كتاب التوحيد - 14
عدد الزيارات 3065

عناصر المادة :
باب: قول الله تعالى: {أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (191) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ}
باب: قول الله تعالى: {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ}

باب: قول الله تعالى: {أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (191) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ}
00:00:03

{أَيُشْرِكُونَ مَا لَا} [الأعراف: ١٩١] يشركونه بمن؟
طالب: بالله.
الشيخ: بالله، يُشركونه بالله.
مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًاهنا عبَّر بـ(ما) دون (مَن). وفي قوله: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ [الأحقاف: ٥] (ما لا يستجيب له) ولَّا مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ؟
طلبة: مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ.
الشيخ: مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ، والمناسبة ظاهرة؛ لأنَّ الداعين هناك نزَّلوهم منزلة العاقل، أمَّا هنا اللي ما يخلق شيئًا ولا يصنعه هذا جماد، ولهذا قال: مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا، مَا لَا يَخْلُقُ.
وقوله: شَيْئًانكرة في سياق النفي فتكون للعموم، هذه الأصنام التي يعبدونها ما تخلق شيئًا. وهل تدفع عن نفسها ضررا؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا. وقوله: مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا، أيضًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ، والربُّ المعبود لا يمكن أن يكون مخلوقًا، بل هو الخالق وليس بمخلوق، المخلوق حادث، والحادث يجوز عليه العدم، ولَّا لا؟ لأنَّ ما جاز انعدامُه أولًا جاز انعدامُه آخِرًا، والربُّ سبحانه وتعالى لا يجوز عليه الحدوث ولا يجوز عليه الفناء.
هؤلاء يُخلَقون، فكيف يُعبَدون من دون الله؟! هو مخلوقٌ لا يُعبد؛ لأنَّه هو بنفسه مفتقِرٌ إلى خالقه، وهو بنفسه حادثٌ بعد أن لم يكُن، فهو ناقصٌ في افتقاره وفي وجوده.
قال: وَهُمْ يُخْلَقُونَ، وعندنا إشكال في قوله: وَهُمْ يُخْلَقُونَمع قوله: مَا لَا يَخْلُقُ؛ يعني لم يقل: ما لا يَخلقون وهم يُخلقون، قال: مَا لَا يَخْلُقُ ... وَهُمْ يُخْلَقُونَوالجواب.. ويش الجواب؟ السؤال: إشكال عندنا في الضمير؛ قال: مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًابالإفراد، ثم قال: وَهُمْ يُخْلَقُونَبالجمع؟
طالب: (...).
الشيخ: (...) به.
طالب: نعم، الأصنام هي التي تُعبَد.
الشيخ: (...) هي اللي تُعبد.
طالب: ويعبدونها من دون الله.
الشيخ: إي، لكن يُخْلَقُونَهل يعود على المشركين ولَّا على الأصنام؟
طالب: احتمال يعود على المشركين واحتمال يعود على الأصنام.
الشيخ: يعود على الأصنام ما فيها إشكال، يعود على الأصنام. فما هو الجواب؟ مَن يعرف الجواب؟
طالب: (...).
الشيخ: لا.
طالب: قوله: مَا لَا يَخْلُقُباعتبار المعنى، يعود على (...) باعتبار المعنى، وَهُمْ يُخْلَقُونَيعود عليه باعتبار اللفظ (...).
الشيخ: خطأ. مَا لَا يَخْلُقُإحنا ذكرنا لكم، ونكرِّر هذا في التو، مع أنَّكم قرأتم في الألفية أنَّ (ما) اسم موصول، لفظُها مفرد، ومعناها؟
طالب: جمع.
الشيخ: معناها الجمع، فهي صالحة بلفظها للمفرد وبمعناها للجمع. فقوله: مَا لَا يَخْلُقُعاد الضمير عليها باعتبار؟
طالب: لفظها.
الشيخ: باعتبار اللفظ، وَهُمْ يُخْلَقُونَعاد عليها باعتبار المعنى.
وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ [الأحقاف: ٥] نفس الشيء، كُنَّا فسَّرناها قبلُ بهذا، قلنا: مَنْ لَا يَسْتَجِيبُباعتبار اللفظ، وَهُم عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَباعتبار المعنى.
قوله: وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا [الأعراف: ١٩٢] أيضًا ما ينفعونهم، هؤلاء المعبودون لا ينفعون العابدين.
لَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًاوالنصر معناه الدَّفْع عن المخلوق بحيث ينتصر على عدوِّه، زيادة على ذلك هم أيضًا عاجزون عن الانتصار لأنفسهم؛ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ [الأعراف: ١٩٢]، فبيَّن الله سبحانه وتعالى عَجْز هذه الأصنام من أربعة وجوه:
الوجه الأول؟
طالب: أنهم ما يستطيعون نصر أنفسهم.
الشيخ: لا، هذه بالترتيب حسب سياق الآية.
طالب: أنه يدعو مَن لا يَخلق.
الشيخ: إي نعم، الوجه الأول أنها لا تَخلق، ومَن لا يَخلق لا يستحقُّ أن يُعبد.
الوجه الثاني؟
طالب: أنهم يُخلَقون.
الشيخ: أنهم مخلوقون، موجودون من العدم، فهُم عاجزون ابتداءً ودوامًا.
الوجه الثالث؟
طالب: لا ينصرونهم.
الشيخ: لا ينصرون الداعين.
طالب: لا يستطيعون النصر.
الشيخ: ما يستطيعون النصر، ترى كلمة لَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًاأبلغ من قول: لا ينصرونهم؛ لأنَّه إذا قال: لا ينصرونهم، قد يقول قائل: ولكن يستطيعون. لكنْ إذا قال: وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًافهو أبلغ، أو لا؟ لظهور عجزهم.
طالب: هذا يدلُّ على أنهم يحاولون (...).
الشيخ: (...)، ما يحاولون، لأنه يبيِّن الواقع.
الرابع؟
طالب: لا يستطيعون نَصْر أنفسهم.
الشيخ: نعم، أنَّهم لا يستطيعون نَصْر أنفسهم.
لهذه الوجوه الأربعة يكون الإنكار ظاهرًا على هؤلاء المشركين.
ما إعراب قوله: وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ؟
طالب: (لا) نافية.
الشيخ: نعم.
طالب: (...).
الشيخ: توافقونه على هذا الإعراب؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: كأنك عندك معارضة.
طالب: (...).
الشيخ: ما هي من باب الاشتغال.
طالب: (...).
الشيخ: لو قال: (ولا أنفسَهم ينصرونها) كانت من باب الاشتغال، ولَّا لا؟
طالب: بلى.
الشيخ: ابن مالك يقول في الاشتغال: (إِنْ)؟
طالب: إنْ ضمير اسم.
الشيخ: لا، ما هي بـ(ضمير).
طالب: (إِنْ مُضْمَرُ اسْمٍ).
الشيخ: إي.
طالب: شافع.
الشيخ: لا.
طالب: (إِنْ مُضْمَرُ اسْمٍ).
الشيخ: (إِنْ مُضْمَرُ اسْمٍ).
طالب: (سَابِقٍ).
الشيخ: (سَابِقٍ فِعْلًا شَغَلْ ... عَنْهُ).
طالب: (بِنَصْبِ).
الشيخ: (بِنَصْبِ).
طالب: (لَفْظِهِ أَوِ الْمَحَلّْ).
الشيخ: (لَفْظِهِ أَوِ الْمَحَلّْ).
طالب: (...).
الشيخ: (...) الاشتغال.
إذَنْ يا جماعة هذا ليس من باب الاشتغال؛ لأنَّ الفعل العامل ما اشتغل بضمير المشغول عنه، ولكنَّه من باب المفعول المقدَّم.
طالب: وَهُمْ يُخْلَقُونَالضمير هنا يعود على (...).
الشيخ: على (ما).
طالب: (...) للعاقل.
الشيخ: إي نعم.
طالب: لو قلنا في (ما): إنه قد وقع (...).
الشيخ: أمَا قُلنا: يجوز مراعاة المعنى واللفظ، حتى بالنسبة للعاقل وغير العاقل، كل شيء.
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، ما تصلح؛ يعني ما فيها فائدة؛ يعني ما فيها إقامة البراهين على هذا.
