تفسير الآيات (1-3)
تفسير الآية (4)
تفسير الآيات (1-3)
00:00:02
قبل أن نبدأ بالتفسير أحبُّ أن أحثَّ طلابَ العلم على تعلُّم تفسير القرآن؛ لأنَّ القرآن أشرفُ كتابٍ وأعظمُ كتابٍ؛ فإنَّه كلام الله عز وجل، تكلَّم به حقيقةً، وسمعه جبريل فألقاه إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثم إنَّ هذا شأنُ الصحابة رضي الله عنهم، فقد كانوا لا يتجاوزون عشر آياتٍ حتى يتعلَّموها وما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلَّمْنا القرآنَ والعِلْم والعَمَل جميعًا . تعلَّموا القرآنَ والعِلمَ والعَمَل.
ومن المعلوم أنَّ الإنسان إذا قرأ القرآن بدون معرفةٍ لمعناه فإنَّه لا يستفيد منه شيئًا؛ كما لو قرأ كتابَ فقهٍ أو كتابَ طبٍّ أو كتابَ أدبٍ وهو لا يعرف المعنى فإنَّه لا يستفيد من هذا شيئًا، أهمُّ شيءٍ في القرآن أن تتدبَّر آياته وتتَّعظ بها؛ كما قال الله تعالى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [ص: ٢٩].
يوجد بعضُ الناس تميل نفسُه إلى فنٍّ من فنون العلم ويُهمِل القرآن، لو ناقشتَه في أقلِّ معنًى للآيات وجدتَه ليس عنده منها خبرٌ ولا وَقَف منها على علم ولا أَثَر، وهذا نقصٌ كبيرٌ في العلم، أصلُ المعلومات وأهمُّها وأشرفُها وأجلُّها هو تعلُّم القرآن الكريم، ولذلك تنبغي العنايةُ به.
واعلمْ أنَّ القرآن الكريم لم ينزل على أنَّه كتابُ نحوٍ أو كتابُ صرفٍ أو كتابُ فلَكٍ أو ما أشبه ذلك، إنما نزل ليستقيم العبدُ في معاملته مع الله ومعاملته مع الخلْق، ولذلك تجد القرآن الكريم لا يعتني كثيرًا بالآيات الكونية الفلَكية وإنما يُشير إليها إشارةً، لكنَّه في الأحكام الشرعية يأتي فيها بالتفصيل والبيان، ولقد حاولَ بعضُ المتأخِّرين أن يُنَزِّل المعلومات الكونية الفلكية والأرضية، حاولَ أن يجعل القرآنَ دالًّا عليها بالتفصيل، فصار يسوق الآيات ويتكلَّف في معناها ليُخضِعها إلى موافقة ما قيل عن علم الفَلَك والأرض، وهذا غلطٌ؛ لأنَّ القرآن إنما نَزَل لهداية الخلْق في العبادات والمعاملات، وما أتى فيه من كلامٍ عن الأمور الكونية فهذا أتى على وجهٍ إجماليٍّ التفصيلُ فيه قليلٌ إن كان هناك تفصيل، فليعتنِ طالبُ العلم بتفسير كلام الله عز وجل.
ثم نبدأ درسَ اليوم، يقول: (سورة الشورى)، ويُقال: (سورة شورى)، يُقال هذا وهذا؛ أمَّا (الشورى) فـ(أل) فيها للبيان، وأمَّا (شورى) فهي مأخوذة من قوله: وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ [الشورى: ٣٨] وليس فيها (أل)، فهذه السورة تُسَمَّى (سورة شورى) و(سورة الشورى).
يقول: (مكيَّة) ما معنى مكية؟ هل المراد ما نزل بمكة، أو المراد ما نزل قبل الهجرة؟
المراد الثاني، ما نزل بعد الهجرة ولو في مكة فهو مدني؛ كقوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [المائدة: ٣] هذه نزلتْ في عرفة والنبيُّ صلى الله عليه وسلم واقفٌ بعرفة، وما نزل قبل الهجرة ولو في الأسفار أو في أيِّ مكانٍ فإنه مكِّيٌّ؛ إذَن الحد الفاصل بين السور المكية والمدنية هو الهجرة.
يقول: (إلا قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ [الشورى: ٢٣] الآيات الأربع). استثنى المؤلف رحمه الله من هذه السورة هذه الآيات الأربع؛ يعني أنها مدنية وبقيَّة السورة مكية، ولكن لاحِظوا أنَّ أيَّ إنسانٍ يستثني آياتٍ من سورة مدنية لتكون هذه الآياتُ مكيةً أو بالعكس فإنَّنا نُطالبه بالدليل، وإلا فالأصل أنَّ السورة المكية مكيةٌ بجميع آياتها، وأنَّ السورة المدنية مدنيةٌ بجميع آياتها.
قد يقول قائل: الشاهد مثلًا أو الدليل أنَّ أسلوب الآيات المدنية يختلف عن أسلوب الآيات المكية.
نقول: هذا لا يكفي.
قد يقول -مثلًا- قائلٌ: الدليل على الاستثناء أنَّ هذه الآيات -مثلًا- تبحثُ في الفروع؛ في فروع الدين، وهذه علامةٌ على أنها مدنية؛ لأنَّ غالب السور المكية تبحث في أصول الدين.
نقول: هذا ليس بدليل. وعلى هذا فالأصل أنَّ هذه السورة أيش؟ مكيةٌ بجميع آياتها حتى يقوم دليلٌ واضحٌ على أنَّ هذه الآيات التي استثناها المؤلفُ مدنية.
ثم اعلمْ أنَّ جميع السور المبدوءة بالحروف الهجائية مكيةٌ إلا سورتين هما: البقرة وآل عمران، والباقي كلُّه مكيٌّ.
ثم قال: (ثلاثٌ وخمسون آية). الآية هي عبارة عن جملةٍ من القرآن الكريم انفصلتْ عمَّا قبلها، انفصالًا معنويًّا أو انفصالًا توقيفيًّا؟ انفصالًا توقيفيًّا؛ يعني أنَّ الآيات فصلُ هذه عن هذه بالتوقيف، وليس تابعًا للمعنى، ولهذا تجدون قول الله تبارك وتعالى: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ [الماعون: ٤، ٥] هاتان آيتان، مع أنَّ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَمرتبطةٌ تمامًا بقوله: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ، المهمُّ أنَّ فصل آيةٍ عن آيةٍ إنما هو بالتوقيف.
كذلك أيضًا وضْعُ الآيات بعضها إلى بعض هو أيضًا توقيفيٌّ ليس للرأي فيه مجالٌ وليس لأحدٍ فيه أيُّ عملٍ، بل هو توقيفيٌّ؛ إذا نزلت الآية قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ضَعُوا هَذِهِ الْآيَةَ فِي مَكَانِ كَذَا مِنْ سُورَةِ كَذَا» .
فصار الآن فصلُ الآيات بعضها عن بعض..
طلبة: ترتيبها.
الشيخ: طيب، ترتيبها توقيفيٌّ.
أمَّا السُّوَر فبعضها ترتيبه توقيفيٌّ وبعضها ترتيبه غير توقيفيٍّ؛ فمثلًا البقرة وآل عمران ترتيبها توقيفيٌّ، آل عمران بعد البقرة، ولا يُشكِل عليك حديث حذيفة أنَّه صلى مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم ذات ليلةٍ، فقرأ بالبقرة، ثم قرأ بالنساء، ثم قرأ بآل عمران ؛ لأنَّ الترتيب النهائي أنَّ آل عمران بعد البقرة، ويكون حديثُ حذيفة قبل الترتيب النهائي، ولهذا تجدون في الحديث أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم يَقرن دائمًا بين البقرة وآل عمران؛ كقوله: «اقْرَؤُوا الزَّهْرَاوَيْنِ» ؛ يعني: البقرة وآل عمران.
فصار عندنا الآن ترتيب السُّوَر بعضُه؟
طالب: توقيفي.
الشيخ: وبعضه غير توقيفي. ترتيب الآيات؟
الطلبة: توقيفي.
الشيخ: توقيفي. تفصيل الآيات؟
الطلبة: توقيفي.
الشيخ: توقيفي، طيب.
وإنما سُمِّيت القطعة أو الجملة من القرآن آيةً لأنها معجزةٌ؛ يعني الآية الواحدة لا يستطيع أحدٌ أن يأتي بمثلها؛ لا في موضعها، ولا في صيغتها، ولا في مدلولها.
