باب: من الشرك النذر لغير الله
باب: من الشرك الاستعاذة بغير الله
فمسلمون جمع قلة، ومسلمات جمع قلة، ويكون فيما كان على وزن (أَفْعِلة)،
(أَفْعُل، فِعْلَه، أَفْعَال)، من جموع التكسير، يكون مما كان على هذه الأوزان من
جموع التكسير، عرفتم؟ هذه من جموع القلة.
إذن جموع القلة: جمع المذكر السالم،
جمع المؤنث السالم، و(أفْعِلة)، و(أفْعُل)، و(أفْعَال)، و(فِعْلَة)، من جموع
التكسير.
(كلمات) من جموع القلة ولَّا من جموع الكثرة؟
طلبة: من جموع القلة.
الشيخ: من
جموع القلة؛ لأنها جمع مؤنث؛ فهي من جموع القلة.
طالب:
هل (جموع) جمع المؤنث؟
الشيخ: كل جمع المؤنث كما قلنا،
ولكن الراجح أن جموع القلة قد تدل على الكثرة في القريب؛ ولهذا قال ابن مالك في
الألفية:
| وَبَعْضُ ذِي بِكَثْرَةٍ وَضْعًا يَفِي | .................................. |
يعني قد يأتي ويراد به جموع الكثرة:
| ............................ | كَـ(أَذْرُعٍ) وَالْعَكْسُ جَاءَ كَـ(الصُّفِي) |
(«كَلِمَات اللَّهِ») هنا، عندنا قرينة، إنها ما هي جمع قلة، جمع كثرة؛ لأن الله يقول: قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا [الكهف: ١٠٩] آية أبلغ من هذه: وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ، كل الأشجار بريت وجُعلت أقلامًا، وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ [لقمان: ٢٧] سبحان الله العظيم!
إذن هل يمكن أن نقول: كَلِمَاتُهنا جمع قلة؛ بمعنى أنها لا تزيد على عشرة؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا.
طالب: إلا في الله، بالنسبة لما أُضِيف لله فيكون جمعه؟
الشيخ: لا، المفرد إذا أُضِيف إلى معرفة، لله ولغير الله، يكون دالًّا على العموم.
الطالب: ما يكون هذا خاصًّا بالله؟
الشيخ: لا، ما هو بخاص بالله.
وقوله: («التَّامَّات») تمام الكلام بأمرين: الصدق في الأخبار، والعدل في الأحكام، قال الله تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ [الأنعام: ١١٥] وفي قراءة: {كَلِمَاتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا}.
بقي علينا أن الاستعاذة، إن قلنا: قد تكون شركًا، وقد تكون غير شرك، وظاهر كلام المؤلف أنها كلها من الشرك (...).
رَهَقًا [الجن: ٦] وقلنا: إن كيفية هذه الاستعاذة، أن الواحد منهم إذا نزل منزلًا، قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومهم، فهنا يقول الله عز وجل: وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا [الجن: ٦]، الفاعل مَنْ؟ الفاعل الجن، والمفعول الإنس، أي: فزاد الجن الإنسَ رهقًا، وقيل بالعكس: وأن الإنس زادوا الجن رهقًا، أي: زادوهم استكبارًا وعُتوًّا، ولكن الصحيح ما قررناه أولًا: أن الفاعل هو الجن زادوا الإنس، فحصل لهم عكس ما يريدون، فكانوا يريدون من الجن أن يعيذوهم ولكنه صار الأمر بالعكس، زادوهم رهقًا.
قال: (وعن خولة بنت حكيم رضي الله عنها، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا، فَقَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ») ، ذكرنا هذا أيضًا في الحديث، وذكرنا أن المراد بالكلمات هنا: الكونية والشرعية.
وقوله: («مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ») يعني من شر الذي خلق؛ لأن الله تعالى خلق كل شيء؛ الخير والشر، لكن الشر لا يُنسَب إليه؛ لأن هذا الشر الذي خلقه، خَلَقَه بحكمة، فعاد بهذه الحكمة عاد خيرًا.
فعلى هذا نقول: الشر ليس في فِعْل الله، بل هو في مَفْعُولات الله؛ أي: المخلوقات، وعلى هذا تكون الـ(ما)، (من شر ما) تكون موصولة أو مصدرية؟ موصولة لا غير، لأن من شر الذي خلق، لا من شر خلقه؛ لأنك لو أوَّلتها إلى مصدرية وقلت: من شر خلقك، لكان الخلق هنا مصدرًا يجوز أن يراد به الفعل، ويجوز أن يراد به المفعول، لكنك إذا جعلتها اسمًا موصولًا تعين أن يُراد بها المفعول، اللي هو المخلوق، من شر الذي خلقه الله، وليس كل ما خلقه الله فيه شر، لكن من شره إن كان فيه شر؛ لأن مخلوقات الله سبحانه وتعالى تنقسم إلى ثلاثة أقسام: منها شر محض، ومنها خير محض، ومنها ما فيه خير وشر؛ فالجنة خير محض، والنار شر محض، وإبليس شر محض، والرسل خير محض.
ومنه ما فيه خير وشر كعامة مخلوقات الله، فيها خير وفيها شر، وأنت إنما تستعيذ منين؟ من شر ما فيه شر، من شر ما خلق.
قال النبي عليه الصلاة والسلام: («لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْحَلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ»).
طالب: ولو استقر.
الشيخ: هنا يرحل، يصلح، المعنى يصلح هذا وهذا.
قوله: («لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ») كلمة «شَيْءٌ»، نكرة في سياق النفي، فتعم كل شيء، لا من شياطين الإنس، ولا من شياطين الجن، لا من الظاهر، ولا من الخفي.
(«حَتَّى يَرْحَلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ»)، وهذا خبر لا يمكن أن يتخلف مُخْبَره؛ لأن خبر النبي عليه الصلاة والسلام حق وصدق، لكن إن تخلَّف هذا الْمُخبر فهو لوجود مانع يمنع من حصول أثر هذا الخبر، ونظير ذلك كل ما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام من الأسباب الشرعية إذا فُعِلت فلم يحصل المسبَّب، فليس ذلك لخلل في السبب، ولكن لوجود مانع، قراءة الفاتحة على المرضى شفاء، ويقرؤها بعض الناس ولكن لا يُشفى المريض، لماذا؟
طلبة: لوجود مانع.
الشيخ: لوجود مانع، ما بالقصور في السبب، السبب قائم، لكن المانع هو الذي حالَ بين السبب وبين أثره.
«مَنْ أَتَى أَهْلَهُ فَقَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، إِذَا قُدِّرَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ» . وقد يقع ذلك ويضر الولد الشيطان، لماذا؟ لوجود مانع يمنع من حصول أثر هذا السبب، فعليك أن تُفتِّش ما هو المانع هذا حتى تزيله فيحصل لك الأثر؛ أثر السبب.
وقوله: (من نزل منزلًا) ظاهره سواء كان المنزل حضريًّا أو بريًّا، فإذا نزلت منزلًا فإنك إذا قلت ذلك لم يضرك شيء.
قال القرطبي: وقد جربت ذلك. والقرطبي وغيره يقول: جربتُ ذلك حتى إني نسيتُ ذات يوم حين دخلتُ منزلي أن أقول هذا، فلدغتني العقرب؛ لأني ما قلت هذا الشيء.
فعلى كل حال الإنسان المؤمن إذا قال مثل هذه الأحاديث، مثل هذه الكلمات، فإنه لا شك أنه لا يُصاب، وإذا تخلف هذا فهو لوجود مانع.
الشاهد من هذا الحديث: قوله: («أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ»)، والمؤلف يقول في الترجمة: (الاستعاذة بغير الله)، وهنا استعاذ بالكلمات، ولم يستعذ بالله، نقول: لأن كلمات الله من صفاته؛ ولهذا استدل العلماء بهذا الحديث على أن كلام الله من صفاته غير مخلوق؛ لأن الاستعاذة بالمخلوق لا تجوز، ولو كانت الكلمات مخلوقة ما أرشد النبي عليه الصلاة والسلام إلى الاستعاذة بها، لم يرشد إلى الاستعاذة بها.
إذن فقول المؤلف: (الاستعاذة بغير الله) يعني: أو صفة في صفاته.
