية أخرى: يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ، شوف يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ [الأنبياء: ٢٠].
ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قوة الملائكة لقوله: وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَأي: لا يملون ولا يتعبون مما يدل على قوتهم، والأدلة على قوتهم كثيرة منها قصة سليمان عليه الصلاة والسلام حين جاءه الهدهد بخبر ملكة سبأ أن لها عرشًا عظيمًا، فقال سليمان: أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ [النمل: ٣٨]، فـقَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ [النمل: ٣٩]، وكان له وقت محدد يقوم فيه وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ [النمل: ٣٩] جني يبغي يأتيه من أقصى اليمن إلى الشام وهو واحد، ويقول: وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ، يؤكد قوته أَمِينٌلن أخون فيه قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ [النمل: ٤٠] الله أكبر، في الحال وجده أمامه فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي [النمل: ٤٠]، والفاء تدل على الترتيب والتعقيب، ثم قال: فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ، ولم يقل: فلما رآه عنده مستقرًا كأنه وضع في هذا المكان من سنوات مستقر، قال: هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّيالآن حضر من هناك بلحظة؛ يعني كأن العرش مثلًا على يمينك فنقلته عن يسارك بل أشد، قال أهل العلم: لأن هذا دعا الله عز وجل فحملته الملائكة، والملائكة أقوى من الجن، وهذا لا شك فيه أنهم أقوى من الجن.
وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ، ثم قال: وَمِنْ آيَاتِهِإلى آخره.
طالب: قول شيخ الإسلام أن الملائكة أفضل ابتداءً والبشر أفضل انتهاءً (...).
الشيخ: الملائكة أفضل من حيث البداية؛ لأنهم خلقوا من نور وامتثلوا أمر الله وليس فيهم من يستكبر عن عبادة الله، لكن في النهاية يكون مآل البشر أفضل، حتى الملائكة عملهم في يوم القيامة أنهم يدخلون عليهم من كل باب يهنئونهم يقولون: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ [الرعد: ٢٤] ولا ينالون من النعيم مثل ما يناله المؤمنون.
طالب: (...) تفضيل صالحي البشر على الملائكة؟
الشيخ: لا، على سبيل العموم لا.
طالب: لا، على سبيل التعيين لصالحي البشر.
الشيخ: (...) صالحي البشر ما يمكن، حتى صالحي البشر الجنس هذا فيه الكافر والمؤمن.
طالب: في مسألة عدم عبادة صفات الله ذكرتم أنه لا يجوز، وأيضًا هناك عبارة شائعة بين العامة ألا وهو قولهم: نشكر فضل الله، أو عبارة نحوها ما أذكرها الآن؛ يعني يشكرون فضل الله عز وجل.
الشيخ: اذكر الآن عشان نعرف.
طالب: نحمد الله ونشكر فضله.
الشيخ: إي، أليس الله تبارك وتعالى يقول: وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ [النحل: ١١٤]؟!
طالب: نعم.
الشيخ: والمراد نعمة الله المخلوقة، ما هي الصفة؛ يعني: ما أنعم الله، كذلك أشكر فضل الله ليس معناه أني أجعل هذه الصفة مشكورة، لكن هذا الفضل الذي مَنَّ الله به علي أشكر الله عليه.
طالب: يعني جائزة هذه العبارة؟
الشيخ: ما فيها شيء.
طالب: قولنا يا شيخ: بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِبأن (الباء) هنا بمعنى (في) علماء البصرة الذين ينكرون أن تقوم الحروف بعضها ببعض، ما يقولون بالتضمين، كيف تجيبون على مثل هذه الآيات؟
الشيخ: إحنا -بارك الله فيك- لدينا قاعدة، أنه إذا دل القرآن على شيء جائز فلا عبرة بمن خالف، هذه واحدة.
ثانيًا: إذا اختلف النحويون في مسألة فإننا نتبع الأسهل، ما فيه دليل شرعي مثلًا يؤيد هؤلاء أو هؤلاء فنتبع الأسهل، وأنا قد أعطيت طلابنا هذه القاعدة؛ على أنكم إذا رأيتم علماء البصرة وعلماء الكوفة مختلفين في شيء فاتبعوا الأسهل، وقولوا: الحمد لله على الراحة، خذ هذه القاعدة -إن شاء الله- معك عشان تحملها إلى قومك.
طالب: (...) لأن شيخ الإسلام يُغلِّط..
