تفسير الآية (20)
تفسير الآية (21)
تفسير الآية (24)
تفسير الآية (25)
تفسير الآية (20)
00:00:03
ثم قال الله تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ [الشورى: ٢٠].
لا يخفى علينا جميعًا من حيث الإعراب أنَّ مَنْهنا شرطية، والدليل قوله: نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ؛ حيث جاء الجواب مجزومًا، وهذا فيه أنَّ فِعل الشرط يكون ماضيًا والجواب يكون مضارعًا؛ ماضيًا لقوله: مَنْ كَانَ، الجواب: نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ، وكذلك بالعكس؛ قد يكون فِعل الشرط مضارعًا والجواب ماضيًا؛ مثل: مَن يَشْكر اللَّهَ زاده اللَّهُ.
(مَنْ كَانَ يُرِيدُبعمله حَرْثَ الْآخِرَةِأي: كَسْبَها، وهو الثواب نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِبالتضعيف فيه؛ الحسنة إلى العشرة أو أكثر).
حَرْثَ الْآخِرَةِأصْل الحرث ما يُحرَث للنماء والزيادة، ومنه حَرْث الفلَّاحِ الأرضَ من أجْل أن يزرعها فيكسب ويزداد مالُه.
وقوله: حَرْثَ الْآخِرَةِيقول: (أي: كَسْبها، وهو الثواب).
نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِفسَّر المؤلف رحمه الله زيادة الحرث بزيادة الثواب؛ الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضِعْفٍ إلى أضعافٍ كثيرة. ونزيد أمرًا آخَر؛ أي: نُؤتِهِ من الدنيا والآخرة؛ بدليل قوله: وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ [الشورى: ٢٠].
إذَنْ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِمن وجهين:
الوجه الأول: أنَّ الله تعالى يعطيه ثوابَ الدنيا والآخرة.
والثاني: أنَّه يضاعِف الثوابَ؛ الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعفٍ إلى أضعافٍ كثيرة.
قال: وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا [الشورى: ٢٠] يعني: كَسْبها والتنعُّم فيها. هذا في الغالب يُعرِض عن الآخرة؛ لأنَّه لا يريد إلا الدنيا، ولهذا تجده مهتمًّا بأمور الدنيا غايةَ الاهتمامِ، حتى السيارة إذا أصابتْها بقعةٌ من الطين بالمشي على الطين ذهب ينظِّفها ويمسحها، لكن قلبه مملوءٌ من البلاء، ولكنَّه لا يحرص على تنظيفه وتنقيته لأنَّه لا يريد إلا الدنيا، تجده -مثلًا- في قصوره لا يهتمُّ إلا بإصلاح الجُدُر وتنظيفها، لكن بناء الدِّين لا يهتمُّ به، هذا يقول الله عز وجل فيه: وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا، مِنْهَا، ولا نؤتيه كلَّ ما أراد، نُؤْتِهِ مِنْهَا.
وكلمة نُؤْتِهِ مِنْهَاهذه مطْلقةٌ، لكنَّها مقيَّدة بما في سورة الإسراء: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُلا ما يشاء هو لِمَنْ نُرِيدُ [الإسراء: ١٨] يعني حتى إنَّ الله عز وجل بيَّن أنَّ المعجَّل تابعٌ لمشيئته، وأنَّ المعجَّل له -وهو الإنسان- تابعٌ لإرادته؛ فقال: عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ [الإسراء: ١٨]. انتبهْ، لا تظن أنَّ الآية فيها تكرار، لا؛ مَا نَشَاءُهذا باعتبار المعجَّل، لِمَنْ نُرِيدُباعتبار المعجَّل له، فلا كلُّ أحدٍ أراد يعجَّل له، ولا كلُّ أحدٍ أراد شيئًا يحصل له ما أراد؛ لأنَّ الأمر بيد الله سبحانه وتعالى، ولهذا يقول هنا: نُؤْتِهِ مِنْهَا.
فإذا قال قائل: كلمة نُؤْتِهِ مِنْهَاجواب الشرط، وهي تقتضي أنَّ الله سيؤتيه منها.
نقول: هذا المطْلَق أيش؟ مقيَّدٌ بآية سورة الإسراء: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَوهي الدنيا عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا [الإسراء: ١٨].
(نُؤْتِهِ مِنْهَابلا تضعيفٍ لِمَا قُسِم له وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ) نسأل الله العافية.
في هذه الآية: حثٌّ على أن يريد الإنسانُ بعمله الآخرةَ.
فإن قال قائل: كيف يريد الآخرة بعمل الدنيا؟ ولنفرض الأكل والشرب؛ ذهب الإنسانُ إلى السوق ليشتري خُبزةً وإدامًا، كيف يريد الآخرة؟
نقول: يمكن أن يريد الآخرة بذلك:
فيريد أولًا امتثالَ أمْر الله؛ لقوله تعالى: كُلُوا وَاشْرَبُوا [الأعراف: ٣١].
ويريد ثانيًا حِفْظَ قوَّته وصِحَّته، وهذا أمرٌ مطلوبٌ؛ لأنَّ الله يقول: لَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [النساء: ٢٩].
وأَمَرنا أن نأكل من الطيبات ونشكره، يريد بذلك التقوِّي على طاعة الله؛ لأنَّه كلَّما كان الجسم قويًّا كانت العبادة أكمَل، فيريد بأكله وشربه التقوِّي على طاعة الله.
رابعًا: يريد بذلك التنعُّم بكَرَم الله، كيف ذلك؟ لأنَّ الكريم يحبُّ أن يُقبَل كَرَمه، أليس كذلك؟ يعني لو أنَّ رجلًا جوادًا كريمًا أهدى عليك هديَّةً فهل يفرح إذا قَبِلتَها ويُغَمُّ إذا رددتَها أو بالعكس؟
الطلبة: الأول.
الشيخ: الأول؛ يُسَرُّ إذا قَبِلتَها ويُغَمُّ إذا رددتَها.
إنَّ ربَّنا جل وعلا أكرمُ الأكرمين، فهو يحبُّ من عباده أن يتبسَّطوا بنِعَمه ويتنعَّموا بها، إذَنْ هذا إرادةُ حَرْث الآخرةِ بعمل الدنيا. أمَّا عمل الآخرة المحض كالصلاة والصيام والحج وما أشبهَ ذلك فهذا أمره واضح.
إذَن السؤال الآن أُعيده مرةً أخرى: كيف يريد الإنسان حَرْث الآخرة بما هو من أمر الدنيا؟
الجواب أنَّ ذلك ممكن، ونضرب مثلًا لهذا بالأكل والشرب، ويتبيَّن لنا أربع إراداتٍ كلُّها يُثاب عليه الإنسان، مع أنَّه لو تأمَّل المتأمِّل لَوجد أكثرَ من هذا.
ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من إرادة الدنيا فقط؛ لقوله: وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ.
ومن الفوائد: أنَّ مَن أراد حَرْث الدنيا فإنَّه لا يُعطَى كلَّ ما أراد؛ لقوله: نُؤْتِهِ مِنْهَا، ومَن أراد حَرْث الآخرة يُعطَى كلَّ مراده وزيادة.
ومنها: الإشارة إلى أنَّ الأعمال بالنيات؛ لقوله: يُرِيدُ، ففيه إشارةٌ إلى حُسن النيَّة وأنَّ الإنسان ينبغي له إحسانُ النيَّة، بل يجب عليه إحسانُها.
ومنها: الردُّ على الجبرية، من أين يؤخذ؟ من قوله: يُرِيدُ؛ لأنَّ الجبرية يقولون: إنَّ الإنسان ما له إرادة. سبحان الله! ما له إرادة؟! لا ما له إرادة. طَبَخ الطعامَ ليأكله فهذا بغير إرادة، حضَّر أدوات المنزل ليستعملها، قال: هذا ما هو بإرادته، ليس بإرادته. ماذا تقولون في هذا الرأي؟ هذا رأيٌ مخالفٌ للفِطَر، مخالفٌ لأدنى فِطْرة، حتى الصبي يعرف إذا أُجبِر وإذا فَعَل بالاختيار.
