كتاب التوحيد - 10
عدد الزيارات 1982

عناصر المادة :
باب: لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله

باعتبار الاصطلاح، أما باعتبار اللغة فإن الكلمة اسم من كل ما أفاد، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا شَاعِرٌ كَلِمَةُ لَبِيدٍ: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللهَ بَاطِلُ» ، وقال الله تعالى: كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا [المؤمنون: ١٠٠]، وهي قوله: رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ [المؤمنون: ٩٩، ١٠٠].
وهنا بأربع كلمات، وكل كلمة جملة، أولًا: «لَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ» أعوذ بالله! (لعن) اللعن من الله: الطرد والإبعاد عن رحمته، فإذا قيل: لعنه الله، فالمعنى: طرده وأبعده عن رحمته، وإذا قيل: اللهم العن فلانًا، فالمعنى أبعده عن رحمتك واطرده عنها.
وقوله: «مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ» (من) عام ولَّا لا؟
طالب: لا.
طالب آخر: عام.
الشيخ: عام، يشمل من ذبح بعيرًا، أو ذبح شاة، أو ذبح بقرة، أو ذبح دجاجة، كل من ذبح لغير الله، فهو داخل في هذا، والعياذ بالله.
ثانيًا: وقوله: «لِغَيْرِ اللَّهِ» يشمل كل من سوى الله، حتى لو ذبح للنبي، أو ذبح للملك، أو ذبح للجني، فإنه يكون داخلًا في لعنة الله، والعياذ بالله.
وقوله: «لَعَنَ اللَّهُ» هل الجملة خبرية أو إنشائية؟
طالب: (...).
الشيخ: تحتمل أن تكون خبرية، وهو أن الرسول صلى الله عليه وسلم يخبر بأن الله لعن، ويحتمل أن تكون إنشائية بلفظ الخبر، بمعنى: اللهم العن من ذبح لغير الله. وأيهما أبلغ؟ الخبر أبلغ؛ لأن الدعاء قد يستجاب، وقد لا يستجاب، لكن الخبر أبلغ.
«لَعَنَ اللَّهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ» أعوذ بالله! «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ» لعن والديه؛ أي: سبهما وشتمهما، فاللعن من الإنسان بمعنى السب والشتم، فإذا سببت إنسانًا أو شتمته، فهذا لعنه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: كيف يلعن الرجل والديه؟ قال: «يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ» ، فبيَّن الرسول عليه الصلاة والسلام أن اللعن من الإنسان لمثله هو السب والشتم.
وقوله: «وَالِدَيْهِ» الأم ولَّا الأب؟
طلبة: كلاهما.
الشيخ: الجد والجدة؟ هذا يشمل، كما أن ابن الابن وابن البنت أولاد، فكذلك الجد أب. ثم إن هنا ما هي بمسألة مالية، مسألة من الحقوق، ولا شك أن هذا عقوق، إنما نحن نعلم أن لعن الأب الأدنى أشد من الأعلى؛ لأنه أولى بالبر، فقوله: «وَالِدَيْهِ» يشمل الوالد للصلب ومن فوقه.
طالب: إضافة والديه؟
الشيخ: لا، ما هو بلازم؛ لأنه مفرد؛ لأنه إذا أضيف يفيد العموم.
طالب: من قال (...).
الشيخ: أربع.
طالب: (...).
الشيخ: ليش؟ المهم أن الظاهر العموم؛ لأن هذا من باب القطيعة، وهي تشمل الأب الأدنى ومن فوقه.
وقوله: «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ» الصحابة استغربوا كيف الواحد بيلعن والديه؟ فبيَّن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ»، ومعنى ذلك أن اللعن المتسبب فيه اللعن المباشر، وقد أخذ الفقهاء من هذا الحديث قاعدة؛ وهي: أن السبب بمنزلة المباشرة.
وقوله: «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ» شوف القرن بين هذا والجملة اللي قبله؛ لأن حق الوالدين بعد حق الله وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [النساء: ٣٦] بعده؟
طالب: وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا.
الشيخ: وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا، فلهذا لما ذكر النبي عليه الصلاة والسلام تضييع حق الله والكفر به ذكر تضييع حق الوالدين؛ لأن حقهما بعد حق الله.
طالب: (...).
الشيخ: إي، ما هو بهذا اللي (...).
طالب: (...) يقول: لا إله إلا الله (...)؟
الشيخ: كيف؟
طالب: يعني في (...).
الشيخ: السبحة.
طالب: (...) قل واحد يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله (...) يقول: السلام عليكم، فيه واحد فوق، مستني هذا، وبعدين واحد يقوم، وربما يقول بهذا الدعاء، أو بهذه الذبائح.
الشيخ: وهذا من البدع هذا.
طالب: ما هو (...)؟
الشيخ: لا، ما هو (...).
طالب: هل يجوز أن يؤكل (...)؟
الشيخ: لا، ما ينبغي، كل ما ذبح على سبيل..
طالب: (...).
الشيخ: لا، ما ينبغي؛ لأنك إذا أكلت شجعتهم على هذه البدعة، لا تشجع.
قال: «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا» المحدث يشمل الإحداث في الدين، والإحداث في الأمر، الإحداث في الدين بالبدع وغيرها، والإحداث في الأمر بالجرائم وشبهها.
فمن آوى المحدث فهو ملعون، والمحدث يكون أشد منه ولَّا لا؟ إي نعم أشد منه؛ لأنه إذا كان إيواؤه سببًا للعنة فإن نفس فعله جرم أعظم.
فالمحدث سواء كان محدثًا في الأمر، أو في شؤون الأمة بالجرائم وغيرها، أو كان محدثًا في الدين؛ مثل المعتزلة والجهمية، وغيرهم، فهؤلاء إذا آواهم الإنسان فإنه داخل في اللعنة، والعياذ بالله، وكذلك من ناصرهم، وأن الإيواء أنك تؤويه لدفع الأذى عنه، فمن ناصره وعاضده فهو أشد وأعظم.
ففيه التحذير من البدع والإحداث في الدين، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ؛ فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةً» .
طالب: ولو كان أمرًا يسيرًا؟
الشيخ: ظاهر الحديث: ولو كان أمرًا يسيرًا.
والرابع: «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الْأَرْضِ»، منارها؟
طالب: مراسيمها.
الشيخ: مراسيمها وعلاماتها التي تحدد بين الجيران، فمن غيرها فهو ملعون. ولو لمصلحة جاره؟
طالب: ولو لمصلحة جاره.
الشيخ: ولو لمصلحة جاره؟
طلبة: (...).
الشيخ: (...).
طالب: (...).
الشيخ: هاه؟
طالب: (...) جاره.
الشيخ: لا، لمصلحة جاره، هذا ملكي أنا، مثلًا مئة متر، فأنا عرفت (...) متر أعطيهم جاري، فيه شيء ذا؟
طلبة: لا.
الشيخ: هذا إحسان، لكن من غيَّر منار الأرض ظلمًا فهذا ملعون، والعياذ بالله، وما أكثرهم اليوم في مجالس العقارات والعياذ بالله! صاروا يبلعون أراضي، ما هم غيروا منارها، (...) أعوذ بالله! ما علموا أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . ما هو من أرض واحدة، من سبع أرضين في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، فالأمر عظيم، مع أن هذا الذي يقتطع من الأرض -والعياذ بالله- ويغير المنار، أو يأخذ ما لا يستحق هو لا يدري، قد يستفيد منها في دنياه، وقد يموت قبل ذلك، وقد يسلط عليه آفة تأخذ ما أخذ.
فالحاصل أن هذا دليل على أن تغيير منار الأرض أنه من كبائر الذنوب، ولهذا قرنه الله تعالى بالشرك وبالعقوق وبإيواء أهل الأحداث، مما يدل على أن أمره عظيم، وأنه يجب على المرء أن يحذر منه، وأن يخاف الله سبحانه وتعالى؛ حتى لا يقع فيه.
طالب: (...)؟
الشيخ: من أعان فكمن فعل، على خطر من هذا.
طالب: من ذبح لغير الله على جهل؟
الشيخ: من ذبح لغير الله على جهل فإنه إن كان مفرطًا في طلب العلم فهو آثم، وإن كان جاهلًا ما يعرف أبدًا فهو معفو عنه، لكنه لا ينفعه عند الله. إحنا قد ذكرنا لكم سابقًا الفرق بين الجاهل الغافل والجاهل المتغافل.
ثم قال: (وعن طارق بن شهاب رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «دَخَلَ الْجَنَّةَ رَجُلٌ فِي ذُبَابٍ»، الجنةَ ولَّا الجنةُ؟
طالب: الجنةَ.
الشيخ: ينفع (...)، إذن هذا على خلاف الأصل.
