تفسير سورة الزخرف - 3
عدد الزيارات 4811

عناصر المادة :
تفسير الآية (17)
تفسير الآية (18)
تفسير الآية (19)
تفسير الآية (20)
تفسير الآية (21)
تفسير الآية (22)
تفسير الآية (23)
تفسير الآية (24)

جعلناها للجنس.
وأضرب لكم مثلًا ليتبين المقال: الرجل خير من المرأة، المراد؟
طلبة: الجنس.
الشيخ: الجنس، وليس المعنى: كل واحد من الرجال خير من كل ما امرأة من النساء؛ لأن من النساء من هو خير من كثير من الرجال، لكن المراد الجنس؛ يعني هذا الجنس خير من هذا الجنس.
طالب: بارك الله فيكم يا شيخ، بدأ الله عز وجل في هذه السورة بقوله: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا [الزخرف: ٣]، ثم بعد ذلك قال: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا [الزخرف: ١٠]، ثم قال سبحانه وتعالى: وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ [الزخرف: ١٢]؛ جعَلَ، جعَلَ، جعَلَ، ثم جاء بعدها: وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا [الزخرف: ١٥]، فهل فيه ترابط بينها..؟
الشيخ: تناسق.
الطالب: تناسق نعم.
الشيخ: قد يقال: إن هذا تناسق لفظي؛ لأنه أحيانًا يكون الكلام إذا كان على نسق واحد أبلغ، فيكون هذا من باب التناسق اللفظي.
طالب: دعاء نزول المكان: «أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ» ، هل هو خاص بالسفر أو عام؟
الشيخ: لا، عام، حتى إذا نزلت بينًا تقول: أعوذ بكلمات الله التامات، وعند النوم تقول: أعوذ بكلمات الله التامات، وفي أطراف الليل والنهار: أعوذ بكلمات الله التامات.
الطالب: المسجد؟
الشيخ: المسجد له ذكر خاص، والمسجدُ الإنسانُ ما هو نازل فيه، إنما هو مقيم لطاعة معيَّنةٍ ويمشي.
طالب: يا شيخ حفظكم الله، المصعد الكهربائي يشرع فيه هذا الدعاء: سبحان الذي سخر لنا هذا؟
الشيخ: هذا محل نظر؛ لأن هذا المصعد الكهربائي بمنزلة الدرجة وليس بمنزلة الراكب اللي يسير، هذا يصعد إلى فوق، ففي كونه من باب المركوبات نظرٌ.
طالب: تفسير جَعَلْنَاهُ؟
الشيخ: بمعنى: صيَّرناه، أحيانًا (جعل) تكون بمعنى صيَّرَ، وأحيانًا بمعنى خلَقَ، حسب السياق؛ إذا نصبت المفعولين فهي بمعنى صيَّر، وإن نصبت مفعولًا واحدًا فهي بمعنى خلَقَ، مثل قولِه تعالى وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ [الأنعام: ١] هذه بمعنى خلَقَ؛ لأنها لم تنصب إلا مفعولًا واحدًا، أما إذا نصبت مفعولين فهي بمعنى صيَّر.
طالب: يا شيخ، قوله تعالى: لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [الزخرف: ١٠]، المقصود بالهداية هداية الطرق، كما ذكرتم فضيلتكم،
هل يمكن أن يُحْمل على هداية الاعتبار بالآية؟
الشيخ: لا، أصل هذا يمنع هذا.
طالب: يا شيخ، في قوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا، فيه بعض الكلمات في القرآن أصلها جديد (...)؟
الشيخ: هذا يسأل يقول: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّامع أن فيه بعض كلمات القرآن ما أصله غير عربي، نقول: إنه لما تكلمت به العرب صار عربيًّا بالاستعمال وإن كان أصله غير عربي.