قُدِّم لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- سارقٌ، فأَمَر بقطْع يده: اقطعوا يده. تَمَّت شروط القطْع، فقال: مهلًا يا أمير المؤمنين، واللهِ ما سرقتُ هذا إلا بقَدَر الله. ويش يريد؟ أن يرتفع عنه الحدُّ؛ إذا كان بإرادة الله يعني ليس لي فيه اختيار، فقال له أمير المؤمنين: ونحن لا نقطع يدك إلا بإرادة الله. فبُهِتَ؛ لأنَّه ما يستطيع أن يقول شيئًا، مع أنَّ قطْع أمير المؤمنين يده كان بإرادة الله الكونية والشرعية، والسارق بإرادة الله الكونية فقط؛ لأنه لم يؤذَن له بالسرقة. إذَنْ في الآية ردٌّ على مَن؟ على الجبرية.
وهل في الآية دليلٌ للقَدَرية الذين ينكرون إرادة الله فيما فعل العبد؟
الجواب: لا، ليس فيها ردٌّ لقولهم، لكنْ ليس فيها إثباتٌ لقولهم؛ لأنَّ إرادة الإنسان من صفاته ولَّا من غير صفاته؟ من صفاته؛ هو الذي يريد.
العبد مخلوق ولَّا غير مخلوق؟ مخلوق، إذَنْ إذا كان مخلوقًا كانت صفاتُه أيضًا مخلوقةً ولا بدَّ، فإرادتُك مخلوقةٌ لله باعتبار أنَّك أنت مخلوقٌ، وصفة المخلوق مخلوقة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: كمالُ سلطانِ الله عز وجل؛ لقوله: نُؤْتِهِ مِنْهَا، نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ.
ومن فوائدها: إثباتُ كرم الله وأنَّه عز وجل أكرمُ من عَبْده؛ يعمل العبدُ قليلًا ويُثاب كثيرًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثباتُ الآخرة، وإثباتُها ثابتٌ بالقرآن، والسُّنَّة، وإجماع المسلمين، والنظر الصحيح؛ يعني العقل:
أمَّا الكتاب والسُّنَّة فمملوءانِ من إثبات اليوم الآخِر.
وأمَّا الإجماع فهو ثابتٌ، لا أحد من المسلمين يُنكر الآخرة، ومَن أنكرها كَفَر.
وأمَّا النظر الصحيح فلقوله تعالى: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ [القصص: ٨٥]، وقوله: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ [المؤمنون: ١١٥]. أرأيتم يا أيها الإخوة، أرأيتم لو أنَّ الله عز وجل خَلَق هذه الخليقة، وأرسلَ الرُّسُلَ، وأنزل الكُتُبَ، وفَرَض الجهادَ، وكان هذا يقتل هذا على دين الله، ويسبي نساءه، ويأخذ مالَه؛ يغنم ماله، ثم تكون المسألة عائدةً إلى أن نكون رِمَمًا لا نُبعث، ماذا يكون هذا العمل؟ عبثًا يُنَزَّه اللَّهُ عنه. ولولا إيماننا باليوم الآخِر لَكان القويُّ منَّا يأكل الضعيفَ لأنَّه لا يرجو حسابًا، ولكن العقل يقتضي ويُوجِب الإيمانَ باليوم الآخِر.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ مَن أراد بعمله الدنيا فإنَّه لا نصيب له في الآخرة.
ولكنْ هل نفْيُ النصيب هنا نفْيٌ كاملٌ، أو ليس له نصيبٌ في الآخرة بهذا العمل الذي أراد به الدنيا؟ الثاني أو الأول؟
الطلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني لا شكَّ، اللهمَّ إلَّا أن يكون هذا العمل والإرادة مما يُخرِج عن الدِّين فإنَّه لا نصيب له مُطلقًا.
هل مثلًا لو أراد الإنسانُ بدراسته أن ينال الإجازة؛ يعني الشهادة، هل يكون مِمَّن أراد حَرْث الدنيا أو الآخرة؟
حسب ما في قلبه؛ إن كان أراد بالشهادة أن يرتقي إلى منصبٍ دنيويٍّ فقد أراد الدنيا، وإن أراد بذلك أن يرتقي إلى منصبٍ يتمكَّن به من نفْع المسلمين بالتدريس أو بالتدبير فهذا أراد الآخرة لا شك، ولذلك ما بين الدنيا والآخرة في هذه المسألة إلا شعرة أو أقلُّ؛ هل أنت تريد بالشهادة أن تقول: أنت في المرتبة الخامسة أو العاشرة أو المئة أو المئتين أو الألْف أو الألْفين، أو تريد بذلك أن تتبوَّأ مكانًا تنفع به الناس؟ الأول خاسر، والثاني رابح؛ لأنَّنا مع الأسف الآن أصبحنا لا يُقَدَّر الإنسانُ إلا بما معه من البطاقة، العِلم هو ورقة تطلِّعها من (...) شهادة دكتوراه رقم (أ)، إذا أعطيتَها إيَّاه خلاص: ويش تبغي؟ وين نوظِّفك؟ أي مكان تريد؟
لكن يجيء رجُل في العلم مثل شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: وظِّفْني في مدرسة ابتدائية. ويش يقول له؟ أجيبوا يا جماعة بالواقع.
الطلبة: (...).
الشيخ: ما معك شهادة، ما نوظِّفك. يا رجُل، وظِّفْه، جرِّب. قال: ما فيه. فصار الآن ميزان عِلْم الناس بهذه البطاقة، إذا كان الناس نزلوا إلى هذا المستوى أنا أُجاريهم ونيَّتي عند الله معلومة، قصدي أريد أن أتبوَّأ مكانًا في الأُمَّة؛ أكون مدرِّسًا، قاضيًا رئيسًا لشيءٍ أُوَجِّه الناس، والله الموفق.
***
تفسير الآية (21)
00:16:34
ثم قال الله عز وجل: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ [الشورى: ٢١] قال المفسِّر: (أَمْبمعنى بَلْ). أشار بهذا إلى أنَّ (أَمْ) هنا منقطعة، و(أم) المنقطعة هي التي تأتي بمعنى (بل) وهمزة الاستفهام؛ أي: بلْ أَلَهُم شركاء.
أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْقال المؤلف: (لَهُمْلكفَّار مكة)، والصواب أنها أعمُّ من ذلك؛ يعني أنَّ جميع المشركين لهم شركاء جعلوهم مع الله عز وجل يشرعون لهم من الدِّين ما لم يأذنْ به الله.
قال: (هم شياطينهم شَرَعُواأي: الشركاء لَهُمْللكفَّار) وهنا قال: (للكفَّار)، وفيما سبق قال: (كفَّار مكة)، فتكون (أل) في كلامه للعهد الذِّكري. (مِنَ الدِّينِالفاسد مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُكالشرك وإنكار البعث)، وهذا الاستفهام هنا بمعنى الإنكار عليهم أن يتَّخذوا هؤلاء شركاءَ يشرعون لهم من الدين ما لم يأذنْ به الله.
وقوله: مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ [الشورى: ٢١] المراد بالإذن هنا الإذن الشرعي؛ لأنَّ الإذن يكون قدريًّا ويكون شرعيًّا؛ فما يتعلَّق بالأمر والنهي شرعيٌّ، وما يتعلَّق بالخلْق والتكوين قدريٌّ؛ فقوله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة: ٢٥٥] يُراد به الإذن الشرعي أو القدري؟
طالب: الشرعي.
الشيخ: يحتمل هذا وهذا؛ إِلَّا بِإِذْنِهِأي: بأن يأذنَ قدرًا بأن يشفع، أو يأذنَ شرعًا.
وقوله تعالى: وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [البقرة: ١٠٢] أيُّ الإذنين؟
الطلبة: القدري.
الشيخ: القدري؛ لأنَّ الله تعالى لا يأذن شرعًا بأن يضرَّ السحرةُ أحدًا.
وهنا: شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [الشورى: ٢١] أي: ما لم يأذنْ به شرعًا، أمَّا قدرًا فقد أذِنَ به لأنَّه وقع، وكلُّ شيءٍ يقع فإنَّه مأذونٌ فيه قدرًا؛ لأنَّه لا يمكن أن يقع في مُلك الله عز وجل ما لم يأذنْ به قدرًا.