وقوله: «فِي ذُبَابٍ» في هنا للسببية، يعني بسبب، وليست للظرفية معلوم، «وَدَخَلَ النَّارَ رَجُلٌ فِي ذُبَابٍ»؛ أي: بسببها، بسبب ذباب، يدخل الجنة ولَّا يدخل النار؟ نعم (...) صعب وسهل.
قالوا: كيف ذلك يا رسول الله؟ قال: «مَرَّ رَجُلَانِ عَلَى قَوْمٍ لَهُمْ صَنَمٌ، لَا يَجُوزُهُ أَحَدٌ حَتَّى يُقَرِّبَ لَهُ شَيْئًا، فَقَالُوا لِأَحَدِهِمَا: قَرِّبْ. قَالَ: لَيْسَ عِنْدِي شَيْءٌ أُقَرِّبُهُ. قَالُوا لَهُ: قَرِّبْ وَلَوْ ذُبَابًا، فَقَرَّبَ ذُبَابًا، فَخَلَّوْا سَبِيلَهُ، فَدَخَلَ النَّارَ». شوف إذن ذبح لغير الله. هو ذبح شيئًا يؤكل ولَّا ما يؤكل؟
طلبة: ما يؤكل.
الشيخ: طبعًا ما يؤكل، لكن مراده التقرب إلى هذا الصنم، فكان مشركًا فدخل النار.
(«وَقَالُوا لِلْآخَرِ: قَرِّبْ. قَالَ: مَا كُنْتُ لِأُقَرِّبَ لِأَحَدٍ شَيْئًا دُونَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَضَرَبُوا عُنُقَهُ، فَدَخَلَ الْجَنَّةَ». رواه أحمد) .
هذا الحديث الحقيقة إني أنا آسف، إن الذين يخرجون أحاديث الباب ما جابوا لنا عنه شيئًا، ما هو عندك هذا؟
طالب: هذا العاشر.
الشيخ: هذا العاشر.
هذا عندك، عندك العاشر، والثاني عشر.
طالب: الثاني عشر، والثالث عشر.
الشيخ: لا، اللي عندي أنا رقم عشرة، واثنا عشر، على كل حال أنا ودي أن اللي عليه المسؤولية (...)، هذا الحديث أولًا.
طالب: (...).
الشيخ: الشارح دكتور عبد الحميد يقول: إنه ما هو موجود، لكن ربما أنه في كتاب السنة للإمام أحمد.
طالب: (...).
الشيخ: هاه؟
طالب: (...).
الشيخ: لحظة، والحديث أولًا: أن طارق بن شهاب اتفق المترجمون أنه لم يسمع من الرسول صلى الله عليه وسلم، واختلفوا في صحبته؛ فمنهم من أقرَّها، ومنهم من نفاها، ونحن الآن إذا قلنا بأنه صحابي فإنه لا يضر أنه سمع من الرسول أم لم يسمع؛ لأن مرسل الصحابي حُجَّة كما هو معروف، وإن قلنا: غير صحابي، فإنه مرسل. ومرسل غير الصحابي؟
طالب: من أقسام الضعيف.
الشيخ: من أقسام الضعيف، هذه واحدة.
ثانيًا: الحديث معنعن من قبل الأعمش سليمان بن مهران، وتعرفون أن الأعمش من المدلسين، وهذه آفة في الحديث، فالحديث في النفس منه شيء من أجل هذين السببين.
طالب: إذا ما ساق أحسن.
الشيخ: أحسن؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، ما (...)، والمسألة لو يقرب الإنسان للصنم أدنى من الذباب فهو مشرك.
طالب: كيف (...)؟
الشيخ: اللهم (...).
طالب: (...) يا شيخ؟
الشيخ: إي، معناه (...).
طالب: الإشراك.
الشيخ: ما فيه إشراك.
أو جميع العبادات، فإن كان الأول فهو من باب عطف المتغايرين، وإن كان الثاني فهو من باب؟
طالب: عطف العام..
الشيخ: عطف العام على الخاص، ويدخل في هذا الثاني أيضًا، يدخل فيه الذبح؛ لأن الذبح من العبادة، ورجحنا العموم؛ يعني يدخل فيه الذبح، ولو خصصناه بالذبح خرج بقية العبادات ما عدا الصلاة، والزكاة.
وقوله: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر: ٢] قلنا: إن المراد بالنحر هنا زكاة الإبل، ويشمل الذبح أيضًا، وهو يكون في البقر، وفي الغنم، وهو دليل على أن الذبح عبادة؛ لأن الله تعالى أمر به.
طالب: (الثالثة: البداءة بلعنة من ذبح لغير الله.
الرابعة)
.
الشيخ: في أيش؟
طالب: من ذبح لغير الله.
الشيخ: في أي شيء؟ يعني في أي دليل؟
طالب: حديث علي.
الشيخ: حديث علي: حدَّثني رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع كلمات: «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ» ، وإنما بدأ به لأنه من الشرك، والله تعالى عندما يذكر الحقوق يبدأ أولًا بالتوحيد: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [النساء: ٣٦]، وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء: ٢٣]، وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ [البقرة: ١٧٧]، إلى آخره.
طالب: (الرابعة: لعن من لعن والديه، ومنه: أن تلعن والدي الرجل، فيلعن والديك).
الشيخ: ما معنى لعن الرجل؟ أو لعن الإنسان للإنسان، ويش معناه؟
طالب: (...).
الشيخ: أو السب والشتم قلنا: له معنيان؛ أحدهما: الدعاء عليه باللعن، والثاني: سبه وشتمه؛ لأن الرسول فسره قال: «يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ».
طالب: (الخامسة: لعن من آوى محدثًا، وهو الرجل يحدث شيئًا يجب فيه حق الله، فيلتجئ إلى من يجيره من ذلك).
الشيخ: هذا أيضا قلنا: إنه يشمل أيش؟
طالب: الإحداث في الدين وفي الجرائم.
الشيخ: الإحداث في الدين والجرائم؛ فمن آوى محدثًا ببدعة فهو داخل في هذا، ومن آوى محدثًا بجريمة فهو أيضًا داخل في هذا. وإذا كان هذا فيمن آواه، فالذي فعل بيكون أشد، والحق يقال: إن الذي آوى أشد من جهة أنه يناصر هذا، ويقوي الجانب، بخلاف الفاعل فإن جرمه خاص به.
طالب: (...).
الشيخ: ما نتعدى الحديث، من آواه فهو ملعون، والواسطة يعني.. أقصد اللي يشفع له؟
طالب: (...).
الشيخ: يشفع له، هذا ما يجوز، الشفاعة في الحدود محرمة. (...).
قد يقال: إنه يدري، وقد يقال: إنه ما يدري؛ لأن الإيواء معناه أنه يناصره، ويأتي بقوة، إن الشافع فيه مثلما يقول العامة: قد مدَّ يدًا قصيرة، قد يُقْبل، وقد لا يُقْبل.
طالب: الجرائم (...)؟
الشيخ: هو الظاهر، الظاهر أنه يجعل مثل الإفساد في الأرض، محاربة الله ورسوله.
طالب: لا، تكون اللعنة بعموم المعاصي.
الشيخ: ما هو بالظاهر؛ لأن عموم المعاصي أصلًا ما توجب اللعنة، لكن يقال هذا لأنه محمول على الكبائر.
طالب: اليهود والنصارى؟
الشيخ: إي نعم، اليهود والنصارى إذا آواهم من أجل حدثهم فهو معلوم، إذا آواهم للدفاع عنهم وعن عقيدتهم، فهو داخل في هذا، وإن آواهم لسبب آخر فلا يدخل فيه.
طالب: (...) للدفاع عنهم (...)؟
الشيخ: بينهم فرق؛ لأن المسلم المستور عليه إذا كان -مثلًا- جاء تائبًا، أو هذا أول ما حصل منه، أما إذا كان إن الرجل سيتمرد ويبقى على ما هو عليه، أو أنه ممن عرف بالجراءة على هذا الأمر، فلا يجوز ستره؛ لأن الستر فيمن يحب الاختفاء، وأما اللي متمرد -والعياذ بالله- فهو ما يجب (...).
طالب: (السادسة: لعن من غير منار الأرض، وهي المراسيم التي تفرق بين حقك وحق جارك، فتغيرها بتقديم أو تأخير).
الشيخ: إذن منارُ الأرض: أعلامُها، وهي المراسيم اللي بينك وبين جارك، أو بينك وبين السوق مثلًا؛ لأن الحديث عام.
فمثلًا لو أن الإنسان قدَّم مراسيمه ودخل السوق، فهو داخل في اللعن، ولو أخَّر مراسيم الإنسان ليوسع في السوق ظلمًا، فهو داخل في اللعن. يعني مثلًا يجي الواحد يقول: أخِّر -مثلًا- مراسيمك؛ لأنه ودنا أن الشارع يتوسع. هذا حرام، ما يجوز إلا بإذنه، إن أذن أو عوض، وإلا فهو محرَّم وداخل في اللعن.
