وعلى هذا فلا اختلاف في المعنى بين (ثمرات) و(ثمرة) {وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَةٍ} وفي قراءة: ثَمَرَاتٍمِنْ أَكْمَامِهَا [فصلت: ٤٧] (أوعيتها). الأكمام: الأوعية، يقول: (جمع كِمّ بكسر الكاف إلا
بعلمه) الأكمام هي أوعية الطلع، فهذا معروف في النخل، وكذلك معروف في الأزهار،
تجد الزهرة عليها غلاف يسمى هذا (كِمّ)، فما تخرج من ثمرة من كِمِّها إلا بعلم الله
عز وجل، أي ثمرة تكون صغيرة أو كبيرة مأكولة أو غير مأكولة فهي بعلم الله عز وجل،
ووجه كونها بعلمه أن هذه التمرات مخلوقة لله، وكل مخلوق لله فهو معلوم له؛ لقول
الله تعالى: أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك: ١٤] فأنت متى أقررت أن الله خالق هذه لزم من إقرارك أن
يكون الله عالمًا بها؛ لأنه لا يمكن أن يخلقها وهو لا يعلم؛ ولهذا استدل الله لذلك
بدليل عقلي: أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك: ١٤].
وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ [فصلت: ٤٧] ما تحمل من أنثى، أي أنثى من بني آدم أو من الحيوان،
أي أنثى ما تحمل ولا تضع إلا بعلم الله عز وجل، فابتداء الحمل معلوم عند الله،
ووضعه كذلك معلوم عند الله تبارك وتعالى، نرجع إلى قوله: مِنْ أُنْثَى. وإلى قوله: {مِنْ
ثَمَرَةٍ}.
الإعراب:
مِنْحرف جر
زائد؛ زائد من حيث الإعراب، وليس زائدًا من حيث المعنى؛ لأنه يفيد معنًى وهو
التوكيد، وعلى هذا فنقول: {مِنْ
ثَمَرَةٍ} {مِنْ} حرف جر زائد، و{ثَمَرَةٍ} فاعل مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من
ظهورها حركة المحل بحرف الجر الزائد، وكذلك يقال: مِنْ أُنْثَىمِنْحرف جر زائد. وأُنْثَىفاعل مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها
التعذر، وهو في محل جر لفظًا لدخول مِنْعليه.
وقوله: إِلَّا بِعِلْمِهِبعلمه السابق أو
الحادث عند وجود هذا الشيء؟ الجواب: السابق؛ لأن علم الله تعالى محيط بكل شيء أزلًا
وأبدًا فهو يعلم ما تخرج من ثمرات من أكمامها إلى يوم القيامة، وكذلك ما تحمل من
أنثى ولا تضع.
ثم قال عز وجل: وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي [فصلت: ٤٧] يَوْمَظرف، والظرف
يحتاج إلى ما يتعلق به؛ لأنه مفعول فيه، وإذا كان مفعولًا فيه فلا بد من فعل يكون
عاملًا فيه، فأين العامل؟ العامل في هذا مُقدَّر، والتقدير: واذكر يوم يناديهم وهو
-أي مثل هذا التعبير- موجود في القرآن كثيرًا، والتقدير كما ذكرت: العامل محذوف،
التقدير: اذكر يوم يناديهم أين شركائي إلى آخره؟ وإنما أمر الله تعالى نبيه بذكره؛
تخويفًا لهؤلاء المكذبين، وتسليةً لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وقوله: يُنَادِيهِمْأي: يدعوهم بصوت رفيع؛ لأن
النداء يكون بصوت رفيع، والمناجاة تكون بصوت أدنى، وفاعل يُنَادِيهِمْهو الله؛ بدليل قوله: أَيْنَ شُرَكَائِييعني أن الله تعالى ينادي هؤلاء المشركين، يقول: أين شركائي؟
وهذا الاستفهام للتعجيز والتوبيخ أيضًا فهو جامع بين معنيين: التعجيز، والثاني:
التوبيخ؛ يعني: أين الذين أشركتم معي؟ يقول الله عز وجل: قَالُوا آذَنَّاكَ [فصلت: ٤٧] أعلمناك الآن مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ [فصلت: ٤٧]. (آذن) بمعنى (أعلم)،
ومنه قوله تعالى: وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [التوبة: ٣] أي: إعلام من الله ورسوله، فـ(آذن) بمعنى أعلم، ومنه ما في الحديث أن
الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال للنساء اللاتي يُغسِّلن ابنته: «إِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي» .
أي: أعلمنني.
آذَنَّاكَيقول المؤلف: (أعلمناك
الآن). فأفاد المؤلف بقوله: (الآن) أن الفعل الماضي آذَنَّاكَبمعنى المضارع فهو إذن جملة خبرية حالية بمعنى:
الآن نُعلِمك، ما منا من شهيد، وقيل: آذناك أنها فعل ماضٍ على بابها فهي بمعنى
الخبر عن شيء ماضٍ.
فعندنا قولان: هل الإعلام هنا يوم القيامة كما قال المؤلف:
(آذنَّاك الآن) أو هو إعلام سابِق في الدنيا؟ إن نظرنا إلى ظاهر اللفظ قلنا:
نُرجِّح أنه إعلام في الدنيا؛ يعني: أعلمناك في الدنيا، فيكون على ظاهره لكن يشكل
على هذا التفسير أن واقع حالهم لا يدل على هذا؛ لأنهم مُشرِكون فعلًا فكيف يؤذنونه
أنه ما منهم من شهيد بذلك، أجاب القائلون بهذا: أن المعنى آذنَّاك بحسب الفطرة وما
في قلوبنا؛ لأنه ما من مولود يُولَد إلا على الفطرة، انتبهوا الآن للمعنى.
آذَنَّاكَصيغتها: فعل ماضٍ، يقتضي أن يكون هذا
الإعلام سابقًا عن وقت الخطاب، هذه واحدة.
آذَنَّاكَفعل ماضٍ لكن يراد به الخبر عن الحال الحاضر،ة فهو
بمعنى: نحن نؤذنك الآن، هذا التفسير مخالِف لظاهر اللفظ لكنه موافق لواقع حالهم؛
التفسير الأول: موافق للفظ لكنه مخالِف لظاهر حالهم؛ لأنهم لا يُعلِمونه بذلك؛ إذ
إنهم مشركون فعلًا، أجاب هؤلاء الذين يقولون: إنه آذَنَّاكَفي الدنيا بأنهم أعلموه بحسب الفطرة التي فُطروا
عليها؛ لأنه ما من مولود يُولد إلا على الفطرة.
قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ [فصلت: ٤٧] (أي شاهد بأن لك
شريكًا) مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍمَانافية، ومِنَّاجار ومجرور
خبر مقدم. ومِنْحرف جر زائد إعرابًا. وشَهِيدٍمبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها
اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، يعني معناه: أننا قد أقررنا بأنه لا أحد منا
يشهد بأن لك شريكًا وهم يقولون هذا الآن لكنه لا ينفعهم؛ لأنه إقرار بعد معاينة
العذاب، والإقرار بعد معاينة العذاب ليس بنافع؛ ولهذا أقر فرعون حين أُغرِق بأنه
لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ [يونس: ٩٠] ولكنه لم ينفعه، فقيل له: آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ [يونس: ٩١].