الشيخ: لا، هذه ما يُغلِّط بمثل هذه، شيخ الإسلام يُغلِّظ فيما إذا ضُمِّن الفعل معنًى يناسب حرف الجر، مثل: عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ [الإنسان: ٦] منهم من يقول: (بها) إن الباء بمعنى (من) يشرب منها عباد الله، ونحن نقول: لا، الأولى أن تضمن الفعل معنًى يناسب الحرف، أما الآيات التي معنا يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِفلا تستقيم.
طالب: أحسن الله إليك، الذين يقولون: الله ليس داخل العالم ولا خارجه ولا كذا (...) ولا نصلي عليهم؟
الشيخ: لا، هذه والله ما أستطيع أني أحكم عليهم بالكفر.
طالب: الأدلة عقلية يا شيخ على علو الله (...).
الشيخ: إي، ما يخالف، لكن هم يقولوا: ما ننكر علو الله لكن نفسره بالعلو المعنوي، يعني أنه عالي القدرة عالي السمع عالي البصر، وما أشبه ذلك.
طالب: (...) تقول عن السحر بأنه علم، واستدلوا بهذه الآية الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِفكيف نرد على هؤلاء الناس؟
الشيخ: السحر؟ نحن نقول: السحر علم، أليس الله تعالى قال عن الملكين: وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ [البقرة: ١٠٢] ما فيه إشكال أنه علم.
طالب: يستدلون بهذه الآية.
الشيخ: لا، هذا ما هو بصحيح، يعني كأنهم يريدون أن هذا ساحر؟! الذي عنده علم من الكتاب قال: عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ [النمل: ٤٠] ما قال: علم من السحر، ثم إن السحر لا يمكن أن يغير الحقائق، السحر يخيل الأشياء، يعني بمعنى أنه يجعل المسحور يرى الساكن متحركًا والمتحرك ساكنًا، أما أن (...).
***
طالب: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩) إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت: ٣٩ - ٤٢].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً(من) للتبعيض و(آيات) جمع آية، وهي العلامة المعينة لمعلومها، فكل علامة تعين معلومها وتحدده فهي آية.
وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةًأَنَّكَالخطاب هنا لكل من يتأتي خطابه، وليس خاصًا بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، واعلم أن الخطاب الموجه إلى واحد ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: ما دل الدليل على أنه خاص برسول الله صلى الله عليه وسلم فهو خاص به، والثاني: ما دل الدليل على العموم فهو للعموم، والثالث: ما لا دليل فيه على هذا ولا على هذا، فيصح أن يكون خاصًا بالرسول وأن يكون موجهًا لكل من يتأتي خطابه، ففي قوله تعالى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ [الشرح: ١، ٢] الخطاب خاص بالرسول عليه الصلاة والسلام، إذ أن هذا لا يتأتى لغيره، وفي قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [المائدة: ٦٧] هذا أيضًا خاص به، وفي قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ [الطلاق: ١] هذا عام دل الدليل عليه؛ لأنه قال: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّثم قال: إِذَا طَلَّقْتُمُ، وغالب ما يأتي ألا يكون فيه دليل لهذا ولا لهذا، فنقول: إما أنه موجه للرسول عليه الصلاة والسلام وأمته تكون متأسية به في ذلك، وإما أن يُقال: إنه خطاب لكل من يتأتي خطابه، في هذه الآية أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَهل الخطاب هنا خاص بالرسول؟ لا، بل هو عام له ولغيره، إما أن غيره داخل في ذلك في أصل المخاطبةـ، وإما بالتبع.
(أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةًأي: يابسة هامدة ليس فيها نبات إطلاقًا، فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَيعني المطر اهْتَزَّتْتحركت وَرَبَتْانتفخت وعلت) فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَأي: ماء المطر اهْتَزَّتْأي: اهتز نباتها من فوقها، وليس المراد أن الأرض نفسها تهتز؛ لأننا لا نشعر بذلك، وإن كنا نجوز أن يكون اهتزازها اهتزازًا يسيرًا، لكن الذي يظهر أنها اهتزت بالنبات، وَرَبَتْأي: علت.
وهل المراد ما أشار إليه المؤلف انتفاخ الأرض عندما تريد الحبة أن تخرج؟ فإن الحبة تنتفخ في باطن الأرض، ثم إذا أراد غصنها أن يخرج رفع الأرض، فهل هذا هو معنى (ربت)؟ أو المعنى: علت بالنبات؟ يحتمل هذا وهذا؛ أنها علت بالنبات، وأنه لما ذكر اهتزازها أولًا اهتزاز النبات الخفيف ذكر علو النبات، الأشجار الكبيرة التي تعلو، كل هذا ممكن.