ومِن ذلك -أي: من شَرْعهم ما لم يأذنْ به الله- تحليلُ ما حرَّم الله أو تحريمُ ما أحلَّ الله، ولهذا جعل الله سبحانه وتعالى هؤلاء الذين يحلِّلون ما حُرِّم ويحرِّمون ما أُحِلَّ جَعَلهم أربابًا؛ كما في قوله تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة: ٣١]. قال عديُّ بن حاتمٍ للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إنَّا لَسْنا نعبدهم. قال: «أَلَيْسَ يُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَتُحِلُّونَهُ، وَيُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ؟». قال: بلى. قال: «فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ» . يعني طاعتهم.
(وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِأي: القضاء السابق بأنَّ الجزاء في يوم القيامة لَقُضِيَ بَيْنَهُمْوبين المؤمنين بالتعذيب لهم في الدنيا وَإِنَّ الظَّالِمِينَالكافرين لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [الشورى: ٢١] مؤلم).
لَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ(لولا) هذه يقول النحويُّون: إنها حرف امتناعٍ لوجود. ما الذي امتنع في هذه الآية؟
الطلبة: القضاء.
الشيخ: القضاء بينهم. والموجود كلمةُ الفصل.
واعلمْ أنَّ (لولا) حرف امتناعٍ لوجود، و(لَمَّا) حرف وجودٍ لوجود، و(لو) حرف امتناعٍ لامتناع، فاقتسمتْ هذه الأدوات الثلاث، اقتسمت المعاني الثلاثة:
(لو) حرفُ امتناعٍ لامتناع؛ تقول: لو زُرتَني لَأكرمتُك. هنا امتنع الإكرامُ لامتناع الزيارة.
وتقول: لَمَّا رأيتُك أكرمتُك. هنا وُجِد الإكرام لوجود الرؤية.
وتقول: لولا زيدٌ لفعلتُ كذا وكذا. هذا حرف امتناعٍ لوجود.
لَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِوهي كلمة الله عز وجل السابقة التي قضى عز وجل بها أنَّ لكلِّ شيءٍ أجَلًا مقدَّرًا، هذه الكلمة التي جعلها الله عز وجل-لكلِّ شيءٍ أجَلٌ مقدَّرٌ- لولا هذه لَقضى الله بينهم وبين المؤمنين بتعجيل العذاب لهم.
في هذه الآية فوائد منها: أنَّ مَن أطاع الزعماءَ والكبارَ في تحريم شيءٍ أحلَّه الله، أو تحليل شيءٍ حرَّمه الله، أو إيجاب شيءٍ لم يوجبْه الله، فإنَّه قد اتخذهم شركاء.
ويترتَّب على هذه الفائدة أنَّ متَّبعي دُعاة البِدَع قد اتخذوهم شركاء.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ الأمور المشروعة لا بدَّ أن يكون فيها إذنٌ من الله، يعني التي يفعلها الإنسانُ تديُّنًا لا بدَّ أن يكون فيها إذنٌ من الله عز وجل؛ لأن الله تعالى أنكرَ على هؤلاء الذين اتخذوا شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذنْ به الله، وهذا بمعنى قولنا: الأصلُ في العبادات الحظرُ والمنعُ إلا إذا قام دليلٌ على مشروعيتها. وعليه فلو رَأَيْنا شخصًا يتعبَّد بعبادةٍ لم نكن نعرفها فلنا أن نُنكر عليه حتى يأتي بدليلٍ، أليس كذلك؟ لأنَّ الدين متلقًّى من عند الله عز وجل.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ ما سوى الأمور الدينية فإنَّه خاضعٌ للأمور العاديَّة، أو للأحوال العاديَّة؛ لقوله: شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ، وعلى هذا لو شرعوا قوانين ونُظُمًا لا علاقة لها بالدين فإنَّ ذلك جائزٌ ولا تُعَدُّ موافقةُ هذه النُّظُم شركًا، فكيف إذا كانت هذه النُّظُم تؤيَّد بالقواعد العامَّة، وهي جلْبُ المصالح ودفعُ المفاسد؟!
ومن فوائد هذه الآية: الردُّ على أولئك القوم الجَهَلة الذين ينكرون كلَّ نظامٍ تسُنُّه الحكومات بقطْع النظر عن كونه أمرًا دينيًّا أو أمرًا دنيويًّا، وبقطْع النظر عن كونه موافقًا للشرع أمْ غير موافقٍ للشرع؛ لأنَّ بعض الناس مثلًا يقول: أنا لا أتقيَّد بأنظمة المرور لأنَّه ما فيه دليل. وربما يقول: هذه بِدَع.
فيُقال له:
أولًا: الأمور الدنيوية الأصل فيها الحِلُّ، ولا يُبَدَّع مَن أتى بها خارجًا عن العادة لكنْ يُنظَر هل هي حلال أو حرام.
ثانيًا: إنَّ النصوص تدلُّ على وجوب طاعة وُلاة الأمر؛ كقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء: ٥٩]، وقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الأمير: «اسْمَعْ وَأَطِعْ وَلَوْ أَخَذَ مَالَكَ وَضَرَبَ ظَهْرَكَ» .
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: حكمة الله عز وجل بتعجيل أو تأخير العذاب؛ لقوله: وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ.
ومن فوائدها: أنَّ ما قضاه الله أزَلًا -يعني في الماضي- لا يتغيَّر؛ لقوله: وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ.
فإن قال قائل: ما تقولون في قوله تعالى: يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد: ٣٩]؟ هل يعارِض ما قرَّرناه من فوائد هذه الآية؟
فالجواب: لا، لا يعارِض؛ لأنَّ الله قال: يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُثم قال: وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِيعني أصله، فما في أمِّ الكتاب لا يتغيَّر، وما لم يكن كذلك فإنه يتغيَّر؛ أليس الله تعالى يقول: إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [هود: ١١٤]، فالسيِّئات بعد أن كُتِبتْ أتت الحسناتُ فمحتْها، الإنسانُ يُذنب فيُكتَب الذنب ثم يستغفر فيُمحَى الذنب، وأمَّا ما في أصل الكتاب فإنه لا يتغيَّر، وعلى هذا فلا يعارض هذه الآية وهي قوله: وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ.
فإن قال قائل: ما تقولون في الحديث الصحيح: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» ؟ فإن هذا يدلُّ على أنَّ صِلة الرحم سببٌ لكثرة الرزق وسببٌ لطول العمر، وأنتم تقولون: إنَّ العمر مكتوبٌ والرزق مكتوبٌ.
فالجواب: الرزق مكتوب على هذا السبب، والأجَل مكتوب على هذا السبب، فيكون الله تعالى قد كتب أجَلَ هذا مؤخَّرًا لصلة الرحم، ووسَّع في رزق هذا لصلة الرحم، ويكون هذا معلومًا عند الله، لكن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذكر هذا ترغيبًا في صلة الرحم لأنَّ الإنسان لا يعلم ما كُتِب له في المستقبل، وحينئذٍ لا منافاة.
وأمَّا مَن قال من العلماء: إنَّ المراد بقوله: «يُنْسَأ لَهُ فِي أَثَرِهِ» أنَّ الله يبارك له في العمر، هذا غير صحيح؛ لأنه خلاف ظاهر الحديث؛ فظاهر الحديث أنَّه يؤخَّر لكنْ يكون مكتوبًا عند الله أنَّه واصلٌ وأنَّ عُمره إلى كذا، لكن هل الإنسان يعلم بأنه مكتوبٌ عند الله هكذا؟ لا يعلم، فأراد النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يحثَّ الإنسانَ على صلة الرحم بمثل هذا الوعد.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثباتُ الأسباب؛ لقوله: وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْفالكلمة سبب لتأخير العذاب، وإثبات الأسباب أمرٌ لا ينكره إلا الجاحد.