قال الله تعالى: وَضَلَّ عَنْهُمْ [فصلت: ٤٨] أي: (غاب) عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُوَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوامَااسم موصول فاعل بمعنى: الذي وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَقال المؤلف:
(يعبدون) مِنْ قَبْلُ(في الدنيا من
الأصنام) أصنامهم التي كانوا يتعلقون بها ويعبدونها لتقربهم إلى الله زلفى في
ذلك اليوم الذي هم أشد ما يكونون حاجةً لها تغيب عنهم ولا تنفعهم؛ ولهذا قال: ضَلَّ عَنْهُمْأي: ضاع وغاب مَا كَانُوا يَدْعُونَأي: يعبدون من قبل، ويريد بذلك الأصنام التي كانوا يعبدونها في
الدنيا، مثلًا النصارى يعبدون عيسى ابن مريم، قريش تعبد اللات، والعُزَّى، ومناة،
وهُبل، منهم من يعبد النار كالمجوس، من يعبد الشمس، من يعبد القمر، إلى آخره، هذه
الأصنام التي تُعبد من دون الله، هل تنفعهم يوم القيامة؟ لا، ولهذا قال: ضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ. وربما
نفهم من قوله: ضَلَّ عَنْهُمْأنهم ذهبوا يطلبونها،
يبحثون عنها، ولكنها ضلت وضاعت، ويكون هذا أشد حسرةً في نفوسهم أنهم طلبوها في وقت
الحاجة ولكن لم يجدوها.
وَظَنُّواقال:
(أيقنوا) مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ(ظن) هنا
بمعنى أيقن، وهل يأتي الظن بمعنى اليقين؟ الجواب: نعم، يأتي كثيرًا، قال الله
تعالى: وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا [الكهف: ٥٣] إذن ظنوا
بمعنى أيقنوا.
وقال الله تبارك وتعالى: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ [البقرة: ٤٦] معنى يَظُنُّونَأي: يوقنون أنهم ملاقو ربهم، ولو كان الظن بمعنى
الشيء الراجح لم يكونوا مؤمنين لكن يظنون بمعنى يوقنون؛ إذن الظن في اللغة العربية
يأتي بمعنى اليقين، هنا ظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍأيقنوا ولَّا صار عندهم احتمال راجح؟ أيقنوا. وقوله: مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍفيها تقديم وتأخير وتوكيد، التقديم
والتأخير أنه قُدِّم فيها الخبر، وأُخِّر فيها المبتدأ، أين الخبر؟ لَهُمْأين المبتدأ؟ مَحِيصٍ.
فيها أيضًا توكيد وهو مِنْالزائدة؛ لأن مَحِيصٍمبتدأ مؤخر، ودخلت عليه مِنْالزائدة للتوكيد، وإعرابه أنه مبتدأ مرفوع للابتداء،
وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة.
وقوله: (مَحِيصٍمهرب من العذاب) يعني
أيقنوا أنه لا مهرب لهم من العذاب، ولا مفر لهم منه، وأنه واقع بهم لا محالة.
ثم
قال المؤلف: (والنفي في الموضعين مُعلق عن العمل، وجملة النفي سدَّت مسد
المفعولين) النفي في الموضعين أين الموضعان؟ قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ [فصلت: ٤٧] هذه مَانافية مُعلِّقة عن العمل؛ لأن آذَنَّاكَأعلمناك، وهي تنصب ثلاثة مفاعيل. (أعلم) تنصب ثلاثة
مفاعيل، تقول مثلًا: أعلمتُ زيدًا عمرًا قائمًا. هذه نصبت كم؟ ثلاثة مفاعيل زيدًا
وعمرًا وقائمًا، هنا آذَنَّاكَالمفعول الأول موجود
وهو: الكاف آذَنَّاكَالمفعول الثاني والثالث مُعلَّق
أغنت عنه جملة الاستفهام مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ.
وعلى هذا فتكون جملة مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍكلها
تكون في موضع نصب سدت مسد مفعولي (آذَن) أقول: الأول والثاني أيش؟ لا، أقول: الثاني
والثالث.
وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍهذا
الثاني، ظَنُّواهذه (ظن) تنصب كم مفعولًا؟ تنصب
مفعولين هنا ما فيه مفعولان، ليس فيه مفعولان، أين هما؟ عُلِّقت عن العمل بجملة
النفي وهي قوله: مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍوعلى هذا
فيكون مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍجملة في محل نصب سدت مسد
مفعولي (ظن)، هذا إعراب في الحقيقة لا يدركه إلا من كان عنده علم بالمفاعيل، لكنا
نحن الآن شرحناه فمن فهمه فهذا المطلوب، ومن لم يفهمه فإنه لا يضر؛ لأنه ليس له
علاقة معنا، علاقته إنما هو في الإعراب فقط.
نرجع إلى استنباط الأحكام من
الآيات، قال الله تعالى: إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ [فصلت: ٤٧] إلى آخره.
من فوائد هذه
الآية: أن علم الساعة عند الله وحده، من أين تؤخذ يا أخ؟
طالب: إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ.
الشيخ: كيف أخذها من أنه عند الله
وحده؟
الطالب: لما قدم ما حقه التأخير فأراد
الحصر.
الشيخ: لأنه قدم ما حقه التأخير -وهو المعمول-
وهذا يفيد الحصر.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن
من ادعى عِلْم الساعة فهو كافر، وجه ذلك: أنه مُكَذِّب لله، وتكذيب الله كُفْر، ومن
صدقه فهو كافر أيضًا؛ لأنه صدَّق بما هو تكذيب للقرآن الكريم، ومَنْ صَدَّق بما هو
تكذيب للقرآن الكريم فإنه كافر بلا شك.
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ (٤٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (٥٠) وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ [فصلت: ٤٩ - ٥١].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِلَا يَسْأَمُيعني: لا يمل، فهو دائمًا يسأل الخير من المال والغنى والجاه وغير ذلك.
إذن نأخذ الفوائد، قال الله تبارك وتعالى: إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ [فصلت: ٤٧].
مِن فوائدها: أن علم الساعة عند الله عز وجل لا يعلمها إلا هو، وذكرنا لذلك دليلًا في حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين سأل جبريل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الساعة فقال له: «مَا الْمَسْئُولُ بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ» .
ومن فوائدها: أن من ادعى عِلم الساعة فهو كافر؛ لأنه مُكذِّب لله ورسوله، وتكذيب الله ورسوله من أسباب الرِّدَّة؛ لأن الردة تدور على شيئين: إما تكذيب، وإما استكبار، فكل رِدَّة يحكم العلماء بها فإنها لا تخرج عن هذين الأمرين: إما التكذيب وإما الاستكبار.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عموم عِلْم الله عز وجل؛ لقوله: وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا [فصلت: ٤٧] إلى آخره.
ومن فوائد الآية الكريمة: توبيخ الكفار يوم القيامة؛ لقوله: وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي [فصلت: ٤٧] والتوبيخ في ذلك المكان من أعظم ما يكون من التوبيخ؛ لأنه اليوم المشهود الذي يشهده الله وملائكته وجميع خلقه.
ومِن فوائدها: إقرار هؤلاء المكذبين بالبعث في ذلك اليوم أنه لا شريك لله عز وجل؛ لقوله: قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ.
ومن فوائد الآية التي بعدها: أن ما يُعبَد من دون الله فإنه هلاك وضلال، ولن يُجدي شيئًا عن عابديه؛ لقوله تعالى: وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ [فصلت: ٤٨].
ومن فوائدها: أن هؤلاء المكذبين يوقنون في ذلك اليوم أنه لا مفر لهم من عذاب الله؛ لأنه ليس هناك أحد يدفع عذاب الله تعالى عنهم فيوقنون بأنه لا محيص لهم منه.
ثم قال عز وجل: لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ. قوله: لَا يَسْأَمُأي: لا يمل، بل لا يزال يسأل. والْإِنْسَانُهنا يحتمل أن يكون المراد به الكافر، ويحتمل أن يُراد به الجنس؛ أي: جنس الإنسان سواء كان مؤمنًا أم كافرًا، ثم تُنزَّل الأحوال على ما يليق بها.
لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِدُعَاءِمضاف، والْخَيْرِمضاف إليه. من باب إضافة المصدر إلى مفعوله، وهو أيضًا -أعني الخير- مفعول لـدُعَاءِ، والمدعو هو الله عز وجل، فعندنا: داعٍ، ومدعو، ومدعو به؛ أي: مطلوب، فالداعي الإنسان، والمدعو الله، والمدعُوُّ به الخير.
وقال المؤلف: (أي لا يزال يسأل ربه المال والصحة وغيرهما) من البنين، والزوجات، والجاه، والشرف، وغير ذلك مما يدعوه الإنسان رغبةً به.
وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ(الفقر والشدة) وتخصيص الشر بالفقر والشدة ليس على سبيل الحصر بل هو على سبيل المثال؛ لأنه يشمل الفقر والشدة، وفقْد الأولاد، وفقد الجاه والإيذاء من الخلق، وأشياء كثيرة، فتخصيص المؤلف ذلك بالفقر والشدة من باب التمثيل.
وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ [فصلت: ٤٩] الفاء رابطة للجواب، وهو (إن)، و(يئوس) خبر لمبتدأ محذوف، (يئوس) خبر المبتدأ أي: فهو: يئوس قنوط. قال المؤلف: (من رحمة الله تعالى وهذا وما بعده بالكافرين). (يئوس) قنوط.
هل هناك فرق بين اليأس والقنوط؟
الجواب: نعم، اليأس هو زوال الرجاء بحيث ينقطع رجاء الإنسان، والقنوط أشد اليأس. وعلى هذا فيكون قوله: (يئوس) هذا ابتداء القنوط. قَنُوطٌهذا نهايته.
وقوله: يَئُوسٌ قَنُوطٌ، أعربنا (يئوس) خبر المبتدأ محذوف، فماذا نعرب قَنُوطٌ؟ نعربه على أنه خبر ثانٍ، وتعدد الأخبار جائز واقع في اللغة العربية، وواقع في القرآن، قال الله تعالى: وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [البروج: ١٤ - ١٦]، كل هذه أخبار متعددة، ولا يصح أن يكون الثاني وصفًا للأول؛ لأنها كلها تعود على موصوف واحد، وعليه فنقول: قَنُوطٌخبر ثانٍ للمبتدأ المحذوف، ولا يصح أن يكون نعتًا لـ(يئوس)؛ لأن (يئوس) نفسها نعت.
قال المؤلف رحمه الله: (وهذا وما بعده في الكافرين) هذا المشار إليه اليأس والقنوط (وما بعده) سيذكره (في الكافرين)، وإنما قال المؤلف ذلك؛ لأن المؤمن لا ييئس ولا يقنط، قال الله تعالى: إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ [يوسف: ٨٧]، وقال تعالى: وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ [الحجر: ٥٦]، فلا يمكن للمؤمن أن ييئس، وعلى هذا فيكون هذا الوصف للكافرين.
وَلَئِنْ أَذَقْنَاه [فصلت: ٥٠] (آتيناه). قوله: وَلَئِنْيقول: (لام قسم) يعني اللام، وإن شرطية أَذَقْنَاه(آتيناه) رَحْمَةً(غنًى وصحةً) مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَمِنَّاأي: من الله عز وجل. مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ(شدة وبلاء) مَسَّتْهُيعني أصابته لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي(أي بعملي).
انظر إلى حال هذا، فنبدأ أولًا بالإعراب؛ لأن فيه شيئًا من الإشكال وهو قوله: وَلَئِنْ أَذَقْنَاهإلى قوله: لَيَقُولَنَّ، ففي الجملة الأولى: لَئِنْ أَذَقْنَاهحرف شرط، والشرط يحتاج إلى جواب، وفي سياق الآية لم نجد جوابًا للشرط فأين هو؟ جواب الشرط في هذه الآية محذوف؛ لأنه اجتمع قَسَم وشَرْط، وإذا اجتمع القسم والشرط حُذِف جواب المتأخر منهما. إذا اجتمع شرط وقسم حُذِف جواب المتأخر منهما، هنا اجتمع شرط وقَسَم، القسم في اللام، والشرط (إن)، أيهما المتأخر؟
طالب: الشرط.
الشيخ: الشرط، فيُحذف جواب الشرط؛ ولهذا جاء جواب القسم في قوله: لَيَقُولَنَّقال ابن مالك رحمه الله في الألفية:
| وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ | جَــــــوَابَ مَــا أَخَّـــــرْتَ فَهْـــوَ مُلْـــــتَزَمْ |
جواب ما أخرت فهو -أي هذا الحذف- ملتزم.
قوله عز وجل: وَلَئِنْ أَذَقْنَاه(آتيناه) لكن عَبَّر بالإذاقة عن الإيتاء؛ لأن من ذَاقَ شيئًا فقد انتفع به، والإيتاء قد ينتفع به الإنسان، وقد لا ينتفع، فإذا أعطيتك خُبزة مثلًا قد تنتفع منها، وقد لا تنتفع؛ يعني قد تأكلها وقد لا تأكلها، لكن إذا ذقتها فقد أكلتها، أو انتفعت بها؛ فلهذا عَبَّر عن الإتيان بالإذاقة؛ لأنه أبلغ في المماسة وفي الانتفاع.
وقوله: رَحْمَةً مِنَّافسَّر المؤلف رحمه الله الرحمة بأنه الغنى والصحة، وهذا مثال، وليس هو الحصر بل تشمل الرحمة كل ما هو مطلوب للإنسان من (غنى وصحة)، وجاه، وأموال، وبنين، وغير ذلك.
وقوله: مِنَّاإشارة واضحة إلى أن هذه الرحمة ليست بكسبه، ولكنها فضْل من الله عز وجل، فالغنى أتاه من حيث لا يحتسب، والصحة أتته من حيث لا يحتسب، والبنون وغيره هي من عند الله، وواضح أنها من الله وليست بكسبه.
وقوله: رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ [فصلت: ٥٠] يعني معناه أنها تُيقن الضرر، ثم جاءت الرحمة من عند من؟ من عند الله، وهذا أبلغ في النعمة أن تأتي بعد الضرر؛ لأن النعمة الدائمة لا يُحَسُّ بها لكن النعمة الطارئة بعد الضرر هي التي يُحَسُّ بها؛ ولهذا من لم يذق مرارة المرض فإنه لا يتذوق حلاوة الصحة حتى في الأمور الشرعية، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا ينقض الإسلامَ إلا من لم يعرف الجاهلية أو كلمةً نحوها، يعني الذي لا يعرف الكفر لا يعرف قدر الإيمان، كذلك أيضًا الرحمة إذا كانت مستديمة مستمرة، لا يحس بها الإنسان لكن إذا جاءت من بعد الضرر أحس بها، وذاق لها طعمًا، وأَضْرِب لكم مثلًا الآن في النفس؛ النفس نعمة كبيرة من أكبر النعم، الإنسان لا يحس بها، ما دامت النعمة مستمرة لكن لو أُصيب بكتم النفس وحجبه، ثم فُرِّج عنه لوجد لهذا النفس نعمةً عظيمة وأثرًا عظيمًا، كذلك المرض، الإنسان الصحيح المستمر في صحته لا يعرف قدرها، لكن لو مرض، ثم شُفي تبين له قدر النعمة، الرحمة التي ذكر الله هنا رحمة من بعد الضراء يكون لها أثر بالغ أعظم مما لو كانت الرحمة مستمرة.
إذا أذاقه الله عز وجل رحمة من عنده من بعد الضراء لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي [فصلت: ٥٠] هذا جواب القسم يعني: يقول: هَذَا لِي. ما معنى هذا لي؟ قيل: المعنى: هذا بعملي، فتكون اللام بمعنى (مِنْ)؛ أي: هذا مني وليس من الله. وقيل: اللام للاستحقاق؛ يعني أني مستحق له فلا مِنَّة لله عليَّ به؛ لأني له أهل فأنا حقيق به.
