«الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ» ويش معنى يسترقون؟
طلبة: يطلبون الرقية.
الشيخ: استفعل: بمعنى طلب الشيء؛ استغفر: طلب المغفرة، استجار:
طلب الجوار.
هنا (استرقى): طلب الرقية؛ يعنى: ما يطلبون من أحد أن يقرأ عليهم؛
لقوة اعتمادهم على الله، ولعزة نفوسهم عن الذل لغيره، فهم جمعوا بين أمرين؛ قوة
الاعتماد على الله، والثاني: عزة النفس، بحيث ما يخضعون لأحد سوى الله. حتى في
قوله: اقرأ عليَّ، لأن هذا السؤال في الحقيقة قد يثقُل على المطلوب منه ذلك، أو
ربما يرى أن له فضلًا عليه، ثم إن في هذا إذلالًا لنفسه، فيه شيء من الإذلال، ثم
فيه أيضًا شيء من الرجوع أو التعلق بغير الله تبارك وتعالى.
إذا كان هذا فيمن
يقول لشخص: اقرأ عليَّ من فضلك، كيف من يأتي بشخص ويقول: أعطني دراهم، وهو غني؟ هذا
أبعد من أن يكون داخلًا في هؤلاء.
ثانيًا: «وَلَا
يَكْتَوُونَ» ولَّا ولا يكوون؟
طلبة: «وَلَا يَكْتَوُونَ».
الشيخ: ولا
يصلح: (ولا يكوون)؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كوى سعد بن
معاذ في أكْحَله ، لكن اكتوى بمعنى: طلب من يكويه، هذا مثل الأول؛
يعني: ما يتذللون لأحد، فيطلبون منه أن يكويهم، بل هم أعزاء معتمدين على الله
سبحانه وتعالى.
طالب: (...).
الشيخ: ما رأيكم..؟ لا، ما فيه محذور، هذا فوات كمال.
الطالب: (...).
الشيخ: أقول: هذا
فوات كمال، ما رأيكم فيمن يقول لشخص: اكوني يا فلان؟ وهذا الشخص موظف من الحكومة
لهذا العمل، هل يدخل في هذا الحديث أو لا يدخل؟
طلبة:
لا يدخل.
طالب: (...).
الشيخ: هو في الحقيقة من جهة الذل، ما فيه ذل، هذا ليس فيه ذل؛
لأن هذا الرجل مُعَدٌّ لهذا العمل من قبل الحكومة ويأخذ الأجر من الحكومة، ولَّا
لا؟ لكن من حيث الاعتماد على الله لا شك أن فيه نوعًا من الضعف، يضعف الاعتماد على
الله، ما هو مثل الإنسان الذي يعتمد على الله سبحانه وتعالى، ويقول: إني أنا سيكون
في قلبي من التوكل ما لا يحوجني إلى أن أذهب إلى غير الله سبحانه وتعالى، وأطلب منه
أن يفعل هذا السبب، على أن في نفسي شيئًا من هذا الأمر، إذا كان الإنسان معدًّا
لهذا الشيء فأنا غاية ما عندي إنما أقول: إنني مريض وأريد أن تكويني، إنه خبر فقط
ليس به طلب.
الثالث: قال: «وَلَا يَتَطَيَّرُونَ»
التطير مأخوذ من الطير، واسم المصدر منه: طيرة، والتطير هو المصدر، والفعل: تطير،
وأصله التشاؤم بالطير، ولكنه أعم من ذلك، فإنه التشاؤم بمرئي أو مسموع، أو زمان أو
مكان، هذا هو التطير.
وكانت الطيرة في العرب معروفة يتشاءمون (...)، حتى لو أراد
خيرًا، إذا رأى الطير قد سنحت يمينًا أو شمالًا على حسب الاصطلاحات اللي عندهم تجده
يتأخر عن هذا المكان، يرى أنه لا خير له فيه، ولو كان هو يعلَم أن هذا من الخير،
خلاص يقول: الطير هو اللي علمه، لو في فيه خير ما راح الطير من يمين ولا من يسار
ولا وراء، أعوذ بالله! هذا أصل كلمة تطير.
إذن التطير هو: التشاؤم بمرئيٍّ أو
مسموع، أو زمان أو مكان. وإن شئنا حذفنا: (أو مكان)؛ لأنه مرئي، إذن بمرئيٍّ أو
مسموع، أو زمان.
قد يسمع الإنسان صوتًا فيتشاءم، قد يرى شخصًا فيتشاءم، يقال: إن
بعض البلاد يتشاءمون بالأشخاص، إذا فتح الباب -باب الدكان- أول النهار، وجاءه إنسان
قبيح قال: خلاص اليوم ما عندي رزق، أعوذ بالله! إي نعم، هذا غلط، ما يجوز التشاؤم
بالمرئيات أو المسموعات أو بالأزمان.
كانوا يتشاءمون في شهر شوال بالنسبة
للنكاح، تقول عائشة: كان الرسول عقد عليَّ في شوال، وبنى بي في
شوال، فأيكم كان أحظى عنده مني ؟ ويش الجواب؟
طلبة: لا
أحد.
الشيخ: هي أحظى، مع ذلك في شوال عقدًا ودخولًا،
فلا عبرة بالأيَّام، يتشاءمون بيوم الأربعاء، يتشاءمون بشهر صفر، كل هذا من الأشياء
التي أبطلها الشرع؛ لأنها في الحقيقة تضر الإنسان؛ عقلًا، وتفكيرًا، وسلوكًا، إذا
وجدت الإنسان ما يبالي بهذه الأمور، هذا هو التوكل على الله؛ ولهذا ختم المسألة
بقوله: وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الأنفال: ٢]؛
لأن انتفاء هذه الأمور منهم؟
طالب: ضعف.
الشيخ: لا، انتفاء هذه الأمور منهم لقوة توكلهم؛ ولهذا قال:
وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الأنفال: ٢]، هل هذه
الأشياء تدل على أن من لم يتصف بها فهو مذموم، أو فاته الكمال؟
طلبة: فاته الكمال.
الشيخ: فاته
الكمال، فمَنْ فعلها فإنه لا يُذَمُّ، بل يقال: إن الكمال قد فاتك، وإلَّا فيجوز
للإنسان أن يسترقي، ويجوز أن يكتوي، أما التطير فلا يجوز، لأنه سيأتينا -إن شاء
الله- أنه ما يجوز أن يتطير الإنسان؛ لأنه ضرر، وليس له حقيقة أصلًا.