يقول المريض إذا تألم من شيء ووضع يده عليه: أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر، أعوذ بعزة الله، ما قال: بالله، بِعِزَّة الله، لكن العزة صفة، صفة من الصفات، وصفات الله تعالى غير مخلوقة؛ ولهذا يجوز القسم بالله، ويجوز القسم بصفة من صفاته؛ لأن صفات الله سبحانه وتعالى غير مخلوقة.
طالب: شيخ، إذا ما قُدِّر عليه أن يقول هذا الذِّكْر، وقدر إن الله؟
الشيخ: ما يقدره الله مع وجود هذا السبب، أصل كون الإنسان يقول هذا السبب مكتوب، وكونه يُمنع من الضرر مكتوب، فإذا فَعَلَ ما كُتِب له بفعل السبب تخلَّف الضرر، كل شيء مكتوب يعني، لكن إذا كان الله قد كَتَبَ عليه أن تلدغه حية فإنه لا يقول هذا الذكر، أو يقوله ولكنه يحصل مانع.
طالب: فيه ناس جربت أنه إذا حصل لهم شيء (...).
الشيخ: يعني ما يضره شيء؟
الطالب: إي، ما يضره.
الشيخ: إذن ما ينافي الحديث؛ لأن الرسول يقول: «لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ». وما قال: لم يُصِبْه شيء، لم يضره، فقد يصيبه ولا يضره.
طالب: بآيات الله والقسم بها؟
الشيخ: تقدم لنا القسم بآيات الله، وأظنكم تذكرون هذا، وقلنا: إن أراد بالآيات الشرعية فصحيح، وإن أراد بها الكونية فليس بصحيح، ولكن غالب العوام يريدون بها؟
طالب: الشرعية.
الشيخ: الآيات الشرعية؛ لأنه ما يحصل عندما يقول: أُقسم بآيات الله، إلا أنه يريد بذلك القرآن، إي نعم، ولكل امرئٍ ما نوى.
بقينا بالاستعاذة بالمخلوق، المعروف عند أهل العلم أن الاستعاذة بالمخلوق ما تكون، وأنها من الشِّرْك، أنها لا تجوز، وأنها من الشِّرْك، كما نقل ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، وقال: إنه لا يجوز الاستعاذة بمخلوق عند أحد من الأئمة، ولكن هذا ليس على إطلاقه، بل مرادهم: مما لا يقدر عليه إلا الله، الاستعاذة مما لا يقدر عليه إلا الله، هذا ما تكون بمخلوق؛ لأنه لا يعصمك من الشر الذي لا يَقْدر عليه إلا الله، إلا من؟ إلا الله.
كذلك الاستعاذة بمخلوق فيما لا ينفع، مثلًا لو تستعين بصاحب قبر، فهذا لا ينفعك، ولا يجوز، لكن الاستعاذة بمخلوق فيما يقدر عليه، هذا لا بأس به، وقد أشار إلى ذلك الشارح سليمان بن عبد الله في تيسير العزيز الحميد، وهو أيضًا مقتضى الأحاديث الواردة، كما في صحيح مسلم، لما ذكر النبي عليه الصلاة والسلام الفتن، قال: «فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ مَلْجَأً فَلْيَعُذْ بِهِ» . وهذا صريح في أنه يعوذ بأي شيء؟ بغير الله، بمخلوق، لكنه يُلجِئه.
وكذلك في قصة الذين يستعيذون بالحرَم وبالكعبة، وما أشبه ذلك، وكذلك في قِصَّة الرجل الذي عاذَ بأم سلمة، والمرأة التي عاذت بالنبي عليه الصلاة والسلام، وأشياء كثيرة من هذه النصوص كلها تدل على أن الاستعاذة بالمخلوق فيما يقدر عليه لا بأس به؛ لأنها ما هي من الشِّرْك، لكن تعليق القَلْب بالمخلوق، وكونه لا يلجأ إلا إلى هذا المخلوق في كل ما يصيبه، لا شك أن هذا من الشِّرْك، ولا يجوز، إنما أنك تستعيذ في بعض المسائل الواقعة عليك بمن يقدر على عصمتك منها، هذا لا بأس به، وهذا ما تقتضيه النصوص، وعلى هذا فكلام الشيخ رحمه الله في قوله: إن الأئمة لا يجيزون الاستعاذة بمخلوق، مقيد بما لا يقدر عليه إلا الله، مقيد، ولولا أن النصوص وردت به لأخذنا الكلام على إطلاقه، وقلنا: إنه لا يجوز الاستعاذة بغير الله مطلقًا، ولكن ما دام أن النصوص قد وردت به، وهو أيضًا مُقتضى النظَر، إذ إن كونك تلتجئ إلى شخص يُلجِئك من هذا الأمر ما فيه شِرْك هذا، أنا مثلًا لحقني أناس قطاع طريق، فعذت بإنسان (...)، ما فيه شيء، ولا يكون فيه شرك، لكن الشرك أنك تُعلِّق قلبك، ورجاءك، وخوفك، وتوجه جميع أمورك إلى شخص معين، تجعلوه ملجأ فإن هذا لا يكون إلا لله، أو تستعيذ بمن لا يُعيذك، معتقدًا أنه يُعيذك، كالاستعاذة بمن؟ بأصحاب القبور، أو تستعيذ بمن لا يستطيع أن يعيذك من أمر، وأنت تعتقد أن له سرًّا يستطيع به أن يعيذك منه، فهذا كله من الشِّرك في الربوبية، ولا يجوز.
طالب: شيخ، إذا كان جنس المخلوق يستطيع أن يُعين، لكن هذا بعينه لا يستطيع؟
الشيخ: هذا ما يجوز؛ لأن هذا عَبَث، ولولا أن عندك اعتقادًا أن هذا عنده أمر سري يستطيع، ما ذهبت تستعيذ به، لو أن واحدًا سطا عليه رجل قوي وذهب يستعيذ بصبي، هذا من السَّفَه، نقول: هذا وإن لم يكن يصل إلى حد الشِّرْك، إذا لم يكن عنده عقيدة أن هذا الرجل عنده سر مجهول يستطيع أن يدفع عنك، بدون أمر مادي حسي، فإنه يكون من العَبَث، وهو دائر بين أمرين؛ إما شِرْك أو عَبَث.
طالب: تجده يتخبط من التعب (...) عليه.
الشيخ: إي، لا أحد يستعين بأحد إلا وهو يعرف أنه يقدر عليه.
الطالب: (...) بيكون جازفًا؟
الشيخ: جازف؛ لأنه لا صار ما هو بقادر نفس اللي أنت استعذت منه، ويمكن يغلبك أنت وإياه جميعًا.
ثم قال: (فيه مسائل: الأولى: تفسير آية الجن) أيها؟
وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا [الجن: ٦].
(ثانيًا: كونه من الشِّرْك) عندكم كذا المسألة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: (كونه) ويش يفهم؟
طلبة: الاستعاذة.
الشيخ: أي: الاستعاذة بغير الله، وهذا في الحقيقة اختصار مُخِل، لولا أن السياق يدل عليه، ومنها:
(الثالثة: الاستدلال على ذلك بالحديث؛ لأن العلماء يستدلون به على أن كلمات الله غير مخلوقة، قالوا: لأن الاستعاذة بالمخلوق شرك).
يعني المؤلف -رحمه الله- يقول: إننا نأخذ من الحديث أن الاستعاذة بغير الله شِرْك، وكيف ذلك؟ لأن العلماء يقولون: الاستعاذة بغير الله شرك؛ ولهذا قال: (قالوا: لأن الاستعاذة بالمخلوق شرك)، والرسول قال: «أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ» . فلم يستعذ بمخلوق، وإنما استعاذ بكلمات الله وهي من صفاته، على كل حال وجه الدلالة كما شرحنا أن الاستعاذة بكلمات الله لا تخرج عن كونها استعاذة بالله أو لا؟ لأنها صفة من صفات الله.
(الرابعة: فضيلة هذا الدعاء مع اختصاره) ويش هي فضيلته؟ يعني فائدته العظيمة، وهي أنه لا يضرك شيء ما دمت في هذا المنزل.
(الخامسة: أن كون الشيء يحصل به منفعة دنيوية، من كف شر، أو جلب نفْع، لا يدل على أنه ليس من الشِّرْك).
