(صلى الله عليه وسلم التي عليها خاتَمُه)
(وصية) بمعنى عهْد،
ولا يكون العهدُ وصيةً إلا إذا كان في أمْرٍ هام. وقوله: (محمد صلى الله عليه
وسلم) يعنى النبي، وهذا التعبير من ابن مسعود يدل على جواز مثله، ابنُ مسعود
قال: محمد رسول الله، ووصية محمد. وما أشبه ذلك، ولا ينافي هذا قوله تعالى: لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا [النور: ٦٣]؛ لأن هذا دعاء الرسول أي مناداته، فلا تنادوا فتقولوا:
يا محمد. ولكن قولوا: يا رسول الله. وأما الخبر فهو أوسع من باب الطلب؛ فلهذا يجب
أن تقول: أنا تابع لمحمد صلى الله عليه وسلم.
طالب:
ربنا آتِ محمدًا؟
الشيخ: إي نعم، آتِ محمدًا، واللهم
صلِّ على محمدٍ، وما أشبه ذلك.
وقوله: (التي عليها خاتَمُه) (خاتَمٌ)
بمعنى التوقيع، وكان يسمى عندنا الْمَهر، ما أدري ويش سبب هذه التسمية، فالمعنى أن
هذه الآيات كأنها وصية من الرسول صلى الله عليه وسلم، وإلا فالنبي صلى الله عليه
وسلم لم يوصِ بشيء.
وقد مرَّ علينا حديثُ عليٍّ حين سأله أبو جحيفة: هل عهد
إليكم النبيُّ صلى الله عليه وسلم بشيء؟ فقال: إنه لم يعهد إلينا بشيء إلا فهمًا
يؤتيه الله تعالى أحدَ الناس في القرآن، وما في هذه الصحيفة .
فهنا لا تظنوا
أن رسول الله عليه الصلاة والسلام أوصى بهذه الآيات وصية خاصة، ولكن المعنى أن هذه
الآيات أنها بمنزلة وصية؛ لأن الله قال له: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْإلى آخره [الأنعام:
١٥١].
يقول: (فليقرأ قوله تعالى: قُلْ تَعَالَوْا [الأنعام: ١٥١]، إلى قوله: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام: ١٥٣])، وقد سبق
الكلامُ على الآيات.
(عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: كنتُ رَدِيفَ النبيِّ
صلى الله عليه وسلم على حمار)
(رديف) بمعنى رادف، فهي فعيل بمعنى فاعل، مثل
ما نقول: رحيم بمعنى راحم، وسميع بمعنى سامع، وهكذا. وقوله: (على حمار)،
أهليٍّ ولَّا وحشيٍّ؟
طلبة: أهلي.
الشيخ: أهلي.
طالب: مُطْلَقة يا
شيخ.
الشيخ: لا، معروف، أن الحمار الوحشي ما هو
ذكره. (فقال لي: «يَا مُعَاذُ، أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ
عَلَى الْعِبَادِ»)، (قال) يعنى ألقاه النبيُّ صلى الله عليه وسلم على
معاذ بصفة السؤال ليكون ذلك أشد حضورًا لقلبه، حتى يفهم ما يقوله الرسولُ صلى الله
عليه وسلم: «أَتَدْرِي»: أَتَعْلَمُ «مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ» الذي أوجبه عليهم، حقه
يعني ما يجب أن يعاملوه به، والذي أوجبه الله أوجبه على العباد.
«وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ» (حَقُّ
الْعِبَادِ) أي: ما يجب أن يعاملهم الله به، وهذا الحق الثاني ليس العباد الذين
أوجبوه، بل الذي أوجبه اللهُ سبحانه وتعالى؛ لأن العبد لا يوجِب على ربه ولا
يُلْزِمه بشيء، ولكن اللهَ تعالى بفضله يلتزم به لهم؛ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الأنعام: ٥٤].
كَتَبَ: أوجب أنه
يرحم مثل هذا الرجل، ويش هو؟ عمِلَ سوءًا بجهالة، ما هو بجهل، إنه يجهل حُكمَه، لا
بجهالة يعني بسفَهٍ وعدم تصرفٍّ حسنٍ، ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ: يغفر لهم سبحانه
وتعالى.
(قلتُ: اللهُ ورسولُه أعلمُ) هنا (اللهُ) مبتدأ،
(ورسولُه) معطوفٌ عليه، و(أعلمُ) خبر المبتدأ، والمبتدأ مكوَّن من
شيئين، و(أعلمُ) مفرد وليس بِمُثَنًّى؛ نعم لأنه هنا بمعنى (مِن)، فإذا كان اسم
التفضيل بمعنى (مِن) فإنَّ الأشهرَ فيه التذكيرُ والإفرادُ، يعني (أعلمُ) مِن غيرِه
ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: وأعلمُ مني أيضًا. قال: «حَقُّ
اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا»،
«يَعْبُدُوهُ»: يتذللوا له بالطاعة، «وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا» أي: في عبادته وما يختص به،
وكلمة (شيئًا) نكرة في سياق النفي تَعُمُّ كلَّ شيء؛ لا رسولًا، ولا مَلَكًا، ولا
وَلِيًّا، ولا صِدِّيقًا، ولا غيرَه، ما أحدٌ يُشْرَك مع الله في العبادة.
«وَحَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ»: حقهم عليه «أَلَّا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا»، وهذا
الحقُّ مِن اللهِ أَوْجبه على نفسه، وليس مما أوْجَبْناه على الله!
وقولُه:
«مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» لا تظن أنه مُجَرَّدٌ
عن العبادة؛ لأن التقدير: مَن يعبدُه ولا يشرك به شيئًا، وإنما لم يذكر قوله: (مَن
يعبدُه ولا يُشرك)؛ لأنه مفهوم من قوله: «وَحَقُّ
الْعِبَادِ»، ومَن كان وصْفُه العبوديةَ فلا بد أن يعبدَه، هذه
واحدة.
الثانية: في الأول يقول: «أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا
يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا»، فعُلِم أنَّ قولَه: «أَنْ
يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا» أي بالعبادة، يعنى ألَّا يعذب
مَن يعبده ولا يشرك به شيئًا. أما لو قال قائل: أنا ما أعبد الله ولا أشرك به، ما
أنا بعابد الله ولا عابد غيره! هل يُعذَّب ولَّا لا؟
طلبة: يُعذَّب.
الشيخ: يُعذَّب، ما
نقول: إن الرجل ما أشرك بالله! نقول: لأن الكلام هنا فيه حذف (مَن يعبده ولا يشرك
به شيئًا)، وقلنا: إن هذا يدل عليه أمران.
الأمر الأول: أنه دا حق للعباد، فمن
كان وصفه العبادة فلا بد أن يَعبد.
الثاني: أن هذا مقابل بقوله بما تقدم: «أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا». إذن لا
يعذِّب من يعبدونه ولا يشركون به شيئًا.
(قلتُ: يا رسولَ اللهِ، أفَلَا
أُبَشِّرُ الناسَ؟) (أفلا أبشر الناس) يعنى أأسكت فلا أُبشر الناس، ومثل هذا
التقدير مرَّ علينا كثيرًا ولَّا لا، يعنى الهمزة ثم حرف العطف ثم الجملة، وذكرنا
أن لعلماء النحو فيه قولين:
قولٌ يقول: إن بين الهمزة وحرف العطف محذوفًا
يُقدَّر بما يناسب المقام.
والقول الثاني: أن همزة الاستفهام متقدمة، وأن حقها
أن تكون بعد حرف العطف، وعلى هذا فليس هناك شيء محذوف، بل هناك ترتيب يعنى تغير
الترتيب، يكون التقدير (أفلا أبشر) تقديره: (فألا أبشر)، لكن لما كان مثل هذا اللفظ
بسيطًا، وهمزة الاستفهام لا تصح إلا في أول الكلام قُدِّمتْ على حرف
العطف.
ونظير هذا في القرآن كثير، مثل: أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ [الغاشية: ١٧]، أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْض [يوسف: ١٠٩]، أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ [الروم: ٩]، وما أشبهه،
أَفَلَا تَعْقِلُونَ [البقرة: ٤٤]، أَفَلَا تُبْصِرُونَ [القصص: ٧٢].
هنا (أفلا أبشر
الناس) إذا قلنا بالرأي الأول: أن الهمزة داخلة على شيء مُقَدَّر، أيش هو
التقدير؟ يبقى: أأسكت فلا أبشر الناس؟ وإذا كان على الرأي الثاني مثل فألا أبشر
الناس، جملة معطوفة على ما سبق، ويكون محل الفاء سابقًا على الهمزة لكن قُدِّمتْ
الهمزة لأن الاستفهام له الصدارة.
(أُبشر) ما معنى البشرى؟ الإخبار بما يسُرُّ،
وقد يكون وقد يستعمل في الإخبار بما يضر مثل قوله تعالى: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [آل عمران: ٢١]، لكن الأكثر
الأول.
(أفلا أبشر الناس؟) يعنى بهذا الحديث؛ أن الله لا يعذب مَن لا
يشرك به شيئًا، يعني وأن المعاصي تكون مغفورة بتحقيق التوحيد؟ فقال الرسول صلى الله
عليه وسلم: «لَا تُبَشِّرْهُمْ» (لا)
هذه إرادة؟
طلبة: النهي.