ثم قال عز وجل: إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [فصلت: ٣٩]، إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَاأي: أحيا الأرض الخاشعة لَمُحْيِ الْمَوْتَىوالجملة كما ترون مؤكدة بمؤكدين: (إن) و(اللام)، والْمَوْتَىجمع ميت، والمراد بهم كل من مات من بني آدم وغيرهم، فهو قادر على إحيائهم.
إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌإِنَّهُأيضًا جملة مؤكدة بـ(إن)، وعَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌكل شيء فالله قدير عليه، قادر على إيجاد المعدوم وعلى إعدام الموجود، وعلى تغيير الثابت وعلى تثبيت المتغير، كل شيء قادر عليه.
ففي هذه الآية فوائد: أوَّلًا: أن من آيات الله الدالة على قدرته أن الأرض اليابسة الهامدة إذا نزل عليها الماء نبتت واهتزت وربت وهل أحد يستطيع أن يفعل مثل ذلك؟ أبدًا قال الله تعالى: أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ [الواقعة: ٦٣، ٦٤]، لا أحد يستطيع مهما بلغ من القوة أن ينبت ورقة واحدة، وقد تحدى الله عز وجل جميع الخلق فقال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ [الحج: ٧٣] وهذا تحدٍّ بالأمر الكوني القدري، وتحدى الله الخلق بالأمر الشرعي فقال: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ [الإسراء: ٨٨] إذن فالإنسان عاجز مهما كان.
مِن فوائد هذه الآية: الاستدلال بالمحسوس المنظور على الموعود المنتظر، وجهُهُ أن الله استدل بالشيء المنظور المحسوس -وهو نبات الأرض بعد أن كانت هامدة- على شيء منتظر وهو إحياء الموتى بعد موتهم.
وفيه أيضًا: الاستدلال بالأدلة العقلية، أن الإنسان يستدل بالمحسوس على المعقول، يعني أن قدرة الله على هذا تدل على قدرته على الآخر.
ومن فوائدها أيضًا: استعمال القياس وأن القياس ثابت؛ لأن الله تعالى قاس إحياء الموتى على إحياء الأرض.
ومن فوائد الآية الكريمة: تأكيد ما ينبغي تأكيده سواء كان ذلك؛ لإنكار المنكر أو شك شاك أو أهمية الأمر؛ لأن التأكيدات تكون إما لأهمية الأمر، وإما لرفع الشك والتردد في الشيء حتى يكون أمرًا يقينيًا، وإما لإثبات الشيء المنكر، فمثلًا إذا كانت الآية تخاطب الذين ينكرون البعث فهذا الإثبات لإثبات مُنكر؛ يعني: لإثبات شيء أنكره قوم، وإذا كانت الآية تخاطب من يترددون في ذلك فهي لرفع الشك والتردد، وإذا قدرنا أنها تخاطب من لا شك عنده ولا إنكار فهو لأهمية الأمر لأهمية الموضوع؛ لأن الإيمان بذلك هو الذي يحدو الإنسان إلى أن يعمل، لولا أن الإنسان يؤمن بأنه سوف يُبعث ويُجازى لكان غير نشيط على العمل، أكثر ما ينشط الإنسان على العمل هو خوفه يوم القيامة.
ومن فوائد الآية الكريمة: عموم قدرة الله عز وجل؛ لقوله: إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فلا يعجزه شيء لتمام علمه وتمام قدرته، قال الله تعالى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا [فاطر: ٤٤]؛ لأن العاجز إما أن يكون لعدم علمه وإما أن يكون لعدم قدرته، فنفى الله عز وجل العجز، وبين أن ذلك بسبب كمال علمه وقدرته، إذن إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: ٢٠].
ذكر الجلال السيوطي -غفر الله لنا وله- في سورة المائدة كلامًا مُنكرًا، قال: (وخصَّ العقل ذاته، فليس عليها بقادر) يعني كأنه يقول: على كل شيء قدير إلا على ذاته فليس عليها قادرًا، وهذا لا شك أنه قول منكر، كأنه يقول مثلًا: هل يقدر الله عز وجل على أن يُفْنِي نفسه؟ على كلامه، نقول: هذا قول ساقط؛ لأن القدرة إنما تتعلق بالشيء الممكن، أما الشيء المستحيل فهو مستحيل، وليس مستحيلًا على قدرتنا، لا، المستحيل على قدرتنا غير المستحيل على قدرة الله، لكن المستحيل لذاته، فإنه لا يمكن أن تتعلق به قدرة ولا غير قدرة إلا العلم، ولهذا قال السفاريني في العقيدة:
| بِقُـــدْرَةٍ تَعَـــلَّقَتْ بِمُمْـــــكِنٍ | ....................... |
فيُقال للجلال -عفا الله عنا وعنه: إن أردت أن الله ليس بقادر على أن يفني نفسه فهذا أمر غير وارد إطلاقًا؛ لأن القدرة لا تتعلق بهذا، وإن أردت أنه غير قادر على أن ينزل إلى السماء الدنيا وأن يأتي للفصل بين عباده وأن يستوي على عرشه ونحو ذلك من الأفعال الاختيارية فهذا كذب، بل هو قادر على ذلك، لكن السيوطي -عفا الله عنا وعنه- ممن يرون أن الأفعال الاختيارية لا تقوم بالله؛ يعني يقول: إن الله ما يمكن ينزل ولا يستوي ولا يأتي يوم القيامة؛ لأن هذه على زعمه حوادث، والحوادث لا تتعلق إلا بحادث.