يعني معنى كلام المؤلف أنه قد يكون الشيء من الشِّرْك ولو حصل لك به منفعة، مثل: الاستعاذة بالجن، الاستعاذة بالجن قد يعيذون لكن عياذتهم لك لا تدل على أن فعلك ليس بشِرْك، مع أنك انتفعت، وهذا حق، فإن الإنسان قد ينتفع بالأمر وهو من الشِّرْك، قد يسجد لملك من الملوك ويهبه هذا الملك قصورًا وأموالًا، فينتفع بهذا السجود، ومع ذلك يعتبر هذا شركًا.
يعني قصد المؤلف لا يلزم من حصول النفع أن ينتفي الشرك، هذا المعنى، وهذا حق، فإن الإنسان قد ينتفع بما هو شِرْك، وعلى هذا فيكون له منفعة دنيوية، لكن عليه ضرر ديني في هذا الشِّرْك الذي انتفع به انتفاعًا ماديًّا، ومن هذا ما يحصل لغلاة المدَّاحين، الذين يمدحون بعض الملوك، ويسدون عليهم من الهبات، هل يخرجهم ذلك عن كونهم مشركين؟ لا، يقول بعضهم يخاطب ملكًا من الملوك:
| فَكُنْ كَمَا شِئْتَ يَا مَنْ لَا نَظِيرَ لَهُ | وَكَيْفَ شِئْتَ فَمَا خَلْقٌ يُدَانِيكَا |
الوَصْف ما يصلح، ما يكون إلا لله عز وجل، ومع ذلك بيحصل على فائدة دنيوية، فمُجرد حصول الفائدة الدنيوية لا يدل على أن هذا العمل ليس من الشِّرْك.
كذلك أيضًا يُوجد -والعياذ بالله- بعض علماء الضلال الذين يدعون إلى تعظيم القبور، والأولياء، والغُلو فيهم، يقصدون بذلك الجاه عند العامة، حتى إن العوام ربما يحنون رؤوسهم تعظيمًا لهم؛ لأنهم يُعظِّمون الرسول صلى الله عليه وسلم، أو يُعظِّمون هذا الولي، أو ما أشبه ذلك، وهذا أيضًا من المحرَّم، ومن وسائل الشرك.
في هذا الحديث مسألة ما ذكرها المؤلف وهي هامة، وهي: أن الشرع لا يُبطِل أمرًا من أمور الجاهلية إلا ذكر ما هو خير منه، في الجاهلية كانوا يستعيذون بالجن، فأبدلوا بأي شيء؟ بهذه الكلمات، أن يستعيذوا بكلمات الله التامات من شر ما خلق.
وهذه الطريقة هي الطريقة السليمة التي ينبغي أن يكون عليها الداعية، أنه إذا سد عن الناس باب الشر، وجب عليه أن يفتح لهم باب الخير، ما يقول: هذا حرام، ويسكت، بل يقول: هذا حرام، ولكن افعل كذا وكذا، وهذا له أمثلة كثيرة في السُّنَّة، بل وفي القرآن أيضًا، وقد مر علينا في القرآن من مدة قريبة، ما هي؟
طالب: قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا.
الشيخ: نعم، أحسنت، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا [البقرة: ١٠٤]، نهاهم عن المحظور، وفتح لهم باب المأمور: وَقُولُوا انْظُرْنَا.
وكذلك أيضًا في السنة أمثلة كثيرة من هذا، مثل قول الرسول عليه الصلاة والسلام لما نهاه عن بيع الصاع بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، من التمر الطيب والرديء، قال له: «وَلَكِنْ بِعِ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ اشْتَرِ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا» . فلما منعه من المحظور، فتح له الباب السليم؛ لأن الناس يعملون، بدل ما كانوا في الجاهلية يقولون: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، قيل لهم: قولوا: «أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ» . شوف فرْق عظيم، ذاك من سفهاء قومه، وهذا من شر ما خلق، عام، هذا خير من هذا، ثم قال المؤلف رحمه الله.
طالب: (...).
الشيخ: إذا قال ذلك، (...) نقول: إن هذا مقرون بالاعتماد التام، والرغبة، والإقبال على هؤلاء الجن، ثم إنها أسباب خفية، ما نعلم هل لهذا القوم من سيد، أو الوادي من سيد، أو لا؟ قد لا يكون لأهل هذا الوادي سيد، ثم قد يكون سيدًا بالاسم، بدون سيادة، فلسنا على علم من هذا الشيء، فالأمور الخفية هذه تعتبر كالمعدوم.
***
ثم قال: (باب: من الشِّرْك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره).(باب: مِن الشِّرْك) (مِن) هذه للتبعيض، فيدل على أن الشرك لا يختص بهذا الأمر أو لا؟ ولسنا ببعيد عن الباب الذي قبله (من الشرك الاستعاذة بغير الله).
قوله: (أن يستغيث بغير الله) الاستغاثة: طلب الغوث، وهو إزالة الشدة، ومنه قول العوام للاستسقاء، يسمونه؟ استغياثة، لا بعد يجيبون (...)، استغياثة، هي استغاثة في الحقيقة؛ لأنه يُطلب فيها الغوث من الله عز وجل، اللهم أغثنا، فالاستغاثة: طلب الغوث، والغوث إزالة الشدة.
وقول المؤلف: من الشِّرْك الاستغاثة (أن يستغيث بغير الله) هذا أيضًا ليس على إطلاقه، فإن طَلَب الشدة ممن يقدر على إزالتها ليس من باب الشِّرْك؛ ولهذا قال الله تعالى: فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ [القصص: ١٥]، لكن إذا استغاث الإنسان بأحد فيما لا يقدر عليه إلا الله، فهذا من الشِّرْك، بلا شك، ثم لاحِظ أيضًا أنك إذا استغثت بمخلوق يقدر على إغاثتك، فإنه يجب عليك تصحيحًا لتوحيدك أن تعتقد بأن هذا الذي استغثت به مجرد سبب، وأنه لا تأثير له مباشر في إزالة الغوث، مجرد سبب فقط؛ لأنك لو تعتقد أن له صلة مباشرة في إزالة الغوث ربما تعتمد عليه، وتنسى خالق هذا السبب، تنسى الخالق، وتعتمد على المخلوق، وهذا لا شك أنه يخدش في كمال التوحيد.
وقوله: (أو يدعو غيره) هذا أيضًا الدعاء لا شك أنه من العبادة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، وكما قال الله تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر: ٦٠] لكننا نقول فيه أيضًا: إن الدعاء ينقسم إلى قسمين:
أحدها: ما يقع عبادة، فهذا لا شك في أن صرفه لغير الله شِرْك.
والثاني: ما لا يقع عبادة، فهذا يجوز أن يُوجَّه إلى المخلوق، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَمَنْ دَعَاكُمْ فَأَجِيبُوهُ» . وقال: «إِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ» . ولكن الدعاء الذي لا يكون إلا عبادة، وهو المقرون بالرغبة، والرهبة، والحب، والتضرع، هذا لا يكون إلا لله سبحانه وتعالى. (...).
هذه للتبعيض؛ يعني ليس هو الشِّرْك كله، بل من الشِّرك.
وقوله: (أن يستغيث) (أن) وما دخلت عليه في تأويل مصدر على أنها؟
طالب: مبتدأ.
الشيخ: مبتدأ، أين خبرها؟
الطالب: من الشرك.
الشيخ: قوله: (من الشِّرْك)؛ يعني من الشرك الاستغاثة بغير الله، وقد مر علينا في النحو أن المبتدأ يكون صريحًا، ويكون مؤولًا؛ فالصريح مثل: زيد قائم، والمؤول مثل: وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة: ١٨٤] أي: وصومكم خيرٌ لكم.
وقوله: (أن يستغيث بالله) الاستغاثة: طلب الغوث، مثلما أن الاستنصار: طلب النصر، والاستعاذة: طلب العوذ، والاستعانة: طلب العون، فهي طلب الغوث، والغوث: هو الإنجاء من الشدة.
وقوله: (أن يستغيث بالله) هذا ليس على إطلاقه، ولكنه يجب أن يقيد فيما لا يقدر عليه المستغاث به، إما لكونه ميتًا، أو لكونه غائبًا، أو لكون الأمر لا يقدر عليه إلا الله.
فإذن العبارة ليست على إطلاقها، تُقيد بأيش؟
طالب: بما يقدر عليه إلا الله.
