أنهم أخبروا النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قرؤوا على هذا اللديغ الفاتحة، فقال:
«وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟» .
فتبين بهذا أن القرآن شفاء من أمراض القلوب وأسقام الأبدان لكن لمن؟ للذين آمنوا،
آمنوا بالقرآن، وبأنه من عند الله، وبأنه شفاء، أما رجل لم يؤمن به ولم يرفع به
رأسًا، ولم يرَ بمخالفته بأسًا فإن هذا لا يُنتفع به.
قال: وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى [فصلت: ٤٤] نسأل الله العافية، وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَمبتدأ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌمبتدأ
وخبر، والجملة خبر المبتدأ الأول الذي هو وَالَّذِينَيعني :كأنه قال: هو للذين آمنوا هدى وشفاء، وأما الذين لا يؤمنون ففي آذانهم وقر،
لا يؤمنون بأيش؟ لا يؤمنون بالله، ولا بالرسل، ولا بالكتب، هؤلاء في آذانهم وقر؛ أي
ثِقَل؛ لأن الوقر بمعنى الحِمْل الثقيل، قال الله تعالى: فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا [الذاريات: ٢] يعني السحاب تحمل
الماء الكثير، فعلى هذا يكون فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌأي
ثقل وصمم، فلا يسمعون والعياذ بالله.
وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًىفلا يبصرون، فصارت منافذ الفهم عند غير المؤمنين مسدودة، لا يسمعون
ولا يبصرون، فلا يصل هدى القرآن إلى قلوبهم وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ [فصلت: ٤٤].
فإذا
قال قائل: كيف يكون الكلام الواحد لقوم هُدًى وشفاء ولآخرين عمى وضلال؟
قلنا:
هذا بحسب ما في القلب؛ لأن الله قال: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف: ٥] ونحن نرى الغذاء الحسي يكون لقوم غذاءً
وشفاءً ويكون لآخرين مرضًا وعلَّة، مثلًا بعض الناس يُحجب عن التمر مثلًا، عن
العنب، عن كل ما فيه حل فيضره، وآخرون ينفعهم الحلال مع أن الطعام واحد لكن المحل
يكون قابلًا محل هؤلاء قابل له ومحل الآخرين غير قابل.
قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ [فصلت: ٤٤]، أُولَئِكَالمشار إليهم
الذين لا يؤمنون، وأشار إليهم بصيغة البعيد ليس رفعةً لشأنهم ولكن إظهارًا للتبرؤ
منهم وإبعادهم.
أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍيعني كالذي يُنادَى من مكان بعيد، والذي يُنادَى من مكان بعيد
يعوقه عن الحضور والاستجابة أمران:
الأمر الأول: أنه لبُعده قد لا يسمع
النداء.
الأمر الثاني: أنه لبُعده قد يرى أن الاستجابة شاقة عليه فلا يجيب، وعلى
هذا فكونهم ينادون من مكان بعيد يتعلق بندائهم آفتان: الأولى: الأخ؟
طالب: (...) يرون المسافة بعيدة (...).
الشيخ: نعم، يرون المسافة بعيدة فيكسلون، ويرون أنه من المشقة
فيدعون إجابة المنادي، والثاني؟
طالب: (...).
الشيخ: أنهم لا يدركون المنادي؛ لبعدهم عنه، فلا يجيبون على
الوجه المطلوب، (أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍأي هم كالمنادى من مكان بعيد لا يسمع).
في هذه الآية الكريمة فوائِد، منها: حكمة الله عز وجل في كون
الوحي النازل على النبي على وفق لغة القوم الذين أُرسِل إليهم، يؤخذ من قوله: وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ [فصلت: ٤٤] إلى آخره، والله تعالى جعله قرآنًا
عربيًّا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الحجة لا
تقوم حتى يفهم الإنسان معنى هذه الحجة، وأن مجرد البلاغ لا يعد حجة قائمة حتى
يفهمها من بلغته؛ لأنه لو ألقيت كلامًا عربيًّا بأفصح ما يكون على قوم عجم، وهم لا
يعرفون مقصودك أصلًا، هل يفهمون شيئًا؟ وكذلك بالعكس لو جاء رجل أعجمي، وقام يتكلم
بأفصح ما يكون من لغة العجم ونحن لا نعرف مراده؛ لم نفهم منه شيئًا، ولهذا قال
تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [إبراهيم: ٤].
فإن قال قائل: يرد على قولكم
هذا -وهو أنه لا بد من فهم الحجة بعد بلوغها- يرد على ذلك قوله تعالى: لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [الأنعام: ١٩] ولم يقل:
ومن بلغ وفهم.
قلنا: هذا مطلق لكن الآيات الأخرى تقيده أنه لا بد من البيان
والمعرفة.
وكذلك لو قال قائل: يرد على قولكم هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم:
«وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ
هَذِه الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ لَا يُؤْمِنُ بِمَا جِئْْتُ
بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ» . فقال: «لَا يَسْمَعُ بِي». فيقال: نعم؛ لأنه إذا سمع به يجب عليه أن
يبحث حتى وإن كان لا يفهم يجب عليه أن يبحث، أما أن يترك فهو لا يعذر لتفريطه
وتهاونه، وعلى هذا فلا بد من بلوغ الحجة، ولا بد من فهمها.
ونحن في الحقيقة لا
نتهاون في تكفير من كفَّره الله، ولا نبالي أن نكفر من كفره الله، لكننا لا نتجاسر
أن نكفر من لم يكفره الله عز وجل؛ لأن الحكم ليس إلينا، الحكم بالتكفير وعدم
التكفير إلى الله عز وجل، ليس إلينا ولا إلى عواطفنا، وإلا لو كان إلينا أو إلى
عواطفنا لكنا نكفر من كان فاسقًا، بل قد نكفر من كان تاركًا للأولى؛ لأن الإنسان لا
شك أن معه غيرةً يبغض بها من خالف الشرع، لكن كوننا نحكم عليه بالكفر أو بعدم الكفر
ليس إلينا بل هو إلى الله، والخلق عبيد الله عز وجل ليسوا عبيدنا حتى نحكم عليهم
بما نرى بل نحكم عليهم بمقتضى كلام الله ورسوله، فإذا دار الأمر بين أن نقول: هذا
كافر وهو ينتسب إلى الإسلام وبين أن نقول: ليس بكافر، أيهما أحوط؟ أن نقول: ليس
بكافر؛ لأنا بهذا سالمون، لكن لو نكفره، ثم بناءً على التكفير نستبيح دمه وماله؛
لأن المسألة ما هي سهلة، ونستبيح ألا نصلي عليه ولا ندعو له بالرحمة، المسألة صعبة
جدًّا؛ ولهذا خطأ من يتسرعون بالتكفير أشد من تهاون من لا يكفرهم؛ أشد لما يترتب
على التكفير من المصائب والبلاء.
ومن فوائد هذه الآية
الكريمة: أن التناقض بين الرسول والوحي مستحيل، الدليل قوله تعالى: وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّوهذا مستحيل أن يتناقض الوحي
ومن أُوحِي إليه.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن
القرآن يكون لأقوام رحمة ولآخرين نِقمة، ويشهد لهذا قوله عليه الصلاة والسلام:
«الْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ» . رحمة لمن؟
للمؤمنين ونِقمة على الكافرين، قال الله تعالى: وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ [الحاقة: ٥٠].
ومن
فوائد الآية الكريمة: أنه لا يمكن أن يُبتغى الهدى من غير القرآن؛ لقوله:
قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًىفمن ابتغى الهدى من
غير القرآن أضله الله قال الله تعالى: فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه: ١٢٣، ١٢٤].
ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن شفاء من
أمراض القلوب وأسقام الأبدان؛ لقوله: هُدًى وَشِفَاءٌ،
وقد فهمنا أثناء التفسير أن الفاتحة رقية، كذلك أيضًا إذا أردت أن ترقي أحدًا فانظر
مع الفاتحة الآيات المناسبة، فمثلًا إذا كنت تريد أن ترقيه من السحر فاقرأ إضافةً
للفاتحة قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ [الفلق: ١]،
وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ [الناس: ١]؛ لأنهما
السورتان اللتان رُقِي بهما الرسول صلى الله عليه وسلم، كذلك انظر إلى آيات السحر
التي تبطل السحر مثل قوله تعالى عن موسى: مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ [يونس: ٨١] وأمثال ذلك، إذا كنت تريد أن ترقي من مرض اقرأ
الآيات المناسبة مثل: وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [الشعراء: ٨٠]؛ لأن التناسب بين الآيات التي هي الدواء وبين
المرض الذي هو الداء لا بد أن يكون أمرًا مهمًّا، يراعيه الإنسان كما يراعي ذلك في
الأدوية الحسية، الحار يعالج بأيش؟ بالبارد؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام
في الحمى قال: «إِنَّ الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ؛
فَأَبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ» . وقد
شهد الأطباء الآن أن البرودة لمن أصيب بالحمى من أكبر العلاج حتى كانوا يجعلون
المريض أحيانًا إلى جنب مراوح المكيف من أجل البرودة، وحتى يضعون أحيانًا على
المريض بالحمى ثوبًا مبلولًا بالماء من أجل التبريد.
ومن
فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان كلما كان أقوى إيمانًا كان أهدى وأشفى،
من أين نأخذه؟ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌوقد أخذنا قاعدة مفيدة مهمة أن كل حكم مرتب على وصف فإنه يقوى
بقوة ذلك الوصف كل حكم مُعلَّق بوصف، أو مرتب على وصف فإنه يقوى بقوة ذلك الوصف،
ويضعف بضعف ذلك الوصف. أنتم معنا يا جماعة؟ انتبهوا لهذا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بلاغة القرآن بتصوير المعقول
في صورة المحسوس، هؤلاء الذين لا يؤمنون لو أنك نظرت إليهم نظرة حسية لم تجد في
آذانهم وقرًا؛ لأنهم يسمعون وقد يكونون أقوى سمعًا من المؤمنين، ولم تجد أيضًا أنهم
إذا قرئ عليهم القرآن عميت أعينهم كما قال: وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى، ولم تجد أنهم يُنادون من مكان بعيد، بل تُعرض عليهم الدعوة وهم إلى
جنب الداعي، لكن هذا من بلاغة القرآن أن يصور الشيء المعقول بصورة المحسوس؛ حتى
يكون أقرب إلى الفهم، فهنا صور الله حال هؤلاء بأنهم صم وبأنهم عمي وبأنهم بعيدون
مِنَ الداعي.
ثم قال الله تبارك وتعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ [فصلت: ٤٥]، آتَيْنَاأعطينا، والإيتاء هنا إيتاء شرعي قدري: إيتاء شرعي؛ لأنه أُضيف إلى الوحي، قدَري؛ لأنه وقع فعلًا، وموسى عليه الصلاة والسلام هو أفضل أنبياء بني إسرائيل، وهو بالنسبة لأولي العزم بالمرتبة الثالثة؛ لأن أولي العزم خمسة أفضلهم محمد صلى الله عليه وسلم، ثم إبراهيم ثم موسى، وهو -أي موسى- أكثر الأنبياء أتباعًا بعد الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لحديث: أنه عليه الصلاة والسلام رَأَى سَوَادًا عَظِيمًا قَدْ سَدَّ الْأُفُقَ فَقِيلَ: هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ .
(الْكِتَابَالتوراة)، وسميت كتابًا؛ لأنها مكتوبة، قال الله تعالى: وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [الأعراف: ١٤٥] فهي نزلت مكتوبة.
(فَاخْتُلِفَ فِيهِ [فصلت: ٤٥] بالتصديق والتكذيب كالقرآن) (اختُلِف فيه) من الذي اختلف فيه؟ أقوامه، قوم موسى، اختلفوا، فمنهم من صدَّق، ومنهم من كذَّب، لكن قوم موسى مشهورون بالعُتُوِّ والطغيان، والاستكبار العظيم، والجهل العميق، لما مروا بأقوام يعبدون غير الله قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ [الأعراف: ١٣٨]، ولما صنعوا من الحلي عجلًا قالوا: هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى [طه: ٨٨]. فجعلوا العجل الذي صنعوه بأيديهم جعلوه إلهًا نسأل الله العافية، وإلى التتمة إن شاء الله.
طالب: أحسن الله إليكم (...) يشكل عليَّ قوله عليه الصلاة والسلام: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ لَا يُؤْمِنُ بِي».
الشيخ: أجبنا عنه.
طالب: أحسن الله إليكم، بالنسبة للرقية الشرعية، بعض الناس يتوسع فيها، ويجعل طرقًا من عنده بل إنه (...) الرقية على ما جاء عن السلف (...) لهم أن يتوسعوا.
الشيخ: لكن بالكيفية ولَّا بالكلمات؟
طالب: بالكيفية يأتي بطرق من عنده.
الشيخ: أنا أرى أن الأولى بالقارئ أن يقتصر على ما جاء عن السلف، هذا الأولى، أما غير ما جاء عن السلف، فهذا ربما نقول: إنه خاضع للتجربة، إذا جُرِّب ونفع فالمقصود النفع، وإذا لم يُجرَّب ولكن الإنسان يتخرَّص فالظن بعضه إثم.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، سبق في القواعد أن الأصل إبقاء المطلق على ما جاء، وهنا يا شيخ بعض أهل العلم يقيدون بعض الأمراض بآيات معينة يقول: تقرأ آية كذا وكذا وكذا. هكذا فهل يا شيخ هذا يخالف القاعدة أم..؟
الشيخ: لا، ما هي مخالفة للقاعدة، هذه موافقة للحكمة، كما ذكرنا قبل قليل، ماذا قلنا؟
طالب: قلنا: نقرأ الآيات المناسبة.
الشيخ: إن المرض يُعالج بما يُناسبه.
طالب: يا شيخ، من أين عرفوا هذا؟
الشيخ: حِكمة الله عز وجل، نعرف هذا من الحكمة.
طالب: يا شيخ (...) كثير من النساء مثلًا يتكشفن (...).
طالب آخر: قوله سبحانه وتعالى: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌألا يكون هدًى من الضلالة وشفاءً من الغي، فتكون الأولى لمرض الشبهات، والثانية لمرض الشهوات؟
الشيخ: ذكرنا هذا، لكن اختلاف اللفظ.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، قلنا: إنه يشترط في الرقية أن يكون المرقي الذي يُتلى عليه القرآن مؤمنًا به، المريض مؤمنًا به.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: وزعيم القوم هذا -يا شيخ- لم يكن مسلمًا؟
الشيخ: لا، مؤمن، هو ما هو مؤمن بالقرآن، ما ندري عنه هل آمن بالقرآن ولَّا لا، لكن مؤمن بأن قراءتهم سوف تفيد، وهذا لا بد منه؛ لأنه إذا لم يُؤمن لم تنفعل النفس وتكون قابلة، لا يمكن أن تنفعل النفس لقبول هذا العلاج إلا إذا آمن بأنه مفيد.
طالب: الكافر يا شيخ يُتلى عليه القرآن؟ الكافر يُعالج بالقرآن؟
الشيخ: إي نعم، يُعالج بالقرآن، وربما يكون علاجه بالقرآن أولى من علاج المؤمن به؛ لأنه إذا عرف أنه مؤثر يكون ذلك سببًا لإسلامه.
طالب: قوله تعالى في سورة يوسف: لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ [يوسف: ٢٤] هذه لَوْلَاشرطية أم ماذا؟ تُشكل علي..
الشيخ: اقرأ اللي قبلها: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ [يوسف: ٢٤] يعني لفعل فهي شرطية لكن محذوفة الجواب.
طالب: الهم ما حصل منه؟
الشيخ: بلى، يعني لولا برهان ربه لفعل؛ يعني لأجابها إلى ما دعت، ما هو بـ(لولا برهان ربه لما هم)؛ لأن لو كان كذلك تناقض الكلام بل هو هَمَّ بها لكن لولا أنه رأى برهان ربه لأجابها إلى ما دعت.