***

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧) أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨) وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ [الزخرف: ١٥ - ١٩].
الشيخ: الحمد لله رب العالمين، وصلى اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد، فإن تفسير القرآن العظيم من أهم واجبات المسلمين أن يعرفوا معنى كلام الله سبحانه وتعالى؛ لأن الكلام إذا لم يُفْهَم معناه لا يُنْتَفَع به، والذي يقرأ ولا يفهم بمنزلة الأمي الذي لا يقرأ، كما قال الله عز وجل: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ [البقرة: ٧٨]؛ أي: إلا قراءة، فسمَّاهم الله أمِّيين.
والقرآن يُفَسَّر بالقرآن، فإن لم يكن فبالسنة، فإن لم يكن فبأقوال الصحابة ولا سيما المشهورون منهم بعلم التفسير، فإن لم يكن فبما قاله كبار التابعين من أهل التفسير، هذه هي القاعدة التي مشى عليها أهل السنة والجماعة.
وأما التفسير بالرأي فمنهم المخطئ ومنهم المصيب، ولكن لا يجوز للإنسان أن يفسِّر القرآن برأيه، بمعنى أن يحول القرآن إلى رأيه، فإن من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار.
مثال ذلك: الذين يفسِّرون قول الله عزَّ وجلَّ: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة: ٦٤] بأنهما النعمة، هؤلاء قالوا في القرآن برأيهم؛ لأن هذا المعنى غير المراد قطعًا، وكذلك الذين يقولون اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: ٥٤]؛ يعني: استولى على العرش، فإن هذا مُنْكرٌ من القول، وتفسير الآية به من القول على الله بلا علم؛ من الافتراء على الله سبحانه وتعالى.
هؤلاء نقول: إنهم قالوا في القرآن برأيهم؛ أي: حولوا القرآن إلى رأيهم، وأما من فسَّر القرآن بمقتضى الحقائق الشرعية واللغوية -إذا لم تكن حقيقة شرعية- فإنه لم يقُلْ في القرآن برأيه.
وقد سبقت هذه القاعدة أول ما بدأنا في علم التفسير، فلتكن مرجعًا لكم، يُفَسَّر القرآن أولًا؟
طلبة: بالقرآن.
الشيخ: ثم؟
طلبة: بالسنة.
الشيخ: ثم؟
طلبة: بأقوال الصحابة.
الشيخ: ثم؟
الطلبة: كبار التابعين.
الشيخ: كبار التابعين الذين اعتنوا بالتفسير؛ كمجاهد بن جبر رحمه الله الذي أخذ التفسير عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه.
سبق لنا في التفسير أن الله تعالى قاس الغائب على الحاضر، فما هو؟
طالب: قوله تعالى كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ [الزخرف: ١١].
الشيخ: نعم.
الطالب: قاس الحاضر وهو إحياء..
الشيخ: لا، ما هو الحاضر، قاس الغائب -وهو إحياء الموتى- على الحاضر الذي يشاهدونه؛ أنزل من السماء ماء، فأنبت به من كل الثمرات، فقاس المستقبل على الحاضر، وهذا من طرق التعليم والتفهيم.
قوله: مِنَ السَّمَاءِ مَاءً [الزخرف: ١١]، ما المراد بالسماء؟
طالب: السماء هي السقف الذي فوق الأرض.
الشيخ: إذن المطر ينزل من السماء الدنيا.
الطالب: من السماء الدنيا.
الشيخ: أكذلك تعتقد؟
الطالب: نعم.
الشيخ: أخطأت تفسيرًا واعتقادًا.
طالب: السماء -بارك الله فيكم- هي العلو.
الشيخ: المراد بها العلو؛ لأن من المعلوم أن المطر لا ينزل من السماء الدنيا إنما ينزل من السحاب المسخَّر بين السماء والأرض.
هل هناك حكمة أن الله تعالى أنزله -أي المطر- من فوق ولا..؟
طالب: لو كان المطر من الأرض لغرقت الأرض ولم يصل إلى قمم الجبال.
الشيخ: إي، يعني له حكمة؛ لأجل أن يروي الأرض عُلويها وسُفليها، تمام.
هل هناك من حكمة أن الله جعله نقطًا؟
طالب: حتى لا تغرق الأرض.
الشيخ: لا، هي تغرق وإن كان نقطًا.
طالب: حتى لا يتهدم البنيان.
الشيخ: نعم، حتى لا تفسد الأرض ويتهدم البنيان، لو كان ينزل كأفواه القِرب لفسدت الأرض، لكن من حكمة الله أنه أنزله نقطًا.
قال الله تعالى: وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا [الزخرف: ١٥] جَعَلُواالضمير يعود على المشركين وعلى اليهود وعلى النصارى، لَهُأي: لله، مِنْ عِبَادِهِأي: مخلوقاته، جُزْءًاأي بعضًا؛ وذلك لقول المشركين: إن الملائكة بنات الله، وقول اليهود: إن عُزيرًا ابن الله، وقول النصارى: إن المسيح ابن الله.
ووجه كونه جزءًا أن الولد جزءٌ من أبيه، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في ابنته فاطمة رضي الله عنها: «إِنَّهَا بَضْعَةٌ مِنِّي، يَرِيبُهَا مَا رَابَنِي» ، حينما تحدَّث الناس أن علي بن أبي طالب يريد أن يتزوج عليها بنت أبي جهل، فأنكر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذلك، وقال: لا يمكن أن تكون بنت نبي الله مع ابنة عدو الله .
إذن الجزء: البعض، والقائل ثلاثة أصناف من الناس: المشركون، واليهود، والنصارى.
إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌإِنَّ الْإِنْسَانَالمراد الجنس، لَكَفُورٌ مُبِينٌأي: بيِّنُ الكفر؛ وذلك أن (بان) بمعنى (ظهَرَ) تكون بالهمز وتكون بغير الهمز، بمعنى أنه يجوز لغةً أن تقول: بان الفجرُ، وأبان الفجرُ، وعليه فيكون معنى مُبِينٌأي: واضح الكفر، ولا شك أن الذي يقول: الملائكة بنات الله، أو عيسى ابن الله، أو عزير ابن الله، لا شك أنه كفَرَ كُفْرًا بيِّنًا. وتُسْتَعمل (أبان) بالهمز مُتعدِّيةً، يقال: أبان الشيءَ؛ بمعنى: أظهره.
ومنه قوله تعالى: حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ [الزخرف: ١، ٢] الذي سبق في أول السورة؛ أي: المظهِر للحقائق، المبيِّن لها.
ثم قال الله عز وجل: أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ [الزخرف: ١٦] (أمْ) هنا منقطعة بمعنى: بل والهمزة.
واعلم أن (أمْ) تأتي متصلة إذا كانت بين شيئين متساويين، ومنقطعة إذا كان ما بعدها منقطع عما قبلها، ففي قوله تعالى: وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ [يس: ١٠] هذه؟
طالب: متصلة.
الشيخ: متصلة، وفي مثل هذه الآية (أم) منقطعة، المنقطعة يُقَدِّرها النحويون بـ(بل والهمزة)؛ (بل أَتَّخَذ).
طالب: (أمْ: بمعنى همزة الإنكار، والقول مقدر؛ أي: أتقولون اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍلنفسه، وَأَصْفَاكُمْأخلصكم، بِالْبَنِينَاللازم من قولكم السابق، فهو من جملة المنكَرِ).
الشيخ: أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍقدَّره المؤلف بمعنى: (بل أيقولون)، ولا حاجة لهذا التقدير، بل هو كلام من عند الله أنكره على هؤلاء؛ يعني بل على قولكم اتَّخذ مما يخلق بنات؛ لأنهم قالوا الملائكة بنات الله.
وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَيعني: وأخلصكم بالبنين وخصَّكم بها؛ لأنهم يقولون: البنات لله، والبنون لنا. فهل هذا عدل؟ هل هذا حق؟ هذا منكر وجور، على الأقل لو قالوا: إنهم سواء، لكان أهون مع أنه منكر، لكن يجعلون لله البنات ولهم ما يشتهون، هذا غاية ما يكون من الجور والظلم.
أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍوهم الملائكة الذين زعموا أنهم بنات الله، وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَفالهمزة إذن المقدَّرة للإنكار.
في هذه الآيتين فوائد؛ منها: أن الولد جزء من والده؛ لقوله وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا، ولذلك كان الولد في التعصيب في باب الميراث مُقَدَّمًا على الوالد؛ بمعنى أنه لو مات ميتٌ عن أبيه وابنه؛ فلأبيه السدس فرضًا، والباقي للابن تعصيبًا، فسهمُ الابن الآن خمسةٌ من ستة، وسهمُ الأبِ واحد من ستة. لماذا؟
لأن الابن جزء من أبيه، فقُدِّمَ.
ومن الفوائد: أنه يجوز للأب أن يتملك من مال ولده؛ لأن ولده جزؤه، وإذا كان جزءًا منه صار كسائر جسده، ولهذا جاء في الحديث: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» ، فللأب أن يتملَّك من مال ولده ما شاء، بشرط ألَّا يكون الولد محتاجًا إليه أو تتعلَّق به نفسه.
فمثلًا: إذا كان عند الابن أمَةٌ قد تسرَّاها وتعلَّقت بها نفسه، فإنه لا يجوز للأب أن يتملَّكها، مع أنه لا يمكن أن يطأها؛ لأنها حليلة ابنه، لكن حتى ولا التملُّك. لماذا؟ لأن حاجته متعلقة بها.
كذلك لو تعلَّقت بماله ضرورة؛ كابن عنده مال أعدَّه للمهر حين يتزوج، فليس للأب أن يأخذ منه شيئًا، كذلك لو كان عنده سيارة أعدَّها لحاجته وضرورته، فليس للأب أن يتملكها، إنما يتملك الفضل فقط، دليل هذا قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» .
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان عتو المشركين واليهود والنصارى، حيث جعلوا الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، جعلوه والدًا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان بطبيعته كفور مبين، هذا إذا جعلنا (الإنسان) للجنس، أما إذا جعلنا (الإنسان) يعود على وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًافإنه يكون خاصًّا، لكن معنى الأول هو ظاهر قوله تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [الأحزاب: ٧٢]، فأصل الإنسان الظلم والجهل، إلا أن يَمُنَّ الله عليه بالعلم والإيمان.
ومن فوائد الآية الثانية: الإنكار على هؤلاء الذين جعلوا لله ولدًا؛ لقوله: أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ.
ومن فوائده: أنه كيف يكون المخلوق ولدًا للخالق، ولهذا قال: مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ، وهذا لا يمكن؛ لأن المخلوق منفصل بائن عن الخالق، فلا يصح أن يكون ولدًا له.
ومن فوائد هذه الآية: الإشارة إلى جور أولئك القائلين بأن الملائكة بنات الله؛ لقوله: وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَيعني: أيُعْقَلُ أن يكون هكذا؟!
وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّاوَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْيعني بذلك قريشًا وأشباههم ممن يكرهون البنات ويَئِدُونهم، وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ؛ أي: أُخْبِرَ بأن وُلِدَ له بنت ظلَّ وجهه مُسْودًّا.
وقوله هنا: بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًاولم يقل كما قال في الآية الثانية: وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى [النحل: ٥٨]؛ لأنه سبقها ذكر قول هؤلاء: إن الملائكة بنات الله، فضربوها مثلًا لله عز وجل، إذا بُشِّرَ أحدهم بهذا الذي ضربوه مثلًا للرحمن، ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّاأي: صار وجهه مُسودًّا، و(ظلَّ) هنا بالظاء المشالة؛ لأنها بمعنى صار، أما (ضلَّ) التي هي بالصاد فهي بمعنى: تاه وضاع، تقول: ضل الطريق بمعنى: تاه وأضاعه، أما ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّافهي بمعنى: صار وجهه مُسْودًّا؛ أي: بعد أن كان أبيض. وقوله: وَهُوَ كَظِيمٌأي: مملوءٌ غيظًا وحزنًا.
اقرأ التفسير.
تفسير الآية (17)
00:22:22

