تفسير الآية (26)
تفسير الآية (27)
تفسير الآية (28)
تفسير الآية (29)
تفسير الآية (26)
00:00:03
ثم قال الله تعالى: وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [الشورى: ٢٦] قال: (يجيبهم إلى ما يسألون) (يستجيب) بمعنى يُجيب، مع أنه قد يتبادر إلى ذهن الإنسان أن معنى (يستجيب) أي يُطيع، كما إذا قلت: دعوت فلانًا فاستجاب لي؛ أي: أطاعني، لكن هنا (يستجيب) بمعنى يُجيب، ودليل هذا التفسير قول الله تبارك وتعالى: فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ [آل عمران: ١٩٥]، إذن (استجاب) بمعنى أجاب، وَيَسْتَجِيبُبمعنى يجيب.
فماذا يكون إعراب (الذين)؟ وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ(الذين) مفعول به وليست فاعلًا، الفاعل ضمير مستتر يعود على الله.
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِآمنوا بقلوبهم، وعملوا الصالحات بجوارحهم، والإيمان والعمل الصالح يُقرنان دائمًا؛ لأن أحدهما ملازم للآخر، فكل من آمن حقًّا فسيعمل الصالحات قطعًا.
دليل هذه القاعدة قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ» .
إذا آمنوا بأيش؟ بكل ما يجب الإيمان به، وعرفتم أن أركان الإيمان قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم: إنها «الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» .
عَمِلُوا الصَّالِحَاتِالصالحات هذه صفة لموصوف محذوفٍ، والتقدير: الأعمال الصالحات، فما ضابط العمل الصالح؟ ضابط العمل الصالح أن يكون خالصًا لله موافقًا لشريعة الله، هذا يقع في أمَّة محمَّد عليه الصلاة والسلام. لكن هل يقع في الأمم السابقة؟ الجواب: نعم، حين كانت شرائعهم قائمة يقع منهم الإيمان والعمل الصالح، إذن العمل الصالح ضابطه أن يكون خالصًا لله مُوافقًا لشريعة الله.
فقولنا: (أن يكون خالصًا لله) احترازًا من العمل الذي يقع فيه الشرك، فليس بصالح وإن قلَّ الشرك؛ لقوله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِيَ غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» .
و(على وفق الشريعة) أن يكون خاليًا من البدعة، فإن كان فيه بدعة لم يكن صالحًا حتى لو كانت أجزاء هذه البدعة عملًا صالحًا، فإنها إذا كانت بدعة لا تكون عملًا صالحًا؛ يعني لو أن أحدًا أحدث أذكارًا من القرآن أو من السنة لكن على صفة لم تأتِ بها الشريعة، فإنها ليست عملًا صالحًا، ولا يكون العمل صالحًا إلا إذا وافق الشريعة في أمور ستة: السبب، والقدر، والكيفية، والنوع، والزمان، والمكان.
(السبب) بأن يكون هذا العمل مشروعًا لسبب معين، فلو أن إنسانًا أحدثه لسبب آخر لم يُقْبَلْ منه ولم يكن صالحًا.
مثال ذلك: نرى بعض الناس إذا قُدِّمَ إليه الطِّيبُ يقول: اللهم صلِّ على محمد. هذا ليس عملًا صالحًا.
إذا قال قائل: كيف تقول: ليس عملًا صالحًا وهو صلاة على الرسول؟
قلنا: لأنه ليس من هدي الرسول صلى الله عليه وسلم أنه كلما تطيب صلى على النبي ولا أمر أمته بذلك، إذن فأنت الآن أثبت سببًا غير شرعي.
ومن ذلك أن بعض الناس إذا تجشَّأ قال: الحمد لله، (تجشأ) ويش معناها؟ خروج الريح من فوق، التجشؤ هو هذا، بعض الناس يقول: الحمد لله، نقول: من قال لك: إنه يشرع عند التجشؤ أن تحمد الله؟ إذن عملك غير صالح؛ لأنه غير مطابق للشريعة، ونقول: يلزم على قولك: أنك إذا فسوت تحمد الله، ولا دليل على هذا.
وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ(يستجيب) بمعنى يُجيب. ما هو الشاهد لكون (يستجيب) بمعنى يُجيب؟ قوله تعالى: فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ.
على هذا المعنى ماذا يكون إعراب الَّذِينَ؟ مفعول به مبنيٌّ على الياء في محل نصب.
قال الله تبارك وتعالى: وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌهذه جملة مستأنفة، لما ذكر ما يحصل للذين آمنوا وعملوا الصالحات ذكر ما يحصل لضدهم؛ لأن القرآن الكريم مثانٍ تُثَنَّى فيه المعاني؛ فتذكر فيه الجنة ثم يذكر النار، والثواب ثم العقاب، والمؤمن ثم الكافر، وهلم جرًّا.
وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌالكافر في الأصل الجاحد، مأخوذ من الكُفُرَّى، وهي وعاء طلع النخل، ولكنه يُطْلَقُ على كل من كفر بالله تعالى بجحدٍ أو غيره، سواء كان بجحد؛ مثل أن يجحد الرسالة أو القرآن، أو كان باستكبارٍ عن دين الله؛ مثل أن يدَعَ الصلاة التي تركها كفر.
وقوله: لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌمبتدأ وخبر، خبر المبتدأ الأول الذي هو (الكافرون)، وأتت العبارة بهذا الوجه للتأكيد على عذابهم والعياذ بالله، وإلا لكان يكفي أن يقال: وللكافرين عذاب مهين، أو ما أشبه ذلك، لكن الله تعالى قال: وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌالشديد القوي، وإذا أردت أن تعرف هذا فاقرأ ما في القرآن والسنة من عذاب أهل النار.
نقول: وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ؛ أي: يعطيهم من فضله زيادةً على ما عملوا، فالحسنة بعشر أمثالها، إلى سبع مئة ضعف، إلى أضعاف كثيرة.
قوله: وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِأي: عملوا الأعمال الصالحات، ولا يكون العمل صالحا إلا بموافقة الشريعة؛ بالإخلاص لله أولًا، ثم موافقة الشريعة ثانيًا، ولا تتحقق الموافقة إلا إذا طابق العمل الشريعة في أمور ستة:
الأول: السبب.