على كل حال، هذه فلسفة جاء بها أهل الكلام، وما أكثر ما جاءوا به من الكلام، وكلامهم كلام في كلام، لا فائدة فيه، تطويل بلا فائدة، إضاعة للوقت بلا فائدة، مؤدٍّ إلى الشك والتردد بلا فائدة، ولهذا قال بعضهم: أكثر الناس شكًّا عند الموت أهل الكلام، نعوذ بالله، لماذا؟ لأنهم لم يبنوا عقيدتهم على الكتاب والسنة، بنوها على وهميات ظنوها عقليات فَضَلُّوا وأضلوا.
نحن نقول كما قال ربنا عز وجل: إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: ٢٠] فقط ويكفي، أما العلم فهو أوسع من القدرة؛ لأن العلم يتعلق بالواجب والمستحيل والممكن؛ يعني علم الله متعلق بكل شيء، يتعلق حتى بالمستحيل، قال الله تعالى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء: ٢٢]، وهذا مستحيل، ومع ذلك تعلق به العلم، وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ [المؤمنون: ٧١]، وهذا أيضًا من المستحيل على حكمة الله عز وجل.
ومن فوائد الآية الكريمة: الاستدلال بالعموم على الخصوص، فالله تعالى استدل على قدرته على إحياء الموتى بدليلين: أحدهما خاص، والثاني عام، ما هو الخاص؟ إحياء الأرض بعد موتها، العام: إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [فصلت: ٣٩]، وينبني على هذه الفائدة أن العام يتناول جميع أفراده، وقد ذكر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم في قوله حين عَلَّم أمته التشهد، قال: «إِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ فَقَدْ سَلَّمْتُمْ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ» ، فمثلًا إذا قال الرجل: دُورِي وقف. يشمل جميع الدُّور؟
طالب: نعم.
الشيخ: ولو قال: سياراتي لفلان. يشمل جميع السيارات، ولو قال: نسائي طوالق. يشمل كل امرأة له، ولو قال: عبيدي أحرار، شمل كل عبد، المهم أن العام يتناول جميع أفراده.
ثم قال جل وعلا: إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا [فصلت: ٤٠] يقول المفسر: (من أَلْحَد ولَحَد) من (ألحد) تكون يُلْحِدُون، و(لَحَد): يَلْحَدون، وأصل اللحد أو الإلحاد هو الـميل، ومنه سُمي اللحد لحدًا لميله إلى جانب القبر، إذن فهذه المادة (ل ح د) مأخوذة من أين؟ من الميل، فمعنى يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَاأي: يميلون فيها، وآيَاتِنَاجمع آية، وآيات الله تعالى تنقسم إلى قسمين:
آيات شرعية: وهي الوحي المنزل على الأنبياء والرسل، وآيات قدرية: وهي المخلوقات، كل المخلوقات آيات قدرية تدل على خالقها وبارئها، وفي ذلك يقول الشاعر الصادق في قوله:
| فَوَاعَجَبَا كَيْفَ يُعْصَى الْإِلَهُ | أَمْ كَيْفَ يَجْحَدُهُ الْجَاحِدُ |
| وَفِي كُـــــــــــــلِّ شَـــيْءٍ لَــــــهُ آيَــــــةٌ | تَـــــدُلُّ عَلَى أَنَّـــــهُ وَاحِـــــــدُ |
كل المخلوقات آية من آيات الله، إذن الآيات قسمان؛ كونية: وهي جميع المخلوقات، شرعية: وهي الوحي المنزل على الرسل عليهم الصلاة والسلام.