واعلمْ أنَّ الناس انقسموا في الأسباب إلى ثلاثة أقسام:
قسمٌ أنكروا الأسبابَ نهائيًّا وقالوا: لا تأثير للسبب في المسبَّب.
وقسمٌ أثبتوا الأسبابَ على وجه الغُلُوِّ وزعموا أنها –أي: الأسباب- موجِبةٌ ولا بدَّ.
والقسم الثالث أثبتوا الأسبابَ، ولكنَّهم جعلوا ذلك تابعًا لمشيئة الله عز وجل.
فالأقسام كم؟
طالب: ثلاثة.
الشيخ: ثلاثة. عُدَّها.
طالب: القسم الأول أنكروا الأسباب.
الشيخ: نعم، أنكروا تأثير الأسباب.
الطالب: (...).
الشيخ: غالى في إثباتها وجعلها موجِبةً لذاتها ولا بدَّ. والثالث؟
الطالب: (...).
الشيخ: قالوا: لكنَّها تحت مشيئة الله. هذا القول هو المتعيِّن أنَّنا لا نُنكر الأسبابَ، وكيف نُنكرها ونحن نشاهد هذا بأعيننا؟! هم يقولون: إنَّ ما يحصل بالسبب ليس حاصلًا به لكنَّه حاصلٌ عنده؛ فمثلًا إذا رميتَ بحجرٍ على زجاجة ثم انكسرتْ يقولون: إنَّ الذي كسرها ليس الحجر، لكن كسرَتْها إرادةُ الله عند ملامسة الحجر. إذَنْ حصلتْ عند السبب لا بالسبب. عندما تُدخِل ورقةً في النار تحترق، يقولون: النار ما أحرقتْها، أحرقتْها إرادة الله عند ملامسة النار. هذا كلام غير معقول يضحك منه السُّفهاء قبل الحُلَماء؛ كيف نقول ونحن نشاهد أنَّ الحجر يقع على الزجاجة يكسرها، كيف نقول لم يكسرها؟! الإنسان لو اتَّكأ على الزجاجة لَقال له مَن عنده: لا تتَّكئ فتنكسر.
وأمَّا القول الثاني الغالي في إثبات الأسباب والذين يقولون: إنَّ الأسباب فاعلةٌ ولا بدَّ أو موجِبة ولا بدَّ، هؤلاء أيضًا ضالُّون؛ فها هي النار العظيمة كانت على إبراهيم بردًا وسلامًا، ولو كان السببُ موجِبًا بذاته ولا بدَّ لَأحرقتْ إبراهيمَ على كل حال، لكن الله قال: كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء: ٦٩] فكانت بردًا وكانت سلامًا، قال العلماء: لو قال الله تعالى: كُونِي بَرْدًاولم يقُل وَسَلَامًالأهلكتْ إبراهيم من البرد، لكن الله قَرَن البردَ بالسلام. إذَن الآية التي معنا فيها إثبات الأسباب؛ لقوله: وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الوعيد الشديد للظالمين؛ لقوله: لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ.
ومن فوائدها اللغوية: أنَّ (أليم) تأتي بمعنى مؤلِم؛ يعني (فَعِيل) بمعنى (مُفْعِل)، وهذا قليلٌ في اللغة العربية، أكثر ما يأتي (أليم) في اللغة العربية بمعنى (آلِم)؛ أي: بمعنى فاعل، هذا هو الأكثر، لكن قد يأتي (فَعِيل) بمعنى (مُفْعِل) كما في هذه الآية، وكما في قول الشاعر:
| أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ | يُؤَرِّقُنِي وَأَصْحَـــــابِي هُجُــــوعُ |
| أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ | ....................... |
(السميع) بمعنى الْمُسْمِع، يقولها في معشوقته؛ الداعي الْمُسْمِع.
| ....................... | يُؤَرِّقُنِي وَأَصْحَــــابِي هُجُـــــوعُ |
***
تفسير الآية (24)
00:34:28
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا [الشورى: ٢٤].
أَمْهنا قال المفسر: (بَلْ). يعني أنَّ (أمْ) بمعنى بلْ، ويسمُّونها منقطعة؛ لأنَّ (أمْ) تكون متصلة وتكون منقطعة، إذا صارت بمعنى (بلْ) فهي منقطعةٌ لأنها تُشْبه الإضرابَ عمَّا سبق، وإذا كانت بمعنى (أو) فهي متَّصلة؛ مثل أن أقول: أتُريد كتابًا أمْ ساعةً، هذه أيش؟
الطلبة: متصلة.
الشيخ: متصلة؛ لأنها بمعنى (أو)، ولا يستغني أحد الطرفين فيها عن الآخر.
وإذا قلت: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ [يونس: ٣٨] لا تجد فيه مقابلة، فهي منقطعة بمعنى (بل).
يَقُولُونَأي: الكفَّار من مشركي قريشٍ وغيرهم افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًاأي: اختلقَ على الله كذبًا، وذلك بقوله: إنَّ القرآن كلام الله، فقالوا: إنَّ القرآن ليس كلام الله، وإنَّ محمدًا كاذب، ولكنه ساحر، كاهن، مجنون، وما أشبهَ ذلك من الكلمات التي يرمون بها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال الله تعالى: فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ [الشورى: ٢٤].
فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَمفعول (يشأ) محذوف، ويُقدَّر بما يدلُّ عليه السياق؛ أي: فإنْ يشأ الله أن تفتري عليه كذبًا -وهذا شيءٌ محالٌ- يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَقال المؤلف: (يربط)، والصواب أنَّ الختم هنا بمعنى الطبع؛ يعني: إن افتريتَ على الله كذبًا طَبَع الله على قلبك. وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَالذي افتريتَه لو قُدِّر أنَّك افتريتَه، وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ(يُحِقُّه) أي: يُثبته بِكَلِمَاتِهِالمنزلة على نبيِّه صلى الله عليه وعلى آله وسلم إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [الشورى: ٢٤].
معنى الآية إجمالًا أنه لو قُدِّر أنك افتريتَ على الله كذبًا فلن يتركك الله، لا بدَّ أن يبيِّن الحقَّ، فيختم على قلبك؛ يطبع عليه، ثم يمحو الله الباطلَ ويُحِقُّ الحقَّ بكلماته إنَّه عليمٌ بذات الصدور.
ويُشْبه هذا قول الله تبارك وتعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِيعني: إذا قرأ ألقى الشيطانُ في قراءته فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [الحج: ٥٢].
وقوله: فَإِنْ يَشَإِهل يَلْزم من هذا الشرط الوقوع؟ لا، يأتي الشرط أحيانًا في أعظم المستحيلات؛ أرأيت قول الله تعالى: قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ [الزخرف: ٨١]، وهل يمكن أن يكون لله ولد؟ لا يمكن، ومع هذا جاءت الشرطية.
وقال الله تعالى: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر: ٦٥] وهل هذا يستلزم جواز إشراك النبي صلى الله عليه وسلم؟ لا يستلزم.
وقال الله تعالى: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [يونس: ٩٤] هل يمكن أن يكون في شك؟ لا.
إذَن فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُيعني: إنْ يشأ الله أن تفتري عليه كذبًا، لا يَلْزم من هذا الشرط جواز افتراء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على الله كذبًا، ومن المعلوم أنَّ الله قد شهد لنبيِّه صلى الله عليه وسلم بالرسالة فقال: لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ [النساء: ١٦٦].
قال: وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِأي: بصاحبة الصدور. وما هي صاحبة الصدور؟ هي القلوب؛ كما قال الله تعالى: فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج: ٤٦].
في هذه الآية الكريمة فوائد منها: محاولة المشركين أن يُلبِّسوا على الخلْق حتى يُنكروا رسالةَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا، حتى يظن العوامُّ أنَّه مُفْترٍ على الله كذبًا فيُعرضوا عمَّا جاء به.
ومن فوائد الآية الكريمة: بيان شدَّة مُنابَذة الكفار لِمَا جاء به النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لقولهم: افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا.