الشيخ: النهي، يعنى لا تُخبرهم بهذه البشرى «فَيَتَّكِلُوا» أي: فيعتمدوا عليها، يعتمدوا عليها حيث لم
يفهموا المعنى؛ لأن تحقيق التوحيد صعب، وتحقق التوحيد يستلزم اجتناب المعاصي؛ لأنه
ما من معصية وإلا وهي صادرة عن هوًى، كل المعاصي عن هوى، وما صدر عن الهوى فهو نوع
من الشرك، أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ [الجاثية: ٢٣].
طيب هذا الحديث مناسبته للترجمة ظاهر جدًّا، وهو فضيلة التوحيد،
وأنه مانع من عذاب الله؛ ألَّا يعذب مَن لا يشرك به شيئًا.
أما إذا رجعنا إلى
فوائد الحديث فالحديث فيه فوائد، تحبون..
طالب:
(...).
الشيخ: يعتمدون على ظاهر الحديث.
الطالب: (...).
الشيخ: إي نعم، ما هم
كلهم على حد سواء؛ ولهذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بها معاذًا، فمعاذ وأمثاله
ممن يفهمون المعنى والحقيقة، ما تراجعوا ولا يتكلون على ذلك، لكن لو جاء أعرابي ما
يعرف ممكن يفهمه.
طيب تحبون نقرأ مسائل الشيخ ونضعها موضعها من الكتاب وإن فاتنا
شيء استدركناه؟
طلبة: إي نعم.
الشيخ: أولًا نقول: الفائدة (الأولى: الحكمة في خلق الجن
والإنس) أخذها رحمه الله من قوله: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦]، هذه الحكمة أن يعبدوا
الله عز وجل وليس سوى ذلك، ما هو بيخلقهم لأجل يأكلون ويشربون وينامون ويتزوجون
ويتفكهون لا، خلقهم لعبادته، هذه الحكمة.
(الثانية: أن العبادة هي التوحيد؛
لأن الخصومة فيه)، قول المؤلف: (أن العبادة هي التوحيد) نعم، يعني
معناها مبنية عليه؛ لأن عبادةً لا توحيدَ فيها ليست بعبادة، ليست بشيء، نعم لا سيما
أن بعض السلف فسر قوله تعالى: لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦]: (لِيُوَحِّدُونِ)، ففسر العبادة بالتوحيد، وهذا مطابق تمامًا لما استنبطه
المؤلف رحمه الله من أن العبادة هي التوحيد. ومعلوم أن عبادةً لا تُبنى على توحيد
الله أنها باطلة، كما في حديث أبى هريرة: «أَنَا أَغْنَى
الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي
تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» .
وقوله: (لأن
الخصومة فيه) أي: في التوحيد، ولكن الخصومة ما هي مع كل أحد، لكن بين الرسول
صلى الله عليه وسلم وقريش، قريش يعبدون ولَّا لا؟
طلبة:
يعبدون.
الشيخ: يعبدون؛ يطوفون ويصلون لكن على غير
الوجه الشرعي، ترى وجودها كعدمها، فمَن لم يأت بالتوحيد فإنه ما عبَدَ اللهَ، بل
ولا تصح عبادتُه أيضًا، مَن اعتقد أن لله تعالى شريكًا فيما يجب إفرادُه به فهل
تنفعُه عبادتُه؟! ما تنفع: وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّه [التوبة: ٥٤].
وقوله: (ففيه معنى قوله: وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ [الكافرون: ٣])، أيش وجهه؟
طلبة: (...).
الشيخ: وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ.
طالب: العبادة هي (...).
الشيخ: إي
نعم؛ لأنه قال: وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، يعني لستم عابدين عبادتنا؛ لأن عبادتكم مبنية على الشرك فليست
بعبادة، واضح؟
(الرابعة: الحكمة من إرسال الرسل)، مأخوذة من قوله: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل: ٣٦]، هذه الحكمة من إرسال الرسل
أن يدعوا الناس إلى عبادة الله تعالى واجتناب الطاغوت.
(الخامسة: أن الرسالة
عمَّت كل أمة)، مِن أين تؤخذ؟ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا [النحل: ٣٦].
(السادسة: أن دين الأنبياء واحد)،
نعم لقوله: أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل: ٣٦]، ومثلها قوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: ٢٥].
هل ينافي هذا قوله تعالى:
لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا [المائدة: ٤٨]؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا؛ لأن الشِّرْعة العملية، فإن هذا يختلف باختلاف الأمم
والأزمان والأماكن، وأما أصل الشرائع فهو واحد: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [الشورى: ١٣].
(السابعة: المسألة الكبيرة أن
عبادة الله لا تحصل إلا بالكفر بالطاغوت، لقوله: وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل: ٣٦])،
الركن ما قال: أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ [النحل: ٣٦] فقط،
قال: وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ، فمَن عبَدَ اللهَ صار
إذا أذَّن ذهب للمسجد مبكرًا وأخذ المصحف وقرأ، لكنه عندما يقول له أصحابه: يلَّا
إلى شيخنا عبد القادر الجيلاني، أو إلى الشيخ البدوي، أو إلى الحسين بن علي بن أبي
طالب، أو ما أشبه ذلك مشى معهم، مثل هذا موحد ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: ليس بموحد؛ لأنه لا
بد أن يجتنب الطاغوت، إذا لم يجتنب الطاغوت فليس بموحد؛ ولهذا جعله المؤلف رحمه
الله أن المسألة كبيرة، ليش؟ إن المسألة كبيرة؛ لأن كثيرًا من المسلمين يجهلها في
زمانه وفى زماننا الآن، أليس يوجد الآن من يحج البيت الحرام ويقف بعرفة ويطوف
ويسعى، وهو إذا ذهب طاف بالقبر إذا ذهب إلى بلده!! هل هذا موحد؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا؛ لأنه لم يجتنب
الطاغوت؛ فلهذا قال المؤلف: (إنها مسألة كبيرة)؛ لأنها تخفى على الناس وهى عظيمة،
هؤلاء العامةُ المساكينُ يحسبون أنهم موحدون، والحقيقة أنهم ليسوا بموحدين بل هم
مشركون؛ لأن التوحيدَ جعْلُ الشيءِ واحدًا، اتخاذُهم إلهًا واحدًا، ما نتخذ
إلهين.
وقال الله تعالى: لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ [النحل: ٥١]، فإذا صار يدعو عند الكعبة: يا رب اغفر لي، يا رب
ارحمني، يا رب ارزقني. وعند قبر عبد القادر الجيلاني: يا شيخي، يا سيدي، يا حجتي
عند الله، يا وسيلتي إلى الله اغفر لي، اجعل زوجتي تحمل.. وما أشبه ذلك، ويش يصير
هذا؟
طالب: يُلْقُون جوابات في مقام الإمام
الشافعي.
الشيخ: هذا كيف؟ ما يصير هذا موحدًا. كنا
سمعنا من بعض النساء إذا لم تحمل سريعًا تذهب إلى قبر البدوي وتتمرغ على قبره،
وربما تضع فى فرجها شيئًا من ترابه ثم تحمل! فتنة.
طالب: فيه شيخ يقولون: على نقيض البرني فيه جبلة عالية، الحريم
يأخُذْنَ بعضهنَّ اللي ما بتحملش تروح تنزل من على الجبل وتتدحرج تتدحرج، إن جاءت
في آخره وجاء لها قيء هتحمل، ما جالهاش قيء تتدحرج ثانية لحد ما يجلها القيء وتحمل،
فتنة أكثر من..
الشيخ: قال: (ففيه معنى قوله تعالى:
فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [البقرة: ٢٥٦]).
طالب: إطلاق الوصف على العامة بأنهم مشركون يُسمَّوْن
بذلك؟
الشيخ: إي، نقول: مَن فعل هذا فهو مشرك، لكن هل
يلحقه وعيد المشركين؟
الطالب: لا.
الشيخ: لا، هذا يتوقف على أن توجد الأسباب وتنتفي الموانع،
مثلًا: لَعَنَ الرسولُ النَّامِصَةَ وَالْمُتَنَمِّصَةَ
.
نحن نلعن النَّامصة والمتنمصة، ونلعن آكل الربا وموكله، لكن هل نقول لمن أكل الربا:
هذا ملعون؟ هل نقول: لعنة الله عليك؟ لا؛ لأنه قد يكون هناك موانع تمنع من حلول
اللعنة عليه كالجهل مثلًا أو الشُّبْهة تكون عنده وما أشبه ذلك، كذلك الشرك، هؤلاء
نقول: مشركون، لكن نقول لكل واحد نحكم عليه بالشرك بعينه؟ لا.
وافترض أنه قد لا
تكون الحجة قامت عليه قد يكون هناك تفريط مثلًا من علمائهم ما بينوا لهم، فلا نحكم
على كل فرد، كما أننا مثلًا نشهد لكل المؤمنين بالجنة، ونقول: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا
تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» .
لكن هل نحكم لمن صام أو لكل مؤمن بهذا الحكم؟ لا.
فهذه مسألة ينبغي أن نعرفها،
وهي أن الحكم المعلَّق بالأوصاف لا يتحقق بالأشخاص؛ لأنه قد يكون هناك موانع ما
نعرفها تمنع من أن يكون متصفًا بهذا الوصف، أو يكون قد استحق هذا الثواب، أو قد
استحق هذا العقاب، وهذه في الحقيقة قاعدة مهمة جدًّا ومفيدة للإنسان. رأيت واحدًا
يتضرر في الطريق تقول: لعنك الله؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، إلا إذا أريدَ باللعن في قوله صلى الله عليه وسلم:
(لاعن) أن الناس أنفسهم يلعنون هذا الشيء ويكرهونه ويرونه مخلًّا بالأدب، فهذا شيء
آخر.