والثاني: الجنس، بأن يكون من جنس ما جاءت به الشريعة، فإن خرج عن ذلك لم يكن عملا صالحا.
مثاله: لو أن أحدًا ضحَّى بفرس، فالفرس أغلى من الشاة غالبًا، فإن الأضحية لا تُقْبَل. لماذا؟ لأنه ليس من جنس المشروع التضحية به؛ إذ إن التضحية لا تكون إلا من بهيمة الأنعام؛ الإبل والبقر والغنم، كما قال تعالى: وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ [الحج: ٢٨].
الثالث: أن يكون مطابقًا للشريعة في قدْرِه، فلا يزيد على ما جاءت به الشريعة. ولهذا لو أن إنسانًا زاد في الصلاة ركعة لم يكن عملًا صالحًا حتى وإن كانت الركعة في الأصل مشروعة لكنها في هذا الحال ليست مشروعة.
فإن قال قائل: ماذا تقولون: لو أن الإنسان زاد في صلاة الليل على إحدى عشرة ركعة، هل تكون الزيادة عملًا صالحًا؟ إذا قلتم: نعم أشكل علينا أننا قلنا: لا بد أن تطابق الشريعة في قدرها أعني العبادة، ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان لا يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة ، وربما صلى ثلاث عشرة ركعة؟
الجواب: أن صلاة الليل لم يَرِدْ فيها تحديدٌ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأن قال: لا تزيدوا على كذا، بل صلى هو إحدى عشرة ركعة، وقال للذي سأله عن صلاة الليل قال له: «مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيتَ الصُّبْحَ فَصَلِّ رَكْعَةً تُوْتِرُ لَكَ مَا قَدْ صَلَّيْتَ» ، فقوله: «مَثْنَى مَثْنَى» بدون تحديد يدل على أن صلاة الليل لا حدَّ لها، صَلِّ ما شئت من الركعات.
الأمر الرابع: أن تكون موافقةً للشريعة في الزمان، فإن خالفت الشريعة في الزمان فإنها لا تُقْبَلُ.
مثال ذلك: رجل ضحَّى وذبح أضحيته قبل صلاة العيد فلا تصح هذه الأضحية، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم للذي أخبره أنه ذبح قبل أن يصلِّيَ قال له: «شَاتُكَ شَاةُ لَحْمٍ» .
الخامس: أن تكون موافقةً للشريعة في المكان؛ يعني أنه إذا خص الشارع العبادة بمكان معين فإن صلاتها في غير هذا المكان لا تُقْبَل، فالوقوف بعرفة، لو أن إنسانًا وقف في مزدلفة بدل الوقوف بعرفة فإن ذلك لا يصح. لماذا؟ لأنه وقف في غير المكان الذي حُدِّدَ، ولو اعتكف الإنسان في بيته لم يصحَّ الاعتكاف؛ لأن الاعتكاف مخصوص بالمساجد.
السادس: أن تكون مطابقةً للشريعة في هيئتها؛ يعني الكيفية، فلو توضأ الإنسان وغسل يديه قبل وجهه فالوضوء لا يصح. لماذا؟ لأنه مخالف للشريعة في الهيئة؛ إذ إن الله يقول: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ [المائدة: ٦]، ولو صلى الإنسان فسجد قبل أن يركع ثم قام وركع لم تصح الصلاة؛ لعدم موافقة الشريعة في الهيئة.
هذه ستة أشياء لا يمكن أن تكون العبادة مطابقةً للشريعة إلا إذا تحققت هذه الأشياء الستة.
من فوائد الآية الكريمة: فضيلة الإيمان والعمل الصالح وأنه سبب لإجابة الله تعالى.
ومن الفوائد: أن الله تعالى يعطي المؤمنين العاملين الصالحات أكثر مما عملوا؛ لقوله: وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ. وهذه الزيادة بيَّنها الله تعالى في مواضع أخرى من كتابه؛ فقال: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا [الأنعام: ١٦٠]، وقال: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ [البقرة: ٢٦١]، وربما يقال أيضًا بزيادة أخرى غير العدد، وهي أنه يزيدهم من الإيمان والعمل الصالح؛ لأنه كلما عمل الإنسان عملًا صالحًا ازداد يقينه، ولهذا كان قول أهل السنة والجماعة أن الأعمال داخلة في الإيمان.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل ما ينال الإنسان من خير فبفضل الله، وعلى هذا يجب على الإنسان أن يقطع عن نفسه الإعجاب، ويجب عليه ألَّا يقول: هذا من عندي، أو أنا جدير به، أو ما أشبه ذلك من الكلمات التي يفخر بها على الله عز وجل.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التحذير من الكفر؛ لقوله تعالى: وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ، لأنه ليس المراد من هذه الجملة الإخبار بشدة العذاب للكافرين، ولكن المراد بيان هذا والتحذير من الكفر خوفًا من العذاب الشديد.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى ينذر الناس عن المعاصي والكفر بذكر العقاب، أخذ العلماء من هذا أنه إذا ذكر الله تعالى عقابًا في عمل من الأعمال دَلَّ ذلك على تحريمه، وإذا ذكر ثوابًا في عمل من الأعمال دَلَّ ذلك على مشروعيته.
طالب: شيخ أثابك الله، قلنا: إن قوله: عَنْ عِبَادِهِ [الشورى: ٢٥] أن القبول هنا متضمن معنى العفو (...) تكرار في الآية؟
الشيخ: لا، هو فيه تكرار لكن توكيد معنوي.
طالب: شيخ، مرَّ معنا من قواعد التفسير أن حمل المعنى على التأسيس أولى من حمله على التوكيد..
الشيخ: ما لم يكن هناك دليل؛ يعني إذا تعارض هذا وهذا نحمله على التأسيس لا شك، لكن المعنى لم يتعارض.
طالب: تقرر معنا شروط التوبة خمسة، وكذلك ذكرنا من الشروط إذا تعلقت المعصية أو الذنب بحق آدمي بإرجاع الحق أو الاستحلال، ولم نذكر ذلك في الخمسة شروط، هل هو مدرج مع واحدة منها؟
الشيخ: ما تقولون؟ يقول: لم نذكر أنه إذا كان الحق للآدمي فلا بد من استحلاله أو رده.