الشيخ: لا، ما هو إلا الله. بما لا يقدر عليه المستغاث به، يا إخواني، أنا أعرف أن فيه عبارة إلا الله وهذه ما هي صحيحة، فيما لا يقدر عليه المستغاث به، لو استغثت بميت في قبر أن ينجيك من زيد، ما هو بيقدر الحي أن ينجيك منه؟ ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: ما يقدر يدافع عنك؟
طلبة: يقدر.
الشيخ: إذن يقدر عليه غير الله، ومع ذلك استغاثتك بصاحب القبر تعتبر من الشِّرْك.
إذن فالعبارة السليمة أن يستغيث بغير الله فيما لا يقدر عليه المستغاث به، فأنت إذا استغثت بحي لأمر ما يقدر عليه، كما لو استغثت به أن ينزل المطر، فهذا؟ شِرْك، استغثت بميت أن ينجيك من لص يهاجمك؟
طلبة: شِرْك.
الشيخ: استغثت بحي من لص ليدافع عنك؟
طلبة: ليس بِشِرْك.
الشيخ: لا بأس به (...)؛ لأن اللي ما يقدر ما يمكن نستغيث به وهو حي.
فإذن نقول فيما يجب أن تقيد العبارة فيما لا يقدر عليه المستغاث به.
وقوله: (أو يدعو غيره)، يعني ومن الشِّرْك أيضًا أن يدعو غير الله؛ لأن الدعاء عبادة، إذ إن الدعاء ما يكون إلا مع محبة، وتعظيم، وتذلل، وإظهار افتقار، واعتقاد أن المدعو قادر؛ ولهذا جاء في الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الدُّعَاءَ هُوَ الْعِبَادَةُ» . وفي القرآن: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي [غافر: ٦٠] فعَبَّر عن الدعاء بأيش؟
طالب: بالعبادة.
الشيخ: ما قال: يستكبرون عن دعائي، قال: عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر: ٦٠] وهذه الآية دليل على أن الدعاء عبادة، وصرف شيء من العبادة لغير الله شِرْك.
وقوله: (أو يدعو غيره) هذا من باب عطف العام على الخاص، هكذا قالوا: من باب عطف العام على الخاص؛ لأن الاستغاثة دعاء بإزالة الشدة فقط، لا بحصول المرغوب؛ يعني دعاء لدفع المكروه، والدعاء أعم، قد تدعو الله تعالى لجلب المنفعة، وقد تدعوه لدفع المضرة؛ فلهذا نقول: إنه من باب عطف العام على الخاص.
وقوله: (أن يدعو غيره) هل نقول في الدعاء كما نقول في الاستغاثة، أو لا؟ لا، الدعاء كله عبادة؛ لأن الدعاء -كما قلت لكم قبل قليل- له معنى خاص في النفس، في الهيئة والكيفية، وفي النفس الداعي يحب المدعو، ويعظمه، ويُرَغِّب إليه، ويُظهر افتقاره إليه، ويعتقد إجابته، وقدرته على الإعطاء، إعطاء ما سألته، بخلاف الاستغاثة، قد تستغيث بإنسان بدون أن يكون لديك في قلبك له محبة، أو تعظيم، أما الدعاء فلا؛ ولهذا مثلًا الداعي تجده يرفع يديه إلى الله، هل ما يجوز بأي حال من الأحوال أنك تقول عند واحد: يا فلان، أرجو من فضلك أن تعطني كذا وكذا، يجوز ولَّا لا؟
طلبة: ما يجوز.
الشيخ: ما يجوز؛ ولذلك الدعاء ما فيه تفصيل، إنه من الشِّرْك، إذا دعوت غير الله، أما إذا أورد علينا مُورِد، فقال: أليس يجوز أن تقول لشخص: أعطِني مالًا أتَبَلَّغ به في سفري؟
قلنا: نعم، يجوز هذا، لكن هذا من باب الاستعان؛ لأنك ما تدعوه رغبًا ورهبًا، كما تدعو الله عز وجل، كذلك أيضًا لو دعوت إنسانًا، قلت: يا فلان، تعالَ أعني على حمل متاعي على دابتي، فهذا أيضًا من باب الاستعانة.
وأما قوله: «وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ» . إذا دعاك، هذا ما هو بالدعاء الذي يريده هنا، إذا دعاك لأي شيء؟
طالب: لوليمة.
الشيخ: إذا دعاك لوليمة، أو نحو ذلك فأجِبْه، ففرق بين الدعاء الذي يقع عبادة، وبين مثل هذه الأمور التي يقصد بها الاستعانة، أو مجرد طلب حضور المدعو، أو ما أشبه ذلك.
طالب: شيخ؟ يدعو من دون الله (...).
الشيخ: ما بعد وصلنا على الاستعانة.
الطالب: هذا دعاء؟
الشيخ: هذا ليس عليه شيء.
قال: (وقول الله تعالى: وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ [يونس: ١٠٦]).
قوله: وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِالخطاب هنا هل هو للرسول صلى الله عليه وسلم، أو لكل من يصح خطابه؟
طلبة: الخطاب للرسول.
الشيخ: ويش اللي قبله؟
طالب: فَإِنْ فَعَلْتَ.
الشيخ: لا، قبلها الآية، قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٤) وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥) وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ [يونس: ١٠٤ - ١٠٦]، وظاهر الآية الكريمة في السياق يدل على أن الخطاب مُوجَّه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، يدل على أنه مُوجَّه إليه؛ لأنه قال: وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥) وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ [يونس: ١٠٥، ١٠٦].
على كل حال سواء قلنا: خاص بالرسول أو عام لكل من يصح خطابه، فإن بعض أهل العلم قال: لا يصح أن يُوجَّه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم؛ إذ إن الرسول صلى الله عليه وسلم يستحيل أن يقع منه ذلك، فلا يصح أن يُوجَّه إليه، وأن الآية على تقدير (قُل)، قل: ولا تدع، كأن الرسول أُمِرَ بأن يقول لغيره: ولا تدعوا، ولكن هذا ضعيف جدًّا، وإخراج للآيات عن سياقها.
والصواب: بلا ريب أنه إما خاص بالرسول عليه الصلاة والسلام، الخطاب يعني له والحكم له ولغيره، وإما أنه لكل من يصح خطابه ويدخل فيه من؟ الرسول عليه الصلاة والسلام، وكونه يُوجَّه إليه مثل هذا الخطاب، لا يقتضي أن يكون ممكنًا منه، يقول الله عز وجل له: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَكل الرسل لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الزمر: ٦٥]، وهل هذا يمكن أن يقع؟
طالب: لا.
الشيخ: ما يمكن يقع من الرسول عليه الصلاة والسلام باعتبار حاله لا باعتبار كونه إنسانًا وبشرًا، لكن باعتبار حاله ما يمكن يقع منه هذا الشيء، فإذن نقول: إن هذا النهي يكون الحكمة منه أن يكون غيره متأسيًا به، فإذا كان مثل هذا النهي مُوجَّهًا إلى من لا يمكن منه باعتبار حاله، فهو إلى من يُمكن منه، من باب أولى، واضح يا جماعة؟
فإذن ما يبقى في المسألة إشكال، والأمر قد يُفرض فرضًا، وإن كان لا يمكن وقوعه.
قال: وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ [يونس: ١٠٦] تدعو، الدعاء معناه: طلب ما ينفع، أو طلب دفع ما يضر، هذا الدعاء، وهو نوعان كما قال أهل العلم: دعاء عبادة، ودعاء مسألة.
دعاء العبادة معناه أنك تقوم بأمر الله؛ لأن القائم بأمر الله، اللي يصلي، ويزكي، ويصوم، ويحج، لو سألناه لماذا تفعل هذا؟ لقال: أريد الثواب والنجاة من العقاب، إذن ففعله متضمن، لأيش؟ للدعاء، فعله متضمن للدعاء.
أما دعاء المسألة فواضح، وكلاهما لا يجوز صرفه لغير الله، واضح يا جماعة؟
وقوله: مِنْ دُونِ اللَّهِأي: سواه، مِنْ دُونِ اللَّهِأي: سوى الله.
وقوله: مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَمَا لَا يَنْفَعُكَ: أي: ما لا يجلب لك النفع، وَلَا يَضُرُّكَقيل: ولا يدفع عنك الضرر، وقيل: ولا يضرك لو غضب عليك لم يستطع الانتقام، وهذا هو الظاهر من اللفظ. (...).