الإلحاد في الآيات الكونية يكون بواحد من أمور ثلاثة: إما بإضافتها إلى غير الله، وإما باعتقاد مشارك لله فيها، وإما باعتقاد مُعِينٍ لله فيها، كم هذه؟ ثلاثة؛ الأول: نسبتها إلى غير الله، فيقول مثلًا: الذي خلق السماء القوة الطبيعية، هذا إلحاد في الآيات الكونية، أو اعتقاد مُشارك لله فيها، مثل أن يقول: الذي يدبر الكون هو الله والإمام الفلاني كما تقوله بعض الرافضة، الثالث: اعتقاد مُعِينٍ لله فيها؛ يعني كأن الله عجز عن إقامة السماوات والأرض فأعانه آخر، هذا هو الإلحاد في آيات الله الكونية.
وإلى هذا يشير قوله تعالى: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ [سبأ: ٢٢] كل الثلاثة نفاها لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِعلى سبيل الاستقلال، وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍعلى سبيل المشاركة، وَمَا لَهُأي ما لله مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍأي: مُعين.
مرة ثانية نقول: الإلحاد في الآيات الكونية ما هو؟
طالب: يكون من ثلاثة أشياء؛ إما بإضافتها لغير الله، أو اعتقاد مُشارِكٍ لله عز وجل، أو اعتقاد مُعِينٍ لله.
الشيخ: إما بنسبتها إلى غير الله، أو اعتقاد مُشارك لله فيها، أو اعتقاد مُعين لله فيها، كل هذا إلحاد.
الآيات الشرعية قلنا: إنها ما نزل من الوحي على رسل الله، الإلحاد فيها يكون بتكذيبها وتحريفها ومخالفتها أيضًا في ثلاثة أمور، يكون بثلاثة أمور: تكذيبها أو تحريفها أو مخالفتها، هذا الإلحاد في الآيات الشرعية فمن كذب وقال: إن محمدًا -مثلًا- لم ينزل عليه وحي وإنما يعلمه بشر فهو ملحد، ومن حرفها وغَيَّر معناها أو غير لفظها فهو ملحد؛ لأن التحريف يكون لفظًا ويكون معنى، والثالث: من خالفها فهو مُلحد، فمن عصى الله فهو ملحد لكنه ليس الإلحاد الذي نفهمه وهو الخروج من الدين، بل هو ملحد إلحادًا بقدر ما فعل من المعصية والمخالفة، دليل ذلك قوله تعالى: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الحج: ٢٥]، الدليل هذا سمعي، الدليل العقلي أننا قلنا: الإلحاد في اللغة هو الميل، والعاصي المخالف للأوامر مائل بلا شك، الإلحاد في الآيات الشرعية يكون؟
طالب: بثلاثة.
الشيخ: بثلاثة ولّا بواحدة من ثلاثة؟
طالب: بواحدة من ثلاثة؛ إما بتكذيبها أو تحريفها أو مخالفتها.
الشيخ: تمام، هؤلاء الذين يلحدون في هذا أو في هذا يقول الله عز وجل: لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا [فصلت: ٤٠] هذه صفة نفي لَا يَخْفَوْنَ، نفى الله عز وجل أن يخفى عليه هؤلاء، لماذا؟ لكمال علمه، واعلم أنه لا يمكن أن يوجد في صفات الله نفي محض، بل كل ما نفى الله عن نفسه فهو متضمن لكمال وإثبات، وهذه دعها قاعدة عندك لا تفرط بها، لا يوجد في صفات الله نفي محض، بل كل ما نفى الله عن نفسه فإنه متضمن لكمال، فمثلًا: لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَاليش؟ لكمال علمنا، فإن الله تعالى كامل العلم محيط بكل شيء أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ [الزخرف: ٨٠].
إذن لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَاأي: لا تخفى علينا حالهم ولا أعيانهم لكمال علمنا، والمراد بهذه الجملة المراد بها التهديد، كما تقول لابنك: يا بني اذهب لما شئت فإنك لا تخفى علي، لا يخفى علي فعلك، فالمراد بها التهديد وهي في غاية التهديد؛ لأنه إذا قال الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَافسوف ترتعد الفرائص من هذا الوعيد.
ثم قال: (لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَافنجازيهم) المؤلف رحمه الله يقول: (فِي آيَاتِنَاالقرآن بالتكذيب) ففي تفسير المؤلف قصور، أولا: أنه جعل الآيات هنا الآيات الشرعية، وهذا غلط، الآيات أعم.
ثانيًا: أنه لم يجعل الإلحاد في الآيات الشرعية إلا بنوع واحد من الإلحاد وهو التكذيب، وقد قلنا: إن الإلحاد فيها يكون بواحد من ثلاثة أمور: إما التكذيب أو التحريف أو المخالفة.