ومن فوائدها: أنَّ مِثْل هذا الكلام قَدْحٌ في الله عز وجل، قَدْحٌ في القرآن، قَدْحٌ بالنبي صلى الله عليه وسلم:
أمَّا كونُه قَدْحًا في الله فلأنَّه ليس من الحكمة أن يؤيِّد الله تعالى هذا الذي افترى عليه كذبًا، بل الحكمة أن يؤاخذه ويعاقبه ولا يؤيِّده، والله سبحانه وتعالى قد أيَّد نبيَّه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالآيات الدالَّة على صِدْقه.
هو قَدْحٌ بالقرآن لأنَّه -على زَعْمهم- كلامٌ مفترى من عند الرسول عليه الصلاة والسلام، ولقد قالوا: إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌفقال الله تعالى: لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ [النحل: ١٠٣].
قَدْحٌ في الرسول عليه الصلاة والسلام، أن يُجعَل أصدقُ الخلْق في مقام المفترِي على مَن؟ على الله، والافتراء على الله أشدُّ من الافتراء على غيره، ولهذا قال عز وجل: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا [الأنعام: ٢١].
ومن فوائد الآية: إثبات المشيئة لله عز وجل، من أين تؤخذ؟
طالب: (...).
الشيخ: من قوله: فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ.
وهل مشيئة الله مجرَّدة عن الحكمة أو لا يشاء شيئًا إلا لحكمة؟
الثاني؛ لقول الله تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [الإنسان: ٣٠]، فبيَّن أنَّه عز وجل له المشيئة التامَّة، وأردفَ ذلك بقوله: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًاليتبيَّن أن مشيئة الله سبحانه وتعالى ليست مجرَّد مشيئةٍ عبثًا ولكنْ لحكمة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم مربوبٌ لله يفعل به ما شاء، من أين تؤخذ؟
طالب: فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ.
الشيخ: فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ القلب محلُّ الإدراك والعقل والتصرُّف؛ لقوله: يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ، فدلَّ هذا على أنَّ مدار التصرُّف كله على القلب.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ الطبع على القلب عقوبةٌ، سواءٌ كان طبعًا على العِلم أو طبعًا على القصد والإرادة، فإنه عقوبةٌ بلا شك، ولهذا كان من دعاء النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ، ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ» ، «اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا إِلَى طَاعَتِكَ» ، فالإنسان يجب ألَّا يعتمد على ما في قلبه من اليقين؛ فإنَّ هذا ربما يزول، بل عليه أن يسأل الله دائمًا التثبيت، يؤخذ من قوله: فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ.
من فوائد الآية الكريمة: حُسن أدلَّة القرآن الكريم؛ حيث استدلَّ بأمرٍ واضحٍ على ما زعمه هؤلاء، وهو أنَّه لو شاء الله أن يفتري الرسولُ صلى الله عليه وعلى آله وسلم على الله كذبًا لَختم على قلبه وأنساه ما عنده، ثم محا اللَّهُ الباطلَ الذي افتراه، ثم أحقَّ الحقَّ بكلماته.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ الله تعالى لا يُقِرُّ على باطلٍ؛ يَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ، فلا يمكن أن يُقِرَّ اللَّهُ تعالى على باطلٍ.
ويتفرَّع على هذه الفائدة فائدةٌ عظيمةٌ، وهي: ما فُعِل في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولم نعلم أنَّ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم اطَّلع عليه، فهل نحكم بجوازه لأنَّ الله اطَّلع عليه وسكت عنه، أو لا نحكم به حتى نعلم أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم عَلِمه؟
الأول؛ لأنَّ الله لا يُقِرُّ على باطلٍ والوحيُ ما زال ينزل. ولهذا يُخطئ بعضُ العلماء -رحمهم الله- إذا استُدِلَّ بما وقع في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يقولون: إنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يعلم. فنقول: هَبْ أنَّه لم يعلم، فإنَّ الله قد عَلِم.
مثال ذلك: قال بعض أهل العلم: إنَّه لا يصح أن يكون الإمامُ متنفِّلًا والمأمومُ مفترضًا؛ يعني لا يصح أن يصلِّي الفَجر خلف مَن يصلِّي النافلة، هذا هو المذهب عندنا. قيل لهم: هذا قولٌ مردودٌ؛ لأنَّ معاذ بن جبلٍ كان يصلي صلاة العِشاء مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثم يذهب إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاةَ في عهد النبيِّ صلى الله عليه وسلم . قالوا: لا حُجَّة في هذا؛ لأنَّنا لم نعلم أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم اطَّلع عليه. فما الجواب؟
الجواب: إذا لم يطَّلع عليه اطَّلع الله عليه، ولو كان باطلًا عند الله لَبَيَّنه كما بيَّن حال الذين يُبَيِّتون ما لا يرضى من القول ويكتمونه عن الناس فقال: يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ [النساء: ١٠٨]. إذَنْ دفعنا شُبهة هؤلاء الذين قالوا: لعلَّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلم به بأيش؟ بأنَّ الله عَلِمه، ولو كان باطلًا لم يُقِرَّه.
على أنَّنا نقول: يَبْعد أنَّ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يعلم به ومعاذٌ قد شُكِيَ إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بأنَّه يُطيل في الصلاة، لكنْ نُريد أن نتنَزَّل مع الخصم ونقول: هَبْ أنَّ الرسول لم يعلم به فإنَّ الله قد عَلِم به.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّه لا يمكن أن يمكِّن الله تبارك وتعالى لأحدٍ كافرٍ تمكينًا مطلقًا، من أين نأخذها؟ مَن يعرف؟
طالب: وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ.
الشيخ: لا.
طالب: قول الله عز وجل: لو شاء الله لَطَبَع على قلوبهم.
الشيخ: من كيسك هذه الآية؟!
طالب: من قوله تعالى: وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ.
الشيخ: لا.
طالب: فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ.
الشيخ: إي نعم، فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَفلا يُمَكِّنك من الباطل.
وقولُنا: (التمكين المطْلق) خرج به ما لو مكَّن الله تعالى للكافر على وجهٍ لا يستقرُّ؛ كما حصل في غزوة أُحُدٍ، فإنَّ المشركين هَزموا المسلمين، لكنَّه ليس هزمًا مستقرًّا، بل هو من حكمة الله عز وجل أن يُمَكِّن للكفار حتى يتشجَّعوا على حرب المسلمين ثم يقضي المسلمون عليهم.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ الله سبحانه وتعالى إذا محا الباطل جَعَل مكانه الحقَّ؛ لقوله: وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الكلمات لله؛ لقوله: بِكَلِمَاتِهِ.
والله سبحانه وتعالى متكلِّمٌ بكلامٍ حقيقيٍّ؛ بحروفٍ وأصواتٍ مسموعةٍ ومُحاورةٍ بينه وبين مَن شاء من خَلْقه، وهذا مذهب السلف الصالح، وعليه جَرَت المِحنةُ العظيمةُ على أئمة المسلمين من أُمَرَاء الجور والظُّلم وعلماءِ السوء؛ حيث ابتدعت الجهميةُ والمعتزلةُ القولَ بأن الله لا يتكلَّم وإنما يَخْلق كلامًا فقالوا: إنَّ الله عز وجل لا يتكلَّم لكنْ يَخْلق كلامًا، وكلامُه مخلوقٌ.
فيُقال: لو قلنا بأنَّ كلام الله مخلوقٌ لَبَطلت الشريعة؛ لأنَّه يستوي الأمرُ والنهيُ والخبرُ والاستخبار والقصص، تستوي لأنها مخلوقةٌ لا يمتاز بعضُها عن بعض، فهي باعتبار الصوت كزَمْجرة الرعد، وباعتبار الكتابة كنقوش الجدار؛ لأنها مخلوقة، وحينئذٍ لا أَمْر ولا نَهْي ولا خَبَر ولا استخبار ولا شيء.
وتلطَّفتْ طائفةٌ فلم تُوَفَّق وقالوا: إنَّ كلام الله غير مخلوقٍ، لكن كلامه هو المعنى القائم بنفسه، وما سُمِع منه فهو عبارةٌ عن كلام الله وهو مخلوق. فانظُر كيف ضلَّتْ هذه الطائفة حتى صارت أشدَّ ضلالًا من الذين قالوا: إنَّ الكلام مخلوقٌ.