طالب: (...).
الشيخ:
المعلَّق بوصف لا يتحقق بالشخص إلا بعد قيام الحجة.
طالب: لو كان فِعْلُهُ فِعْلَ كُفْرٍ؟
الشيخ: إي نعم، نقول: هذا فِعْل؛ دعاء القبر كُفر، السجود للصنم
شرك. لكنه ما يمكن نقول: هذا مشرك حتى أنَّا نعرف، أو قد نقول: هذا مشرك؛ لأنه
الأصل أنه مسلم، ولكن نقول: ما يستحق العقوبة بالنار؛ لأنه قد يكون هناك موانع تمنع
منه.
طالب: شيخ، هل تُقبل الأعمال الصالحة
منه؟
الشيخ: هو كما قيل بحسب ظاهر حاله ما تُقبل، ولا
يجوز أيضًا أن يُمَكَّنَ من دخول مكة حتى يتوب ويقول: لن نعود إلى هذه القبور. لكن
كما قلنا: مسألة استحقاق الوعيد والخلود في النار كما سبق، ما يمكن نحكم على كل شخص
بعينه.
طالب: (...).
الشيخ:
إي نعم حتى وهو كذلك (...)، الإنسان (...) ما نحكم عليه، نقول: هو كافر في الدنيا،
أما في الآخرة فلا.
طالب: الكفار اللي علَّمهم علماؤهم
(...).
الشيخ: (...) كفار؛ لأنهم مثل الذين دعاهم
الرسول عليه الصلاة والسلام، وقال: (أنتم على كفر وعلى شرك) وأبَوْا، ما فيه شك
أنهم كفار ظاهرًا وباطنًا فى الدنيا وفي الآخرة.
طالب:
(...).
الشيخ: العلماء لو قالوا: هذا حرام، وهذا شرك،
وهذا مُخْرِج عن الإسلام. وقالوا: لا، إنا وجدنا آباءنا على أمة، ولن
نتغير.
الطالب: (...).
الشيخ: فيه ناس يعني ما يخالف، أبو جهل يشجع قريشًا على أن يبقوا
على الكفر ولَّا لا؟ والوليد بن المغيرة يقول: إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) [المدثر: ٢٤، ٢٥]، هل عُذر الكفار بذلك؟
الطالب:
(...).
الشيخ: على كل حال مَن بان له الحقُّ وأصرَّ على
خلافه قامت عليه الحجةُ.
الطالب: فيه عالم مثلًا يقول:
هذا حلال، وعالم يُحَرِّمه، هم (...) يحرمه.
الشيخ: طيب
الحمد لله نقول: الآن مثلًا مسألة الكفر ما تخفى، هذه البدع والمسائل الفقهية ممكن
تخفى، لكن مسألة الشرك القرآن مملوء بأن الشرك كفر، ولا يمكن لأي عالم أن (...)
قدميه على أن الشرك عبادة أبدًا.
طالب: كيف حكم الزيارة
للأولياء (...)؟
الشيخ: مثل غيرهم، تُسَلِّم عليهم
وتدعو لهم بالمغفرة.
الطالب: وأهل البيت يعنى
(...)؟
الشيخ: أولًا الحسين بن علي رضي الله عنه ليس
موجودًا في مصر.
الطالب: ما هو أنا كنت عاوز أقول
لسيادتك: إنهم كانوا جابوا رأسه أو..
الشيخ: لا أبدًا
لا رأسه ولا رجليه، ليس في مصر.
الطالب: إذن المسجد
(...).
الشيخ: كذب هذا، ولكن الفاطميين أرادوا من عقول
الناس..
طالب: يعني المسجد شرك اللي يصلَّى
فيه؟
الشيخ: لا والله عاد قد يكون فيه، ننهى عنه من أجل
أن العامة يعتقدون هذا الاعتقاد، فيكون صلاتك أنت إقرارًا لهم، إنما في حقيقة الأمر
ما فيه حرج، وربما إنه مدفون به واحد (...).
طالب: لا،
هو تكلم بعض علماء التاريخ أن هو يا ترى فيه الرأس موجودة أو..
الشيخ: لا، الحسين بن علي قطعًا ليس موجودًا لا في مصر ولا في
الشام، بل وليس معلومًا حتى في العراق.
طالب: (...)
دفنوه وحطوه.
الشيخ: يمكن ما أدري، إنما على كل حال لا
يصلَّى فيه.
طالب: (...) بعض الناس اللي يقولون: إن
الرسول عليه الصلاة والسلام قال: ما أسألكم عليه أجرًا..
الشيخ: مع أنه يقول: قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى [الشورى: ٢٣]، طيب
ويش معنى الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى؟ يعني إلا أن
تودُّونِي بصلة قرابتي، كأنه يقول: أنا قَدِّرُوا أني مثلًا من العراق، لكن ألست
قريبًا لكم؟ على الأقل وَدُّونِي من أجل قرابتي، هذا (...) ما تستقيم الآية. يعنى
قل: لا أسألكم عليه أجرًا إلا أن تودُّوا قرابتي، يستقيم هذا المعنى؟ أي فائدة له
إذا وَدَدْنا قرابته؟ ولكن (...) محرم عليه، فمعنى الآية الذي لا شك فيه: لا أسألكم
عليه أجرًا، والاستثناء منقطع، ولكن على الأقل وَدُّونِي لقرابتي؛ لأنكم أنتم تحمون
القرابة، أي الفرقَيْنِ لكن (...).
طالب: (...) يشجع
الناس على زيارة (...).
الشيخ: يقول عبد الله بن
المبارك: وهل أفسد الدين إلا الملوك، وأحبار سوء، ورهبانها؟!! يعني فساد الدين على
يد هؤلاء الثلاثة: إما ملك لأن الملك يقول فيُطاع، وإما عابد يخدع الناس بعبادته،
وإما حَبْرٌ عالم سوء والعياذ بالله.
الطالب: حتى
الزائر لهذا القبر لو قال: يا رب بفضل هذا الولي، أو بفضل هذا الشيخ، أو بفضل هذه
(...) عندك.
الشيخ: ما يجوز حتى النبي عليه الصلاة
والسلام اللي نعلم أنه أعلى الناس مكانة عند الله، ما يجوز نقول: أسألك بفضل نبيك
عندك، أو جاهه عندك أن تفعل كذا وكذا.
طالب: (...)
السلام عند الرسول عليه الصلاة والسلام.
الشيخ:
نعم.
طالب: (...).
الشيخ:
بيجينا إن شاء الله في كتاب التوحيد نختم بيه النهار ده.
طالب: الشيخ الباقوري كان أقر بشد الرحال لمسجد السيد البدوي،
وبعدين رد عليه الشيخ كشك بهدله على المنبر بهدلة (...).
الشيخ: نعم على كل حال معروف هذا.
طيب مَن الطاغوت؟ يقول:
مَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [البقرة: ٢٥٦]، عمومًا الآن فهمنا أنه ما يمكن يتحقق التوحيد إلا
بالكفر بالطاغوت، أما من لم يكفر بالطاغوت فإنه وإن عبد الله وإن دعا الله فليس
بموحد.
(الثامنة: أن الطاغوت عامٌّ في كل ما عُبِد من دون الله)، كل ما
عُبِد من دون الله فهو طاغوت، ولكن لابن القيم رحمه الله تعريفًا للطاغوت حسنًا
جيدًا، فقال: الطاغوت كل ما تجاوز به العبدُ حدَّه؛ لأنه من الطغيان من معبود أو
متبوع أو مطاع، من معبود كالصنم، أو متبوع كالعالم، أو مطاع كالأمير مثلًا، فكل ما
تجاوز به العبدُ حدَّه من معبود أو متبوع أو مطاعٍ فإنه طاغوت.
يقول:
(التاسعة: عِظَمُ شأنِ ثلاث الآيات المحكمات في سورة الأنعام عند
السلف، وفيها عشر مسائل).
(عند السلف) منه كابن مسعود وعموم سلف هذه
الأمة، والدليل على عِظَمِها عنده أنه كان قال: مَن أراد أن ينظر إلى وصية محمد صلى
الله عليه وسلم التي عليها خاتَمُه فليقرأ هذه الآيات. وقوله: (المحكمات)
التي ليس فيها نسخ؛ لأن كل الأحكام التي فيها لم يُنسخ منها
واحدة.
(وفيها عشر مسائل، أولاها: النهى عن الشرك) منين؟ قوله تعالى:
أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [الأنعام: ١٥١] النهي عن الشرك.
(والعاشرة: الآيات
المحكمات) المؤلف رحمه الله قال: (وفيها عشر مسائل أولاها النهي عن الشرك)
وترك الباقيَ، يعني أتى بالشاهد فقط وترك المسائل الأخرى لطالب العلم، ويمكن
للإنسان إذا تأملها وجدها أو أكثر من هذا.
(العاشرة) -من مسائل هذا
الباب- (الآيات المحكمات في سورة الإسراء)، وهو قوله تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء: ٢٣]. (وفيها ثماني عشرة مسألة
بدأها الله بقوله: لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا [الإسراء: ٢٢]، وختمها
بقوله: وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا [الإسراء: ٣٩]. ونبهنا الله
سبحانه وتعالى على عِظَمِ شأن هذه المسائل بقوله: ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ [الإسراء: ٣٩]) رحمه الله.