المؤلف مشى على القول الأول وهو أن اللام بمعنى (مِنْ)؛ أي: ليقولن هذا مني، وأنا الذي اكتسبته، أنا الذي اتجرت، أنا اكتسبت وما أشبه ذلك.
القول الثاني يقول: هذا من الله، لكن لا مِنَّة له عليَّ به؛ لأني مستحِق له، والآية تحتمل هذا وهذا، والقاعدة في التفسير أنه إذا كانت الآية تحتمل معنيين لا يُنافي أحدهما الآخر فإنها تُحمَل عليهما جميعًا إذا لم يُوجَد المرجح لأحدهما.
لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً [فصلت: ٥٠] نسأل الله العافية؛ يعني ظن أنه مُخلَّد، لما جاءته هذه الرحمة، قال: إذن لا بعث ولا جزاء وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً. ثم قال: وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى [فصلت: ٥٠] يعني على فرض أن تقوم الساعة، وأُرَد إلى الله فإن الذي نعَّمني في الدنيا سوف ينعِّمني في الآخرة؛ ولهذا قال: وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى [فصلت: ٥٠] أي (الجنة).
نقول في: لَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّيفي الإعراب ما قلناه في وَلَئِنْ أَذَقْنَاه؛ لأنه اجتمع قسم وشرط، وتأخر الشرط فحُذِف جوابه، وبقي جواب القسم في قوله: إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَىفتجد هذا الرجل من غروره -والعياذ بالله- أنه أكد بالقسم. وإِنَّواللام، القسم في قوله: لَئِنْ. وإِنَّفي قوله: إِنَّ لِي. واللام في قوله: لَلْحُسْنَى، فهو أكد أنه على فرض أن يرجع إلى الله فسيجد الحسنى، وهي الجنة كما قال المؤلف رحمه الله، وأخذ المؤلف هذا التفسير من تفسير النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس: ٢٦] حيث قال: إن الحسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله.
إذن هذا الرجل مغرور في غاية الغرور، أولًا: أنه أضاف النعمة التي حصلت له في الدنيا، أضافها إلى نفسه إما مباشرة هو الذي حصَّلها بدون الله، وإما لأنه مستحق لها فلا فضل لله عليه فيها، الغرور الثاني أنه أنكر البعث؛ لقوله: مَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً، الغرور الثالث أنه على فرض أن الساعة قائمة فسيجد عند الله ما هو أحسن إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى.
قال الله تعالى: فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ [فصلت: ٥٠] فَلَنُنَبِّئَنَّأي نُخبِرن، والفاء عاطفة، واللام موطئة للقسم المحذوف، والتقدير: فوالله لنُنبئن. إذن الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات: فَلَنُنَبِّئَنَّالمؤكد الأول: القسم، والثاني: اللام، والثالث: نون التوكيد في قوله: (لننبئن)، والضمير في قوله: (لننبئن) يعود على الله عز وجل، وعاد إليه بصيغة الجمع من باب التعظيم، وإلا فالله إله واحد.
فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُواأي بالذي عملوه، نخبرهم بذلك يوم القيامة، وكيفية هذا أن الله سبحانه وتعالى يُحصي أعمالهم يوم القيامة، فينادي عليهم على رءوس الأشهاد؛ لأنهم قد أخزاهم الله أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [هود: ١٨].
ثم يقول: وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍيعني بعد أن ننبئهم، ويقرون بذلك نذيقهم من عذاب غليظ؛ أي (شديد)، قال: (واللام في الفعلين لام قسم) أين الفعلان؟ (لننبئن) و(لنذيقن).
في هذه الآية والتي قبلها: بيان حال الإنسان الكافر، وهو كفره بنعمة الله عز وجل واعتزازه بنفسه؛ لقوله: وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي [فصلت: ٥٠]. فإن هذا يدل على كفره الشديد وإعجابه بنفسه واعتزازه بها.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى يرحم الكافر؛ لقوله: وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً، وبناءً على هذا لو سألنا سائل: هل الله يرحم الكافر؟ فالجواب: نعم، يرحمه، والدليل هذه الآية، ولكن اعلم أن رحمة الله تبارك وتعالى نوعان: رحمة خاصة، ورحمة عامة، فما به قوام البدن من الرحمة العامة، وما به قوام الدين من الرحمة الخاصة؛ الرحمة نوعان: عامة وخاصة، فما به قوام البدن عامة؛ لأنه يشمل المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والإنسان والحيوان، هذه رحمة عامة، وما به قوام الدين فهو الرحمة الخاصة، وهذا يختص بالمؤمنين، والفرق بينهما أن الرحمة العامة إنما هي غذاء البدن فقط وتزول بزواله، والرحمة الخاصة غذاء الروح تبقى ببقاء الروح، والروح منذ خلقها الله لا تفنى، الأرواح من الأشياء التي خُلقت للبقاء بخلاف الأجساد، فالأجساد قال الله: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ [الرحمن: ٢٦]، لكن الروح لا تفنى كالولدان في الجنة، والحور العين في الجنة خُلِقت للبقاء.
إذن نقول: الفرق بين الرحمة العامة والخاصة؛ الرحمة العامة غِذاء للأبدان فقط، وتنقضي بموت البدن، وأما الرحمة الخاصة فهي غذاء الأرواح، وتبقى دائمًا في الدنيا والآخرة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان فضل الله عز وجل على الكافر؛ لكون الرحمة التي أصابت الكافر من عند الله؛ لقوله: مِنَّا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إعجاب الكافر بنفسه، حيث يضيف هذه الرحمة التي هي مِن الله إلى نفسه؛ لقوله: هَذَا لِي، أو يضيفها إلى استحقاقه إياها فكأن الله لا مِنَّة له عليه على القول الثاني أن معنى قوله: هَذَا لِيهذا مستحق لي.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان عتو الكافر، حيث أنكر ما قامت الأدلة الشرعية والعقلية والحسية على ثبوته في قوله: وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً [فصلت: ٥٠].
الأدلة الشرعية على ثبوت قيام الساعة كثيرة لا تُحصى، الأدلة العقلية هو أنه ليس من الحكمة أن يُوجِد الله هذه الخليقة ويأمرها وينهاها ويُسلِّط بعضها على بعض بالسيف، فيقاتل المؤمن الكافر، ثم تكون النهاية لا شيء، هذا سفه، وقد أشار الله إلى ذلك في قوله: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ [المؤمنون: ١١٥]؛ أي فائدة لخلق يُوجَد ويُؤمر ويُنهَى ويُسلَّط بعضه على بعض في القتل العمد، ثم النهاية لا شيء؟! لا فائدة من هذا، وحِكمة الله تبارك وتعالى تأبى أن يقع مثل ذلك من الله، هذا دليل عقلي واضح، دليل عقلي يُوجب أن يُبعَث الناس ليجازوا على أعمالهم.
أما الدليل الحسي على ثبوت البعث وإمكانه وجوازه فالله تعالى يكرره في القرآن: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً [فصلت: ٣٩] يعني هامدة ليس فيها نبات فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ [فصلت: ٣٩] الْمَاءَالمطر اهْتَزَّتْ وَرَبَتْفصارت حية بعد أن كانت ميتة، قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌفإحياء الأرض من بعد موتها والناس يشاهدون دليل على إمكان إحياء الموتى وبعثهم، وهذا دليل واضح حسي ولَّا عقلي؟ حسي مشاهَد، كذلك أيضًا أشهدنا الله عز وجل في الدنيا إحياء الموتى، فلنستعرض هذا في القرآن:
المشهد الأول من؟ بنو إسرائيل قالوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [البقرة: ٥٥]. فأخذتهم الصاعقة وماتوا، ثم بُعِثوا. هذا في الدنيا.