طالب: العلاج يدخل في (...)؟
الشيخ:
إي، الظاهر أنه يدخل نعم، عام، وقد يقال: إنه لولا قوله: «وَلَا يَسْتَرْقُونَ» لقلت: إنه لا يدخل؛ لأن الاكتواء ضرره
محقق، الكي إحراق بالنار، وألم للإنسان، ونفعه مرتجى، لكن كلمة (يسترقون)
مشكلة ما فيها ضرر؛ لأن الرقية إن ما نفعت ما ضرت، وهنا إذن نقول: الدواء مثلها؛
لأن الدواء إذا لم ينفع ما ضر، وقد يضر أيضًا؛ لأن الإنسان إذا تناول دواء، وليس
فيه مرض لهذا الدواء قد يضره.
طالب: (...) كيف يضره
الدواء؟ (...) نفسه (...) الإنسان يقرأ عليه.
الشيخ:
ترفعًا.
الطالب: إي، ترفعًا.
الشيخ: لا توكلًا.
الطالب: لا
توكلًا.
الشيخ: لا، هذا خطر، هذا قد يكون إلى الذنب
أقرب منه إلى الأجر؛ لأن بعض الناس يقول: أنا أروح أتنازل (...) مطوع هذا مثلًا،
يحتقره، ما يمكن أتنازل، ويش يقرأ لي ؟ هذه خطيرة جدًّا.
طالب: بالنسبة لمن قرأ عليه، لو إنسان جاء قال: أريد أرقيك، فهل
يفوت أحدهما بذلك؟
الشيخ: لا، لا يفوت؛ ولهذا الرسول ما
نهى عائشة أن ترقيه.
الطالب: يحصل يا شيخ.
الشيخ: ولا ينتفي عنه هذا الشيء؛ لأنه يكون منهم ولو كان يقر من
يقرأ عليه، أو حتى لو كان يقر من يكويه أيضًا، الكلام على طلب هذه الأشياء هي اللي
تضر الإنسان.
طالب: (...) الرقية بالحبة السوداء والماء هل هي مشروعة؟
الشيخ: لا، الماء ورد عن الرسول
عليه الصلاة والسلام في حديث رواه أبو داود أنه فعل ذلك. وكذلك أيضًا عن عائشة، أما الحبة
السوداء فالرسول أخبر بأنها هي نفسها دواء .
الطالب: (...).
الشيخ: التداوي لا بأس به، أن يجمع الإنسان بين هذا
وهذا.
طالب: (...).
الشيخ:
إي نعم، طلب الدواء.
الطالب: (...) من الموظف؟
الشيخ: (...).
الطالب: (...) خاص.
الشيخ: واضح أننا بحثنا فيه، قلنا: إنه إذا ذهب إلى
موظف خاص يأخذ الأجر هو ما فيه ذل في الحقيقة، ما فيه ذل، اللهم إلا أن يكون بصفة
خاصة؛ لأن فيه بعض الناس قد يذل للأطباء لو أنهم مأجورين من قبل الدولة، حسب عاد ما
يكون بقوة القلب، لكن ألا يكون فيه ضعف التوكل؟
طالب:
لا، قد (...).
الشيخ: ويش هو؟ ويش يقول؟
طالب: (...).
الشيخ: إي معلوم، ما هو
مستطيع، لكن أظنه إذا راح إلى إنسان مُعَدٌّ لهذا العمل، فهو مو مثل الذي ما أعد؛
لأن المُعَد ما يرى لنفسه فضلًا على هذا المريض، والمريض أيضًا لا يشعُر بأنه متذلل
إليه، يشعر بأنه أخذ بحقٍّ له؛ لأن هذا مؤجر.
طالب:
(...) الحجامة.
الشيخ: (...).
الطالب: ما يوجد أحد يحجمه؟
الشيخ:
معلوم، يحتاج لأحد يحجمه من غير شك.
الطالب:
(...).
الشيخ: ما ندري عاد هل هو طلب؟ أو هذا شيء معروف
أن هذا الذي يأتي إليه يحجمه؟
طالب: (...)
الحجامة؟
الشيخ: إي (...)، لكن أحيانًا يجعل الإنسان
(...)، على كل حال تحتاج المسألة إلى بحث، وهل إننا نقول مثلًا: ما تُؤُكِّد
منفعتُه إذا لم يكن في الإنسان إذلال لنفسه، فهو (...) يعني: ما يفوت المرء الكمال
به، مثلما أشار إليه، مثل: كسر أو قطع عضو مثلًا مؤذٍ، أو مثلما يفعل الناس الآن في
الزائدة وغيرها (...).
بوحي من الله إقراري، ولَّا وحي إلهامي، أو وحي
رسول؟
ذكرنا في مثل هذه الأمور يحتمل أنها وحي إلهامي، أو بواسطة الرسول، أو وحي
إقراري؛ بمعنى أن الرسول يقولها، فإذا أقره الله عليه صار وحيًا
إقراريًّا.
طالب: «اللَّهُمَّ
اجْعَلْهُ مِنْهُمْ» .
الشيخ: في رواية؟ (...).
قال: (فقام رجل آخر، فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، قال:
«سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ»)، هذا الرجل الذي قام ما أراد النبي عليه
الصلاة والسلام أن يقول: لا، ولكن قال: «سَبَقَكَ بِهَا
عُكَّاشَةُ»، «بِهَا» أي: بهذه المنقبة والفضيلة عكاشة بن محصن.
وقد
اختلف العلماء لماذا قال الرسول هذا الكلام؟
فقيل: إنه كان منافقا، فأراد
الرسول عليه الصلاة والسلام ألا يجابهه بما يكره تأليفًا، وإلا فهو يعلم أنه ليس
منهم.
وقال بعضهم: إنه خاف أن ينفتح الباب فيقوم من ليس منهم؛ ولذلك قال هذه
الكلمة التي أصبحت مثلًا يستعمله الناس، كل ما فاته شيء يقول: سبقك بها
عكاشة.
طالب: (...) تكون الفوائد (...).
الشيخ: إي، ما في مشكلة (...).
***
البابين السابقين: الباب الأول: تحقيق التوحيد، والباب الثاني: أن من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب ولا عذاب.