بدأها بقوله: لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، وهذا نَهْيٌ عن
الشرك فَتَقْعُدَ، والقاعد ليس قائمًا معناه ما تسعى في
الخير؛ لأنه لا خير لمن أشرك بالله، مَذْمُومًا مَخْذُولًا: مَذْمُومًامن عند الله وأوليائه،
مَخْذُولًالا تُنصر لا في الدنيا ولا في
الآخرة.
(وختمها بقوله: وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا)،
هذا الجزاء وذاك السعي سعْيُك مذموم وأمْرُك محجوب، وهذه عقوبتك أنك ملومٌ مدحورٌ
يُلام (...) إذا أُلْقِيَ في النار كلٌّ يلومه ويُدْحَر فيُبْعَد والعياذ
بالله.
(ونبهنا اللهُ على عِظَم شأن هذه المسائل بقوله: ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ) الله أكبر، ذَلِكَ مِمَّاوليس كلَّه مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِنعم، وهي حِكَمٌ عظيمة جدًّا.
ولهذا نريد منكم أن تستعدوا
عليها، الأول اللي فيها عشر مسائل.
طالب:
(...).
الشيخ: ثلاث الآيات إيه. والثاني.
طالب: لغاية الحكمة؟
الشيخ: لغاية
الحكمة، والثاني فيها ثماني عشرة مسألة.
طالب:
(...).
الشيخ: (...) سبعة عشر أو ستة عشر (...)؛ لأن
قوله: ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِهذه من المسائل. أظن انتهى الوقت.
طالب: (...).
الشيخ: لا بالنسبة
للعابد؛ لأن (طاغوت) بمعنى طغيان، يعني طغيان الإنسان إذا عبد (...) ما معنى ها
المعبود؟ ولهذا نقول: إن الطاغوت لأنه ما تجاوز به العبدُ حدَّه، أما مَن عُبِد ولم
يرضَ فليس (...)، ويش ذنبه؟ هل إن عُبِد عليه الصلاة والسلام هو طاغوت؟! معاذ
الله.
طالب: (...) أنهم دخلوا النار بسبب عدم إطعامهم
للمسكين.
الشيخ: نعم إحنا قلنا بذلك في الأول؛ لأن الله
تعالى قال: تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [الصف: ١١، ١٢]،
فبيَّن أنه سبحانه وتعالى يغفر الذنوب كلها بالإيمان والعمل الصالح، فدل هذا على أن
(...) الجماعة فهموا هذا الفهم، وأن الذنوب كلها لا تُغفر، وأما مسألة
(...).
طالب: (...) أقر.
الشيخ: ما أقر؛ لأن في القرآن ما عارضه، وهو قوله: يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ.
الطالب: (...).
الشيخ: لا بعيدة؛
لأنهم داخلون في الخطاب: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [الصف: ١٠].
طالب: (...) خاص
الجن.
الشيخ: لا، خاص بالجن؟
الطالب: (...).
الشيخ: لا ما هو خاص
بالجن.
الطالب: (...).
الشيخ: لا، كل الذنوب، هذا ما أخذ اللي جاره (...): ما تدخلون
الجنة لهم؟ نقول: لا، نرى خلاف ذلك.
طالب: قول الرسول
صلى الله عليه وسلم (...).
الشيخ: لا، هم ما
دخلوها.
طالب: (...).
الشيخ: الجمهور على خلاف ذلك؛ أنه ما يُشهد لأحد إلا لمن شهد له
الرسول صلى الله عليه وسلم، واختار شيخ الإسلام أن من شهدت له الأمة بالثناء عليه
فإنه يُشهد له بالجنة.
طالب: ولو كان شخصًا
معينًا.
الشيخ: ولو كان شخصًا معينًا.
طالب: الْجُنة بالضم بمعنى؟
الشيخ:
الْجُنة بمعنى الوقاية، مثل قوله تعالى: اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّه [المجادلة: ١٦] أي:
وقاية.
طالب: هل يُشهد له في وجهه (...)؟
الشيخ: ولا بعد موته، لا، في حياته ربما يتغير، «إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا
يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ» .
طالب: (...).
الشيخ: إي هي.
***
(الحادية عشرة: آيةُ سورة النساء التي تُسمى آيةَ الحقوق العشرة، بدأها الله بقوله: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [النساء: ٣٦])، نشوف هي الحقوق عشرة اللي فيها: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء: ٣٦]، هذه عشرة بدأت هذه الحقوق بقوله: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [النساء: ٣٦]؛ لأنه أحق الحقوق وأوجب الحقوق، ولا تنفع الحقوق إلا به.ولهذا قال حكيم بن حزام رضي الله عنه: سأل النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يتصدق ويُعتق ويصِل رحمه في الجاهلية، هل له في ذلك من أجر؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنَ الْخَيْرِ» . فدل هذا على أنه لو لم يسلم ما كان له في ذلك من أجر، فصارت هذه الحقوق كلها ما تنفع إلا بتحقيق الحق الأول وهو حق الله سبحانه وتعالى.
(الثانية عشرة: التنبيهُ على وصية رسولِ الله صلى الله عليه وسلم عند موته).
طالب: عن ابن مسعود.
الشيخ: حديث ابن مسعود لكن هل الرسول عليه الصلاة والسلام أوصى بها؟ لا، لكن الرسول أشار إلى أن كتاب الله إذا تمسكنا به لن نضل بعده، ومِن أعظم ما جاء به كتاب الله هذه الآية: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُم [الأنعام: ١٥١]، ولكن مع ذلك ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ كَانَ يُوصِي بِالصَّلَاةِ عِنْدَ مَوْتِهِ، وَبِمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُنَا .
(الثالثة عشرة: معرفة حق الله علينا)، وما الحق علينا؟ أن نعبده لا نشرك به شيئًا.
(والرابعة عشرة: معرفة حق العباد عليه إذا أدَّوْا حقَّه)، المؤلف رحمه الله قيَّده فقال: (إذا أدَّوْا حقَّه)؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أَلَّا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» . يعنى مَن أدَّى حقه بدون إشراك، فأما مَن لم يفعل ذلك فإنه حقيق بأن يُعذَّب.
(الخامسة عشرة: أن هذه المسألة لا يعرفها أكثر الصحابة) لماذا؟
طلبة: لأن معاذًا..
الشيخ: لأن معاذًا أخبر بها عند موته بعد أن مات كثير من الصحابة، أخبر بها تأثُّمًا خروجًا من إثم الكتمان، ثم إن معاذًا رضي الله عنه علم أن الرسول عليه الصلاة والسلام يخشى أن يفتتن الناس بها ويتكلوا عليها، وقد جزم رضي الله عنه أن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يُرِدْ كتْمَها مطلقًا؛ لأنه لو أراد كتْمَها مطلقًا ما أخبر بها معاذًا، ولكنه عليه الصلاة والسلام أخبر بها مَن يعرف معناها، وأما مَن لا يعرف معناها ويخشى أن يفتتن فيتكل فهذا لا بأس ألَّا يُخْبَر بها.
(السادسة عشرة: جواز كتمان العلم للمصلحة)، وهذه ما هي على إطلاقها، حتى المؤلف ما أراد الإطلاق: (جواز كتمان العلم للمصلحة)؛ لأن كتمانه على وجه الإطلاق ليس بمصلحة، لكن كتمانه في بعض الأحوال أو عن بعض الأشخاص قد تقتضيه المصلحة، كما أن العمل قد تقتضي المصلحة ترْكَه، وإن كان مصلحة.
همَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أن يهدم الكعبة ويبنوها على قواعد إبراهيم ، لكن منعه من ذلك مصلحة خوف أن يفتتن الناس؛ لأنهم كانوا حديثي عهد بكفر، وأسرَّ ذلك إلى مَن؟ إلى عائشة.
فالمهم أن كتمان العلم لمصلحة جائز، ولكن ليس من المصلحة كتمانُه أو كتمانُه على سبيل الإطلاق، بل لا بد من العلم، ولكنه قد يكون مصلحة ثم (...) في بعض الأشخاص أو في بعض الأحوال، فلكل مقامٍ مقالٌ. أما كتمانه على سبيل الإطلاق فلا؛ فلهذا أخبر معاذ بهذا الحديث، وكان من حكمة الله عز وجل أن يخبر به (...)، يظن الإنسان إذا أخلص في العبادة وإن لم يتعبد بما شرع الله يكفي.
طالب: (...) فله الجنة.
الشيخ: إيه، أي مَن عمل هذا الشيء فله الجنة مع وجود الإخلاص وبقية الأعمال الأخرى.
طالب: كلام المؤلف ليس على إطلاقه.
الشيخ: أيها؟
الطالب: (...).
الشيخ: إحنا قلنا: ما عرفوا، إما لأنهم ماتوا قبل أن يبيِّنها معاذ؛ لأن معاذًا..
الطالب: (...) الآيات التي وردت..
الشيخ: دعنا من الآيات، المؤلف يتكلم عن الحديث، يقول: أكثر الصحابة ما يعرفون، لماذا؟ لأنهم ماتوا قبل أن يُخبِر به معاذٌ.
الطالب: يقصد الحديث.
