تفسير سورة الشورى - 12
عدد الزيارات 2900

عناصر المادة :
تفسير الآية (51)
تفسير الآيتين (52-53)

تفسير الآية (51)
00:00:03

ثم قال الله تعالى: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا [الشورى: ٥١] مَا كَانَهذه الصيغة في القرآن الكريم تدلُّ على أنَّ الشيء ممتنع غاية الامتناع إمَّا قَدَرًا وإمَّا شرعًا؛ قال الله تعالى: مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ [مريم: ٣٥] يعني ممتنع ولَّا غير ممتنع؟
الطلبة: ممتنع.
الشيخ: ممتنع غاية الامتناع.
طيب مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ [التوبة: ١١٣]؟
طالب: ممتنع (...).
الشيخ: ممتنع غاية الامتناع. شرعًا ولَّا قَدَرًا؟
الطلبة: شرعًا.
الشيخ: شرعًا؛ لأنَّه يجوز أن يستغفروا لكنَّه حرامٌ عليهم.
مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُهذا ممتنع قَدَرًا، بل ممتنع قَدَرًا؛ يعني حسب خَبَر الله عز وجل، وإلا فالله قادرٌ على أنْ يكلِّم على غير هذا الوجه، لكن حسب خَبَر الله يكون ممتنعًا.
وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا، لِبَشَرٍالبَشَر هم الآدمِيُّون، سُمُّوا بَشَرًا ليش؟ لأنَّ بَشَرتهم باديةٌ إلا أن يستتروا. غيرُ الآدميِّ من الحيوانات مستورٌ إمَّا بالريش، وإمَّا بالصوف، وإمَّا بالوبر، وإمَّا بالشَّعر؛ إمَّا بالريش مثل الطير، وإمَّا بالشَّعر مثل المعز، وإمَّا بالصوف كالضأن، وإمَّا بالوبر كالإبل.
الآدمِيُّ لم تُستَر بَشَرته، والحكمة من ذلك أنَّه إذا شَعَر الإنسانُ بافتقاره إلى الكسوة الحسِّيَّة انتقل من هذا إلى افتقاره إلى الكسوة المعنويَّة -شوف الحكمة من الله عز وجل- حتى يعرف الإنسانُ أنه محتاجٌ إلى سَتْر العورة المعنوية كما احتاج إلى سَتْر العورة الحسِّيَّة، وإلى هذا يُشير قول الله تبارك وتعالى: يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْاللباس العادي، وَرِيشًااللباس الجميل الذي يتزيَّن به المرء، ثم قال: وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ [الأعراف: ٢٦]، لباس التقوى هذا لباس معنوي ولا حِسِّي؟
الطلبة: معنوي.
الشيخ: معنوي، طيب. وقيل: إنَّ الآدمِيَّ سُمِّي بَشَرًا لظهور أَثَر ما في قلبه على بَشَرته؛ إذا غَضِبَ الإنسانُ يظهر أَثَر الغضب على بَشَرته، ماذا يصنع؟ يحمرُّ وجهُه وعيناه، وتنتفخ أوداجه، ويَقِف شعرُه، وإذا بُشِّر بما يَسُرُّه يتهلَّلُ وجهُه وتجد فيه البِشْر، والظاهر -والله أعلم- أنَّ المعنى الأول أقوى: أنَّه سُمِّي بَشَرًا لظهور بَشَرته إلا بساتر.
أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًايقول: (إِلَّاأن يُوحِي إليه وَحْيًافي المنام أو بإلهام) هذا واحد.
أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ [الشورى: ٥١] يعني: يكلِّمه مباشرةً غير الوحي الذي في القلب من وراء حجاب؛ كما حصل لِمَن؟ لموسى عليه الصلاة والسلام، وحصل لمحمد عليه الصلاة والسلام ليلة المعراج، فإنَّ الله كلَّمه من وراء حجاب.
فما هو الحجاب الذي يحتجب الله به؟
قال النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ» . هذا النور نورٌ عظيمٌ جدًّا ما أحد يتصوَّره، هذا هو الذي احتجبَ الله به عن الخلْق، تعالى الله، فإذا كان هذا النور من قوَّته يحجب، فما بالُك بنور الله عز وجل؟! هو أعظم وأعظم؛ قال الله تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [النور: ٣٥]، ولا يتصوَّر أحدٌ ذلك أبدًا.