طالب:
(وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًاجعل له شَبَهًا بنسبة البنات إليه؛ لأن الولد يُشْبِه الوالد، المعنى: إذا أُخْبِر أحدُهم بالبنت تُولَدُ له، ظلَّصار، وَجْهُهُ مُسْوَدًّامُتغيِّرًا تغيُّرَ مُغْتَمٍّ، وَهُوَ كَظِيمٌممتلئ غمًّا، فكيف يُنْسَبُ البنات إليه؟! تعالى عن ذلك).
الشيخ: هذا معنى ما تكلمنا به.
من فوائد هذه الآية: ذكر حال هؤلاء عندما يُبَشَّرون بالبنات؛ أن الواحد منهم يتغيَّر ظاهره وباطنه؛ ظاهره باسوداد وجهه، وباطنه امتلائه غمًّا.
ومنها: التنديد التام بهؤلاء؛ حيث إنهم إذا بُشِّروا بالأنثى صارت لهم هذه الحال وهم يدَّعونها للخالق عزَّ وجل.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات اسم الرحمن لله عز وجل، والرحمن؛ يعني: ذو الرحمة الواسعة. وهذا الاسم الكريم تُنْكِرُه قريش؛ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ [الفرقان: ٦٠]، ولما أراد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يكتب كتاب الصلح في الحديبية وقال للكاتب: «اكْتُبْ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ». أَبَى رسول قريش وقال: إننا لا نعرف الرحمن، ولكن اكتب: باسمك اللهم، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «اكْتُبْ: بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ» .
وليس هذا من باب التنزُّل، ولكن من باب التأليف وإمضاء المعاهدة.
قلنا: إن الرحمن؛ يعني: ذو الرحمة الواسعة، فهل رحمة الله عز وجل تشمل الكافرين؟
فالجواب: نعم، لولا رحمة الله ما بقي الكافر لحظة واحدة، فالكافر مرحوم، والمؤمن مرحوم، لكن الفرق أن المؤمن مرحوم في الدنيا والآخرة، والكافر مرحوم في الدنيا، قد أغدَقَ اللهُ عليه النعم، وعجَّل له الطيبات، لكنه في الآخرة يُعامل بالعدل ويُجَازى بما يستحق.
إذن نقول: الرحمة العامة تشمل المؤمن والكافر، والخاصة تختصُّ بالمؤمنين.
ومن فوائد هذه الآية: تغيُّر البشَرَة بما يسُرُّ أو يسوءُ؛ إذا بُشِّرَ الإنسان بما يسُرَّ فإنه وجهه يبرق من السرور، وتحس بأنه مسرور به، والعكس بالعكس.
ويتفرع على هذه الفائدة: أن الجسم تَبَعٌ للقلب؛ إذا استنار القلب وفرح فكذلك الجسم، والعكس بالعكس.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المشركين لا يرضون بتقدير الله، فإنهم يتغيَّرون ظاهرًا وباطنًا؛ ظاهرًا باسْوِداد الوجوه، وباطنًا بالامتلاء غمًّا.
تفسير الآية (18)
00:26:12

ثم قال عز وجل: أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ [الزخرف: ١٨] الهمزة للاستفهام، والواو حرف عطف، و(من) اسم موصول؛ يعني: أو الذي، يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِأي: يُرَبَّى فيها ويحتاج إليها، وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍأي: غير مظهرٍ لما في نفسه؛ يعني: كمن ليس كذلك، والإشارة في هذا الوصف إلى الأنثى؛ لأن الأنثى تُنَشَّأُ في الحلية، وتُحَلَّى لتتجمل، فتحتاج إلى ما يكمِّلها، وهي أيضًا ليست ذات خصومة، بل هي في الخصام غير مبين، كمن ليس كذلك؟
طالب: يا شيخ حفظكم الله، هل يجوز تفسير القرآن بما يُعْرف بالإعجاز العلمي من القرآن والسنة؟
الشيخ: الإعجاز العلمي نوعان:
نوع دلَّ عليه القرآن وأشار إليه، فهذا لا بأس به، وهو من تفسير القرآن.
ونوع لا يدلُّ عليه القرآن، وإنما يؤخذ منه بتكلُّف، وربما لا يدل عليه أصلًا، فهذا لا يجوز تفسير القرآن به.
مثال ذلك: قال الله عز وجل: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ [الرحمن: ٣٣]، فسَّره بعضهم بالعلم، وطبَّق هذا على الوصول إلى القمر، هذا لا يحِلُّ؛ لأن الآية لا تدل على ذلك، الآية فيها بيان حال يوم القيامة، ولهذا قال: مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، ومعلوم أن هؤلاء لم ينفذوا من أقطار السماوات. فالإعجاز العلمي الذي ليس به تكلُّف لا بأس به؛ لأن القرآن واسعٌ.
ومما يُنْكَر أيضًا -مما يُقال: الإعجاز العلمي- ما يسمونه بالإعجاز العددي المبني على تسعة عشر، هذا أيضًا باطل، ولا يجوز أن يقال: إن القرآن معجز من هذه الناحية.
أولًا: لأن القراءات مختلفة، وهم يقولون مثلًا: التاء تكررت كذا وكذا مرَّة، إذا قسمتها على تسعة عشر انقسمت، اللام تكررت كذا وكذا مرة، إذا قسمتها على تسعة عشر انقسمت بلا كسر.
هكذا يزعمون، وهذا لا شك أنه باطل، حتى قال لي بعضهم: إن الله تعالى قال: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ [آل عمران: ٩٦]، وقال في سورة الفتح: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ [الفتح: ٢٤]، قال: إن الله ذكر (بكَّة) من أجل أن تتم الباء العدد الذي ينقسم على تسعة عشر، وهذا لا شك أنه كذب.
الدليل: مثلًا في القرآن كلمات فيها قراءات يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات: ٦] فيها قراءة {فَتَثَبَّتُوا}، إذن اختل العدد؛ صار بدل النون ثاء وبدل الياء باء.
كذلك مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: ٤]، وفيه قراءة: {مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ} بحذف الألف، فنقصت الألف.
فالقصد أن هذا لا شك أنه كذب، ولا يجوز أن يُفسَّر القرآن بالإعجاز العددي؛ لأنه أولًا: ليس فيه إعجاز كما قالوا، وثانيًا: القرآن ما نزل على أنه تمرين حسابي، نزل على أنه موعظة وشفاء لما في الصدور.
طالب: شيخنا حفظكم الله، الذي أطلق هذه البدعة رجل كان ينكر القسم الثاني من الشهادة، ويقول: إن الشهادة فقط تقتصر على لا إله إلا الله.
الشيخ: على كل حال، ما نعرف من حاله إلا ما ذكرت أنت الآن، وهو رجل أظن يسمى رشادًا، ونشره فيما سبق قبل سنوات، ولكنه قُتِلَ، قتله بعض الناس؛ لأنه ابتدع في دين الله ما ليس منه، ولكن هذه الأيام الأخيرة وجدت إنسانًا معه ورقة صفحة من هذا النوع، يريد أن يطبعها على حسابه الخاص ويوزعها بين الناس، فقلت له: هذا لا يجوز، ومزقت الورقة اللي أعطاني، وقلت: يجب أن تعلم أن القرآن إنما نزل لإصلاح الخلق، لا لامتحان عقولهم بالعدد وما أشبه ذلك. ثم -كما سمعتم الآن- فيه آيات مختلفة تمنع هذا التركيب الذي ذكره.
طالب: شيخ أحسن الله إليك، ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّاهذه في الدنيا والآخرة أم في الدنيا؟
الشيخ: في الدنيا.
طالب: شيخ حفظكم الله، الآن فيه أوراق، مثلًا يقول: عدد حروف المصحف كذا وكذا، فإذا قرأت المصحف كاملًا يضربها في عشرة، يقول: يكون لك عدد الحسنات كذا وإذا قرأت..؟
الشيخ: هذا كذب، مَرَّ ابن مسعود رضي الله عنه بقوم يسبِّحون ويعدُّون بالحصا، فقال لهم: إنكم لن تحصوا أعمالكم، أعمالكم الصالحة مُحصاةٌ لكم مكتوبة، لكن أحصوا أعمالكم السيئة؛ من أجل أن تتوبوا إلى الله منها، وهذا حق، فكل هذه الأشياء الذي ذكرته أنا والذي ذكرتها أنت كلها هذه محدثة، والله عز وجل لا يضيع أجر أحد، يعلم عدد حروف القرآن، ويعلم ما يترتب عليه من الثواب، ولن يضيع.