أو وقع الزي مشابهًا سواء قصدت أم لم تقصد، فإنك ممنوع من هذا الأمر، فهمتم هذه المسألة؟ وهذه مسألة نص عليها شيخ الإسلام أيضًا ابن تيمية: على أن حصول التشبُّه لا يشترط فيه القصد، فإنه يمنع منه وإن لم يقصده، لو أن الإنسان لبس لباس امرأة، وهو رجل، وقال: أنا ما قصدت التشبه بالمرأة، نقول: وإن لم تقصد، ما دام أنه وقع الشبه فهو ممنوع وإن لم يقصد، لكن مع القصد يكون أشد إثمًا؛ ولهذا شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله يقول: (ولو لم يقصده).
(العاشرة: لا نذر في معصية) والحديث يقول: «لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ» ، هل بينهما فرق؟
طالب: نعم.
الشيخ: إذا كانت العبارة: (لا نذر في معصية) فالمعنى أن النذر لا ينعقد، وإذا كان: لا وفاء، فالمعنى أن النذر انعقد ولكن لا يُوفَى، وقد وردت السُّنَّة بهذا وبهذا، فقد ورد بلفظ: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ» . لكن «لَا نَذْرَ» تُحمل على أن المراد: لا وفاء لنذر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح المتفق عليه: «وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ، فَلَا يَعْصِهِ» فقوله: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ». دليل على أن النذر ينعقد، لكنه لا يوفيه.
(الحادية عشرة: لا نذر لابن آدم فيما لا يملك) مثل (لا نذر في معصية) يعني: لا وفاء لنذر فيما لا يملك ابن آدم، وقد ذكرنا لكم أن ما لا يملك يشمل: ما لا يملكه شرعًا، وما لا يملكه قَدَرًا.
طالب: يعني هل يُشترط أن يكون العمل عبادة، أم حتى في الأمور العادية؟
الشيخ: لا، حتى في الأمور العادية؛ ولهذا قالوا: يحرم تشبه بكفار في لباس وغيره.
الطالب: (...).
الشيخ: مثل؟
الطالب: ما قصد ذلك.
الشيخ: مثل أيش؟
الطالب: المأكولات، مثل الأكل بالملاعق ما قصد شيء.
الشيخ: لكن هل هذا من خصائص الكفار؟
الطالب: ما (...) من دونها.
الشيخ: لكنها أداة معروفة، معروفة من زمننا نحن، حتى عند الفقهاء ذاكرينها، وكانوا يستعملونها حتى المسلمين، وكذلك (...) معروفة من زمن أنس رضي الله عنه، لكن مثلًا إذا أكلنا بشيء من خصائصهم اللي إذا شافها الإنسان قال: هذا طعام كفار، أو هذه أواني كفار، إحنا ما نتشبه بهم في الحقيقة، ولكنه إذا شاع هذا الشيء في القوة وانتشر وصار لا فرق فيه بين المسلمين وغيرهم، صار التشبه، فمثلًا اللي يسمونه البنطلون هذا، ما كان معروفًا بالأول، لكنه الآن؟ انتشر، صار شاملًا للمسلمين والكفار.
طالب: كل السراويل؟
الشيخ: إي، لكن سراويلكم عليها قميص، يكون عليها قميص أو رداء، (...)، إي نعم، وسراويل.
طالب: (...).
الشيخ: لا، لكن يكون عليها قميص أو رداء. (...).
باب: من الشرك النذر لغير الله
00:53:04
(باب من الشِّرك النذر لغير الله) النذر لغير الله معناه أن يقول: لفلان عليَّ نذر، أو: لهذا القبر عليَّ نذر، أو: للولي عليَّ نذر، أو: لجبريل علي نذر، أو ما أشبه ذلك، هذا هو النذر لغير الله، وفرق بين النذر لغير الله وبين نذر المعصية، فنذر المعصية أنه يقول: لله عليَّ نذر أن أفعل كذا وكذا من معاصي الله، فيكون النذر لله والمنذور معصية، أما النذر لغير الله فهو لم ينذر لله أصلًا، بل قال: لفلان عليَّ نذر، لجبريل عليَّ نذر، للرسول عليَّ نذر، وما أشبه ذلك.
ونظيره الحلف بغير الله، والحلف بالله على شيء محرم، مثل أن يقول: والله لأسرقن، هذا حلف بالله على شيء مُحرَّم، ويش نظيره؟ نظيره نذْر المعصية، والحلف بغير الله مثل أن يقول: والنبي لأفعلن كذا وكذا، ويش نظيره؟ النذر لغير الله، نذرت لفلان كذا وكذا، فهمتم الآن؟
إذن النذر لغير الله عبادة، عبادة للمنذور له، وإذا كان عبادة للمنذور له فقد صرف شيئًا من العبادة لغير الله، فيكون بذلك مشركًا.
إذن فهمنا الفرْق بين نذر المعصية والنذر لغير الله، النذر لغير الله شِرْك، ونذر المعصية ينعقد، لكن لا يجوز الوفاء به، والنذر لغير الله لا ينعقد، لا ينعقد إطلاقًا، ولا تجب به كفارة، لكنه شِرْك تجب التوبة منه، مثل الحلف بغير الله، ينعقد ولَّا لا؟ ما ينعقد، ولا فيه كفارة، والحلف بالله على فعل المعصية، ينعقد وفيه الكفارة إذا خالف، أظنه اتضح تمامًا؟
قال: (وقول الله تعالى: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ [الإنسان: ٧])، وهذه الجملة سِيقَت لمدح الأبرار إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ [الإنسان: ٥ - ٧]، ومدحهم بهذا يقتضي أن يكون عبادة؛ لأنه لا يُمدَح الإنسان، ولا يستحق دخول الجنة إلا بشيء يكون عبادة، أفهمتم؟
ولو أن المؤلف أردفها بقوله تعالى: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ [الحج: ٢٩] لكان أبين أيضًا؛ لأن هذا أمر: وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْوالأمر بوفائه يدل على أنه عبادة؛ يعني العبادة ما أُمِرَ به شرْعًا.
وقوله: بِالنَّذْرِما معنى النذر؟
طالب: الإلزام.
الشيخ: معنى النذر الإلزام، إن الإنسان يُلزم نفسه بشيء لا يلزمه، هذا هو النذر.
وجه استدلال المؤلف بالآية على أن النذر من الشرك: أن الله تعالى أثنى عليهم بذلك، وجعله من الأسباب التي بها دخلوا الجنة، ولا يكون سببًا إلى دخول الجنة إلا وهو عبادة، فيقتضي أن صرْفَه لغير الله من الشِّرْك.
قال: (وقوله: وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ [البقرة: ٢٧٠]).
قوله: مَا أَنْفَقْتُمْهذه مَاشرطية، وأَنْفَقْتُمْفِعْل الشرط، ومِنْ نَفَقَةٍبيان لـمَا؛ لقوله: وَمَا أَنْفَقْتُمْوالنفقة معناها: البذل، بذل المال يسمى نفقة، قد يكون في سبيل الخير، وقد يكون في سبيل غير الخير.
وقوله: أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍمعطوفة على قوله: مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ. وجواب الشرط قوله: فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ. وتعليق ذلك بعِلْم الله، دليل على أنه محل جزاء، إذ لا نعلم فائدة لهذا الإخبار بالعلم إلا لترتب الجزاء عليه، وترتب الجزاء عليه يدل على أنه من العبادة التي يُجازَى عليها الإنسان، فهذا وجه استدلال المؤلف بهذه الآية.
وقوله تعالى: فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُلأنه سبحانه لا يخفى عليه شيء إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ [آل عمران: ٥] أي: نفقة تنفقها ولو كانت مثقال الذرة، فإن الله يعلمها، أي نذر تنذره فإن الله يعلمه وسيجازيك عليه.
طالب: وجه الاستدلال؟
الشيخ: وجه الاستدلال أن الله ما أخبر أنه يعلمه إلا للتنبيه على أن فيه مجازاة؛ إذ مجرد الإخبار بأن الله يعلم لا فائدة منه سواء أن نعمل لهذا الذي يعلمه الله.