طالب: (السابعة: الفرق بين لعن المعين ولعن أهل المعاصي على سبيل العموم).
الشيخ: طيب، من أين نأخذ هذا الفرق؟
طالب: من الحديث..
الشيخ: هذا عام، لكن من أين نأخذ أن المعين يخالف هذا؟
طالب: حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ آوَى مُحْدِثًا».
الشيخ: ما هو هذا عام؟
طالب: (...).
الشيخ: (...) عام، «مَنْ آوَى مُحْدِثًا»؟
طالب: (...).
الشيخ: المؤلف يقول: إنك -مثلًا- لو رأيت إنسانًا قد آوى محدثًا، ما تقول له: لعنك الله، تقول: لعن الله من آوى محدثًا، ما تلعنه هو بعينه. من أين يؤخذ هذا من الحديث؟
طالب: من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا».
الشيخ: هذا؟
طالب: يعني أنه..
الشيخ: عام، هذه واضحة أنه يلعنه على سبيل العموم.
طالب: يعني ما قال: العموم (...).
الشيخ: إذا قال على.. يعني هذا واضح أنه على سبيل العموم، إذا قال: اللهم العن من آوى محدثًا، اللهم الْعن من غيَّر من الأرض، فهذا واضح، لكن لعن المعين، يقول المؤلف: إنه يفارق هذا الشيء، ما (...) العموم، فنحتاج إلى دليل. وهل الدليل يمكن يؤخذ مما ذكره أو من دليل منفصل؟
طالب: دليل منفصل.
الشيخ: ويش هو الدليل المنفصل؟ نقول: الدليل على هذا أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما صار يلعن أناسًا من المشركين من أهل الجاهلية؛ اللهم العن فلانًا وفلانًا وفلانًا، نهي عن ذلك ولَّا لا؟ نُهِيَ عن هذا، وقيل له: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ [آل عمران: ١٢٨]، ما لك تلعن رجلًا معينًا يمكن يتوب الله عليه، وكم من إنسان كان على وصف يستحق به اللعنة ثم؟
طالب: تاب الله عليه.
الشيخ: تاب، فتاب الله عليه. فإذن يؤخذ من دليل منفصل، وكأن المؤلف رحمه الله قال: إن الأصل عدم جواز إطلاق اللعن، فجاء هذا الحديث لاعنًا للعموم، فيبقى الخصوص؟
طالب: على أصله.
الشيخ: على أصله؛ لأن المسلم ليس باللعان ولا بالطَّعان، والرسول عليه الصلاة والسلام ليس لعَّانًا ولا طعَّانًا، فالأصل إذن المنع من اللعن، هذا الأصل، فهذا الحديث الآن فيه لعن العموم ولَّا لا؟
طالب: فيه.
الشيخ: إذن يبقى لعن المعين على أصله. لعل هذا وجه أخذ المؤلف الحكم من هذا، وإلا ما فيه تفريق في الحديث.
والخلاصة الآن: أن لعن المعين لا يجوز. والعلة أشار الله إليها في القرآن، ما هي؟
طالب: أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ.
الشيخ: أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ [آل عمران: ١٢٨]، وأما لعن العموم: لعن الله من آوى محدثًا، لعن الله من تخلَّى في طريق الناس، لعن الله من تخلى في ظلِّهم، وما أشبه ذلك؛ فهذا لا بأس به.
طالب: (الثامنة: القصة العظيمة، وهي قصة الذباب).
الشيخ: إي نعم، هذه القصة تقدم لنا أن الحديث؟
طالب: ضعيف.
الشيخ: فيه ضعف. من أي وجه؟
طالب: عنعنة الأعمش، وطارق بن شهاب.
الشيخ: إي، عنعنة الأعمش، ومسألة طارق بن شهاب، وقلنا: إنه أيضًا الذي يخرج (...) يحدد لنا الموضوع أكثر بعد، قال هذا، كأن المؤلف رحمه الله يصحح الحديث، المؤلف كأنه قد صحح الحديث، ولهذا بنى عليه الحكم، والحكم المأخوذ من دليل فرع عن صحته، إذا لم يكن صحيحًا ما فرعنا، وقصة الذباب كما هي معروفة؛ أن الرجل الذي قال: ما عندي شيئًا أقرب، قالوا له: قرِّب ولو ذُبابًا، فقرَّب ذُبابًا، والثاني قال: ما كنت لأقرب لأحد شيئًا دون الله، فقتلوه، فالأول دخل النار، والثاني دخل الجنة.
طالب: يا شيخ، قول ابن القيم رحمه الله (...)؟
الشيخ: ابن القيم؟
طالب: إي، قال ابن القيم رحمه الله: قال الإمام أحمد، وساق الإسناد.
الشيخ: في تيسير العزيز الحميد يقول: إني ما رأيته في المسند، ولعله في كتاب آخر له؛ للإمام أحمد، ولكنه (...).
طالب: (...) ابن القيم.
الشيخ: والسند، إي ما يخالف، والسند إذا (...) الحكم لا يكون (...).
طالب: في أي كتاب لابن القيم؟
الشيخ: هل (...)؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: إي نعم، ما أعرفه.
طالب: (التاسعة: كونه دخل النار بسبب ذلك الذُّباب الذي لم يقصده، بل فعله تخلُّصًا من شرِّهم).
الشيخ: هذا في الحقيقة ما هو مُسلَّم، هذا ليس مسلما، فإن قولهم: «قَرِّبْ وَلَوْ ذُبَابًا»، يقتضي أنه فعله؟
طالب: قاصدًا..
الشيخ: قاصدًا التقربَ، أما لو فعله تخلُّصًا من شرِّهم، فإنه لا يكفر؛ لأنه ما قصد التقرب. ولهذا قال العلماء في الفقه: لو أُكْرِهَ على طلاق امرأته، فطلق تبعًا لقوله؛ يعني طلَّق ناويًا الطلاق، فإن الطلاق يقع، وإن طلَّق دفعًا للإكراه لم يقع الطلاق، فهذا حق لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» .
وظاهر القصة التي ذكرها المؤلف في هذا الحديث تدل على أن الرجل قرب بنية التقرب؛ لأن الأصل أن فعلًا بُنِيَ على طلَبٍ، ويش يكون؟ موافقةً لهذا الطلب، فهو الأصل، ما دام أنه فعل فعلًا مبنيًّا على طلبٍ -وهو أن يقرب لهذا الصنم- فإننا نحكم أنه فعله بنية هذا التقرب.
ونحن نرى خلاف ما يرى المؤلف في هذه المسألة؛ بأنه لو فعله لقصد التخلص ولم يقصد التقرب لهذا الصنم بل يبغضه ولا يحبه، فإنه لا يكفر؛ لعموم قول الله تعالى: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ [النحل: ١٠٦]، وهذا الذي فعل ما يوجب الكفر تخلُّصًا قلبه مطمئن بالإيمان.
فالصواب أنه لا فرق بين القول المكره عليه والفعل، إن كان بعض العلماء يفرق يقول: إذا أكره على القول فقال؛ لم يكفر، وإن أكره على الفعل ففعل؛ كفَرَ، ويستدل بقصة الذباب، وقصة الذباب -كما ترون- فيها نظر من حيث صحتها. وفيها نظر أيضًا من حيث الدلالة؛ لما شرحناه لكم. ويش في الشرح اللي قلناه؟ فعل مبني على طلب، فيحال على هذا الطلب، ولو فرض أن فيه احتمالًا أن الرجل تقرَّب بالذباب تخلصًا، لو فرض هذا فإن لدينا نصًّا محكمًا في الموضوع؛ نص قرآني محكم وهو: مَنْ كَفَرَما قال بالقول مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ، فما دام عندنا نص من القرآن واضح وصريح، فإنه لو وردت سنة صحيحة على وجه يشتبه فإنها تُحْمَل على هذا النص المحكم.
طالب: (...) تخلص من (...)؛ لأن اللي أبى قتله؟
الشيخ: إي، اللي أبى قتلوه؛ لأنه ما قرَّب.
طالب: قد يقول هذا (...).
الشيخ: قد لا يخطر ببال الإنسان أنه يفعل الشيء تقربًا، ربما لا يخطر، وربما أن تكون هذه القصة أيضًا في شريعة من قبلنا أنهم يؤاخذون بالإكراه، وأنه يجب عليهم الصبر ولو قتلوا.
طالب: نراجع القراءة؟
الشيخ: عندنا الرسول يتحدث لأجل يبتدأ من الأول، وهو التقرب إلى الأصنام ولو بما لا يُؤْبَه به، ولكن عندنا آية، وكثير من الآصار والأغلال التي على الأمم السابقة رُفِعَت عنا.