المشهد الثاني: القتيل الذي اختلفت القبيلتان فيه، فأمرهم الله أن يذبحوا بقرة، وأن يضربوا القتيل ببعضها، ففعلوا فحيي القتيل وقال: إن الذي قتله فلان. إحياء بعد الموت.
المشهد الثالث: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ [البقرة: ٢٤٣]، خافوا من الموت، وخرجوا من ديارهم، فقال لهم الله: موتوا؛ فماتوا، ثم أحياهم، أماتهم ليعلموا أنه لا مفر لهم من قضاء الله، ثم أحياهم ليقضي أجلًا مسمى كم هذا من مشهد.
المشهد الرابع: صاحب القرية، مر على قرية وهي خاوية من عروشها فقال: أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ [البقرة: ٢٥٩].
المشهد الخامس: إبراهيم قال: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى [البقرة: ٢٦٠]، فأمره الله عز وجل أن يذبح أربعة من الطيور، ويجعل على كل جبل منها جزءًا، وأن يدعوها، ففعل، فأقبلت إليه حية إما أنها تطير أو تمشي بسرعة. هذه خمسة مشاهد مذكورة في البقرة كلها تدل على إمكان الإحياء بعد الموت.
أما قصة عيسى فكذلك أيضًا، كان عيسى عليه الصلاة والسلام يحيي الموتى بإذن الله، يقف على الميت ويقول: يا فلان قُم. ويقوم، بل يقف على القبر، الميت مدفون ويأمره أن يخرج حيًّا فيخرج كما قال تعالى: وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي [المائدة: ١١٠]، وفي الدجال أخبرنا النبي عليه الصلاة والسلام أنه يقطع رجلًا جزلتين، ويمر بينهما، ثم يقف ويأمره أن يُقبِل، يأمر هذا الميت القطعتين أن يُقبل فيلتئم حالًا ويقوم، والناس ينظرون، هذا أيضًا شاهد محسوس، فالمهم أن البعث دل عليه السمع والعقل والحس. هذا الكافر يقول: مَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً [الكهف: ٣٦].
من فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: أن هذا الكافر عنده من العُجب والثقة بنفسه على أنه ليس له شيء يثق به ما أمكنه أن يقول: وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى [فصلت: ٥٠].
ومن فوائد الآية: أن الإقرار بالربوبية لا يُدخل الإنسان في الإسلام؛ لأن هذا المنكر مُقر بالربوبية، من أين نأخذه؟ وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّيوالمشركون كانوا مُقرِّين بالربوبية وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ [الزخرف: ٩] لكن الإقرار بالربوبية لا يُغني عن الإنسان شيئًا، ولقد فخر بعض الناس الجهال أن أحد رواد الفضاء شهد بأن لهذا الكون خالقًا، لما صعِد في الفضاء ورأى الأرض، ورأى ما حوله من الآيات شهد بأن لها خالقًا، فصار بعض الناس الجهال يُطنطن على إثبات أن للكون خالقًا بشهادة هذا الرجل الكافر، وهذا حقيقةً يدل على ضعف إيمانه؛ لأن خبر الله ورسوله عن ذلك أصدق وأوجب للإيمان، نعم، لو كُنَّا نجادل شخصًا مُنكِرًا لا يؤمن بالأديان، فنقول له: صاحبك الذي هو مثلك أقر بأن للكون خالقًا ربما ينفع، فيكون هذا من باب إقامة حُجته عليه لكننا نجعل هذا حجة مطلقة، ففيه نظر.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التأكيد على أن هؤلاء الكافرين سوف يُخبرون بما عملوا؛ لقوله: فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا [فصلت: ٥٠]، متى هذا؟ يكون يوم القيامة.
فإن قال قائل: هل لهذا القيد مفهوم؟ أو هو لبيان الواقع فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا؟
فالجواب: لبيان الواقع، ليس له مفهوم؛ لأنك لو جعلت له مفهومًا لكان المؤمنون لا يُنبئون بما عملوا مع أنهم ينبئون، قال الله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ [الزلزلة: ٧]. وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّ الله يخلو بعبده المؤمن فيُقَرِّرُه بذنوبِه: عملت كذا في يوم كذا . إذن تقييد الإنباء بالكافر لبيان الواقع يعني هؤلاء الذين كذبوا واقعهم أنهم سيُنبئون بما عملوا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن كل شيء مُقيَّد محفوظ على الإنسان، نأخذه من قوله: بِمَا عَمِلُوا [فصلت: ٥٠]، فإن مَااسم موصول تفيد العموم، وقد قال الله تعالى: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق: ١٨] أي: قول تلفظ به فلديك رقيب حاضر عتيد؛ يعني حاضر يكتب ما تقول.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن عذاب هؤلاء الكفار سيكون غليظًا أي شديدًا؛ لأن الغِلظة معناها القسوة، وهي في كل موضع بحسبه فغلظ الطباع ليس كغلظ الطين أو العجين أو ما أشبه ذلك، غِلظ العذاب ليس كغِلظ الطين والعجين، وغِلظ القول وما أشبه ذلك، كل غِلظة بحسبها.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العذاب في الآخرة وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ [فصلت: ٥٠]، فهل هناك عذاب قبل الآخرة؟ الجواب: نعم، يعذب الإنسان في قبره قبل أن يبعث، وهذا ثابت في القرآن والسنة، استمع إليه في القرآن، قال الله تعالى: وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ [الأنعام: ٩٣].
فقوله: أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُيدل على أنهم شحيحون في أنفسهم، لا يريدون أن تخرج؛ ولهذا يقال: أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُتوبيخًا. ثم يقال لهم: الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ [الأنعام: ٩٣] متى اليوم؟ يوم موتكم تجزون عذاب الهون، وهذه نص في إثبات عذاب القبر.
وقال الله تبارك وتعالى عن آل فرعون: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر: ٤٦].
وأما السنة فطافحة بذلك وكثيرة، ومنها ما أجمع المسلمون عليه، فكل المسلمين يقولون في الصلاة، أعوذ بالله من عذاب جهنم ومن عذاب القبر. وهل يتصور أن أحدًا يتعوذ من شيء إلا وهو يؤمن بوجوده؟ أجيبوا؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا يتصور، إذن فعذاب القبر ثابت بالقرآن والسنة والإجماع، وعليه فيكون العذاب المذكور في قوله: وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ [فصلت: ٥٠] هو عذاب الآخرة، وهو أشد من عذاب القبر، أجارنا الله وإياكم من ذلك.
الطالب: (...).
الشيخ: إي نعم، لا، ما يصلح، إضافة العمل إلى النفس جائز حتى إن الرسول عليه الصلاة والسلام قال في عمه أبي طالب قال: «لَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ» . لكن الإنسان يضيفه إلى نفسه بمعنى كما قال هذا الكافر: هَذَا لِيهذا بعملي، أو أتاني من الله؛ لأني مستحق له هذا هو الممنوع.
***
طالب: وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ (٥١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٢) سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣) أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ [فصلت: ٥١ - ٥٤].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِيعني أعطيناه نعمة، والنعمة تدور على شيئين: على حصول المطلوب، وعلى النجاة من المرهوب، فمن سقط في بحر، ثم هيأ الله له من ينقذه من الغرق فتلك نعمة، وكذلك أيضًا من رزقه الله مالًا وولدًا، هذه نعمة، فالنعمة إما انتفاء نقمة، وإما حصول محبوب للإنسان.
وقوله: عَلَى الْإِنْسَانِيقول المؤلف: المراد (الجنس)، يعني ليس المؤمن ولا الكافر بل هذا الوصف يكون من المؤمن، ويكون أيضًا من الكافر، قلتم الآن: أنه بقي علينا فوائد: أي آيات؟
قال الله تبارك وتعالى: لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ [فصلت: ٤٩].