ما معنى كلامهم؟ يقولون: كلام الله هو المعنى القائم بنفسه؛ كما لو أنَّك في نفسك قدَّرتَ أن تتكلَّم بقولٍ ثم قُلتَ. هم يقولون: إنَّ الله تعالى أَضْمرَ الكلامَ في نفسه ثم خلق أصواتًا تدلُّ عليه، فيكون هذا الذي في المصحف ليس كلامَ الله، أليس كذلك؟ ليس كلام الله، لكنَّه مخلوقٌ خَلَقه الله ليُعبِّر عمَّا في نفس الله.
المعتزلة يقولون: الذي في المصاحف كلامُ اللهِ مخلوقٌ، والأشاعرة يقولون: ليس كلامَ الله وهو مخلوق، فأيُّهما أقربُ إلى الصواب؟ المعتزلة أقرب.
وهؤلاء يزعمون أنهم العُقَلاء -أعني الأشاعرة- وأنهم حاولوا الجمعَ بين المنقول والمعقول، ولكنَّهم أفسدوا المنقولَ والمعقولَ.
فنحن نقول: إنَّ الله يتكلَّم بكلامٍ مسموعٍ وبحروفٍ متتالية، والله يفعل ما يشاء؛ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: ٨٢].
ومن فوائدها: عموم عِلْم الله عز وجل وبطون عِلْم الله؛ أنَّه عِلْمٌ عميقٌ يصل إلى أَخْفى شيءٍ، من أين؟ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ.
ومن فوائدها الفائدة المسلكية المهمَّة، وهي أنَّ الإنسان إذا عَلِمَ بأنَّ الله تعالى عليمٌ بما في قلبه فإنَّه سوف يُمْسِك عن كل إرادةٍ سيِّئةٍ ويُقدِم على كلِّ إرادةٍ حسنةٍ.
ومنها: أنَّه يجب على العبد أن يصحِّح ما في قلبه لأنَّ المدار عليه؛ قال الله تبارك وتعالى: أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ [العاديات: ٩، ١٠].
واعلمْ يا أخي أنَّ الحُكم في الدنيا على الظاهر والحُكم في الآخرة على الباطن، فهل تُحسِّن ظاهرَك ليُحْكم عليك بالدنيا بما يقتضيه هذا الظاهر، أو تُحسِّن باطنَك ليُحْكم لك يوم القيامة بما يقتضيه هذا الباطن؟ أيُّهما؟ الثاني. ولهذا لا تغترَّ بكثرة الركوع والسجود وبُكاء العَيْن وما أشبهَ ذلك، بل انظُر إلى ما في القلب، وإنْ كانت هذه الأعمال التي ذكرتُها علامةً على صلاح القلب، لكنْ ثبِّت الإيمانَ في القلب، عليك بإصلاح القلب قبل كلِّ شيءٍ، اغرسْ في قلبك محبَّة الله ورسوله، اغرسْ في قلبك محبَّة الشريعة وإنْ ثَقُلتْ عليك؛ كما قال تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [البقرة: ٢١٦]، اغرسْ في قلبك محبَّة المؤمنين، لا تكرهْ أيَّ مؤمنٍ وإنْ أساءَ إليك، إنْ أساءَ إليك المؤمن فاكرهْ إساءتَه، أمَّا هو شخصيًّا فلا تكرهه، اغرسْ في قلبك الولاية لكلِّ مسلمٍ، والعداوةَ لكلِّ كافرٍ ... وهلُمَّ جرًّا، المهم أن تعتني بصلاح قلبك؛ لأنه هو الذي عليه مدار الحساب يوم القيامة؛ قال الله تعالى: إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ [الطارق: ٨، ٩] أي: تُختبَر السرائر. اللهمَّ أصلحْ ظواهرَنا وبواطنَنا يا ربَّ العالمين.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ المدار على القلوب وأنها في الصدور، القلوب في الصدور، وبها العقل؛ قال الله تعالى: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا [الحج: ٤٦]، فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج: ٤٦]، وعلى هذا فيجب علينا أن نؤمن بأنَّ العقل في القلب؛ لأنَّ الآية في هذا صريحة أو ظاهرة.
وأمَّا قول بعضهم: إنَّ العقل في الدماغ. فضعيفٌ مقابَلٌ بقول العالِم الخالق عز وجل، ولكن الدماغ لا شك أنه إذا اختلَّ اختلَّ تصرُّف الإنسان، وأصْل العقل في القلب بلا شك؛ قال الإمام أحمد رحمه الله: العقل في القلب وله اتصالٌ بالدماغ.
ونروي عن شيخنا رحمه الله -عبد الرحمن- أنَّ أحد المعتزلة حُكِم عليه بالقتل على حين اختلافٍ بين الناس في العقل أهو في الدماغ أمْ في القلب، فقال لهم: إذا قتلتموني فأَبِينوا رأسي، ثم إنْ كان العقل في قلبي حرَّكتُ يدي -أو قال: أصبعي- وإنْ كان في الدماغ راح مع الدماغ. ففعلوا، فلمَّا قتلوه حرَّك العضوَ الذي قال لهم على الوجه الذي قال لهم. وهذا دليلٌ حسِّيٌّ -إن ثبتت القصة- دليلٌ حسِّيٌّ على أنَّ العقل في القلب؛ لأنه حرَّك عضوَه -إمَّا أصبعه أو يده- على الوجه الذي ذكر لهم، وهذا يدلُّ على أنه استحضرَ في قلبه بعد أن بان رأسُه، استحضرَ في قلبه ما وَعَدهم به وأدَّاه كما وَعَدهم، فإنْ ثبتت هذه القصة فهي دليلٌ حسِّيٌّ، وإن لم تثبت فعندنا دليلٌ سمعيٌّ، وهو؟ ما هو السمعي يا جماعة؟ الدليلُ السمعيُّ عند العلماء هو الذي ثبت بالكتاب والسنة.
***
تفسير الآية (25)
00:58:54
ثم قال الله تبارك وتعالى: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [الشورى: ٢٥].
قال: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَالله عز وجل يَقْبل توبةَ التائبين، بل ويُحِبُّ توبةَ التائبين؛ كما قال الله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة: ٢٢٢]، فما هي التوبة؟
التوبة هي الرجوع من معصية الله إلى طاعة الله، وتقع كلِّيَّةً وجزئيَّةً:
كلِّيةً بأنْ يتوب الإنسانُ من كلِّ ذنبٍ، ومنها توبة الكافر فإنَّها كلِّيةٌ يمحو الله تعالى بها كلَّ ما سلفَ من ذنبه كما قال جل وعلا: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ [الأنفال: ٣٨]، ويقول المسلم: اللهمَّ إنِّي أستغفرك من جميع الذنوب وأتوب إليك، هذه كلِّية.
التوبة الخاصَّة أن يتوب من ذنبٍ معيَّنٍ؛ كإنسانٍ تاب من أكْل الرِّبا لكنَّه مُصِرٌّ على شُرب الخمر -والعياذ بالله- فهذه توبةٌ خاصَّةٌ جزئيَّةٌ، ما هي شاملة، وسيأتي -إن شاء الله- الكلامُ عليها قريبًا.
للتوبة شروطٌ خمسة:
الأول: الإخلاص لله.
والثاني: الندم على ما فَعَل.
والثالث: الإقلاع عنه.
والرابع: العزم على ألَّا يعود.
والخامس: أن تكون التوبة قبل غلْق الأبواب.
خمسة شروط؛ الأول: الإخلاص، والثاني: الندم، والثالث: الإقلاع، والرابع: العزم على ألَّا يعود، والخامس: أن تكون التوبة في زمن الإمكان.
الإخلاص بأنْ يكون الحاملُ على التوبةِ خوف الله عز وجل ورجاءُ التقرُّب إليه؛ لئلَّا يقصد بذلك دُنيا ولا جاهًا ولا شيئًا من مخلوقات الله عز وجل، لا يريد إلا الوصول إلى رضا الله عز وجل ودار كرامته، والإخلاص -كما تعلمون بارك الله فيكم- شرطٌ في كلِّ عمل.