***

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٢٠) أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١) بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ [الزخرف: ٢٠ - ٢٣].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق أن الله سبحانه وتعالى أنكر على أولئك الذين جعلوا لله البنات وجعلوا لهم البنين، وقال: وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ [الزخرف: ١٥]. فما هو الجزء؟
طالب: أي: ولد.
الشيخ: ويش معنى كون الولد جزءًا؟ ما هو الدليل؟
الطالب: الدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة: هذه جزءٌ منِّي.
الشيخ: جزءٌ منِّي، هكذا؟
الطالب: «بَضْعَةٌ مِنِّي».
الشيخ: «بَضْعَةٌ مِنِّي» ، نعم.
قوله: وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا، ما هو الذي ضرب للرحمن مثلًا؟
طالب: قالوا: إن الرحمن اتخذ من الملائكة بناتٍ.
الشيخ: بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا؛ أي: جعلهم.
الطالب: أي: جعل لنفسه البناتِ، ولهم البنين.
الشيخ: شبيهًا له؛ حيث ادَّعوا أن الملائكة بنات الله.
(كظيم) معناها؟
طالب: كظيم: مليءٌ غيظًا.
الشيخ: ممتلئٌ غيظًا، إذن يتغيَّر ظاهره؟
الطالب: وباطنه.
الشيخ: ظاهره بماذا؟
الطالب: بتغيُّر البشرة.
الشيخ: إي، يظل وجهه مسودًا. وباطنه؟
الطالب: بالغم.
الشيخ: قال: أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ [الزخرف: ١٨]، أَوَمَنْالهمزة للاستفهام، والواو حرف عطف، و(مَن) بمعنى الذي، والمعنى: أو الذي يُنَشَّأ، ومعنى يُنَشَّأُأي: يُرَبَّى، وفِي الْحِلْيَةِقال المفسر: (أي الزينةوَهُوَ فِي الْخِصَامِعند الخصومة، (غَيْرُ مُبِينٍغير مُظْهِرٌ للحُجَّة؛ لضعفه عنها بالأنوثة) التفسير.
أَوَمَنْيقول: (همزة الإنكار، واو العطف بجملة أي: أَوَيجعلونَ للهِ مَن يُنَشَّأُ) يعني أن العطف هنا على تقدير: يجعلون. بقي عندنا أين المعادل؟ المعادِلُ: كمن ليس كذلك.
أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍيعني: المرأة ليست جميلة بذاتها ولكنها محتاجة إلى ما يجمِّلها، ولهذا تجد عند النساء من الموضات، ليس لها هم إلا الموضات والتجمل والتحسين، وما أشبه ذلك. لماذا؟ لأنها بنفسها قاصرة.
كذلك أيضًا بقولها قاصرة وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍعند المخاصمة تكون مغلوبة لا تُظْهِرُ الحُجَّة؛ لأنها ضعيفة بالأنوثة. باقٍ ما هو المقابل؟ أَوَمَنْ يُنَشَّأُلا بد من مقابل أيش؟ أجيبوا يا جماعة.
طلبة: كمن ليس كذلك.
الشيخ: كمن ليس كذلك؛ كمن لا يحتاج إلى أن يُنَشَّأُ في الحلية، وكمن هو في الخصام مُبِينٌ، وهو الذَّكَر، المعنى: أن الله يُضِيفُ لَومًا إلى لَوم على هؤلاء، حيث يجعلون لله القاصر في مقاله وفعاله، ويجعلون لهم الكامل.
في هذه الآية فوائد؛ منها: قصور المرأة، وأنه لا يمكن أن تساوي الرجل في عقلها ودَلِّها؛ لقوله: أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِإلى آخره.
ومنها: أن المرأة ليس لها همٌّ إلا التجميل والعناية بمظهرها.
ومنها: أن المرأة ليست ذات خصام بل هي ضعيفة لا تستطيع أن تخاصم، ولا تُبَيِّن ما في قلبها من الحجة، ولهذا لما تولت بنت كسرى على الفرس، وبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً» . واختلف الناس في معنى قوله: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً» هل هذا خاص بهذه القضية المعينة، بمعنى أن هؤلاء لن يفلحوا؛ لأنهم ولَّوا أمرهم امرأة، أو أن هذا عام لكل من ولَّى أمره امرأة؟
فإن نظرنا إلى العموم «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً» قلنا: هذا عام في كل قوم ولَّوا أمرهم امرأة، وإن نظرنا إلى القضية المعينة قلنا: إنه خاص.
وإذا نظرنا إلى الواقع فهل المرأة التي تتولى أمور الرجال هل تُفْلِح؟
الجواب: إن أفلحت فذلك بمعونة الرجال أو فلاحٌ نسبي، يعني مثلًا امرأة تكون رئيسة وزراء لن تفلح، لن يفلح قومها إلا بمساندة الرجال لها، هذه واحدة.
أو يُقال: هو فلاح نسبيٌّ، لو تولَّى غيرُها -رجلًا- لكان ذلك أفلَحَ لهم.
وكذلك أيضًا لن يُفْلحوا إذا ولَّوا أمرهم في غير الرئاسة؛ كالوزارة مثلًا لن يفلحوا.
ومَن عَرَفَ النساء وكثرة خصومهن ومشاكلهن إذا تولوا حتى إدارة المدرسة عَرَفَ أن المرأة لا تصلح إطلاقًا للولاية، اللهم إلا على بني جنسها، فهذا ربما؛ لأن الضعيفَ للضعيف.
ومن فوائد هذه الآية: الثناء على الرجال؛ لأنه إذا كانت النساء لا تكمل بذاتها؛ لا بالفعال ولا بالمقال، فهذا يعني أن الرجال كُمَّلٌ. وانظر إلى قول الله تعالى: وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ [التحريم: ١٢] ولَّا من القانتات؟
طالب: مِنَ الْقَانِتِينَ.
الشيخ: مِنَ الْقَانِتِينَ، يتبين لك أن القنوت والعبادة في الرجال أكثر، ولهذا جاء في الحديث: «كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا أَرْبَعٌ: آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ. وَفَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ» .
كل هذا نريد أن يبقى في أذهاننا أن المرأة قاصرة، وأن من يحاولون أن يجعلوها كالرجال فإنهم مخالفون للفطرة والطبيعة كما أنهم مخالفون للشريعة.
خطب النبي صلى الله عليه وسلم النساء في يوم عيد يوم الفرح والسرور وبيَّنَ حالَهنَّ، فقال: «مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ» ، مع أنه يوم فرح ويوم سرور، كان من المتوقع أن يُدْخِل النبي صلى الله عليه وسلم السرور لكن لا بد أن يبيِّن حالهم.
الآن أولئك القوم من الكفَّار وغيرهم الذين ساووا النساء بالرجال في أكثر الأشياء أحوالهم غير مستقيمة وغير تامة، مع أنهم لن يستطيعوا أن يُلْحِقوا النساء بالرجال من كل وجه، أبدًا، هذا مستحيل.
تفسير الآية (19)
00:43:37