قال الله تعالى: حم (١) عسق [الشورى: ١، ٢] هذه خمسة أحرف: حاء، ميم، عين، سين، قاف. خمسة أحرف، لكنَّها أحرف هجائيَّة؛ يعني هي مثل ألِف، باء، تاء، ثاء، جيم، حاء، خاء. هذه حاء، ميم، عين، سين، قاف. ليس لنا أن نتكلَّم لماذا اختار الله عز وجل هذه الحروفَ بعينها دون غيرها، هذا ليس إلينا، ولا يمكننا أن نحيط بذلك علمًا، لكنْ لنا أن نسأل: هل لهذه الحروف معنًى أو ماذا؟
المؤلف يقول: (الله أعلم بمراده به). وهذا يقتضي أنَّه أثبتَ لهذه الحروف معاني لكنَّها غير معلومة، وهذه الحروف الهجائية التي ابتُدِئتْ بها بعضُ السُّوَر اختلف فيها العلماء -رحمهم الله- سلفًا وخلفًا: ما معناها؟ وهل هي رموزٌ أو أسماءٌ للسُّوَر التي ابتُدئتْ بها أو ماذا؟ ولكنَّنا إذا طبَّقْنا ذلك على ما تقتضيه الأدلَّة وجدنا أنها حروفٌ هجائيةٌ ليس لها معنى، الدليل أنَّه لا يوجد في القرآن شيءٌ ليس له معنى معلومٌ لجميع الناس؛ لأنَّه لو قُدِّر أنَّ في القرآن شيئًا مجهولًا لجميع الناس لم يكنْ هذا القرآن بيانًا للناس؛ لأنَّ مقتضى البيان ألَّا يكون فيه شيءٌ إلا كان معلومًا للناس جميعًا أو لبعض الناس، أمَّا أن يوجد فيه ما ليس معلومًا لجميع الناس فهذا لا يمكن، وقد قال الله تعالى: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل: ٨٩]، وقال تعالى: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل: ٤٤]، وقال تعالى: فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ [القيامة: ١٨، ١٩]، وهذا يشمل البيانَ اللفظيَّ والبيانَ المعنويَّ. إذَن اعلمْ أنَّه لا يوجد شيءٌ في القرآن لا يفهم الناسُ معناه، أبدًا، لا بدَّ أن يفهموا معناه، فإذا وُجِد شيءٌ لا يُعرَف معناه يعني ذلك أنَّه ليس له معنى، هذا واحد.
ثانيًا: إذا طبَّقْنا هذه الحروف على قول الله تبارك وتعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥] وقوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الزخرف: ٣] قلنا: هذه الحروف في لغة العرب ويش معناها؟ ليس لها معنى. إذَن فمقتضى كَوْن القرآن باللسان العربي المبين ألَّا يكون لهذه الحروف معنى؛ لأنَّ هذه الحروف ليس لها معنى في اللغة العربية، وهذا هو الذي نقله ابن كثير رحمه الله عن إمام المفسِّرين في عهده مجاهد بن جبرٍ رحمه الله، الذي أخذ تفسير القرآن عن عبد الله بن عباس، قال: إنَّ هذه الحروف الهجائية ليس لها معنى . نجزم بذلك أو لا؟ نجزم بذلك، لا تخرُّصًا، ولكن استدلالًا بالقرآن واستدلالًا بحال القرآن:
استدلالًا بالقرآن لأنَّه نزل باللغة العربية، وهذه الحروف الهجائية ليس لها معنًى في اللغة العربية.
استدلالًا بحال القرآن أنَّ القرآن ليس فيه شيءٌ أيش؟ لا يعرف الناسُ معناه كلُّهم، لا بدَّ أن يكون في شيء معلوم، وعلى هذا فإنَّنا نجزم بأنَّ هذه الحروف ذاتها ليس لها معنى.
لكنْ إذَنْ يَرِد علينا إشكال؛ إذا قلنا: ليس لها معنًى، صار إنزالها وكلامُ الربِّ بها -عز وجل- عبثًا، والله تبارك وتعالى لا يفعل شيئًا عبثًا.
فنقول: ليس بعبثٍ؛ هي ذاتُها ليس لها معنًى، لكنْ لها مغزًى يقترن بالتحدِّي وهو أن يُقال: إنَّكم أيها العرب تركِّبون كلامَكم من هذه الحروف، والقرآن لم يأتِ بحرفٍ لم تتكلَّموا به، بل كلُّه من الحروف التي تتكلَّمون بها، وهذا مثال: حاء، ميم، عين، سين، قاف، ومع هذا عجزتم أن تأتوا بمثله، فيكون في هذا مغزًى عظيمٌ، وهو أنَّ القرآن الذي أَعجزكم أيها العرب مع أنَّكم أئمةُ الفصاحة هل أتى بحروفٍ جديدةٍ تقولون: واللهِ لا نعرف هذه الحروف، أو هو من الحروف التي أنتم تنطقون بها؟ الجواب: الثاني، ومع ذلك أَعجزكم.
ويدلُّ لهذا المغزى الذي أقرَّه شيخ الإسلام رحمه الله ومَن سبقه ومَن لَحِقَه، يدلُّ على هذا أنَّك لا تكاد تجد سورةً مبدوءةً بهذه الحروف إلا وبعدها ذِكْر القرآن الكريم أو ذِكْر ما لا يمكن إلا بوحي؛ ننظر الآن الم [البقرة: ١] في أول البقرة، ويش بعدها؟ ذَلِكَ الْكِتَابُ [البقرة: ٢]، في آل عمران: الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ [آل عمران: ١ - ٣]، الأعراف: المص (١) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ [الأعراف: ١، ٢]، وهلمَّ جرًّا، ليس فيه إلا سورتان أو ثلاث، لكن حقيقة الأمر أنَّ الذي يلي هذه الحروف لا يتأتَّى العلمُ به إلا عن طريق الوحي.
حم (١) عسقنقول في تفسيرها: هذه حروفٌ هجائيةٌ ليس لها معنى، لكن لها مغزى.
(كَذَلِكَأي: مِثْل ذلك الإيحاء يُوحِي إِلَيْكَ وَأوحى إِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ [الشورى: ٣] فاعل الإيحاء). كَذَلِكَتأتي في القرآن كثيرًا، وإعرابها في جميع المواطن إلا يسيرًا أن تقول: الكاف نائبةٌ منابَ (مِثْل) منصوبةٌ على أنها مفعولٌ مطلقٌ، وعاملُها ما يأتي بعدها. الكاف بمعنى (مِثْل) منصوبة على أيش؟ على أنها مفعولٌ مطلقٌ عاملُها ما يأتي بعدها. حوِّل الكاف إلى (مِثْل) تقول: مِثْلَ ذلك. أين العامل فيها؟ العامل فيها يُوحِي؛ أي: يُوحي إليك مثلَ ذلك الإيحاءِ اللَّهُ العزيزُ الحكيمُ.
وقوله: (ذلك) المشارُ إليه الوحيُ النازل على الرسول عليه الصلاة والسلام.
يُوحِي إِلَيْكَالوحيُ في اللغة: الإعلام بسرعة وخفاء، ويُطلَق على الرمز؛ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا [مريم: ١١]، ويُطلَق على الإلهام كما في قوله: وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ [النحل: ٦٨]، وقوله: وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ [القصص: ٧]. أمَّا في الاصطلاح فالوحيُ إعلامُ الله تعالى بالشرع لأنبيائه ورُسُله.
وقوله: وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَالواو حرف عطف، وإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَمعطوفة على إِلَيْكَ، وإذا كانت معطوفةً على إِلَيْكَكان تقدير الفعل: ويُوحي إلى الذين من قبلك. لكنْ لاحِظوا أنَّ المؤلف رحمه الله صرفها فقال: (وأوحَى إِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ) فقدَّر فعلًا ماضيًا مع أنَّها معطوفة على معمولِ فعلٍ مضارعٍ، فلماذا؟ لأنَّ إيحاء الله إلى رسوله محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وسلم مستمرٌّ، وإيحاؤه إلى مَن سَبَقه ماضٍ منتهٍ، فلهذا قدَّر المؤلف فعلًا ماضيًا.
ولكنَّنا نقول: الأصل عدم التقدير؛ لأنَّ القرآن كاملٌ لا يحتاج إلى تقديرٍ إلا ما دعت الضرورة إليه، هُنا لا ضرورة، ونقول: كذلك يُوحِي إليك ويُوحِي إلى الذين من قبلك، ويكون ذِكْر الإيحاء لمنْ سَبَقنا من باب ذِكْر صورة الحال؛ فإنَّه سبحانه وتعالى حين وحْيِه إلى مَن سَبَق يُوحي، في المضارع، فيكون هذا على حكاية الحال.