وإنما يكلِّم الله تعالى عبادَه من وراء حجابٍ لأنَّه لو كَشَفَ الحجابَ لَهَلَك الإنسانُ ولم يستطعْ أن يَثْبت أمام رؤية الله عز وجل، ولَمَّا قال موسى عليه الصلاة والسلام: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ، قال هذا شوقًا إلى الله عز وجل لا شَكًّا، قال ذلك شوقًا إلى الله، قال الله له: لَنْ تَرَانِييعني: لا يمكن أن تراني وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِالجبل الأصمِّ الصلب فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِتجلَّى، ما ظهر كلُّه، تجلَّى للجبل جَعَلَهُ دَكًّا [الأعراف: ١٤٣]، اندكَّ الجبلُ مرَّةً واحدةً وساوى الأرض، موسى عليه الصلاة والسلام لَمَّا رأى هذا صَعِق، غُشِيَ عليه من هول ما رأى، فهل الآدمِيُّ الضعيف يَثْبت لرؤية اللهِ والجبلُ لَم يَثْبت؟ لا واللهِ، ولهذا اندهش موسى وصَعِق وعَلِم أنَّه لا يمكن أن يرى الله عز وجل.
قوله: إِلَّا وَحْيًاالوحيُ هو ما يحصل للرسول من الإلهام أو الرؤيا المنامية؛ لأنَّ أصل الوحيِ الإعلامُ بسرعةٍ وخفاءٍ، هذا أصله في اللغة، فيكون إِلَّا وَحْيًاأي: عن طريق الإلهام أو طريق المنام.
أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍيعني يكلِّمه الله تعالى مكالمةً صريحةً ولكنْ من وراء حجاب، والحجاب المذكور هو النور كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ» ، وذلك لأنَّ البَشَر لا يستطيع رؤيةَ الله عز وجل في الدنيا؛ قال موسى لربِّه عز وجل: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَقال ذلك شوقًا ومحبةً، فقال الله تعالى: لَنْ تَرَانِيأي: لن تستطيع ذلك وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ، فنظر موسى إلى الجبل فلمَّا تجلَّى الله له جَعَلَهُ دَكًّااندكَّ حتى ساوى الأرض، فلمَّا رأى موسى هذا خرَّ صَعِقًا؛ أي: غُشِي عليه من هول ما وَجَد وعدمِ تحمُّله، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ [الأعراف: ١٤٣]. فإذَن إذا أراد الله أن يكلِّم أحدًا من الرُّسُل فلا بدَّ أن يكون هناك حجابٌ.
القسم الثالث: أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ [الشورى: ٥١] وهو جبريل، يُرسله إلى المرسَل إليه فيوحي إلى هذا الرسول بإذْن الله تعالى ما يشاء، وإنما خصَصْناه بجبريل لأنَّ جبريل موكَّلٌ بالوحي، وقد كان النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم يستفتح في صلاة الليل بهذا الاستفتاح: «اللَّهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اختُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» . هؤلاء الثلاثة كلُّ واحدٍ منهم موكَّل بما فيه الحياة؛ جبريل بما فيه حياة القلوب، إسرافيل بما فيه حياة الناس للبعث، ميكائيل بما فيه حياة الأرض الذي به يحيا البهائم والإنسان.
فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ، بِإِذْنِهِأي: إذْنه القدري مَا يَشَاءُأي: مما أوحاه الله إلى هذا الرسول الذي بَعَثه إلى الرسول البَشَري.
(إِنَّهُ عَلِيٌّ [الشورى: ٥١] عن صفات المحْدَثين) هذا التفسير تفسير غلط؛ لأنَّه يوهم أنَّ كلَّ صفةٍ للمخلوق لا تَثْبت للخالق؛ فالسمع لا يَثْبت للخالق، والبصر، وكلُّ صفةٍ للمخلوق لا تَثْبت للخالق، ولذلك لو قال المؤلف رحمه الله: إِنَّهُ عَلِيٌّعن مماثَلة المخلوقين وصفات النقص. لو قال هذا لَكان أهْون، مع أنَّنا نقول: إنَّه عليٌّ بذاته وصفاته؛ فذاتُه فوق كلِّ شيءٍ، وصفاته هي المثل الأعلى، هذا هو الصواب، لكن المؤلف -عفا الله عنَّا وعنه- يفسِّر القرآنَ عن طريق الأشاعرة لأنَّه منهم، فلذلك يحرِّف الكَلِمَ عن مواضعه ليوافق مذهبَه الباطل، وهذه آفَةٌ قَلَّ مَن يَسْلم منها من أهل العلم؛ تجد الرجُل يعتقد شيئًا ما في العقيدة أو في الأحكام الشرعية التكليفيَّة، ثم يحاول في النصوص التي تُخالف ما ذهب إليه أن يلوي أعناقها إلى ما ذهب إليه فيجعل النصوصَ تابعةً، والواجب أن تكون متبوعة، لكن هذه آفةٌ ابتُلِيَ بها كثيرٌ من الناس. إنما نحن نقول: عَلِيٌّيعني بذاته وصفاته عن كلِّ نقْصٍ، أمَّا (عن صفات المحْدَثين) هذا غرائب.