إذن فالنذر عبادة، وصرْف العبادة لغير الله شِرْك، صرْف العبادة لغير الله تعالى من الشِّرْك.
قال: (وفي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها) (في الصحيح) أي الصحيحين؟
طلبة: البخاري.
الشيخ: البخاري، هنا البخاري، وقد يُراد بالصحيح صحيح مسلم، ولكن المراد به هنا صحيح البخاري، وقد يُراد بالصحيح الحديث الصحيح سواء في البخاري، أو مسلم، أو غيرهما، لكن هذا يرجع إلى تتبع هذا الحديث أين يوجد؟ وهذا الحديث موجود في البخاري.
طالب: يعني ما له اصطلاح؟
الشيخ: ما له اصطلاح معين.
(عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ، فَلْيُطِعْهُ»)، («مَنْ نَذَرَ») أظن أن (مَنْ) هنا شرطية تعم المسلم والكافر، أو لا؟
طلبة: لا يا شيخ.
الشيخ: لا، هذا عمر بن الخطاب نَذَرَ أن يعتكف ليلة في المسجد الحرام وهو في الجاهلية، فهمنا تشمل المؤمن والكافر، والكافر إن قضاه في حال كفره برئت ذمته، وإلا وجب عليه أداؤه بعد إسلامه، تشمل الصغير والكبير؟ قال بعضهم: إنها تشمل؛ وعلى هذا فينعقد النذر من غير المكلَّف، من الصغير، وقيل: لا تشمل الصغير؛ لأن الصغير ليس أهلًا للالتزام ولا للإلزام أيضًا، وبناءً على ذلك يكون خروج الصغير من هذا العموم؛ لأنه ليس أهلًا للالتزام ولا للإلزام.
وقوله صلى الله عليه وسلم: «أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ». ما هي الطاعة؟ الطاعة: هي موافقة الأمر، والمراد بالأمر هنا: واحد الأمور، يعني توافق الله سبحانه وتعالى فيما يريد منك إن أمرك فالطاعة فِعْل الأمر، وإن نهاك فالطاعة ترْك النهي، هذا معنى الطاعة إذا جاءت مفردة.
أما إذا قيل: طاعة ومعصية، فالطاعة لفعل الأوامر، والمعصية لفعل النواهي، لا المعصية فعل النواهي، لكن عدم المعصية اجتناب النواهي.
(«مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ) وقوله: («فَلْيُطِعْهُ») ويش اللي جاب الفاء هنا؟
طلبة: واقعة في جواب الشرط.
الشيخ: واقعة في جواب الشرط؛ لأن الجملة («فَلْيُطِعْهُ») إنشائية؛ يعني طلبية.
وقوله: («فَلْيُطِعْهُ») اللام لام الأمر، وظاهر الحديث يشمل ما إذا كانت الطاعة المنذورة جنسها واجب أو لا؟ اللي جنسه واجب مثل: الصلاة، والصيام، والصدقة، والحج، أو غير واجب: كتعليم العِلْم وغيره.
وقال بعض أهل العِلْم: إنه لا يجب الوفاء بالنذر إلا إذا كان جنس الطاعة واجبًا، وعموم الحديث يرُدُّ عليهم، وظاهِر الحديث أيضًا يشمل من نَذَرَ نذرًا مُطلقًا، ومن نذر نذرًا مُعلَّقًا، مثال النذر المطلق: أن يقول الإنسان: لله عليَّ نذْر أن أصوم ثلاثة أيام، هذا نَذْر مُطْلَق، ما له سبب.
مثال النذر المقيَّد أن يقول: إن نجحت، فلِلَّه عليَّ نذر أن أصوم ثلاثة أيام، هذا مُعلَّق بأيش؟ بالنجاح، أو إن شفى الله مريضي، فلله عليَّ نذر أن أفعل كذا وكذا، هذا أيضًا نقول: إنه مُعلَّق بشرط، فظاهر الحديث يعم هذا وهذا، كذا؟ ومن فرَّق بينهما، فليس بجيد؛ لأن الحديث عام.
واعلم أن النذر لا يأتي بخير ولو كان نذر طاعة، وإنما يُستخرج به من البخيل؛ ولهذا ينهى عنه، وبعض العلماء يُحرِّمه، وإليه يميل شيخ الإسلام ابن تيمية أن عقد النذر حرام؛ لأنك تلزم نفسك بأمر أنت في عافية منه، وكم من إنسان نذر وأخيرًا ندم، وربما لم يفعل.
ويدل لهذا القول أنه قوي؛ يعني تحريم النذر قوله تعالى: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ [النور: ٥٣]، هذا قسم ملتزِم للنذر؛ لأنه نذر مؤقت بقسم، ويش قال الله؟ قُلْ لَا تُقْسِمُوالا تحلفون طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ [النور: ٥٣] بدون يمين، والإنسان اللي ما يفعل الطاعة إلا تكون بنذر وحلف على نفسه؛ معنى ذلك أن الطاعة ثقيلة عليه.
والنذر المعلَّق: وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ [التوبة: ٧٥] هذا نذر معلق، أيش عليه؟ على عطاء الله لهم فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ [التوبة: ٧٦، ٧٧] وهذا أمر عظيم.
ويدل أيضًا على القول بالتحريم خصوصًا المعلَّق: أن الناذِر كأنه غير واثق بالله عز وجل، كأنه يعتقد أن الله ما يمن عليه بالشفاء إلا إذا أعطاه مُقابلًا؛ ولهذا إذا أيسوا من البُرء راحوا ينذرون، إذا أيس من النجاح يسقط كل سنة طلب النذر، إذا صار معه شفقة كبيرة على الولد تقول المرأة: والله لئن سقى هذا الولد الأبل لأذبحن جزورًا، وهكذا، وهذا في الحقيقة فيه نوع من الإساءة بالظن بالله، فالقول بالتحريم قول وجيه جدًا.
ولا يقال: كيف تُحَرِّمون ما أثنى الله على مَنْ أَوْفَى به؟
نقول: نحن لا نقول: إن الوفاء هو المحرم حتى يقال: إننا هدمنا النص، إنما نقول: الْمُحرَّم أو المكروه كراهة شديدة هو عقد النذر، فرْق بين عقده ووفائه، فرْق، العقد ابتدائي، والوفاء لسان الحال، تنفيذ لما فعلت.
قال: («وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ، فَلَا يَعْصِهِ») معلوم؛ لأننا لو قلنا: إن نذر المعصية يلزم بالوفاء لانقلبت المعاصي طاعات، وهذا غير ممكن، ولهذا قال: («مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ، فَلَا يَعْصِهِ»).
و(لا) ناهية، وهي بحسب المعصية، إن كانت المعصية حرامًا، فالوفاء بالنذر حرام، وإن كانت المعصية مكروهًا، فالوفاء بالنذر مكروه، حسب الحال؛ لأن المعصية الوقوع فيما نهي عنه، والمنهي عنه كما تعرفون ينقسم عند أهل العلم إلى قسمين: منهي عنه نهي تحريم، ومنهي عنه نهي تنزيه.
طالب: هل يطلق عليه معصية؟
الشيخ: إي نعم، يطلق عليه معصية، لكنها معصية ليس فيها إثم.
إذن: («مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ») كذا؟ والنذر ينعقد ولَّا ما ينعقد؟ لا ينعقد؛ ولهذا قال: من نَذَرَ أن يعصي فلا يعصِ، ولو قال: من نذر أن يعصي الله فلا نذر له، لكان ما ينعقد، قال: فلا يعصِ، دليل على أنه منعقد لكن لا ينفذ، ينعقد ولكن لا ينفذ، وإذا انعقد فهل تلزمه الكفارة، ولَّا ما تلزمه؟
اختلف فيها أهل العلم، فيها روايتان عن الإمام أحمد، فقال بعض العلماء: إنها لا تلزم الكفارة، واستدلوا بما سبق «لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ» . وبهذا الحديث أيضًا، ولم يذكر النبي عليه الصلاة والسلام كفارة، ولو كانت واجبة لذكرها.