الشيخ: يقصد هذه المسألة، ويحتمل أيضًا أن هذه المسألة التي خافها الرسول عليه الصلاة والسلام، ولكن هذا ما هو بالظاهر؛ لأن أكثر الصحابة يفهمون ما قاله الرسول عليه الصلاة والسلام، ولا يتَّكل إلا أفرادٌ من الصحابة، أما بالنسبة لموتهم قبل إخبار معاذ فهذا كثير.
طيب جواب ما صحته؟ أن هذا مقيد به في بعض الأحوال أو الأشخاص، وليس كتمان العلم دائمًا من المصلحة، الدليل على جوازه من أين نأخذه؟ مِن فِعْل معاذ ولَّا من قول الرسول صلى الله عليه وسلم.
طلبة: من قول الرسول صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: من قول الرسول: «لَا تُبَشِّرْهُمْ» . فإن معناه: اكتُمْه عنهم، لا تخبرهم بذلك. ونظير هذا ما حدَث لأبى هريرة حيثُ أعطاه النبيُّ عليه الصلاةُ والسلامُ نَعْلَيْهِ، وقال: «بَشِّرِ النَّاسَ أَنَّ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ صَادِقًا مِنْ قَلْبِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ» . أو كما قال عليه الصلاة والسلام نسيت لفظ الحديث، لكنه وافق عمر فضربه في صدره حتى سقط على الأرض، وقال: ما يمكن تقول للناس هذا الكلام، هذا ما يصير. حتى رجع إلى النبي عليه الصلاة والسلام وحصل بقية الحديث.
فالحاصل أنه قد يكون في بعض الأحيان الإخبار بالعلم يكون فيه فتنة تقف الآن أمام أناس عصاة كل ما تُذكرهم بآيات الوعد والرجاء مناسب ولَّا ما هو مناسب.
طلبة: غير مناسب.
الشيخ: ويش المناسب؟ ذكر آيات الوعيد نعم لو جاءوا مقبلين وقالوا: والله إحنا فعلنا كذا وكذا، إحنا سرقنا زنينا قتلنا النفس بغير حق، أشركنا بالله. وتعرف أنهم يريدون التوبة ويش نذكرهم؟ بآيات الوعد والرجاء؛ لأن لكل مقام مقالًا.
طالب: في الحديث ما يدل على أن هناك فرقًا بين البشارة والإخبار (...)؟
الشيخ: لا، معناه (أفلا أبشر الناس؟) يعني: أخبرهم بهذا الخبر لأنه بشرى؟ هذا المعنى، ما هو معناه أن أقول: أبشرهم؟ وهو يقول: «لَا تُبَشِّرْهُمْ»؛ لأنه إذا قلت: قال الرسول صلى الله عليه وسلم. فهذا لا بأس به.
(الثامنة عشرة: الخوف من الاتكال على سعة رحمة الله)، منين تؤخذ؟
طالب: النهي عن..
الشيخ: «لَا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا» . وهذا صحيح؛ لأن الاتكال على رحمة الله يوجب مفسدة عظيمة، وهى الأمن من مكر الله، فإن الإنسان يعصي الله ثم تأتيه النعم تباعًا تشوفه يقول: والله الحمد لله، الله رحيم (...). وهو ماشي في معصية الله، فيتكل على رحمة الله ويأمن مكره.
كما أن الأمر بالعكس لو جاء مسألة القنوط، أن الإنسان يقنط من رحمة الله عز وجل (...) ويستبعد التوبة ويستبعد التوفيق فينحسر، فهذا أيضًا يوجد من بعض الناس، قد يوجد من بعض المسرفين على أنفسهم أنهم ييأسون، يقول: فات الأمر. هذا غلط، بل إن الله تعالى رحمته واسعة، فأقْبِل إلى الله كل هذا يُمْحَى.
ولهذا قال العلماء: ينبغي أن يكون سَيْرُ العبد إلى ربه بين الخوف والرجاء، قال الإمام أحمد: ينبغي أن يكون سائرًا إلى الله بين الخوف والرجاء، فأيهما غَلَبَ هلك صاحبُه، إن غلَّبْتَ الرجاء -وفيه مفسدة من أين المفسدة تأتي؟- الأمن من مكر الله، وإن غلَّبْت الخوف جاء القنوطُ من رحمة الله، خلِّيك بين بين.
وقال بعض العلماء: إن كان مريضًا فالأَوْلى أن يُغَلِّب جانب الرجاء، وإن كان صحيحًا فلْيُغَلِّب جانب الخوف. هذان قولان.
وقال آخرون: بل الأَوْلى إذا نظر إلى رحمة الله وفضله أن يُغَلِّب جانب الرجاء، وإذا نظر إلى فعله وعمله يُغَلِّب جانب الخوف. ويستدلون لذلك بقول الله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ [المؤمنون: ٦٠] أي: خائفة أن لا يكون تُقُبِّل منهم لتقصير أو قُصور. وهذا القول جيد؛ بأن يكون الإنسان له نظران: نظر إلى رحمة الله عز وجل فيُغَلِّب جانب الرجاء، إن عمل صالِحًا غلَّب أن الله قَبِلَه، إن عمل سيئًا أقبل إلى الله بالتوبة وغلَّب جانب الرجاء لقبول التوبة.
ويُغَلِّب إذا نظر إلى فعله وقصوره وتقصيره وتفريطه أو إفراطه غلَّب جانب الخوف، حتى إذا نظر إلى فعله وغلَّب جانب الخوف أقبل على الله وتاب. وإذا نظر إلى رحمة الله ما يقول: أنا والله عملتُ وأقسم إنه مثلًا ما يُقبَل منه ما دام أنه يعمل على (...) فلْيُغَلِّب جانب الرجاء بالنسبة إلى الله وجانب الخوف بالنسبة إلى عمله.
(التاسعة عشرة: قولُ المسؤول عما لا يعلم: اللهُ ورسولُه أعلمُ).
طالب: نسيت السابعة عشرة.
الشيخ: ما عدِّينا عليها؟
(السابعة عشرة: استحباب بشارة المسلم بما يسره)، هذه من أحسن الفوائد: (استحباب بشارة المسلم بما يسره)، من أين تؤخذ؟ من الحديث: «أَلَا أُبَشِّرُ النَّاسَ» . فدل هذا على أن البشارة مطلوبة بما يسره من أمر الدين والدنيا ولَّا من أمْر الدين فقط؟
طلبة: أمر الدين والدنيا.
الشيخ: نعم أمر الدين والدنيا؛ فلهذا بشَّر النبيُّ عليه الصلاة والسلام أهلَه بابنه إبراهيم، فقال: «وُلِدَ لِيَ اللَّيْلَةَ وَلَدٌ وَسَمَّيْتُهُ إِبْرَاهِيمَ» عليه الصلاة والسلام. وكذلك إبراهيم بشرته الملائكة: إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ [الحجر: ٥٣]، أو فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ [الصافات: ١٠١]، الغلام العليم غير الغلام الحليم، الغلام العليم إسحاق، والغلام الحليم إسماعيل. فالمهم أن البشارة بما يسر المرءَ في دينه أو دنياه هذا أمر مطلوب.
ونأخذ منها أيضًا فائدة ثانية: وهى أنه ينبغي على الإنسان إدخالُ السرور على إخوانه المسلمين ما أمكن، سواء إدخال السرور عليهم بالقول أو بالفعل، يعنى بعض الناس مثلًا إذا لاقيته بوجه منطلق، وأقول هذا وأنا مقصر في هذه الأمور، أنا مقصر في مسألة انطلاق الوجه؛ لأن هذا طبيعة فيَّ وأسأل الله أن (...)، لكن الكلام على أنه إذا لاقيت صاحبك بوجه منطلق فهذا مما يُدخِل السرورَ عليه، أو بشَّرته بما يسره؛ أبشر ما شاء الله.
طيب لو تُخْبِره مثلًا بأن جوابك صحيح وجيد وعملك زين مثلًا؟
طلبة: (...).
الشيخ: هذه تكون بشرط أنك ما تخدعه، أما إن خدعته في عمله السيئ جدًّا فقلت: والله يا شيخ هذا طيب. يُبْقِي على هذا العمل الردي، يعني افرض مثلًا أنك أعطيتَه يُعرب بيتًا من الألفية، أو يشرح بيتًا من أبيات الألفية أو من العقيدة أو آية من القرآن، وجاب الشرح يعنى شرْح ما هو بمستواه أقل من مستواه بكثير، بس تقول: والله هذا بحث طيب ما شاء الله (...) ولَّا لا؟ ما تقول هذا، لكن تقول مثلًا: أرجو أن يكون هذا مثلًا أن هذا مبتدأ المطاف أو مبتدى السعي، وأنه إن شاء الله تعالى بكم تقدم أكثر، والحقيقة أنه أعجبني -وتعتقد أنه ما أعجبك يعنى سياق الكلام- أعجبني اجتهادُك فيه. لأن المجتهد وإن أخطأ له أجر.
فالحاصل من ها المسائل هذه البشارة وإدخال السرور يجد الإنسان فيها خيرًا كثيرًا، ويكفي بأن الله سبحانه وتعالى يجازيك بمثل ما عملت؛ لأن الجزاء من جنس العمل تكون أنت بنفسك دائمًا مسرورًا وفي فرح، «وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» .
ولهذا يقولون: (علم الرجال ولا الفنجان) صحيح ولَّا لا؟ (علم الرجال ولا الفنجان) يعنى كوني أجلس عند الرجل ويحدثني بحديث طيب (...) ويوسع صدري أحسن ما يكون يعطيني فنجانًا أو إبريق شاي، فبينهما فرق.