وقوله: وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَالمراد بهم الأنبياء والرُّسُل.
(اللَّهُفاعلُ الإيحاء). لو قال: فاعل يُوحِي، كان أحسن من حيث بيان الإعراب، فعلى هذا نقول: يُوحِيفعل مضارع، واللَّهُفاعل.
اللَّهُالله هو عَلَمٌ على ربِّنا عز وجل، قيل: وأصله الإله، فحُذِفت الهمزة لكثرة الاستعمال، كما حُذِفت الهمزة من (خير) و(شر) في قولهم: فلانٌ خيرٌ من فلانٍ، أو: فلانٌ شرٌّ من فلانٍ، والتقدير: أَخْيَرُ، وأَشَرُّ.
اللَّهُمعنى هذه الكلمة العظيمة؛ قيل: إنَّه اسمٌ جامدٌ ليس له معنى، فهو غير مشتقٍّ. لكن هذا القِيل غير صحيح؛ لأنَّ الله تعالى قال: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [الأعراف: ١٨٠]، والاسم المجرَّد عن معنًى لا يدخل في الحُسنى، بل ولا في الحَسَن، فكلُّ اسمٍ من أسماء الله فإنَّه متضمِّنٌ لصفةٍ من صفات الله أو أكثر، وليس في أسماء الله اسمٌ جامدٌ لا يحمل معنى أبدًا.
وعلى هذا فنقول: (الله) مشتقٌّ من الألوهيَّة، والألوهيَّة هي التذلُّل للمَألوهِ مع المحبَّة والتعظيم، إذَنْ فـ(الله) بمعنى المتألَّه إليه حُبًّا وتعظيمًا.
اللَّهُ الْعَزِيزُقال: (في ملكه الْحَكِيمُفي صنعه). أولًا قال: (الْعَزِيزُفي ملكه)، لكنْ لم يفسِّر معنى العِزَّة.
(العزيز) في الأصل: الغالب، (العزيز) يعني الغالب القاهر لِمَن سِواه عز وجل، واستمِعْ إلى قول الله تعالى عن المنافقين: يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ [المنافقون: ٨]، مَن يريدون بالأعزِّ؟ يريدون أنفسَهم، ويريدون بالأذلِّ الرسولَ صلى الله عليه وسلم وأصحابَه. ماذا قال الله ردًّا عليهم؟ قال: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون: ٨] أي: لله الغَلَبة ولرسوله وللمؤمنين.
وتأمَّل قوله: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُولم يقُل: واللَّهُ الأعزُّ، مع أنَّهم هم يقولون: الْأَعَزُّوالْأَذَلَّ، لم يقُل: والله أعزُّ، قال: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ؛ لأنَّه لو قال: والله هو الأعزُّ، لَأَثْبتَ للمنافقين عِزَّةً مفضولةً، لكنَّ الحقيقة أنَّه لا عِزَّة للمنافق، بل هو مغلوبٌ دائمًا، بل حالُه تدلُّ على أنَّه مغلوبٌ لأنَّه مختفٍ جبانٌ، يُظهِر أنَّه مسلمٌ وليس بمسلم، ولهذا نقول: إنَّ الكافرين الخُلَّص الصُّرَحاء أشجعُ من المنافقين؛ لأنَّهم يُصَرِّحون ويُعلنون، المنافق ذليلٌ يُظهِر الإسلامَ خوفًا من المسلمين، ويُبطن الكفر لأنَّه كافرٌ والعياذ بالله.
الخلاصة: الْعَزِيزُالمؤلف رحمه الله لم يبيِّن معناها، فنقول: العِزَّة يعني أيش؟ الغَلَبة.
الْحَكِيمُيقول: (في صنعه)، وهذا ناقصٌ جدًّا؛ لأن حكمة الله تعالى في صنْعه وفي شَرْعه، فهو حكيمٌ في صنعه؛ أي: في خَلْقه، وهو حكيمٌ في شرعه، واقرأْ قولَ الله تعالى في سورة الممتحنة: فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُواكل هذه أحكام شرعية، ثم قال: ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [الممتحنة: ١٠]، فهو جل وعلا حكيمٌ في شرعه، وحكيم في صنعه؛ يعني: في خَلْقه، كلُّ ما خَلَقه الله تعالى فالحكمة تقتضي وجودَه، وكلُّ ما أعدمَه الله تعالى فالحكمة تقتضي عَدَمه، هذا أمرٌ مسلَّمٌ به. كلُّ ما شرعه الله إيجابًا أو تحريمًا أو تحليلًا فالحكمة تقتضي شرعه كذلك؛ الواجب تقتضي الحكمةُ إيجابَه، والمحرَّم تقتضي الحكمةُ تحريمه، والمباح تقتضي الحكمةُ إباحتَه، لكن لا يَلْزم من وجود الحكمة في ذلك أن تكون معلومةً لنا، لا يَلْزم من هذا، هو فيه حكمة لكنْ قد نَعْلمها وقد لا نَعْلمها. وهل إذا حُجِبَ عنَّا عِلْمها يعني العدم؟ أجيبوا يا إخوان.
الطلبة: لا.
الشيخ: لا، لأنَّنا قاصرون بكل شيء، خُلِقَ الإنسانُ ضعيفًا في كلِّ شيء؛ ضعيفًا في قوَّته، في إدراكه، في علمه، في كل شيء، ولهذا لَمَّا قالوا: ما هي الروح يا محمد؟ قال الله تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: ٨٥] ختم الآية بقوله: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًاكأنَّه يقول: ما بَقِي عليكم من العلم إلا الروح حتى تسألوا عنها، بل الذي فاتكم من العلم أيش؟ أكثرُ من الذي أدركتموه، ولهذا قال: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا، ولذلك واجبُ المسلم تجاه خَلْق الله وتجاه شَرْع الله أن يستسلم تمامًا وأن يقول: هذا هو الحكمة.
أضربُ مثلًا في الشرائع؛ لماذا يأتي الناس بحصى -حجراتٍ صغيرةٍ- يضربون بها مكانًا معيَّنًا؟ قد يقول قائل: أيش الحكمة من هذا؟ ما الحكمة؟
فنقول: مجرَّد كَوْن الله شَرَع ذلك دليلٌ على الحكمة، ونكتفي بهذا، مع أنَّ مِن أعظم الحِكَم فيه كمال التعبُّد؛ أنْ يأتي الإنسانُ بحجرٍ يضرب به مكانًا لمجرَّد امتثال أَمْر الله ففيه كمال التعبُّد؛ لأنَّ انقياد النفس لِمَا تعلم فائدتَه أسهلُ من انقيادها لِمَا لا تعلم فائدتَه، وانقيادها لِمَا لا تعلم فائدتَه أَبْلغُ في التذلُّل والتعبُّد لله عز وجل، مع أنَّ هذا العمل مقرونٌ بذِكْر؛ كلُّ حصاةٍ ترميها تقول: الله أكبر. مقرونٌ أيضًا باتِّباعٍ؛ كلُّ حصاةٍ ترميها وأنت تشعر أنَّك مُتَّبعٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
على كلِّ حالٍ نقول: إنْ قَصْر المؤلفِ الْحَكِيمُعلى حِكْمة الصنعة أيش فيه؟
الطلبة: قاصرٌ.
الشيخ: قاصرٌ بلا شك، فهو حكيمٌ في صنعه وحكيمٌ في شرعه تبارك وتعالى.
لا بدَّ أن نعرف ما هي الحكمة، يقول العلماء: إنَّ الحكمة هي وضْع الأشياء في مواضعها؛ بمعنى أنَّ الله سبحانه وتعالى إذا خَلَق شيئًا أو شَرَع شيئًا فإنَّه في مكانه اللائق به. ولهذا قال بعض السلف: إنَّ الله تعالى لم يأمر بشيءٍ فيقول العقل لَيْتَه لم يأمر به، ولم يَنْهَ عن شيءٍ فيقول العقل: لَيْتَه لم يَنْهَ عنه. فكلُّ ما ثَبَت بالشرع فإنَّه لا يُنافي العقل، بل إنَّ العقل يؤيِّده ويشهد بصحته، فالحكيم إذَنْ هو واضعُ الأشياءِ مواضعَها سواءٌ الشرعية أو الكونية، فما أَمَر الله بشيءٍ فقال العقل: لَيْتَه لم يأمر به، وما نهى عن شيءٍ فقال العقل: لَيْتَه لم يَنْهَ عنه.