وهذا هو الباب الثالث، وإنما ثَلَّث به رحمه الله؛ لأن الإنسان قد يرى أنه قد حقق التوحيد وهو لم يحققه، ولهذا قال بعض السلف رحمهم الله: ما جاهدت نفسي على شيء مجاهدتها على الإخلاص، وهذا صحيح؛ وذلك لأن النفس متعلقة بالدنيا تريد حظوظها من مال، أو جاه، أو رئاسة، فقد تريد بعمل الآخرة تريد به الدنيا، وهذا ينقص الإخلاص، وقلَّ مَن يكون غرضه الآخرة في كل عمله، هذا قليل جدًّا، فمن ثم أعقب المؤلف ما سبق من البابين، أعقبه في هذا الباب وهو الخوف من الشرك، فإن الإنسان قد يشرك بالله سبحانه وتعالى وهو لا يعلم، وما أكثر هذا في الأمة اليوم، لو أننا أجرينا إحصائية على الذين يطلبون العلم في الكليات وجدنا أنهم يُعَدُّون بالألوف، ولَّا لا؟
طالب: بالملايين.
طالب آخر: لا عشرات، عندنا إحنا بالعشرات.
الشيخ: عندنا إحنا بالعشرات.
الطالب: عشرات.
الشيخ: ولو ألقينا نظرة أخرى فاحصة: لماذا تقرؤون في هذه الجامعة؟ النقطة الوحيدة هي هذه: هل نتعلم شريعة الله وتنصرونها بأقوالكم وأفعالكم ودعوتكم، أو لسبب معين آخر؟ ممكن هذا وهذا، لكن الأكثر الوظيفة؛ ولذلك الآن في الحقيقة أنا يؤسفني أن هؤلاء الذين يُقدِّمون رسائل ينالون بها شهادات يسمونها ماجستير وبادستير، وأيش بعد؟ (...) وأشياء هذه، ودكتوراه وما إلى ذلك، هذه في الحقيقة يظهر لنا -والله أعلم- أنه غالبها ما أريد بها وجه الله؛ لأنك تشوف أن اللي كتبها ما يعرف ما كتب، يمكن لو يجي واحد بالثانوية يجتهد كتب أحسن من ها الذي كتب رسالة لأجل يريد بها الدكتوراه.
ولهذا المسألة هذه خطيرة حتى على ثقافتنا، وعلى أعمالنا أيضًا، وعلى توجيه سياستنا؛ إذا أراد أن يصل إلى كراسيِّ الإدارة وكراسي التنفيذ؛ مثل هؤلاء الجهال الذين أظهروا ثقافتهم بمجرد بطاقة يُعطَون إياها بأن فلان بن فلان نال درجة الدكتوراه بدرجة ممتاز ولَّا جيد ولَّا كذا، وهم ما يعرفون، هذه مصيبة بالحقيقة، هذه من أكبر مصائبنا اليوم، ونعاني منها، لكن مثل هؤلاء هل يُساعَدون؟ أنا لا أقبل الإشراف على أي رسالة من هؤلاء.
طالب: ليش؟
الشيخ: ليش؟ لأنَّها أولًا هي تصُدُّ الإنسان عن شيء أهم من هذا الشيء.
الشيء الثاني: ما كل إنسان تثق بأن نيته صالحة وقصده لله سبحانه وتعالى، ولا أقول: إن هذا الحكم يجري على جميع المقدمين لهذه الرسائل، لا، لكن بعضهم تعرف أنه ما أراد بذلك وجه الله، تعرفه في سلوكه ومنهاج حياته، وبما كتبه وقدمه، فنسأل الله السلامة؛ ولهذا نزعت البركة (...) يعني: من قبل هذا الزمان تجد العالم الواحد في البلد ينفع الله به عالَمًا، لكن الآن ما أكثر العلماء، ولكن الانتفاع والنفع قليل. وهذا كما قال عبد الله بن مسعود: كثرة القراء وقلة الفقهاء .
المهم يا إخواني أنا أوصي نفسي قبلكم، وأوصيكم بالخوف من الشرك، وإن الإنسان لا يأمن؛ لأن المسألة دقيقة جدًّا؛ ولهذا المؤلف رحمه الله مِنْ نصحِه أنه لما ذكر التوحيد وفضل التوحيد وتحقيقه، ذكر الخوف من الشرك حتى لا يغترَّ الإنسان، ويقول: خلاص أنا حققت التوحيد.
قال: (وقول الله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [النساء: ٤٨]).
(لا): نافية، و(أن يشرك به): فعل مضارع مقرون بـ(أن) المصدرية فيحول إلى؟
طلبة: مصدر.
الشيخ: مصدر، ويكون التقدير: أن الله لا يغفر الإشراك به، أو لا يغفر إشراكًا به، فالإشراك بالله لا يغفره الله أبدًا، ليش؟ لأنه جناية على حقِّه الخاص، وهو التوحيد الذي ليس للعبد مصلحة فيه بجانب التوحيد، ليس في مصلحتك أنك تجعل عمل الله الخاص اللي لنفسه تجعله لفلان وفلان، المعاصي الأخرى كالزنا مثلًا، وشرب الخمر، والسرقة، وما أشبهها قد يكون للإنسان فيها حظ نفس، لكنه ما أخذ حق هذا وأعطاه لهذا، إنما كونه يُشرِك بالله، هذا معناه اعتداء على حق الله سبحانه وتعالى من غير أن يكون للإنسان فيه حظ نفس، ما هي بشهوة يريد الإنسان أن ينال مراده بها، ولكنها ظلم؛ ولهذا قال الله تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: ١٣]، فالله لا يغفر أن يُشرَك به أبدًا بأي حال من الأحوال، وهل المراد بالشرك هنا الأكبر أو مطلقًا؟
بعض العلماء يقول: إنه مطلق، كل شرك ولو أصغر فإن الله لا يغفره؛ حتى إذا قال الإنسان: والنبي، أو: وحياتك، أو: وشرفك، فهذا قسم بغير الله؛ شرك أصغر، يقولون: إن الله لا يغفره، ولو زنا فإن الله تعالى قد يغفره؛ لأنه تحت المشيئة، لكن الشرك ولو كان أصغر لا يغفره الله.
وشيخ الإسلام رحمه الله ابن تيمية المحقق في هذه المسائل اختلف كلامه في هذه المسألة فمرَّة قال: الشرك لا يغفره الله ولو كان أصغر، ومرة قال: إن الذي لا يُغفر هو الشرك الأكبر، وعلى كل حال فيجب الحذر من الشرك مطلقًا؛ لأن العموم يحتمل أن يكون داخلًا فيه، داخل فيه الأصغر، هل في الآية عموم هنا ولَّا إطلاق؟
الطالب: إطلاق.