طالب: استنطاق الجن بالقرآن، هناك بعض من يرقي يقول: إنه يستنطق الجن، وقالوا له كذا وقالوا له كذا، هل هذا يمكن؟
الشيخ: والله يا أخي ما ندري عن هذا، دائمًا يقولون مثلما قلت: إنهم يستنطقون، ودائمًا يعالجون بالتخييل، يضع القارئ يده على رأس الإنسان، ويقول: غمِّض، ويقول: شوف، أشوف كذا وكذا، من تتهم؟ أتهم فلانًا، ما ندري، هذه طرق غريبة، فهذه تحتاج إلى دراسة؛ يعني أحوال هؤلاء القارئين تحتاج إلى دراسة ومعرفة كيف يتوصلون إلى هذا، ومن أين جاءهم؟
طالب: أحسن الله إليكم، إذا قلنا: إن الضابط في إقامة الحجة الفهم؟
الشيخ: نعم.
طالب: كيف الجواب يا شيخ عن قول الله عز وجل: خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ [البقرة: ٧]؟
الشيخ: نعم، إي، ختم عليهم بعد الفهم؛ لأن الختم معناه قد يكون ختم يمنع الفهم، وقد يكون ختم يمنع الانقياد كقوله تعالى: كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين: ١٤].
وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِلما ذكر الله تعالى هذا الكتاب العزيز، وأنه للذين آمنوا هدى وشفاء، والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى بَيَّنَ ما كان من الأمم السابقة نحو كتبهم فقال: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَآتَيْنَابمعنى أعطينا، الجملة هذه مؤكدة بثلاثة مؤكدات وهي القسم واللام وقد، وتقدير الكلام: والله لقد آتينا، وهو يقع كثيرًا في الكتاب العزيز؛ أي: مثل هذه الصيغة تقع كثيرًا في القرآن.
وقوله: آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَهذا الإتيان إتيان كوني وشرعي، فالله تعالى قد أنزل عليه التوراة فعلًا، وقد آتاه الحكم بها، وموسى هو ابن عمران أفضل أنبياء بني إسرائيل، وهو في المرتبة الثالثة بالنسبة لأولي العزم؛ لأن أولي العزم هم خمسة أفضلهم محمد صلى الله عليه وسلم، ثم إبراهيم، ثم موسى.
وقوله: الْكِتَابَيعني التوراة، وسماها الله تعالى كتابًا؛ لأن الله تعالى كتبها بيده كما قال تعالى: وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ [الأعراف: ١٤٥].
قال: (فَاخْتُلِفَ فِيهِبالتصديق والتكذيب كالقرآن) (اختُلف)؛ أي اختلف الناس فيه، فمنهم المصدِّق ومنهم المكذِّب كما كان الناس أيضًا بالنسبة للقرآن وهكذا جميع الأمم بالنسبة لما جاءت به الرسل منهم المصدق ومنهم المكذِّب.
فَاخْتُلِفَ فِيهِكذلك أيضًا جميع ما جاءت به الرسل يختلف الناس فيه بين مؤمن وكافر، وهذا تسلية للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال: وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ(لولا) هذه كلمة شرطية حرف شرط وهي -كما قال النحاة- حرف وجود أيش؟ لوجود وَلَوْلَا كَلِمَةٌهذا موجود لَقُضِيَهذا معدوم حرف وجود بعدم.
وقوله: كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَيقول المفسر: (بتأخير الحساب والجزاء للخلائق إلى يوم القيامة)، فإن الجزاء الكامل إنما يكون يوم القيامة، أما في الدنيا فهو جزاء لا شك يُعاقَب فيه المجرمون، ويفلح فيه المؤمنون، لكنه ليس الجزاء الكامل من كل وجه.
(لَقُضِيَ بَيْنَهُمْفي الدنيا فيما اختلفوا فيه) والمراد بذلك القضاء التام فلا يُنافِي هذا ما وَقَعَ لآل فرعون من الغرق والهلاك لما كذَّبوا موسى صلى الله عليه وسلم (وَإِنَّهُمْأي المكذبين به لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍمُوقِع في الريبة).
في هذه الآية من الفوائد أوَّلًا: تأكيد الكلام إذا دعت الحاجة إليه؛ إما لأهميته، وإما للشك فيه، وإما لإنكاره، قال علماء البلاغة: والمخاطَب له ثلاث حالات:
الحال الأولى: حال ابتداء، وهي ألا يكون عند المخاطَب عِلْم، ولا تردد، ولا إنكار، هذا تُلقَى إليه الجملة غير مؤكدة؛ لأنه لا حاجة للتوكيد مثل أن يُقال: قدم فلان اليوم. لإنسان لم يكن في قلبه شيء من قدومه إثباتًا ولا نفيًا، وتسمى هذه الجملة ابتدائية.
الحال الثانية: أن يكون المخاطَب مترددًا في الأمر شاكًّا فيه لكنه لا ينكره، فهذا يحتاج إلى توكيد لكنه ليس بواجب مثل أن تُخاطِب رجلًا في أمر يستبعده لكنه لا ينكره فهنا يحسن أن تؤكد له الكلام من أجل أن يزول عنه الشك والتردد.
الحال الثالثة: أن يكون منكرًا مُكذِّبًا، فهذا يتعين توكيد الخبر له؛ لأن ذلك أبلغ في إقامة الحجة عليه وإقناعه. إذن أحوال المخاطب ثلاث: ابتداء، وتردد، وإنكار. ولكل حال حكمها فيما يتعلق بالتوكيد.
فإن قال قائل: يرد على كلامكم هذا قوله تعالى: ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ [المؤمنون: ١٥، ١٦]، والمراد الجملة الأولى: ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَفلا أحد ينكر الموت حتى يُؤكَّد له؟
أجابوا عن ذلك بأن تكذيبهم وإنكارهم واستكبارهم وتمردهم يفعلون ذلك فِعل الْمُنكِر فخُوطِبوا خطاب المنكِر، وهذا لا شك أنه جواب صحيح.
الذي معنا الآن: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَمؤكد بثلاثة مؤكدات، هل هو لإنكار المخاطب أو لتردده أم ماذا؟ قلنا: لأهمية الموضوع؛ لأن الموضوع مهم، فيحتاج إلى التوكيد لتسلية الرسول عليه الصلاة والسلام.
ومن فوائد هذه الآية: إثبات رسالة موسى، تؤخذ من أين؟ وجه ذلك؟
طالب: وجه ذلك أن الكتاب لا يؤتى إلا لنبي.
الشيخ: أحسنت، وجه ذلك أن الكتاب لا يُؤتى إلا لنبي.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الإيمان بأن الله تعالى آتى موسى كتابًا؛ لأن الله أخبر به وخبرُهُ حق؛ ولأن ذلك من الإيمان بكُتُب الله.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الخلاف لم يكن بِدعًا في الأمم، وقد سبق هذه الأمة مَن اختلفوا في كُتبهم ورسلهم؛ لقوله: فَاخْتُلِفَ فِيهِ.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تسلية المصاب بذِكْر المشارِك له؛ لأن الغرض من ذلك؟ الغرض من إخبار أن الله آتى موسى الكتاب فاختلف فيه تسلية النبي عليه الصلاة والسلام، وعلى هذا فينبغي تسلية المصاب، ومنه ما يسمى بتعزية المصاب بالموت، فمن أُصيب بموت فإن من السنة أن يُعزَّى أي يُقوَّى على الصبر على المصيبة.