والثاني يقول: (حَكِيمٌ [الشورى: ٥١] في صنعه). هذا أيضًا ناقص، بلْ هو حكيمٌ في صنعه حكيمٌ في شَرْعه، والحكمة في الشرع أَبْلغ من الحكمة في الصنع؛ لأنَّ الصنع أمرٌ كونِيٌّ لا طاقة للإنسان في تغييره ولا في الحيادة عنه، أمَّا الأمر الشرعي فهو الذي محلُّ التلاعب من البَشر، فنقول للبشر: لا تتلاعبوا بأحكام الله فإنَّها صادرةٌ عن حكمة. إذَن يُعتبر تفسير المؤلف الذي قَصَره على الحكمة القدرية في صنع الله تفسيرًا ناقصًا، فنقول: حَكِيمٌفي أيش؟
الطلبة: في صنعه وشَرْعه.
الشيخ: في صنعه وشَرْعه.
من فوائد هذه الآية الكريمة: بيانُ عظمة الله عز وجل وأنَّه لا يستطيع البشر أن يكلِّموه بلا واسطةٍ، إمَّا رسول أو حجاب؛ لقوله: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثباتُ تكليم الله عز وجل، وقد سبق الكلام عليه فلا حاجة إلى إعادته، وبيَّنَّا أنَّ كلام الله عز وجل كلامٌ بحرفٍ وصوتٍ مسموعٍ، وأنَّ ذلك من كماله، وليس كما يزعم الزاعمون أنَّه من النقص.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ إيحاء الله تعالى على ثلاثة أوجُه: وحيُ إلهامٍ، والثاني: تكليمٌ من وراء حجاب، والثالث: إرسالُ رسولٍ يوحي إلى المرسَل إليه ما شاء الله.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثباتُ مشيئة الله عز وجل؛ لقوله: مَا يَشَاءُ، فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ.
ومنها: إثباتُ عُلُوِّه بقِسْميه: العلو الذاتي، والعلو الوصفي؛ فأمَّا علو الذات فهو أنَّه سبحانه وتعالى فوق كلِّ شيء، وأمَّا علو الوصف فهو أنَّ جميع صفاته عُليا ليس فيها نقصٌ بوجهٍ من الوجوه.
ومن فوائدها: إثباتُ الحكمة في شَرْعه وخَلْقه، وإثبات الحُكم الكوني والشرعي؛ لأنَّه مرَّ علينا أنَّ كلمة حَكِيمٌتعني الحُكم والحِكمة.

***

قسَّم الله الناسَ بالنسبة للإنجاب إلى؟
طالب: ثلاثة أقسام.
الشيخ: إلى ثلاثة!
طالب: أربعة أقسام.
الشيخ: أربعة أقسام، ما هي؟
(...) وحي، أو وحيًا.
طالب: أو وحيًا.
الشيخ: اثنان.
طالب: أو عن طريق الملَك.
الشيخ: أو عن طريق الملَك؛ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُهذه ثلاثة أقسام.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، هل معنى هذا أنَّ الله سبحانه وتعالى سوف يرزقنا يوم القيامة قوَّةً في أبصارنا حتى ننظر إليه؟
الشيخ: إي نعم، قوَّة الناس يوم القيامة لا تُنسَب إليها قوَّة الدنيا أبدًا، ألَيسوا يمكثون خمسين ألْف سنةٍ لا يأكلون ولا يشربون؟! هذا ما يمكن يُطاق في الدنيا، ألَيس الواحدُ ينظر إلى مُلكه في الجنة مسيرة ألْفَي سنةٍ يرى أقصاه كما يرى أدناه؟! هذا لا يمكن في البَشَر في الدنيا.
طالب: أحسن الله إليكم يا شيخ، ما معنى تَجَلَّى؟
الشيخ: أي: ظَهَر.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، وَرَدَ حديث الذي فيه فضيلة تربية البنات والصبر على (...) فهل هذا الفضْل يَثْبت للأمِّ أيضًا أو إنَّه خاصٌّ بالأب؟
الشيخ: الظاهر أنَّه يَثْبت للجميع، وَرَدَ في الحديث أنَّه للنساء فقط؛ أنَّ المرأة إذا مات لها ثلاثةٌ من الوَلَد كانوا لها سِتْرًا من النار ، وأمَّا مسألة التربية فلأنَّ الأب هو المسؤول عن تربية الأولاد.
الطالب: (...) بالآباء؟
طالب: ما الحكمة في ذِكْر الخلْق بعد الشَرْع في الآيات؟
الشيخ: أقول: مما يدلُّ على أنَّ الاهتمام بالشرع أَبْلغ .. والناسُ ما خُلِقوا إلا للشرع، ما خُلِق الناسُ إلا للشرع؛ قال الله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦].