ولكن القائلين في وجوب ذلك، يقول: إن الرسول ذكر في حديث آخر غير ها الحديثين، أن كفارته كفارة يمين، كفارة نذر المعصية كفارة يمين، وكون الأمر لا يذكر في حديث، لا يقتضي عدمه، فعدم الذكر ليس ذكرًا للعدم، نعم، لو قال الرسول: لا كفارة، صار في الحديث تعارض، وحينئذٍ نطلب الترجيح، لكن الرسول ما نهى، سكت، والسكوت لا يُعارِض المنطوق، أفهمتم؟
وأيضًا من حيث القياس، لو أن الإنسان أقسم ليفعلن مُحرَّمًا، قال: والله لأفعلن هذا الشيء وهو محرم، يفعله؟ ما يفعل، يُكَفِّر؟ نعم، يُكَفِّر كفَّارة يمين، مع أنه أقسم على فِعْل المحرَّم، والنذر شبيه بالقَسَم؛ وعلى هذا فكفارته كفارة يمين.
وأظننا في الباب السابق، ذكرنا أن النذر ينقسم إلى أقسام، أو لا؟ نذر الطاعة، ونذر المعصية، ونذر المباح، وما جرى مجرى اليمين، نعم، ما جرى مجرى اليمين، وهو نذْر المباح، ونذر اللجاج.
وقلنا: إن ما جرى مجرى اليمين يخير الإنسان بين فعله، وكفارة يمين، ونذر الطاعة يجب الوفاء به، ونذر المعصية لا يجب الوفاء به، إلا إذا كان كراهة تنزيه فهو يُكْرَه.
طالب: لا يجب الوفاء به، ولا تجب الكفارة في نذر معصية؟
الشيخ: إي نعم، هذا القول أصح.
الطالب: لكن الدليل؟
الشيخ: دليلهم ما سبق، أن الرسول قال: «وَيُكَفِّرُ كَفَّارَةَ يَمِينٍ» .
طالب: (...) ما قال (...).
الشيخ: إي (...) لكن السكوت قلنا: ما ينافي المنطوق، السكوت معناه أنه ما ذكر هنا فيكون اعتمادًا على ما تقدم إن كان الرسول قاله قبل ذلك، إن كان الرسول قاله قبل أن ينهى هذا الرجل، اعتمادًا عليه فلم يقله؛ لأنه ما هو بلازم الرسول يقول، كل مسألة فيها قيد، أو فيها تخصيص، يذكرها عند كل عموم، لو كان يلزم هذا (...) السنة، لكن الرسول إذا ذكر حديثًا عامًّا وله ما يخصصه حُمِل عليه، إذا سكت عن شيء، وقد نطق به في مكان آخر حُمِل عليه.
طالب: من قال (...).
الشيخ: ما قال شيئًا؟ إي نعم، هذا فيه كفارة يمين، ويسميه العلماء النذر المطلق، يسمونه النذر المطلق اللي ما فيه شيء، قال: لله عليَّ نذر؛ لأن الرسول قال: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ إِذَا لَمْ يُسَمِّهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» .
طالب: يعني النذر المطلق كفارة يمين؟
الشيخ: لا، إذا (...).
الطالب: (...).
الشيخ: لا؛ لأن هذا نذر فقط، صيغة نذر، لله عليَّ نذر، ما ذكر المنذور، وهذا أما الذي ما ذكر له سببًا، هو ذَكَر المنذور، قال: لله عليَّ نذر أن أتصدق، أن أصوم، ذكر المنذور، أما هذا ما ذكر، صيغة النذر فقط.
الطالب: (...).
الشيخ: ما يرجع؛ لأن الرسول قال: «إِذَا لَمْ يُسَمَّ» . والنذر ما ينعقد بالنية، ولا يوصف بالنية.
قال: (فيه مسائل: الأولى: وجوب الوفاء بالنذر) وهذا الذي قاله المؤلف ما هو على إطلاقه، ليس على إطلاقه، لماذا؟ المؤلف يقول: (وجوب الوفاء بالنذر) هذا على إطلاقه؟
طالب: (...).
الشيخ: كيف؟
الطالب: (...).
الشيخ: لا، (...) ذكرها في الثالث.
الطالب: (...).
الشيخ: إي، يعني معناه أنه يجب إنه يقال: وجوب الوفاء بنذر الطاعة.
المسألة الثانية: من أين يؤخذ وجوب الوفاء بالنذر؟
طلبة: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ».
الشيخ: من حديث: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» ، وهنا ذكر الشيء عامًّا، والاستدلال عليها بحديث (...) خاص هذا ليس سليمًا عند أهل العلم؛ يعني إذا ذكرت حُكمًا مطلقًا، أو حُكمًا عامًّا، ثم استدللت له بنص أخص، فهذا ليس بسديد عند أهل العلم، لكن لو ذكرت خاصًّا واستدللت له بنص أعم، سديد ولَّا لا؟
طلبة: إي، سديد.
الشيخ: سديد، ليش؟ لأن الخاص يدخل في العموم، لكن العموم ما يُؤخذ من الخصوص، العموم لا يُؤخذ من الخصوص؛ ولهذا دائمًا تسمعون في باب المناظرات بين أهل العلم، أو باب المناقشات في آرائهم، يقولون: الدليل أخص من الدعوة، أو أخص من الْمُدَّعَى، هم يقصدون أن الإنسان يذكر مسألة عامة يستدل لها بنص خاص، هذا غير سديد، أما إذا ذَكَر خاصة واستدل لها بنص عام، وقال: إنها داخلة في العموم، هذا صحيح، كلام المؤلف الآن من أي القسمين؟
طالب: من العام، ودليله من الخاص.
الشيخ: من العام المعتمِد على الدليل الخاص، وهذا ليس بسديد، ولهذا قلنا: يجب أن يُقيد، فيقال: وجوب الوفاء بنذر الطاعة.
(الثانية: إذا ثبت كونه عبادة لله) ويش هو؟ النذر، (فصرفُه إلى غيره شرك) صحيح، وهذه قاعدة في التوحيد، توحيد العبادة، كل شيء يكون عبادة فصرفه لغير الله شِرْك، كل عبادة فإن صرفها لغير الله تعالى شِرْك.
(الثالثة: أن نذر المعصية لا يجوز الوفاء به) يؤخذ من أين؟ من الحديث: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ، فَلَا يَعْصِهِ».
***
باب: من الشرك الاستعاذة بغير الله
01:20:34
ثم قال المؤلف: (باب من الشِّرْك الاستعاذة بغير الله) قوله: (باب من الشِّرْك) (مِنْ) هذه؟
طالب: للتبعيض.
الشيخ: للتبعيض؛ يعني ليس كل الشرك بل منه.
(الاستعاذة بغير الله) وهذه الترجمة ليست على إطلاقها؛ لأنه إذا استعاذ بشخص مما يستطيعه، فإنه لا بأس به، كالاستغاثة ما تكون إلا لله، ولو استغاث بأحد فيما يقدر عليه، لكان جائزًا.
يقول: (من الشِّرْك الاستعاذة بغير الله، وقول الله تعالى: وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا [الجن: ٦])
أنا عندي، وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الأِنْسِالواو هذه: حرف عطف، أَنَّوردت مفتوحة الهمزة؟
طالب: (...) في أول الكلام.
الشيخ: إي، في أول الكلام تُكسَر.
طالب: تفتح بالابتداء في الجملة.
الشيخ: تفتح بالابتداء؟ لا، ابن مالك ما قال هذا، هذا (...).
طالب: معطوفة على الهمزة.
الشيخ: ويش هي؟
الطالب: (...).
الشيخ: وأن، ويش اللي بعده؟
الطالب: مصدرية، قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ.
الشيخ: مصدرية، (...).
الطالب: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ [الجن: ١].
الشيخ: لا.
طالب: مقول القول.
الشيخ: مقول القول يكون مكسورًا قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ [مريم: ٣٠].
الطالب: (...).
الشيخ: لا، ما هي بشرط، قال محمد بن عبد الله بن عبد اللطيف بن عبد الرحيم بن عبد الوهاب: إني رجل من المسلمين، ابن مالك قال لنا قاعدة يا جماعة، وهي:
| وَهَمْزَ (إِنَّ) افْتَحْ لِسَدِّ مَصْدَرِ | مَسَدَّهَا وَفِي سِوَى ذَاكَ اكْسِرِ |
هذا الضابط، قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ [الجن: ١]، حَوِّلْهَا إلى مصدر، قل أوحي إليَّ استماع نفر، المعطوفات عليها مثلها؛ يعني وأوحي إليَّ أنه كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ [الجن: ٦].