قال: وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا [الزخرف: ١٩]، (جعلوا) الضمير يعود على المشركين، ومعنى (جعلوا)؛ أي: صيروا، ولذلك نصبت مفعولين، الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِالذين أتموا العبودية على الوجه الأكمل، حيث وصفهم الله عز وجل بأنهم عباد مُكْرَمونَ لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون، إِنَاثًاوذلك بقولهم: إن الملائكة بنات الله. انظروا هذا الافتراء؛ أولًا: افتروا بأنهم بنات الله. ثانيًا: افتروا بأنهم بنات، وما يدريهم أن الملائكة بنات، لكن لما كان وصف الأنوثة وصفًا رديئًا قالوا: هم إناث. والبنون لمن؟ البنون لهم.
قال الله عز وجل مُنْكِرًا عليهم: أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ؛ يعني: أحضروا خلقهم وعرفوا أنهم إناث، والاستفهام هنا للإنكار أو للتحدي؛ يعني أن الله أنكَرَ عليهم أو تحدَّاهم هل حضروا أو لا، وهذا كقوله تعالى: مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا [الكهف: ٥١].
قال تعالى: سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْبأنهم إناث، سَتُكْتَبُتُكْتَبُ على أنها فريةٌ وشهادةُ زورٍ ويُعاقَبون عليها، والسين هنا للتقريب والتحقيق، و(تُكْتَبُ) لم يُبَيِّن الفاعل فاعلَ الكتابةِ، فالله أعلم: هل يكتبها الله أو الملائكة؟ والظاهر أنهم الملائكة؛ لأن الملائكة مُوَكَّلون بعمل بني آدم يكتبونه، مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق: ١٨].
(سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْبأنهم إناث، وَيُسْأَلُونَعنها في الآخرة، فيترتب عليها العقاب).
من فوائد هذه الآية الكريمة: بيان افتراء هؤلاء المشركين، من وجهين؛ الوجه الأول؟
طالب: أنهم جعلوا الملائكة إناثًا.
الشيخ: الوجه الأول: أنهم الملائكة جعلوا الملائكة إناثًا، وما يدريهم؟!
الوجه الثاني؟
طالب: قالوا: إن الملائكة هم بنات الله.
الشيخ: نعم، أنهم نسبوهم إلى الله عز وجل.
من فوائد هذه الآية الكريمة: تحدي هؤلاء المفترين، تحدي هؤلاء المفترين بأيش؟
طالب: لما ذكروا الملائكة أنهم إناث.
الشيخ: كيف؟ بأي لفظة نعرف أنه مُتَحدِّيهم؟ أين الكلمة التي تدلُّ على التحدي؟
الطالب: عِبَادُ الرَّحْمَنِ.
طالب آخر: قال تعالى: أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ.
الشيخ: في قوله تعالى: أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ، والجواب: لا.
من فوائد هذه الآية الكريمة: تهديد أولئك المفترين بأن شهادتهم ستُكْتَبُ ويُعاقَبون عليها؛ لقوله: سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ.
ومن فوائد الآية: إثبات الحساب في قوله: وَيُسْأَلُونَ.
ومن فوائد هذه الآية: أن أقوال الإنسان تُكْتَبُ عليه كأفعاله؛ لأن الشهادة هنا بالقول.
تفسير الآية (20)
00:47:57

ثم قال عز وجل: وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ [الزخرف: ٢٠]، (مَا عَبَدْنَاهُمْأي: الملائكة، فعبادتنا إياهم بمشيئته، فهو راضٍ بها، قال الله تعالى) إلى آخره.
وَقَالُواأي: المشركون، لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ(لو) هذه حرف امتناع لامتناعٍ، (لو شاء الله ما عبدناهم) لكنا عبدناهم لمشيئة الله.
والعجب أنهم قالوا: مَا عَبَدْنَاهُمْفإن كانوا يريدون الملائكة فقد تناقضوا، وإن كانوا يريدون الأصنام فهذا له كلام آخر؛ إذا كانوا يريدون الملائكة فهم قالوا: مَا عَبَدْنَاهُمْمع أنهم جعلوا الملائكة إناثًا، وكان مقتضى ذلك أن يقولوا: ما عبدناهن، فيرجع الضمير إلى الملائكة؛ ضمير المؤنث، أما إذا كانوا مرادهم مَا عَبَدْنَاهُمْأي: ما عبدنا آلهتنا، فلا إشكال.
المفسِّر ذهَبَ إلى أي شيء؟
الإشكال قوله: مَا عَبَدْنَاهُمْووجه الإشكال فيها؟
طالب: وجه الإشكال إن كان المراد الملائكة فهم ناقضوا.
الشيخ: إذا كانوا يعنون الملائكة فقد ناقضوا.
الطالب: أي: أنهم جعلوهم إناثًا، والضمير (هم) وهو للملائكة.
الشيخ: وهو للملائكة، أحسنت. وإن كان للأصنام؟
الطالب: فلا إشكال.
الشيخ: فلا إشكال.
قال الله عز وجل: مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ(مَا لَهُمْ بِذَلِكَالقول مِن الرضا بعبادتها، مِنْ عِلْمٍ، إِنْ هُمْأي: ما هم، إِلَّا يَخْرُصُونَيكذبون، فيترتَّب عليهم العقاب به).
قال الله عز وجل: مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ(من) هنا تُعْرَبُ: زائدة إعرابًا، لكنها في المعنى مفيدة تفيد التوكيد، وسياق الكلام لولا القرآن لكان السياق: ما لهم بذلك علم، لكن تُزَاد الحروف للتوكيد؛ لتوكيد النفي في هذه الآية؛ يعني أن قولهم: لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْقول مَبْنِيٌّ على الخرْص والظن والمحاجة بالباطل، وإلا فهم عملوا وعبدوا بدون أن يعلموا أنه مكتوب عليهم؛ لأنه لا يُعْلَمُ المكتوب إلا إذا وقع.
في هذه الآية فوائد؛ منها: أن هؤلاء احتجوا بالقدر فقالوا: لو شاء الرحمن ما عبدناهم.
ومنها: بطلان الاحتجاج بالقدر؛ لقوله: مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ.
وهنا سؤالٌ هل قولهم: لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْهل هو صحيح؟
طلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح، لكن الاحتجاج به غير صحيح، لو شاء الرحمن ما عبدوهم، كقوله: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا [البقرة: ٢٥٣]، فهذا القول صحيح لكن الاحتجاج به؟
طلبة: غير صحيح.
الشيخ: غير صحيح، وإنما قلنا: إنه صحيح؛ لأن الله تعالى يشاء كل شيء، كل شيء فهو واقع بمشيئة الله، ولكن لا حُجَّة بشيء لا تعلمه أنت؛ إذ إنك لا تعلم أن هذا مُقدَّرٌ عليك إلا أيش؟
طلبة: إذا وقع.
الشيخ: إلا إذا وقع، فالقدر سرٌّ مكتوم لا يُعْلَمُ إلا إذا وقع المقدور.
ومن فوائد هذه الآية: الرد على القدرية الذين ينكرون أن الله تعالى يشاء أفعال العباد، فالقدرية -وهم المعتزلة- يقولون: إن الإنسان خالقٌ عملَه، مُريدٌ له، مُستقلٌّ به، وإن الله عز وجل لا إرادة له به، سبحان الله!
أيقول الله عز وجل: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر: ٤٩]، وتقولون أنتم: لا؟!
قابلهم قوم آخرون -وهم الجبرية- وقالوا: كل شيء واقع فهو بمشيئة الله، والإنسان مُجْبَرٌ على العمل وليس مختارًا.
وهذا أيضًا قول باطل، كلٌّ يعرف الفرق بين الفعل الاختياري وبين الفعل الاضطراري، كلٌّ يعرف الفرق بين أن ينزل الإنسان من السطح على الدرج شيئًا فشيئًا وبين أن يتدحرج بدون اختيار منه، هم يقولون: إن الكل -أعني الجبرية- يقولون: الكل سواء، ينزل باختيار أو يتدحرج بدون اختيار، الكل سواء، ما حركة الإنسان إلا كحركة السَّعفة في الريح.
وهذا أيضًا قول باطل، ولا يمكن أن تقوم به أمة، ولا أن تقوم به ملة، ولا أن تقوم به دنيا ولا أخرى، وإلا لقلنا: كل إنسان يتسلَّط على آخر، ثم يقول: واللهِ هذا بقضاء الله وقدره، ما أملك. هل يرضى هؤلاء أن يأتي شخص، ويرضُّهم رضًّا، ثم يقول: هذا بقدر الله؟
طالب: لا.
الشيخ: الجواب: لا، لا أحد يرضى بذلك.
ولمَّا أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن تقطع يد السارق، قال: مهلًا يا أمير المؤمنين، والله ما سرقت إلا بقدر الله. قال: ونحن لا نقطع يديك إلا بقدَرِ الله. فكل إنسان يعرف أن الإنسان مختارٌ، وله إرادة تامة بها يفعل.
لو أننا قلنا بقول الجبرية لكانت عقوبة الله للمجرمين ظلمًا؛ لأنهم سيقولون: يا ربنا، فعلنا هذا بغير اختيار، والذين يقولون: إن الله لا علاقة له بفعل العبد، أيضًا هم مخطئون، ولهذا يُسَمَّى هؤلاء القدرية مجوسَ هذه الأمة. لماذا؟ لأنهم جعلوا للحوادث خالقَينِ: حوادث بشرية مِن خلْقِ البشر، وحوادث إلهية من خلْقِ الله عز وجل، فسمُّوا مجوس هذه الأمة؛ لأن المجوس يقولون: إن الحوادث لها خالقان؛ الشر تخلقه الظلمة، والنور يخلق الخير، هذه عقيدة المجوس، وفي ذلك يقول المتنبي في ممدوحه:
وَكَمْ لِظَلَامِ اللَّيْلِ عِنْدَكَ مِنْ يَدٍ تُخَــــبِّرُ أَنَّ الْمَـــانَـــــوِيَّةَ تَكْــــذِبُ