يبقى الحاصل من ها المسائل هذه مثل ما قال المؤلف رحمه الله: استحباب بشارة المسلم بما يسره أمْرٌ ينبغي التفطن له؛ لأنه مفيد جدًّا ومهم.
طالب: (...).
الشيخ: أيهم؟
الطالب: (...).
الشيخ: لا أبدًا لا النفس (...) المقصود به الإنسان يمدح لأجل نفسه، وأما قد يمدح لأجل نفع غيره وتشجيعه على الخير فهذا لا؛ لأن الله مدح أهل الخير بأعمالهم الحسنة، والنبي عليه الصلاة والسلام قد يثني على المرء في حياته وبعد مماته.
طالب: (...).
الشيخ: مثل ما قال الرسولُ عليه الصلاة والسلام في -أظنه- عامر بن الأكوع قال: «قَلَّ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا عَرَبِيٌّ مِثْلُهُ، إِنَّهُ لَجَاهِدٌ مُجَاهِدٌ » .
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم، كراهة أن يذكر بما يسوؤه، وهذا أيضًا فائدة؛ لأن بعض الناس يسوق الأشياء التي تدخل الحزن على الناس، هذه ما ينبغي إلا في بعض الأحوال، إذا صار أنه يمكن معالجة هذا الأمر نعم هذا طيب (...) على معالجته، أو أنه يفيد في الإصلاح فهذا طيب، أما إدخال السوء على المسلم فهذا لا ينبغي.
يُروى عن النبي عليه الصلاة والسلام من حديث ابن مسعود أنه قال: «لَا يُحَدِّثْنِي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ بِشَيْءٍ، فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ وَأنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ» . وهذا الحديث فيه ضعف لكنه حقيقة الأمر إنه عملي ومفيد، يعنى ما ينبغي أن الإنسان يبحث عن عيوب الناس أو يحرص على أن أحدًا يذكر أحدًا عنده بسوء؛ لأنك إذا ذُكِر عندك رجل بسوء لو أنه يعاملك معاملة طيبة ويحترمك يعنى لا بد أن يكون في قلبك شيء عليه مهما كان، لكن إذا كنت تعامله وأنت لا تعلم عن سيئاته ولا فيه محظور أني مثلًا أتعامل معه فهذا يكون أصوب وربما يأخذ منى أكثر (...) والنفوس إن لم تنفر ينفر بعضها من بعض قبل الأسباب، فالمهم أن هذه المسائل الحقيقة دقيقة ومسائل محل دراستها علم النفس لكن الإنسان العاقل يفهمها.
(التاسعة عشرة: قول المسؤول عما لا يعلم: اللهُ ورسولُه أعلمُ) مَن الذي رده؟
طلبة: معاذ.
الشيخ: معاذ قال: الله ورسوله أعلم. وأقره النبي صلى الله عليه وسلم.
هنا إشكال، أولًا: الواو (الله ورسوله) ولم ينكر عليه الرسول صلى الله عليه وسلم عطْفَ رسول الله على الله في الواو، وأنكر على الرَّجُلِ الذي قال: ما شاءَ اللهُ وشئتَ، قال: «أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا؟ قُلْ: مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ» . فهل بينهما تناقض أو لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: معاذ قال للرسول عليه الصلاة والسلام: الله ورسوله أعلم. فقرن علم الرسول بعلم الله، ولا قال الرسول: أجعلتني لله ندا؟! وقال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: ما شاء الله وشئْتَ، فأنكر عليه وقال: «أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا؟». ويش الفرق بينهما؟
طالب: هذه تتعلق بالمشيئة، وهذه تتعلق بالعلم، حيث إن المشيئة تكون من جانب الله أَوْلَى، يعنى ثم لا يجوز أن تعطفها لأن إذا عطفناها يعني ساوينا الله عز وجل والنبي صلى الله عليه وسلم بالمشيئة. وأما العلم فهو يعني لأن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم هذا الشيء رسالة مستقبلية من عند الله عز وجل، أو إذا أخبرني فقلْتُه.
الشيخ: طيب فيه شيء ثاني؟
طالب: نعم، يقال: عطْفُ الرسول على الله سبحانه وتعالى له فائدتان، هما الخبرية و(...).
الشيخ: إيه، وأنت يا إسماعيل.
طالب: (...) العلم إلا من الله.
الشيخ: ولا يشاءُ إلا أن يشاءَ اللهُ أيضًا.
الجواب في الحقيقة ما قاله الأخ محمد، العلوم الشرعية عند رسول الله عليه الصلاة والسلام منها علم، لكن الأمور الكونية ما تتعلق بالتدبير والمشيئة من الأمور الكونية القدرية، لكنَّ العلم الشرعي الرسول عليه الصلاة والسلام عنده علم سواء كان وحيًا فعليًّا أو إقراريًّا، على هذا يجوز نحن الآن أن نقول: لو قال لنا قائل: هل سيقع في هذا الشهر أمطار؟ يجوز نقول: الله ورسوله أعلم؟!
طلبة: لا، نقول: الله أعلم.
الشيخ: لأن الرسول ما يعلم هذا، لكن لو سألَنا سائلٌ: هل يحرم صوم يوم العيدين؟ ونحن لا ندري، نقول: الله ورسوله أعلم؟
طلبة: إي نعم.
الشيخ: لأن هذا علم شرعي، والرسول عنده علم منه بلا شك؛ ولهذا الصحابة عندما تشتبه عليهم المسائل أين يذهبون؟ إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فيحلها لهم.
نظير ذلك الإتيان الكوني والإتيان الشرعي، قال الله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ [التوبة: ٥٩]؛ لأن هذا إتيان شرعي، قسمة المال الشرعية الرسول يعلمها وله حظ منها يؤتيها، لكن لو تقول مثلًا: هل الرسول عليه الصلاة والسلام يؤتي أحدًا رزقًا؟! يرزق أحدًا الآن؟!
طلبة: ما ينفع.
الشيخ: ما ينفع فهناك فرق بين الأمور الكونية والأمور الشرعية.
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم (...) لأنه ما عاد من الشريعة وإن مات.
الطالب: ففي الأمور يعني (...).
الشيخ: لأنه ما من أمر حادث إلا وله حكم من القرآن والسنة، كل أمر حادث لا بد أن يكون حكمه موجودًا في الكتاب والسنة؛ لأن الله يقول: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة: ٣]، لكن الذي يخشى تطبيق هذا على سابقة ما، فإن الناس فيه ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: قسم يصيب، وقسم يخطئ، وقسم لا يدري. أما حقيقة الأمر فإنه ما من أمر يقع إلى يوم القيامة إلا وقد عُلم حكمه بالكتاب والسنة، إما نصًّا ظاهرًا أو صريحًا أو منطوقًا أو مفهومًا أو مستنبطًا أو قياسيًّا.
طالب: (...) النبي صلى الله عليه وسلم..
الشيخ: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل: ٨٩] كل شيء، تدري محمد عبده رحمه الله كان جالسًا مع رجل نصراني في أحد مطاعم فرنسا، قدَّم لهم صاحب المطعم طعامًا.
طالب: (...).
الشيخ: لا ما هو بالْمُغَنِّي، لا محمد عبده هذا أستاذ في مصر عالم معروف.
طالب: نعم معروف صاحب كتاب تفسير المنار.
الشيخ: شيخُ صاحبِ المنار، شيخُ محمد رشيد رضا، المهم أنه كان في مطعم من مطاعم باريس، فقدَّم صاحب المطعم طعامًا (...)، فقال النصراني لمحمد عبده: في القرآن وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل: ٨٩]. قال: نعم. قال: فأَخْرِج لي من القرآن كيف نصنع هذا الطعام؟ ختمت القرآن ما فيه كيف يصنع الطعام (...) ما فيه. قال له: طيب هذا موجود في القرآن. قال: ما هو موجود. قال: موجود في القرآن. دعا صاحب المطعم قال: تعال، كيف صنعت هذا الطعام؟ قال: جئت بكذا وجبت كذا.. إلى آخره. قال: هذا ما أرشدنا إليه القرآن. قال: وين؟ قال: لأن الله يقول: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [النحل: ٤٣]، فأنا ما أدري. قال: لا بد ماذا أصنع؟ أسأل، فالقرآن فيه تبيان كل شيء، بس إنما الذي يخفى هو استخراج هذا الحكم من القرآن والسنة.
(العشرون: جواز تخصيص بعض الناس بالعلم دون بعض)، هذا واضح، منين؟
طلبة: خصَّ الرسولُ..
الشيخ: خصَّ الرسولُ صلى الله عليه وسلم معاذًا بهذا العلم دون أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، فيجوز أن يخصَّص بعض الناس بالعلم دون بعض على حسب الحال، وهذا صحيح أيضًا فسِّرْه بالنسبة للوقت الحاضر من الناس مَن لو أخبرته بشيء من العلوم افتتن. وقال ابن مسعود: إنك لن تحدث قومًا حديثًا لا تَبْلُغُه عقولُهم إلا كان لبعضهم فتنة . وعن علي قال: حدِّثِ الناسَ بما يعرفونه . فبعض الناس يمكن ما يحسن أن تحدثه بكل شيء، فتخصص بعض الناس بعلم دون بعض حسب مقدرته، وحسب فهمه، وحسب قبوله لهذا العلم.