طالب: داخلة -يا شيخ- في الإقلاع.
الشيخ: أسمعت، لا، داخلة ما فيها إشكال.
طالب: إذا تجشأ الإنسان فقال: الحمد لله بسبب أن الكفار يضحكوا وأنت تتجشأ؟
الشيخ: من اللي يضحك؟
طالب: الكفار عيب عندهم؟
الشيخ: حتى عند بعض المسلمين عيب، ولهذا قال الفقهاء: يكره للإنسان أن يرفع إلى السماء وجهه إلا إذا تجشأ في الصلاة فليرفع؛ لئلا يؤذي من حوله بالرائحة، ولا يفهم الناس ما ذكرت أبدًا، العجوز أو الشيخ الكبير إذا تجشأ وقال: الحمد لله، هل يخطر بباله أنه علشان اللي يضحكون؟ لا، أبدًا، هذه علة عليلة ومريضة مرضًا لا يُرجى بُرؤه.
طالب: (...).
الشيخ: إي، هذا سبب ما هو بصحيح، ليس بصحيح دائمًا، الصحيح أنه مثلا لو أن الإنسان وجد ضيقًا في نفسه ورأى نفسه محتاجًا للتجشؤ، هذا يحمد الله، ما هو علشان التجشؤ، علشان زوال الأذية، هذه لسبب.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، (...)؟
الشيخ: يجب عاد أن نعرف أن التأويل يراد به التفسير فيدخل فيه التضمين، وهذا هو الذي قال فيه الرسول عليه الصلاة والسلام لابن عباس: «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ» ؛ يعني التفسير.
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، هذا ما يسمى تأويلًا، هذا يسمى تحريفًا، ولا يجوز أن نسميه تأويلًا، وإن سموه هم تأويلًا لكن هم يقولون: تأويل؛ علشان ألَّا ينفر الناس من صنيعهم، لو قالوا: أهل التحريف والسلف يقبلهم أحد أو لا يقبلهم؟ لا يقبلهم، فجاؤوا بالتأويل تلطيفًا، ولهذا نظائر؛ النصارى سموا في الأخير أنفسهم مسيحيون ليضفوا على ملتهم المنسوخة أنها شرعية وأنهم أتباع المسيح، والمسيح عليه الصلاة والسلام أبرأ الناس منهم ولو خرج لقاتلهم، وهم كاذبون على المسيح فيما يدَّعون، لكن سموا أنفسهم بالمسيحيين علشان يضفوا على أنفسهم الشرعية.
ونظير ذلك أيضًا الرافضة يرفضون اسم الرافضة ويغضبون عليك، فسموا أنفسهم شيعة، ومن أحق أن يكون شيعيًّا؟ أهل السنة؛ لأنهم هم الذين يحبُّون أهل البيت محبةً سُنية شرعية، أما هؤلاء الرافضة فإنهم يحبون آل البيت محبة شركية، أهل البيت يتبرؤون منهم بلا شك، ولهذا لما قال عبد الله بن سبأ وجماعته لعلي بن أبي طالب: أنت الله حقًّا، تبرَّأ منهم وأمر بالأخاديد فخدت ومُلِئت حطبًا، وألقاهم في النار، حرَّقهم من شدة ما أصابه منهم.
إذن هل يقال لهؤلاء الذين غلوا في آل البيت حتى أنزلوهم فوق منزلتهم، هل يقال: إنهم شيعة لآل البيت؟ أبدًا والله، هم أعدى عدوٍّ لآل البيت؛ لأنهم أنزلوهم فوق منزلتهم، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا أُحِبُّ أَنْ تُنْزِلُونِي فَوْقَ مَنْزِلَتِي الَّتِي أَنْزَلَنِي اللَّهُ» ، وآل البيت مثل النبي عليه الصلاة والسلام لا يحبون أن يُنَزَّلُوا فوق منزلتهم التي أنزلهم الله، أبدًا، أفهمت الآن؟
طالب: (...).
الشيخ: نعم، إن دل عليه الدليل فهو تأويل، وإن لم يدل عليه الدليل فهو تحريف، هذا هو الضابط.
طالب: من قتله كافر في غير الحروب، هل يضمن إذا أسلم؟
الشيخ: أصلًا الكافر حربي ما لم يكن بيننا وبينه عهد، فلنا أن نقتله وله أن يقتلنا؛ يعني (له) بمعنى أنه لو قتلنا لم يضمن، وإلا حرام عليه أن يقتلنا، وحرام عليَّ أن أكفر، ولهذا كان القول الراجح أن الكفار مُخاطَبون بفروع الشريعة كما أنهم مُخاطَبون بالتوحيد، بل أقول: إن الكافر آثمٌ حتى في المباح، الآن الكافر يأكل ويشرب، وآمن ويلبس، وكل شيء كل نعمة فإنه معاقب عليها زيادة على عقوبة الكفر، لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ [آل عمران: ١٩٦، ١٩٧]، وإذا سئل أصحاب النار مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ [المدثر: ٤٢ - ٤٧]، إذن فهم آثمون، وقال عز وجل: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا [المائدة: ٩٣]، وغيرهم عليهم جناح، وقال عز وجل: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الأعراف: ٣٢] للذين آمنوا، وغير الذين آمنوا ليست لهم ولا خالصة لهم يوم القيامة، انتبهوا يا إخواني، الكافر عدو الله، ولو ساوت الدنيا جناح بعوضة عند الله ما سقى منها كافرًا شربة ماء، فهم إذا أكلوا أو شربوا أو أمنوا أو صحوا أو أي نعمة تصيبهم فإنهم معاقبون عليها.
تفسير الآية (27)
00:24:40
ثم قال الله تعالى: وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِبسط بمعنى وسع، كما قال تعالى: وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ [البقرة: ٢٤٥]، وقال عز وجل: يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ [الشورى: ١٢]؛ أي: يضيق، فالبسط بمعنى التوسيع؛ يعني لو وسَّع الله الرزق للعباد لبغوا في الأرض.