مِن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان شحيح، وأنه حريص على الخير، شحيح ببذل ما يطلب منه.
ومن فوائدها: أن الإنسان يحب الخير دائمًا؛ لقوله: لَا يَسْأَمُمِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ، وهذا بطبيعة الإنسان أنه يحب الخير وهو ما يلائم نفسه ومراده.
ومن فوائدها: أن الإنسان الذي ليس عنده إيمان إذا مسه الشر يئس وقنط من رحمة الله.
ومن فوائدها: ذم أهل اليأس والقنوط من رحمة الله عز وجل؛ لأن الله تعالى ساق هذا مساق الذم.
ومن فوائد الآية: أنه لا ينبغي للإنسان أن يُغَلِّب جانب اليأس والقنوط، كما أنه لا يُغَلِّب جانب الرحمة؛ لأنه إن غَلَّب جانب الرجاء والرحمة فإنه يدخل فيمن لا يأمن مكر الله، وإن غلَّب جانب اليأس والقنوط دخل في أهل اليأس والقنوط.
وهل الذي ينبغي للإنسان أن يُغلِّب الرجاء أو يُغلِّب الخوف؟ اختلف السالكون إلى الله عز وجل في هذا؛ فمنهم من قال: ينبغي أن يُغَلِّب جانب الخوف ليحذر المعاصي ويتجنبها؛ لأنه إذا غلب جانب الخوف خاف وحذر من المعاصي.
ومنهم من قال: يُغلِّب جانب الرجاء؛ لأن الله تعالى عند حُسن ظن عبده به، وإذا غَلَّب الرجاء ابتعد عن اليأس والقنوط.
ومنهم من قال: إنه ينبغي ألا يُغلِّب هذا على هذا، وأن يجعل خوفه ورجاءه واحدًا، قال الإمام أحمد رحمه الله: ينبغي أن يكون خوفه ورجاؤه واحدًا، فأيهما غلب هلك صاحبه.
وقال بعضهم: ينبغي للإنسان أن يكون بين الخوف والرجاء كالطائر بين جناحيه إن انخفض أحدهما سقط. وقال بعض أهل العلم: ينبغي أن يُغلب جانب الرجاء عند فعل الطاعة، فيرجو القبول والثواب، ويغلب جانب الخوف عند الهم بالمعصية حتى لا يعصي الله عز وجل.
ومن العلماء من يقول: يُغلِّب جانب الرجاء عند المرض حتى إذا مات لقي الله وهو يُحسِن به الظن، وفي حال الصحة يُغلِّب جانب الخوف؛ لأن حال الصحة يدعو الإنسان إلى البطر والأشر بل يُغلِّب جانب الخوف.
كل هذه الأقوال التي تبلغ ستة أو سبعة كلها في الواقع تنظر إلى حال العبد؛ ولهذا نرى في هذه المسألة أن الإنسان ينظر إلى حاله، فإن كان قد عمل عملًا صالحًا وكدح فيما يرضي الله فليُغَلِّب جانب الرجاء، كلما عمل طاعة غلب جانب الرجاء؛ أن الله سبحانه وتعالى تجاوز عنه، أن الله تعالى قبلها وسيُثيبه، وإذا رأى من نفسه العلو والتعاظم فليُغلِّب جانب الخوف حتى يسير إلى الله تعالى سيرًا حسنًا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة، وهي قوله تعالى: وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي [فصلت: ٥٠]، من فوائدها: أن من عباد الله من لا يشكر الله عز وجل، ولا يعترف له بالفضل، فإذا جاءته الرحمة بعد الضراء ادعى أن هذا بعمله، وأنه محقوق به، وأهْل له؛ لقوله تبارك وتعالى: وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُإلى آخره [فصلت: ٥٠].
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الرحمة إنما هي من الله عز وجل، لا يستطيع الإنسان أن يجلب لنفسه نفعًا، ولا أن يدفع عنها ضررًا بل ذلك إلى الله، ولكن الله قد جعل لكل شيء سببًا؛ فللرحمة أسباب، وللعذاب أسباب.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان حال هذا الإنسان الذي إذا أصابته الرحمة والخير، قال: هَذَا لِيثم ادعى دعوى أخرى أنه لو رجع إلى الله لوجدَ عنده خيرًا من ذلك مع أنه ينكر قيام الساعة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإقرار بالربوبية لا يكفي في توحيد الإنسان وإيمانه؛ لأن هذا الرجل قد أقر بالربوبية في قوله: رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي [فصلت: ٥٠].
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تهديد من هذه حاله بأن الله سبحانه وتعالى سوف يقرره بذنوبه ويذيقه من العذاب الغليظ؛ لقوله: فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا [فصلت: ٥٠].
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإظهار في موضع الإضمار في موضعه خير من الإضمار؛ يعني إذا دار الأمر بين أن تأتي بضمير المتحدث عنه، أو باسم ظاهر فإن الأصل أن تأتي بالضمير، لكن إذا صار هناك فائدة في الإظهار في محل الإضمار فهو أولى وأحسن، الإظهار في موضع الإضمار في قوله: فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواولو أضمر لقال: فلننبئنه، لكنه أظهر في موضع الإضمار، الإظهار في موضع الإضمار ذكرنا أن فيه ثلاث فوائد من يحفظها؟
الطالب: (...).
الشيخ: بيان الصفة أو الوصف الذي استحق من أجله أن يُعاقَب بهذه العقوبة، الثاني؟
الطالب: (...).
الشيخ: يعني معناه التسجيل عليهم بالكفر، التسجيل على من هذه حاله بالكفر.
الطالب: بيان العموم.
الشيخ: نعم، بيان العموم؛ يعني أن هذا الوعيد ليس لهذا الرجل وحده بل لكل كافر، هذا بالنسبة للآية التي معنا، ففي الإظهار في موضع الإضمار هذه الفوائد، فيه أيضًا فائدة رابعة وهي: انتباه المخاطب؛ لأن الكلام إذا كان على نسق واحد بضمائره ومظهراته فإن الإنسان لا ينتبه، لكن إذا جاء شيء يُخرج الكلام عن سياقه فإنه لا بد أن ينتبه.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات البعث؛ لقوله: فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ [فصلت: ٥٠].
ومن فوائدها: عموم علم الله عز وجل؛ لأن المنبئ بالعمل لا بد أن يكون عالمًا به.
ومن فوائد الآية الكريمة: بيان عظمة الله سبحانه وتعالى، حيث أضاف الضمائر إليه بصيغة الجمع، والجمع للواحد يُراد به التعظيم.
ثم قال الله تعالى: وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ [فصلت: ٥١]، المراد بالإنسان هنا الجنس كما قال المؤلف؛ يعني أن جنس الإنسان بالنظر إلى كونه إنسانًا فقط هذه حاله، إذا أنعمنا على الإنسان أعرَض عن الشكر، وما هو الشكر؟ الشكر حقيقةً هو طاعة الله عز وجل، هذا هو الشكر، ويكون بالقلب، وباللسان، وبالجوارح.
ويدل على أن الشكر هو طاعة الله قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا، وَقَالَ لِلْمُؤْمِنِينَ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ» . فجعل النبي صلى الله عليه وسلم الشكر لله هو العمل الصالح؛ يعني القيام بطاعة الله، فالشكر إذن هو القيام بطاعة الله، ويكون بالقلب، ويكون باللسان، ويكون بالجوارح؛ أما بالقلب فهو شعور الإنسان بأن هذه النعمة من الله سبحانه وتعالى، وأنه لولا فضل الله ما حصلت له فيقر بقلبه، ويعترف أن ذلك من عند الله وليس بحوله وقوته، وأما اللسان، الشكر باللسان، فالتحدث بنعمة الله عز وجل اعترافًا بفضله لا افتخارًا على خلقه، بأن يقول: الحمد لله، قد رزقني الله أموالًا وأولادًا وعِلْمًا وجاهًا وما أشبه ذلك، ومن الشكر باللسان جميع الطاعات القولية فإنها من الشُّكر باللسان، فقراءة القرآن، الأخ هل هي من الشكر أو لا؟
الطالب: نعم.