إذن من فوائد الآية: تسلية المصاب وهل هذه التسلية سُنَّة أو هي مُباحة؟ نقول: هي سنة لما في ذلك من رفع ألم المصيبة عن أخيك المسلم.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: حِكمة الله عز وجل بتأخير العذاب عمن كذبوا الرسل؛ لأن الله تعالى جعل لكل شيء قدرًا، فمِن حكمته تأخير العذاب عن الأمم لعلهم يرجعون.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تمام سلطان الله عز وجل، وأنه جل وعلا هو المدبِّر للأمور أخذًا ورفعًا؛ لقوله: وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: رفعة منزلة الرسول عليه الصلاة والسلام عند الله تؤخذ؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، رفعة منزلته؛ لأنه قال: مِنْ رَبِّكَفأضاف الربوبية إليه، وهذه ربوبية خاصة وهي تفيد علو منزلة المربوب عند الله عز وجل، وقد اجتمعت الربوبيتان العامة والخاصة في قول السحرة من آل فرعون: قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ [الأعراف: ١٢١، ١٢٢] الأولى: (رب العالمين) عامة، والثانية خاصة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى يُكنِّي عن الشر ببناء الفعل لما لم يُسمَّ فاعله؛ لقوله: لَقُضِيَ بَيْنَهُمْولم يقُلْ: لَقَضى بينهم، وهذا هو المطرد في القرآن والغالب، وانظر إلى أدب الجن حيث قالوا: وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا [الجن: ١٠] أدب عالٍ، وفي الشر قالوا: أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِولم يضيفوه إلى الله، وفي الرَّشَد قالوا: أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًاولم يقولوا: أم أُرِيد بهم رشدًا، بل قالوا: أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًاوهذا من أدب الجن، والجن أحيانًا يكونون آدَب من الإنس وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا [الأحقاف: ٢٩] أوصى بعضهم بعضًا أن ينصتوا حتى يستمعوا استماعًا تامًّا فَلَمَّا قُضِيَأيضًا لم يتوقفوا أو يكسلوا وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ [الأحقاف: ٢٩] بادروا إلى قومهم منذرين قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا [الأحقاف: ٣٠] إلى آخره.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المكذِّبين بكتاب موسى في شك مريب مُوقِع في الريب وهو الشك مع القلق؛ يعني الفرق بين الريب والشك قريب؛ ولهذا يُفسِّر بعض العلماء الريب بالشك، ولكن شيخ الإسلام رحمه الله قال: هذا تفسير قريب، والريب أخص من مطلق الشك؛ إذ إن فيه قلقًا مع الريبة، وذلك لأن الأمر المشكوك فيه إما ألا يكون ذا أهمية فتجد الشاك فيه يقول: ما يهمني ثبت أم لم يثبت، وإما أن يكون ذا أهمية فحينئذٍ إذا شك فيه سيكون في قلق أيؤمن بهذا أم ينكر؛ لأنه أمر هام؟ فالغالب أن الريبة لا تأتي إلا في الأمور الهامة، وأما الشك الذي يشك هل فلان قدم أو ما قدم، وليس له أهمية في قدومه أو غيابه فهذا لا يُوجب الريبة.
وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ، ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإيمان يجب ألا يخالطه شك، وأنه إذا وَرَد على القلب شك ولو يسيرًا بشرط ألا يدافعه بل يركن إليه فإن هذا مُحبِط للإيمان، أما لو ورد الشك على القلب وطرده، وجاهد نفسه على دفعه فهذا لا يضره شيئًا؛ ولهذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الناس يتساءلون: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقولوا: من خلق الله؟ وهذا شك، ولكن الرسول أخبر قال: «فَإِذَا بَلَغَ أَحَدَكُمْ ذَلِكَ -أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا- فلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ» . وأخبره الصحابة أنهم يجدون في نفوسهم ما يحبون أن يكونوا حممة -أي فحمة محترقة- ولا ينطقون به، فقال صلى الله عليه وسلم: «ذَاكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ» .
فالحاصل أن الشك الوارد على القلب إن اطمأن به الإنسان وركن إليه فليعلم أنه ليس بمؤمن؛ لأن الإيمان ينافيه شيئان؛ الشك والإنكار، أما إذا ورد على القلب وطارده وجاهد نفسه على تركه ففي هذه الحال يضره أو لا؟ لا يضره، بل هذا صريح الإيمان وخالص الإيمان، وذلك أن الشيطان لا يُورد مثل هذه الأمور على قلب ميت، القلب الميت مستريح منه، إنما يورده على قلب حي ليميته.
ولما ذكر اليهود لابن مسعود أو لابن عباس أنهم كانوا لا يُوسوسون في صلاتهم، يريدون بهذا أن يفتخروا على المسلمين، قال: صدقوا، وما يصنع الشيطان بقلب خراب؟! كلمة عظيمة؛ يعني يقول: إن قلوبهم خربة، والشيطان ماذا يصنع في قلب خراب؟! أيأتي إليه ليخربه؟ الجواب: لا، إنما يأتي الشيطان بهذه الوساوس إلى قلب حي ليهلكه أو يمرضه.
يقول: وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ. ثم قال عز وجل: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت: ٤٦]، مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِهذه جملة شرطية أداة الشرط فيها (مَنْ) وفعل الشرط؟
طالب: عمل.
الشيخ: وجواب الشرط؟
طالب: فَلِنَفْسِهِ.
الشيخ: فَلِنَفْسِهِتمام، هذه الجملة الشرطية، فعل الشرط عَمِلَ، وجواب الشرط فَلِنَفْسِهِ، واقترنت بالفاء؛ لأنها جملة اسمية؛ إذ التقدير: فعمله لنفسه، وقدرها المفسِّر بقوله: (فلنفسه عمل)، ولكن إذا قدرناها جملة اسمية فلا حرج.
مَنْ عَمِلَ صَالِحًا، صَالِحًاهذه صفة لموصوف محذوف، والتقدير: عملًا صالحًا، فما هو العمل الصالح؟ العمل الصالح ما اجتمع فيه أمران: الأول: الإخلاص لله عز وجل، والثاني: المتابعة لشريعة الله، انتبه، المتابعة لشريعة الله، لا نقول: المتابعة لمحمد صلى الله عليه وسلم؛ لأننا نتكلم عن العمل الصالح في هذه الأمة وفي غير هذه الأمة، فنقول: الإخلاص لله، والمتابعة لشريعة الله؛ ليشمل ما كان في أمة محمد صلى الله عليه وسلم وما كان في أمم سابقة، إذا فُقِد الإخلاص فليس بصالح؛ لأنه شِرْك مردود على صاحبه، قال الله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» . ومن أخلص لكن على غير شريعة الله فعمله بدعة مردود؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» وفي رواية: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» . إذن العمل الصالح ما اجتمع فيه شرطان.
طالب: (...).
الشيخ: أحسنت، وعرفتم الدليل، قال: وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا.
قوله: فَلِنَفْسِهِيعني فالمصلحة لنفسه، فإن ذلك لا ينفع الله شيئًا؛ ولهذا قال الله تعالى في الحديث القدسي الذي رواه أبو ذر رضي الله عنه أن الله قال: «يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ واَحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا» . لماذا؟ لأن الله تعالى لا ينتفع بطاعة الطائعين، ولا يتضرر بمعصية العاصين، العمل لنفسه.
(وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَاأي فضرر إساءته على نفسه) ولو قلنا: التقدير: (فإساءته عليها) لكفى، مَنْ أَسَاءَأي: عمل عملًا غير صالح، ما الذي يدلنا على أن المراد بالإساءة هنا العمل غير الصالح؟ لأنه قُوبل بما سبق، بمن عمل عملًا صالحًا، وهذا أحد الطرق التي يُعرَف بها تفسير القرآن الكريم بل وغيره من الكلام، إذا ذُكر الشيء، ثم ذُكر ما بعده على وجه المقابلة ففسِّر ما بعده على ضد ما قبله، ومن ذلك قوله تعالى: فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا [النساء: ٧١] لو أنك تأملت ما معنى ثُبَاتٍهل معناها: انفروا ثابتين على الجهاد؟ لا، يفسرها ما بعدها أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًافيكون معنى ثُبَاتٍأي: فرادى أو انفروا جميعًا.
وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَاإذن الإساءة تكون إما بالإشراك بالله كالرياء مثلًا، وإما بالبدعة كبِدَع الصوفية وغيرهم من أصحاب الطرق الذين هم مخلصون لله، ويودون التقرُّب إلى الله لكن بغير ما شرع الله فكانوا ضالين كالنصارى تمامًا.
(وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِأي بذي ظلم)، وَمَا رَبُّكَهذه كقوله -فيما سبق- سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ، وَمَا رَبُّكَالخطاب لمن؟ للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، و(ما) هنا تميمية أو حجازية؟ كل ما في القرآن فهو حجازي؛ لأنه بِلُغة قريش، وعلى هذا فمتى أتتك (ما) فهي حجازية قال، الله تعالى: مَا هَذَا بَشَرًا [يوسف: ٣١] ولو كانت تميمية لقال: (ما هذا بشر)، لكن قال: مَا هَذَا بَشَرًا، إذن كلما أتتك (ما) التي تكون دائرةً بين الحجازية والتميمية فاجعلها حجازية، فهنا نقول: (ما) حجازية، و(رب) اسمها، و(ظلام) خبرها، لكنه جُرَّ بحرف الجر الزائد.