أمَّا في الأمور الكونية فإنَّ الله سبحانه وتعالى ربما يقدِّر أشياءَ تظنُّها فسادًا، فإذا بها تكون صلاحًا وخيرًا؛ قال الله تبارك وتعالى: فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا [النساء: ١٩]، فالله سبحانه وتعالى قد يقدِّر أشياء إذا نظر إليها الإنسانُ أوَّلَ وهْلةٍ قال: هذه ما فيها فائدة، أو قال: هذه مَضَرَّة، لكنْ إذا تأمَّل وجد أنَّ الحكمة تقتضي ذلك، وأنت أيُّها العبد إذا آمنتَ أنَّ الله حكيمٌ في شَرْعه وحكيمٌ في خَلْقه فإنَّه لا يبقى لك شكٌّ في أنَّ ما شَرَعه خيرٌ وما قدَّره خيرٌ.
وللحكيم معنًى آخَر غير الحكمة، وهو الحاكم؛ لأنَّ هذه المادة (ح ك م) تدلُّ على المعنيين: على الحكمة وعلى الحُكْم، فهو سبحانه وتعالى هو الحاكم، يحكم في الناس ويحكم بين الناس؛ يحكم في الناس بما يُلزمهم به من الأحكام الشرعية، ويحكم بين الناس فيما يختصمون فيه، فهو الحاكم، وحُكمه مبنيٌّ على العدل التامِّ، لا ظُلم ولا جَوْر، لا بالنسبة لِمَا يحكم فيه بين الناس، ولا بالنسبة لِمَا يحكم به في الناس، كلُّه عَدْلٌ، كلُّه خيرٌ، إذَن الحكيم له معنًى آخَر وهو أيش؟ الحُكم.
الحُكم ينقسم إلى: حُكمٍ قَدَريٍّ، حُكمٍ شرعيٍّ. ولهذا إذا أُصِيبَ الإنسانُ بمصيبةٍ قال: هذا حُكم الله - يعني هو تعبير عامِّي- هذا حُكم الله، يعني القَدَري أو الشرعي؟
الطلبة: القدري.
الشيخ: القدري. لكنْ إذا قيل له: يجب عليك كذا وكذا. قال: ليش يجب؟ قال: هذا حُكم الله. هذا حُكم الله الشرعي.
وكلاهما في القرآن؛ فمِن الأول -أعني الحُكم القَدَري- قول الله تبارك وتعالى عن أخي يوسف: فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي [يوسف: ٨٠] أي: يقدِّر لي. لم يقل: يحكم فِيَّ، قال: أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي، فالحُكم هنا قَدَري.
ومثال الثاني -الحكم الشرعي- قول الله تبارك وتعالى حينما ذكر أحكام الكافرات اللاتي يأتين من الكفَّار إلى المؤمنين، قال: ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ [الممتحنة: ١٠] حُكْمُ اللَّهِأي: الشرعي، أو الكوني؟
الطلبة: الشرعي.
الشيخ: الشرعي.
طيب، ما الفرق بينهما؛ بين الحكم الشرعي والحكم القدري؟
الفرق بينهما أنَّ الحكم القدري يكون فيما يرضاه الله وفيما لا يرضاه الله؛ الحكم الكوني يكون فيما يرضاه الله وما لا يرضاه الله؛ يَسْرق الرجل، يزني، يشرب الخمر، هذا حُكم الله القدري أو الشرعي؟
الطلبة: القدري.
الشيخ: القدري، وهذا لا يرضاه الله.
يصلِّي الإنسان، يتصدَّق، يصوم، يحج، هذا حُكم الله، كوني ولَّا شرعي؟
طالب: (...).
الشيخ: هو قَدَري، لكنَّه يرضاه الله أو لا يرضاه؟
الطلبة: يرضاه.
الشيخ: يرضاه الله. إذَن الحكم الكوني -أو القدري إنْ شئتَ- يكون فيما يرضاه الله وما لا يرضاه الله.
أمَّا الحكم الشرعي فلا يكون إلا فيما يرضاه الله، فلا يحرِّم الله شيئًا إلا وهو يرضى ألَّا يكون، ولا يوجب شيئًا إلا وهو يرضى أن يكون.
كذلك أيضًا فَرْق آخَر؛ الحكم الكوني أو القدري -والمعنى واحد- لا بدَّ من وقوعه، إذا حَكَم الله بشيءٍ كونًا لا بدَّ أن يقع، أفهمتم؟
الحكم الشرعي قد يقع وقد لا يقع؛ هل كلُّ الناس ملتزمون بأحكام الله الشرعية؟ لا.
فهذان فرقان بين الحكم الكوني والحكم الشرعي، وكلاهما يتضمَّنه قوله تعالى: الْحَكِيمُ.
من فوائد الآيات: بيانُ قدرة الله تبارك وتعالى؛ حيث إنَّ كلامه المنَزَّل على نبيِّه من الحروف التي يتكلم بها الناس ويركِّبون منها كلامهم، ومع ذلك أَعْجزَهم؛ وجه الدلالة: حم (١) عسق.
ومن فوائدها: إثبات نبوَّة النبيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لقوله: يُوحِي إِلَيْكَ.
ومن فوائدها: إثبات النبوَّة في الأُمَم السابقة؛ لقوله: وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ.
ومن فوائدها: إثبات هذين الاسمين لله عز وجل وهما: الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
واعلمْ أنَّ أسماء الله سبحانه وتعالى لا بدَّ أن تتضمَّن شيئين:
الأول: ثبوت ذلك اسمًا لله تبارك وتعالى؛ فمثلًا (العزيز)، الآن نحن نشهد أنَّ من أسماء الله (العزيز)، كذلك نشهد أنَّ من أسماء الله (الحكيم).
والشيء الثاني مما تتضمَّنه: الصفة التي دلَّ عليها هذا الاسم؛ فمثلًا (العزيز) دلَّ على إيه؟
طالب: العِزَّة.
الشيخ: و(الحكيم) على الحكمة.
لا بدَّ لكل اسم من هذين، قد يتضمَّن الاسم شيئًا ثالثًا، وهو الفعل المترتِّب على ذلك، وإن شئتَ فقل: الأثر المترتِّب على ذلك؛ فمثلًا (السميع) يتضمَّن إثباتَ اسم (السميع) لله، صحيح، وإثباتَ السمع له، والصفة معنى زائدٌ على الذات، والثالث: أنه يسمع كلَّ شيء.
في (الحكيم) نقول كذلك؛ إثبات (الحكيم) اسمًا لله، والثاني: إثبات الحكمة على أحد المعنيين، وإثبات الحُكم على المعنى الآخَر، والثالث: أنَّ الله سبحانه وتعالى يحكم بين العباد ويحكم في العباد.
ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: كمالُ عِزَّته وكمالُ حكمته، كمال العِزَّة وكمال الحكمة؛ لأنَّ الله قَرَن بين العزيز والحكيم إشارةً إلى أن عِزَّته وغَلَبته مبنيةٌ على الحكمة.
عِزَّة المخلوق قد توجب أن يتصرَّف تصرُّفًا سفيهًا؛ كما في قوله تبارك وتعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَأيش؟ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ [البقرة: ٢٠٦] فهنا صار له عِزَّة لكنَّها لم تنفعه لأنها ليستْ مقرونةً بالحكمة.
كذلك أيضًا حكمة الله عز وجل مقرونةٌ بعِزَّته؛ لأن الحكيم قد يكون خوَّارًا ليس عنده غَلَبةٌ فيفوته شيءٌ كثيرٌ، ويفوته الحزمُ من أجْل أنه يقول: إنَّ ذلك هو أيش؟ هو الحكمة. لكنَّ حكمة الله عز وجل مقرونةٌ بعزَّته، ولهذا نحن نستفيد الآن من قَرْن الأسماء بعضها ببعضٍ، نستفيد بذلك معنًى زائدًا على ما نستفيده من مجرَّد الاسم.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ الشرائع التي أُوحِيتْ إلى الرسل عزَّة وحكمة؛ قال الله تبارك وتعالى: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون: ٨]، وقال الله تعالى: وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [النساء: ١١٣] فمن تمسَّك بهذه الشرائع نال الأمرين جميعًا، وهما العِزَّة والحكمة، والحُكم أيضًا.
***
نعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق لنا أنَّ سورة الشورى فيها اسمان.طالب: سورة (الشورى) و(شورى).
الشيخ: نعم، (شورى) و(الشورى)، طيب. هل هي مكِّية أو مدنية؟
طالب: (...).
الشيخ: مكية. ما هو المكِّي وما هو المدني؟
الطالب: (...).
الشيخ: ما نزل بمكة قبل الهجرة، يعني قَيْدين، ما نزل قبل الهجرة. والمدني؟
الطالب: (...).