-أين السائل؟ هل كلَّم الله واحدًا غيرَ موسى؟
إي نعم، كلَّم النبيَّ صلى الله عليه وسلم، كلَّم آدمَ، لكن موسى عليه الصلاة والسلام سُمِّي الكليم لأنَّه أول ما أَوْحى الله إليه كلَّمه، وغيره أوحى الله إليه بواسطةٍ أولًا.
(...) الخلْق أوَّلًا، ثم بدأ الشرع؛ وذلك لأنَّ الشرع يختصُّ بالأنبياء، الشرع المذكور هنا الوحيُ الخاصُّ بالأنبياء، هذا السبب، السبب أنَّه خاص بالأنبياء.
طالب: (...) مخلوق؟
الشيخ: لا، ما هو يريد النور المخلوق، النور المخلوق منفصل عن الله وليس صفةً لله، هذا إذا قُلنا: إنَّ (نور) بمعنى منوِّر؛ لأنَّ بعض المفسرين قالوا: منوِّر السماوات والأرض. لكنَّه خلافُ ظاهرِ الآية، فيقال: الله نور السماوات والأرض، وليس هو النور المخلوق، بل هو عز وجل نور، وكلامه نور، وحجابه نور.
طالب: (...).
الشيخ: يعني على هذا الحال يكون: لِمَنْ يَشَاءُ [الشورى: ٤٩] (مَن) عامَّة أُريدَ بها الخاصُّ، كذا؟ أسألك، هذه إذا قُلنا: يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ [الشورى: ٤٩] أي: الأنبياء.
طالب: (...).
الشيخ: لا، شوف -بارك الله فيك- إذا ادَّعى أحدٌ خلافَ ظاهرِ اللفظ لا تَقْبل منه؛ والله عز وجل يقول: يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ، ولم يَقُل: للأنبياء. ثم مَن الذي يقول: إنَّ الصحابة سَئِموا مِن كَوْن بعضهم يُولَد له وبعضهم لا يُولَد له، بعضهم يُولَد له إناثٌ وبعضهم يُولَد له ذكور؟! مَن قال هذا؟! فالآية عامَّة، وكلَّما وجدتَ قولًا يكون فيه تخصيص العامِّ فلا تَقْبله إلا بدليل.
طالب: (...).
الشيخ: لا، هذا غلط، نحن ذكرنا أنه تجلَّى؛ أي: بعضُه عز وجل، على أنِّي في قلقٍ من هذا؛ من كَوْن المراد بعضه، لأنَّ الأصل أنَّه كلُّه، لكن قد يقال: إنَّه يمنع مِن هذا أنَّ الله تعالى لا يحيط به شيءٌ من مخلوقاته، فلا يمكن أن يتجلَّى كلُّه والأرض ليست بالنسبة إليه شيئًا.

***

تفسير الآيتين (52-53)
00:18:50

ثم قال عز وجل: (وَكَذَلِكَأي: مِثْل إيحائنا إلى غيرك من الرُّسُل أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ [الشورى: ٥٢]).
كَذَلِكَتأتي في القرآن كثيرًا، وحسب كلام المفسِّر أنَّ الكاف اسمٌ بمعنى (مِثْل)، فتكون مصدرًا لفعلٍ محذوفٍ، والتقدير: مِثْلَ ذلك. ثم تفسِّر الفعلَ بما يناسب المقامَ؛ أي: مِثْلَ إيحائنا لِمَن سبق من الرُّسُل (أَوْحَيْنَا إِلَيْكَيا محمد). أفادنا بقوله: (يا محمد) أنَّ الخطاب هنا خاصٌّ بالرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا يتعدَّاه إلى غيره.
رُوحًاقال: (هو القرآن، به تحيا القلوب). صَدَق المراد بالروح هنا؟
طالب: القرآن؛ لأنه حياة القلوب.
الشيخ: القرآن؛ لأنه تحيا به القلوب.
وقوله: (مِنْ أَمْرِنَا [الشورى: ٥٢] الذي نوحيه إليك) يعني: مما نأمر به، ويحتمل أن يكون الأمر هنا واحد الأُمور لا واحد الأوامر؛ أي: من شأننا.
(مَا كُنْتَ تَدْرِيتعرف قبل الوحي إليك مَا الْكِتَابُالقرآن وَلَا الْإِيمَانُ [الشورى: ٥٢] أي: شرائعه ومعالمه). أوحى الله إلى نبيِّه رُوحًا من أَمْره -سواءٌ قلنا: واحد الأمور، أو: واحد الأوامر- وأَخْبر أنَّ لله المنَّة الكبرى عليه في ذلك؛ لأنَّه كان قبل هذا ما يدري -أي: ما يعلم، أو: ما يعرف- ما الكتاب ولا الإيمان.