طالب: (...) ليس عنده شيء يقربه؟
الشيخ: نعم.
طالب: ما يدل على أن اللي ما عنده (...) بشيء آخر (...)؟
الشيخ: إي، ربما نعم، ربما أن الصادق في قوله: «لَيْسَ عِنْدَهُ شَيْءٌ يُقَرِّبُهُ»، أو أنه يريد أيضًا الدفع.
المهم على كل حال، إذا حملناه على ظاهره فمعنى ذلك أنه قرر أنه ذبح هذا الذباب تقربًا إلى هذا الصنم، إنما الدلالة الحالية تدل على أنه أراد التقرب.
طالب: (العاشرة: معرفة قدر الشرك في قلوب المؤمنين، كيف صبر ذلك على القتل ولم يوافقهم على طلبهم مع كونهم لم يطلبوا إلا العمل الظاهر).
الشيخ: إي نعم، وهذه المسألة فيها تفصيل في الحقيقة؛ هل الأولى أن الإنسان يصبر إذا أكره على الكفر، الأولى أنه يصبر ويقتل، أو الأولى أن يوافق ظاهرًا ويتأول؟
أما كونه يوافق ظاهرًا وباطنًا فهذا لا شك أنه غير جائز، الموافقة ظاهرًا وباطنًا هذه لا تجوز؛ لأنه ردة.
فالأقسام ثلاثة الآن:
إما أن يوافق ظاهرًا وباطنًا. وهذا؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: هذا حرام ولا يجوز، أو يوافق ظاهرًا لا باطنًا، ولكن يقصد التخلص من الإكراه، وهذا جائز.
أو لا يوافق لا ظاهرًا ولا باطنًا ويُقتل مثلًا، فهذا أيضًا جائز وهو من الصبر.
لكن أيهما أولى: أن يصبر ولو قُتِل، أو أن يوافق ظاهرًا؟
طالب: (...).
الشيخ: فيه تفصيل: إذا كان الإكراه لا يترتب عليه ضرر في الدين للعامة، فإن الأولى أن يوافق ظاهرًا لا باطنًا، لا سيما إذا كان بقاؤه فيه مصلحة للناس؛ مثل: صاحب مال، أو صاحب علم، أو ما أشبه ذلك، وحتى وإن لم يكن فيه مصلحة، ففي بقائه على الإسلام وزيادة العمل الصالح خير، وهو قد رخص له فيه بأيش؟
طلبة: بالإكراه.
الشيخ: في أن يكفر ظاهرًا عند الإكراه، فالأولى أن يتأول، ويوافق ظاهرًا لا باطنًا. أما إذا كان في موافقته وعدم صبره ضرر في الإسلام، فإنه يصبر. وقد يجب الصبر، وأن الصبر حينئذٍ من الجهاد في سبيل الله. ولهذا لما شكى الصحابة للنبي عليه الصلاة والسلام ما يجدونه من مضايقة المشركين، قص عليهم قصة من كان قبلنا؛ بأن الإنسان يمشط ما بين لحمه وجلده بأمشاط الحديد وهو يصبر، ومعنى ذلك أنه يقول لهم: اصبروا على الأذى.
ولهذا الإمام أحمد رحمه الله أوذي وصبر، وهو يرى بعض العلماء يسكت، لأن الإمام أحمد لو أنه وافقهم ظاهرًا؟
طالب: فيه مفسدة عامة.
الشيخ: فيه مفسدة عظيمة في الدين، فالصبر هنا من باب الصبر على الجهاد في سبيل الله، ما هو من باب إبقاء النفس، هذا ليس من باب الصبر لإبقاء النفس، من باب الصبر، ويش لونه؟
طالب: للجهاد في سبيل الله.
الشيخ: للجهاد في سبيل الله، والإنسان يجب أن يجاهد في سبيل الله بماله ونفسه، فصار فرق بين الإكراه الشخصي اللي ما يترتب عليه شيء، فله -كما قلت- كم حالة؟
طالب: أربع حالات.
الشيخ: لا، ثلاث حالات، موافقة ظاهرة وباطنة، هذه ما تجوز، موافقة ظاهرًا لا باطنًا، فهذه جائزة، والثالثة: الصبر على القتل، فهذه أيضًا جائزة، ولكن الأولى الأخذ بالرخصة، لما في البقاء من المصلحة، أما إذا كانت المسألة: الإكراه يضر بالدين؛ يعني أُكْرِه على عمل إذا وافقهم عليه أضر بدين الله، فإن الواجب الصبر؛ حماية للنفس ولَّا حماية للدين؟
طلبة: حماية للدين.
الشيخ: حماية للدين؛ لأن هذا من باب الجهاد في سبيل الله، والصحابة رضي الله عنهم لو حصل منهم -والعياذ بالله- موافقة للمشركين في ذلك الوقت، المسلمون قلة في مكة، هذا ضرر عظيم على الإسلام، كذلك الإمام أحمد رحمه الله لو أنه وافق ظاهرًا، حصل في ذلك مضرَّة على الإسلام. هذا هو التفصيل في مسألة الإكراه.
طالب: (الحادية عشرة: أن الذي دخل النار مسلم؛ لأنه لو كان كافرًا لم يقل: دخل النار في ذباب).
الشيخ: هذا صحيح؛ يعني أن هذا الرجل كفر، شو به؟
طالب: بالذباب.
الشيخ: بالذباب، فكان هو السبب في دخوله النار، فكان بالأول مسلمًا، ثم كفر بتقريبه للصنم.
وقوله: (في ذباب) (في) للظرفية؟
طالب: (...).
الشيخ: ما تصلح للظرفية، لكن بسبب، (...) قوله صلى الله عليه وسلم؟
طالب: «دَخَلَتِ النَّارَ».
الشيخ: «دَخَلَتِ النَّارَ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا» ، (في) للسببية.
طالب: (الثانية عشرة: فيه شاهد للحديث الصحيح: «الْجَنَّةُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ، وَالنَّارُ مِثْلُ ذَلِكَ») .
الشيخ: الله أكبر! والغرض من هذا الترغيب والترهيب؛ الغرض من هذا إذا علم الإنسان أن الجنة أقرب إليه من شراك النعل فإنه ينشطه على السعي، يقول: ما هي بعيدة، مثل قول الرسول عليه الصلاة والسلام لما سئل عن عمل يدخله الجنة ويباعده من النار، قال: «لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْ عَظِيمٍ»، فبعَّده، ثم قال: «وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ» . فالجنة إذا قُرِّبَت، وقيل للإنسان: هي أقرب إليك من شراك النعل، فهو ينشط، فيسعى لها، والنار إذا قيل له: إنها أقرب إليك من شراك النعل، فإنه يخاف ويتوقَّى في مشيه؛ لئلا يزِلَّ فيهلك. وربَّ كلمةٍ توصل الإنسان إلى أعلى عليين، وكلمة أخرى توصله إلى أسفل السافلين.
طالب: الشراك، شراك نعله؟
الشيخ: الشِّراك هذا الخيط الذي يكون على رأس القدم، النعل.
طالب: بين أصبعه؟
الشيخ: إي نعم.
طالب: (الثالثة عشرة: معرفة أن عمل القلب هو المقصود الأعظم حتى عند عبدة الأوثان).
الشيخ: الحقيقة أن الثالثة عشرة مع التاسعة فيها شبه تناقض؛ لأنه في الثالثة عشرة أحال الحكم على؟
طالب: عمل القلب.
الشيخ: على عمل القلب، وفي التاسعة أحاله على الظاهر؛ لأنه قال: (تخلُّصًا من شَرِّهم)، فمعنى ذلك أن باطنه سليم، وهنا يقول: إنه العمل بعمل القلب. ولا شك أن ما قاله المؤلف حق بالنسبة إلى أن المدار؟
طالب: على القلب.
الشيخ: على القلب، الحقيقة أن العمل مركب على القلب، والناس يختلفون في أعمال القلوب أكثر من اختلافهم في أعمال الأبدان، والفرقان بينهم قصدًا وذلًّا، الفرقان بينهم أعظم من الفرقان بين أعمالهم البدنية، ولَّا لا؟ إي نعم؛ لأن كثيرًا من الناس -مثلًا- قد يعبد الله ويقصد الله، لكن عنده نوع من الاستكبار -نسأل الله العافية- عنده نوع من الاستكبار، ما يذل لكل الحق، ولا يذعن لكل الحق.
وبعض الناس أيضًا يكون عنده ذلٌّ للحق كله، لكن ناقص في القصد، يكون عنده نوع من الرياء مثلًا، نسأل الله العافية.
ولكن أعمال القلوب لها أهمية عظيمة، ونحن دائمًا نكرِّر عليكم -بل هو تكرار على أنفسنا في الواقع- أن الإنسان يخلص أعمال القلب، وأقوال القلب. وأقوال القلب هي اعتقاداته، وأعماله تحركاته، فالإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، من أين؟
طالب: من اعتقاده.