الشيخ: ولو في مكة؟
الطالب: (...).
الشيخ: هل تحفظ شيئًا نزل بمكة بعد الهجرة؟
الطالب: قوله تعالى: (...).
الشيخ: قوله تعالى: الْيَوْمَ ... [المائدة: ٣].
الطالب: (...).
الشيخ: أين نزلتْ هذه؟
الطالب: بعرفة.
الشيخ: بعرفة، بارك الله فيك.
طيب، استثنى المؤلف من هذه السورة آيات أربع، فما رأيك؟
طالب: نطالبه بالدليل على (...).
الشيخ: نعم، على هذا الاستثناء، نطالبه بالدليل على هذا الاستثناء؛ لأنَّ الأصل أنَّ السورة المكية جميع آياتها مكية، وأنَّ السورة المدنية جميع آياتها مدنية، أليس كذلك؟ فمَن ادَّعى خلافَ الأصل فعليه الدليل.
طيب، قوله تبارك وتعالى: حم (١) عسقما تقول فيها؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، الحروف الهجائية أحسن من قولنا: الحروف المقطَّعة؛ لأنها قد تكون حرفًا واحدًا؛ مثل: ن، ص.
الطالب: (...).
الشيخ: فيها خلاف، والراجح؟
الطالب: (...).
الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك. ما هو الدليل على رجحان هذا القول؟
الطالب: (...).
الشيخ: في اللغة العربية.
الطالب: في اللغة العربية نقول: إنَّ هذه الحروف لا معنى لها.
الشيخ: نعم، هذا واحد. وجهٌ آخَر: أنَّ الله أنزل الكتاب تبيانًا لكلِّ شيء، ولو قلنا: هذه ليس لها معنى معروف، صار يعني أنَّ في القرآن ما لا يُعلَم معناه، وهذا ينافي قولَه تعالى: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل: ٨٩]، وقوله تعالى: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل: ٤٤].
الشيخ: الْحَكِيمُ [الشورى: ٣] قال المفسِّر: (في صنعه)، فما رأيك في هذا (...)؟
طالب: (...).
الشيخ: فيه قصور، الصواب أنَّه الحكيم في صنعه وشرعه، تمام.
***
تفسير الآية (4)
00:40:20
ثم قال الله تعالى -بدء الدرس الجديد-: لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ [الشورى: ٤]، لَهُالضمير يعود على الله، وأنتم تعلمون أنَّ لَهُخبرٌ مقدَّم، والمبتدأ مَافي قوله: مَا فِي السَّمَاوَاتِ؛ لأن مَاهنا اسمٌ موصول، والتقدير: له الذي في السماوات، والقاعدة عند البُلَغاء أنَّ تقديم ما حقُّه التأخير يقتضي الحصر والاختصاص، فقوله: لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِيعني: لا لغيره، كلُّ ما في السماوات والأرض فهو لله رب العالمين.
قال المؤلف: (مُلْكًا وخَلْقًا وعبيدًا). لو بدأ بالخلْق قبل الْمُلك لَكان أحسن؛ لأنَّ الخلْق سابقٌ، وعلى كلِّ حالٍ المسألة ما هي ذات أهمية كبيرة، المهمُّ أنَّ له ما في السماوات (مُلْكًا) يعني أنَّه مالكُ أعيانِها، (وخَلْقًا) يعني أنَّه خالقُها، (وعبيدًا) بالمعنى القَدَري؛ يعني أنَّ ما في السماوات والأرض متذلِّلٌ لله تعالى؛ كما قال عز وجل: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [مريم: ٩٣].
وقوله: مَا فِي السَّمَاوَاتِجَمَعها، وَمَا فِي الْأَرْضِأَفْردَها؛ لأنَّ السماوات أعظم من الأرض، ولهذا تجيء كثيرًا بلفظ الجمع، وتجيء بلفظ الإفراد كما في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ [آل عمران: ٥] فإذا جاءت بالإفراد فالمراد الجنس، وإذا جاءت بالجمع فالمراد العدد، والسماوات عددها سبعٌ؛ كما قال تعالى: قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [المؤمنون: ٨٦].
الأرضون لم تأتِ في القرآن إلا مفردةً باعتبار الجنس، ولكن القرآن أشار إلى أنها سبعٌ في قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ [الطلاق: ١٢]، المِثْلية لو نزَّلتَها على الكيفية يصح ولَّا لا يصح؟
الطلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح؛ لأنَّ السماء أعظم وأوسع، إذَنْ ما بقي إلا أن نُنَزِّلها على الكمِّيَّة، فيكون المعنى: مِثْلَهُنَّيعني أيش؟ في العَدَد؛ سبع أرضين.
وقد جاءت السُّنَّة بلفظ السبع؛ فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طَوَّقَهُ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» ، وهذا نصٌّ صريحٌ، وكذلك أيضًا يُروَى عنه عليه الصلاة والسلام أنَّه كان يقول إذا أَقْبلَ على البلد: «اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَمَا أَظْلَلْنَ، وَرَبَّ الْأَرَضِينَ السَّبْعِ وَمَا أَقْلَلْنَ» ، «الْأَرَضِينَ السَّبْعِ» فهي سبع أرضين.
ولكنْ كيف هي سبع أرضين؟ هل المعنى أنها سبعة أقاليم، أو سبع قارَّات، أو ماذا؟
نقول: هي سبعُ أرضين طباقٌ؛ كما أنَّ السماوات سبعٌ طباقٌ كذلك الأرضون سبعٌ طباقٌ، ويدلُّ لهذا أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»؛ لأنها لو كانت الأقاليم أو القارَّات لَكان الذي يملك قطعةً من الأرض هُنا لا يملكها أيش؟ في المكان الآخَر، لكن الذي يملك قطعةً هنا له ما يملكه على سطح الأرض وله ما تحته إلى الأرض السابعة، ولهذا قال العلماء: الهواء تابعٌ للقرار، والأسفل تابعٌ للأعلى. مثلًا أنا لي بيتٌ مساحته عشرة أمتار في عشرة أمتار، لي في الجو في السماء عشرة أمتار في عشرة أمتار، ما أحد يقدر يطلِّع رَفًّا على ما يُقابل أرضي ولو كان بعيدًا جدًّا، وليس للطائرة أن تمرَّ على أرضي، كذا؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، كيف لا؟! نعم، لو شئنا لمنعناها، هذه أرضي، لف يمين ولَّا يسار؛ لأنَّ الهواء تابعٌ للقرار.
لكن مسألة الطائرة قد يقول قائل: إنَّ العُرف جرى بأنها لا تُمنَع، ولهذا تمرُّ من عند البلد من فوق البيوت، وربما تُزعج الناسَ بأصواتها ولا أحد يمنعها، ولو أنَّ أحدًا قال: أمنعُها من أن تمرَّ من فوق بيتي، لعُدَّ سفهًا، فالعُرف له أحكامٌ.
وقلنا: مَن مَلَك الأعلى مَلَك الأسفلَ؛ فمثلًا قعر الأرض لي ولَّا ليس لي؟ لي، ولهذا لو أراد إنسان أن يفتح نفقًا تحت أرضي فلي أن أمنعه؟ نعم؛ لأنَّ الأسفل تابعٌ للأعلى.
المهم على كلِّ حالٍ السماواتُ كم؟
الطلبة: سبعٌ.
الشيخ: والأرضون؟
الطلبة: سبعٌ.
الشيخ: سبعٌ.
لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ(وَهُوَ الْعَلِيُّعلى خَلْقِه الْعَظِيمُالكبير). نعم، هُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُقَرَن الله بينهما في هذا وفي آية الكرسيِّ.
الْعَلِيُّوَزْنها الصرفي (فَعِيل) صفة مشبَّهة، والصفة المشبَّهة تقتضي وصْفَ الموصوف بها دائمًا، أفهمتم الآن؟
(فَعِيل) صفة مشبَّهة، والصفة المشبَّهة أيش؟ تقتضي دوامَ اتِّصاف الموصوف بها، إذَن (العَلِيُّ) وصفٌ لازمٌ لله عز وجل أزلًا وأبدًا، لا يمكن أن يكون خلاف العلوِّ أبدًا، فالعلوُّ إذَن صفة ذاتية.
من أين أخذتَ أنها صفة ذاتية؟
طالب: (...).
الشيخ: (فَعِيل) صفة مشبَّهة، والصفة المشبَّهة تقتضي الدوامَ والاستمرارَ، واتِّصافُ المتَّصفِ بها دائمٌ، إذَن العلوُّ صفة ذاتية لله عز وجل لا يمكن بأيِّ حالٍ من الأحوال أنْ يتَّصف بضدِّها.