كلمة مَا الْكِتَابُيحتمل أنَّ المراد بها: ما الكتابة، ويحتمل أنْ يُراد بذلك ما ذكره المؤلف وهو القرآن؛ أمَّا الأول فلأنَّ الله تعالى قال في نبيِّه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ [العنكبوت: ٤٨]، وأمَّا كَوْن المراد به القرآن فهذا أمثلته كثيرة، المهمُّ أنَّ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما كان يعرف، حتى الكتابة لا يَكْتب عليه الصلاة والسلام، وما كان يعرف أيضًا الوحيَ قبل أنْ يُوحَى إليه.
وَلَا الْإِيمَانُقال المؤلف: (أي: شرائعه ومعالمه)، يعني: وما كنتَ تدري عن شرائع الإيمان. فهل كان الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم يدري عمَّا شَرَعه الله له في هذه الشريعة الكاملة قبل ذلك؟ لا.
ثم قال المؤلف: (والنَّفْي معلِّقٌ للفعل عن العمل، وما بعده سدَّ مسدَّ المفعولين). الجملة هذه للإعراب، كلمة تَدْرِيتنصب مفعولين، هل بعدها شيء منصوب؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا، بعدها (ما) استفهامية مبتدأ، و(الكتاب) خبره، ما فيها شيءٌ منصوب، إذا جاءت الجملة الاستفهامية في محلِّ المفعولين فإنها تعلِّق الفعلَ عن العمل ظاهرًا، ولكن الجملة تكون في محلِّ نصب. إذَن الاستفهام هنا علَّق الفعلَ عن العمل، وما بعده سدَّ مسدَّ المفعولين.
وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا(جَعَلْنَاهُأي: الروحَ أو الكتابَ)؛ يعني: جعلْنا الكتابَ الذي أوحينا إليك أو الروحَ الذي أوحينا إليك، والمعنى لا يختلف.
نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا-اللهم اهدنا به- نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَاالنور يهتدي به الناس، ومنه قول الشاعر:
..................... كَأَنَّهُ عَــــلَمٌ فِي رَأْسِهِ نَارُ

وقول الخنساء في أخيها:
وَإِنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الْهُدَاةُ بِهِ كَأَنَّهُ عَــــلَمٌ فِي رَأْسِهِ نَارُ

يعني أنَّ النار تُجعَل علامةً على الشيء، إذا كان الناس في البَرِّ أوقدوا في الليل نارًا على رأس جبلٍ أو على رأس أَكَمةٍ حتى يهتديَ بها من يريدهم.
يقول: جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُنهدي بهذا النور مَن نشاء، وهذا مبنيٌّ على حكمة الله عز وجل؛ كما قال تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [الإنسان: ٣٠]، فمَن الحري أنْ يُهدَى بهذا النور؟ مَن تمسَّك به وعَمِل بما فيه تصديقًا للأخبار وتنفيذًا للأحكام، مَن فَعَل هذا صار القرآنُ له نورًا يهتدي به؛ كما قال الله تعالى: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ [محمد: ١٧].
وأمَّا مَن أعرضَ عنه -والعياذ بالله- فإنَّه سيكون حُجَّةً عليه ولا ينتفع به.
نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا. قوله: مِنْ عِبَادِنَاهل المراد العبوديَّة العامة أو الخاصة؟ نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَاهذه تقسِّم الناسَ إلى قِسْمين: مهتدٍ وضالٍّ، فيكون عِبَادِنَاالمراد به العبوديَّة العامة؛ لأنه جعل العبودية هذه قِسْمين: مهتدٍ وضال.
مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَيعني: يا محمَّد لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى: ٥٢] قال: (تدعو بالوحي إليك) إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍلو أنَّ المؤلف قال: لَتَهْدِيأي: تدلُّ، لَكان أَوْضَح وأَخْصَر، (تهدي) بمعنى تدلُّ، فهي هداية الدلالة، أمَّا المؤلف يقول: (تدعو بالوحي إليك)، ولكن هذا لا يكفي؛ لأنَّه لو دعا فهل يهتدي الناس؟ لكن إذا قلنا: تدلُّ، فقد وضَّح الطريقَ ودلَّ عليه، ثم مَن اهتدى فلنفسه ومَن ضلَّ فإنما يضلُّ عليها.
إِلَى صِرَاطٍ(طريقٍ) مُسْتَقِيمٍيقول: (دين الإسلام). وصَدَق، الصراط المستقيم بعد بعثة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم هو دين الإسلام.
صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ [الشورى: ٥٣]. صِرَاطِ اللَّهِهذه بدلٌ من قوله: صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.