ظلام الليل ظلمة، وأنت أيها الممدوح لك الكرمُ في الليل والنهار.
على كل حال يا إخوان، نرجع إلى الآية، هل قولهم: لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْصحيح أو لا؟
طلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح، لكن هل هو حجة؟ لا، ولهذا قال عزَّ وجلَّ: مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن المحتجَّ بالقدر لا علم عنده.
كيف لا يكون عنده علم وهو يعلم أنه ما وقع إلا بمشيئة الله؟ فالجواب: هو إنما علم بعد الوقوع، لكن قبل الوقوع يعلم أو لا يعلم؟
طلبة: لا يعلم.
الشيخ: لا يعلم، إذن لا حُجَّة له؛ لأن الحجة دليل، والدليل لا بد أن يسبق المدلول، فعلْمُهم لاحقٌ وليس بسابقٍ.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن قولهم هذا مبنيٌّ على الكذبِ؛ لقوله: إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ؛ أي: يكذبون.
ولنا أن نقول: يَخْرُصُونَبمعنى يظنون، كما قال عز وجل في آية أخرى: إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [الجاثية: ٢٤].
تفسير الآية (21)
00:57:22

ثم قال الله عز وجل: (أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِأي: القرآن بعبادة غير الله فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ) أَمْ آتَيْنَاهُمْ(أم) بمعنى (بل) وهمزة الاستفهام، والمعنى: بل هل نحن آتيناهم كتابًا من قبلِ القرآنِ فهُم به مستمسكون؟ ما الجواب؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، لم يقع ذلك، فأولُ كتابٍ نزل على العرب هو القرآن، وهو آخر كتاب؛ لأنه لم يُبْعَثْ من العرب رسولٌ إلا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما قال عزَّ وجل في دعاء إبراهيم وإسماعيل: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [البقرة: ١٢٩].
ولهذا لو قال قائل: هل في العرب رسول سوى محمد صلى الله عليه وسلم؟ لقلنا: لا، ما فيه إلا واحد. أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ؟ الجواب: لا.
في هذه الآية من الفوائد: تكرار الحُجج بقدر إنكار الخَصم، وكلَّما تكررت الحُجج ازداد الأمر قوة.
ومن فوائدها: أنك إذا أتيت بدليل مُقنِعٍ فلا لوم عليك إذا أتيت بدليل آخر وثالثٍ، ما دام المقام يقتضي ذلك.
انظروا إلى الذين يجادلون أهل الباطل، وبالأخص شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، كيف يأتون بالأدلة متتابعة متكاثرة مع أن المدلول يمكن أن يثبت بدليل واحد؛ من أجل التقوية، شيخ الإسلام له كتاب اسمه التسعينية في الرد على الأشعرية الذين قالوا: إن الكلام هو المعنى القائم بالنفس، أبطل رحمه الله هذا القول من تسعين وجهًا، ويكفي في إبطاله وجه واحد؛ لأنه كلما تكررت الأدلة قويت الحُجة.
أرأيتم الآن في الأمور المحسوسة، لو أن شخصًا أتى وأخبركم بخبر وهو ثقة عندكم صدقتموه، فإذا جاء آخر ازدادت الثقة، وإذا جاء ثالث ازدادت الثقة، ولهذا قال العلماء: إن المتواتر يُفيد القطع؛ لكثرة من رووه. المتواتر يعني الحديث الذي يأتي من طرق كثيرة، يُفيد القطع لكثرة الرواة.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لم ينزل على العرب كتاب سوى القرآن؛ لقوله: أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ.
ومن فوائد هذه الآية: مِنَّةُ الله عزَّ وجل على العرب، حيث أنزل عليهم كتابًا واحدًا هداية للخلق أجمعين إلى يوم القيامة، بينما الرسل الآخرون تنزل عليهم الكتب هداية لأقوامهم، فهي -أي الكتب- هداية في قوم معينين وفي وقت معينٍ، لكن هذا الكتاب -جعلنا الله وإياكم من المتمسكين به- هذا نازل صالح لكل زمانٍ ومكانٍ وأمَّةٍ.
تفسير الآية (22)
01:01:35