الثاني: الندم على ما مضى من الذنب؛ بحيث يَشْعر الإنسانُ بالحزن والتأسُّف كيف وقع منه هذا الذنب. والندم هو انفعالٌ في النفس يحصل بفِعْل الإنسان وبغير فِعْله، لكن كلامنا في الندم في التوبة الذي يكون بفعله؛ بمعنى أنه يتحسَّر ويتأسَّف أن وَقَع منه الذنبُ، ولا يكون حالُه كحال مَن لم يُذنب.
الثالث: الإقلاع عن الذنب؛ فإنْ كان معصيةً بمحرَّم فليجتنبْه، وإنْ كان تفريطًا في واجبٍ فليفعلْه، وعلى هذا فمَن زَعَم أنَّه تائبٌ من الغِيبة ولكنَّه لا يَدَع فرصةً تحصل فيها الغِيبة إلا اغتابَ، فهلْ نقول إنَّه تائب؟
الطلبة: (...).
الشيخ: لماذا؟
الطلبة: لأنَّه لم يُقلع.
الشيخ: لأنَّه لم يُقلع. كذلك مَن جَحَد مالَ شخصٍ وأنكره وقال: إنَّه تائبٌ، فلا بدَّ أن يَرُدَّ المالَ إلى صاحبه، وإلَّا فلا تُقبل توبتُه، ومَن اغتاب شخصًا -أي: ذكره بما يكره في غَيبته- فلا بدَّ أن يُقلع عن ذلك ويتحلَّل صاحب الغيبة؛ يذهب إليه ويقول: سامِحْني، حلِّلْني، فقد قلتُ فيك قولًا قد تبتُ منه. لا بدَّ من هذا.
فإن قال: إنْ ذهبتُ إليه أستحِلُّه أخشى أن يظنَّ الأمرَ أكبرَ مما قلتُ فتقع العداوة.
فالجواب: وإنْ كان كذلك، أنتَ أبرِئْ ذِمَّتك، وكونه يترتَّب على ذلك عداوةٌ أو ما أشبهَ ذلك ليس إليك، نعم لو فُرِض أنَّ صاحبك لم يعلمْ بغيبتك إيَّاه فهُنا يكفي أن تندم، وتُقلع عن غيبته في المستقبل، وتذكره في المجلس الذي اغتبتَه فيه بما له من صفاتٍ حميدة.
الرابع؟
الطلبة: العزم.
الشيخ: العزم على ألَّا يعود؛ بأنْ يقع في قلبه أنَّه لن يعود لهذه المعصية. فإنْ كان تابَ لكنَّه متردِّد فيما لو تيسَّرت له هذه المعصية أيفعلها أم لا، فالتوبة غير صحيحة، لا بدَّ أن يعزم على ألَّا يعود.
فإنْ عاد -يعني عَزَم ألَّا يعود ثم عاد بعد ذلك- هل تبطل التوبة؟
الجواب: لا تبطل، التوبة الأولى صحيحة، لكن عليه أن يجدِّد التوبة للذنب الثاني، ولهذا كانت العبارة: (العزم على ألَّا يعود)، وليست العبارة: (بشرط ألَّا يعود)، وبينهما فرق؟
طالب: (...).
الشيخ: تأكد الأول.
الطالب: بينهما فرق.
الشيخ: أيش الفرق؟
الطالب: الأولى (العزم على ألَّا يعود) لا يُشترط (...) إذا عاد توبتُه الأولى باقية، أمَّا إذا قلنا: (بشرط ألَّا يعود)، إذا عاد بطلت التوبة.
الشيخ: إذَن هذا الفرق؛ إذا قلنا: (العزم على ألَّا يعود)، وعَزَم ألَّا يعود ثم عاد فالتوبة الأولى صحيحة، لكن عليه أن يجدِّد التوبة للذنب الثاني، أمَّا إذا قلنا: (بشرط ألَّا يعود)، فهذا يقتضي أنه لو عاد لَبطلت التوبة، وليس كذلك.
الشرط الخامس-وما أعظمَه!- أن تكون التوبة في زمن الإمكان، فإنْ فات الأوانُ لم تنفع، وفوات الأوان عامٌّ وخاصٌّ؛ العامُّ طلوع الشمس من مغربها، والخاصُّ حضور الموت.
أمَّا الأول فدليلُه قول الله تبارك وتعالى: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا [الأنعام: ١٥٨]، فسَّر النبيُّ صلى الله عليه وسلم بعضَ الآيات بأنَّها الشمسُ تطلع من مغربها، وقال النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَخْرُجَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا» .
أما الخاصُّ فهو حضور الأجل، فإنَّه إذا حضر الموتُ لم تُقبل التوبة؛ لقول الله تعالى: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ [النساء: ١٨]، الشاهد قوله: حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ، وهذا الشرط يستلزم أن تكون التوبة على الفَوْر بدون تأخير؛ وجْه ذلك أنَّه لا يعلم متى يأتيه الموت، فقد يموت بغتةً على فراشه، أو على كرسيه، أو وهو ساجدٌ أو راكعٌ، وحينئذٍ يتبيَّن أنَّ التوبة واجبةٌ على الفور، فاستدِركْ أيُّها العبد، استدرِكْ نفسَك إن كان في أمرٍ بينك وبين الله أو بينك وبين الخلْق؛ لأنَّك لا تدري متى يأتي الموت.
الخلاصة شروط قبول التوبة خمسة نعدُّها:
أولًا: الإخلاص لله عز وجل.
ثانيًا: الندم على الذنب.
ثالثًا: الإقلاع في الحال.
رابعًا: العزم على ألَّا يعود.
خامسًا: أن تكون التوبة في زمن الإمكان.
نسأل الله لنا ولكم التوبة.
قال الله تبارك وتعالى: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِقال المؤلف: (منهم)، فصَرَف معنى (عن) إلى معنى (مِن)، وهذا مبنيٌّ على ما سبق من أنَّ حروف المعاني تتناوب؛ أي: ينوب بعضُها عن بعض، ولكن إبقاء اللفظ على ظاهره أَوْلى، ويكون يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِمُضَمَّنًا معنى: يعفو عنهم، فـيَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِأي: يقبلها ويعفو عنهم، ونجعل (عن) على بابها، ويكون قوله: وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِكالتوكيد لِمَا سبق.
يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ(وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِالْمُتَابِ عنها) والعفو مأخوذٌ من قولهم: عفا الأثرُ، إذا أخْفَتْه الرياح، وهو التجاوز عن العقوبة بالذنوب.
والسَّيِّئَاتِجمع سيِّئة، وهي كلُّ ما يسوء الإنسانَ فعلُه أو وقوعُه، والمراد بالسيِّئات هنا -يعني تفسيري لها على حسب اللفظ- والمراد بها هنا مخالفةُ الشرع؛ فكلُّ ما خالف الشرعَ فهو سيِّئة سواءٌ كان بتَرْك واجبٍ أو فِعْلِ محرَّم.
وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَيقول: (بالياء والتاء) مَا تَفْعَلُونَو{مَا يَفْعَلُونَ}؛ أمَّا على قراءة {مَا يَفْعَلُونَ} فهي مطابقةٌ للضمائر السابقة، {وَيَعْلَمُ مَا يَفْعَلُونَ} أي: ما يفعله العباد. وأمَّا على قراءة التاء فهي من باب الالتفات عن الغَيبة إلى الخطاب، وأسلوبُ الالتفات أسلوبٌ بلاغيٌّ، ويُقصَد به تنبيه المخاطَب على ما سيُلقى إليه؛ وذلك لأنَّ الكلام إذا كان على وتيرةٍ واحدةٍ فإنَّ الإنسان ينسجم معه وربما يغفل عنه، وإذا اختلفَ وقفَ الإنسانُ: لماذا صار الأمر كذلك؟ الالتفات على قراءة: وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَالتفات من أيش؟ من الغَيبة إلى الخطاب.
الالتفات فنٌّ معروفٌ في البلاغة، من فوائده تنبيه المخاطَب، انظُر إلى قول الله تعالى: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا [المائدة: ١٢] مقتضى السياق أن يقول: وبَعَثَ منهم، لكن قال: وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ، فانتقل من الغيبة إلى التكلُّم لأجْل تنبيه المخاطَب.