وقوله: صِرَاطِ اللَّهِأضافه الله تعالى إلى نفسه لأنَّه الذي وَضَعه لعباده، ولأنَّه مُوصلٌ إليه، فأُضيفَ إلى الله باعتبارينِ؛
الأول: أنَّه الذي وَضَعه لعباده وشَرَعه لهم، والثاني: أنَّه موصلٌ إليه.
إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍأي: قويمٍ غيرِ معوجٍّ.
صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ، لَهُالجار والمجرور خبر مقدَّم، ومَا فِي السَّمَاوَاتِمبتدأ مؤخَّر، وتقديم الخبر يفيد الحصر؛ أي: له وحده.
(مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِمُلكًا وخلقًا وعبيدًا) لو قدَّم المؤلف (خلقًا) على (ملكًا) لَكان أحسن؛ لأنَّ الخلْق سابقٌ على الْمُلك، ولكن الخُلف في هذا سهل، وقوله: (عبيدًا) يعني تدبيرًا، يدبِّرهم.
أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ [الشورى: ٥٣] أَلَاهنا أداة استفتاح، والمقصود بها التنبيه والتأكيد، وقوله: إِلَى اللَّهِمفعول (تصير) مقدَّم عليها لإفادة الحصر؛ أي: إلى الله لا إلى غيره تصير الأمور؛ أي: شؤون الخلْق.
في هذه الآية: بيانُ أنَّ هذا القرآن الكريم روحٌ تحيا به القلوب، وعلى هذا فإذا وجدتَ قلبَك ميتًا أو وجدتَه مريضًا أو وجدتَه قاسيًا فعليك بالقرآن، اقرأْه عن محبَّةٍ وتدبُّرٍ، فسيتغيَّر القلب من مرضٍ إلى صحَّة، ومن موتٍ إلى حياة، ومن قسوةٍ إلى لِين؛ قال ابن عبد القويِّ رحمه الله:
وَحَافِظْ عَلَى دَرْسِ الْقُرَانِ فَإِنَّهُ يُلَيِّنُ قَـــلْبًا قَـاسِيًا مِــــثْلَ جَلْـــمَدِ

أي: مثل الحصى، ويدلُّ عليه هذه الآية.
ومن فوائد هذه الآية: أنَّ القرآن من أَمْر الله، وينبني عليها أنَّه ليس بمخلوق؛ وجْه ذلك قول الله تبارك وتعالى: أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [الأعراف: ٥٤]، ففصل الخلْق عن الأمر وجعله قسيمًا له، فدلَّ ذلك على أنَّ الأمر ليس من الخلْق، وهذا هو المراد، فهذه الآية مما يُستدلُّ به على طائفتي المعتزلة والأشعرية الذين يقولون: إنَّ القرآن مخلوق؛ وجْه ذلك أنَّ الله جعل الأمر قسيمًا للخلْق، وقَسِيم الشيء ليس منه. قِسْم الشيءِ منه أو ليس منه؟
طلبة: ليس منه.
طلبة آخرون: منه.
الشيخ: منه.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تعظيم الربِّ عز وجل نفسَه؛ لقوله: أَوْحَيْنَا، وقوله: مِنْ أَمْرِنَا، وهو أهلٌ للتعظيم عز وجل، وأهلٌ للإكرام، وأهلٌ للثناء.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قَبْل هذا الوحي لا يدري ما الكتاب ولا الإيمان، وعليه يدلُّ قوله تعالى: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى [الضحى: ٧] ضَالًّايعني: جاهلًا فَهَدَى.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيانُ مِنَّة الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بإنزال القرآن الذي صار به عالِمًا بالكتاب وعالِمًا بالإيمان.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان أُمِّيًّا لا يقرأ ولا يكتب، فيكون فيه إبطالٌ لدعوى أنَّه صلى الله عليه وعلى آله وسلم كاذب؛ لأنَّه لا يستطيع أن يأتي بهذا القرآن من عنده.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ الله سبحانه وتعالى جعل الكتابَ نورًا يهدي به مَن يشاء، وينبني على هذه الفائدة أنَّك إذا أردتَ أن يستنير قلبُك ويحيا قلبُك فعليك بأيش؟ بالقرآن، لكن قراءة تدبُّر.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثباتُ أنَّ الهداية والضلال بمشيئة الله؛ لقوله: نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا.
ومن فوائدها: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم يدلُّ على الصراط المستقيم؛ لقوله: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.
فإن قال قائل: ما الجمع بين هذه الآية وقولِه تعالى: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص: ٥٦]؟
فالجواب أنَّ الهداية في الآية الثانية هدايةُ التوفيق؛ فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لا يملك أن يهدي أحدًا، وأمَّا الهداية في الآية التي هنا فهي هداية الدلالة؛ اقرأْ قولَ الله تعالى: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى [فصلت: ١٧]، هديناهم أيش؟
طالب: دلالة.