ثم قال عزَّ وجل: بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ [الزخرف: ٢٢]، (بل) هذه للإضراب؛ إضراب انتقال؛ يعني انتقلوا إلى شيء آخر، (قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍأي: على ملة، وإِنَّاماشون عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَبهم، وكانوا يعبدون غير الله) هذه حُجة من حُججهم. احتجوا بالأول بأيش؟
طالب: بالقدر.
الشيخ: بالقدر الآن احتجوا بالقدوة قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ.
والآية فيها فوائد، لكن نتكلم على معنى (أُمَّة) يقول: (مِلَّة)، وقد ذكرنا قريبًا أن (أمة) في القرآن تدل على عدة معانٍ، واحد؟
طالب: بمعنى إمام.
الشيخ: تكون بمعنى (إمام)، مثِّل.
طالب: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ [النحل: ١٢٠].
الشيخ: وتكون بمعنى؟
طالب: تكون بمعنى (وقت).
الشيخ: تكون بمعنى (وقت).
الطالب: وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ [يوسف: ٤٥].
الشيخ: لقوله تعالى: وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ، هذه اثنان.
طالب: تكون بمعنى طائفة من الناس.
الشيخ: تكون بمعنى طائفة من الناس.
الطالب: كقوله تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا [النحل: ٣٦].
الشيخ: كقوله تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا.
طالب: بمعنى الدين.
الشيخ: بمعنى الدين. مثالُه؟
الطالب: هذه الآية.
الشيخ: ويش الآية؟
الطالب: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ.
الشيخ: كقوله تعالى: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ؛ أي: على مِلَّة.
إذا قال قائل: هذه الكلمات التي تأتي لعدة معانٍ، ما الذي يُعيِّن المعنى؟
طلبة: السياق.
الشيخ: السياق وقرائن الأحوال؛ إذا قلت لرجل غني: الْبَس العباءة، ولرجل فقير: الْبَس العباءة. هل تختلف العباءتان؟ الأول الغني: الْبَس عباءة غني، والثاني: الْبَس عَباءةَ فقيرٍ، شوف اختلف المعنى لحال المخاطَب. فالمهم أن الذي يعين المعني هو السياق.
ومن ثَمَّ قلنا: إنه لا مجاز في اللغة العربية إطلاقًا ولا في القرآن أيضًا، والمسألة هذه لها أقوال ثلاثة:
القول الأول: إن المجاز واقع في اللغة العربية والقرآن. وهذا الذي عليه جمهور العلماء.
والثاني: أنه واقع في اللغة غير واقع في القرآن. اختاره طائفة، منهم الشيخ محمد الأمين الشنقيطي صاحب أضواء البيان.
ومنهم من قال: لا مجاز في القرآن ولا في اللغة. وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وتلميذه ابن القيم، وهذا هو الحق؛ لأن الكلمة ليس لها معنى ذاتي، الكلمة في ضمن جملة، فإذا دلت الكلمة في موقع ما على معنى من المعاني فهو الحقيقة، لو قلت: رأيت أسدًا يحمل الحقيبة إلى المسجد ليقرأ، هل يمكن أن يتبادر إلى ذهن واحد من الناس أن المراد بالأسد السبع المعروف؟ لا، بل لو ادَّعى هذا مدعٍ لَردَّ عليه كل أحد. ما الذي منع هذا؟
طالب: السياق.
الشيخ: السياق، إذن (الأسد) هنا حقيقة في موضعها، وهي تدل على الشجاعة، بدل ما أقول: رأيت رجلًا شجاعًا يحمل الحقيبة، أقول: رأيت أسدًا، انتبهوا لهذا ففيه فائدة عظيمة.
وكثيرًا ما يحتج الناس يقولون: كيف لا يكون في القرآن مجاز والله يقول: فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ [الكهف: ٧٧]؛ أي مائلًا، الجدار ما له إرادة؟
فنقول: أولًا: نمنع قولك: الجدار ليس له إرادة بل له إرادة بلا شك، قال الله عز وجل: تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء: ٤٤]، فهذه المخلوقات تسبح بإرادة ولَّا بغير إرادة؟
طلبة: بإرادة.
الشيخ: بإرادة بلا شكٍّ، وإلا لم يكن في هذا ثناء على الله.
ثانيًا: نقول: ما الذي يمنع الإرادة في الجماد، والنبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه أنه قال في أُحُدٍ -وهو جبل حصى-: «جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ» ، فأثبت المحبة لهذا الجبل، والمحبة أخص من الإرادة.
ثالثًا: نقول: إرادة كل شيء بحسبه، فميل الجدار يعني أنه يريد أن يسقط، كميل الإنسان نعرف أنه يريد أن يركع مثلًا، ولا مانع.
قالوا: طيب، تخلصت من هذا، ما تقولون في قوله تعالى: وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ [الإسراء: ٢٤]؟ المعنى: تواضع لهما رحمةً بهما، فيقولون: الذل له جناح؟ نقول: أما الذل فهو أمرٌ معنوي، والإنسان إذا لم يذل ترفَّع وعلا بنفسه، فقال: اخفض جناح الذل، بدل: جناح الترفع، وذكر الجناح لأنه هو الذي يطير به الطير إلى السماء، فالآية واضحة أن المعنى: تتطامَنْ للوالدين وتذلَّلْ لهما واخفض لهما الجناح، وهذا غاية ما يكون من التذلل لهما.
طالب: شيخ بارك الله فيك، ما المحذور الشرعي في إثبات المجاز إذا قلنا بالمجاز؟
الشيخ: أول محذور أن المجاز -باتفاق القائلين به- يصح نفيه، وهذا يعني يصح تكذيب القرآن، فيقول مثلًا: يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ، الجدار ما له إرادة. وهل هذا يصح؟
الطالب: لا يصح.
الشيخ: ما يصح، ولهذا اعتمد الشنقيطي رحمه الله هذه الحجة اعتمادًا قويًّا، قال: أبرز علامات المجاز أنه يصح نفيه، وما في القرآن شيء يصح نفيه. هذه واحدة.
ثانيًا: أن هذا المجاز الذي سماه ابن القيم طاغوتًا توصلوا به إلى إنكار الصفات، وقالوا: اليد مجاز على النعمة، الاستواء مجاز عن الاستيلاء، العين مجاز عن الإحاطة، وهلم جرًّا.
ومن قال: إن شيخ الإسلام وابن القيم أنكرا ذلك وشدَّدا في الإنكار لأن أهل التعطيل توصلوا بالمجاز إلى إنكار الصفات، فهذا كذب عليهما؛ على شيخ الإسلام وابن القيم، بل هما أنكراه مطلقًا حتى في أبسط الأشياء.
طالب: شيخ أثابكم الله، على قراءة نافع: {وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِنْدَ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا}.
الشيخ: عِبَادُ.
الطالب: لا، على قراءة نافع (...)؟
الشيخ: عِبَادُ الرَّحْمَنِكما جاء في القرآن.
طالب: شيخ جزاكم الله خيرًا، ما الرد على القائلين بأن المجاز في القرآن يدل على فصاحة وإعجاز القرآن الكريم؟
الشيخ: غلط، كيف يدل على فصاحته وهو يصح أن يُنْفَى ويُكَذَّب؟!
طالب: أقول: في كتاب فتح رب البرية، كأنه يُفْهَم من الكلام إثبات أصل المجاز، لأنكم قلتم: المعنى المجازي لا يُقْبَلُ إلا بثلاثة شروط، ومن حجج الذين يثبتون المجاز يقول: القرآن جاء على أساليب اللغة، فاللغة فيها مجاز، يعني من أعجاز القرآن أنه ما خرج عن أساليب..
الشيخ: نعم، لكن نحن نقول: اللغة ليس فيها مجاز أصلًا؛ يعني ننكر الأصل، وما كتبناه أولًا أصول الفقه الأصول حيث ذكرنا المجاز فإننا ماشون على خطة رُسِمَت لنا من قبل المعاهد، وليس عن اعتقاد منَّا، وقد نبهناهم بأنه يجب أن تكتبوا حاشية على هذا، فتقولوا: هذا على القول بالمجاز، وأننا لا نرى ذلك، ما أعلم هل كتبوها أو لا.

***

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلَّم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
قبل أن نبدأ درس اليوم أودُّ أن أنبهكم على المقصود من التعلم، المقصود من العلم اتِّباع ما علِمْتم، ومن ذلك التحلي بمكارم الأخلاق وأعالي الآداب، ولقد رأينا منكم جفاءً عظيمًا أشدَّ من جفاء البدو، وعدَمَ مبالاة بالآداب الإسلامية والأخلاق، أقل شيء وأهون شيء إفشاء السلام، إفشاء السلام من أسباب دخول الجنة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وَاللَّهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَفَلَا أُخْبِرُكُمْ بِشَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» ، وهذا معدوم في كثير منكم، أنا لا أدري لماذا تتعلموا! لا أدري إلى متى لا تتحلون بالأخلاق الفاضلة! يمر الإنسان بإخوانه لا يُسَلِّم عليهم، أهذا من آداب الإسلام؟ أجيبوا.
طلبة: لا.
الشيخ: أهذا من آداب طالب العلم؟
طلبة: لا.
الشيخ: أهذا من آداب صاحب المروءة؟
طلبة: لا.
الشيخ: سبحان الله! أنا لا أدري كيف أبذر، ثم يخرج زرعٌ لا ثمرة فيه، فما الفائدة؟ إذا لم يكن هناك ثمرة ملموسة فإن الإنسان قد يأخذه اليأس، ويقول: هؤلاء القوم إنما جاؤوا لمجرَّد المعرفة النظرية دون التطبيقية، هذا مع أن الإنسان إذا سلَّم على أخيه يحصل على عشر حسنات، تنفعه يوم القيامة إذا لم يكن عنده درهم ولا دينار.
أرجو الانتباه، أرجو الأدب، أرجو العمل بما علِمْتم، وإلا فلا فائدة.
أقول هذا من قلبي، وأرجو أن يحِلَّ في قلوبكم، سبحان الله! سبحان الله! سبحان الله! يمرُّ الرجل بزميله جنبًا إلى جنب لا يسلِّم، ولا أخلاق باديةٌ.
دعنا من الأشياء الأخرى، قد يكون هناك أشياء أيضًا تخل بالمروءة والآداب الإسلامية، لكن هذا أبْيَنُ ما يكون وأوضح ما يكون، فأرجو ألَّا أجد أحدًا منكم يتحلَّى بهذا الخلق الذميم، وهو عدم إفشاء السلام، سلِّم يا أخي، ويش يضرك؟! قد يقول له الشيطان: لا تسلم على هذا؛ لأنه واقف مع زميله، قد يكون بينهما أحاديث سرِّية، أنت سلِّم، وإن ردوا فهذا مطلوب، وإن لم يردوا؛ فإن كان لهم عذر فهم معذورون، وإن لم يكن لهم عذر فهم آثمون. أرجو ألَّا أعود إلى مثل هذا بناءً على أنكم استقمتم، والله الموفِّق.