وقوله سبحانه وتعالى: كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِالجار والمجرور هذه صفة لرجال؛ لأن رِجَالٌنكرة، والنكرة ما يأتي بعدها يكون صفة لها.
يَعُوذُونَ بِرِجَالٍهذه جملة يَعُوذُونَخبر كان. وقوله: يَعُوذُونَيقال: عاذَ به، ولاذَ به، لاذَ، وعاذَ، فعاذ مما يخاف، ولاذَ فيما يُؤمِّل، هذا الفرق بينهما، العياذ واللياذ، العياذ، منين؟
طالب: مما يخاف.
الشيخ: مما يخاف، واللياذ فيما يُؤمِّل، وعليه قول الشاعر يخاطب ممدوحه، ولا يصح إلا لله اللي هو قاله:
| يَا مَنْ أَلُوذُ بِهِ فِيمَا أُؤَمِّلُهُ | وَمَنْ أَعُوذُ بِهِ مِمَّا أُحَاذِرُهُ |
شوف فيما أؤمل هذا ما يرجى، أيش قال فيه؟ ألوذُ به، (مما أحاذر) يعني مما أخاف، قال فيه: أعوذ به.
| ................................. | وَمَـــــنْ أَعُــــــــوذُ بِهِ مِمَّــــــا أُحَـــــــــاذِرُهُ |
| لَا يَجْبُرُ النَّاسُ عَظْمًا أَنْتَ كَاسِرُهُ | وَلَا يَهِيضُونَ عَظْمًا أَنْتَ جَابِرُهُ |
هذا يصلح للآدمي؟
طلبة: لا.
الشيخ: هذا ما يصلح إلا لله عز وجل.
المهم أني أقول الفرق بين العياذ واللياذ، أن اللياذ فيما يُؤمَّل ويُرجَى، والعياذ مما يُحْذَر ويخاف.
قال: يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّيعني أنهم يلتجئون إليهم مما يحذرون، يظنون أنهم يعيذونهم، ولكن ماذا يقول؟ فَزَادُوهُمْ رَهَقًايعني: خوفًا وذعرًا، نفعوهم ولَّا لا؟
طلبة: ما نفعوهم.
الشيخ: ما نفعوهم، ولو استعاذوا بالله لأعاذهم، لكن هم -والعياذ بالله- من شدة خوفهم من الجن، صاروا يعوذون بهؤلاء الرجال، ولكن يزدادون خوفًا وذعرًا.
يقولون: إن العرب في الجاهلية إذا نزلوا في وادٍ نادوا بأعلى أصواتهم: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، هل يتوهم هذا وأن الجن بيتسلطون عليه؟
طالب: هو السفيه.
الشيخ: أيش؟
طلبة: هو السفيه.
الشيخ: هو السفيه، لكنه يزداد ذعرًا، لو يشوف له شجرة متحركة قال: هذا الجن جاي، ثم لا يقر له قرار، لكن لو قال كما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، أو كما أشار إليه الرسول وأرشد إليه: «أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ» ؛ ما ضره شيء، حتى يرتحل من منزله.
إذن هذه الآية تدل على أن الاستعاذة بالجن حرام ولَّا لا؟ حرام، الاستعاذة بالجن حرام.
الدليل: أن ما أنتجت إلا عكسًا، هو يريدون الأمن لكن زادوهم خوفا، وذعرا، فَزَادُوهُمْ رَهَقًا، شوف كلمة: رَهَقًاأشد من مجرد الذعر والخوف، كأنهم مع ذعرهم وخوف كأنَّ شيئًا أرهقهم وأضعفهم ، فصار ذعرًا يصل إلى القلوب، والعياذ بالله.
وقوله: بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّيستفاد من هذا أن للجن رجالًا، أو لا؟ لهم رجال؟ نعم، ولهم إناث، وربما يُجامِع الرجل منهم الأنثى من بني آدم، ربما يجامع الأنثى من بني آدم، والعكس بالعكس، ربما يجامع الذكر من بني آدم أنثى من الجن.
طالب: (...).
الشيخ: هذا والله أنا ما ولدت.
طالب: لكن حقيقة ولا منامًا؟
الشيخ: لا، حقيقة؛ ولهذا قال العلماء في باب الغُسل، قال الفقهاء في باب الغسل: لو قالت: إن بها جنيًّا يجامعها كالرجل وجب عليها الغسل، وعلى هذا يصير حقيقة؛ لأنه مجرد أن يجامعها بدون أن تُنزل ما يجب عليها الغسل، إلا لو كان ذلك أمرًا حقيقيًّا، وأما أن الرجل يجامع الأنثى من الجن، فقد قيل ذلك، لكني ما رأيته في كلام أهل العلم، وإنما أساطير تُقال، والله أعلم إنه قد يحصل هذا الشيء، إنه يجامعها حقيقةً، تتمثل له، ثم يجامعها، وأظن وأنا بعيد العهد بها أن بعض العلماء ذكر جواز التزوج بالنساء من الجن.
وأما كون الجن يجامعون فهذا دل عليه القرآن لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ [الرحمن: ٥٦]، لكن الكلام على أنه هل يمكن أن الإنسي يجامع الجنية، أو بالعكس؟ هذا في الحقيقة محل نظر، والله تعالى يقول: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً [الروم: ٢١]، وهذا ما يمكن بالنسبة للجن، إنما يكفينا نحن أن نُصدِّق بوجودهم، وبأنهم مكلفون، وبأن منهم الصالحون ومنهم دون ذلك، وبأن منهم المسلمون والقاسطون، وبأن منهم رجالًا ونساء.
فَزَادُوهُمْ رَهَقًاويش وجه الاستشهاد بالآية من هذا؟
طالب: ذم من استعان بغير الله.
الشيخ: ذم المستعيذين بغير الله، وجه ذلك: ذم المستعيذين بغير الله، والمستعيذ بالشيء لا شك أنه قد علَّق رجاءه به، واعتمد عليه، وهذا نوع من الشِّرْك.
(وعن خولة بنت حكيم رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا، فَقَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ؛ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْحَلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ») .
(«مَنْ نَزَلَ») جواب الشرط؟
طالب: فقال.
الشيخ: فقال؟ لا. («لَمْ يَضُرَّهُ»)، جواب الشرط («لَمْ يَضُرَّهُ»).
وقوله: («مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا») يشمل من نزله على سبيل الإقامة الدائمة، أو الطارئة؟
طالب: الاثنين.
الشيخ: يشمل هذا وهذا، بدليل أنه مُنكَّر في سياق الشرط، والنكرة في سياق الشرط تفيد العموم. وقوله: («أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ») («أَعُوذُ») بمعنى: ألتجئ وأعتصم، لا بمعنى ألوذ، قلنا: اللياذ لأيش؟
طالب: لما يؤمل.
الشيخ: لما يؤمل، أعوذ بمعنى ألتجئ وأعتصم.
وقوله: («بِكَلِمَاتِ اللَّهِ») الكونية أو الشرعية؟
طلبة: الشرعية.
الشيخ: أو هما؟
طالب: الكل.
الشيخ: الكل، الكلمات الكونية التي بها يحفظه، والكلمات الشرعية التي أنزل بها الكتب، التي جاءت بها الرسل، فهو يستعيذ بكلمات الله الكونية والشرعية.
وقوله: («بِكَلِمَاتِ اللَّهِ») كلمات جمع كلمة: تفيد الكثرة؛ لأن الجمع يفيد التعدد، وهو هنا جمع قلة ولا جمع كثرة؟
طلبة: جمع قلة.
الشيخ: جمع قلة؟
الطالب: (...).
الشيخ: كلمات؟
طالب: كثرة.
طالب آخر: جمع قلة.
الشيخ: كيف؟ ويش لون جمع القلة؟
الطالب: يكون فيه يعني فوقه جمع الجمع.
الشيخ: جمع القلة ما دل على أقل من عشرة، وجمع الكثرة؟
الطالب: ما فوق.
الشيخ: ما دل على ما فوق ذلك، وقيل: جمع الكثرة من ثلاثة إلى ما لا نهاية له، فيكون جمع القلة والكثرة يتفقان في الابتداء، ويختلفان في الغاية، في الانتهاء، القلة ما يبلغ العشرة، والكثرة لا نهاية لها.
وقيل: إن جمع الكثرة يبتدئ..