الشيخ: هداية دلالةٍ؛ يعني: بيَّنَّا لهم الحقَّ ودلَلْناهم عليه، ولكنَّهم -والعياذ بالله- استحبُّوا العمى على الهدى فلم يهتدوا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ هَدْي النبيِّ صلى الله عليه وسلم هَدْيٌ مستقيمٌ لا اعوجاج فيه؛ لقوله: إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، فليس فيه اعوجاجٌ في الخبر، والاعوجاج في الخبر: الكذب، وليس فيه اعوجاجٌ في الشرائع، بل كلُّها مبنيَّةٌ على العدل والفضل، والحمد لله ربِّ العالمين.
ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أنَّ ما خالَف هَدْيَ النبيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم فليس صراطًا مستقيمًا؛ تؤخذ من مفهوم قوله: إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، يعني: ما سِوَى ما أنت عليه فليس صراطًا مستقيمًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: تعظيمُ شأن دين الله الذي يدعو إليه الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لقوله: صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ.
فإن قال قائل: كيف نجمع بين هذه الآية وبين قولِه تعالى: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة: ٦، ٧]، وهنا يقول: صِرَاطِ اللَّهِ؟
فالجواب أنَّه يُضاف إلى الله باعتبارٍ، ويُضاف إلى الذين أنعمَ الله عليهم باعتبارٍ آخَر، فإضافتُه إلى الله باعتبارِ أنَّه أيش؟
طلبة: وَضَعه.
الشيخ: وَضَعه وأنَّه يُوصل إليه، وإضافته إلى الذين أنعمَ الله عليهم باعتبارِ أنَّهم سالِكوه؛ المؤمنون به، اللهم اجعلْنا منهم.
ومن فوائد الآية الكريمة: عموم مُلك الله واختصاصُه بهذا الْمُلك؛ العموم من قوله: مَا، فإنَّ (ما) اسمٌ موصولٌ يدلُّ على العموم، واختصاصُه به من تقديم الخبر على المبتدأ.
ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أنَّ الله تعالى يحكم ما يشاء، وأنَّه لا اعتراضَ على حُكمه؛ لقوله: الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ، فأتى بعموم الْمُلك بعد ذِكْر الصراط المستقيم إشارةً إلى أنَّ ما حَكَم به تبارك وتعالى لا اعتراضَ عليه فيه، لماذا؟ لأنَّ الله له مُلك السماوات والأرض، يخلق ما يشاء، ويَشْرع ما يشاء، ولهذا تجد بعضَ أهل العلم -رحمهم الله- إذا لم يهتدوا إلى عِلَّة الحُكم قالوا: هذا تعبُّديٌّ. يعني علينا أن نتعبَّد به وإن لم نعلم الحكمة.
ومن فوائد الآية الكريمة: بيانُ أنَّ الأمور كلَّها تصير إلى الله -أي: ترجع إليه- خَلْقًا ومُلكًا وتدبيرًا وحُكمًا، كلُّ شيءٍ يرجع إلى الله، إذا اختلفْنا في حُكمٍ في مسألةٍ من مسائل العلم إلى مَن نرجع؟ إلى الله. إذا كان يوم القيامة يُبعث الخلائق ويرجعون إلى الله، إذَنْ تَصِيرُ الْأُمُورُيعني كلُّ الأمور تصير إلى الله، ترجع إليه، فهو منه المبتدأ وإليه المنتهى تبارك وتعالى.

***

طالب: شيخ أحسن الله إليك، وَرَد بالسُّنة ذِكْر بعض أنواع الوحي، هل هو داخل في هذه الأقسام ولَّا ..؟
الشيخ: مِثْل؟
الطالب: مثل .. قال: «أَحْيَانًا يَأْتِينِي كَصَلْصَلَةِ الْجَرَسِ، وَأَحْيَانًا يَأْتِينِي الْمَلَكُ فِي صُورَةِ رَجُلٍ» .
الشيخ: إي نعم، سواءٌ رجلٌ أو يُرسل رسولًا.
الطالب: والأول يا شيخ؟
الشيخ: الأول بالوحي؛ الإلهام.
طالب: (...)؟
الشيخ: أقول: على حسب نشاطه، لكن قال العلماء: ينبغي أن يجعل حزبًا معيَّنًا يتلوه كلَّ يومٍ تنظيمًا لقراءته؛ لأنَّ الإنسان إذا جعلها مفتوحة هكذا مرَّت به الأيام وهو لم يُحَصِّل شيئًا، وهذا وإنْ كان ليس معهودًا في مَن سَلَف، إلا إنْ كان دلَّ عليه حديث -أظُنُّ- عبد الله بن عمرٍو أنَّه قال: أستطيع أن أقرأه في شهرٍ، في أسبوعٍ، في ثلاثة أيامٍ، فقال: «لَا تَقْرَأْهُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ» .