طيب، العلوُّ هل هو علوُّ الصفة الذي اتَّفقتْ عليه الأُمَّة الإسلامية، أو هو علوُّ الذات الذي أنكره مَن أنكره؟
كلاهما، علوُّ الذات وعلوُّ الصفة؛ أمَّا علوُّ الصفة فإنَّ المسلمين كلَّهم أجمعوا على ذلك، حتى الجهمية والمعتزلة والأشعرية والماتريدية وغيرهم، كلُّهم أجمعوا على ثبوت صفة العلوِّ لله عز وجل، العلو أيش؟ علو الصفة.
ولهذا أقول لكم: المعطِّلة الذين ينكرون الصفات، أتدرون لماذا؟ قالوا: لأنَّنا نُنَزِّه الله؛ لأنَّ ثبوت هذه الصفات يستلزم -على زَعْمهم- النقصَ، فينفونها تنزيهًا لله عز وجل.
إذَن العلوُّ الذي هو علوُّ الصفة ثابتٌ لله بإجماع الأُمَّة ولا أحد ينكره.
علوُّ الذات هذا هو الذي اختلفَ فيه الناس فانقسموا إلى ثلاثة أقسام رئيسية:
القسم الأول: مَن أنكره، لكنَّه جعل الله تعالى في كلِّ مكان؛ فيقول: الله ليس مكانه خاصًّا في العلو، بل هو في كل مكان. وهذا رأي الجهمية الحلولية، يصرِّحون بهذا، يقولون: لا يمكن أن يكون الله تعالى عاليًا على كلِّ شيء، بل هو في كل شيء؛ إن كنت في المسجد فهو؟
طلبة: في المسجد.
الشيخ: في المرحاض؟
طلبة: في المرحاض.
الشيخ: فهو في المرحاض، قاتَلَهم الله، وحاشاه من قولهم، ولهم شُبْهة.
القول الثاني عَكْس هذا تمامًا؛ قال: لا يجوز أن نقول: إنَّ الله في مكانٍ لا عالٍ ولا نازل، بل هو سبحانه وتعالى ليس فوق العالَم، ولا تحته، ولا يمينًا، ولا شمالًا، ولا متَّصلًا، ولا منفصلًا، ولا مباينًا، ولا محايثًا، وهلمَّ جرًّا من الأمور السلبية، على عكس الأوَّلين تمامًا.
وإنِّي أسألكم بالله: أين يكون الإله إذا كان يُنفى عن كلِّ هذا؟ يكون عدما، ولهذا قال محمود بن سبكتكين رحمه الله -أحد القُوَّاد المشهورين- وهو يناظر محمد بن فورك أحد المتكلِّمين لَمَّا قال محمد بن فورك: لا داخلَ العالَم ولا خارجه ... إلى آخره، قال له: بيِّنْ لي ما الفرق بين العدم وبين ربِّك الذي تصفه بهذه الصفة؟ ويش الجواب؟ لا فرق.
الثالث: يقولون: إنَّ الله تعالى عالٍ بذاته فوق كلِّ شيء، ولا يحيط به شيءٌ من مخلوقاته، وعلوُّه لازمٌ لذاته، وهو سبحانه وتعالى بائنٌ من خَلْقه؛ بمعنى أنَّه ليس حالًّا فيهم ولا هم حالُّون فيه. وهذا مذهب أهل الحقِّ الذي دلَّ عليه القرآن والسُّنَّة والعقل والفطرة والإجماع، خمسة أدلَّة كلُّها تدلُّ على العلوِّ الذاتي، وهي أيضًا متنوعة؛ يعني دلالة القرآن ليست آيةً واحدةً ولا على وجهٍ واحدٍ، متنوعة، وكذلك في السُّنَّة.
فالقرآن مملوءٌ من إثبات العلوِّ الذاتي لله؛ مثل قوله: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [الأعلى: ١]، وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [البقرة: ٢٥٥]، وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ [الأنعام: ١٨]، يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ [السجدة: ٥]، أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ [الملك: ١٦]، وأدلَّة لا تُحصَى.
من السُّنَّة أدلَّة قولية وفِعْلية وإقرارية؛ يعني كل أنواع السُّنَّة دلَّتْ على علوِّ الله الذاتي:
أمَّا السُّنَّة القولية فها هو النبيُّ صلى الله عليه وسلم يقول في سجوده أيش؟ «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى» ، فيُثبت علوَّه.
وأمَّا الإقرارية فإنَّه سأل الجارية: «أَيْنَ اللَّهُ؟». قالت: في السماء . فأقرَّها.
وأمَّا الفعلية فكان يخطب الناسَ يوم عرفة ويقول: «أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟». فيقولون: نعم. فيرفع أصبعه إلى السماء ويقول: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ» . يعني: على هؤلاء الناس، يُشير إلى السماء، وهذه دلالةٌ أيش هي؟
طالب: فعلية.
الشيخ: فعلية بالإشارة.
وأمَّا الإجماع فالسَّلَف الذين على رأسهم الصحابة مُجْمِعون على أنَّ الله تعالى فوق كلِّ شيء، مُجْمِعون على هذا إجماعًا قطعيًّا؛ لأنهم كلهم يقولون في سجودهم أيش؟ سبحان ربِّي الأعلى، ولم يُنقل عن واحدٍ منهم أنَّه قال: إنَّ الله ليس في السماء، أبدًا، وعدمُ نَقْل المخالفة لِمَا في الكتاب والسُّنَّة يدلُّ على الإجماع، وهذا طريقٌ واضحٌ بأنَّه إذا لم يَرِدْ عن السَّلَف ما يخالف دلالةَ القرآن فهُم مُجْمِعون على أيش؟ على ما دلَّ عليه القرآن.
أمَّا دلالة العقل فسَلْ نفسَك: أيُّهم أَوْلى: ربٌّ يوصف بما يدلُّ على العدم، أو ربٌّ لا يُنَزَّه عن الأماكن القذرة، أو ربٌّ عالٍ فوق كلِّ شيءٍ، أيهم؟
الطلبة: الثالث.
الشيخ: الثالث لا شكَّ.
ثم إنَّ العلوَّ من حيث هو علوٌّ صفةُ كمالٍ، أليس كذلك؟ وإذا كان صفةَ كمالٍ فقد أثبتَ الله لنفسه كلَّ صفةِ كمالٍ كما قال تعالى: وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى [النحل: ٦٠]، هذه الدلالة عقلية.
بقينا دلالة فِطْرية، أيضًا الفِطْرة دلَّت على علوِّ الله؛ الإنسان بفِطْرته قبل أن يتعلَّم أين يتصوَّر الله عز وجل؟ في العلوِّ. ولهذا تجد الإنسانَ الذي لم يقرأ هذا البحثَ؛ عامِّي، إذا أراد أن يدعو الله أين يروح؟ إلى السماء. ولهذا قال أبو العلاء الهمداني رحمه الله لإمام الحرمين الجويني وهو يقرِّر -الجويني عفا الله عنه ولعلَّه تاب فتاب الله عليه- يقرِّر إنكارَ العلوِّ؛ يعني إنكار الاستواء على العرش (...)، ويقول: إنَّ الله تعالى كان ولم يَكُنْ شيءٌ قبله، وهو الآن على ما كان عليه. ماذا يريد؟ أنْ يُنكر الاستواءَ على العرش والعلوَّ أيضًا، فقال له أبو العلاء الهمداني رحمه الله: يا أستاذ دَعْني من ذِكْر العرش والاستواء على العرش، أخبِرْنا عن هذه الفطرة؛ ما قال عارفٌ قطُّ: يا الله، إلا وجد من قلبه ضرورةً بطلب العلو. سبحان الله! أليس الأمر كذلك؟ ما قال عارفٌ، والعارف يُطلَق على الصوفي عندهم، لكن المراد هنا ما هو أعمُّ، ما قال عارفٌ قطُّ: يا الله، إلا وجد من قلبه ضرورةً بطلب العلوِّ. جعل يَلْطم على رأسه: حيَّرني، حيَّرني، حيَّرني. ليش؟ لأنَّه عجز عن الإجابة. هذه دلالةٌ فطريةٌ ما يمكن لأحدٍ أن يُنكرها، فالحمد لله الذي هدانا لهذا.