وقوله: وَمَا رَبُّكَهل الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام أم هو عام؟ سياق الآية يدل على أنه خاص بالرسول عليه الصلاة والسلام ولكن ليُعلم أن ما وُجِّه الخطاب فيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لا يعني أن الحكم خاص به بل هو له وللأمة؛ ولهذا نقول: الخطاب الموجَّه إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: ما دل الدليل على أنه خاص به كقوله: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح: ١]، هذا خاص ولَّا عام؟ خاص بالرسول.
الثاني: ما دل الدليل على أنه عام كقوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّوهذا خطاب للرسول إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ [الطلاق: ١] هذا عام؛ لأنه قال: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ، ومنه قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ [التحريم: ١، ٢] فأول الآية خاص والثاني عام.
القسم الثالث: ما لا دليل فيه على هذا، ولا على هذا فهو خاص بالرسول لكن نحن لنا فيه أسوة، وقيل: إنه للأمة لكن خُوطب بها الرسول؛ لأنه قائدها عليه الصلاة والسلام.
وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِقال المؤلف: (أي بِذي ظلم)، إشارةً منه رحمه الله إلى أن (ظلَّام) صيغة نسبة وليست صيغة مبالغة؛ لأن (فعَّالًا) تأتي للنسبة كـ(نجَّار وحداد وخشَّاب)، وما أشبه ذلك، وتأتي للمبالغة فهنا هل (ظلَّام) هنا للمبالغة أو للنسبة؟ يتعين أن تكون للنسبة؛ لأنك لو جعلتها للمبالغة لكان المنفي هو المبالغة في الظلم دون أصل الظلم، والمعلوم أن الله تعالى منفي عنه الظلم أصله والمبالغة فيه.
إذن يتعين أن نقول: إن (ظلَّام) صيغة نسبة، وليست صيغة مبالغة؛ ولهذا فسرها بقوله: (أي بذي ظلم)، واستدل لذلك بقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ [النساء: ٤٠]. لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍومن انتفى عنه الظلم في مثقال ذرة لا يُمكن أن يكون لديه ظُلم بأكثر، ولا بمثقال ذرة أيضًا، ولا بدون مثقال ذرة.
فإن قال قائل: إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍمفهومه أن ما دونها يمكن.
قلنا: لا؛ لأن مِثْقَالَ ذَرَّةٍجيء به على سبيل المبالغة، ما هو التمثيل، المبالغة، وما كان قيدًا للمبالغة فإنه لا مفهوم له، أرأيتم قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» ؟ فهل نقول: من اقتطع نصف شبر لا يُعاقب عليه؟ لا، لكن ذكره على سبيل المبالغة.
وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ(أي بذي ظلم). وقوله: لِلْعَبِيدِأي العبيد شرعًا أو كونًا؟ كونًا، للعبيد كونًا؛ يعني لن يظلم حتى الكافر، لا يظلمه الله عز وجل.
فإن قال قائل: إن الله تعالى -وحاشا- يظلم الكافر، الكافر مُتِّع في الدنيا ولتقل ألف سنة على كُفْر -وعبد الله الأفغاني أظنه يفكر- فسيُخَلَّد في النار كم؟ إلى الأبد آلاف وملايين السنين مع أنه لم يكفر إلا ألف سنة، فالعقوبة زائدة على العمل، وهذا ظُلْم، لو قال قائل هكذا؟
قلنا: كلا والله، إن الله تعالى أعذر إلى هذا الرجل ببعث الرسل، وإنزال الكتب، وأعطاه عقلًا وقال: إن فعلتَ كذا عذَّبتك أبد الآبدين، فأقدم باختياره. وهل إذا فعل ما يُوجب هذه العقوبة باختياره، ثم عُوقِب بها هل يُقال: إنه مظلوم؟ أبدًا لا يقال: إنه مظلوم، هذا لو كان جاهلًا بالعقوبة لقلنا: نعم، الواجب أن لا يُعاقَب إلا بمقدار ذنبه كمًّا وكيفًا، لكنا نقول: هذا الرجل قد علم وأُعذِر إليه بإرسال الرسل وبيان ما يعذب به، ومع ذلك أصر كأنه يقول: أنا لا أبالي إذا عُذِّبت أبد الآبدين، وحينئذٍ يكون هو الذي جنى على نفسه وفعل ما يوجب هذا العذاب المؤبد.
وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِفي هذه الآية من الفوائد: الحث على العمل الصالح؛ لقوله: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ؛ لأنك متى علمت أن عملك لنفسك فسوف تجتهد في ذلك، إذن ففيه الحث على العمل الصالح.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل عمل لا إخلاص فيه فهو ضرر على صاحبه وليس له؛ لأننا فسرنا العمل الصالح بأنه ما جمع بين شرطين: الإخلاص والمتابعة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من عمل عملًا بدعيًّا فعمله عليه لا له؛ لأنه لا يدخل في العمل الصالح، إخواننا، كثير من الذين يعملون بهذه البدع تجدهم يبكون ويخشعون، وتلين قلوبهم، ولهم من البكاء ما لا يكون عند المخلصين المتَّبِعين فماذا نقول؟ أجيبوا؟ نقول: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا [الكهف: ١٠٣، ١٠٤] فلا يخدعنك هذا الشيء الذي يقع منهم؛ لأن هذا من إغواء الشيطان لهم وغروره إياهم.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا يمكن أن يصل ثواب العمل الصالح إلى الغير؛ لقوله: فَلِنَفْسِهِوبهذا أخذ أكثر العلماء وقالوا: إن الميت لا ينتفع إلا بعمل ولده فقط، أما غيره فلا، يعني لو أنك اعتمرت لصديق لك ميت أو حي لا يستطيع العمرة فإن ذلك لا ينفعه ليش؟ لأن من عمل صالحًا فلنفسه لا يتعدى غيره، وما جاءت به السنة من صيام المرأة نذر شهر على أمها ، أو حجها عن أبيها الذي لا يثبت على الراحلة فهذا إنما وقع من الولد، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ، وَإِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ» . فالعمل من كسب الأب والأم، وهو جزء من أبيه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي، يَرِيبُهَا مَا رَابَنِي» . قال ذلك على المنبر، وأشار عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث -وهو حديث طويل- إلى التنديد بعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأثنى على أبي العاص بن الربيع زوج ابنته زينب وقال: «حَدَّثَنِي فصَدَقَنِي، وَوَعَدَنِي فَوَفَى لِي». وانتقد عليًّا؛ لأنه قيل: إنه أراد أن يتزوج بنت أبي جهل، فقام الرسول وخطب الناس وقال: «فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي يَرِيبُهَا مَا رَابَنِي».
وتكلم بكلام غليظ لكن الأمر عدل عنه علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم متأثرًا هذا التأثر، وأنه لا يمكن أن يُجْمع بين بنت نبي الله وبنت عدو الله؛ لأن هذا يكون متحدَّث الناس.
على كل حال نحن نقول: إن بعض أهل العلم أخذ بما يفيده ظاهر هذه الآية، وقال: لا ينفع العمل لأي إنسان نويته إلا من الولد، ولكن كثيرًا من العلماء قال: بل إن الذي ينتفع به الميت من ولده لا مانع أن ينتفع به من غيره، وربما يُستدل لذلك بحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم سَمِع رجلًا يقول: لبيك عن شبرمة. قال: «مَنْ شَبْرَمَةُ؟». قال: أخٌ لي أو قريب لي . فقال: أخ أو قريب وهو محرِم عنه. قالوا: فهذا يدل على أنه يجوز للإنسان أن ينوب عن غيره فيُقال: هذه النيابة عن الغير والحج أيضًا يُسلَّم له، ولكن الذي يظهر لي أنه لا فرق بين الولد وغيره وبين الحج وغيره، لكن الذي ننتقده إسراف الناس الآن في الأعمال للأموات، تجده يحفظ القرآن في رمضان عدة مرات، ويقول: المرة الأولى لأمي، والثانية لأبوي، والثالثة لجدتي، والرابعة لجدي، والخامسة لأخي، والسادسة لأختي، والسابعة لعمي، والثامنة لعمتي، ويطلع رمضان ليس له ثواب، كله أعطاه الناس، هذا غلط هذا، إفراط، وليس من هدي السلف الصالح.