وقوله: لِعِبَادِهِقال المفسِّر: (جميعهم) يعني لو كان كل الناس أغنياء بسط لهم في الرزق لبغوا في الأرض، قال: (لَبَغَوْاجميعهم فِي الْأَرْضِ؛ أي: طغوا فيها) وتجاوزوا حدودهم؛ وذلك لأن الجميع كانوا في رفاهية وفي رزق واسع، ولا رادع ولا اعتبار ولا اتعاظ، وأيضًا لو بسط الله الرزق لجميع العباد لفسدت الدنيا؛ لأنه لولا هذا التفاضل بين العباد في الرزق ما خدم أحد أحدًا ولا استقامت الأحوال، لو كان الناس كلهم على حد واحد في الغنى وطلبت من شخص أن يعمل لك فإنه لن يستجيب. لماذا؟ لاستغنائه بما عنده، لكن الله تبارك وتعالى فضل بعض الناس على بعض، ورفع بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضًا سخريًّا.
هذا ما ذهب إليه المؤلف، ولكن قد يقال: إن قوله تعالى: وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِشامل للجميع أو للأفراد، فإن الإنسان إذا بسط الله له الرزق بغى واستغنى، ولذلك تجدون أكثر من يكذب الأنبياء هم الملأ الأغنياء الكبراء، وأما الفقراء الضعفاء فالغالب هم الذين يتبعون الأنبياء، فيكون المراد بقوله: وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِالمراد الجنس؛ يعني لواحد من عباده لبغى في الأرض.
وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُقال: (يُنَزِّلُبالتخفيف وضده) ما ضده؟ التشديد، يعني يُنَزِّلُو{يُنْزِلُ}؛ يُنَزِّلُمِن: نَزَّلَ، و{يُنْزِلُ} مِن: أَنْزَلَ. وقوله: (بالتخفيف وضده) اصطلاح المؤلف رحمه الله أنه إذا أتى بمثل هذا التعبير فالقراءتان سبعيتان، وكذلك إذا قال: (وفي قراءة) فالقراءتان سبعيتان، أما إذا قال: (وقُرِئَ) فالقراءة شاذة؛ لأنه أتى بها بصيغة التمريض، انتبهوا للاصطلاح، هذا التعبير الذي معنا (بالتخفيف وضده) على حدٍّ سواء؛ يعني ساوى بين القراءتين، وعلى هذا فهما سبعيتان.
قال: (من الأرزاق) بيانٌ للمُنزَّل، فالمُضمر إذن من الأرزاق، ويدل على أن المُضمر من الأرزاق قوله: وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ، وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ؛ أي: بتقديرٍ مكتوبٍ في الأزلِ لا يتغيَّر ولا يتبدَّل.
(مَا يَشَاءُفيبسطها لبعض عباده دون بعض، وينشأ عن البسطِ البغيُ، إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ). قوله: بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُهذه المشيئة -كما سبق- مقرونة بالحكمة، فمن اقتضت حكمة الله أن يغنيه أغناه، ومن اقتضت حكمة الله أن يفقره أفقره، وفي الحديث القدسي: «إِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَوْ أَغْنَيْتُهُ لَأَفْسَدَهُ الْغِنَى، وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَوْ أَفْقَرْتُهُ لَأَفْسَدَهُ الْفَقْرُ» ، فالله تبارك وتعالى حكيم، وكم من إنسان رجع إلى الله تعالى بسبب المصائب من فقر أو موت قريب أو صديق، أو ما أشبه ذلك مَا يَشَاءُ.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فيبسطها لبعض عباده دون بعض، وينشأ عن البسط) يعني: توزيع الرزق (البغيُ)، هذا كالتعليل لكون الجواب وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْابأنه ينشأ عن البسط البغيُ والطغيان والاستكبار عن العبادة والتكذيب بالحق.
إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌالجملة استئنافية تُبَيِّن أن بسطه الرزق وعدمه ناشئ عن علم وخبرة، والخبرة أخص من العلم؛ لأنها العلم ببواطن الأمور. ولكن نقول: إن العلم ببواطن الأمور يدل بالالتزام على العلم بظواهر الأمور من باب أولى.
بَصِيرٌمأخوذة من الإبصار بالعين، ومن البصيرة وهي العلم، فيكون (بصير) لها معنيان: الأول من الإبصار وهو الرؤية بالعين، والثاني من البصيرة وهي العلم، إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌوهذا يعني أنه يُضَيِّق على من شاء ويوسِّع على من شاء.
من فوائد الآية الكريمة: أن بسط الرزق وتضييقه من عند الله وحده؛ لقوله: وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ.
فإن قال قائل: أَلَا يَرِدُ على هذا أننا نرى الرجل يعمل ويكدح ويتجر فيزيد ماله؟
قلنا: لا يَرِدُ؛ لأن أصل عمله من عند الله عز وجل، هو الذي أوقع في قلبه النية وأقدره على العمل، فهو من فضل الله عز وجل، هذا وجه.
وجه آخر أننا نجد بعض الناس يكدح ويعمل ويتعب ولكن لا يُوَفَّق، كلما ضرب وجهًا ازداد خُسرانًا، وحينئذٍ ينتفي هذا الإيراد من أصله.
الإيراد؟ يرد علينا أن الإنسان قد يتَّجر ويعمل ويكسب فيكون انبساط الرزق من عمله، فكيف تقولون: إن بسط الرزق من الله عز وجل، هذا الإيراد، ما الجواب؟
طالب: نقول: إن التقدير هو من فضل الله عز وجل على العبد.
الشيخ: يعني كون الله تبارك وتعالى أوقع في قلبه العزيمة على هذا ويسَّر له هذا الاتجار هو من الله عز وجل، لو شاء الله لم يجعل في قلبه العزيمة، ولو شاء الله لأعجزه عن العمل. هذا وجه. وجه آخر؟
طالب: الوجه الآخر أننا نرى في الواقع من يكدح ويكسب ومن يكدح ولا يكسب.
الشيخ: نعم، أننا نرى في الواقع من يبذل الجهد والطاقة في التجارة والأخذ والإعطاء، ومع ذلك لا يزداد إلا خسرانًا. إذن فالبسط كله من الله عز وجل، لا من أصله ولا مما يتفرع عنه.
من فوائد الآية الكريمة: الحذر من الترف وسعة الرزق، وجه ذلك أن الله تعالى أخبر بأن بسط الرزق سبب للبغي، وهذا كقوله تعالى: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [العلق: ٦، ٧]، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن أخوف ما يخاف علينا ما يُفْتَحُ علينا من زهرة الدنيا ، فليحذر الإنسان ما يبسط له من الرزق؛ فلعل شقاءه يكون بسببه، نسأل الله السلامة والعافية.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: حكمة الله تبارك وتعالى فيما ينزل من الرزق؛ لقوله: وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ.
ومن فوائدها: إثبات المشيئة لله تبارك وتعالى حتى فيما يحصل للعبد.
ومن فوائدها: الإشارة إلى أن توسيع الرزق لشخص وتضييقه لآخر مبني على خبرة وعلمٍ؛ لقوله: إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ.
***
تفسير الآية (28)
00:34:42
ثم قال عز وجل: وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ، ينزله من أين؟ من السماء، الْغَيْثَأي: ما يحصل به الإغاثة، وهي الإنقاذ من الشدة، مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُواأي: ما قنط العباد، قال المفسر: (الْغَيْثَالمطر مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُواأي: يئسوا من نزوله) لتأخره عن وقته قالوا: إذن هذا العام ما فيه مطر، فينزِل الله المطر، وإنزال المطر على حين شفقة له وقنوط من نزوله يكون أشد وقعًا في النفوس وأبين لرحمة الله تبارك وتعالى وفضله.
قال: (وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُيبسط مطره) هكذا قال المفسِّر، ولو كان المراد كما قال لقال: (ينزل الغيث من بعدِ ما قنطوا وينشره) ولكن الصواب: ينشر رحمته؛ أي: الرحمة التي تحصل بهذا الغيث من نبات الزرع ودَرِّ الضَّرع وسعة الرزق، وغير ذلك مما ينشأ عن المطر.
وقال بعض العلماء: يَنْشُرُ رَحْمَتَهُ؛ أي: يجعل السماء صحوًا حتى تخرج الشمس. وفي هذا نظر، اللهم إلا إذا وصلت الأمطار إلى حدٍّ يخشى من ضررها، فحينئذٍ يكون انجلاء الغيم وخروج الشمس يكون رحمة، أما مجرد خروج الشمس وانجلاء الغيم فإنه ليس برحمة لكنه حكمة، نعلم أن الله تعالى يفعل هذا لحكمة وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ، فالمسألة أعم مما ذكر المؤلف.
(وَهُوَ الْوَلِيُّالمحسن للمؤمنين، الْحَمِيدُالمحمود عندهم) قوله: (وَهُوَ الْوَلِيُّالمحسن للمؤمنين) ففسَّر الولاية بالإحسان، والصواب أن الولاية أعم، فقوله: وَهُوَ الْوَلِيُّأي: الذي يتولَّى أمور عباده، وقوله: الْحَمِيدُأي: المحمود على هذه الولاية؛ لأنها ولاية رحمة وحكمة وعدل، فيُحْمَدُ عليها.
إذا كان الله تعالى هو الولي فإلى من يلجأ إذا ضاقت عليه الأمور؟ يلجأ إلى الله عز وجل؛ لأنه ولي، كما أن اليتيم يرجع إلى وليه في تصريف ماله.
وقوله: الْحَمِيدُأي: المحمود على ولايته، وولاية الله تبارك وتعالى تنقسم إلى قسمين لا تخرج عنهما: إما إحسان، وإما عدل، والثالث: ممتنع وهو الظلم، فولاية الله تعالى لا تخرج عن هذين الأمرين؛ أعني: الإحسان والعدل.
من فوائد الآية الكريمة: أن إنزال المطر بيد الله عز وجل؛ لقوله: وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ.
ومن فوائدها: أن بإنزال المطر زوال الشدة؛ لأن الغيث هو إزالة الشدة.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن طبيعة الإنسان أنه لا يصبر، فيستولي عليه اليأس والقنوط من رحمة الله، والذي يجب على المرء ألَّا يقنط من رحمة الله، كما قال عز وجل: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ [الزمر: ٥٣]، وقال عن إبراهيم: وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ [الحجر: ٥٦]، فالواجب عليك إذا مَسَّك سُوءٌ ألَّا تقنط، الواجب أن تصبر وتحتسب، ودوام الحال من المحال، لكن الله تبارك وتعالى يذكر الشيء بحسب الواقع لا بحسب ما ينبغي للإنسان من ملازمة الصبر وانتظار الفرج.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن نزول المطر رحمة؛ لقوله: وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ [الشورى: ٢٨]، وهذا على تفسير المؤلف أن المراد بالرحمة المطر، وقد ذكرنا أن الرحمة أعم من ذلك، وهو هكذا تشمل نزول المطر، نبات الأرض، سمن المواشي، كثرة التصرفات والحركات.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات ولاية الله عز وجل لجميع الخلق؛ لقوله: وَهُوَ الْوَلِيُّولم يُقَيِّد.
واعلم أن ولاية الله تعالى نوعان: ولاية خاصة، وولاية عامة.
الولاية العامة هي التي تشمل ولاية الله سبحانه وتعالى لجميع العباد؛ مؤمنهم وكافرهم، بَرهم وفاجرهم، صغيرهم وكبيرهم، ذكَرهم وأنثاهم، هذه عامة، ومنها قوله تعالى: ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ [الأنعام: ٦٢]، هذه من الولايات العامة؛ لأن المراد بهم الكافرون.
الولاية الخاصة هي التي للمؤمنين فقط، ودليلها قول الله تعالى: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ [البقرة: ٢٥٧].
إذن ما الفرق بين الخاصة والعامة؟ الفرق بينهما في المحل ظاهر؛ الولاية العامة تشمل كل أحد، الولاية الخاصة بالمؤمنين. الفرق بينهما أيضًا من حيث الأثر أو التأثير: أن الولاية الخاصة تستلزم توفيق الله تبارك وتعالى للعبد في الهداية وغير ذلك، والعامة لا تستلزم ذلك، فإن الكفار الله وليهم بالمعنى العام ومع ذلك لم يهدهم؛ لأن الحكمة تقتضي ألَّا يهديهم.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن ولاية الله تعالى محمودة على كل حال؛ لقوله: الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ، اقرِنْ بين هذا وبين قوله تعالى: هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [فاطر: ١٥] تجد التناسب التام، فالغني الحميد الذي يُحْمَد على غِناه بحيث يُغني به من شاء، والولي الحميد الذي يُحْمَد على ولايته، بحيث يختص بالولاية الخاصة من شاء ويمنعها عمن شاء، وعلى كل حال فولايته حميدة، وغناه حميد عزَّ وجل.