قال الله تعالى: أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ [فصلت: ٤٠] الجواب: الثاني ولّا الأول؟
طالب: الثاني مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
الشيخ: أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِاستفهام من الله عز وجل أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِالجواب لا شك أنه الثاني، وفي قوله: أَفَمَنْ يُلْقَىهذا نتيجة قوله: لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَاإذن فالمعنى: لا يخفون علينا وسنلقيهم في النار؛ لأن هذه هي النتيجة من قوله: لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَافيكون المعنى: لا يخفون علينا وسنلقيهم في النار، وأخبروني: أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ والجواب: أن الناس بصوت واحد سيقولون: من يأتي آمنًا يوم القيامة فهو الخير.
وقوله: أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ، يُلْقَىيفيد هذا أن أهل النار -والعياذ بالله- إذا وردوها لا يدخلوها طائعين ولا مختارين، ولكنهم يُلقَون إلقاءً كما يُلقى الحجر من على الجبل، قال الله تعالى: كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا [الملك: ٨] كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا، وقال تعالى: يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا [الطور: ١٣]؛ لأنهم لا يريدون أن يذهبوا، ولكن قد ثبت أن النار تمثل لهم كالسراب فيأتون إليها سراعًا، نقول: لا منافاة هي تمثل لهم كالسراب وهم يريدون الشرب فيأتون إليها سراعًا، فإذا وصلوا إليها وعرفوا أنها النار حينئذ يقفون ثم يُدَعُّون إلى نار جهنم دعًّا -أعاذنا الله وإياكم منها- ثم يُلقون فيها إلقاءً.
وقوله: خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِوهم المؤمنون الذين لا يلحدون في آيات الله، هؤلاء يأتون يوم القيامة آمنين، قال الله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ [الأنعام: ٨٢] في الدنيا أو في الآخرة؟
طلبة: في الدنيا والآخرة.
الشيخ: في الدنيا والآخرة، أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًاإعراب آمِنًالماذا صارت بالنصب وقبلها فعل مضارع؟
طالب: حال.
الشيخ: حال، أين الفاعل؟
طالب: الفاعل يَأْتِي.
الشيخ: الفاعل مستتر، التقدير: أم من يأتي هو آمنًا يوم القيامة، يَوْمَ الْقِيَامَةِيعني به يوم البعث والنشور، وسُمي يوم القيامة لوجوه ثلاثة: الأول أن الناس يقومون فيه من قبورهم لرب العالمين؛ كما قال تعالى: يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [المطففين: ٦]، الثاني: أنه يُقام فيه العدل؛ كما قال تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأنبياء: ٤٧]، والثالث: أنه يُقام فيه الأشهاد إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ [غافر: ٥١] فلهذا سُمي يوم القيامة لوجوه ثلاثة، الأخ؟
طالب: إما لقيام الناس من قبورهم.
الشيخ: لقيام الناس من قبورهم لرب العالمين، الدليل؟
طالب: يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ.
الشيخ: هذا واحد، الثاني؟
الطالب: الثاني: قيام الأشهاد.
الشيخ: نعم، الدليل؟
الطالب: وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ.
الشيخ: الثالث؟
الطالب: الثالث قيام الموازين بالقسط.
الشيخ: أنه يُقام فيه العدل، الدليل؟
الطالب: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ.
الشيخ: بارك الله فيك، أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْيعني: بعد هذا الإنذار والتهديد والوعيد اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ، وهذه الجملة أيضًا تفيد التهديد بلا شك، يعني: اعملوا ما شئتم من الخير أو من الشر إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [فصلت: ٤٠]، إذن اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْليست إباحة أن الإنسان يعمل ما شاء كما يدعي هؤلاء أن الحرية أن تعمل ما شئت، عند هؤلاء الكفار الإنسان حر في دينه، يدين بما شاء، حر في أخلاقه يتخلق بما شاء، حر بأعماله يعمل ما شاء، هكذا عندهم، ونحن نقول: لا، الحرية المطلقة هي الرق الـمُطلق؛ لأنك إذا تحررت من قيود الشرع تقيدت بقيود الشر، ولهذا يقول ابن القيم في النونية:
| هَرَبُوا مِنَ الرِّقِّ الَّذِي خُلِقُوا لَهُ | ........................... |
ما هو الرق الذي خُلقنا له؟ عبادة الله عز وجل، وبُلوا؛ يعني: ابتلوا، برق النفس والشيطان: صاروا عبيدًا لأنفسهم والشياطين، فروا من رقهم لله إلى رقهم للهوى والشيطان. فنقول: إن قوله: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْليس إطلاقًا بمعنى ليس إباحة، ولكنه تهديد، وهو أسلوب عربي مبين منذ نزل القرآن وإلى يومنا هذا، ولهذا أكده بقوله: إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌقال المؤلف: (تهديد لهم)، إِنَّهُالضمير يعود على الله عز وجل، وقوله: بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌأي: عليم، وقوله: بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌقُدِّم على عامله لسببين:
أحدهما: لفظي، والثاني: معنوي؛ أما اللفظي فهو لتناسب الآيات رؤوس الآيات، والقرآن الكريم -كما تعلمون- نزل بلسان عربي يراعي التناسب اللفظي والمعنوي، والفائدة الثانية: أنه أشد تهديدًا مما إذا جاء متأخرًا عن عامله، كأنه يقول: لو لم يكن عالمًا بأي شيء لكان عالمًا بأعمالكم، فهنا الحصر لبيان التهديد لهؤلاء كأنه يقول: لو خفي عليه كل شيء لم يخف عليه أعمالكم.