إذَن علوُّ الله عز وجل ينقسم إلى قسمين: علو ذاتي، وعلو وصْفي. الثاني لم تختلف الأُمَّة الإسلامية فيه، والأول -العلو الذاتي- انقسموا فيه إلى ثلاث فِرَق، والفرقة الناجية -جعلني الله وإيَّاكم منهم- هم الذين أثبتوا عُلُوَّه بذاته جل وعلا فوق كلِّ شيء، ما فيه شيء يُحاذِي اللهَ عز وجل، كلُّ الخلْق في قبضته، كلُّ الخلْق ليس عنده بشيء، إذا كانت السماوات السبع والأرضون السبع بالنسبة للكرسي كحلقةٍ أُلقِيتْ في فلاةٍ من الأرض، السماواتُ السبعُ على عِظَمها وسَعَتها والأرضون السبعُ بالنسبة للكرسي كحلقةٍ أُلقِيتْ في فلاةٍ من الأرض، الحلقة: حلقة الْمِغْفَر، حلقة الْمِغْفَر ضيِّقة، أُلقِيتْ في فلاةٍ من الأرض، أخبِروني ماذا تشغل هذه الحلقة من هذه الفلاة؟
الطلبة: (...).
الشيخ: نعم، لا شيء. قال النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «وَإِنَّ فَضْلَ الْعَرْشِ عَلَى الْكُرْسِيِّ كَفَضْلِ الْفَلَاةِ عَلَى هَذِهِ الْحَلْقَةِ» . إذَنْ ويش يكون الكرسي بالنسبة للعرش؟ لا شيء.
والربُّ عز وجل فوق ذلك، فهو سبحانه وتعالى فوق كلِّ شيءٍ، لا شيء يُحاذيه، كلُّ المخلوقات تحته سبحانه وتعالى، وهو فوق كلِّ شيء.
إذَنْ أثبتنا هذا العلو وأَطَلْنا فيه لأنَّه مُهِمٌّ، ولأنَّه يوجد الآن مَن ينكره -نسأل الله العافية- ولا شكَّ أنَّ هؤلاء قد أزاغ الله قلوبَهم، وإلا فلو رجعوا إلى فِطْرتهم، الفِطْرة فقط، لَعَلِموا أنَّ الله تعالى فوق كلِّ شيءٍ وأنَّ ذلك من كماله.
وقوله رحمه الله: (الْعَلِيُّعلى خلقه). لا نستطيع أن نقول: إنَّ المؤلف أنكر العلوَّ الذاتيَّ، ولا نستطيع أن نقول: إنه أَثْبتَه قطعًا؛ لأنَّ (الْعَلِيُّعلى خلقه) يحتمل العلي عليهم بالسلطان والسيطرة فيكون علوًّا أيش؟ وَصْفِيًّا، ويحتمل أنه علا عليهم بذاته. فعلى كلِّ حالٍ لا يجوز لنا أن نرمي المؤلف بأنه أنكر العلوَّ ولا أن نشهد بأنَّه أَثْبتَه؛ لأنَّ المؤلف رحمه الله من الأشاعرة، فلا ندري، لكنَّنا يجب علينا إذا سَمِعْنا كلامًا من إخواننا المسلمين يمكن أن يكون له محملٌ صحيحٌ أن نحمله أيش؟ على المحمل الصحيح ما لم توجد قرينةٌ تمنع ذلك، وإلَّا فالأصل إذا سمعتَ من أخيك كلمةً فاحمِلْها على المعنى الصحيح، حتى لو أنَّك سمعتَ كلمةً وقلتَ: هذا الرجل يسخر بي -مثلًا- أو يستهزئ، لا تحمِلْها على هذا، احمِلْها على المعنى الحق.
وأمَّا الْعَظِيمُفيقول رحمه الله: (الكبير). وفي هذا نظر؛ لأنَّ الكبير غير العظيم؛ العظيم يعني ذو العَظَمة، وعظمة الشيء أو عظمة العظيم تعني قوَّة السلطان، قوَّة العلم، قوَّة أيِّ شيء يحتمل من المعاني فهو داخل في كلمة (العظيم).
من فوائد قوله تبارك وتعالى: لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِعموم مُلك الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ؛ لأنَّ مَااسمٌ موصولٌ يفيد العموم.
ومن فوائدها: أنَّ ذلك مختصٌّ بالله لا يشاركه فيه أحد؛ وذلك بتقديم الخبر، والقاعدة البلاغية أن تقديم ما حقُّه التأخير يفيد الحصر والاختصاص.
فإن قال قائل: يَرِدُ على قولكم هذا أنَّ الله تعالى أثبتَ للإنسان الملْك فقال: إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُم [المؤمنون: ٦]، وقال: أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ [النور: ٦١]، وما أشبه ذلك.
فالجواب: أنَّ ملْك الإنسان للشيء ليس ملكًا مطْلقًا ولا ملكًا عامًّا؛ فهو ليس ملكًا مطلقًا إذْ إنَّ الإنسان لا يملك أن يتصرَّف في ماله كما شاء؛ لو أراد أن يحرق ماله فهل له ذلك؟ لا، ليس له ذلك، ولو أراد أن يستعمله في الحرام لم يكن له ذلك. وليس أيضًا عامًّا فملْك كل إنسانٍ منَّا خاصٌّ به؛ أنت لا تملك مالي وأنا لا أملك مالَك.
مُلك الله عز وجل مطلقٌ عامٌّ، فظهر الفرق بين مُلك الربِّ عز وجل ومُلك المخلوق، وحينئذٍ لا معارضة. واضح يا جماعة؟
من فوائد الآية الكريمة: إثبات عدد السماوات؛ حيث جاءت بالجمع، وقد بيَّن الله تعالى في موضعٍ آخَر أنها سبع سماوات. أمَّا الأرض فجاءت في القرآن مفردة، لكن الله أشار إلى أنها جمعٌ في قوله: وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ [الطلاق: ١٢].
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات علوِّ الله عز وجل في قوله: وَهُوَ الْعَلِيُّ.
ومن فوائدها: أنَّ العلوَّ صفةٌ لازمةٌ ليست من صفات الأفعال التي إن شاء فَعَلها وإن شاء لم يَفْعلها؛ وجه الدلالة يا إخوان أنَّ العليَّ صفةٌ مشبَّهةٌ، والصفة المشبَّهة تفيد الثبوت وعدم التحوُّل.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عموم علوِّ الله عز وجل الشامل لعلوِّ الذات وعلوِّ الصفة.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات عظمة الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: الْعَظِيمُ.
ومن فوائدها: إثبات هذين الاسمين لله عز وجل: الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ، واعلمْ أنَّ كلَّ اسمٍ من أسماء الله فإنَّه دالٌّ على صفة، وليس كلُّ صفةٍ يُشتقُّ منها اسمٌ، وحينئذٍ يتبيَّن أنَّ الصفات أوسع من الأسماء؛ لأنَّ كلَّ اسمٍ متضمِّن لصفة، وليس كلُّ صفةٍ يُشتقُّ منها اسم؛ فمثلًا مِن صفات الله تبارك وتعالى المكر بِمَن يستحقُّ المكر، وهل يجوز أن نشتقَّ من هذه الصفة اسمًا من أسمائه؟ لا، لا يجوز؛ لأنَّ باب الصفات أوسع. من صفات اللهِ الصَّنعُ؛ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ [النمل: ٨٨]، هل يمكن أن نشتقَّ من ذلك اسمًا لله هو الصانع؟ لا، وعلى هذا فقِس.
ثم اعلمْ أنَّ دلالة الصفة على مدلولها تنقسم إلى ثلاثة أقسام: دلالة مطابَقة، ودلالة تَضَمُّن، ودلالة التزام. فدلالة الاسم على جميع معناه تُسَمَّى دلالة مطابَقة، وعلى جزئه دلالة تَضَمُّن، وعلى لازمِه دلالة التزام.
فأنواع الدلالة ثلاثة: مطابَقة، وتَضَمُّن، والتزام؛ فإنْ دلَّ اللفظ على جميع معناه فهو مطابَقة، وعلى جزئه تَضَمُّن، وعلى شيءٍ خارجٍ لازمٍ دلالة التزام.
ونحن نمثِّل لكم الآن بالمحسوس والمعقول؛ إذا قلتَ: هذه دارٌ، أو: هذا بيتٌ، دلالته على جميع ما أدخلَ السور أيش؟
الطلبة: مطابقة.