طالب: هل كلاهما صحيح؟
الشيخ: نعم.
طالب: ولا مرجح لأحدهما يحمل عليهما جميعًا؟
الشيخ: بشرط ألَّا يتنافيان، هنا يتنافيان.
طالب: وجهه يا شيخ؟
الشيخ: وجْهُ ذلك أننا إذا قلنا: يَسْتَجِيبُأنها عائدة على الله عز وجل، صارت (الذين) محلها النصب فهم مُجابون، وإذا قلنا: إنها تعود على الله، صارت (الذين) مفعولًا به.
وأيضًا يُضَعِّف القول الثاني -أن يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوايعني: أن الذين هم الذين استجابوا لربهم- قولُه: وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِفإن الأصل أن الضمائر تكون واحدة، ومعلوم أن الزيادة من الفضل خاصة بالله عز وجل، فالقول بأنها تحتمل المعنى الثاني ضعيف؛ لأنه مرجوح.
طالب: شيخ أحسن الله إليك، من قوله تعالى: وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِذكر بعضهم أن الفقير الذي أفقره الله سبحانه وتعالى لحكمته، لا يجوز لأحد أن يغنيه (...) يعني يعطيه شيئًا يستغني به يأكله فقط، كونك تعطيه ما يستغني به سوء أدب مع الله سبحانه وتعالى؟
الشيخ: من قال هذا؟!
طالب: ذكروه في كتاب تقديس الصوفية للأشخاص، هذه فتوى واحد من العلماء؟
الشيخ: لا عبرة بأقوال الصوفية، هل أنت كنت صوفيًّا من قبل؟
طالب: إي، كنت صوفيًّا.
الشيخ: والحمد لله الذي أنقذك منهم، هذه نعمة كبيرة، وهذا غير صحيح؛ لأنه لو كان كذلك لم يجعل الله للفقراء حظًّا من الزكاة، أليس الله تعالى جعل للفقراء حظًّا من الزكاة؟ وأمر بالإحسان إلى الفقراء؟ فتبين ضعفُ هذا القول.
طالب: ما الفرق بين اليأس والقنوط؟
الشيخ: القنوط أشد اليأس؛ يعني إذا ارتفع اليأس حتى لم يبقَ في الإنسان أيُّ أملٍ فهذا قنوط.
طالب: عطف عليه؟
الشيخ: لا، (الذين) مفعول به.
طالب: (...).
الشيخ: وأيضًا المرجح عندنا مرجح على أن المجيب هو الله وهو قوله: وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ، لو كان كذلك لقال: فيزيدهم بالفاء؛ يستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيزيدهم إذا استجابوا، فلما جاء حرف العطف الذي يقتضي تساوي المعطوف والمعطوف عليه لم يصح ما قلت، وإلا لقال: ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيزيدهم؛ أي: بسبب استجابتهم يزيدهم من فضله.
طالب: (...).
الشيخ: وعلى الإجابة قال الله تعالى: فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ [آل عمران: ١٩٥]؛ يعني: أجابهم.
هذا من القنوط؛ إذا نزل بالإنسان ضائقة وقدَّر في نفسه أنه لا يمكن زوالها، فهذا قنوطٌ بلا شك، لكن إذا قدَّر في نفسه أنه لا تمكن إزالتها من المخلوق فهذا حق؛ لأن بعض الأمراض -مثلًا- حسب المعروف أنه لا يمكن للمخلوق أن يزيلها، لكن قد تزول بإذن الله عز وجل.
يُذْكَر لنا أن بعض القراء الذين وهبهم الله تعالى إيمانًا وتقوى يقرأ على المصاب بالسرطان فيبرأ بإذن الله، والسرطان حسب الطب الحسي يرونه من الأمراض الميئوس منها، إذن اليأس من أن هذه الضائقة لا تزول على يد المخلوق حق ولا مانع فيها، أما من عند الخالق فلا يجوز؛ لأن الله على كل شيء قدير، والذي خلقك من ماء مهين قادر على أن يشفيك من هذا المرض مثلًا، والذي أخرجك من بطن أمك ليس عليك ثيابٌ حتى هيأ الله لك الثياب قادر على أن يكسوك بالغنى بعد الفقر، فلا تيأس من رحمة الله أبدًا، انتظر الفرج ولكن اصبر، لا تتعجل الأمور؛ فالله تعالى جعل لكل شيء سنة وطريقة تأتي بها في النهاية.
***
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ، ما المراد بالغيث؟طالب: ما يحصل به الإغاثة.
الشيخ: وهو هنا؟
طالب: المطر.
الشيخ: وهو المطر. هل هناك فرق بين الغيث والمطر؟
طالب: نعم.
الشيخ: ما هو؟
طالب: الغيث هو الذي تزول به الشدة.
الشيخ: تزول به الشدة.
طالب: والمطر قد ينزل ولا يزول به الشدة.
الشيخ: زين، ولا يزول به الشدة. هل هناك دليل على هذا؟
طالب: قول النبي: «لَيْسَتِ السَّنَةُ أَلَّا تُمْطَرُوا».
الشيخ: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَتِ السَّنَةُ أَلَّا تُمْطَرُوا، وَلَكِنَّ السَّنَةَ أَنْ تُمْطَرُوا فَلَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ شَيْئًا» ، قوله: مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا. هل في هذا تقرير للقنوط وأنه جائز أو بيان للواقع؟
طالب: بيان للواقع.
الشيخ: بيان للواقع؛ لأن القنوط حكمه شرعًا؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، بل هو من كبائر الذنوب، طيب، الإخبار عن الواقع لا يعني إقراره. ودليل هذا؟
طالب: (...).
الشيخ: «لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْمَعَازِفَ» ، وقوله: «لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ» اليهود والنصارى، وإخباره بأن الظعينة تخرج من كذا إلى كذا لا تخشى إلا الله ، هذا الإخبار عن الواقع لا يقتضي حله وإقراره.