كذلك أيضًا بعض الناس يُسرف ويُخالف السنة في إسرافه، تجده يذهب يعتمر، أول عمرة له، وفي نفس الوقت وهو بمكة ثاني عمرة لأمه، وثالث عمرة لأبيه، كل يوم عمرة، وإذا قدرنا أنه بقي عشرة أيام وله عشرة أقارب: عشر عمرات، هذا غلط، ليس من هدي السلف، والشرع ليس حسب الذوق أو ميل النفس أو الهوى، الشرع مُحدَّد، هل ورد عن السلف أنهم يكررون العمرة؟ لا لأنفسهم ولا لغيرهم، ما ورد إطلاقًا، فأصل تكرار العمرة في سفر واحد أصله غير مشروع؛ ولهذا قال عطاء بن أبي رباح وهو عالم مكة في زمنه قال: لا أدري هؤلاء الذين يخرجون إلى التنعيم أيأثمون أم يسلمون؟ يعني معناه أنه ليس لهم أجر؛ لأنه ما ورد عن الرسول عليه الصلاة والسلام ولا عن الصحابة؛ فلذلك يجب عليكم أنتم طلبة العلم أن تبينوا للناس حتى وإن انتقدوكم، دائمًا نحن نحذر من هذا في الحرم، ونقول: هذا غلط، وليس بمشروع، ثم يأتون يذهبون إلى ناس من الناس، ويقول: لا، ما يخالف، أول يوم لك، وثاني يوم لأمك، وثالث يوم لأبوك، ما يخالف.
(...) العالم كل واحد عمرة، وإن كثُر أقاربك وقلَّت أيامك في مكة فلا بأس أن تأخذ عُمرتين في يوم، ما فيه مانع، وإن كثروا أكثر وقلَّت الأيام أقل اجعل عمرتين في اليوم وعمرتين في الليل، لا إله إلا الله من قال هذا؟! لكن المشكلة أن بعض العلماء يتهاونون في هذه الأمور، ولا يُريحون عباد الله، تجده مسكين في أيام موسم الحج، يتكلف كلافة عظيمة في الزحام والمشقة، ومع ذلك يصر على أن يأتي بعمرة لأبيه وأمه مع أن هذا ليس من هدي السلف، ويضيق على الناس، والناس يضيق بعضهم على بعض، فنسأل الله الهداية.
إذن على كل حال قوله: فَلِنَفْسِهِاستدل بها بعض العلماء على أن العمل الصالح لا يتعدى الغير؛ أي لا يتعدى فاعله ونحن نقول: ما جاءت به السنة فهو مُخصِّص لهذا، والسنة تفسر القرآن وتبينه، ثم هل يُقاس عليه؟ هذا محل نظر وعندي أنه لا بأس أن يُقاس عليه؛ لأن الذي ورد إنما هو قضايا أعيان، فإذا كان قضايا أعيان فرُبَّما نقول: ونقيس على هذه العين ما شابهها لكن الذي يُنكَر هو الإسراف والإفراط.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن مَنْ أساء فعلى نفسه أساء لا يضر الله شيئًا، ولكن لو قال قائل: أليس النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأن «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» ؟ إذن هذا الإنسان صارت إساءة غيره عليه، والله يقول: وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَاعلى نفسه فقط، فيُقال: إن كونه سنَّ هذه السيئة هو عمله الذي تبعه الناس عليه، ولولا أنه فعل ما فعله الناس، فالناس إنما فعلوا اتباعًا له، فيكون هذا في الحقيقة من فعله؛ لأنه هو الذي سنَّ هذه السنة السيئة؛ ولهذا «مَا مِنْ إِنْسَانٍ يَقْتُلُ نَفْسًا عَمْدًا بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْهَا» .
من الذي قتل أولًا من بني آدم؟ هو قابيل، قَتَلَ هابيل، قتل هابيل حسدًا بدون إساءة إليه، قرَّبَا قُربانًا فتقبل الله من هابيل ولم يتقبل من قابيل، فقال له: لأقتلنك. ليش؟ حسدًا؛ لأن الله قبل من صاحبه ولم يقبل منه، فأرشده صاحبه إلى ما يكون به القبول قال: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة: ٢٧]، ومعنى الآية حثه على أن يتقي، وليس المعنى أنه يمدح نفسه أنه كان متقيًا فقُبِل، وإنما يحث على التقوى كأنه يقول: اتقِ الله يتقبل منك.
ثم قال له: لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ [المائدة: ٢٨]، ولعل هذا لم يكن مشروعًا في عهدهم أن يُدَافِع الإنسان عن نفسه؛ لأن في شريعتنا من أراد قتلك يجب عليك أن تدافعه، يجب حتى لو قتلته فهو في النار، ولو قتلك فأنت شهيد، لكن لعله في عهدهم لم يكن ذلك مشروعًا، وهو من الآصار التي كتبها الله على من قبلنا ونجانا الله منها إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (٢٨) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ [المائدة: ٢٨، ٢٩]، إلى آخره، المهم على كل حال نقول: من سَنَّ سُنَّة سيئة فَسَنُّه من عمله فيكون وزر من عمل بها عليه؛ لأنه هو الذي سنها.
ومن فوائد الآية الكريمة: انتفاء الظلم عن الله عز وجل؛ لقوله: وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِوهذه من صفات النفي، أو من صفات الإثبات؟ من صفات النفي، وصفات الله تعالى نوعان: صفات إثبات، وصفات نفي، فصفات الإثبات كثيرة جدًّا، وصفات النفي أقل، ولكن مع ذلك صفات النفي هي في الحقيقة صفات إثبات؛ لأن المراد بالنفي إثبات ضد ذلك، فمثلًا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍالمراد إثبات كمال عدله، وأن عدله لا ظُلم فيه بوجه من الوجوه.
إذن خذ قاعدة عريضة: لا يوجد النفي المحض في صفات الله أبدًا، كل نفي في صفات الله فهو إثبات، إثبات لأيش؟ إثبات للنفي ولا إثبات لضده؟ إثبات لضده، فكأنه يقول عز وجل: هو أعدل الحاكمين ولا ظلم في حكمه إطلاقًا واضح؟
وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [مريم: ٦٤] من صفات النفي أو الإثبات؟ من صفات النفي، لكن لإثبات كمال علمه، وأنه لكمال علمه لا يرد عليه النسيان إطلاقًا، علمنا نحن يرد عليه النسيان وهو أيضًا حاصل بعد جهل سابق وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا [النحل: ٧٨]، فعلمنا في الواقع معيب من وجوه، ما هو من وجهين:
الوجه الأول: أنه مسبوق بجهل.
الثاني: أنه ملحوق بنسيان.
الثالث: أنه ليس شاملًا عامًّا.
على كل حال نقول: هذا النفي في صفة الله لا يراد به النفي المحض، بل هو إثبات في الواقع؛ إذ إن المراد به؟
طالب: إثبات كمال ضده.
الشيخ: إثبات كمال ضده وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍأي أنه عدْل لا ظُلم في عدله إطلاقًا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات العدل في أعلى مقاماته، كيف؟ حيث قال: لِلْعَبِيدِأي لعبيده، وهذا أبلغ لو قلت لك: أنت لا تظلم عبيدك فهو أبلغ مما لو قلت: أنت لا تظلم الناس. ليش؟ لأن عدم ظلمك الناس؛ لأنه لا سيطرة لك عليهم، لكن إذا كنت لا تظلم عبيدك كان هذا أبلغ في إثبات العدل.
إذا كنت لا تظلم من لك سُلطة عليه فلئلا تظلم من لا سُلطة لك عليه من باب أولى، إذن فقابِل وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِبقول القائل: فلان لا يظلم الناس، أيهما أبلغ؟ الأول؛ لأنه إذا كان لا يظلم عبيده مع أنهم عبيده يفعل فيهم ما شاء فلئلا يظلم غيرهم، ولكن هذا على سبيل الفرض وإلا كل من في السماوات والأرض آتي الرحمن عبدًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على الجبرية، يقول الجبرية: إن الظلم في حق الله مُحال، وانتفاء المحال ليس مدحًا، أقول لكم الآن: انتفاء المحال ليس مدحًا.
