تفسير الآيتين (41-42)
تفسير الآية (43)
تفسير الآية (44)
| ........................ | تُحَدِّث أنَّ الـمَانَوِيَّةَ تكْذِبُ |
(كم) للتكثير
| وَكَمْ لِظَلَامِ اللَّيْلِ عِنْدَكَ مِنْ يَدٍ | ................................. |
أي مِن نعمة (تحدث أن المانوية) وهم فرقة مِن المجوس (تكذب) لأنَّ المانوية يقولون: الظلمة تخلق أيش؟
طالب: الشر
الشيخ: والنِّعَم خير ولَّا شر؟
طالب: خير
الشيخ: خير، يقول لممدوحِه: أنت تجود ليلًا ونهارًا مما يكَذِّب المانوية الذين يقولون إنَّ الظلمة تخلق الشر، على كلِّ حال نحن نقول: إنَّ الجبرية قوبِلَتْ بدعتُهم بأيش؟ ببدعة، واعلم أنَّ البدعة لا يمكن أن تُقاوم ببدعة؛ لأنك إذا ابتدعت ادعى عليك هو ادعى هو عليك، ومِن ذلك ما يفعلُه بعض الناس في يوم عاشوراء يوم عاشوراء عند الرافضة يوم حُزْن وبلاء، جاء أناس مِن أهل السنة قالوا: إذًا نجعله يوم فرح وسرور وينبغي يوم عاشوراء أن نتزَيَّن ونتجَمَّل ونُوَسِّع على العيال ونكشت بهم ونريهم الأشياء، ضد أيش؟ ضد الحُزْن لكن هل هذا صحيح؟ لا؛ لأن إذا فعلْنا هذا قالت الرافضة: ما دليلكم على هذا؟ فلا يمكن أن تقابَل البدعة ببدعة أبدًا لا تُقابَل إلا بالسنة، نحن نُقابِل الجبرية الذين ينكرون مشيئة العبد بدلالة الكتاب والسنة أنَّ للإنسان مشيئة، ونقابل القدرية بأنَّ الله تعالى له مُلْك السماوات والأرض وما تشاءون إلا أن يشاء الله أفهمتم؟ إذًا أنا إذا شئتُ شيئًا وفعلتُه أقول: إنَّ الله شاءَ ذلك قبل أن أشاءه لا يمكن أن أشاءَ شيئًا وأفعلَه دون أن يكون الله تعالى شاءَه أبدًا، فإذا قال قائل: أنت إذا قلت هذا وأنَّ مشيئتَك بعد مشيئة الله وتابِعَة لمشيئة الله لزِم على ذلك أن يحتَجَّ العاصي علينا بقدرِ الله ومشيئَتِه، العاصي يشاء المعصية ويفعل المعصية قلنا له ليش؟ قال: لأنَّ الله شاء ذلك، أنتم تقولون إنه ما مِن مشيئةٍ للعبد إلا وهي مسبُوقَةٌ بمشيئة الله وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الإنسان: ٣٠] أنا وش أسوي؟ شاءَ الله أن أفعل ففعلْت كيف تلومونني على أمرٍ كتبَه الله عليّ وشاءَه علَيّ؟ أيش نقول؟ نقول: قبل كل شيء مَن أعلمَك أنَّ الله شاء ذلك؟ هل أحد يعلم أنَّ الله شاءَ الشيء إلا بعد وقوعه؟ لا يعلم وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا [لقمان: ٣٤] أنا مثلًا عندما أقوم وأصلي أعلم أنني لما شئْتُ الصلاة وفعلْت فقد شاءَها الله عز وجل مِن قبل، لكن قبلَ أن أُصَلّي هل أعلَم أنَّ الله شاء أن أُصَلِّي أو لا؟
طلبة: لا أعلم
الشيخ: لا؟ لام ألف؟ متأكدون؟
طلبة: نعم.
الشيخ: طيب، العاصي حين يفعل المعصية هل يعلَم أنَّ الله شاءَ له أن يفعَلَ المعصية قبل أن يفعلَها؟ لا؛ إذًا لا حُجَّةَ له، وما أحسن ما قاله بعض العلماء: إنَّ القدر سِرٌّ مكْتُوم لا يُعلَم إلا بعد وقوع المقدور. وهو كذلك هذا جوابٌ مفحم لا يمكن أن يتخَطَّاه المجرِم قيدَ أنملة، ثم نقول له: ألستَ الآن إذا كان أمامك نارٌ محرِقَة أو أودية مُغْرِقة ألست تُحْجِم عنها ولا تُقْدِم عليها؟
طالب: بلى
الشيخ: طيب، لماذا لا تُقدِم وتُلقِي نفسَك في النار وتقول والله هذه مشيئة الله؟ لا يمكن أن يُقدِم لا على أودية مغرِقة ولا على نارٍ محْرِقة ويدَّعِي أن ذلك بمشيئة الله لا يمكن، نقول: إذًا لماذا لم تتجَنَّب المعاصي التي علِمْت بوعد الله عز وجل أو وعيده أنَّها سببٌ لدخول النار؟ لِماذا؟ هذا نخاطِبُه عندما نريد منه أن يتجَنب المعاصي، عندما نريد أن يفعل الطاعات نقول: تعال: نزلَ في الصحف مسابقة على وظِيفتين إحداهما عشرة آلاف ريـال في الشهر والثانية عشرة ريال في الشهر إلى أين يذهب؟
طلبة: عشرة آلاف
الشيخ: لا يا جماعة يذهب إلى عشرة ونقول هذا تقدير الله؟
طلبة: لا
الشيخ: لا؟ متأكدون
طلبة: نعم
الشيخ: طيب، نقول: ألست تذهب إلى عشرة آلاف؟ تريد هذا الراتب الجيد، طيب العمل الصالح عُرِض عليك عمل صالح بأنَّ جزاءَ الحسنة بعشْر أمثالها إلى سبعمائة ضعف لماذا لا تُقدِم عليها؟ كما كنت تُقدِم على ما تراه حظًّا لك في عمَلِ الدنيا فلماذا لا تُقدِم على ما تراه حظًّا لك في عمل الآخرة؟ وبهذا تنقطع حجة الظالم سواءٌ ظلمَ بفعل المحرمات أو بترك الواجبات، لا حرج (...) نقول تعرضنا لهذا وإن كان ليس مِن خصائص علم التفسير لأنَّ هذا من علم العقيدة المهِمّ، ربما يُشوِّش على الإنسان مثلُ هذه الإيرادات من الجبرية أو من القدرية فنقول بما سمعتم، والأمر والحمد لله واضح حتى أنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام حلَّ هذه المشكلة بكلمتين فقط قال عليه الصلاة والسلام وهو على شفِير قبرٍ لإحدى بناته قال: «ما منكم من أحد إلا وقد كُتِب مقعده من الجنة ومقعده من النار» -ما هنا أحد إلا كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار- قالوا: يا رسول الله أفلا ندع العمل ونتَّكِل على الكتاب؟ هذا اعتراض لكنه اعتراض في بادي الأمر كما قال تعالى: بَادِيَ الرَّأْيِ [هود: ٢٧] ما دام مكتوب الشيء ما حاجة نعمل، هذا مكتوب من أهل السعادة خلاص نال السعادة لِيَنَم لأنه من أهل السعادة، هذا من أهل الشقاوة أيضًا لا يعمل؛ لأنه من أهل الشقاوة ما حاجة يعمل، فقال النبي عليه الصلاة والسلام كلمتين: «اعملوا فكلٌّ مُيَسَّر لِما خُلِق له» سبحان الله ما ذهب يأتي بالفلسفة وتطويل: بكلمتين: «اعملوا فكلٌّ مُيَسَّر لِما خُلِق له» هذا الذي مِن قِبَلِنا أن نعمل ثم كُلٌّ مُيسر لِما خُلِق له فإذا وجدت من نفسك أنَّ الله يسَّر لك الخير والهدى والنشاط على العبادة فاعلم أنك ممن كُتِب من أهل السعادة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أمَّا أهل السعادة فيُيَسَّرُون لعمل السعادة وأما أهل الشقاوة فيُيَسرون لعمل أهل الشقاوة» فالأمر والحمد لله واضح جدًّا أنه لا حجة للعاصي بالقدر على أيش؟ معصيته، ولا للمتهاون بالقدر على تهاونه، الأمر أوضح مِن أن يحتاج إلى كثيرِ كلام، لكن لَمَّا كان الشيطان يأتي للإنسان ويقول: كذا وكذا، بقي علينا أن يقال: أليس آدم قد احتج بالقدر؟ أوليس الله تعالى قد احتَجّ بالقدر فقال لرسوله: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا [الأنعام: ١٠٧] فما هو الجواب؟ الجواب أن يقال: أما قوله تعالى: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا [الأنعام: ١٠٧] فهذا تسلية للرسول عليه الصلاة والسلام تسلية له حيث قال الله له: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوافشركُهم بمشيئة الله، ومعلومٌ أنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام سوف يرضى بأيش؟ بقضاء الله، سوف يرضى بقضاء الله، ولهذا يجِب علينا أن ننظُر إلى أهل المعاصي بنظرتين أو بنظَرَيْن: نظَر قدرِيّ ونظر شرعي: النظر القدري أن نرضَى بما وقع من معاصيهم لأنه بتقدير من؟ بتقدير الله، النظر الشرعي أن نُلزِمَهم بشرع الله نُقيم عليهم الحدود والتَّعزيرات وغير ذلك مما يحمِلُهم على فعل الطاعات وترك المحرمات، انتبهوا يا إخواني المسائل هذه مهمة جدًّا، إذًا نقول: إن قوله تعالى للرسول: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا [الأنعام: ١٠٧] الغرض منه أيش؟ تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنه إذا علم أن ذلك بمشيئة الله رضِي، ولكنَّ الله تعالى أبطَلَ هذه الدعوى منهم بقوله: سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍماذا قال بعده؟ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْأي بشريعة الله حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا [الأنعام: ١٤٨] بعقوبَةِ الله، أبطل الله هذه الحجة لأنهم أرادُوا بذلك أيش؟ أرادوا بذلك إبطَالَ الشرع بالقدر فبيَّنَ الله تعالى أنه عذَّبَهم، آدم احتَجَّ عليه موسى وقال له: خيَّبْتَنا أخرجْتنا ونفسَك من الجنة، بماذا؟ بمعصيته بأكل الشجرة، فقال له آدم: أتلومُني على شيءٍ كتبه الله عليَّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فحَجَّه آدم» وفي رواية: «فحَجَّ آدمُ موسى» ومعنى «حجَّه» أي غلبه في الحجة، فاحتَجَّ آدم بالقدر الذي كُتِب عليه قبل أن يُخلَق وخُصِم موسى، هذا الحديث يحتَجُّ به من؟ أهل المعاصي على معاصيهم ويقولون: إنَّ آدم احتَجَّ بالقدر على موسى وحكَم النبي صلوات الله وسلامه عليه حكم لِمَن؟ لآدم وقال: إنه حجَّه فنحن نحتَجُّ بالقدر كما احتَجَّ أبونا، أجيب عن هذا بجوابين: الجواب الأول لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قال: إنَّ آدم لم يحتَجَّ بالقدر على المعصية وإنما احتَجَّ بالقدر على الخروج مِن الجنة، أما المعصية فقد اعتذر منها آدم و قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف: ٢٣] فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ [البقرة: ٣٧] أفهمتم؟ فآدم لا يمكن أن يحتَجَّ بالقدر على المعصية إطلاقًا، وهو أجلُّ قدْرًا مِن أن يحتَجَّ بالقدر على معصية الله، وإنما احتَجَّ بالقدر على إخراجِه من الجنة لا على سبب الإخراج، والاحتجاج بالقدَر على المصائِب أمرٌ جائِز وهو غايةُ التسليم لله عز وجل، أرأيتم قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «المؤمن القوي خيرٌ وأحَبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كُلٍّ خير، احرِصْ على ما ينفعُك واستعِن بالله ولا تعجَزْ وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلْتُ لكان كذا وكذا ولكن قل: قَدَرُ الله وما شَاء فعل» وهذا احتجاجٌ بالقدر لكن بعد الفعل أسباب، فالاحتجاج بالقدَر على المصائِب أمرٌ جائز، والإنسان عندما يصاب بالمصيبة ويقول: إنَّا لله وإنا إليه راجعون فهذا يعنِي التسليم للقدر -حطوا بالكم يا جماعة انتبهوا- إذًا احتجاجُ آدم بالقدَر على أيش؟ على المصيبة لا على المعصِية، هذا وجه، وجهٌ آخر: ما كان لموسى عليه الصلاة والسلام أن يلُومَ أباه على ذنبٍ تاب منه وحصَل له بعدَه أن اجتباه ربه وهداه، لا يمكن، أدنى واحد من الناس إذا أُصِيب أحدٌ بذنب ثم تاب فإنه لن يُوَجِّهَ اللوم إليه قال الله تعالى: وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّبعد هذا اجْتَبَاهُ رَبُّهُأي اصطفاه واختاره فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى [طه: ١٢١، ١٢٢] هذه المنزلة ما حصَّلَها قبل أن تحْصُل له المعصية، إذًا لا يمكن لموسى أن يلوم أباه على ذنب تاب منه وارتفع بعد التوبة منه منزِلَةً عند الله عز وجل هذا لا يمكن هذا لا يكون مِن أدنى واحد فضلًا عن رجلٍ من أولي العزم مِن الرسل، هذا جواب من؟ جواب شيخ الإسلام ابن تيمية وهو جواب جيد لا شَك، وذهب ابن القيم رحمه الله إلى جواب آخر وقال: إنَّ الاحتجاج بالقدر على المعصية بعد التوبة منها والإقلاع عنها مقبُولٌ لا لِرفْعِ اللَّوم واستباحة الاستمرار، فيقول الاحتجاج بالقدر نوعان: نوع: احتجاجٌ بالقدر بعد فوات الأوان مع الإقلاع عن المعصية وحُسْن الحال فهذا جائز، واحتجاجٌ بالقدر لدفع اللوم والاستمرار في المعصية فهذا أيش؟ ممنوع، عرفت؟ يعني إذا قدَّرْنا أنَّ احتجاج آدم عليه الصلاة والسلام بالقدَر على المعصية التي تاب منها وهداه الله واجتباه يكون جائز على هذا التقدير؛ لأنَّ آدم ما احتَجّ بذلك ليستمِرّ احتَجّ بذلك لأنه قد فات، ونظير هذا الآن فيما عندنا الآن لو أنَّ إنسان زنَا -والعياذ بالله- وهو رجل خير لكن غلبَتْه شهوتُه وزنا ثم تاب وقلنا له: يا فلان كيف يقع منك هذا الشيء؟ قال والله يا أخي هذا قضاء وقدَر وإلَّا فلستُ من أهل هذا الأمر لكن المقدَّر كائن. نقبَل منه ولَّا ما نقبل؟ نقبل منه، لكن لو كان يزني ويستمِر نقول: تب إلى الله قال والله هذا غصب. غصب سبحان الله غصب وأنت ممارس لهذا العمل ما هو غصْب، على كل حال يقول ابن القيم: الاحتجاج بالقدر بعد وقوعه تسليمًا للقدر وتفويضًا لأمر الله لا استمرارًا ولا دفعًا لِلَّوْم فهذا جائز، ثم استدل بقصة وقعت مِن علي بن أبي طالب وزوجه فاطمة رضي الله عنها حين دخل عليهما النبي صلى الله عليه وسلم فقال لهما: «ألا تصليان؟» قال علي: يا رسول الله، أنفسنا بيد الله لو شاء لأقامَنا. احتَجّ بأيش؟ بالقدر فخرج النبي صلى الله عليه وسلم أو تولى عنهما يضرب على فخذه ويقول: «وكان الإنسان أكثر شيء جدلًا» فالرسول عليه الصلاة والسلام هل قبِلَ منهما؟
طالب: لا، قبل.
الشيخ: انتبهوا إن قلتم قبِل على الإطلاق ما هو صحيح، وإن قلتم: قبِل الواقع لكنه كرِه الجدال فهذا هو الواقع؛ لأنه لو أراد الإنكار عليهما لقال غير ذلك لقال: لا حجة لكما في هذا لكنَّه جعلَ ذلك من باب الجدل الذي نهَى عنه فقد خرج يومًا من الأيام على أصحابه وهم يتجادَلُون في القدر فغضِب عليه الصلاة والسلام كأنما فُقِئَ في وجهِه حبُّ الرمان احمَرَّ وجهُه ونهى عن التنازع في القدر ، إذًا المخرج الثاني من قصة آدم مع موسى أيش هو؟ أنَّ آدم احتج بالقدر على أمر مضى وانقضى وتخلَّص منه ولكن قال هذا: أمر فرط مني ولكلٍّ منهما وجهة ولكنَّ الوجهة الأولى في ظنِّي أنها أقوى؛ لأنَّ موسى لا يمكن أن يلومَ أباه على أمرٍ تاب منه لكن الثانية لها وجهة نظر لا شك إنما لا نُنَزِّل قصة آدم وموسى عليها بل نقول: هي في سائر الناس الآن لو أنك لُمْتَ شخصًا على أمرٍ فعله من معصية الله ثم احتَجّ بالقدر بعد أن تاب فأنا أقبَل منه وهذا يقع كثيرًا، كثيرًا ما يفعل الإنسان الذنب ثم يتنَدَّم ندامةً عظيمة ثم يقول: قدَرُ الله وما شاء فعل كيف يقع مني هذا؟ كيف تغلبُني نفسي؟ وهذا أمرٌ لا بأس به، أطلنا في هذا عليكم لكن اعذرونا لأنا نرى أنه لا بد لطالب العلم أن يكونَ عنده كما يقولون خلفِيَّة وأنا أقول: ما هي خلفية أن يكونَ عنده عِلْمٌ بمثل هذه الأمور لِيُخَلِّص بها نفسَه من الشبهات التي يُورِدُها عليه الشيطان ولِيتخَلَّصَ بها من شبهاتٍ يورِدُها عليه أولياء الشيطان.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات عِلْمِ الله تعالى بكل ما يعمل هؤلاء لقوله: إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ.
ومن فوائدها: تخصِيص الحكم بما فيه النزاع وإن كان عامًّا، يعني وإن كان الحكم عامًّا فلنا أن نُخَصِّص هذا الحكم في محَلِّ النزاع، من أين يؤخذ؟ مِن تقديم المعمول بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌلا نقول: هذا الحصر حقيقي إنَّه لا يعلم عز وجل إلَّا ما عمِلُوا بل يعلم كل شيء لكن لَمَّا كان الكلام في عملِهم جاءت الآية أو جاء الحكم بصيغة الحصر؛ مِن أجل شدة التحذير وأنّهم لن يفوتوا الله عز وجل، والله أعلم.