في هذه الآية فوائد:
أولًا: تحريم الإلحاد في آيات الله، وجه ذلك أن الله تعالى هدد الملحدين في آيات الله.
ثانيًا: إثبات الآيات والتقسيم من عندنا مبني على التتبع والاستقراء، أفهمتم؟ يعني إثبات أن الله له آيات كونية وشرعية، الآية ليس فيها ذلك، لكن بالتتبع والاستقراء علمنا أن آيات الله تنقسم إلى قسمين: شرعية وكونية.
ومن فوائد الآية الكريمة: تهديد الملحدين بأن الله مطلع عليهم لا يخفى عليه شيء من أحوالهم.
ومن فوائدها: سعة علم الله تبارك وتعالى، وأنه لا يخفى عليه شيء.
ومن فوائدها: أن الإلحاد سبب لدخول النار؛ لقوله: أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِمثل الملحدين.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن أهل النار -والعياذ بالله- يُلقون فيها إلقاءً ويُدعُّون إليها دعًّا إهانةً لهم وإذلالًا لقوله: أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ.
ومن فوائد الآية الكريمة: جواز المفاضلة بين شيئين بينهما من التباين أكثر مما بين السماء والأرض إفحامًا للخصم، الدليل: أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كل يعرف أن الثاني خير، وأنه لا حاجة إلى الاستفهام، لكن من أجل إفحام الخصم وإقامة الحجة عليه، ونظير ذلك قوله تعالى: آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ [النمل: ٥٩] كل يعرف أن الله خير، لكن هذا من باب إفحام الخصم، ومنه قوله تعالى: قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ [البقرة: ١٤٠] كل يعرف أن الأعلم هو الله لكن هذا أيضًا من باب إفحام الخصم، وهذه فائدة انتبهوا لها أن المفاضلة بين شيئين التفاوت بينهما ظاهر لا يراد به المقارنة ولكن يراد به إفحام الخصم.
من فوائد الآية الكريمة: أن من استقام في آيات الله ولم يلحد فيها فإنه يأتي يوم القيامة آمنًا؛ لقوله: أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِفي مقابل الملحدين الذين يُلقَون في النار.
ومن فوائد الآية الكريمة: عظمة الله عز وجل وقوة سلطانه؛ لقوله: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْفإن مثل هذا التهديد لا يكون إلا من كامل السلطان.
ومن فوائد الآية: إثبات يوم القيامة؛ لقوله: يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
ومنها أيضًا: أن الناس في يوم القيامة بين آمن وخائف؛ لقوله: أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المشيئة للعبد؛ لقوله: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْفيكون في ذلك رد على الجبرية، الجبرية يقولون: الإنسان مجبر على العمل وليس له أي إرادة فيما يفعل، عجبًا لهم، يصلي بلا إرادة، ويتوضأ بلا إرادة، ويمشي بلا إرادة، ويقعد بلا إرادة، ويؤمن بلا إرادة، ويكفر بلا إرادة، سبحان الله! مجبر؟! قال: نعم مجبر، فالحركة هذه طبيعية فيه كالإحراق في النار، هل النار تحرق باختيارها؟ لا، لكن أُودع فيها الإحراق، هم يقولون: هذه الأفعال والحركات من الإنسان لا إرادية لكنه جُبِل عليها، ويقولون: إن حركته الإرادية كحركته الاضطرارية، فنزول الإنسان في الدرج من العليا إلى السفلى وصعوده من السفلى إلى العليا كمن دُحرج دحرجة على الدرج، والمدحرج له اختيار ولّا ما له اختيار؟
طالب: ما له اختيار.