طالب آخر: ظاهر الآية إطلاق.
طالب آخر: (...) إطلاق (...).
الشيخ: ذريته، زال عنا الإشكال في مسألة البنات، كما هو زال في الأول أيضًا، لكن بقي علينا أن دعوته لم تُجَبْ، فيقال: ما يلزم إذا دعى الله أن يجيب الله دعوته؛ مثلما أن الرسول صلى الله عليه وسلم دعا في شيء ولم يستجب له؛ دعا أن الله لا يجعل بأس أمته بينهم، ولكن الله منعه ذلك .
فنحن نقول: إن الأرجح -والله أعلم- أنه أراد العموم، وأن الله تعالى بحكمته لم يستجب له في كل من كان من ذريته، هذا الأرجح.
طالب: كيف نعلِّل أن إبراهيم عليه السلام لم يعلم الحكم؟ أن من البشر من هو المؤمن والكافر؟
الشيخ: لأنه قد تخفى عليه؛ لأنه من البشر، لأنه ما يلزم..
الطالب: من ذريته.
الشيخ: إي، من ذريته، قد يخفى عليه هذا الأمر، وقد لا يعلم أن ذريته ستبقى إلى يوم القيامة، وإن كان قد قال: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ [البقرة: ١٢٩]، هذا ما يصلح يجيب.
الطالب: (...).
الشيخ: التوجيه الأول في (...) فيه يرد شيء، لكننا وهو أننا ما نعلم أن لإبراهيم أبناء سوى إسماعيل وإسحاق، والآية بصيغة الجمع، ولكن هذا قد سبق الجواب عليه؛ أن الجمع إذا قلنا بأن أقله اثنان زال الإشكال، والله أعلم.
طالب: علم أن ذريته أنبياء؛ علم -عليه الصلاة والسلام- أن الظاهر أن ذريته أنبياء؛ لأنه بشر بأن بعضهم أنبياء وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ [الصافات: ١١٢] يرد عليه أنه دعاه ولهؤلاء الأنبياء المعصومين؛ يعني: لا فائدة منه.
الشيخ: لا -بارك الله فيك- هذا الدعاء قبل أن يعلم.
الطالب: هو دعا لنفسه وبنيه (...).
الشيخ: إي نعم، وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ [إبراهيم: ٣٥].
إذن إبراهيم يقول: اجنبني، أي: اجعلني في جانب، والأصنام في جانب، وهذا أبلغ مما لو قال: امنعني من عبادة الأصنام؛ لأنه إذا كان في جانب والأصنام في جانب، صار ذلك أبعد وأبلغ، فهو أبلغ مما لو قال: امنعني وبَنِيَّ أن نعبد الأصنام.
وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ، إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- يكون قد خاف الشرك على نفسه، ولَّا لا؟ إبراهيم وهو خليل الرحمن وإمام الحنفاء خاف الشرك على نفسه، فما بالك بنا نحن، فإذن لا تأمن نفسك، ما يأمن النفاق إلا منافق، ولا يخاف النفاق إلا مؤمن؛ ولهذا قال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- كلهم يخاف النفاق على نفسه .
وعمر أمسك حذيفة و(...): أنشدك الله يا حذيفة؛ هل سمَّاني لك رسول الله صلى الله عليه وسلم مع من سمى من المنافقين؟ ، عمر رضي الله عنه ذو الإيمان الراسخ القوي يناشد حذيفة: هل الرسول سمَّاه مع من سمى من المنافقين! الله أكبر.
طالب: هل يتصور أن عمر أراد بذلك النفاق الاعتقادي؟
الشيخ: النفاق اللي ذكر، اللي سماهم له، عمر رضي الله عنه هو نفسه يقول: إنه عمل لقضية حذيفة أعمالًا، يرجو أن الله يكفر بها عنه.
الطالب: شيخنا هل يصل للشك يعني؟
الشيخ: لا ما هو بشكٍّ في الاعتقاد، في نفس الإنسان، وقد يكون مثلًا الآن على سلامة، وفيما بعد يكون كذلك، يصل إلى النفاق، ما يدري.
طالب: كيف هذا والرسول صلى الله عليه وسلم بشَّره بالجنة؟
الشيخ: من؟
الطالب: عمر.
الشيخ: هو ذاته؛ إنه نعم، هو بشَّره بالجنة صحيح، لكن الإنسان يخشى على نفسه، يخشى أن يكون بشَّره الرسول بناء على ما رأى من أفعاله في وقته، يخشى الإنسان الخائف يخاف من كل شيء.
الطالب: لا يلزمه، إذا بُشِّر بالجنة أنه ما يكون؟
الشيخ: (...) هو يلزم ألا يكون منافقًا، لكنه هو خشي؛ لأن الإنسان شديد الخوف يخشى أن الرسول بشَّره بالجنة بناء على ما رأى من أفعاله في حياته، وإنه ما يدري ما حصل له بعد موته، ولهذا تعرفون الحديث الذي يقول الرسول فيه عليه الصلاة والسلام: «أَقُولُ: أَصْحَابِي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ» .
طالب: هذه إشارة أن الجنة مقطوعة؟
الشيخ: نعم؟
الطالب: دخول الجنة مقطوع لعمر؟
الشيخ: إي، لكن هو يقول -يحتمل هو في نفسه لقوة خوفه- يقول: يحتمل أن الرسول صلى الله عليه وسلم بشَّرني بالجنة بناء على ما رأى من أفعالي في عهده، وأخشى أن يكون هناك شيء آخر.
الطالب: أو ما يجوز أن نأخذ من هذا أنَّ قول عمر هذا لحَثِّ الناس على الخوف من الله سبحانه، إذا كان عمر مثلًا (...)، يعني: إذا كان عمر وهو من قُطِع له بالجنة فغيره من باب أولى.
الشيخ: هذا ما يصلح في الحقيقة؛ لأن الأصل أن الكلام يبقى على حقيقته، لأن هذا يرد على بعض العلماء، يسلك هذا المسلك في هذا وفي غيره، حتى فيما يتعلق بالرسول عليه الصلاة والسلام أحيانًا مع الأشياء؛ أن هذا قصد به التعليم، أو قصد به أن يبين لغيره، أو يقول الناس: رب اغفر لي، الرسول ما قال: رب اغفر لي لأن له ذنوب، ولكن لأجل يعلم الناس، هذا خلاف الأصل.