ولاية الله تبارك وتعالى تنقسم إلى عامة وخاصة، الخاصة تختص بمن؟ بالمؤمنين. ما الدليل؟ قوله تعالى: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [البقرة: ٢٥٧]. الولاية العامة قوله: ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ [الأنعام: ٦٢]، وهي عامة لجميع الناس.
الْحَمِيدُ(فعيل) بمعنى المحمود. هل هناك في اللغة العربية صيغة (فعيل) بمعنى مفعول؟ (قتيل) بمعنى المقتول، طيب، يعني أن الله يُحْمَد على ولايته، (حميد) يعني على ولايته، فكل ما أجراه عز وجل في ملكه فإنه محمودٌ عليه.
ماذا كان يقول النبي صلى الله عليه وسلم إذا أصابه ما يسوؤه؟ يقول: «الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ». وإذا أصابه ما يسرُّه قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ» ، وأما ما يقوله بعض الجهال: الحمد لله الذي لا يُحْمَد على مكروهٍ سواه، فهذه عبارة بدعية لا تجوز؛ لأنها تنبأ عن كراهة الإنسان لما يفعله الله عز وجل، ثم هناك تناقض بين مكروه ومحمود، ثم إن كل ما يجريه الله عز وجل فإن الإنسان يجب عليه أن يرضى به؛ لأن من الإيمانِ الإيمانَ بالقضاء خيره وشره.
فالمهم أن هذه عبارة محدثة يُنْهَى عنها، ويقال لمن يقولها: قل ما قاله الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو: الحمد لله على كل حال.
تفسير الآية (29)
00:51:39
ثم قال الله عز وجل: وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ(مِن) للتبعيض، وآيات جمع (آية)، وهي العلامة المعيَّنة لما كانت له، العلامة التي تُعيِّن الشيء وتحدده يقال لها: آية، (من آيات الله) أي: مِن علاماتِه الدالة على كمال قدرته عز وجل وكمال سلطانه خلق السماوات والأرض، فإنه لا يمكن لأي أحد أن يخلق مثلهن. وسبق الكلام على السماوات والأرض ولِمَ جُمِعَت الأولى والثانية أُفْرِدَت، وما أشبهه.
(وخلق مَا بَثَّفرَّق ونشَرَ فِيهِمَا) أي: في السماوات والأرض، (مِنْ دَابَّةٍوهي ما يدُبُّ على الأرض)، قوله: وَمَا بَثَّيعني: خلَقَ، مَا بَثَّ(بَثَّ) بمعنى فرَّق ونشر، فِيهِمَاأي: في السماوات والأرض، مِنْ دَابَّةٍأي: مما يدُبُّ على الأرض من الإنسان وغيره فهو من آيات الله، من آيات الله في هذه المخلوقات أن الله سبحانه وتعالى أعطى كل شيء خلقه ثم هدى؛ تجد الحيوانات وهي بُهمٌ لا عقول لها، تجدها تكسب رزقها وتذهب تطلبه، وتخزن ما تخزن منه إن كانت مما يخزن من الأقوات، وتجدها تَحِنُّ إلى أولادها وترحم أولادها وتجوع لشِبَعِهم، إلى غير ذلك مما إذا تأملته عَجِبْت من هذه المخلوقات البُهم.
الطيور أعطاها الله عزَّ وجل قوَّة نظر بعيدٍ، بدليل أنها ترى الحَب وهي في جو السماء، والآدمي لا يرى هذا بلا شك، لكن لما كانت الطيور لا تمشي على الأرض يسَّر الله لها بصرًا نافذًا قويًّا؛ حتى ترى الحب وهي في جو السماء، فتنزل وتأخذه وتطير، إلى غير ذلك من الآيات العجيبة.
انظر مثلًا إلى الذَّرِّ الصغير كيف يهتدي إلى جحره وهو يأتي إليه من بعيد، ثم إنه يمشي على خطٍّ واحد، شاهدناه بأعيننا يمشي على خط واحد على البساط الذي ليس فيه أثر تراب، فتجده يصل إلى النهاية وإذا به ينحرِفُ على زاوية، كيف اهتدى إلى هذا؟ إلا بهداية الله عز وجل. وقد قيل: إنه كلما مشى فإنه يخرج منه شيء -أي مادة- يشُمُّها الذر الآخر فيمشي تبعه، هذا من آيات الله عز وجل.
تجد النمل -وهو أكبر من الذَّرِّ- يحرص على أن يأتي بزاده من بعيد ثم يخزنه في جحره، وإذا أراد أن يخزنه أكل رؤوس الحَب من أجل ألَّا ينبت؛ لأنه لو بقي الحَب برؤوسه نبت وفسد عليه، فتجده يقضَم أعلى الحبة وأسفلها حتى لا تنبت، ثم إذا جاء المطر وابتلَّت الأرض ووصل البلل إلى جحره تجده ينقل هذا الحَب ليخرجه إلى الشمس والهواء حتى ييبس. من الذي علَّمه؟ الله عز وجل لا شك، فهو من آيات الله.
وما أحسن الاستعانة على هذا بقراءة كتاب مفتاح دار السعادة لابن القيم رحمه الله، مفتاح دار السعادة هذا ذكر فيه عجائب، حتى ذكر فيه قصة: أن رجلًا وضع طعمًا لذرة من الذرات إما لحمة أو غيرها، حاولت الذرة أن تحملها عجزت، فرجعت إلى جحرها واستغاثت بأخواتها، فأقبلن إليه يزفون، لما أقبلن عليه نزعه رفعه من الأرض، فجعلت الذر تطلبه ما وجدت شيئًا، فانصرفت وبقيت الأولى التي كانت قد دلت عليه، فوضع الطعم، فلما تيقنته ذهبت إلى قومها فدعتهم، فلما أقبلن نزعه، فطلبنه فلم يكن رجعن، ثم وضع الطعم للمرة الثالثة فتأكدته هذه الذرة، ثم رجعت إلى قومها تستفزعهم، فلما أقبلن نزعه، فلما طلبنه ولم يجدنه أكلن هذه الذرة نهائيًّا؛ قطعنها أوصالًا. يقول: فحكيت ذلك لشيخ الإسلام ابن تيمية متعجبًا منه، قال: نعم، كل شيء مفطورٌ على عقوبة الظالم الكاذب، وهذه كذبت عليهن وظلمتهن فلم يَبْقَ إلا أن تُعْدَم؛ لأن الساعي في الأرض فسادًا يجب إعدامه حتى الآدمي.