الشيخ: من اعتقاده، فهي أقواله؛ أقوال القلوب.
والحب، والخوف، والرجاء، والتوكل، والاستعانة، وما أشبه ذلك، والإخلاص أيضًا، هو من أعمال القلوب.
إحنا دائمًا نكرر عليكم الاهتمام بأعمال القلوب، وأن الإنسان يحرص عليها غاية الحرص أكثر من الحرص على عمل البدن وقول اللسان؛ لأنها إذا صلحت.. كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ» .
طالب: (...).
الشيخ: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [الإسراء: ٨٢] عليك بالقرآن والسنة، هذا هو الدواء، القرآن والسنة هما الدواء، والرجوع إلى سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، ومعرفة أحواله عليه الصلاة والسلام وأقواله وجهاده ودعوته، هذا مما يعين على صلاح القلب.
ثم مما يُعين على صلاح القلب -مثلما قال المؤلف في مصطلح-: إن الإنسان يعرض عن الدنيا، ما يجعل لها همًّا في قلبه إطلاقًا، إلا مقدار ما يقوم به أَوَدُه ودينُه، بمعنى أنه ما يتبع قلبه الدنيا أبدًا.
(...) والنصارى، لا دين ولا دنيا، (...) حتى المال في القلب، ولا رأى أصحاب الأموال يتقطع قلبه حسرات، ومع ذلك ما عنده مال؛ يعني ما هو معنى وجود المال بيد الإنسان يدل على أنه متعلق به، فالقلب غير اليد، ولهذا كان من حكمة الرسول عليه الصلاة والسلام أنه إذا رأى ما يعجبه من الدنيا يقول: «لَبَّيْكَ، إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ» . شوف كيف لبَّيك؟ يعني أجبتك؛ لأن النفس قد تشغف، تشوف اللي أعجبه، تبتعد، فيقول: لبَّيك؛ يعني إقبالًا إليك، وإجابة لك، ثم يُسلِّي النفس، يُطمئنها، يقول لها: «إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ»، وهذا هو الحق، عيش الدنيا مهما كان فهو زائل، ومهما كان به من الأنس والسرور والفرح، فهو ما يساوي أنس المؤمن لحظة واحدة بالإيمان والإقبال على الله، أبدًا، وهذا أمرٌ لا نشك فيه، وهو مجرَّب.
يقول بعض السلف: لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف. الملوك وأبناء الملوك ما إحنا أكثر منهم في دار الدنيا، لو يعلمون ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف؛ لأن سرور القلب بالإيمان والتقوى غير سروره بكثرة المال، أو بحسن القصور، أو بالسيارات الفخمة، أو بالزوجات الجميلة، وما أشبه ذلك.
طالب: (...).
الشيخ: فرق.
طالب: بعض الناس (...) السرور بالمال.
الشيخ: نعم.
طالب: أقصد يعني (...) هذا المال (...).
الشيخ: هو على كل حال المال الصالح للرجل الصالح، أنا قصدي أنك ما تتبع قلبك الدنيا، ما بأقول: لا تعمل بالدنيا، الصحابة عملوا بالدنيا، وباعوا واشتروا، لكنها في أيديهم وليست في قلوبهم، المهم مثلما قال الرسول لعمر: «وَمَا لَا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ» ، لا تشغل، خلِّ نفسك دائمًا متعلقة بالمال، إلا في (...) وتقضي به حاجاتك، وتستغني به عن الناس، أو تتخذه لتتقرب به إلى الله، فأنا كما أن هذا الشخص يطلب العلم لينتفع به وينفع، فهذا ربما يوجد إنسان عنده مال يطلب المال لينتفع به وينفع، ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ»، أحدهما صاحب علم، يعلم الناس، والثاني صاحب مال ينفقه في سبيل الله وفيما ينفعه، فالمال والعلم، لكن أنا قصدي أن من أسباب صلاح القلب ألَّا تشغل قلبك بالدنيا، لا تشغله بالدنيا.
طالب: ويش معنى «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ» ؟
الشيخ: يعني: ما هنا شيء يغبط عليه الإنسان إلا هذا الأمر، الحسد هنا حسد الغبطة، ما هو معناه أنك تحسده لأن الله أعطاه هذا الشيء، تروح تحسده وتقول (...).
طالب: لا، يعني نقول (...).
الشيخ: إي، ما يخالف، ما فيه شيء.
طالب: علم أو مال؟
الشيخ: إي، ما فيه مانع، إذا استطاع الرجل وقال: لو أن عندي مال فلان لعملت فيه بعمل فلان، قال: «هُمَا فِي الْأَجْرِ سَوَاءٌ» .

***

باب: لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله

قال: (باب لا يُذْبَحُ لله بمكان يُذْبَحُ فيه لغير الله) هذا الانتقال من المؤلف من أحسن ما يكون؛ الأول: الذبح لغير الله، فنفس الفعل لغير الله، وهذا الذبح لله لكنه في مكان يُذْبَحُ فيه لغير الله، واحد بيذبح أضحية ولكنه في مكان يُذْبَحُ فيه للأصنام، هذه صورة المسألة.
لنفرض أن فيه مكان حوله قبر أو صنم، يذبح الناس عنده بهيمة الأنعام، يتقربون بها لصاحب هذا القبر، فأردت أنت أن تضحي لله عز وجل في هذا المكان، يجوز ولَّا لا؟ لا يجوز؛ لأنه موافقة للمشركين في ظاهر الحال، أنت الآن ظاهر حالك أنك موافق لهم ومشرك؛ لأنك ذبحت في هذا المكان الذي يُذْبَحُ فيه لغير الله، وربما أن الشيطان يُدْخِل في قلبك نِيَّةً سيئة، فيكون اعتقاد منك أن الذبح في هذا المكان أفضل، وما أشبه ذلك، وهذه لا شك أنها خطر على قلب الإنسان واتجاهاته. فالمهم أنه ما يجوز للإنسان يذبح لله في مكان يُذْبَحُ فيه لغير الله.
قال المؤلف: (وقول الله تعالى: لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ [التوبة: ١٠٨]).
قوله تعالى: لَا تَقُمْ فِيهِالضمير يعود على (مسجد)، مسجد مبني، لكن هذا المسجد النية فيه فاسدة، وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [التوبة: ١٠٧] أعوذ بالله! بئس النيات، اتخذوه ضرارًا لمسجد قباء، وهو حول مسجد قباء قريب منه، وقد أرانا بعض الناس مكانه (...) الآن، وترى الحائط حول المسجد؛ مسجد قباء، هذا المسجد اتخذ ضرارًا أو مضارة لمسجد قباء.
وثانيًا: كفرًا بالله؛ لأنه يقرر فيه الكفر -والعياذ بالله- إذ إن الذين اتخذوه منافقون.
والثاني: تفريقًا بين المؤمنين، بدل ما يخلي في مسجد قباء صفًّا أو صفين يصلي فيه نصف صفٍّ، ويروحون الباقون إلى المسجد الآخر، والشرع له نظر في اجتماع المؤمنين.
وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. يقال: إن فيه رجلًا ذهب إلى الشام وهو فاسق، وأنه كان بينه وبين المنافقين الذين اتخذوه مسجدًا مراسلات، فكانوا جعلوا هذا المسجد بتوجيهات منه، ويجتمعون فيه لتقرير ما يريدونه من المكر والكيد بالرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فقال الله تعالى: وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى [التوبة: ١٠٧] هذه جُنة المنافقين، جُنة المنافقين الأيمان الكاذبة.
(يحلفن إنْ) مخففة من الثقيلة؟
طلبة: لا، نافية.
الشيخ: نافية. الدليل؟
طالب: وقوع الاستثناء.
الشيخ: وقوع الاستثناء بعدها، إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى؛ يعني: ما أردنا إلا الحسنى، والجواب على هذا اليمين الكاذب: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [التوبة: ١٠٧]، الله أكبر! في جانب المنافقين يذكر الله الشهادة، والحكمة من هذا لأن ما يقرونه في قلوبهم، ولا يعلم ما في القلوب إلا علام الغيوب، فكأن هذا المضمر في قلوبهم بالنسبة إلى الله كأنه أمر مشهود يُرَى بالعيان، ولهذا قال: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ [المنافقون: ١] في سورة المنافقين، وهنا قال: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ.
ثم قال: (لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا) ولَاناهية، وتَقُمْفعل مضارع مجزوم بـ(لا) الناهية، وعلامة جزمه؟
طالب: حذف الواو.
الشيخ: حذف الواو؟ لا.
طالب: (...).
الشيخ: علامة جزمه السكون، لكن حذف الواو؛ لأنه لما سكن آخره والواو ساكنة، حذف.