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، لا يُذَمُّ، والحمد لله الإنسانُ يقرأ القرآن كلَّ يومٍ في أيش؟
الطلبة: الصلاة.
الشيخ: في الصلاة، فلا هَجْر للقرآن.
طالب: (...) الاستفادة (...) شرح النووي (...)؟
الشيخ: لا، هذا غلطٌ منهم، يعني كيف نَدَع الاستفادة من هذه الكُتُبِ العظيمةِ والخطأُ فيها لا يمثِّل ولا عُشْر عُشْر المعشار، قال ابن رجب رحمه الله في كتابه القواعد الفقهية: ويأبَى اللَّهُ العصمةَ لكتابٍ غيرِ كتابه. والمنْصِف مَن اغتَفَر قليلَ خطأ المرء في كثيرِ صوابه، صحيح، هذا الإنصاف، ولا تكاد تجد مؤلَّفًا إلا وفيه الخطأ إمَّا متعمَّدًا أو غير متعمَّد، وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا [النساء: ٨٢].
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، هل كلُّ مَن كلَّمه الله تبارك وتعالى (...) يكون نبيًّا؟
الشيخ: نعم، إذا كلَّمه الله بشرعٍ كان نبيًّا، وإنْ كلَّمه بغير ذلك فقد يكون شيطانًا؛ أليس الله خاطَبَ الشيطانَ؛ قال: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: ٧٥].
طالب: (...)؟
الشيخ: أحسن ما علمتُ تفسير ابن كثير رحمه الله، موثوقٌ من جهة العقيدة، وإن كان فيه بعض القصور؛ يذكر أحاديث إسرائيليَّات، أشياء إسرائيليَّة، ويتكلَّم على كثيرٍ منها، تفسير الشيخ عبد الرحمن السعدي جيِّد، خصوصًا في استنباط الفوائد من الآيات، إي نعم، هذا اللي أعلم الآن، وتفسير الشيخ الشنقيطي رحمه الله جيِّد، لكنْ لا يَصْلح إلا لطالب علمٍ متمكِّن.
الطالب: أحسنَ الله إليكم، قيل: إنَّ الإمام الشافعي كان يختم القرآنَ في اليوم مرَّتين في رمضان، فهل هذا يُعتبر مخالفًا للسُّنة؟
الشيخ: لا، لأنَّ هذا من الأمور العارضة، هذا لا يخالف السُّنة؛ الأمور العارضة ما تُعتبر كالأمور الدائمة.
طالب: إذا استدلَّ علينا بعض المبتدعة قالوا: أنتم الآن أوَّلتم الروحَ بالقرآن، لماذا لا تكون الروح هي روح من الله تعالى؟
الشيخ: أي: روح من الله؟
الطالب: من روح الله.
الشيخ: ما الذي أوحاه الله إلى الرسول؟
الطالب: القرآن.
الشيخ: طيب، كيف نؤوِّل؟! ما أوَّلْنا، هذا هو الذي أُوحِيَ إلى الرسول، وسَمَّاه الله روحًا لأنَّه تحيا به القلوب.
واعلمْ أنَّنا نحن لا نُنكر التأويل، قد نُؤَوِّل، لكنْ إذا دلَّ الدليل على التأويل فلا بأس؛ فنقول في قوله تعالى: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [النحل: ٩٨] نقول: إذا أردتَ أن تقرأ. وظاهر الآية: إذا فرغْتَ من القراءة فاستعذْ. والسُّنَّة بيَّنَتْ هذا، فنحن لا نُنكر التأويل؛ لأنَّ التأويل الذي دلَّ عليه اللفظ تفسير، إنما نُنكر التأويل الذي هو التحريف.
الطالب: بدون دليل.
الشيخ: نعم، بدون دليل.
الطالب: (...)؟
الشيخ: لا، ما هو بالرسول، أيُّ رسول.
بيان الإلهام إمَّا أنَّ الله يُوقِع في قلبه؛ مِثْل قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّهُ قَدْ أُلْقِيَ فِي رُوعِي أَنَّهُ لَنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا وَأَجَلَهَا» .
وبهذا تمَّ تفسير سورة الشورى، ويكون الموقف -إن شاء الله- على سورة الزخرف، نسأل الله تعالى أن يختم لنا ولكم بالسعادة، وأن يرزقنا فَهْم كتابه على الوجه الذي يرضاه عنَّا، وأن يجعلنا ممن يتلونه حقَّ تلاوته.