طالب: (...).
الشيخ: لا، ليش؟ لأن الْمُحال لا يمكن وجوده لذاته، ولو أراده الإنسان لم يُوجَد؛ لأنه مُحال، لكن انتفاء الممكن إذا كان الانتفاء مدحًا فهو مدح، هنا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍهل تفيد الآية أن الظلم في حقه ممكن؟ نعم، تفيد أنه ممكن لكن لكمال عدله لا يمكن، فالظلم ليس محالًا لذاته في حق الله بل هو محال لكمال عدل الله، أنتم فاهمين ولَّا لا؟ وبهذا يتحقق المدح؛ مدْح الله تعالى بانتفاء الظلم عنه، أما لو كان شيئًا محالًا لا يمكن فالمحال لا يُمدح به.
وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِنمشي ولا انتهى الوقت؟
طالب: (...) الذين يعملون (...).
الشيخ: يكون في قلبهم.
طالب: (...) واستدللنا بقوله تعالى: (...).
الشيخ: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا.
طالب: (...) مع أن هذه الآية نزلت في الكفار (...).
الشيخ: كل من عمل سيئًا وهو يظن أنه محسن داخل في الآية، وإن كان هذه الآية أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ [الكهف: ١٠٥] لكنها تشمل حتى غيرهم.
طالب: (...).
الشيخ: نتبع هذا، الآن نحكم بهذا على أنه ما ثبت قُبحه بعمل معين يُشاركه ما وافَقَه في العلة.
طالب: شيخ، بالنسبة للأمور التي يُحدِّث الشخص بها نفسه غير الشرك كالمعاصي إذا ركن إليها ولم يعمل بها هل تدخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ ..».
الشيخ: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ» .
طالب: ما لم يكن شركًا وركن إليها كالمعاصي؟
الشيخ: يعني أرادها؟
الطالب: ولم يعملها..
الشيخ: أقول لك: أرادها أو لا؟
الطالب: أنا لا أقول: أرادها؛ لأنه لو أرادها.
الشيخ: ويش معنى هذا؟
الطالب: يعني فكَّر فيها.
الشيخ: فكَّر فيها ولكن ما هَمَّ بها، هذا لا شيء عليه، لكن السلامة أسلم؛ ولهذا نقول: إن من أراد المعصية ولم يفعلها له ثلاث حالات:
الحال الأولى: أن يعجز عنها، ويفعل الأسباب التي يريد الوصول بها إليها ولكن يعجز كرجل سارق هَمَّ بالسرقة ووضع السُّلم على الجدار ليصعد منه، وبينما هو في أثناء الصعود إذا برجل يمر من الشارع فنزل وهرب، هذا يُكتَب له عمل السيئة كأنه عملها تمامًا مع أنه لم يعملها، نقول: لأنه أرادها وعمل لها لكن عجز والدليل لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ». قَالُوا: يا رسول الله، هذا القاتل -يعني في النار- فما بال المقتول؟ قال: «لِأَنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ» . إذن من هَمَّ بالسيئة وعمل لها عملها، لكن عجز عن إتمامها كُتِب له وزرها كاملة.
الثانية: من هَمَّ بها وتمنَّاها ولكنه عجز عنها بدون أن يعمل عملها، فهذا عليه وزر النية، والدليل على هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم أَخبر عن رجل آتاه الله المال فجعل يتخبط فيه، فقال الفقير: لو أن لي مِثْلَ مال فلان لعملت فيه عمل فلان. قال: «فَهُوَ بنِيَّتِهِ فَهُمَا فِي الوِزْرِ سَوَاءٌ» . في الوِزْر العملي أو في الوزر الإرادي؟ الإرادي؛ لأن هذا لم يعمل.
الثالثة: أن يكون هَمَّ بها، همَّ بالسيئة، وعزم عليها، ولكن تذكر خشية الله، فتركها خوفًا من الله فهذا يُكتب له ذلك حسنةً كاملة.
هناك قسم رابع لكن ما يدخل في تقسيمنا، وهو من لم تطرأ له المعصية، ما طرأت على باله، فهذا لا يُكتب له ولا عليه كإنسان مستقيم ولا يطرأ على باله السرقة ولا الزنا، ولا شُرب الخمر، هذا ليس له ولا عليه، لكن هذا غير داخل في تقسيم الإرادة، نتكلم على تقسيم الإرادة؛ يعني من أراد السوء.
طالب: (...).
الشيخ: نعم، هنا صيغتان لمن أراد أن يعمل لغيره:
الصيغة الأولى: أن ينوي النية للغير من ابتداء العمل من الأصل، من حين ما أراد أن يكبر نوى أنها لأبيه أو أمه، فهذا يصح ولا إشكال فيه؛ لأنه كالذي يحج ناويًا الحج عن أبيه أو أمه من الأصل.
الثانية: أن يعمل العمل، ثم بعد الفراغ منه، ينويه لأبيه وأمه، هذه اختلف فيها العلماء حتى الذين يقولون: بجواز إهداء القرب اختلفوا هل يصح هذا أم لا؟
ووجه الفرق بين هذه والتي قبلها أن التي قبلها ابتدأ النية من أول الفعل، فهو يفعل يتحرك ويتكلم يشعر أنه قائم به عن الغير، أما هذا فقد صلَّى وانتهى من صلاته على أنها له فثبت الأجر له، وإذا ثبت الأجر له فليس من حقه أن يتصرف بالثواب، هو يتصرف بالعمل، أما الثواب فلا، يعني فيقول هؤلاء: إنه إذا أهدى العمل بعد فعله لا يصل إلى الْمُهدَى إليه، ليش؟ لأن العمل ثبت لنفسه وانتهى العمل والنية لنفسه، وإذا أهداه لغيره فقد تصرَّف في الثواب، والتصرف في الثواب ليس إليه، وإنما هو إلى من؟ إلى الله عز وجل، وليس هذا أمرًا ماليًّا، تقول: والله بأعطي فلانًا عشرة دراهم مئة درهم، هذا ثواب عند الله عز وجل، وكُتب لك وانتهى الأمر، وهذا التفريق تفريق جيد وله معنًى لطيف، أفهمت؟
طالب: قسمان الأول: (...).
الشيخ: من أول الأمر نعم.
الطالب: والثاني إذا عمل (...).
الشيخ: يعني بعض العلماء يقول: هذا لا يصح، الثاني: لأنه تصرف في الثواب، والأجر تم حينما انتهى من العبادة تَمَّ لمن؟ لهذا الرجل العامل.
طالب: والتصرف في الثواب يكون لله.
الشيخ: إي، لا، جيد ما شاء الله تمام، ويش لونك قاعد مقابلًا بالكلية؟
أقول: هذا لا شك أنه معنى جيد التفريق بين أن تعمل العمل من أوله لصاحبك وبين أن تعمله لنفسك، ثم بعد ذلك تُهدي ثوابه لصاحبك فيُقال: العمل الآن كُتِب لك، والثواب كُتِب لك، فلا يمكن أن تتصرف فيه؛ التصرف في الثواب إلى الله عز وجل والله أعلم؟
طالب: القول الثاني: (...) القول الأول: أنه لا يصح.
الشيخ: ما قلنا: الأول؟ قلنا: لا بأس، العلماء لا يُفرِّقون، لكن الثاني هو اللي فيه الخلاف.
طالب: (...).
الشيخ: أيش؟ التوكيد لأيش؟
طالب: للاهتمام.
الشيخ: للاهتمام؟
طالب: التوكيد (...).
الشيخ: يعني صيغة الخبر؟ هل يُؤكَّد أو لا يُؤكَّد؟
طالب: نقول: التوكيد (...) بمعنى الخبر.
الشيخ: يعني قصدك أن الجملة الخبرية تؤكد للاهتمام بالأمر؟ إي، ويش فيه؟
طالب: (...).