قال: لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًاأَبَدًاوهذه إشارة إلى أن هذا المسجد سيبقى مسجد نفاق والعياذ بالله، ما يمكن أن يقال: مسجد إيمان.
لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى(اللام) هذه للابتداء، و}مَسْجِدٌ} مبتدأ، وخبره أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ. وفي قوله: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىفي هذا التنكير تعظيم، بدليل قوله: أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى؛ أي: جُعِلَت التقوى أساسًا له، فقام على التقوى.
أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ؛ يعني: من هذا المسجد الضرار، فهنا حق الظاهر -والله أعلم- أنه الأحقية الواجبة؛ لأنه أوجب، أما ذا فليس بجائز أن تقوم فيه.
ثم قال: فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا [التوبة: ١٠٨].
(...) لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ، وبيَّنا أن هذا يعني مسجد؟
طالب: الضرار.
الشيخ: الضرار، وأن وجه المناسبة أنه لما كان مسجد الضرار مما اتُّخِذَ للمعاصي؛ ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ [التوبة: ١٠٧]، فنهى الله تعالى رسوله أن يقوم فيه، كان فيه دليل على أن كل مكان يُعْصى فيه الله عز وجل فإنه لا يُقام فيه، فهذا المسجد مُتَّخَذ للصلاة لكنه محل معصية، فلا تُقام فيه الصلاة، هذا المكان لو أراد الإنسان يذبح فيه -وهو مما يُذْبَحُ فيه لغير الله- كان ذلك حرامًا؛ لأنه يشبه الصلاة في مسجد الضرار الذي فيه معصية الله. وأظن كملنا الكلام على الآية إلى آخرها؟
طالب: إي.
الشيخ: لأن المؤلف يقول: (الآية)، لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا [التوبة: ١٠٨].
فِيهِ؛ أي: في هذا المسجد، رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوابخلاف مسجد الضرار؛ فإن فيه رجال كلهم رجس، كما وصفهم الله به في قوله: سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ [التوبة: ٩٥] فالمنافقون رجس، وأهل مسجد قباء يحبون أن يتطهروا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ.
وقوله: يَتَطَهَّرُوايشمل طهارة القلب، وطهارة البدن، طهارة القلب. منين؟ من الشرك والنفاق، والحقد والغل، وكل ما يلوث القلب، وطهارة البدن من النجاسات والأقذار، وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَأصلها؟
طالب: المتطهرين.
الشيخ: المتطهرين، لكن أدغمت التاء بالطاء لعلة تصريفية معروفة.
وقوله: يُحِبُّهذه محبَّة ثابتةٌ لله عز وجل حقيقةً، يحب حقيقة كما يليق بجلاله وعظمته. وأهل التحريف يقولون: إن المراد بالمحبة الثواب، أو إرادته، فيفسرونه إما بالفعل أو بإرادة الفعل. ولا ريب أن هذا خطأ، وأن الصواب إثبات المحبة لله سبحانه وتعالى، ولكنها ليست كمحبة المخلوقين.
قال: (وعن ثابت بن الضحاك)..
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم.
طالب: أيش لون؟
الشيخ: صحيح؛ لأن هذا مكان يُعْصى فيه الله عز وجل، هذا المسجد، والله نهى نبيه أن يقوم فيه، المكان الذي يُذْبَحُ فيه لغير الله، فيُنْهَى أن يُتَعَبَّد لله فيه، كما نُهِيَ أن يتعبد لله بالصلاة في مسجد الضرار.
طالب: الصلاة في الكنيسة؟
الشيخ: الصلاة في الكنيسة، تقدم لنا اختلاف أهل العلم فيها، وأن الصحيح ما ذهب إليه أمير المؤمنين عمر؛ أنه إذا لم يكن فيها صور فلا بأس بها.
طالب: أليس مكانًا لمعصية الله؟
الشيخ: قلنا: بلى، هي محل معصية، الحقيقة أنها محل معصية، وهذا محل إشكال، لكنه يمكن أن يجاب عنه بأن هؤلاء الذين يعصون الله يعتقدون أن هذه عبادة، فهم يمكنون منها؛ لأن الإسلام يقرهم على هذا العمل، كما هو معروف في الجزية، بخلاف هؤلاء، وأن هؤلاء ما يقرون على إنفاقهم.
طالب: وهل هذا التفريق؟
الشيخ: أقول: ربما يكون هذا الفرق.
(وعن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه قال: نذر رجل أن ينحر إبلًا ببوانة).
(نذر) النذر بمعنى الإلزام والعهد، وهو اصطلاحًا: إلزام المكلف نفسه عبادة غير واجبة. وبعضهم يقول: ما نحتاج نقيد غير واجبة، وأنه إذا نذر الواجب صار واجبًا من وجهين: من جهة النذر، ومن جهة أصل الشرع.
والنذر في الأصل مكروه، بل إن بعض أهل العلم يميل إلى تحريمه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه، وقال: «إِنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ» . ولأن النذر إلزام لنفس الإنسان بما جعله الله في حلٍّ منه، فيكون في ذلك زيادة تكليف على نفسه.
ولأن الغالب أن الذي ينذر يندم، وتجده يسأل، يريد الخلاص مما نذر لثقله عليه ومشقته، ولا سيما ما يفعله بعض العامة إذا مرض، أو تأخر له حاجة يريدها، تجده ينذر، كأنه يقول: إن الله لا ينعم عليه بجلب الخير أو دفع الضرر إلا بهذا النذر.
وقوله: (إبلًا ببوانة) الإبل اسم جمعٍ لا واحد له من لفظه، لكن له واحد من معناه، ويش واحده من معناه؟
طالب: بعيرٌ.
الشيخ: بعيرٌ. وقوله: (ببوانة) الباء بمعنى (في)، فهي للظرفية، والمعنى: بمكان يُسَمَّى بوانة.
(فسأل النبي صلى الله عليه وسلم)، يعني هل يفعل ويوفي بنذره، فقال: «هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟».
الوثن: كل ما عُبِدَ من دون الله؛ من شجر، أو حجر، منحوت أو غير منحوت، سواء كان مخلوقًا لله تعالى أو غير مخلوق. والصنم يختص بما صنعه الآدمي، فالوثن إذن: كل ما عُبِدَ من دون الله فهو وثنٌ.
قال: «هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ؟» قوله: «الْجَاهِلِيَّةِ» نسبة لمن كان قبل الرسالة، وسُمِّيت بذلك لأنهم كانوا على جهل عظيم.
وقوله: «يُعْبَدُ» صفة لقوله: «وَثَنٌ» وهو بيان للواقع؛ لأن الأوثان هي التي تُعْبَدُ من دون الله.
(قالوا: لا) (قالوا) مع أن السائل واحد، لكنه لما كان هذا السائل محضورًا -يعني عنده أناس- أجابه النبي عليه الصلاة والسلام، (قالوا: لا) وهذا لا مانع منه أن يكون المجيب غير السائل.
قال: «فَهَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟» «هَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ» العيد: اسم لما يعود ويتكرر، والعود بمعنى الرجوع، يعني: هل أن أهل الجاهلية اعتادوا أن يأتوا إلى هذا المكان، ويتخذوا هذا اليوم عيدًا وإن لم يكن فيها وثن؟
(قالوا: لا) إذن سأل عن أمرين: عن الشرك، ووسائله. وين الشرك؟
طالب: (...).
الشيخ: هل كان فيها وثن؟ وسائِلُه: العيد؛ أعياد الجاهلية التي يحضرونها ويكررونها كل سنة.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم لما قالوا: لا، في المسألتين، قال: «أَوْفِ بِنَذْرِكَ»، كلمة: (أوف) هنا فعل أمر مبنية على الكسر؟
طالب: لا.
الشيخ: أوفِ.
طلبة: حذف حرف العلة.
الشيخ: حذف الياء يعني؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: إي، مبني على حذف الياء، والكسرة قبلها دليل عليها.
وهل المراد به المعنى الحقيقي أو المراد به الإباحة؟ يحتمل أن يراد به الإباحة، ويحتمل أن يراد به المعنى الحقيقي؛ فبالنسبة لنحر الإبل المراد به المعنى الحقيقي، وبالنسبة للمكان المراد به الإباحة؛ لأنه ما يتعين أن يذبحها في ذلك المكان؛ إذ إنه لا يتعين أي مكان في الأرض إلا ما تميز بفضل. والأمكنة المتميزة بالفضل ما هي؟ المساجد الثلاثة أما غيرها فلا.
فعلى هذا نقول: أوف بنذرك بالنسبة لنحر الإبل من حيث هو نحر واجب، لا بد، وأما بالنسبة للمكان فهو مباح. والدليل على أنه للإباحة: أنه سأل هذين السؤالين، فلو أجيب بنعم لقال؟
طالب: لا توف.