قال: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ [إبراهيم: ٣٥] أَنْ نَعْبُدَأيش معناه من الإعراب؟
طالب: مفعول.
الشيخ: مفعول ثانٍ لـ(اجنبني)، أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ(الأصنام): جمع صنم، ويقال: صنم ووثن، فهل بينهما فرق؟ نعم، يقولون: الفرق بينهما أن الوثن ما عُبِدَ من دون الله، على أي شكل كان، كل ما عُبِدَ من دون الله فهو وثن، وفي الحديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام: «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ» .
وأما الصنم: فهو ما جُعِل على صورة إنسان يُعبَد من دون الله، فهذا هو الفرق بينهما، فيكون الوثن على هذا أعم من الصنم.
وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ [إبراهيم: ٣٥]، ولا شك أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام سأل الله تعالى الثبات على التوحيد; لأنه إذا جُنِّبَ عبادة الأصنام أو إذا (...).
فلا بد أن يكون باقيًا على توحيد الله سبحانه وتعالى.
الشاهد من هذه الآية: أن إبراهيم خاف من الشرك، وهو إمام الحنفاء وسيدهم ما عدا الرسول صلى الله عليه وسلم.
قال: (وفي الحديث: «أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ» . فسُئل عنه؟ فقال: الرياء).
(في الحديث) عمن؟
طالب: عن النبي صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: عن الرسول صلى الله عليه وسلم، هذا هو المعروف عند أهل الحديث؛ أن الحديث: ما أضيف إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، والخبر ما أضيف إليه وإلى غيره، والأثر ما أضيف إلى غير الرسول صلى الله عليه وسلم؛ إلى الصحابي فمن بعده، إلَّا إذا قُيِّد فقيل: وفي الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم.
«أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ» الرسول يخاطب المسلمين، المسلم أخوف ما يخاف عليه الشرك الأصغر، ما هو بعلى عامة الناس؛ لأن المشركين شركًا أكبر أشد خوفًا من هؤلاء.
(الشرك الأصغر، فسئل عنه؟) ما هو يا رسول الله الشرك الأصغر؟ (فقال: «الرِّيَاءُ») الرياء هنا: مصدر: (راءى يرائي)، والمصدر رياء، ومعنى الرياء: أن يعمل ليراه الناس، لا لله، ولكن لأجل أن يرى.
الرياء: الظاهر -والله أعلم- أنه هذا على سبيل التمثيل، وإلَّا فقد يكون رياء، وقد يكون استماعًا؛ يعني يقصد به أن يسمعه الناس، وهذا مثل هذا، حتى مَنْ عَبَد الله سبحانه وتعالى يريد أن يسمع الناس به فيُثنوا عليه، فهو داخل في ذلك، ولكنه الرياء هذا من باب التعبير بالعام، ومثله ما يشابهه في هذا المعنى.
الرياء: هو أن يعمل الإنسان العبادة يريد من الناس أن يروها فيمدحوه عليها. فإن أراد من الناس أن يروها ليقتدوا به فيها فليس رياء، بل هذا من الدعوة إلى الله عز وجل؛ أن الإنسان يعمل العبادة لأجل أن يقتدي الناس به، والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «فَعَلْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا بِي وَلِتَعَلَّمُوا صَلَاتِي» .
والرياء ينقسم باعتبار إبطاله للعبادة إلى قسمين:
أحدهما: أن يكون في أصل العبادة؛ أصل الرجل هذا ما قام ليتعبد إلا للرياء، فهنا لا شك أن عمله باطل ومردود عليه وغير مقبول منه.
والثاني: أن يكون طارئًا على العبادة كذلك، فإذا كان طارئًا عليها فإنْ دَافَعَه الإنسانُ لم يَضُره، كذا؟
قلنا: إذا كان من أصل العبادة فالعمل حابط؛ يعني: الأصلُ الذي بَعَثَه على القيام هو رياء الناس، العمل حابط؛ لحديث أبي هريرة في الصحيح: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ؛ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِيَ غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» .
القسم الثاني: أن يكون الرياء طارئًا على العبادة؛ بأن يكون أصل العبادة لله، لكن طرأ عليه الرياء، فهنا كل مَنْ بَعَث من أجل الرياء فهذا أيضًا ينقسم إلى قسمين، إنْ دافَعَه فإنه لا يضره، يعني: مثل إنسان يُصَلِّى، صلى ركعة وما عنده أحد، في الركعة الثانية جاء ناس، فحصل في قلبه بعض الشيء، إذا دافعه لا يضر؛ لأن الرجل قام بالجهاد، وإن استرسل معه، فكل عمل ينشأ عن الرياء فهو باطل؛ يعني: مثل: لو أطال القيام، أو أطال الركوع، أو السجود، أو تباكى، وما أشبه ذلك، فهذا كله عمله حابط، لكن هل هذا البطلان يمتد إلى جميع العبادة أو لا؟ نقول: إن كان آخر العبادة مبنيًّا على أولها، بحيث لا يصح أولها مع تفادي آخرها، فهي فاسدة، وإن كان هذا آخر العبادة منفصلًا عن أولها بحيث يَصِحُّ أولها دون آخرها، فما سبق الرياء فهو صحيح، وما كان بعده فهو باطل.
فالصلاة مثلًا، الصلاة ما يمكن يفسد آخرها ولا يفسد أولها أو لا؟ فإذن تبطُل الصلاة، ينسحب إذا كان على أولها كما كان في آخرها، لكن مثل الدراهم؛ إن كان عنده مئة ريال يتصدق بها، تصدق بخمسين لله، والخمسون الثانية فيه رياء، الخمسون الأولى مقبولة ولَّا لا؟
طلبة: مقبولة.
الشيخ: مقبولة، والثانية غير مقبولة؛ وذلك لأن آخرها مُنْفَكٌّ عن أولها، هذا هو التفصيل في هذا المقام، والله أعلم.
طالب: بالنسبة للصلاة إذا كان آخره مثل أوله، يعني ما (...).
الشيخ: لا، هو (...).
وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء: ٤٨]، ما وجه الاستدلال بالآية؟
طالب: أن الشرك ما لا يغفره الله (...)، ومن شدة عظمه يخاف عليهم.
الشيخ: من حيث إنه ما يغفره يجب الإنسان يخاف منه، ويبتعد عنه.