طالب: أحسن الله إليك، قلنا قصة علي رضي الله عنه وزوجته فاطمة مع النبي صلى الله عليه وسلم، قلنا الرسول صلى الله عليه وسلم قبِل الواقع لكن كره الجدل، ما فهمت جيدا ..
الشيخ: قَبِل الواقع وهو احتجاجُهم بالقَدَر، النائم في الحقيقة ما عليه لوم وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ [الأنعام: ٦٠] من؟ الله فيقول: أنفسنا بأيدي الله لو شاء أن نقُوم لقُمْنا هذا واقع، أما الجدل فكونُه يجادِل النبي عليه الصلاة والسلام بالقدر هذا أمرٌ لا ينبغي، ولهذا تشعُر بأنه ما هو راض يضرب على فخِذِه ويقول: «وكان الإنسان أكثر شيء جدلًا» والجدل قد يكون بحق ويُقْبَل حتى وإن كان فيه جدَل إذا كان بحق يُقبَل.
طالب: بارك الله فيكم يا شيخ أعطيتنا قاعدة وهي إذا وجدنا بدعة لا نقابلها ببدعة ونقابلها بالسنة، إن وجدنا ما يسمى الآن التمثيل وهو تمثيل ساقط، فإذا وجدنا الآن ما يُسمَّى بالتمثيل الساقط فالبعض دعَا إلى تمثيل هادف فهل هذا مقابلة بدعة بِبدعة؟
الشيخ: مسألة التمثيل ما هو بدعة في حدِّ ذاته، التمثيل تقريبٌ للمعاني بصورتها الفعلية، وقد وردَ التَّمثيل في الحديث الصحيح في قصة المَلَك الذي جاء إلى الأبرَص والأقرع والأعمى بصورته التي عليها وقال: إنه مسكين وابن سبيل . وهو ليس مسكينًا ولا ابنَ سبِيل ولا أبرَص ولا أقرَع ولا أعمَى لكن هذا للتقريب، إنما المبالغة في التمثيل بحيث لا ندعُو الناس إلَّا به هذا هو الخطأ، فنقول: الدعوة إلى الله تعالى لها وسائِل كلّ ما يكون فيه تصوِير الواقع والتَّحْذِير منه بدون أن يشتَمِل على كذب أو محاكاة للبهائم أو ما أشبه ذلك أو محاكاة الرجل للمرأة وبالعكس فلا مانِعَ منه، فنحن لا نُنكِرُ التمثيل مطلقًا ولا نُحَبِّذُه ونُنْكِر أن يكونَ هو الوسيلة للدعوة إلى الله؛ لأنك إذا عوَّدت الناس على ألا تدعُوَهم إلى الله إلا بهذه الوسيلة نسُوا الأهَمّ وهو موعِظَةُ القرآن والسنة.
طالب: زادك الله ذكرت في قصة احتجَاج آدم على موسى وأنه قال: «كيف تلومني على شيءٍ قد كتبه الله عليَّ قبل أن أُخلق بأربعين سنة» هل هذا يدل على أن آدم خُلِق قبل خلق القلم بأربعين سنة والمعلوم أن الله عز وجل..
الشيخ: لا، يقول: «كُتِب علي قبل أن أخلق» مكتوبٌ قبْل خَلْق آدم.
طالب: يعني بأن القلم أول ما خلق الله القلم قال: اكتب مقادير ..
الشيخ: اصبر خليك معي الآن أنا أُصَحِّح سؤالَك: فهِمْت مِن كلامك أنَّ هذا يدل على أنَّ آدم خُلِق قبل أن يُكْتَبَ عليه؟ آدَم خُلِق بعد أن كُتِب عليه لكن بأربعين سنة فكيف نجمَع بين قوله «بأربعين سنة» وبين أنَّ الله تعالى خلقَ القلم فقال له: اكتب قبل أن يخلُق السماوات بخمسين ألف سنة؟ يقال إذا صحَّت الكلمة هذه وكانت محفوظة فإنَّ هذه كتابَة أُخرى خاصَّة بآدم.
طالب: شيخ حفظك الله كيف نرُدّ على مَن قالوا أنَّ الظلم يمكن يُطلَق على الله تعالى مِن باب المقابلة قالوا أن رد الظالم على الظالم كمال واستدلوا ببيت الجاهلي:
| ألا لا يجهلن أحد علينا | فنجهلَ فوق جهل الجاهلينا |
الشيخ: أقول: هذا مِن العجب أين في القرآن والسنة أنَّ الله تعالى وصف نفسه بالظلم في مقابَلةِ الظالم؟ وين؟
طالب: ما فيش
الشيخ: إذا كان ما فيه ليش يسمى الله بالظلم؟ وهو قد نفاه عن نفسه
طالب: هم قالوا أن الرد على الظالم كمال
الشيخ:لا أبدًا، الانتقام من الظالم كمال؛ لكن أن يُرَدَّ على الظالم بظُلْم لا، ولهذا لم يأتِ في القرآن والسنة: فلما ظلمونا ظلمناهم. بل قال: وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [النحل: ١١٨] أما الاستهزاء فنعم، الخداع نعم، المكر، الكَيْد، هذا لا بأس، ذكَرَ الله تعالى هذه الأوصاف في مقابَلَة مَن عاملَه بمثلها (...).
***
طالب: لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢) مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ [فصلت: ٤١ - ٤٣]الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تبارك وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا [فصلت: ٤٠] ما معنى الإلحاد لغة؟
طالب: الميل
الشيخ: الـمَيْل من أين اشْتُقّ؟
طالب: من (أَلْحَدَ) يعني من ألحد ولحد
طالب آخر: اللحد الميل
الشيخ: نعم، من لَحْدِ القَبْر لِميلِه إلى جانبٍ منه، الإلحاد يكون في أسماء الله ويكون في آيات الله؟
طالب: نعم يكون في آيات الله عز وجل، آياته الكونية وآياته الشرعية
الشيخ: يكون في أسماء الله ويكونُ في آيات الله، ما هو الدليل على كونه في أسماء لله؟
الطالب: قوله تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأعراف: ١٨٠].
الشيخ: وفي الآيات؟
طالب: إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا
الشيخ: إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَابماذا يكون الإلحاد في أسماء الله؟
طالب: يكون في أسماء الله (...) يصف الله أو يسمي الله بما لم يسم نفسه أو
الشيخ: القاعدة العامة فيها أو الضابط: الميل بها عما يجب، ثم فصل
الطالب: ثم ما يكون (...) بما لم يسم نفسه أو ..
الشيخ: أن يسمي الله بما لم يسم به نفسه مثاله؟
طالب: أسماء الله ما قلناها، (...) الشرعية فقط
الشيخ: إذن الآيات الإلحاد في آيات الله؟
طالب: (...) ثلاثة أقسام الآيات إما أن يكون آيات شرعية أو كلية والآيات الشرعية (...) ثلاثة أنواع في الآيات الكونية..
الشيخ: الإلحاد في الآيات الكونية:
الطالب: أن ينسب إلى غير الله
الشيخ: أن تنسب إلى غير الله
الطالب: أو أن يعتقد الشريك بالله أو أن يتخذ معين لله
الشيخ: أحسنت، أن ينسبها إلى غير الله مثل؟
طالب: مثل أن يقول: الذي أنزل المطر هو الولي الفلاني
الشيخ: نعم، أحسنت، يعني يعتقد أنَّ أحدا خلَق شيئًا منفَرِدًا به، المشاركة؟
طالب: المشاركة: أن يدعي أنه معين لله إنه فيه أحد شاركه..
الشيخ: كيف معين لله؟ احنا نقول: مشارك
طالب: مثلما يعتقد بعض الرافضة أنَّ هذا الكون أن لله فيه شريكا..
الشيخ: أنَّ مع الله إلهًا يدَبِّر الكون يُدَبِّره مباشرة، الثالث؟
طالب: الثالث أن يعتقدوا أن لله عز وجل معينا
الشيخ: معينًا يعني يكون الله منفرد بالخلق لكن فيه مَن يساعده؟ ولكن هذا المساعد ليس له شِرْكَة في الخلق وبهذا نعرِف الفرق بين الـمُعين والـمُشارك، ما هو الدليل على انتفاء هذه الأمور الثلاثة من القرآن؟
طالب: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ [سبأ: ٢٢]
الشيخ: قوله تعالى
الطالب: قوله تعالى: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ [سبأ: ٢٢]
الشيخ: أحسنت، الإلحاد في الآيات الشرعية؟
طالب: إما بالتكذيب وإما بمخالفته وإما بالتحريف
الشيخ: نعم يكون بتكذِيبها وتحرِيفِها والثالث: مخالَفَتِها، أحسنت.
إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَانحن لم نتكَلَّم عن الإلحاد في الأسماء؛ لأنه ليس في الآية لكن إتمامًا للفائدة نقول: الإلحاد يكون في أسماء الله وهو المَيْل بها عمَّا يجب، وذلك أوَّلًا: أن يُسَمِّيَ اللهَ تعالى بما لم يُسَمِّ به نفسَه كتسمِيَةِ الفلاسِفَةِ له عِلَّةً فَاعلة يقولون: إنَّ الله هو العلةُ الفاعلة لهذا الكون، وتسمية النصارى إيَّاه أبًا يسمونه الأَب، الأب والابن والروح القدس، الثاني: أن يُنكِر شيئًا مِن الأسماء أو مما دَلَّت عليه وهذا عكْس الأول: الأول سمَّى الله بما لم يُسَمِّ به نفسه والثاني أنكَرَ ما سمَّى الله به نفسَه إما إنكارًا كلِّيًا وإما إنكارًا جزئِيَّا أو يُنكِر ما تضمَّنَتْه الأسماء من المعاني والصفات، ينكر الأسماء أو بعضها أو ما دلت عليه من المعاني والصفات، فمثلًا الذين يقولون: إنَّ الله سبحانه تعالى ليس له أسماء ولا صفات كغلاة المعتزلة والجهمية هؤلاء ملحِدُون، والذين يقولون: له أسماء لكن ليس لها معاني هؤلاء أيضًا ملْحدون كما هو المشهور من مذهب المعتزلة، والذين ينكِرُون بعضَ الصفات كالأشاعرة هم أيضًا ملحدُون فيقولون مثلًا: إنَّ الله لا يثبُت له من الصفات إلَّا سبع صفات زعَمُوا أنَّ العقل دلَّ عليها وأنَّ الباقي لا يدُلُّ عليه العقل، وقد تكلمنا على هذا كثيرًا ولا حاجة إلى إعادته، كم هذه من نوع؟
طالب: نوعان
الشيخ: نوعان: الأول أيش؟ تسمية الله بما لم يسم به نفسه، والثاني عكس ذلك أنه ينكر الأسماء أو ما تضمنته من المعاني والصفات إما الجميع وإما البعض، الثالث: أن يشتَقَّ مِن أسمائه أسماءً للأصنام ومنه اشتقَاق اللات من الإله، والعُزَّى من العزيز ومَنَاة من الـمَنَان هذا أيضًا مِن الإلحاد في أسماء الله، كل الإلحاد هذا وغيرُه في أسماء الله قد توَعَّد الله مَن سَلَكَه في قوله: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأعراف: ١٨٠] في قوله تعالى: لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَانوع من أنواع الصفات يعني العلماء يقولون: الصفات تنقسم إلى قسمين: فمِن أيِّ الأنواع قوله: لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا؟
طالب: الصفات المنفية
الشيخ: أحسنت مِن الصفات المنفية بارك الله فيك، وسؤالنا الآن: هل الله عز وجل له أسماء منفِيَّة بمعنى أنها نفْيٌ محْض أو لا؟
طالب: ما يوصف الله (...) محض
الشيخ: بنفْيٍ محْض؟ إذًا ما معنى النفي الذي يتَّصِفُ الله به أحيانًا؟
الطالب: أن يكون فيه إثبات كمال
الشيخ: إثباتُ كمَال ضِدِّ المَنفِيّ طيب فمثلًا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَافيها إثْبَات كمَال العلم، ما المراد بهذه الجملة لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا؟
طالب: (...)
الشيخ: لا ما هو معناها، ما المراد بها يعني ما الغرض منها؟
طالب: الإخبار بعلم الله سبحانه وتعالى
الشيخ: لا، ما هو هذا
طالب: التهديد
الشيخ: التَّهديد، المراد بها التهديد، في الآية الكريمة أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِقد يقول قائل: إنَّ هذا الاستفهام لا معنى له لأنَّ كُلَّ أحدٍ يعرِف أنَّ مَن يأتِي آمنًا يوم القيامة خيرٌ ممن يُلقَى في النار؟
طالب: هو جواب لقولِه سبحانَه تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَافأجاب سبحانه: أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ
الشيخ: لا، ما أقصد ما مناسبة هذه لما قبلها هذا الذي ذكرت المناسبة، لكن أقول: أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِيسأل الله سبحانه وتعالى هل هذا خيْر أو لا، أقول: هذا كيف يسأل عنه وهو معلوم؟
الطالب: استفهام إنكاري
الشيخ: المقصود استفهام إنكاري يعني فهو في الواقع خبَر، هذا وجه، وجهٌ طيب، أنَّ المقصود: لا يسْتَوي مَن يُلقَى في النار ومَن يأتي آمِنًا يوم القيامة فالاستفهام خبري، الوجه الثاني؟
طالب: يا شيخ نقول أن مثل هذا التعبير يُراد به إفحَام الخصم
الشيخ: نعم، أن هذا التعبيرَ يُراد به إفحَام الخصم، هل له نظِير؟
طالب: نعم، قوله تعالى: آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ [النمل: ٥٩]
الشيخ: نعم له نظير: آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَمعروف أنَّه لا مناسبة فضلًا عن المفاضلة بين الله عز وجل وبين آلهتهم لكن هذا مِن باب إفحام الخصم أي أن آلهتَهم ليس فيها خيْر وكذلك مَن يُلقَى في النار ليس فيه خير، ما هو الضمان للإتيان آمِنًا يوم القيامة؟ مَنِ الذي يأتي آمِنًا يوم القيامة؟
طالب: ذكرَهم الله في كتابه.
الشيخ: من؟
الطالب: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ [الأنعام: ٨٢]
الشيخ: ذكرَهم الله في قوله: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ
الشيخ: كَمِّل
الطالب: أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ
الشيخ: أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام: ٨٢] الأمْن في الدنيا والآخرة بارك الله فيك، وقفنا على هذا أظن؟
***
تفسير الآيتين (41-42)
00:38:55
قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت: ٤١، ٤٢]
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْهذه جملة مؤكدة بـإِنَّوالمراد بِالذِّكْرِالقرآن الكريم كما قال الله تبارك وتعالى: وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ [الأنبياء: ٥٠] وقال تعالى: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ [الزخرف: ٤٤] وسُمِّيَ القرآنُ ذكرًا؛ لأنَّه يُذَكِّرُ صاحبَه بما للمتقين مِن خَيْر وما للطاغين مِن شَرّ، ولأنَّه ذِكْرٌ لصاحبه أي يرفع الله به ذِكْرَه ذِكْرَ مَن تَمَسَّك به ولهذا قال: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَولأنه يُذَكِّرُ الإنسانَ بربِّه فإنَّ أقْرَبَ الناس أو مِن أقرَب النَّاس إلى الله مَن تلَا كتابَه، ولهذا نقول: إن تلاوةَ الكتاب أفضَلُ الذِّكْر المطلق وأمَّا الأذكار المعيّنَة المقَيَّدَة بشيء معَيَن فهذه تَبَعٌ لِمَا قُيِّدَتْ به.
وقوله: لَمَّا جَاءَهُمْأي: حين جاءهم واعلم أنَّ لَمَّاتأتي في اللغة العربية لعدة أوجه منها: أن تكون ظرفًا كما في هذه الآية فمعنى لَمَّا جَاءَهُمْأي: حين جاءهم، ومنها أن تأتِيَ نافيَةً جازمة لكنَّها لتَوَقُّع ما بعدَها كقوله تبارك وتعالى: بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ [ص: ٨] لَمَّاهنا بمعنى (لم) فهي نافية لكنَّها لا تدخُل إلا على شيءٍ مُتَوَقَّع فمعنى لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِأي لم يذُوقوه ولكنَّهم مستحِقُّون له والعذاب منهم قرِيب، ومنها أنها تأتي بمعنى (إلا) كقوله تعالى: إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ [الطارق: ٤] أي: إلَّا عليها حافظ، ومنها أنَّها تأتي شرطية كقوله تعالى: فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ [يوسف: ٩٦] فَلَمَّا أَنْ جَاءَهذه شرطية وتقول: لَمَّا زارَني أكرمْتُه، فهذه أربعة أوجه (لِمَا): الوجه الأول: ظرف، ثاني: نافية جازمة، الثالث: بمعنى (إلا) الرابع شرطية، لَمَّا جَاءَهُمْأي: حين جاءهم لم يذْكُرِ الله تعالى خبَر (إن) بل حذفَه مِن أجل أن تذْهَبَ النفسُ في تقديرِه كُلَّ مذهَب بمعنى: أن يبقى الإنسان ما الذي يحصُل لهم فتجِد الإنسان يُؤَمِّل ويفَكِّر كذا أو كذا أو كذا ولهذا قدَّره المفسر بقوله: (نجازيهم) فـ(نُجَازيهم) على تفسير المؤلف هي خبر (إن) ويجوز أن تُقدَّر غير هذا يمكن أن تقول: إنَّ الذين كفروا بالذكر لَمَّا جاءهم سوف يعاقبون أو لهم نار جهنم أو ما أشبه ذلك المهم أنَّ حذفَه من أجل أن يذهب الذهن أيش؟ كُلَّ مذهبٍ في تقدير الخبر، لكننا نعلم علم اليقين أنَّه لا يمكن أن يقَدَّرَ خبرًا سارًّا يعني لا يمكن أن نقول: التقدير: إنَّ الذين كفروا بالذكر لَمَّا جاءهم لهم جنات النعيم هذا مستحيل إنما هو يقدر في أيِّ شيءٍ تقَدِّرُه مِن العذاب، وهذه من بلاغة القرآن أن يجعَل الأمرَ مفتوحًا ليُقَدِّرَه الإنسان كلَّ تقدير، قال: (وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌمَنِيع) وَإِنَّهُ لَكِتَابٌأكَّد الله عز وجل عِزَّة هذا الكتاب بمؤَكِّدَين: (إن) واللام، ومحَطُّ الفائدة في الواقع ليس كِتَابٌفقط محَطُّ الفائدة قوله: عَزِيزٌهذا هو المهم أمَّا كِتَابٌكل شيء كتاب كلُّ ما يُكتَب فهو كتاب، قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ [النمل: ٢٩، ٣٠] لكن محَطُّ الفائدة قوله: عَزِيزٌ، وَإِنَّهُ لَكِتَابٌالضمير في إِنَّهُيعود إلى الذكر وهو القرآن، وكِتَابٌهنا بمعنى مكتوب، وهو مكْتُوبٌ في المصاحف، في اللوح المحفوظ، في الصُّحف التي بأيدي الملائكة أعرفتم؟ إذًا هو كتاب في ثلاث مواضع: في اللوح المحفوظ، والثاني: في الصحف التي بأيدي الملائكة، والثالث: في الصحف التي بأيدينا،وقوله: عَزِيزٌقال المؤلف: (منيع) ولا شكَّ أنَّ (منيع) من معاني عَزِيزٌولكن هي أعمُّ مما قال المؤلف عَزِيزٌ: بمعنى منيع أي يمتَنِع أن ينالَه أحد بسوءٍ إلا فضحه الله، الثاني: عَزِيزٌبمعنى غالب فالقرآن لا شكَّ أنَّه غالبٌ على غيرِه؛ لقول الله تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [التوبة: ٣٣] فهو غالبٌ لكل شيء، إذًا هو ممتَنِع أن ينالَه أحدٌ بسوءٍ إلا فَضَحَه الله، والثاني: أنَّه غالِب، ولهذا لَمَّا كانَت الأمةُ الإسلامية متمَسِّكَةً به كانَت غالبةً هدَّت عروش كسرى وقيصر وغيرِهما من الجبابرة، وفُتِحَ به مشارِق الأرض ومغاربها، فلما تولَّت عنه الأمة الإسلامية حُرِمت مِن هذا الخير العظيم الذي هو العزة والغلبة والقهر.
لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ [فصلت: ٤٢] أي ليس قبلَه كتابٌ يكَذِّبُه ولا بعدَه لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُالْبَاطِلُضِدُّ الصحيح وضِدُّ الحق فعند الفقهاء يقولون: الصلاة باطلة. الصلاة صحيحة. فيجعلون البطلان في مقابل الصِّحَّة، وفي القرآن الكريم ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ [الحج: ٦٢] فجعَل الباطل في مُقابَلَة الحق، إذًا لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُالذي هو ضِدّ الحقّ، وقوله: مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِفسرها المؤلف بتفسير غريب قال: (أي ليس قبله كتاب يكذبه ولا بعده) وفي هذا نظَرٌ ظاهر، والصواب أنه لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِأي فيما يُخبِرُ به، ولا من خلفِه فيما أخبرَ عنه، كلُّ ما أخبر به فهو حق وكل ما أخبر عنه بأنه سيكون فهو حقّ، أيضًا لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُمن حيث الأحكام كلُّ ما حكمَ به فهو حَقّ وغايته حق، فيكون المعنى أنَّ هذا القرآن الكريم ليس فيه شيءٌ من الكذب لا في الإِخبار عما مضى وهو ما بَيْنِ يَدَيْهِولا في الإخبار عما يُستَقْبل وهو قوله: وَلَا مِنْ خَلْفِهِوإن شئتَ اعْكِس فقل: ما بين يديه هو المستقبل وما خلفه هو الماضي، كذلك أيضًا لا يأتيه الباطل من حيث الأحكام أحكامُه كلُّها عدْل ما فيها جور، ولهذا تجِد القرآن الكريم كما يعطِي الربَّ حقَّه مِن العبادة يعطي المخلوق حقَّه أيضًا وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًاهذا حقُّ الله، بعدَه: وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [النساء: ٣٦] فهو حقٌّ في أحكامه حقٌّ في أخباره لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ [فصلت: ٤٢] واقْرَؤُوا إن شئتم قولَ الله تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا [الأنعام: ١١٥]: صِدْقًاباعتبار الأخبار عَدْلًاباعتبار الأحكام.
لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍتَنْزِيلٌهذه خبر مبتدأ محذوف، ويجوز أن يكون خبر ثاني لقوله: وَإِنَّهُثاني ولَّا ثالث؟ ثالث لَكِتَابٌعَزِيزٌصفة لـكِتَابٌلَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِهذه يجوز أن تكون صفةً لـكِتَابٌأيضًا وعلى هذا فيكون تَنْزِيلٌخبرًا ثانيًا، ويجوز أن تكون خبرًا ثانيا أي: لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُخبرًا ثانيا لـ(إنَّ) وعلى هذا فتكون تَنْزِيلٌأيش؟ خبرًا ثالثًا، ويجوز أن تكون تَنْزِيلٌخبرا لمبتدأٍ محذوف والتقدير: هو تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍولعلَّ هذا التقدير أولى؛ لأنَّه يدُلُّ على أنَّ الجملة استئنافية لبيان عظَمَةِ هذا القرآن، قال: تَنْزِيلٌأي مُنَزَّلٌ من حكيم حميد، فإذا فسَّرْنا تَنْزِيلٌبأنه منَزَّل صار المصدر بمعنى أيش؟ إذا فسَّرْنا تَنْزِيلٌبـ(مُنَزَّل) صار المصدر هنا؟ بمعنى اسم المفعول، والمصدر يأتي بمعنى اسم المفعول وبمعنى اسم الفاعل والذي يُعيِّنُ ذلك هو السياق.
تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍحَكِيمٍأي ذي حِكْمَة وذي حُكْم فالحكم لله والحكمة في أحكامِه عز وجل فالربُّ عز وجل مُتَّصِف بالحكم الذي لا مُعقِّبَ له بالحكمِ النافذ الذي لا مانِع له وفي الدعاء المأثور «لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعْت» أيضًا هو مُتَّصِف بالحكمة كلُّ أحكامه حكمة، إن نظرتَ إلى الأحكام القدرية وجدتها في غاية الحكمة، وإن نظرتَ في الأحكام الشرعية وجدتها كذلك في غاية الحكمة فهو عز وجل حاكِم وذو حِكْمة كم مِن حاكم لا حكمَةَ له؟ وكم مِن حكيمٍ لا حُكْم له؟ كثيرٌ مِن الرجال حكماء عقلاء ولكن ليس عندهم حكم، لا يستطيع أن يحكُم ولا على امرأتِه، وكم مِن إنسان حاكِم ذو سُلطة قوي ولكن ليس عنده حكمة؟ أمَّا الرب عز وجل فهو أيش؟ حاكم حكيمٌ، وبدأ بذكر الحكيم قبل الحميد؛ لأنَّ الحمدَ مُفَرَّع على الحكمة فإنَّ الحكيم يكون محمودًا قال المؤلف: (أي الله المحمود) يعني كأنه يقول: المراد بالحكيم الحَمِيد هو الله وقوله: (المحمود) أشار إلى أنَّ فعيلًا هنا بمعنى مفعول، في اللغة العربية تأتي فَعِيل بمعنى فاعِل وفَعِيل بمعنى مفعول فإذا قلت: فلان جرِيح. بمعنى مجروح، وإذا قلت: فلان سميع. بمعنى سامع، فهي في اللغة العربية تأتي بمعنى فاعل وبمعنى مفعول، هنا فسَّرَها المؤلف بمعنى محمُود؛ لكن هل هذا التفسير قاصر؟ الجواب: نعم فيه قصور؛ لأنَّ حميدًا هنا بمعنى فاعل وبمعنى مفعول فهو محمود وهو أيضًا حامِد، أليس الله تعالى يُثنِي كثيرًا على المؤمنين وعلى الرُّسل وعلى مَن شاء من عباده؟ هذا حمْد، يعني وصْف هؤلاء المخلوقين الذين أثنَى الله عليهم هو حمدُهم في الواقع، إذًا فيكون حَمِيدٍ؟
طالب: بمعنى فاعل ومفعول
الشيخ: بمعنى فاعل ومفعول: بمعنى مفعول أي: أنه محمود وبمعنى فاعل أي: أنه حامد، والمؤلف رحمه الله في تفسيرِه قصُور.
تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ
في هذه الآية الكريمة: تهديد المكذبين بالقرآن لقوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِوحذَفَ الخبر؛ ليذهَبَ الذهنُ في تقديرِه كُلَّ مذهَب طيب.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ هذا القرآن ذِكْرٌ، سماه الله ذكرًا؛ لِمَا ذكرناه في التفسير.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ هؤلاء كذَّبُوا بالذكر بعد أن جاءَهم وتحقَّقُوه وعرفوه ومعلوم أنَّ المكَذِّبَ بالشيء بعد أن يتحَقَّق لديه أشَدُّ إثمًا ووبالًا ممن كذَّب في أمرٍ مشْتَبِهٍ عنده، يُؤخذ هذا مِن قوله: لَمَّا جَاءَهُمْ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ هذا القرآن عزيز غالب لا أحدَ يناله بسوءٍ إلا فضحه الله ولا أحد يقوم أمامه إلا كان مهزومًا مغلوبًا، ووصَفَ اللهُ تعالى القرآن بأنَّه عزيز وبأنه مجيد وبأنه كريم وبأوصاف متعددة مما يدل على عظَمَةِ هذا القرآن.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ مَن تمسَّكَ بالقرآن فله العزة، وجهُه: أنَّه إذا كان القرآن عزيزًا فلا بد أن ينَال العزةَ مَن تمسك به وإلا لكان القرآن غيرَ عزيز ويدُلُّ لهذا قوله تعالى: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ [المنافقون: ٨].
ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ القرآن الكريم حقّ منتفٍ عنه الباطل مِن كلِّ وجه لقوله: لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِهذه الصفة للقرآن هل هي مِن صفات النفي أو من صفات الإثبات؟
طلبة: النفي
الشيخ: أي نعم النفي، إذًا ما الذي تضمَّنَتْه مِن الإثبات؟ نقول: إذا انتفَى الباطل عنه مِن كلِّ وجه من بين يديه ومن خلفه لَزِم مِن ذلك أن يكون حقًّا أيش؟ مِن كل وجْه.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ القرآن كلامُ الله يؤخذ من قوله: تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍوجهُ كونِه كلامَ الله أنَّ القرآن صفة ليس عينًا مستقِلَّة منفصِلَة فإذا كان صفة وذكَرَ الله أنه نزَلَ منه لزِمَ أن يكون كلامَه، أما لو كان الشيء الذي ذكر اللهُ أنَّه أنزَلَه شيئًا مُعَيّنًا منفَصِل عن الله فهذا لا يدُلّ على أنَّه مِن صفاتِ الله أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً [البقرة: ٢٢] هذا الماء مخلوق ولَّا من صفات الله؟
طلبة: مخلوق
الشيخ: مخلوق وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ [الزمر: ٦] مخلوق؛ لأنه شيء منفصل عن الله وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ [الحديد: ٢٥] مخلوق، لكن إذا جاء التنزيل أو الإنزال في أمْرٍ هو صِفَة فإنه لا يمكن أن يكون مخلوقًا بائن عن الله بل هو صفةٌ مِن صفات الله.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثباتُ عُلُوِّ الله وجْهُ ذلك أنه قال: تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍوإذا كان تنزيلًا منه لزِم أن يكون فوق عزَّ وجل وهو كذلك، وقد ذكرنا كثيرًا وذكرَ غيرُنا أيضا أنَّ عُلُوَّ الله تعالى ثابتٌ بالأدلة كلِّها وهي: الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفِطْرة كلُّها متَّفِقَة على عُلُوِّ الله.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثباتُ هذين الاسمين لله عز وجل وهما: (الحكيم) و(الحميد) وإثبات ما تضَمَّنَاه من المعاني والصفات، (الحكيم) تضَمَّن صفَتَيْن عظيمتين؟ (الحكيم) تضَمَّنَ صِفتَين عظِيمَتَيْن هما؟
طالب: حكيم حاكم
الشيخ: يعني حكيم من الحكمة، وحكِيم من الحُكْم فهو حاكمٌ ذو حكمة، ذكرنا في التفسير أنّ مِن الناس مَن هو حكيمٌ وليس بحاكِم، ومِن الناس مَن هو حاكم وليس بحكيم، ومِن الناس مَن ليس بحاكم ولا حكيم، ومِن الناس مَن هو حاكمٌ حكيم فالأقسام إذًا أربعة.
من فوائد الآية الكريمة أيضًا: أنه لا يجوز لأحد أن يُشَرِّعَ شرعًا مِن عنده، مِن أين تأْخُذ هذا؟
طالب: قوله: تَنْزِيلٌ مِنْ
الشيخ: خطأ
الطالب: حَكِيمٍ حَمِيدٍ؟
الشيخ: لا، ما هي تقرأ الآية كلها ما يصلح
طالب: بقوله: حَكِيمٍ
الشيخ: بأي المعنيين مِن حاكم ولَّا حكمة؟
الطالب: مِن حاكم.
الشيخ: من حاكم أحسنت، لأنَّ مِن الحُكم الحكم بين الناس، الحكم إما أن يكون حكمًا في الناس وإمَّا أن يكون حكمًا بين الناس، فلا يجوز لأحد أن يحكمَ بين الناس إلَّا بما أنزل الله؛ لأن الحكم لله عز وجل إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ [الأنعام: ٥٧] واضح؟ ولكن الحكم لله هل لنا أن نتجاوَزَ حدَّ الله عز وجل في الحكم على أحدٍ بالفسق أو البدعة أو الكفر أو الإيمان وصحة العقيدة إلَّا بدليل من الشرع؟ لا يجوز لنا إلَّا بدليلٍ من الشرع، يعني ليس لنا أن نقول: هذا كافر هذا فاسق هذا مبتدع هذا مؤمن هذا سليمُ العقيدة إلا إذا عرَضْنا ما عليه على الكتاب والسنة، وإلا فلو اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ [المؤمنون: ٧١]
من فوائد الآية الكريمة: أنَّ الله تعالى محمود، محمود بناءً على أيش؟
طالب: على إنه فاعل
الشيخ: خطأ، (...)
طالب: واضح يا شيخ
الشيخ: واضح (...) سبق لسان، إذًا على أنَّ حَمِيدٍمن اسم مفعول.
هنا نسأل هل الله عز وجل يُحمَد على كل حال؟ على السراء واضِح أنَّه يُحمَد على السراء؛ لأنَه أحسن إليك ورأَف بك لكن على الضراء كيف يُحمَد؟
طالب: يحمد على ما يترتب عليه لأنه (...).
الشيخ: أولًا: نحمَدُه لأن نعلم أنه ما قدَّر هذا إلا لحكمة لا شك. ثانيًا: أن ما يترتَّب على هذه الضراء من المصالح العظيمة يقتضي أن يُحمَد الله عليه أليس كذلك؟ الإنسان إذا أصابته الشوكة وتألَّم بها ماذا يحصل له؟ يُحَطُّ عنه من خطيئته، خطيئتُه مُثقِلَة عظيمة مُخزِيَة في الآخرة والشوكة ليست مؤلِمَةً إلى ذاك وليست ظاهرة للناس ومع ذلك يُكفَّر بها مِن سيئاته، ولهذا قيل لبعض العابدات لما أُصِيب أَصْبُعُها ولم تتألم ولم تتأثَّر ولم تحزن قالت: إن حلاوةَ أجرها أنستْنِي مرارةَ صبرِها، كلمة عجيبة الصوفية لهم كلماتٌ عجيبة في العبادة والأخذ باللب، إنَّ حلاوةَ أجرِها أنستْنِي مرارَةَ صبرِها؛ لأنَّ الأجر أعظَم من المصيبة فإذًا حتى ما يُصيب الإنسان مِن الضَّرَر فإنَّ الله تعالى محمود عليه لأنه لِحكمَة لا شك والإنسان عبدُ الله عز وجل يفعَل به ما شاء ولأنَّ العاقبة حمِيدة، هل يُحمَد الله تعالى على وُجُود الكافرين؟
طالب: لا ما يحمد
الشيخ: ما يُحمَد؟ أعوذ بالله يا شيخ لا حول ولا قوة إلا بالله، استغفِرِ الله، أيش؟ فَكِّر.
طالب: نعم يا شيخ يحمد ذلك لأنه شرعَ لنا جهادَهم والشهادة في سبيله فندخل الجنة إن مات به
الشيخ: إي هو لولا وجود الكافر فهل يُعرَف المؤمن؟ وهل الإنسان يعرِف قدرَ نعمة الله عليه إذا لم يكن هناك كافر؟ ما يعرف قدرَ نعمة الله، وهل يُقام علمُ الجهاد؟ وهل يبقى للنار أحد؟ لا بد، لكن هنا مسألة كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أصابَه يعني شيئًا يسوئُه لا يقول: الحمد لله على الضراء مثلا أو على كذا يقول: «الحمد لله على كل حال» وهذه المسألة ينبغي أن تنتَبِه لها أنت إذا أصابتك السراء تقول: الحمد لله الذي بنعمتِه تتم الصالحات، إذا أصابتك الضراء: تقول الحمد لله على كل حال، وبهذا نعرف خطأَ مَن يقول: الحمد لله الذي لا يُحمَد على مكروه سواه. هذا غلط؛ لأنَّ هذه العبارة تُنبِئ عن تَأَزُّم نفسي وعن كراهة لِمَا قدَّر الله عز وجل على الإنسان ثم إن فيها تضَادّ: مكروه وحمد، هذا غير مستقيم، ثم إنَّ فيها أيضًا مخالفة لسنة الرسول عليه الصلاة والسلام كان الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «الحمدُ لله على كل حال» ولا يذكر المكروه ولا يُشعِر بأنه متَأَذٍّ منه، «الحمدُ لله على كل حال» فأنت إذا أُصبْت بسراء فقل: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وإن شئت فعَيِّن: الحمد لله الذي رزقني ولدًا الحمد لله الذي رزقني نجاحًا الحمد لله الذي رزقني مالا وما أشبه ذلك لأن هذا خير والثناء عليه واضح، لكن الأمور المكروهة تقول: الحمد لله الذي أمرضني؟ لا، ماذا تقول؟ الحمد لله على كل حال، الحمد لله الذي أصابني بمصيبة بفقد أبي أو أخي أو عمي؟ لا، تقول: الحمد لله على كل حال، وإن شئت فقل: الحمد لله على ما قدَّر، لأن هذه بمعنى على كل حال.