الشيخ: لقال: لا توف. فإذن لما كان المقام يحتمل النهي ويحتمل الترخيص، نقول: إن الأمر في ذلك للإباحة.
وقوله: «أَوْفِ بِنَذْرِكَ»، علَّل عليه الصلاة والسلام فقال: «فَإِنَّهُ لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ» . (لا) هذه نافية للجنس، ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: و«وَفَاءَ» اسمها، و«لِنَذْرٍ» خبرها، و«فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ» صفة لـ«لِنَذْرٍ»؛ يعني: لا يمكن أن يُوفى نذرٌ في معصية الله؛ لأنه لا يتقرب إلى الله بمعصيته، وليست المعصية مباحة حتى نقول: افعلها.
والنذر ينقسم إلى قسمين، بل إلى ثلاثة أقسام، وبعضهم يقول إلى خمسة، لكن نشوف الآن:
أولًا: ما يجب الوفاء به، والثاني: ما يحرم الوفاء به، والثالث: ما يجري مجرى اليمين؛ يعني: إن شاء وفَّى به، وإن شاء كفََّر، فإذن النذر ثلاثة أقسام: ما يجب الوفاء به، وما يحرم الوفاء به، وما يجري مجرى اليمين.
ما هو الذي يجب الوفاء به؟
طالب: الطاعة.
الشيخ: نذر الطاعة؛ لقوله النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ».
والذي يحرم الوفاء به نذر المعصية؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ» ، وهنا قال: «لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ».
والذي يجري مجرى اليمين هو نذر المباح، ونذر اللجاج والغضب، سموه اللجاج والغضب، ما هو لازم يكون لجاجًا وغضبًا، نذر المباح. ويش مثل النذر المباح؟ مثل قال: لله علي نذر أن ألبس هذا الثوب. هذا ويش هو؟
طالب: مباح.
الشيخ: هذا نذر مباح، لبس الثوب هذا المعين؛ إن شاء لبسه، وإن شاء ما لبسه، فهذا حكمه حكم اليمين؛ إن شاء لبس الثوب، وإن شاء لم يلبسه وكفَّر كفارة يمين.
نذر اللجاج أيضًا يجري مجرى اليمين، وهو الذي يُقْصَد به معنى اليمين؛ يعني أنه يقصد الحث أو المنع، أو التصديق أو التكذيب، لو هو طاعة، فيُخيَّر بين فعله وكفارة اليمين.
مثاله: قال فلان: إن اليوم حصل كذا وكذا، فقال الآخر: لم يحصل، إن كان هذا حاصلًا فلله عليَّ نذر أن أصوم سنة أو أصوم شهرًا. ويش الغرض من هذا النذر؟
طالب: التصديق.
الشيخ: لا.
طالب: التكذيب.
الشيخ: الغرض التكذيب؛ أنه يقول: إنك كاذب، إن كان هذا حاصل، للهِ عليَّ نذر أن أصوم شهرًا، فهنا تبيَّن أن المخبر صادق. الناذر حنث ولَّا لا؟
طالب: حنث.
الشيخ: حنث، يُخيَّر الآن بين أن يصوم شهرًا أو أن يكفِّر كفارة يمين؛ لأنه إن صام شهرًا فقد وفَّى بنذره ولا حنث، وإن لم يصم حنث، والحانث في اليمين يكفِّر كفارة يمين.
ومثله أيضًا: لو نزل ضيفٌ على شخص، وأراد أن يذبح للضيف ذبيحة، وقال: إن ذبحت ها الذبيحة لله عليَّ نذر أني لأصوم شهرين، يقول لصاحب المنزل، ويش غرضه؟
طالب: الامتناع.
الشيخ: يريد يمتنع؛ لأنه ما هو برايح يذبح أي كلب ويصوم شهرين، لكن صاحب المنزل ذبح. فماذا يكون؟
طالب: يُخيَّر.
الشيخ: نقول لهذا الناذر: إن شئت فصُمْ شهرين، وإن شئت فكفِّر كفَّارة يمين.
طالب: يجب عليه أن يكفِّر هنا عن اليمين؟
الشيخ: لأن الله يقول: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ [التحريم: ١، ٢]، فجعل الله التحريم يمينًا، والنذر إيجابًا، بس عكس التحريم.
بقينا في نذر المعصية، قلنا: لا يوفي، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ». ولكن هل يجب عليه أن يكفِّر ولَّا ما يكفِّر؟ هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم؛ فقال بعضهم: لا يوفي بنذر المعصية، وعليه كفَّارة يمين؛ لأنه نذر ولم يَفِ، فإذا نذر ولم يفِ فليكفِّر. وقال آخرون: لا يجب عليه كفارة اليمين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما ذكر: «وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ».
ولكن المشهور من مذهب الإمام أحمد أنه يكفِّر كفارة يمين، واستدلوا بحديث ورد في السنن: أن النبي عليه الصلاة والسلام أمر في نذر المعصية أن يكفر كفارة يمين . وهذا أحوط، إذا كفَّر فهو أحوط، لا سيما وأن فيه مصلحة رادعة يردع به المرء أن ينذر نذر معصية.
طالب: صحة الحديث؟
الشيخ: لا، الحديث فيه ضعف، الحديث؟
طالب: (...).
الشيخ: إي، أقول: فيه خلاف وفيه ضعف، من أين؟ العلماء اختلفوا في صحته، اختلفوا في تحسينه، من يقول (...) الإمام أحمد، لكن بعضهم يقول بالقول الثاني، يقول: ما يكفِّر، ويضعِّف الحديث.
وقوله: «وَلَا نَذْرَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ» (...) ولا وفاء لنذر فيما لا يملك ابن آدم.
ويش مثال فيما لا يملك؟ الذي لا يملكه يحتمل معنيين: أحدهما ما لا يملك فعله شرعًا، والثاني: ما لا يملك فعله قدرًا، كل ما يملك.
الذي لا يملك فعله شرعًا: مثل لو قال: لله عليَّ نذر أن أعتق عبدَ فلانٍ، يصلح؟
طلبة: لا يصلح.
الشيخ: (...).
طالب: لأنه ما يملكه.
الشيخ: لأنه ما يملكه، ولو أعتقه ما عَتَقَ.
والذي لا يملك فعله قدرًا، قال: لله عليَّ نذر أن أطير من عنيزة إلى الرياض، أطير ما فيه الطيارة، بيديه. يملك هذا ولَّا ما يملك؟
طالب: ما يملك.
الشيخ: ما يملك، ما أحد يطير بيديه من هذا للرياض. لو قال: لله عليَّ نذر أن أصعد السماء، مثله؟
طالب: نعم.
الشيخ: مثله، ولهذا الفقهاء يمثلون لهذا بالمستحيل، لكن على كل حال الآن الطيران بدون طائرة معروف أنه ممكن.
طالب: لا وفاء (...).
الشيخ: نعم.
طالب: هنا (...).
الشيخ: إي، اللام حرف جر، نعم.
طالب: ما نقدر الخبر لو شاء يعني كائن؟
الشيخ: كائن.
طالب: لو كان؟
الشيخ: إي.
طالب: (...) خبرها (...).
الشيخ: (...) أنت محقق ومدقق، ما هو مرَّ علينا في هذه المسألة؟
طلبة: (...).
الشيخ: لا، قلنا: هل الخبر الجار والمجرور نفسه أو متعلق؟ الجار والمجرور، قلنا: فيه خلاف؛ بعض العلماء يقول: نفس الجار والمجرور هو الخبر، ونفس (...) هو الخبر، وبعضهم يقول: إن الخبر محذوف، وهذا متعلق به، المسألة سواء قلنا: إن هذا هو الخبر نفسه، أو إنه دال على الخبر، إنما هو الذي تَمَّ به الكلام.
طالب: يجوز يعني؟
الشيخ: يجوز، عاد نعم.
يستفاد من هذا الحديث ما ساقه المؤلف من أجله: وهو أنه لا يُذْبَح بمكان يُذْبَح فيه لغير الله.
والحكمة من ذلك أمران:
أحدهما: أن ذلك يؤدي إلى التشبه بهؤلاء الكفار.
والثاني: أنه يؤدي إلى الاغترار بهذا الفعل؛ لأن من رآك تذبح في مكان يُذْبَح فيه المشركون يظن أن فعل المشركين جائز وصحيح، ولذلك ذبح فيه فلان.
وفيه محظورات:
المحظور الأول: أنه يؤدي إلى التشبه بهم، إن لم يكن تشبهًا.
والثاني: أنه يؤدي إلى الاغترار بفعلهم؛ لأن من رآك تذبح في هذا المكان ظن أن هذا الفعل صحيح، ولا ريب أن هذا محرم.