قوله تعالى: لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [النساء: ٤٨]، هل يشمل الشرك الأصغر والأكبر؟ ولَّا بس الأكبر؟
طالب: الظاهر أنه يشمل الأصغر والأكبر.
الشيخ: أيش وجه الشمول؟
الطالب: العموم.
الشيخ: أيش وجه العموم؟
طالب: لأن قوله: لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ(أن) (...) بفعل مصدر يعني إشراكًا به، فهو نكرة في سياق النفي فيفيد العموم، هذا وجه إفادة العموم.
قوله: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء: ٤٨]، ما المراد بالدون؟
طالب: المراد: ما هو أقل من الشرك.
الشيخ: إي، ما هو أقل، أو المراد بالدون: السِّوى؟
الطالب: لا، الأرجح ما هو أقل.
الشيخ: ما الذي يرجحه؟
الطالب: اللي يرجحه لو لم نقل بهذا لشمل سوى هذا؛ يشمل الكفر..
الشيخ: يشمل الكفر الذي لا يتضمنه الشرك.
الطالب: كأنه يُغفَر، وهو لا يغفر.
الشيخ: وهو لا يغفر.
قوله تعالى عن إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ [إبراهيم: ٣٥]، ما المراد ببنيه؟ وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّما المراد ببنيه؟
طالب: على قولان: قيل: إسماعيل وإسحاق، وقيل: (بنيه) ذريته، ما توالد من صلبه.
الشيخ: نعم، أيهما أرجح؟
الطالب: الأرجح أن بنيه: يعني ما توالد من صلبه.
الشيخ: ويش يرجحه؟
الطالب: الله أعلم.
الشيخ: نعم، ما أحد يعرف ما يرحجه؟
طالب: نقول: إن ذريته من بنيه: إسماعيل وإسحاق، وأنهم لم يصلهم شيء من الشرك، أو إذا أخذنا على أنه كل ذريته، منهم من أشرك بالله عز وجل، فيكون لم تُستَجب دعوته هنا.
الشيخ: (...).
الطالب: تكون (...) الله يوم القيامة، إذا قلنا بهذا.
الشيخ: إي، لكن أيهم أرجح؟
الطالب: الأرجح إسماعيل وإسحاق.
الشيخ: ما يرد عليه شيء هذا؟
الطالب: بناته، ليس له بنات.
الشيخ: غير؟
طالب: يرد عليه إشكال؛ أنه قال: وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ [الصافات: ١١٢]، بشَّر بأنهم أنبياء؛ إسماعيل وإسحاق.
الشيخ: لا، هذه (اجنبني)، هو (...) فيجنبني.
طالب: ألا تكون ذريته؟
الشيخ: إي، لكن ما (...).
الطالب: يا شيخ، الآيات التي دلت على دعوته للبيت، توجد آيات كثيرة دلت على دعوته للناس وبنيه.
الشيخ: المشركون (...)؟ لا ينافي ذلك؛ لأنه اقتضت حكمته ألا يجيب دعوته في بعض هؤلاء، مثلما اقتضت حكمته ألا يجيب الرسول صلى الله عليه وسلم في بعض ما سأل من أجل أمته، لكن إذا قلنا: (بني) إنهم أبناؤه من صلبه يرد عليها إشكال من الناحية اللغوية.
الطالب: قوله: (بنيَّ) بالجمع، فهو لم يرد له إلا إسحاق و..
الشيخ: لا نعرف له؟
الطالب: إلا إسحاق وإسماعيل.
الشيخ: إلا إسحاق وإسماعيل، فإذا قلنا: إن أقل الجمع اثنين.
الطالب: فلا إشكال.
الشيخ: فلا إشكال، لكنه خلاف المشهور.
طالب: دعوة سيدنا إبراهيم لما دعا رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ [إبراهيم: ٣٧]، فإقامة الصلاة لكل، يعني: أي واحد أسلمَ يقيم الصلاة، وإلا مايكنش مسلم.
رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَدعا للناس كلها، مش يعني: اللي هو بنيه اللي هو من ذريته من بعد منه، ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام من ذرية سيدنا إبراهيم.
الشيخ: لكن، وين المشكل؟
الطالب: نحن من ذرية إبراهيم، يعني: كل الناس اللي دعا لها بنوه من ذريته من صلبه، اللي مولودين من صلبه.
طالب آخر: (...) من ذريتي يقصد (...).
طالب آخر: نقول: قد يشكل قوله تعالى: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة: ١٢٤].
الشيخ: إي، لا ينال عهدي الظالمين، يعني: أن يكون إمام، الظالم ما يكون إمام، على كل حال الأقرب -والله أعلم- أن قوله: وَبَنِيَّيشمل جميع الذرية، وأنه لا ينافي أن تكون حكمة الله سبحانه وتعالى اقتضت أن بعضهم لا تجاب دعوته فيهم.
طالب: (...) ذريتي.
الشيخ: مِنْ ذُرِّيَّتِي [البقرة: ١٢٤] (...).
قال: (وفي الحديث) الحديث المراد به عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا أطلق، كما أن الخبر يشمل الحديث والأثر. والأثر عند الإطلاق؟
طالب: قول الصحابي ومن بعده.
الشيخ: قول الصحابي فمن بعده، فعندنا أثر، وحديث، وخبر، الأثر: المراد به ما قاله الصحابي فمن بعده، والحديث: ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم، يعني: ما ينسب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، والخبر: أعم من ذلك.
طالب: الحديث والأثر.
الشيخ: يشمل الحديث والأثر، لكن مع ذلك الأثر قد يقيد، فيقال: وفي الأثر عن النبي، وحينئذ يكون بمعنى الحديث.
قال: (وفي الحديث) وأخذناه الصحيح، أنا ذكرت، أخذنا أنواع الرواية وأقسامها.
إذن نرجع إلى المناقشة فيه، الرياء ويش معناه من حيث اللغة العربية؟
طالب: الرياء هو العمل..
الشيخ: لا، من ناحية التصريف مشتق من الرؤيا، وهو مصدر (راءى يرائي رياء)، كـ(قاتل يقاتل قتالًا).
إذن عمل عملًا لأجل أن يراه الناس.
طالب: شيخ، وزن مراءاة؟
الشيخ: مثل مقاتلة. هل يختص بما يُرى أو حتى بما يُسمع؟
طالب: الاثنين.
الشيخ: يعني: بما يرى وبما يسمع، لكن في الغالب أنه يكون؟
طلبة: بما يُرى.