من فوائد الآية الكريمة: أنَّ الربّ عز وجل كامِلُ العدل بحيث يَحْمَد مَن يستَحِقُّ الحمد كما أنه يُحْمَد لأنَّه أهلٌ للحمد، بناء على أيش؟ على أنَّ حَمِيدٍبمعنى حامِد.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ جميعَ ما في القرآن مطابِقٌ للحكمة تمامًا مِن تحليلٍ أو تحريمٍ أو إيجابٍ أو إطلاق ليش؟ وجهُه لأنَّه نزَلَ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍوالنازل من حكيم لابد أن يكون مشتمِلًا على الحكمة والله الموفق.
طالب: قوله: حَكِيمٍما نأخذ صفة ثالثة وهي الإحكام؟
الشيخ: لا، الإحكام هو الحكمة، الحكمَة إحْكَام.
طالب: الشيء الـمُنَزَّل إذا كان عينًا قائمة بنفسها كالحديد والأنعام هل التنزيل هنا بمعنى الخَلْق؟
الشيخ: هي بمعنى الخلق بل هي أدَق من الخلق؛ لأنَّ هذه الأشياء لولا أن الله سخَّرَها ما استطعْنا أن نُسَيْطَر عليها فهذه يدل على نوع من التسخير: أنزلَها من علياء إلى أسفل حتى تكون مسَخَّرَة للخلق.
طالب: الهادي من أسماء الله؟
الشيخ: على تفسير قوله تعالى: وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ [الرعد: ٧] إذا فسَّرَنا أن المعنى الله صح.
طالب: قولنا: الحمد لله الذي أصابني بهذه المصيبة هذا لا شك أنه عبارة خاطئة هل مثل هذا عند الله سبحانه وتعالى خالق الشر ومع ذلك لا ينسب الشر إلى الله سبحانه وتعالى لقول النبي صلى الله عليه وسلم «الشر ليس إليك»
الشيخ: أي نعم، الله عز وجل خالق كل شيء ولهذا جاء في الحديث «تؤمن بالقدر خيرِه وشرِّه» لكن لا تنْسِب الشرَّ إلى الله لأن الله لم يقَدِّر هذا الشر إلا لخير، فالشرُّ إذًا في مفعوله لا في فعلِه صح؟ أنت فاهم هذا ولَّا لا؟ فاهم الفرق بين أقول: الشر في مفعوله لا في فعله، فاهمين هذا؟ مثلًا إذا قدَّر الله عز وجل على الناس مرضًا الشَّرّ في نفس المرض لكن في كون الله قدَّره لا شَر هو خير؛ لأنه مِن أكبر ما يكون مِن مصالح الأمراض مثلًا تكفير السيئات، ومنها أنَّ الناس يرجعون إلى الله عز وجل: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم: ٤١] ومنها أنَّ الإنسان يعرِف قدْرَ نعمة الله عليه بالعافية الإنسان مثلًا نحن الآن لا نعرف يعني لا نعرف قدْر النعمة التي أنعم الله بها علينا في النَّفَس والحركة وما أشبه ذلك لكن لو يُصاب الإنسان منا بضِيق نفس عرَف قدْر نعمة الله بالنفس، لو يصاب الإنسان منا بتعب في أعضائه يتكَلَّف مِن الحركة عرف قدْر نعمة الله عليه، فهمت؟ ولهذا قيل:
| ...................... | وَبِضِدِّهَا تَتَبَيَّنُ الْأَشْيَاءُ |
طالب: لو سمحت يا شيخ بارك الله فيك دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «إلى مَن تكِلني إلى بعيد يتجهمني أم إلى قريب ملكته أمري» هل ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم؟
الشيخ: ما أدري والله، ما أعرِف هذا.
طالب: ما مدى صحة تسمية الله تعالى الطبيب والنظيف
الشيخ: هذا ورد عن أبي بكر أنه قال: إنَّ الطبيب رآني فقال إني أفعَل ما أريد. وهذا لا بأسَ به في مقام الخبَر
الطالب: لكن على سبيل التسمية؟
الشيخ: لكن التسمية لا
الطالب: والنَّظِيف يا شيخ؟
الشيخ: النَّظيف ورد حديث أيضًا في هذا (...).
***
تفسير الآية (43)
01:11:06
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ (٤٣) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٤٤) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (٤٥) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت: ٤٣ - ٤٦].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تبارك وتعالى: مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَإلى آخره مَا يُقَالُ لَكَقال المفسِّر: (من التكذيب) يعني والاستهزاء والسخرية وغير ذلك إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَومنه قولهم: إنه ساحر مجنون كما قال تعالى: كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ [الذاريات: ٥٢] هذه الكلمة كلُّ أحد يقولها للرسول، ويحتمِل أن يكون المعنى: مَا يُقَالُ لَكَمِن الوحي إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَأي مثلَه والآيات تحتملُهما ولا مانع من إرادتهما (مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّامثل مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ) قوله: (إِلَّامثل) زاد المؤلف (مثل) ومعلومٌ أنَّ قوله: إِلَّا مَا قَدْ قِيلَلا يساويه قوله: (إِلَّامثل) وإنما لجَأَ المؤلف إلى ذلك؛ لأن الذي قيل للرسول صلى الله عليه وسلم ليس هو بحروفِه ما قيل لِمَن قبلَه، ولكن الأولى أن يُقال: الآية على ظاهرها أنَّ ما قيل للرسول قد قيل لِمَن قبلَه وكما ذكرتُ لكم آنفًا: كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ [الذاريات: ٥٢] فيقال: إنهم قالوا نفس الكلام لكن بلغتِهم ليس بلغة العرب.
إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍهذه الجملة فيها عرْضٌ للمكذبين أن يؤمِنوا فإن لم يؤمنوا فقد تعرَّضُوا للعقاب، عرْضٌ أن يؤمنوا لقولِه: إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍيعني كأنه يقول: فآمنوا يُغفَر لكم وهذا كقوله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ [الأنفال: ٣٨] وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍيعني: إن لم يؤمِنوا ففيه ترغيب وفيه ترهيب: الترغيب في قوله: لَذُو مَغْفِرَةٍوالترهيب: وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍوالعقاب هو الانتقام والأليم بمعنى المؤلِم، وفعيل تأتي بمعنى مُفعِل كثيرًا في اللغة العربية كما قال الشاعر:
| أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ | يُؤَرِّقُنِي وَأَصْحَابِي هُجُوعُ |
| أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ | ....................... |
(السَّميع) يعني الـمُسمِع
| ......................... | يُؤَرِّقُنِي وَأَصْحَابِي هُجُوعُ |
في هذه الآية الكريمة: تسلية الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأنه إذا عَلِم أنه قد قِيل للرُّسل مِن قبلِه مثلُ ما قيل له سهُلَ عليه الأمر.
ومن فوائدِها: أنَّ سنة الله تعالى واحدة فالمكَذِّبُون قولُهم واحد وفعلُهم واحد لقوله: إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات صفةُ المغفرة لله عز وجل وهي ستْر الذَّنب والتجاوز عنه، هذه المغفرة.
ومن فوائدها: إثباتُ شدَّةِ عقابه لقوله: وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ.
ومن فوائدها: رحمة الله بالعباد حيث يعرِض عليهم مُوجَبُ التوبة حتى لا يتمادَوْا في معصيتهم لقوله: إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ.
ومن فوائدها: أنَّ هذا القرآن مثاني فإذا ذُكِر فيه جانب الترغيب ذُكِر معه جانب الترهيب لئَلَّا تطمَعَ النفس وتغلُوَ في الطَّمع فتأمَنَ مِن مكرِ الله فيجمَع الله تعالى بين هذا وهذا لئلا يطمَعَ الإنسان في الفَضْل فيأمَنَ مِن مكر الله، ولئَلَّا يخاف فيقْنَط من رحمة الله وعلى هذا فيكون سيْرُه إلى الله تعالى بين الخوف والرجاء، ولهذا قال الإمام أحمد رحمه الله: ينبغي للسائر إلى الله عز وجل أن يكون خوفُه ورجاؤُه واحدًا فأيُّهما غلَب هلك صاحبه. وقال بعضهم: ينبغي أن يكون الخوف والرجاء للإنسان كجناحي الطير إن انهزَع أحدهما سقط الطير. فيكون الرجاء والخوف واحدا متساويًا ترجو وتخاف ولهذا قال: يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا [السجدة: ١٦] وفصَّل بعض أهل العلم فقال: ينبغي للإنسان إذا عمِل الحسنات أن يكون جانبُ الرجاء في حقِّه أرجح؛ لأن هذا من إحسان الظن بالله ووجهُه أنَّ الله لَمَّا وفقك للعمل فإنه قد وعدَك بالثواب، ولَمَّا وفقك للدعاء فقد وعدك بالإجابة، فعليه إذا فعلْتَ الخير فغلِّب جانب الرجاء، وإن فعلْت الشر أو هممْتَ به فغلِّب جانب الخوف ليردَعَك الخوف عن التمادي في الشر أو عن مواقعة الشر، هذا تفصيل، تفصيلٌ آخر بعضُهم سلك منحًى آخر وقال: في حال الصحة ينبغي أن يغَلِّب جانب الخوف؛ لأنَّ الصحيح الإنسان الذي قد أعطاه الله صِحَّةً في بدنه وعقله ربما يتمادى في الشر ولا يبالي، وإذا كنت في المرض فغلِّب جانب الرجاء لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يموتَنَّ أحدكم إلا وهو يُحسِن الظنَّ بربِّه» لأنَّ الله تعالى عند حُسْنِ ظَنِّ عبدِه به، والذي ينبغي أن يقال: إنَّ الإنسان طبيبُ نفسه فإذا خاف من نفسه التمادي في المعاصي والتهاون بالطاعات فليُغَلِّب جانب الخوف، وإن خاف من نفسِه الزُّهُوّ والخُيَلَاء والأمْن مِن مَكْر الله فليُغَلِّبْ جانب الخوف فالإنسان في الحقيقة طبيبُ نفسه.