الشيخ: من الشكر؛ لأن كل طاعة باللسان فهي من شكر الله عز وجل، الشكر بالجوارح العمل كالركوع، والسجود، والقيام، والقعود، والصدقة، وما إلى ذلك، وفي هذا يقول الشاعر:
| أَفَادَتْـــــكُمُ النَّعْــــمَـــاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً | يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَ الْمُحَجَّبَا |
يقول الله عز وجل: وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ [فصلت: ٥١]، يقول المؤلف في تفسير: نَأَى بِجَانِبِهِ(أي ثنى عطفه متبخترًا)؛ يعني أعرض ببدنه وبقلبه مُفتخرًا مُتعاظِمًا، هذا بالنسبة لحاله، بالنسبة لما يطلب منه من الشكر: يعرض ولا يشكر الله عز وجل، وهذه حال كثير من بني آدم؛ ولهذا عمَّمها الله، قال: إِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ؛ لأن أكثر بني آدم على هذا الحال.
وقوله: نَأَىأنا عندي {نَاءَ بِجَانِبِهِ} (وفي قراءة بتقديم الهمزة) في قراءة سبعية، واعلم أن اصطلاح المؤلف رحمه الله أنه إذا قال: (وفي قراءة) فهي سبعية؛ أي من القراءات السبع، وإذا قال: (وقرئ) فهي من القراءات الشاذة، إذن (ناء) و(نأى) معناهما واحد كـ(أيس) و(يئس) بتقديم الهمزة وتأخيرها، ومعناهما واحد أيِس من كذا، يئس من كذا، معناهما واحد، ناء بكذا، أو نأى بكذا؛ معناهما واحد، والمقصود أنه كما قال المؤلف: (ثنى عطفه وانصرف متبخترًا ومتعاظمًا).
وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ [فصلت: ٥١] أقبل فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ(أي كثير)، إذا مسه الشر لجأ إلى الله وأطال الدعاء وأكثر منه. وانظروا ما حكى الله سبحانه وتعالى عن المشركين إذا كانوا في البحر، وهاج البحر دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ [يونس: ٢٢] ولكنهم يعدون ويكذبون، إذا أنجاهم عادوا إلى الكفر والعياذ بالله.
إِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ.
يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن الإنسان من حيث هو إنسان بطر عند النَّعْماء لكنه مُقبِل عند الضراء؛ لقوله: وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ.
ومن فوائدها: أن ما يتمتع به الإنسان من النعيم فإنما هو من عند الله؛ لقوله: وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ.
ومن فوائدها: التحذير من هذه الحال، فإذا رأى الإنسان من نفسه أنه عند النعمة يفرح ويبطر ويتهاون بما أوجب الله عليه فليعلم أنه داخل في هذا الإنسان المذموم.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان يعرف من نفسه الضعف إذا أصابه الضرر، ويلجأ إلى الله، حتى الكافر يعرف من نفسه الضعف، ويلجأ إلى الله عز وجل.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكفار يؤمنون بالله، وبأنه هو كاشف الضر؛ لقوله: فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ [فصلت: ٥١]، الإعراض في قوله: إِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِهذه جملة شرطية، فأين الجواب؟ الأخ، أنت؟ وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِأنت رفعت اليد اليُسرى، وهذا ليس من الأدب؛ ولذلك سوف يكون تعزيرك بحرمانك من الإجابة.
طالب: أعرض ونأى بجانبه.
الشيخ: أَعْرَضَهذا الجواب. وَنَأَى بِجَانِبِهِمعطوف عليه، هذا صحيح، وأين الجواب في قوله: وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ؟
الطالب: فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ.
الشيخ: فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ. فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍأين عاملها؟
الطالب: (...).
الشيخ: مُقدَّر؟ قلها على التقدير؟
الطالب: (...).
الشيخ: فهو ذو دعاء عريض. لماذا اقترنت الفاء بجواب الشرط؟
الطالب: (...).
الشيخ: لأن جواب الشرط جملة اسمية، وإذا كان جواب الشرط جملةً اسمية وجب قرنها بالفاء، ولا تسقط إلا نادرًا، ما هي الجمل التي إذا وقعت جوابًا للشرط فإنها تقترن بالفاء؟
طالب: (...) اسمية طلبية.
الشيخ: مجموعة في قول الناظم:
| اسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّةٌ وَبِجَامِدٍ | وَبِلَنْ وَقَدْ وَبِالتَّنْفِيسِ |
نعم، إذا وقع جواب الشرط جملةً من هذه الجمل السبع وجب اقترانه بالفاء، ولا تُحذف إلا نادرًا مثل قول الشاعر:
| مَنْ يَفْعَلِ الْحَسَنَاتِ اللَّهُ يَشْكُرُهَا | ............................ |
الأصل: من يفعل الحسنات فالله يشكرها. لكنها سقطت، فإما لضرورة الشعر، وإما للقلة؛ لأنها تسقط حتى في النثر لكن ذلك قليل.
المهم افهموا الآن: أنه متى وقعت جملة الجواب إحدى هذه الجمل، فإنه يجب اقترانها بالفاء.
ثم قال الله تبارك وتعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [فصلت: ٥٢] كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ [فصلت: ٥٢] قُلْ أَرَأَيْتُمْأَرَأَيْتُمْبمعنى أخبروني. وقوله: إِنْ كَانَيعني (القرآن) من عند الله وكفرتم به وأنكرتم أن يكون من عند الله مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ [فصلت: ٥٢] أصل الجملة: من أضل منكم، أرأيتم إن كان من عند الله، وتبين لكم أنه من عند الله، ثم كفرتم به مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍالأصل: من أضل منكم، ولكنه أظهر في موضع الإضمار لفائدة نذكرها إن شاء الله.
قوله: إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِأي القرآن، وتبين لكم ذلك واتضح، ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ [فصلت: ٥٢] أتى بـ(ثم) الدالة على الترتيب والتراخي إشارة إلى أن هؤلاء أنكروا وكفروا بعد التروِّي، وبعد المدة التي يؤمن بها من أراد الإيمان ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ.
وقوله: بِهِالضمير يعود على القرآن، ويجوز أن يكون عائدًا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه هو الذي نزل عليه القرآن.
مَنْ أَضَلُّقال المؤلف: (أي لا أحد أضل) إشارة إلى أن الاستفهام هنا بمعنى النفي، واعلم أن الاستفهام يأتي بمعنى النفي كثيرًا، وإتيانه في موضع النفي أعظم من النفي؛ لأنه إذا أتى الاستفهام في موضع النفي صار مُشْربًا معنى التحدي كأنه قال: أروني أحدًا أضل. وهذا لا شك أنه مشتمل على النفي وعلى التحدي.
وقال: مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍمَنْهذه مبتدأ اسم استفهام مبتدأ وأَضَلُّخبره. مِمَّنْ هُوَأي من الذي هُوَ فِي شِقَاقٍ(خلاف) بَعِيدٍبل الشقاق أخص من الخلاف؛ لأنه قد يخالفك ولا يشاقك لكن هؤلاء خالفوا وشاقوا.