الشيخ: في الحال الثلاث لأيش؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، الاهتمام به حتى وإن كان المخاطَب مُقِرًّا، يعني توكيد الخبر للاهتمام به وإن كان المخاطب مُقِرًّا، حال المخاطَب لا تستدعي التوكيد؛ لأنه مقر لكن الاهتمام به يقتضي التوكيد، مثلًا لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [القيامة: ١] إن خاطبنا به المؤمن فهو للتوكيد فقط، للتوكيد والاهتمام بالأمر، إن خاطبنا به المُنكِر صار للإنكار.
***
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
نبتدئ الدراسة الصيفية الصباحية في مسجد الجامع الكبير في عنيزة هذا اليوم السبت، الأول من ربيع الأول، نسأل الله تبارك تعالى أن يرزقنا وإياكم علمًا نافعًا وعملًا صالحًا متقبلًا ورزقًا طيبًا واسعًا، وكما سيكون بين أيديكم إن شاء الله جدول سوف نسير عليه بإذن الله، نسأل الله التوفيق، نبدأ الآن في التفسير، القارئ مَنْ؟ مَنْ أَحسنكم قراءةً وصوتًا؟
سَمِّ بالله إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ.
الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ.
الشيخ: الأحسن أن تقف.
الطالب: إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (٤٧) وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٤٨) لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ (٤٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ [فصلت: ٤٧ - ٥٠].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِهذا هو درس التفسير -أي: تفسير كتاب الله عز وجل- وليُعلم أن أولى ما يُعتَنى به في معرفة معناه هو كتاب الله عز وجل؛ لأنه أصدق الكتب وأحكمها وأنفعها للقلب والجوارح؛ ولأن هذا دأب الصحابة رضي الله عنهم فقد كانوا لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل، فتعلموا القرآن والعلم والعمل جميعًا .
والطريقة الْمُثلى للتفسير: أن يُفسَّر القرآن بالقرآن؛ لأن تفسير القرآن بالقرآن هو تفسير ممن أنزله تبارك وتعالى وهو أعلم بمراده فيُفسَّر القرآن بالقرآن، فإن لم يكن فبالسنة، فإن لم يمكن فبأقوال الصحابة ولا سيما المشهورون منهم بالتفسير كابن عباس رضي الله عنهما وابن مسعود، فإن لم يمكن فهل نرجع إلى أقوال التابعين في هذا أو لا؟ أما من عُرِف بالأخذ عن الصحابة رضي الله عنهم فلا شك أن قوله راجح على غيره لكنه غير مُلزم، ثم بعد هذا يُؤخذ تفسير القرآن من تفسير الأئمة المشهود لهم بالعلم والإيمان، وقد تناول الناس تفسير القرآن، فمنهم من فسَّره بما ذكرنا، ومنهم من فسره برأيه، وحمل الآيات على ما يعتقده من مذهب ضال، فكان مستحقًّا لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» ؛ ولهذا يجب عليك أن تتدبر معنى القرآن قبل أن تحكم حتى لا يكون القرآن تابعًا لحكمك.
ثم إن الإنسان ينبغي له أن يفكر أولًا في معنى الآية بنفسه ويتدبر ويتأمل، فإذا انقدح في ذهنه معنىً من المعاني فليرجع إلى كلام العلماء لئلا يكون أخطأ، ولا يكون إمعة يراجع ويقول ما قال الناس لا، عليه أولًا أن يتدبر، فإذا انقدح في ذهنه معنًى من المعاني فليرجع إلى كلام العلماء لئلا يكون ضالًّا في هذا الفهم.
أما كونه ليس له هم إلا أن يراجع كتب التفسير فهذا لا بد أن تكون معرفته في القرآن ناقصة، نحن تكلمنا فيما تكلمنا فيه مما سبق من تفسير القرآن حتى انتهينا إلى قول الله تبارك وتعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦) إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ [فصلت: ٤٦، ٤٧].
إِلَيْهِأي إلى الله وحده، وإنما قلنا: (وحده)؛ لتقديم المعمول، وتقديم المعمول يفيد الحصر، وذلك أن المعمول مكانه أن يكون بعد العامل، فإذا تقدم فإنه يكون من باب تقديم ما حقه التأخير، والقاعدة اللغوية البلاغية (أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر)، وعلى هذا فقوله: إِلَيْهِ يُرَدُّنقول: المعنى: إليه لا إلى غيره، ومن أين أخذنا هذا النفي (لا إلى غيره)؟ مِنْ تقديم المعمول؛ لأن المعمول حقه أن يكون بعد العامل، فإذا قُدِّم كان هذا من باب تقديم ما حقه التأخير، وتقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، هذه قاعدة لغوية بلاغية.
يُرَدُّأي يُرجع عِلْمُ السَّاعَةِقال المفسر: (متى تكون) ثم قال: (لا يعلمها غيره) أخذ هذا الحصر (لا يعلمها غيره) من تقديم المعمول وهو إِلَيْهِ.
وهذا لا شك فيه أنه لا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله سبحانه وتعالى؛ ولهذا قال الله تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي [الأعراف: ١٨٧] يعني ما علمها إلا عند ربي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم وقد سأله جبريل: أخبرني متى الساعة؟ قال: «مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ» . يعني أنه لا علم عندي كما أنك أنت ليس عندك علم، وعلى هذا فمن ادعى علم الساعة فهو كاذب لا شك فيه، ثم هو كافر أيضًا؛ لأنه مكذب للقرآن والسنة.
إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا. قوله: وَمَا تَخْرُجُقد يتراءى للإنسان أن (ما) اسم موصول يعني: ويرد إليه عِلْم ما تخرج من ثمرات من أكمامها، لكن هذا وهم، وعلى هذا فنقول: (ما) نافية.
({وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَة} وفي قراءة ثَمَرَاتٍ) المؤلف فسر على قراءة {ثَمَرَة} مفردة والقراءة التي بين أيدينا في المصحف: مِنْ ثَمَرَاتٍ، واعلم أن للمؤلف رحمه الله اصطلاحًا وهو أنه إذا قال: (وفي قراءة). فهي سبعية، وإذا قال: (وقُرئ). فهي قراءة شاذة ليست من السبع، هذا اصطلاح الجلالين رحمهما الله.
إذن (في قراءة: ثَمَرَاتٍ)، القراءة هذه سبعية؛ يعني أنها ثابتة تجوز القراءة بها في الصلاة، وتكون حجةً في الأحكام الشرعية وفي الأخبار العلمية، أما على صيغة الجمع فواضح مِنْ ثَمَرَاتٍكل الثمرات، وأما على صيغة الإفراد فهي أيضًا تفيد العموم؛ لأن ثمرة نكرة في سياق النفي مؤكدًة بـ(من) الزائدة فتشمل جميع الثمرات، وعلى هذا فلا اختلاف في المعنى بين ثمرات وثمرة.
({وما تخرج من ثمرة} وفي قراءة: ثَمَرَاتٍ، مِنْ أَكْمَامِهَاأوعيتها) الأكمام الأوعية يقول: (جمع (كِمٍّ) -بكسر الكاف- إلا بعلمه)، الأكمام هي أوعية الطَّلع فهذا معروف في النخل، وكذلك معروف في الأزهار تجد الزهرة عليها غلاف يُسمَّى هذا كِمّ، فما تخرج من ثمرة من كِمِّها إلا بعلم الله عز وجل، أي ثمرة تكون صغيرة أو كبيرة مأكولة أو غير مأكولة فهي بعِلم الله عز وجل.
ووجه كونها بعلمه أن هذه الثمرات مخلوقة لله، وكل مخلوق لله فهو معلوم له؛ لقول الله تعالى: أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك: ١٤]، فأنت متى أقررت أن الله خالق هذه لزِم من إقرارك أن يكون الله عالمًا بها؛ لأنه لا يمكن أن يخلقها وهو لا يعلم؛ ولهذا استدل الله لذلك بدليل عقلي: أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ، وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِوَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىأي أنثى من بني آدم أو من الحيوان، أي أنثى ما تحمل ولا تضع إلا بعِلم الله عز وجل، فابتداء الحمل معلوم عند الله، ووضعه كذلك معلوم عند الله تبارك وتعالى. نرجع إلى قوله: مِنْ أُنْثَىوإلى قوله: {مِنْ ثَمَرَة} الإعراب: مِنْحرف جر..