***

الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ [الزخرف: ٢٤].
الشيخ: بس ليش تقول: قَالُواقَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ.
الطالب: تكرار يا شيخ.
الشيخ: قِفْ على قوله: بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ، قفْ، ولا (...) قَالُوا، ثم تعود وتقول: قَالُوا، هذه عادة عند كثير من القراء الذين يدَّعون أنهم جوَّدوا القرآن، تجده يقف على غير موقف، ثم يعيد الكلمة، أو ربما الجملة، يا أخي قفْ بالأول على الموقف السليم، ثم اقرأ، ولو أراد أن يقول: أعادها ليكون الكلام متتابعًا، قلنا: أَعِدِ الجملة اللي قبلها أيضًا؛ حتى يكمل أول الآية.
ثم إني أقول: إذا انقطع النفس فابدأ بما انقطع النفس عليه مُطلَقًا؛ لأن هذا الوقوف لعذر، ما حاجة تكرر الكلمة، ألم تعلم قول الله عز وجل: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ [الماعون: ٤] آيةٌ يُوقَفُ عليها، ثم يبدأ فيقول: الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ [الماعون: ٥]، فالوقوف على الآيات ولو تعلَّقت الثانية بالأولى، والوقوف للعذر ولو تعلق الثانية بالأولى، يبدأ من حيث وقَفَ.
تفسير الآية (23)
01:15:20

الطالب:
قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٢٤) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٢٥) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨) بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ [الزخرف: ٢٤ - ٢٩].
الشيخ: قال الله عز وجل: وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ [الزخرف: ٢٣] يعني يمثل هذا الذي قِيلَ لك قِيلَ لمن قبلك.
مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ [الزخرف: ٢٣]، والحكمة من هذا تسلية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من وجه، وإنذار هؤلاء المكذبين له من وجه آخر، وأنه سيصيبهم ما أصاب غيرهم مما أصروا على تقليد آبائهم الباطلة.
وقوله: مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ. اقرأ التفسير.
طالب: (وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَاأي: مُتنعِّموها مثْل قول قومك).
الشيخ: لا، مُتنعِّموها ولا مُنعَّموها؟
الطالب: مُتنعِّموها.
الشيخ: بالتاء؟
الطالب: نعم، عندي بالتاء.
الشيخ: لا، غلط، (مُنعَّموها) هو الصواب.
الطالب: (مُنعَّموها مثْلَ قولِ قومِك: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍمِلَّةٍ، وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَمُتَّبِعون).
الشيخ: هذا الحكمة منه هو تسلية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإنذار هؤلاء المكذبين، أن جميع الأمم السابقة يقولون لأقوامهم: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ؛ أي: على مِلَّة، وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ؛ أي: ما يسيرون عليه من الدين، مُقْتَدُونَ؛ أي: مُتَّبِعون مُقلِّدون.
ففي هذه الآية الكريمة فوائد؛ منها: تسلية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأن هذا الذي قيل له قد قيل لمن قبله، كقوله تعالى: مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ [فصلت: ٤٣].
ومنها: اتفاق أهل الباطل على هدف واحد، ألا هو تكذيب الرسل واتباع آبائهم.
ومنها: تحريم التقليد بالباطل، وأما التقليد بالحق فلا بأس به، فإذا كان رجل لا يعرف حكم المسألة في دين الله وليس عنده قدرة على الاجتهاد، فإن فرضَه التقليد؛ لقول الله تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [النحل: ٤٣]، ولقول الله تعالى: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة: ٢٨٦]، ولقوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: ١٦].
وأما من حرَّمَ التقليد مطلقًا فقوله باطلٌ مخالفٌ لظاهر القرآن، وأما من ألزم به مطلقًا فقوله باطلٌ مخالِفٌ لما يجب الإيمان به من اتباع الرسل.
فالصواب أن التقليد للضرورة جائز، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: التقليد بمنزلة أكل الميتة؛ إن اضطر إنسانٌ إليه فهو جائز، وإلا فلا.
ولكن هل يمكن أن نقول للعامي صاحب السوق: اجتهد في هذه المسألة حتى تعرف حكم الله؟ لا يمكن، ولو بقي يجتهد لخبَّط، لكن فرضه أن يسأل.
وهل يحوز التقليد في أصول الدين أو في فروع الدين فقط؟
فالجواب أولًا: تقسيم الدين إلى أصول وفروع حادث لم يكن معروفًا بعهد الصحابة، ويدل على بُطلانه أنه يجعلون الصلاة والزكاة والصيام والحج، يجعلونهم من فروع الدين مع أنهم أركان الإسلام، فالصواب أن الشرع لا ينقسم إلى أصول وفروع، وأن هذا اصطلاح حادث، لكنه ينقسم إلى أصول علمية وأصول عملية؛ فالأصول العلمية هي الاعتقادات، والعملية هي العبادات المكلَّف بها، هذا هو الذي يدل عليه النص.
إذن نقول: قولنا: هل يجوز التقليد في أصول الدين وفروعه أو فروعه فقط؟ أصل التقسيم حادثٌ مبتدَعٌ وإن كان عليه أكثر العلماء الآن، وهو أيضًا غير صحيح، وجه بطلانه؟
طالب: أنهم جعلوا الصلاة..
الشيخ: أنهم جعلوا الصلاة والزكاة والصيام والحج من فروع الدين، وهي أصل من أصول الدين؛ أركان الإسلام.
ثم نقول: التقليد فيما تسميه أصل الدين وفروعه جائز، قال الله عز وجل: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [النحل: ٤٣]، والرسالة على تقسيم هؤلاء إلى أصول وفروع من الأصول ولَّا من الفروع؟
طالب: من الأصول.
الشيخ: الرسالة من الأصول؛ عقيدة، ومع هذا يقول عز وجل: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ، اسألوا هل أرسلنا رجالًا أو أرسلنا ملائكة إن كنتم لا تعلمون، والقاعدة أن كل من عجز أن يدرك الحق بنفسه وجب عليه التقليد، سواء بالنسبة للأمور العلمية أو العملية لا فرق.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء القوم المكذبين للرسل ليس عندهم حجة إلا مجرد ما كان عليه الآباء، وهذا ليس بحجة.
وعلى هذا فلا يجوز الاحتجاج بعمل الناس كما يفعله بعض القوم، فإذا نهيته عن شيء قال: كل الناس يفعلونه، هذا ليس بحجة، ولا يمكن أن تقابل الله بهذه الحجة؛ كل الناس يفعلون هذا، هذا لا يمكن أن ينفعك عند الله، قل: هذا دلَّ الكتاب على جوازه أو السنة على جوازه، قلنا: نعم، على العين والرأس، أما كل الناس يفعلونه فلا.
تفسير الآية (24)
01:26:47

طالب:
(قَالَأي: لهم، أَوَلَوْتتبعون ذلك، جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِأنت ومن قبلك كَافِرُونَ).
الشيخ: قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْقَالَأي: الرسول الذي يرسله الله عز وجل، ويقابل بأنهم وجدوا آباءهم على أمة، قال لهم: أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ؛ يعني: أتردُّون قولي وتتَّبعون ما كان عليه آباؤكم ولو جئتكم بأهدى منه؟! والاستفهام هنا واضح أنه للإنكار والتوبيخ؛ يعني كيف تتَّبعون ما عليه آباؤكم وأنا قد جئتكم بأهدى؟!