ثم إن فيه أيضًا محظورًا ثالثًا؛ وهو أن هؤلاء المشركين سوف يقوون على فعلهم إذا رأوا من يفعل مثلهم، ولا شك أن تقوية المشركين من الأمور المحظورة، فإن الله يقول: وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ [التوبة: ١٢٠]، فإغاظة الكفار من الأعمال الصالحة التي يحبها الله عز وجل.
طالب: حديث: «مَنْ نَذَرَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ»، و«مَنْ نَذَرَ فِي مَعْصِيَة»، يعني يجب عليه كفارة يمين؟
الشيخ: إي نعم، على الخلاف في الموضوع.
طالب: من لم يستطع الوفاء بنذر الطاعة (...).
الشيخ: (...) يكفر (...).
طالب: فيما لا يملك.
الشيخ: لا، هذا إن كان نذر عن شيء يستطيعه، لكن (...).
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم.
طالب: (...).
الشيخ: يجب عليه الصوم.
نقول في هذا الباب مسائل:
المسألة الأولى يقول: (تفسير قوله تعالى: لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا [التوبة: ١٠٨]) وقد مَرَّ علينا تفسيرها، والضمير يعود على مسجد الضرار.
(الثانية: أن المعصية قد تؤثر في الأرض، وكذلك الطاعة). ويش لون؟
طالب: أنه حرَّم الوفاء في هذه الأرض؛ لأنه ارتكب معاصي فيها.
الشيخ: إي، أنه لما كانت هذه مكان الشرك حرم أن يؤدي الإنسان على وجه يشبه الشرك فيها؛ لأن الذبح في هذا المكان وهو يُذْبَح فيه لغير الله، مشابهة للمشركين في عملهم، والذبح في هذا المكان وفيه صنم مشابهة للمشركين في تعظيم هذا الصنم.
طالب: وكذلك مسجد الضرار؟
الشيخ: وكذلك مسجد الضرار، وبهذا يمكن أن نعرف أنه يزول الإشكال في مسألة الصلاة في الكنيسة؛ فإن مسألة الصلاة في الكنيسة وإن كانت صلاة، لكن صلاة أهل الكنيسة فيها تخالف صلاة المؤمنين، فلا يكون الإنسان متشبهًا بهم في هذا العمل، بخلاف الذبح في مكان يُذْبَح فيه لغير الله، فإن الفعل جنس واحد، الفعل واحد في جنسه ونوعه، على هذا لو أراد الإنسان أن يصلي في هذا المكان الذي يذبح فيه لغير الله ما هو بيذبح، يجوز ولَّا لا؟
طالب: هذا يجوز.
الشيخ: يجوز؛ لأنه ليس من نوع العبادة التي يفعلها المشركون في هذا المكان. وكذا الطاعة تؤثر في الأرض؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، الطاعة تؤثر في الأرض؟
طالب: نعم.
الشيخ: ويش تؤثر؟
طالب: قول العلماء: إن المسجد القديم أفضل.
الشيخ: إي نعم، المساجد أفضل من الأسواق، والقديم منها أفضل من الجديد، فإذن صار للطاعة أثر في المكان.
(الثالثة: رد المسألة المشكلة إلى المسألة البينة ليزول الإشكال). وين المشكلة؟
طالب: الآية لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى، قوله تعالى: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ [التوبة: ١٠٨]، فهذه بينة، ردها، يعني قارن بين المسألتين.
الشيخ: (رد المسألة المشكلة إلى المسألة البينة ليزول الإشكال).
طالب: (...).
الشيخ: ويش هو؟
طالب: (...).
الشيخ: (...).
طالب: (...).
الشيخ: وين الإشكال ووين البينة؟
طالب: الإشكال أن فيها (...).
طالب آخر: قوله تعالى: (...) هذا هو الإشكال، والبينة قوله تعالى: (...).
الشيخ: (...).
طالب: الإشكال في الآية؟
الشيخ: ويش هي؟
طالب: (...) على الذبح، (...) في الآية دليل على الذبح، والحديث هو البينة، شرح الآية.
الشيخ: (...).
طالب: لأنه (...) لأنه خص الرجل (...) هذا (...).
الشيخ: يعني تقصد استفسار الرسول صلى الله عليه وسلم من هذا؟
طالب: (...).
الشيخ: لئلا يكون الأمر مبهمًا.
طالب: (...).
الشيخ: تأتي، (...) يذبح لله، تأتي.
طالب: الآية، لقوله: لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًاوالآية الثانية، فلماذا لا تقم فيه، فبين أن لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ؟
الشيخ: ما أحد عنده شيء؟
طالب: أقول: إنه في الآية ظاهر (...)، وأنهم دعوا أنه يعني..، ولكن اللي بنوه منافقون، فهذا مشكل هل يجيب أو لا يجيب، في تلقي هذا المسجد.
ولكن فيه مسألة واضحة، وهو مسجد قباء، وهو مسجد أسس على التقوى من أول يوم، فلا تقم في هذا المسجد، وقم في هذا البين.
الشيخ: البين؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: فيه الشرح عندكم، أنا أقرب شيء عندي ما قاله؛ أن الرسول بيَّن له الحكم بالاستفصال، إنما ما عندكم بالشرح شيء؟
طالب: الشرح ما بيتكلم عنه.
الشيخ: أبدًا، ولا (...)؟
طالب: (...).
الشيخ: فتح المجيد؟
طالب: (...).
الشيخ: ما تكلم؟ الله أعلم أنا ما أدري (...)، لكن أقرب شيء عندي أنه رد المسألة المشكلة؛ لأن المنع -مثلًا- من الذبح في هذا المكان أمر مشكل، لكن الرسول بيَّن بالتفصيل أو بالاستفصال.
(الرابعة: استفصال المفتي إذا احتاج إلى ذلك).
هذه واضحة، أن النبي عليه الصلاة والسلام استفصل، ولكن السؤال الآن: هل يجب عليه أن يستفصل إذا وُجِد الاحتمال، أو في كل حال؟ إذا وُجِدَ الاحتمال، أما في كل حال، لا؛ لأننا لو -مثلًا- نبغي نستفصل من كل إنسان، لو كل واحد يسألنا عن مسألة بيع نقول له: هل الثمن معلوم؟ هل وقع معلق أو غير معلق؟ هل وقع بعد أذان الجمعة الثانية أو لم يقع؟ ولو بغينا نكتب في مسألة بسيطة نأخذ مجلدين، ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: لكن إذا كانت المسألة فيها احتمال يجب الاستفصال، مثل لو قال لك إنسان: مات ميت عن بنت وأخ وعم شقيق.
طالب: تستفصل.
الشيخ: تستفصل، عمن؟
طالب: عن الأخ.
الشيخ: عن الأخ، يجب، إن كان الأخ من أم سقط، والباقي للعم الشقيق، إن كان الأخ لأب أو شقيق أخذه، وسقط العم.
هذه الآن كون الرجل (...) ما يولد الإشكال أو الاحتمال؟
طالب: بلى.
الشيخ: بلى، يولد ذلك، ولهذا استفصل الرسول صلى الله عليه وسلم، المؤلف رحمه الله يقول: (استفصال المفتي) متى؟ (إذا احتاج إلى ذلك)، وإلا فلا حاجة.
(الخامسة: أن تخصيص البقعة بالنذر لا بأس به إذا خلا من الموانع). لقوله؟
طالب: «أَوْفِ بِنَذْرِكَ».
الشيخ: «أَوْفِ بِنَذْرِكَ».
(السادسة: المنع منه) ولكن لاحظوا إذا خلا من الموانع؛ سواء كانت الموانع واقعة، أو متوقعة تصير واقعة؛ مثل أن يكون فيها وثنٌ، أو فيها عيد من أعياد الجاهلية، والمتوقعة: ما يخشى أن يكون فتح باب لتعظيم هذا المكان، فإن خُشِيَ ذلك كان ممنوعًا. افرض مثلًا: واحد إذا بغى يضحي، يطلع يضحي عند الجبل، يجوز هذا ولَّا لا؟
طالب: في الأصل.
الشيخ: هو في الأصل جائز، لكن إذا كان يخشى أن العوام يقولون: لولا أن في هذا المكان مزية ما راح هذا الرجل يذبح هناك، إذا كان يخشى من المحظور ولو متوقعًا مُنِعَ.
(السادسة: المنع منه)؛ يعني من تخصيص البقعة (إذا كان فيه وثن من أوثان الجاهلية ولو بعد زواله). من أين نأخذه: (ولو بعد زواله
طالب: (هل كان).
الشيخ: من قوله: (هل كان؟) (كان) هذه فعل ماضٍ، (كان) فعل ماض، (هل كان فيها وثن؟) فعليه، نقول: ولو بعد زواله، بعد زواله ويش المحظور؟
طالب: قد يعود.
الشيخ: إي، يُخْشى أن يعاد.