الشيخ: بما يرى، إذا عمل العمل ليراه الناس ليتعلموا منه؟ فيه رياء؟
طالب: (...).
الشيخ: (...) أيش الدليل؟
طالب: فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، يعمل ليراه الناس ليقتدوا به.
الشيخ: إي، عندك دليل خاص على هذه المسألة؟
الطالب: رفع الصوت في الصلاة وفي الذكر (...).
الشيخ: وغيره؟ ما فيه شيء أصرح من هذا؟
طالب: فعل الصلاة.
الشيخ: ويش هو؟
طالب: (...) حينما قال.
الشيخ: «فَعَلْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا بِي وَلِتَعْلَمُوا صَلَاتِي» إذن ما يدخل فيه الرياء، إذن كلمة (عمل): أن يعمل الإنسان العبادة ليراه الناس، يكفي في التعريف؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما يكفي في التعريف ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: إذا عملت العمل ليراك الناس، ما يدخل في التعريف أنك تقول: هذا مراءٍ، لكن ليراك الناس فيمدحوك بالقربة، يقولون: هذا ما شاء الله رجل متدين، أما ليراك الناس فيقتدوا بك؛ لأنك قدوة، أو أردت أن تعلم الناس فهذا ما فيه بأس، المهم شوف النية كيف تؤثر، فإطلاق أن نقول الرياء: أن يعمل العبادة ليراه الناس، هذا الإطلاق ما يتم به التعريف، حتى نقول: ليراه الناس فيمدحوه بالتدين بها، أو بالتقرُّب بها، هذا هو البلاء، فيجعل ما لله لمن؟ للناس، هذا هو البلاء.
الرياء بالنسبة لإحباط العبادة؟
طالب: (...).
الشيخ: كذا، الإطلاق؟
الطالب: (...).
الشيخ: اللهم الظاهر أنه (...).
الطالب: في أصل العبادة.
الشيخ: ما تقول في رأيك؟ (...).
الطالب: يكون الرياء في أصل العبادة.
الشيخ: يقارنها في أصلها.
الطالب: أو يكون طارئًا.
الشيخ: إما أن يكون من أصلها أو طارئًا، خلاص يكفي. إذا قارن العبادة من أصلها، فما الحكم؟
طالب: تبطل العبادة.
الشيخ: تبطل العبادة، صح، ويش دليله؟ تذكر شيئًا؟
طالب: قال الرسول صلى الله عليه وسلم عن الله سبحانه وتعالى قال: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ».
الشيخ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِيَ غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»، هذه الحالة الأولى إذا قارنها ما تصح.
الحالة الثانية: إذا كان الرياء في أثناء العبادة؛ فالأول: دخل في العبادة لله، ما عنده أي رياء، ثم في أثناء العبادة طرأ عليه الرياء.
طالب: (...) فرق (...) التي هو فيها.
الشيخ: ما فيه التفصيل بعد؟
طالب: إن كان في العبادة، وآخرها فيه تعلق في أولها، ولم يدافع ذلك بطلت؛ يعني: لم يكن لها تعلق بأولها ولم يدافع ذلك (...) ذلك الرياء، وإن دافعه (...).
الشيخ: إذن، إذا طرأ الرياء على العبادة في أثنائها فإن دافعه لم يضره مطلقًا، وإن استمر فيه فإن كان آخر العبادة ينبني على أولها بطل الجميع؛ لأن مثلًا الصلاة ما يمكن تصح أول ركعة ويبطل آخر ركعة، ما يمكن، فلما وجد المفسد في أثنائها وكان آخرها ينبني على أولها بطل الجميع، أما إذا كان يمكن أن يبطل آخرها دون أولها كالعبادة التي تجزء فإنه يبطل الجزء الذي حصل فيه الرياء دون غيره، مثل الصدقات، ما رأيكم فيما لو حصل ذلك في الوضوء؟ في أثناء الوضوء؟
طالب: بطل (...) الصلاة.
الشيخ: هل إنه يبطل الوضوء؟ ولَّا نقول: يبطل ما حصل فيه الرياء؟ فإذا مثلًا غسل يديه ومسح رأسه رياء، ثم الآن (...)، أعد غسل يديك ومسح رأسك؟
طالب: (...) الوضوء كله (...).
الشيخ: الوضوء ينبني بعضُه على بعض، ليس كل واحد منه من الأعضاء مستقلًّا، وهذه المسألة عند التأمل تجد إنها ما هي مثل الزكاة، ما هي مثل الصدقة من كل وجه، ولا مثل الصلاة من كل وجه؛ ولهذا تحتاج إلى تأمل، هي طرأت عليَّ الآن، تحتاج إلى تأمل فيها: هل إننا نقول: يبطل العضو الذي حصل فيه الرياء وتعيد غسله، هي غسلة؛ لأنه في الحقيقة ما تتغير الهيئة، أو نقول: إنه كالصلاة؟
طالب: أيش يعيد غسله (...)؟
الشيخ: اللي حصل فيه الرياء، لأن إذا ما اطمأننت للرياء تعوذَّت من الشيطان الرجيم، (...) رأى الناس والعمل لله، نقول: أعد ما حصل فيه الرياء، يعني: هذه على كل حال ما أبتُّ فيها برأيٍ الآن.
طالب: راءى في الركعة الثالثة، في الركعة الرابعة، فقام صلَّى لما سلم الإمام جاب ركعة خامسة؟
الشيخ: كيف يعني، ما فيها رياء؟
الطالب: إي: يعني ثلاث ركعات بإخلاص من دون رياء، صلى رابعة برياء، بطلت هذه جاب ركعة.
الشيخ: ما يصلح، أنا أقول لكم الآن: لو أن الرجل بعدما غسل يده رجع وغسل وجهه، أيش تقولون؟
طالب: يبطل.
الشيخ: بعد ما غسل وجهه ويديه؛ أول ما غسل يديه راح ورجع، وغسل وجهه، هل يبطل وضوؤه؟
طالب: لا ما يبطل.
الشيخ: لو أنه عقب ما سجد راح رجع وركع، تبطل الصلاة؟
طالب: تبطل.