(الحادية والعشرون: تواضعه صلى الله عليه وسلم لركوب الحمار مع الإرداف عليه)، إي والله، الرسول عليه الصلاة والسلام لا شك أنه أشرف الخلق جاهًا، ولو شاء أن يركب على ما يريد لَرَكِب، لكنه عليه الصلاة والسلام أشدُّ الناس تواضعًا، ركب الحمار وزيادة على ذلك ما انفرد به بل أردف عليه، مع أن الكُبَراء ما يرضَوْن أنهم يُرْكِبون أحدًا، حتى أنهم إذا رأوا واحدًا يمشى (...) تعالى تركب مع فلان على ظهر دابته؟
أما الرسول عليه الصلاة والسلام فهو أشد الناس تواضعًا، ركب الحمار وأردف معاذًا خلفه، ولا رأى في ذلك أي منقصة، بل حقيقة الأمر أن الذي يتواضع لله عز وجل لا إذلالًا لنفسه أن الله يرفعه.
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم، بعض الناس يعطيه الله نعمة ولكن ما يفعلها يُذِل نفسه لا يريد أن يتواضع لله سبحانه وتعالى بحيث إن الناس ما يتمارَوْن في هذه النعمة، مثلًا يعطيه الله قدرة على أن يركب سيارة يقول: لا ما براكب سيارة، أبغي أركب حمارًا. ما أحس التواضع لله سبحانه وتعالى وأن الناس لا تنكسر قلوبهم إذا رأوه ركب هذا الشيء، لكن بس يذل نفسه ويمنعها مما أباح الله لها، ففرق بين الأمرين.
(الثانية والعشرون: جواز الإرداف على الدابة)، من أين يؤخذ؟
طلبة: من الحديث.
الشيخ: من إرداف النبي صلى الله عليه وسلم معاذًا، ولكن بشرط أن تكون الدابة قادرة على ذلك، فإن لم تقدر وشق عليها هذا فلا يجوز.
(الثالثة والعشرون: فضيلة معاذ)، لماذا؟
طلبة: التخصيص.
الشيخ: تخصيص الرسول صلى الله عليه وسلم له بهذا العلم، وإردافه إيَّاه أيضًا.
(الرابعة والعشرون: عظم شأن هذه المسألة).
عظم شأن هذه المسألة؛ ولهذا ساقها النبي عليه الصلاة السلام لمعاذ، وجعلها من الأمور التي يُبَشَّر بها. اللهم صلِّ وسلِّم على رسول الله (...).
فيما سبق ذكر كتاب التوحيد، يعنى وجوب التوحيد وأنه لا بد منه، وأنه هو معنى قوله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦]؛ إذ لا عبادة إلا بالتوحيد، ذكر هنا (فضل التوحيد)، واعلم أنه لا يلزم من ثبوت الفضل للشيء لا يلزم منه أن يكون غير واجب، فإن ذكر الفضل للشيء معناه آثاره ونتائجه.
فإذا قلنا: إن في التوحيد فضلًا، فليس معنى ذلك أن التوحيد ليس بواجب، وبهذه القاعدة التي أسَّسْناها، وقد سبق أن تكلمنا عليها، وتبينوا ضعف استدلال مَن قال: إن صلاة الجماعة غير واجبة بقوله صلى الله عليه وسلم: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ» . قالوا: فكونها أفضل دليل على أنها ليست بواجبة.
فيقال: لا يلزم من ثبوت الفضل في الشيء أن يكون غير واجب، بل هو واجب وفيه فضل، فالتوحيد أوجب الواجبات، ولا تُقبل الأعمال إلا به، ولا يتقرب العبد إلا به، ومع ذلك ففيه فضل، وسيذكر المؤلف من فضائله ما تدل عليه الآية والأحاديث.
وقوله: (وما يكفِّر من الذنوب) معطوفة على أي شيء؟ على (فضل) ولَّا على (التوحيد).
طلبة: على فضل.
الشيخ: نشوف، إذا قلنا: معطوفة على (التوحيد) صار المعنى: (باب فضل التوحيد وفضل ما يُكفِّر من الذنوب) يستقيم ولَّا ما يستقيم؟ ما يستقيم. وإذا قلنا: إنها معطوفة على (فضل) صار المعنى: (باب فضل التوحيد وباب ما يُكفِّر من الذنوب) يستقيم ولَّا ما يستقيم؟
طلبة: يستقيم.
الشيخ: يستقيم، و(باب ما يُكفِّر من الذنوب)؛ لأن هذا الباب عُقِد لأمرين: لبيان فضل التوحيد، ولبيان ما يُكفِّر التوحيدُ من الذنوب؛ لأن التوحيد سببٌ فى تكفير الذنوب، وعدم الخوف عليه.
طالب: معطوف على أيش؟
الشيخ: معطوف على (فضل)، يعني: (وباب ما يُكفِّر من الذنوب)، طيب (ما يكفره من الذنوب) هو في الحقيقة من آثار فضله، من آثار فضله أنه يكفِّر من الذنوب، ومن فضائل التوحيد أنه أكبر دعامة للرغبة في الطاعة؛ لأن الموحِّد دائمًا يَرْغَبُ الطاعة لأنه يعمل لِمَنْ؟
طلبة: لله.
الشيخ: لله سبحانه وتعالى، وغير الموحِّد ما يعمل إلا حيث يجد هواه، خاصة افرض -والعياذ بالله- إنسان مُراءٍ يَذْكُرُ رياءً ويصلى رياءً ويتصدق رياءً، متى يفعل هذه الأشياء؟ إذا كان عنده مَن يراه، لكن إذا كان موحِّدًا مخلصًا لله عز وجل فإنه يفعله سرًّا وعَلَنًا، بل إن بعض السلف قال: إني لأود أن أتقرب إلى الله بطاعة لا يكتبها الحفظة. ويش لأجل؟ لأجل ألَّا يعلموا بها وتكون سرًّا بينه وبين الله، هذا الإخلاص في الحقيقة.
أما أن الإنسان يتعرض للناس ويرونه ويمدحونه وما أشبه هذا نقص وتفريط كبير، فمن فضائله أنه أكبر عون للإنسان على فعل الطاعة، ومن فضائله ما ذكره في قوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام: ٨٢]، الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُواويش معنى وَلَمْ يَلْبِسُوا؟
طلبة:لم يخلطوا.
الشيخ:لم يخلطوا إيمانهم بظلم، لما قال: إيمانهم بظلم، عرفنا هنا أن الظلم يقابل الإيمان، وهو الشرك كما فسره النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، يكون هذا الإيمانُ خالصًا ولَّا لا؟ خالصًا ما فيه ظلم، هؤلاء لَهُمُ الْأَمْنُ، أثبتَ اللهُ لهم الأمنَ، ومعنى ذلك أنهم آمِنون من الخلود في النار إذا فسَّرْنا الظلمَ بأعلاه، وهو ما فسره به النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الشرك لا شك أنه من الظلم لكنه أعظمُ الظلم.
فإذا وُجد الظلمُ هذا الذي هو أعظمُ الظلم ما حصل أمْنٌ إطلاقًا، وإذا انتفى هذا الظلم حصل الأمن، ولكن يبقى أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُهل هذا الأمن كامل؟ الآية هنا ما بيَّنَتْ، لَهُمُ الْأَمْنُ، لكن هل هو كامل ولَّا غير كامل، أرجو الانتباه لأن هذه الآية فيها نوع من الإشكال، هنا أثبت الله الأمن لِمَن لم يشرك أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: إذن مَن لم يشرك فهو آمِنٌ، لكن هل هو أمْنٌ مُطلَق أو مُطلَق أمن، الآية ما بيَّنَتْ، إنما هو آمِن، لكنه إن كان الإيمان كاملًا لم يخالطه معصية فالأمن مطلق، يعني إن كان الإيمان مطلقًا فالأمْنُ أمْنٌ مطلق، وإن كان الإيمان مطلقَ إيمانٍ فله مُطلَق أمْنٍ، عرفتم؟ فمثلًا الإنسان اللي يفعل الكبائر هذا له الأمن من وجه وليس آمِنًا من وجه، الخلود في النار آمِنٌ منه ولَّا لا؟
طلبة: آمِن.
الشيخ: آمِنٌ منه، ما يمكن يخلد في النار. العذاب؟
طلبة: ليس آمنًا.
الشيخ: ليس آمِنًا؛ لأن الله يقول: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء [النساء: ٤٨]، فتبين بهذا أن الإيمان المطلق يقابَل بالأمن المطلق، ومطلَق الإيمان بمطلَق الأمن، يعني ليس بالأمن الكامل، إنما على كل حال هو آمِنٌ من الخلود، أما أن يكون آمِنًا من عذاب الله فهذا تحت المشيئة، وأن لا بد أن نجمع بين كلام الله عز وجل.
كلام الله لا يتناقض، إذا كان لا يشرك بالله فهو آمِنٌ من الخلود في النار لكنه ليس آمِنًا من العذاب؛ لأنه تحت مشيئة الله عز وجل، ولكن مَن وافى الله سبحانه وتعالى عند أجله مُحَقِّقًا للتوحيد فإنه يأمن حتى من العذاب كما سيأتي إن شاء تعالى في الأحاديث؛ لأنه في هذه الحال أقصى ما عنده من الإيمان هو هذا؛ إذ إنه وصل إلى الموت ما يستطيع يعمل، لكنه حقَّق التوحيد عند الموافاة، وحينئذ يأمن أمْنًا كاملًا.