الشيخ: هم يقولون: هكذا اللي ينزل باختياره لا فرق، فقيل لهم: إذا كان كذلك فإن من أظلم الظلم أن يعذب الله الظالم؛ لأن الظالم يقول: أنا مُجبر ما لي قدرة ولا لي اختيار، قالوا: لا يمكن، الظلم في حق الله مستحيل لذاته؟ لا لأن الله لا يريده، لكنه مستحيل لذاته، لماذا؟ لقالوا: لأنه تصرف الخالق في ملكه والمتصرف في ملكه ليس بظالم، ولهذا قال ابن القيم عنهم:
| وَالظُّلْمُ عِنْدَهُمُ الْمُحَالُ لِذَاتِهِ | .......................... |
ونحن نقول: أخطأتم؛ لأن الله تعالى شرع شرائع، وأوعد من خالفها، ووعد من وافقها، وأعطى الإنسان حرية، والظلم ممكن في حق الله لكنه مستحيل عليه إرادةً؛ بمعنى أنه لا يريد الظلم، ولو شاء لظلم، لكنه لا يريده، وليس وصفه إطلاقًا قال الله تعالى: وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِوقال: مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [ق: ٢٩]، وقال تعالى في نفي إرادة الظلم: وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ [غافر: ٣١]، وكيف يتمدح الله عز وجل بأمر مستحيل؟ هذا غير ممكن، لولا أن الظلم ممكن ما كان وُصف الله به كمالًا، فهو ممكن أن يعذب الإنسان الذي أمضى ليله ونهاره في طاعة الله ممكن عقلًا أو لا؟ عقلًا ممكن، لكن الله تعالى لا يريد هذا، لذلك بطل قولهم بأنه الظلم محال في حق الخالق؛ لأنه يتصرف في ملكه.
على كل حال في الآية هذه اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْدليل على إثبات المشيئة للعبد، وهو يرد ردًّا واضحًا على الجبرية، العجب أنه قام أناس ضد الجبرية فداووا البدعة ببدعة قالوا: الإنسان له مشيئة وإرادة واختيار لكنه منفصل عن إرادة الله تعالى ومشيئته، مستقل بالعمل ما لله فيه إرادة إطلاقًا، كيف؟ قال: نعم، أنت الآن تذهب وتجيء باختيارك لا تشعر أن أحدًا يجبرك أو يكرهك فإذن لا علاقة لله بفعلك، أنت تفعل مختارًا مستقلًا عن إرادة الخالق.
أيهم أقرب إلى المعقول الجبرية أو القدرية؟ القدرية أقرب للمعقول؛ لأن كل إنسان يعرف أنه يفعل الشيء باختياره، وأنه يُحمد على فعله للخير، ويذم على فعله الشر، ولو كان بغير اختيار ما استحق أن يحمد على الخير ولا أن يذم على الشر، كل يعلم ذلك، ولهذا يُسمَّوْن العقلانيين؛ لأنهم يحكمون العقل حتى في مثل هذا الأمر، إذن نقول: قُوبلت بدعة الجبرية ببدعة من؟
طلبة: القدرية.
الشيخ: القدرية الذين أثبتوا للإنسان إرادةً استقلالًا، ولهذا يُسمَّوْن مجوس هذه الأمة؛ لأن المجوس يقولون: الحوادث لها خالقان: الظلمة والنور، كل ما في الدنيا من شر فخالقه الظلمة، كل ما فيها من خير فخالقه النور؛ لأن الأشياء اللي في الدنيا كلها إما خير وإما شر، فيجب أن يكون هناك إلهان: إله الخير وإله الشر، أيهما المناسب للخير؟ النور؛ لأن النور فيه سعة الصدر والانشراح، وأيهما أنسب للشر؟ الظلمة، قالوا: إذن جميع ما يحدث في الكون له خالقان: ظلمة ونور، الظلمة تخلق الشر، والنور يخلق الخير، وفي هذا يقول المتنبي في ممدوحه:
| وَكَمْ لِظَلَامِ اللَّيْلِ عِنْدَكَ مِنْ يَدٍ | تُحَــــــدِّثُ أَنَّ الْمَانَـــــوِيَّةَ تَكْـــذِبُ |
(كم) للتكثير، (كم لظلام الليل عندك من يد) أي: من نعمة، (تحدث أن المانوية): وهم فرقة من المجوس (تكذب) لأن المانوية يقولون: الظلمة تخلق أيش؟
طلبة: الشر.
الشيخ: والنِّعَم خير ولّا شر؟ خير، يقول لممدوحه: أنت تجود ليلًا ونهارًا مما يكذب المانوية الذين يقولون: إن الظلمة تخلق الشر، على كل حال نحن نقول: إن الجبرية قوبلت بدعتهم ببدعة واعلم أن البدعة لا يمكن أن تقاوم ببدعة؛ لأن..