الشيخ: والترتيب موجود في هذا وهذا، إذن فالزيادة في الصلاة تبطلها، لكن الزيادة في الوضوء ما يبطله، والرجوع مثلًا إلى الأعضاء الأولى ما يبطله أيضًا، وإن كان الرجوع في الحقيقة لا يعتبر وضوءًا؛ لأنه غير شرعي، ولَّا لا؟ الشرعي هو (...)، وربما يكون بالأول غسل وجهه على أنه واحدة، هاه؟ غسل وجهه على أنه واحدة، ثم غسل يديه، ثم قال: الأحسن أني أكمل الثلاث أفضل، ثم عاد وغسل وجهه مرتين ثم غسل يديه، ويش رأيكم في وضوئه؟
طالب: صحيح.
طالب آخر: (...).
الشيخ: إي يرجع إذا غسل يديه، يرتِّب.
لو ترك التسبيح ثلاث مرَّات في الركوع، أول ما سجد قال: والله إني فوت على نفسي فضيلة، أبغي أرجع للركوع علشان أن أسبح ثلاثًا؛ تبطل صلاته، فالمهم أن هناك فرقًا بين الوضوء وبين الصلاة، ومن أجل هذا الفرق ما أبتُّ فيها الآن حتى أراجع وأتأمل إن شاء الله.
طالب: يا شيخ، كيف الترتيب؟
الشيخ: الترتيب يرتب، بيرجع ويرتب.
الطالب: بالنسبة لليدين حتى الرجلين يرجع (...)؟
الشيخ: يبغي يرجع ويغسل وجهه، ويغسل يديه، ويمسح رأسه ويغسل رجليه، الترتيب يمشي عليه.
طالب: يا شيخ، ما يقال: ينقص الأجر بس، ولا تبطل الصلاة إذا كان في التشهد الأخير مثلًا؟
الشيخ: لا، تبطل الصلاة حتى في التشهد الأخير؛ لأنه إذا بطل التشهد الأخير بطلت الصلاة كلها.
الطالب: يعني: فيه تفريق مثلًا بين الرياء الواضح أو أصابه شيء من هذا؟
الشيخ: يدافع، الحمد لله، ما دام أن الرجل يدافع، لو طرأ على قلبه يعرض عنه.
طالب: بالنسبة للقدوة، إذا اقتدى الإنسان بمجرَّد الرؤية؛ رأى الإنسان واقتدى به، يجوز هذا من غير دليل؟
الشيخ: إي نعم، إذا كان الرجل هذا ثقة عنده، إذا كان ثقة في علمه وفي دينه فلا حرج أن يقلده ما فيه مانع، لكن لاحظ أني قلت لك: في علمه ودينه، لأن بعض الناس عالم؟
طالب: لكن ما عنده دين.
الشيخ: لكن، لا، أعوذ بالله! عنده دين، لكن ما يُطَبِّق تمامًا، نضرب مثلًا: يمكن يركع غير مستوي الظهر، يمكن يجلس غير مفترش، يمكن ما يشير بأصبعه عند الدعاء، مثلًا؛ لأن هذا شيء شاهدناه، في ناس علماء ومحل للقدوة، لكن يتهاونون في بعض هذه الأشياء، هذا ما يمكن يُقتَدى به.
لكن رجل تعرف أنه عالم وحريص على التمسك بالسنة فهذا لا بأس أن تُقلِّدَه، ومع ذلك فالأحسن أنك تسأله؛ لأنه ربما يكون ساهيًا، والإنسان يسهو، بشر، وربما يكون له رأيٌّ تغيَّر عن رأيه الأول، ثم يبقى على الرأي الأول ناسيًا؛ لأنه كان يستعمل الأول كثيرًا.
فالمهم أن الفعل في الحقيقة يعتريه أشياء، ليس اقتداؤك به في فعله كاقتدائك به في قوله؛ ولهذا نقول: يجوز، لكن الأولى أن يسأل، الأولى (...)
هذا ما (...) هذه شرط، اسم شرط، تفيد؟
طالب: العموم.
الشيخ: العموم، يعني: من ذكر وأنثى.
(وهو يدعو لله ندًّا) أي: يتخذ له ندًّا، سواء دعاء عبادة أو دعاء مسألة؛ لأن الدعاء ينقسم إلى قسمين: دعاء عبادة، ودعاء مسألة، فمثلًا إذا صلَّيت، أنت دعوت الله بهذه الصلاة، إذا صمت فقد دعوت الله؛ لأننا لو سألناك: لم صُمتَ؟ لقلت: أرجو مغفرة الله، وأخشى عقاب الله، فكأنك بصيامِك قلت: يا ربي، أجرني من عذابك، وأعطني من نوالك، بهذا كانت العبادة دعاء، ويدلُّ لهذا قوله تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي [غافر: ٦٠]، فقال: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِيفجعل الدعاء عبادة.
إذن فالدعاء نقول: ينقسم إلى قسمين: دعاء عبادة، والثاني: دعاء مسألة، دعاء المسألة ليس كله شركًا؛ دعاء المسألة ما هو كله شرك؛ لأنك إذا سألت مخلوقًا ما يقدر عليه فليس بشرك، لو قلت لإنسان مخلوق: أسقني ماء، وهو يستطيع أن يسقيك، هل يكون شركًا؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ دَعَاكُمْ فَأَجِيبُوهُ» ، فدعوة المخلوق فيما يقدر عليه ليست بشرك، وليست محرمة أيضًا، إلا أن لها شروطًا.
وأما دعاء العبادة: فهو كله شرك، أي إنسان يعبد شخصًا فإنه مشرك وكافر شركًا مخرجًا عن الملة، والعياذ بالله، سواء بالصلاة، أو بجزء من أجزاء الصلاة، أو بالذبح، أو بالصيام، مَنْ صرف أي شيء من أنواع العبادة لغير الله فهو؟
طالب: مشرك.
الشيخ: مشرك، لو سجد الإنسان لشخص يُعَظِّمه كتعظيم الله في هذا السجود لكان مشركًا، ولو ركع له يعظمه بهذا الركوع كما يعظم الله لكان مشركًا.
ولهذا منع النبي عليه الصلاة والسلام من الانحناء عند الملاقاة، سُئِل عن الرجل يلقى أخاه، أينحني له؟ قال: «لَا» ، خلافًا لما يفعله بعض الجهال الآن إذا سلَّم عليه انحنى لك، هذا يجب إنكاره، يجب عليك إذا كنت مؤمنًا بالله موحِّدًا أن تُنْكِر هذا الشيء، لو أنه تعظيمًا لك؛ لأن مَن يُعظِّمك على حساب دينه يجب عليك أن تُنكِر عليه.