هذه الآية ذكرها إبراهيم صلى الله عليه وسلم ردًّا على قومه حين قال: وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [ الأنعام: ٨١]. أنا قلت: إبراهيم، وأنا أخطأت، قالها الله تعالى حَكَمًا بين إبراهيم وقومه (...): كَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ. قال الله عز وجل: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام: ٨٢]، على أنه قد يقول قائل: إنه من كلام إبراهيم ليبين لقومه؛ ولهذا قال بعدها: وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِه [الأنعام: ٨٣].
قوله: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ [الأنعام: ٨٢]، لما نزلت الآية هذه؛ أصحابُ النبي صلى الله عليه وسلم شقَّ عليهم ذلك، وقالوا: يا رسول الله، أيُّنا لم يظلم نفسه؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَيْسَ الْأَمْرُ ذَلِكَ -يَعْنِي مَا تَظُنُّونَ- وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ الشِّرْكُ، أَلَمْ تَسْمَعُوا قَوْلَ لُقْمَانَ: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: ١٣]» . ولا شك أن الشرك أظلم الظلم في حق الله عز وجل، لكن هناك ظلم بين الإنسان وبين العباد، وهناك ظلم بين الإنسان وبين نفسه، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: طيب الإنسان قد يظلم نفسه فلا يعطيها حقها، مثل أن يصوم فلا يفطر، ويقوم فلا ينام، هذا ظلم للنفس أليس كذلك؟ لكن هل هو ظلم في حق الله؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما هو ظلم، هو ما عمل إلا لأجل أن يقوم بحق الله عز وجل، لكنه ظلمٌ لنفسه والله تعالى ما يرضى منه ذلك.
الإنسان قد يظلم غيره يعتدي على شخص بقتل أو جرح، أو أخْذ مال أو ما أشبه ذلك، ويش يصير بالنسبة لنفسه؟ ما ظلمها ظاهرًا لأنه نال هواه ومقصوده، لكن بالنسبة لغيره ظلمَه.
الظلم في حق الله الشرك به، والله تعالى لا يغفر أن يُشرَك به. ما وجه أو ما مناسبة هذه الآية للترجمة؟ مناسبتها أن الله تعالى أثبَتَ الأمن لمن لم يشرك، والذي لم يشرك ويش يقال له؟ مُوَحِّد.
إذن من فضائل التوحيد حصولُ الأمن للموحد؛ لأنه لم يَلْبِس إيمانه بظلم، فدل ذلك على أن من فضائل التوحيد ثبوتَ الأمن، طيب في (...) أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ: مهتدون بالدنيا ولَّا في الآخرة؟
طلبة: في الدنيا والآخرة.
الشيخ: في الدنيا والآخرة نعم؛ لأنه مُطلَق، مهتدون في الدنيا إلى شرع الله بالعلم والعمل، فالاهتداء بالعلم بداية الإرشاد، والاهتداء بالعمل بداية التوفيق. مهتدون في الآخرة إلى طرق مَن؟ إلى طريق الجنة، قال الله تعالى: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيم [الصافات: ٢٢، ٢٣]: (اهدوهم) هذه هداية الآخرة إلى صراط الجحيم.
أهل الجنة يُهْدَوْن إلى صراط أهل الجنة إلى صراط النعيم، فإذن الهداية وإن كان كثيرٌ من المفسرين قالوا: أولئك لهم الأمن في الآخرة والهداية في الدنيا. فالصواب أن الآية عامة، لا بالنسبة للأمن ولا بالنسبة للهداية في الدنيا والآخرة.
طالب: الأمن في الآخرة (...).
الشيخ: لا، قد يكون أمْنٌ بعد أن يضل الإنسان ولا يهتدي بسرعة، يعني قد تصل إلى المقصود تنجو لكن بعد طُرُق بعيدة، لكن إذا كنت تُهْدى يكون أسهل.
طالب: الآية ما تدل على أن انتفاء أدنى ظلم، وأنه يحصل به الأمن (...).
الشيخ: لا.
الطالب: (...).
الشيخ: نعم، الظلم فسَّره النبي عليه الصلاة والسلام.
الطالب: (...) بس أدنى أنواع الشرك يعني..
الشيخ: نعم أدنى أنواع الشرك؛ لأن الشرك كما مر علينا ما يُغْفَر ولو كان أصغر، وإنما ما دون الأكبر لا شك أنه مآلُه إلى الجنة.
الطالب: بس هل تدل على ما دون (...)؟
الشيخ: (...) أنه إذا وجد الشرك ولو أصغر ما يحصل أمْنٌ إطلاقًا.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: هذا صحيح، هذا ربما نقول: ظاهر الآية، لكن النصوص الأخرى تدل على أن الشرك الأصغر لا يمكن أن يخلد صاحبه في النار.
طالب: (أل) في الأمن.
الشيخ: للجنس، ألف الأمن للجنس.
الطالب: ما تصلح للعهد؟
الشيخ: ما تصلح (...).
الطالب: أن مَن حصل له الإيمان فيحصل له الأمن المطلق.
الشيخ: لا (...) وهو الأمن المطلق كما يدل الحال عليه (...)؛ ولهذا فسرناه بأنا قلنا: إن الأمن مطلق، أو مطلقًا حسب الظلم الذي تلبَّس به الإنسانُ.
و(عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَكَلِمَتَهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ وَالنَّارُ حَقٌّ؛ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْعَمَلِ» أخرجاه ).
قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» الشهادة ما تكون إلا عن علم؛ لقوله تعالى: إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [الزخرف: ٨٦]. فلا بد مِن عِلْم سابق، هذا العلم السابق قد يكون مكتسبًا، وقد يكون غريزيًّا، كل إنسان كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» . فعِلْمُه بأن لا إله إلا الله غريزيٌّ، لكن قد ينضاف إلى ذلك أن يكون أيضًا مكتسبًا، غريزيًّا ومكتسبًا، كيف يكون مكتسبًا؟
التدبرُ في آيات الله سبحانه وتعالى، تدبُّرُ آياتِ الله والتفكر فيها يزيد هذه الغريزة حتى يكون أمْرًا مفروضًا عنده؛ ولذلك ما يمكن واحد يقول: أنا أشهد، وقلبُه ما يدري ويش الإله؟ هذا كيف تشهد بأن لا إله إلا الله وأنت ما تدري ويش معنى لا إله إلا الله؟! فلا بد من عِلْم ثم شهادة.
هل يوجد العلم وتنتفي الشهادة؟ إي نعم يوجد العلم وتنتفي الشهادة مثل ما وجد عند قريش، فإنهم يشهدون أن الله موجود وأنه الخالق والرازق، ويعلمون ذلك وينطقون به، لكنهم ما يقولون: إنه هو المعبود وحده.
وقوله: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ». قوله: (لا) أولًا: (أنْ لا إله إلا الله) (أنْ) هذه مخففة من الثقيلة؛ ولهذا يغلط بعض الناس فيقول: أشهد أنَّ لا إله إلا الله، ما يجوز هذا، لُغَةً ما يجوز: أشهد أنَّ لا إله إلا الله؛ لأن (أنَّ) المشددة ما يمكن يُحذف اسْمُها، لكن (أنْ) المخففة يمكن يُحذف اسْمُها ويكون ضميرَ الشأن.
وعلى هذا نُصَحِّح عبارة بعض الناس قد يُشَدِّدها المؤذن يقول: أشهد أنَّ لا إلا الله، ويجعلها مثل: أشهد أنَّ محمدًا. والصواب: أشهد أنْ لا إله إلا الله، فهي مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، وجملة (لا إله إلا الله) خبرها.
طالب: ما يجوز له يقوله بالمعنى (أنَّ).
الشيخ: ما هو بيصير، لا بد أن يكون باللغة العربية.
طالب: (...).
الشيخ: أشهر المتأخرين ما هم بيكتون (...)، إذا جاءت (أن) مُدغمة ما هم بيكتبونها، ولكنها المعروف أنها تُكتب، والسبب -والله أعلم- لأن (لا إله إلا الله) جملة مستقلة ينبغي ألا يخالطها شيء.
وقوله: (لا إله إلا الله) (لا إله) بمعنى (مَأْلُوه)، وليست بمعنى: (آلِه)، فـ (إِلَه) هنا بمعنى (مَأْلُوه) لا بمعنى (آلِه).
طيب لها نظير في اللغة العربية (فِعَال) من (المفعول)، مثل (فِرَاش) أي (مفروش)، (غِرَاس) أي (مغروس)، (بِناء) أي (مَبْنِيّ). إذن (إِلَه) أي (مَأْلُوه)، ومعنى (مَأْلُوه) أي: (معبود) حُبًّا وتعظيمًا، تَأْلَهُهُ القلوبُ: تُحِبُّه تُعَظِّمُه لِمَا تَعْلَمُه من صفاتِه الحميدة وأفعالِه الجميلة، سبحانه وتعالى فهو محبوبٌ مُعَظَّم، فـ (إِلَهٌ) بمعنى (مَأْلُوه).
طيب إذا كان بمعنى (مَأْلُوه) وقلنا: (لا إله إلا الله) كذَّبَنا الواقعُ، فإنه يوجد مألوهٌ سوى الله، أليس كذلك؟ ولهذا قالت قريش في حق الرسول صلى الله عليه وسلم: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص: ٥].