الشيخ: دلالة مطابقة؛ يعني يشمل الحُجَر، وهي الغُرَف الأسفل، ويشمل الغُرَف التي في الدور الثاني والثالث، وهلمَّ جرًّا، نسمِّي هذه دلالة مطابقة. ودلالة هذا اللفظ على الصالة، وعلى المطبخ، وعلى المعشَّى، وما أشبه ذلك؛ على واحدٍ منها، دلالةُ تضمُّن؛ لأنَّه يدلُّ على جزء المعنى. ودلالته على بانٍ بناه دلالة التزام؛ لأنَّه لا يمكن أن يوجد بيتٌ إلا ببانٍ. هذا مثالٌ في المحسوس، واضح؟
أنا الآن معي هذا القلم دلالته على غطاه وعلى أصله؟
الطلبة: مطابقة.
الشيخ: طيب، ودلالته على واحدٍ منها؟
الطلبة: تضمُّن.
الشيخ: تضمُّن. ودلالته على أنَّ هناك مَن صَنَعه؟
الطلبة: التزام.
الشيخ: دلالة التزام، هذه الدلالة.
نأتي على أسماء الله عز وجل، نقول: من أسماء الله تعالى (الخالق) أليس كذلك؟ الخالق البارئ المصوِّر.
(الخالق) دلالته على الذات الإلهية وعلى الصفة التي هي الخلْق جميعًا دلالة مطابقة، ودلالته على الذات وحدها أو على الخلْق وحده دلالة تضمُّن، ودلالته على العلم والقدرة -لأنَّه ما مِن خالقٍ إلا وهو عالِمٌ، وما مِن خالقٍ إلا وهو قادر- هذه دلالة التزام.
أمَّا النوعان الأوَّلان: دلالة المطابقة والتضمُّن، هذه لا تُشْكل على أحد، كلُّ طالبِ علمٍ يمكن أن يعرف، وأمَّا دلالة الالتزام فهي التي تخفى على كثيرٍ من الناس، ولذلك يختلف فيها العلماء اختلافًا كثيرًا.
وهنا نسأل: هل دلالة الالتزام لازمةٌ في كلِّ قولٍ، أو فيما قال الله ورسوله؟
الجواب: الثاني؛ لأنَّ دلالة الالتزام قد ينكرها مَن تكلَّم بالكلام، فمثلًا نقول: الجهمية يقولون: إنَّ الله في كلِّ مكان. مِن لازم قولهم أن يكون أيش؟ في الحشوش والأماكن القذرة، هم لا يلتزمون بهذا، لو التزموا بهذا لَكفروا على طول، ولا أحد يشكُّ في كفرهم، لكن لا يلتزمون بهذا،
ولذلك عبَّر العلماء عن هذه المسألة: هل لازمُ القولِ قولٌ أو لا؟
نقول: أمَّا قول الله ورسوله فلازِمُهما حقٌّ ومِن قول الله ورسوله، وأمَّا غيرهما فلا؛ لأنَّه يحتمل إذا ألزمْناه به ألَّا يلتزم، ويحتمل إذا ألزمْناه به أن يَدَع قولَه لئلَّا يَلزم منه هذا اللازم الباطل، ويحتمل أنَّه حين تكلَّم لم يطرأْ على باله هذا اللازم.
على كلِّ حالٍ -بارك الله فيكم- نحن نقول: أهمُّ شيءٍ عندي .. هذه يعني ظهرتْ مني انسيابًا، وإلَّا فيها صعوبة شوي عليكم.
لكن إني أقول الآن: أسماء الله تعالى تدلُّ على الذات العليَّة؛ على ذات الله، وعلى أيش؟ وعلى الوصف الذي تضمَّنه هذا الاسم؛ فـ(العليُّ) يدلُّ على الربِّ عز وجل وعلى صفة العلو، (العظيم) كذلك يدلُّ على الربِّ وعلى صفة العظمة.
طالب: إثبات (...).
الشيخ: الاسم والصفة، هذا لا بدَّ في كلِّ اسم.
الطالب: الأثر يعني.
الشيخ: الأثر يعني الذي يترتَّب على هذا.
الطالب: الاسم (...).
الشيخ: لا، يكون مقتضى الاسم.
طالب: (...).
الشيخ: لا، ما هو بكلِّ اسم؛ عندنا (الحي) ما فيه أثر، (الحي) وصفٌ لازمٌ لذاته ما يتعدَّى، لكن إذا قلت: (البصير)، (السميع)، هذا يتعدَّى؛ يتعدَّى إلى المسموع في (السميع) وإلى المبصَر في (البصير)، فالضابط أنَّ الذي لا بدَّ فيه من الإيمان بالأثر هو الاسم المتعدِّي.
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، هذا داخل في قولنا: علو الصفة؛ إذا قلنا: علو الصفة، شَمِل علوَّ القَدْر وعلوَّ القهر وجميعَ أنواع العلوِّ؛ يعني هذا أعمُّ، وإلا بعض العلماء يقول: إنَّه ثلاثة أقسام: علوُّ الذات، وعلوُّ القَدْر، وعلوُّ القهر. لكن إذا قلنا: علوُّ الذات وعلوُّ الصفة، صار أشمل وأعمَّ.
طالب: (...)؟
الشيخ: الظاهر -والله أعلم- أنَّ الأرض التي ينتفع بها الخلْق ويكون لهم فيها مصلحة -والمراد الإنس- هي أرضٌ واحدةٌ، هذا الظاهر والله أعلم.
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم، أحسنت، هذا إشكال جيِّد، يقول: إذا قلنا: الهواء تابع للقرار، والأسفل تابع للأعلى، يوجد مساجد الآن أعلاها مسجدٌ وأسفلها دكاكين، هذه أصلُ وضعِ الإنسان لها أنَّه وضع هذه دكاكين وهذه مسجدًا، كما أنَّه يوجد الآن بعض العمارات يكون أسفلها مملوكًا لزيد، والذي فوقه لعمرو، واللي فوقه لخالد، موجود هذا، لكن إذا كان الأرض اللي تحته ما مَلَكها واحد فهي له؛ لأنَّ العمارات هذه على حسب ما صرَّفَها مالكُها، يجعل الجهة هذه مسجدًا صارت مسجدًا، وإذا جعل هذه مساكن صارت مساكن.
طالب: (...) سطح البيت.
الشيخ: لا، أحيانًا تكون أرضًا وأحيانًا تكون سطحًا.
طالب: (...)؟
الشيخ: ما يجوز؛ يعني لو كان هذا مسجدًا مثل المسجد الذي نحن فيه الآن، لو أراد أحد يعمر فوقه شيئًا قلنا: لا، ما يجوز.
***
هذا يسأل يقول: إذا كان الرجل مبتدعًا وأتى بكلامٍ يحتمل أنَّه على مذهب السلف أو على مذهب الخلف، فهل نحمله على أنه على مذهب السلف؟نحن ذكرنا قبل قليلٍ أنَّه ما لم يوجد قرينة، فإنْ وُجِد قرينة ما نحمله على المعنى الصحيح، نحمله على ما نعلم من حال الرجل، ولهذا يقول بعضهم -أظنُّه البلقيني- يقول: استخرجتُ اعتزاليَّات الكشاف بالمناقيش.
الكشاف تفسيرٌ للزمخشري، تفسيرٌ جيِّد في الواقع، من حيث اللغة ومن حيث المعنى جيِّد، ويتكلَّم أحيانًا على الأمور الفقهيَّات، وكلُّ مَن بعده رأيناه يستسقي منه فيما يتعلَّق بالبلاغة والإعراب مثل أبي السعود وغيره، لكنَّه معتزليٌّ بحت، ويذمُّ أهلَ السُّنَّة ويسمِّيهم الحشوية، تجد في كلامه أشياء تقول: هذه جيِّدة، هذا كلامٌ من أحسن ما يكون؛ كما في قول الله تعالى: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران: ١٨٥] قال: أيُّ فوزٍ أعظمُ مِن أن يُزَحزح عن النار ويدخل الجنة؟!
كلامٌ إذا سمعتَه ماذا تقول؟ هو كلام طيِّب، ما فيه فوزٌ أعظم من هذا، لكنَّه يُشير إلى نفي رؤية الله؛ لأنَّه من المعلوم أنَّ الله سبحانه وتعالى جعل رؤيتَه زيادةً على نعيم الآخرة؛ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس: ٢٦]. هو يقول: أيُّ فوزٍ أعظم من أن يُزحزَح عن النار ويدخل الجنة؟! الجواب من كل واحد سيقول: لا شيء، لا فوز أعظم من هذا. لكنْ هو يُشير إلى إنكار رؤية الله عز وجل، مَن يدري هذا؟! لولا أنَّنا عرفْنا من مذهب الرجل أنَّه معتزليٌّ ينكر رؤيةَ الله عز وجل لَكُنَّا نقول: لا يجوز أن نتَّهمه؛ لأنَّ مَن دخل الجنة فسوف يرى الله عز وجل.