قال: وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَعِلْمه بما نعمل يشمل العلمَ بالأشياء الظاهرة والأشياء الباطنة، قد يُذنب الإنسانُ ذنبًا ظاهرًا يعلمه الناسُ ويعلمه عز وجل، يعلمه ربُّ الناس، وقد يكون خَفِيًّا لا يعلمه الناسُ ولكن يعلمه الله تبارك وتعالى.
طالب: إذا ورد في تفسير التوبةِ (الندمُ) عن بعض الصحابة والتابعين، هو من باب ذِكْر أهمِّ الشروط أو هو بذِكْر أعظمها؟
الشيخ: هو إمَّا أنَّه من باب الاقتصار على بعض الشروط، أو أنهم يخاطبون أحدًا يعرفون أنَّ الرجل لم يندم؛ قد أتى بوجهٍ واسعٍ غير مهتم ولا مكترث، فركَّزوا على هذا الشرط دون غيره.
طالب: لماذا كان تفسير المؤلف لقوله تعالى: (...)؟
الشيخ: خطأ؛ لأنه زعم أن يَخْتِمْيعني: يربط على قلبك، والربط ثناءٌ لا يتناسب مع السياق، ولم تأتِ (يختم) بمعنى يربط، بل تأتي (يختم) بمعنى يطبع؛ كما قال الله تعالى: خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ [البقرة: ٧]، وقال: طُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ [التوبة: ٨٧].
طالب: هل يجوز لنا أن نقول: عبَّر الله تعالى بالآية كذا؟
الشيخ: إي نعم، يجوز؛ لأنَّ التعبير بمعنى الكلام، ووصْف الأفعال واسع، بالنسبة لأفعال الله عز وجل واسع، ما هو من جنس الأسماء، كلُّ ما يصحُّ أن يُنسَب لله فعبِّر به.
طالب: ما الفرق بين (العبارة عن كلام الله) و(الحكاية عن كلام الله)؟
الشيخ: ليس هناك فرقٌ بيِّن، لكن الأشاعرة يقولون: عبارة، والكُلَّابية يقولون: إنه حكاية؛ فـ(العبارة) معناه أن الله خَلَق هذا الصوت ليعبِّر عما في نفسه، و(الحكاية) تُشبه ما يُعرف بالصدى؛ إذا كان الإنسان بين جبالٍ وتكلم تجد كلَّ الجبال يكون لها صوتٌ، تحكي صوت الله، وعلى كلِّ حالٍ العباراتُ الباطلة كلُّها سيِّئة، والله أعلم.
***
طيب، وفيه أَمْهنا، متَّصلة أو منقطعة؟طالب: (...) بمعنى (بلْ) والهمزة.
الشيخ: نعم، ما هو الفرق بين المتصلة والمنقطعة؟
الطالب: (...).
الشيخ: ما هو؟
الطالب: (...) بمعنى (أو).
الشيخ: تمام، يعني بمعنى (أو). شيء آخَر: أنَّه لا بدَّ فيها من ذِكْر شيئينِ متقابلَينِ، أمَّا المنقطعة فهي التي بمعنى بلْ، ولا تقتضي الجمع بين شيئين متماثلين.
قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ، نسأل عن شروط التوبة إجمالًا.
طالب: التوبة؟
الشيخ: نعم، عشرة، خمسة.
الطالب: (...).
الشيخ: لا، أولًا بأول، الإخلاص لله تعالى، والثاني الندم..
الطالب: ثالثا: الإقلاع عن الذنب، والعزم على (...)، وأن يكون في زمن الإمكان.
الشيخ: أحسنت، خمسة شروط.
ما تقول في توبة رجُلٍ سَرَق من شخصٍ مالًا، ثم غاب المسروق منه ولم يعلمْ به وأَيِس من رجوعه؟
طالب: (...).
الشيخ: هو نَدِم، تاب إلى الله، وخاف من عقاب الله.
الطالب: (...).
الشيخ: ما يدري وين الآن، الآن لا يعلم مَن.
الطالب: (...).
الشيخ: لكنْ لا يعلم عنه، اختلَّ شرطٌ بغير اختياره.
طالب: نقول: توبته صحيحة، لكن (...) بهذا المال الذي سَرَقه لا بنِيَّة الأجر والثواب.
الشيخ: إي، يعني معناه لا تتمُّ توبتُه إلا إذا أخرج هذا المسروقَ عن ملكه فتصدَّق به، تمام؟
طيب، إذا كان المسروق منه كافرًا كيف يتصدَّق به عنه وهو لا يُقبل؛ لا تنفعه الصدقة؟
طالب: نيَّة التصدُّق، لا يكون للكافر، ولكن نيَّة التبرُّؤ من هذا المال.
الشيخ: ما يخالف. يتبع هذا أي أساس؟
الطالب: (...).
الشيخ: معلوم، هذا شرط، سواء مسلم أو كافر، لكن هذا لم أذكُره لكم، هذا يُجعَل في بيت المال؛ لأنَّ بيت المال بيتٌ لكلِّ مالٍ مجهولٍ صاحبُه.
***
ثم قال عز وجل: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ [الشورى: ٢٥].من فوائد هذه الآية الكريمة: رحمة الله تعالى بعباده حيث حثَّهم على التوبة؛ وجْهه في قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ، فإنَّ هذا ليس مجرَّد خبرٍ أنَّ الله يقبل، بل هو حثٌّ من الله عز وجل أن نتوب إلى الله -اللهم وفِّقْنا للتوبة يا ربَّ العالمين- نظير ذلك أن أقول: مَن زارني أعطيتُه مئة درهم. معنى هذا حثُّ الناس على الزيارة، كلُّ إنسانٍ سوف يُقبل على الزيارة. وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِحثٌّ للناس بلا شكٍّ على التوبة إلى الله عز وجل.
ومن فوائد الآية الكريمة: بيانُ كَرَمِ الربِّ عز وجل حيث يَقبل التوبةَ عن عباده مهما كان الذنب، واقرأْ قولَ الله تعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر: ٥٣]، التوبة من الكفر مقبولة أو غير مقبولة؟
الطلبة: مقبولة.
الشيخ: مقبولة، والإسلام يَهدم ما قَبْله مهما عَظُم، حتى مَن سبَّ الله أو رسوله ثم أسلمَ تُقبل توبتُه لعموم الأدلَّة، وقد قال الله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوايعني: عن كُفرهم يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ [الأنفال: ٣٨]. ما قد سَلَف منين؟
الطلبة: (...).
الشيخ: وإنْ عظُمتْ؟
الطلبة: (...).
الشيخ: وإنْ عظُمتْ؛ لقوله: مَا قَدْ سَلَفَ، مَااسم موصول يفيد العموم، حتى لو قَتَل هذا الكافرُ ألْفَ رجُلٍ مؤمنٍ ثم أسلمَ تاب الله عليه، ولذلك إذا أسلمَ الكفارُ وقد أتلفوا أموالَ المسلمين في الحرب هل يُضَمَّنون أموالَ المسلمين؟ لا يُضَمَّنون أموالَ المسلمين؛ لأنَّ الإسلام يهدم ما قبله.
ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى لُطف الله تبارك وتعالى؛ حيث قال: عَنْ عِبَادِهِ، يعني كأنَّه -والله أعلم- لَمَّا كانوا عبيدًا له عامَلَهم بالرِّفق والعفو والتوبة.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ الله إذا تاب على العبد عفا عن سيِّئاته مهما عظُمت؛ لقوله: وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثباتُ عمومِ عِلْم الله سبحانه وتعالى لكلِّ ما نفعل؛ لقوله تعالى: وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ.
يتفرَّع على هذه الفائدة التحذيرُ من المخالفة، وجه ذلك؟
طالب: التحذير عن المخالفة؟
الشيخ: نعم.
طالب: وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ.
الشيخ: وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ، يعني: فاحذروا أنْ تفعلوا شيئًا يُغضبه؛ فإنَّه عالِمٌ بِكُم.