تفسير الآية (44)
01:19:05
ثم قال عز وجل: وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ [فصلت: ٤٤] جَعَلْنَاهُالضمير يعود على القرآن والمفسر قال: (أي الذكر) وإنما قال: ذكْر لأنه سبق ذكرُه قريبًا إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ [فصلت: ٤١] وَإِنَّهُ لَكِتَابٌوعلى كل حال المعنى مُتَّفَقٌ عليه أنّ الضمير الهاء في جَعَلْنَاهُيعود إلى القرآن لَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّاأي بلغة العجم وهو قد نزل على من؟ على العرب لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُلَقَالُواأي المكذبون للرسول صلى الله عليه وسلم (لَوْلَاهلَّا فُصِّلَتْبُيِّنَت آيَاتُهُحتى نفهمَها) ولكنَّ الله تعالى قد قطَع عليهم الحجة فقال: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الزخرف: ٣] وقال: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [يوسف: ٢] وقوله: لَوْلَابمعنى هلَّا أفادنا المؤلف رحمه الله أنَّ (لولا) تأتي للتحضيض وتأتي شرطيَّة ويُقال في إعرابها: حرف امتناع لوجود، وهنا تتقاسم هذه الحروف تتقاسم الوجود والعدم فـ(لو) حرف امتناع لامتناع، و(لَمَّا) حرف وجود لوجود، و(لولا) حرف امتناع لوجود تقول: لَمَّا جاءني أكرمته. هنا الإكرام وُجِد لوجود المجيء وتقول: لو جاء زيد لأكرمتُه. هنا امتنع الإكرام لامتناع الوجود، وتقول: لولا زيدٌ لهلكْت أو لفعَلْت كذا وكذا فهنا امتناع لوجود، هنا (لولا) ليست من هذا ولا مِن هذا (لولا) هنا انتقلت عن معنى الشرطية إلى معنى التحضيض، مِن بقيَّة كلامهم (أَقرآنٌ أَعْجَمِيٌّ وَنبيٌّ عَرَبِيٌّاستفهام إنكار منهم) يعني لو كان القرآن بلغة العجم لقالوا: لولا فُصِّلَت آياتُه وبُيِّنَت باللغة العربية ثم لقالوا أيضا: أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّيعني لا يمكن أن يكون القرآن بلغة العجم نزلَ على نبي عربي، وهذا الذي قالوه استفهام حقيقة يعني بمعنى أنَّ قولَهم حق لا يمكن أن ينْزِل قرآنٌ أعجمي على نبي عربي، وقد نصَّ الله على ذلك في قوله: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [إبراهيم: ٤] فكلامُهم هذا حقّ فنحن نقبل كلامهم هذا، أما قولهم: لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُفنقول: هي مُفَصَّلَة لكنها حجَّة لو كان القرآن أعجمِيًّا وعلى هذا قولهم يكون صحيحًا لو كان القرآن باللغة الأعجمية لصار لهم حجة في قولهم: لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُوحقّ في قولهم: أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّقال المؤلف: (بتحقيق الهمزة الثانية) تحقيق الهمزة الثانية أن تقول: أَأَعْجَمِيٌّكما هي القراءة المشهورة، يقول: (وقلبِها ألِفًا) {ءَاعْجَمِيٌّ} قلبنا الثانية ألفًا (بإشباع ودونه) {ءَاعْجَمِيٌّ} بمعنى أنك تمُدّ الألف مدًّا طبيعيًّا أو تمدُّها مدًّا زائدًا على ذلك، والمد الطبيعي قوله: (ودونه) والمد الزائد قوله: (بإشباع) وعلى هذا فيكون فيها كم قراءة؟ ثلاث قراءات، أَأَعْجَمِيٌّ{ءَآعْجَمِيٌّ} {ءَاعْجَمِيٌّ} ثلاث قراءات، والقراءات -كما هو معلوم- كلها سنة القراءات كلها سنة لأنها ثبتَت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وينبغي للإنسان الذي أتقنَها وحفظَها أن يقرأَ بهذا مرة وبهذا مرة كما نقول في العبادات التي وردت على وجوه متنوعة إنَّه ينبغي أن تَفعَلَ هذا مرة وهذا مرة، ولكن هل نقرَأ بما يخالِف القرآن الذي بين أيدي العوام بقراءة أخرى؟ الجواب: لا ولهذا نرى أنَّ مِن عدم الحكمة ما يفعلُه بعض الطلبة إذا كان يعرِف القراءات يقرَأ في القراءة التي ليست بين أيدي العوام فإنَّ هذا خطأ عظيم؛ لأنَّ العامِيَّ لا يدرك هذه الأشياء وسوف يهبِطُ قدْرُ القرآن في نفسِه وتقِلُّ عظمَتُه عنده، ثم ربما يتهم هذا القارئ بأنَّه أخطَأ وغلِط، لكن بعض الناس يكون عنده علم وليس عنده حكمة، وهذا خلَلٌ في توازُنِ العبد وسيْرِ العبد أن يكون عندك علم ولكن لا حكمة، إذا كان الصحابة رضي الله عنهم تنازعوا وهم مَن هم في اختلاف القراءات فكيف بعوامِّ هذا الزمن، يقول: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواقُلْيعني: قل يا محمد في جوابِهم (هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًىمِن الضلالة وَشِفَاءٌمن الجهل) هُوَالضمير يعود على القرآن الذِّكْر لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًىأي علم ونور وَشِفَاءٌيقول المؤلف رحمه الله: (مِن الجَهل) وهذا فيه نظَر لأن (مِن الجَهْل) داخِل في قوله: هُدًىإذ أنَّ الهدى هو العلم وضدُّه الجهل، لكنْ شِفَاءٌيعني مِن المرض مرض القلوب كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ [يونس: ٥٧] فالصواب أنَّ قولَه: هُدًىمِن الضلالة وهي الجهل فهو هدًى مِن الجهل والضلالة شِفَاءٌمِن المرض مرْض القلوب بل هو أيضًا شفاءٌ مِن مرض الأبدان فإنَّ القرآن يُستَشْفَى به في أمراض القلوب ويستشفى به كذلك في أمراض الأبدان، وكم مِن إنسانٍ مريض مرضًا بدنِيًّا شفاهُ الله تعالى بالقرآن، وقصة اللديغ مشهورة لديكم أو عند أكثركم الذي كان سيِّدَ قومِه ونزل به سريَّةٌ من الصحابة ولم يُضِيفُوهم فسخَّرَ الله تعالى عقربًا كبيرَةً شديدة فلدَغَتْ سيدَهم فطلبوا راقيًا من الصحابة قالوا: لا نرقى لكم إلا بكذا وكذا من الغنم فأعطَوْهم فذهب أحدُهم يقرأ عليه سورة الفاتحة حتى قامَ كأنما نُشِطَ من عقال لكنهم تربَّصوا في الغنم التي أخذوها خافوا ألا تكون تَحِلُّ لهم حتى أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه فقال: «خذوا واضربوا لي معكم بسهم» قال ذلك لا حاجةً إلى اللحم ولكن تطيِيبًا لقلوبِهم واطمئنَانًا لنفوسهم ليتبَيَّنُوا أنه حلال لا إشكال فيه، المهم أنهم أخبروا النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قرئوا على هذا اللديغ الفاتحة فقال: «وما يدريك أنها رقية؟» فتبيَّن بهذا أنَّ القرآن شفاءٌ من أمراض القلوب وأسقام الأبدان لكن لِمَن؟ للذين آمنوا آمنوا بالقرآن وبأنه مِن عند الله وبأنه شفاء أما رجلًا لم يؤمِن به ولم يرفع به رأسًا ولم ير بمخالفته بأسًا فإنَّ هذا لا ينتفع به.
قال: وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًىنسأل الله العافية وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَمبتدأ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌمبتدأ وخبر، والجملة خبر المبتدأ الأول الذي هو وَالَّذِينَيعني كأنه قال: هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌوأما الذين لا يؤمنون ففي آذَانِهِمْ وَقْرٌلا يؤمنون بإيش؟ لا يؤمنون بالله ولا بالرُّسل ولا بالكتب هؤلاء فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌأي ثِقَل لأنَّ الوقْر بمعنى الحِمْل الثقيل قال الله تعالى: فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا [الذاريات: ٢] يعني السَّحاب تحمِل الماءَ الكثير، فعلى هذا يكون فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌأي ثِقَل وصَمَم فلا يسمعون والعياذ بالله وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًىفلا يبصرون فصارَت منافذ الفهم عند غير المؤمنين مسدودة، لا يسمعون ولا يبصرون فلا يصِل هدى القرآن إلى قلوبهم وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍفإذا قال قائل: كيف يكون الكلام الواحد لقوم هدى وشفاء ولآخرين عمًى وضلالة؟ قلنا: هذا بحسب ما في القلب