ولكني أسألكم هل عليه دية هذه المقتولة، الرجل؟ نعم، هو ظالم لها، نسأل الله أن يعفو عنه.
على كل حال، قصدي بذلك أن كل شيء هداه الله عز وجل لما خلقه له حتى الذَّر، شاهدته أنا في حوض نخلة لما سقيت النخلة الماء دخل الماء من تحت الأرض إلى جحر الذر، فجعلت الذر تحمل بيضها الأبيض وبسرعة حتى أخرجته عن الماء. من الذي هداها لهذا؟ الله عز وجل.
وآيات الله كثيرة، ولهذا قال عز وجل: وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ، وفي الآية الأخرى: وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ [الجاثية: ٤]، فأتى بالماضي وأتى بالمضارع الدالِّ على الاستمرار.
قوله: (مِنْ دَابَّةٍوهي ما يدُبُّ على الأرض من الناس وغيرهم، وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْللحشر، إِذَا يَشَاءُجمعَهم قَدِيرٌ) وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْأي: جمع هذه المخلوقات، إِذَا يَشَاءُأي: إذا يشاء جمعهم، فالمفعول به محذوف دَلَّ عليه السياق، قَدِيرٌأي: لا يعجزه شيء، يقول المفسِّر رحمه الله: (في الضمير تغليب العاقل) الضمير يعني في جَمْعِهِمْ، تغليب العاقل؛ لأن الميم الدالة على الجمع لا تكون إلا في العقلاء، وأما غير العقلاء فيؤتى بنونِ النسوة، لكن هنا أتى بضمير الجمع مع أن ما في الأرض من دابة أكثره غير عقلاء، لكن يقول المؤلف رحمه الله: (تغليب للعاقل).
في هذه الآية الكريمة: بيان أن خالق السماوات والأرض هو الله؛ لقوله: وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِولم يشاركه أحد في ذلك.
ومن فوائدها: أن هذه المخلوقات من آيات الله عز وجل. ولكن يا إخواننا لا يتبين أنها من آيات الله إلا بالتأمل والتدبر؛ لأننا اعتدنا هذه المخلوقات؛ اعتدنا طلوع الشمس وغروبها، وطلوع القمر وغروبه، فلم يكن ذلك محركًا لقلوبنا لأنه شيء معتاد، لكن لو أننا تدبرنا هذه المخلوقات لتبين لنا أنها من آيات الله العظيمة.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن من آيات الله عز وجل ما يبث في السماوات والأرض من دابة من الآدميين وغير الآدميين، فإن في كل شيء منها آية تدل على كمال وحدانيته عز وجل ورحمته وحكمته.
ومن الفوائد: أن ظاهر الآية أن في السماوات دواب؛ لقوله: وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ، أما الأرض فالدواب فيها معلومة لنا، أكثرها معلوم لنا نعرفه ونشاهده، أما السماوات ففيها دواب لكن لا ندري ما هي.
إن قلت: (الملائكة) صار في ذلك إشكال، إن قلت: غير الملائكة، قلنا: إن الله على كل شيء قدير؛ لأن الملائكة بيَّنَ الله تبارك وتعالى أنهم أولو أجنحة فقال: جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ [فاطر: ١]، وذو الجناح يطير، وربما يكون يمشي أيضًا.
على كل حال نحن لسنا مكلفين إلا بما نفهمه من ظاهر الآية ولا نتجاوز ذلك، فنقول: ظاهر الآية الكريمة أن السماوات فيها دواب كالأرض، وإذا سألنا سائل: ما هذه الدواب؟ قلنا: إما الملائكة أو غيرها، الله أعلم.
وقال بعض العلماء: وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍأي: في الأرض، كما في قوله تعالى: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ [الرحمن: ١٩] إلى قوله: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ [الرحمن: ٢٢]، وزعموا أن ذلك لا يكون إلا في المالح، والصواب أن الآية على ظاهرها في آية الرحمن يَخْرُجُ مِنْهُمَا، وأن البحرين المالح والعذب كلاهما يخرج منه اللؤلؤ والمرجان وإن كان في أحدهما أكثر.
ومن فوائد الآية الكريمة: تمام قدرة الله عز وجل في جمع هذه الدواب ليوم الحساب؛ لقوله: وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ.
ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على أولئك المنكرين للبعث الذين قالوا: ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [الجاثية: ٢٥]، المنكرون للبعث يقولون: إن كنتم صادقين هاتوا آباءنا، فيقال: إن الله تعالى لم يشأ ذلك، وسيشاؤه فيما بعد، وأنتم لم يقل لكم: إنكم مجموعون اليوم بل قيل: إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ [الواقعة: ٤٩، ٥٠]، وأما تحديهم بما لم يلتزمه المتكلم فهذا ضائع سُدًى.
ومن فوائد الآية الكريمة: تمام قدرة الله تبارك وتعالى بجمع هذه المخلوقات.
فإن قيل: هل في الآية ما يدل على تقييد القدرة بالمشيئة؟
فالجواب: لا؛ لأن المقيد بالمشيئة ليس القدرة ولكن الجمع، وبهذا نعرف أن بعض الناس الذين يقولون: إنه على ما يشاء قدير قد أخطؤوا خطأ عظيمًا وقيدوا ما أطلقه الله؛ فإن الله قال: إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: ٢٠] على ما يشاؤه وما لا يشاؤه، وهؤلاء يقولون: إنه على ما يشاء قدير، فقدَّموا المعمول، وتقديم المعمول يفيد الحصر، إذن هو قدير على الذي يشاء، وأما الذي لا يشاؤه فليس قدير عليه، وهذا غلط عظيم، الله قادر على كل شيء؛ اللي يشاؤه واللي ما يشاؤه.
إذن هل ننهى من نسمعه يقولها؟ نعم، ننهاه عن ذلك ونقول: يا أخي قل ما قاله الله عز وجل: إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [فصلت: ٣٩]، لا تقل: على ما يشاء قدير. نسأل الله تعالى أن يجمعنا وإياكم برحمته، وأن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى.