وقوله: بَعِيدٍأي (بعيد عن الحق أوقع هذا موقع منكم بيانًا لحالهم) (أوقع هذا) يريد مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ(موقع منكم) أي: موقع الضمير فهو إظهار في موضع الإضمار؛ لبيان حالهم؛ أي: بيان أنهم هم أضل من كل أحد، وأن حالهم الشِّقاق البعيد، ففيه إظهار في موضع الإضمار، وعبدالله يبين لنا فائدة الإظهار في موضع الإضمار؟ يلَّا.
طالب: ذكر قبل قليل.
الشيخ: لا تقول: ذكر قبل قليل معناه أنك أعدت ما قيل.
الطالب: (...) الإظهار في موضع الإضمار؟
الشيخ: إي نعم، فائدته؟
الطالب: فائدته منها: بيان الصفة التي يستحقها المتحدث عنه مثل (...) على هؤلاء (...).
الشيخ: تمام.
الطالب: ومن فوائده أيضًا: بيان العموم يعني أن كل من فعل هذا فإن هذا..
الشيخ: الوصف ينطبق عليه، نعم أحسنت، ثلاثة؟
الطالب: ومن فوائده أيضًا.
الشيخ: الآن نحتج عليك بقولك: تقدم قبل قليل.
الطالب: التنبيه.
الشيخ: زين، تنبيه المخاطب حيث صار السياق على خلاف ما كان يتوقع، وهذا يؤدي إلى تنبهه.
مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍفي هذه الآية فيها فوائد:
أولًا: تحدي هؤلاء المكذبين للرسول صلى الله عليه وسلم الكافرين بالقرآن، وأنهم بعد أن علموا الحق كفروا به.
من فوائدها: أن القرآن كلام الله؛ لقوله: أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وجه ذلك: أن القرآن وصْف وصفة لا بد أن يقوم بموصوف، وإذا كان من عند الله لزم أن يكون الموصوف به هو الله عز وجل، انتبه يا أخ، الآن هذه الآية فيها دليل على أن القرآن كلام الله وجه ذلك: أن القرآن وصف؛ لأنه كلام، والوصف لابد أن يقوم بموصوف، وإذا كان من عند الله فمن الموصوف به؟ هو الله عز وجل، وهذا ما نؤمن به، ويؤمن به السلف، أهل السنة والجماعة بأن القرآن كلام الله، تكلم به حقيقة بحروفه وسَمعه منه جبريل، وألقاه على قلب النبي صلى الله عليه وسلم.
يرى أهل التعطيل أن القرآن كلام الله لكنه مخلوق، ليس وصفًا من صفاته بل هو مخلوق من مخلوقاته، وهذا رأي الجهمية والمعتزلة، هذا الرأي يبطل الأمر والنهي، ويبطل الشريعة كلها؛ لأنه إذا كان كذلك صار مجرد أصوات أو مجرد حروف لا مدلول لها كما نسمع صوت الرعد مثلًا، لا نستفيد منه شيئًا، إنما هو شيء يُسمع فقط وليس له معنى، أو حروف خُلِقت على هذا النحو كأنها نقْش في جدار أو في باب، نُقوش ليس لها معنى؛ ولهذا يُعتبر هذا القول من أشد الإلحاد؛ لأنه تبطل به الشريعة تامة، فمثلًا (قل) إذا قلنا إنها مخلوقة إن رسمتها في ورقة، صارت صورة كلمة فقط كأنها نقش؛ لأنها ما هي كلام، وإن تكلمت بها فالصوت مخلوق، بل والله عز وجل حين تكلم بها وأوحاها إلى جبريل يُعتبر خلق صوتًا ليس له معنى؛ لأنه مخلوق من المخلوقات.
والله عز وجل فرَّق بين الخلق والأمر، فقال: أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [الأعراف: ٥٤] وقال: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا [الشورى: ٥٢] ولَّا من خلقنا؟ من أمرنا، فالقائلون بأن القرآن كلام الله لكنه مخلوق قد عطلوا الشرائع نهائيًّا؛ إذ إنه ليس هناك أمر ولا نهي.
وهناك قول آخر للأشاعرة يقولون: إن القرآن كلام الله لكنه -أي الكلام- هو المعنى القائم بنفسه، أما ما سمعه جبريل فإنه مخلوق، فالقرآن عندهم كلام الله، لكن كلام الله هو المعنى القائم بنفسه، وأما ما يُسمع من الله عز وجل كمناجاته موسى، وكلامه بالوحي إلى جبريل فإنه مخلوق عبارة عن المعنى القائم بالنفس، هذا المعنى أشد وأخبث من قول المعتزلة لماذا؟ لأن المعتزلة يقولون: ما نقرؤه في المصاحف كلام الله حقًّا. والأشاعرة يقولون: عبارة عن كلام الله وليس كلام الله، والكل متفقون على أن ما نقرؤه في المصاحف مخلوق لكن المعتزلة يقولون: هو كلام الله، والأشعرية يقولون: عبارة عن كلام الله، فصاروا من هذه الناحية أخبث وأشر من المعتزلة والجهمية، أما نحن فنؤمن بأن ما كُتب في المصاحف وحُفظ في الصدور فإنه كلام الله، وهو غير مخلوق.
فإن قال قائل: أرأيت القارئ يقرأ، نسمع صوته بالقراءة، هل هذا الصوت مخلوق أو غير مخلوق؟
فنقول: هو مخلوق؛ لأن صوت الإنسان وَصْف من أوصافه، فهو مخلوق كأصله، لكن الملفوظ به والْمُصَوَّت به غير مخلوق، وهناك فرق بين الصوت والنطق وبين الْمُصَوَّت به والمنطوق به، أليس كذلك؟
أنا لو قرأت كتابًا ألفه عالم من العلماء فأنا أقرؤه، الصوت صوتي لكن المقروء للعالِم الذي كَتَبَ الكتاب؛ ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله في كتاب العقيدة الواسطية: الكلام إنما يُضاف حقيقةً إلى من قاله مبتدئًا لا إلى ما قاله مُبَلِّغًا مُؤديًا. فصار لو أراد الإنسان يستفصل هل لفظ الإنسان بالقرآن مخلوق أو لا؟ ماذا نقول؟
نقول: لفظه الذي هو تلفُّظه مخلوق؛ لأنه حركات لسانه وشفتيه وصوته، وأما الملفوظ به فإنه كلام الله غير مخلوق؛ ويدل لهذا أن الله تعالى قال في القرآن الكريم: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ [التكوير: ١٩، ٢٠] من الرسول هنا؟ جبريل. وقال إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ [الحاقة: ٤٠، ٤١] من الرسول هنا؟ محمد عليه الصلاة والسلام، ولا يمكن أن يكون كلام واحد لمتكلمين اثنين لكن أضافه إليهما؛ لأنهما رسولان مُبَلِّغان عن الله؛ ولهذا قال: لَقَوْلُ رَسُولٍفي الآيتين، فتنبه لهذا وتفطن له.
ذكر عن الإمام أحمد رحمه الله: أن من قال: لفظي بالقرآن مخلوق؛ فهو جهمي ومن قال: غير مخلوق؛ فهو مبتدع. هكذا رُوِي عنه.
وفي رواية من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، يريد القرآن؛ فهو جهمي، ومن قال: غير مخلوق؛ فهو مبتدع. فالرواية الثانية عنه فسرت الرواية الأولى؛ أي: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق يريد القرآن الذي هو الملفوظ به. فإن قال قائل: هل يمكن أن يُراد باللفظ الملفوظ؟
قلنا: نعم؛ لأن لفظ مصدر، والمصدر يأتي أحيانًا بمعنى اسم المفعول كما في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» . و«رَدٌّ» بمعنى مردود، وكما في قوله تعالى: وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ [الطلاق: ٦] أي أولات محمول، فالحمل مصدر ويراد به اسم المفعول.
على كل حال نحن نقول في كلام الله عز وجل: إنه كلام مسموع بحرف وصوت، وأنه غير مخلوق، وأنه صفة من صفاته..