طيب، مناسبة الباب؛ المؤلف يقول: (باب قول الله تعالى)، ما جاء بترجمة مستقلَّة، لكن مناسبة الباب لِمَا قبله كأنَّ المؤلف -رحمه الله- يسوق البراهين الدالَّة على بُطلان عبادة ما سوى الله، ولهذا جعل الترجمة نفس الآية، نفس الدليل، فالباب هنا من البراهين الواضحة على بُطلان عبادة ما سوى الله، فكأنَّ المؤلف لَمَّا ذكر فيما سبق الاستعاذةَ والاستغاثةَ بغير الله عز وجل ذكر البرهانَ الواضحَ على أنَّ العبادة لا تكون إلا لله، فجعل العنوان نفس الدليل.
قال: (وقوله: وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ [فاطر: ١٣] الآية).
الآية: إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [فاطر: ١٤].
وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِدعاء مسألة، ولَّا دعاء عبادة، أو الكل؟
طلبة: الكل.
الشيخ: الكل، تدعون دعاء مسألة أو دعاء عبادة.
وقوله: مِنْ دُونِهِأي: مِن دون الله؛ أي: سِوى الله.
وقوله سبحانه وتعالى: مَا يَمْلِكُونَهذا خبر المبتدأ، جملة: مَا يَمْلِكُونَخبر المبتدأ الذي هو قوله: الَّذِينَ.
مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ(مَا) نافية، ومِنْ قِطْمِيرٍ(مِنْ) حرفُ جرٍّ زائدٌ لفظًا، وبعضهم يقول: إنَّ حرف الجر الزائد في القرآن ينبغي ألَّا نقول: زائد، بل نقول: صِلَة؛ (مِنْ) صلة. ولكن عندي أنَّ كلمة: (مِنْ) صِلَة، فيها نظرٌ أيضًا، بل نقول: (مِنْ) للتوكيد؛ لأنَّه مرَّ علينا في البلاغة أنَّ من أدوات التوكيد؟
طالب: الحروف الزائدة.
الشيخ: الحروف الزائدة، فالأحسن هنا أن نقول: (مِنْ) للتوكيد.
وقوله: مِنْ قِطْمِيرٍأي: لا يملكون قطميرًا. فما هو القطمير؟ القطمير هو سِلْب النواة. تعرفونه؟
طلبة: نعم.
الشيخ: النواة تعرفونها؟
طلبة: نعم.
الشيخ: (...) السلب اللي عليها يُسمَّى قطميرًا، والفتيلة التي في الشق تُسَمَّى فتيلًا، والنُّقرة التي على ظهرها تُسَمَّى نقيرًا. ففي النواة ثلاثة أشياء ذكرها الله في القرآن: القطمير، والنقير، والفتيل؛ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا [النساء: ٤٩] والفتيل هو؟
طالب: النواة.
الشيخ: لا، الحبل، يعني الشيء اللي..
طالب: (...).
الشيخ: إي السلك، سلك يكون في شق النواة.
طالب: خيط رفيع.
الشيخ: إي ما بعد والله (...). إنما النقير في قوله تعالى: وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًاقالوا: إنَّه النُّقرة التي على ظهر النواة، والقطمير لفافة النواة، هذه اللفافة هي القطمير، هؤلاء ما يملكون من قطمير، كذا؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: أليس الإنسان يملك النخلات كلها؟
طالب: لا يقدر على الخلْق.
الشيخ: لكنَّه ملكٌ ناقصٌ، فهو ملكٌ ليس حقيقيًّا، بدليل أنَّ ملكي لمالي الآن هل أنا مالكٌ له على سبيل الإطلاق بحيث أنِّي يمكنني أتصرَّف فيه كما شئتُ؛ أُحرِقه أُتلفه وما أشبه ذلك؟ لا، ما يجوز أتصرَّف فيه إلا على حسب ما شُرِع لي، فإذَن الملْك ناقص.

***

(...) لا يخلق؛ كما قال الله تعالى: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ [النحل: ١٧]، وسبق أنَّ هذه الأصنام التي يعبدونها مخلوقةٌ والمعبود لا يمكن أن يكون مخلوقًا، وسبق أنها عاجزةٌ والمعبود لا يمكن أن يكون عاجزًا؛ لأنهم لا يستطيعون نصرًا لهؤلاء، وسبق أنها ضعيفةٌ أيضًا، ولهذا لا تستطيع أن تنصر نفسَها، وسبق أيضًا في الآية الثانية أنَّ الذين يدعون من دون الله ليس لهم ملكٌ في السماوات ولا في الأرض؛ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍوهو اللفافة التي على النواة، وأنهم إنْ دَعَوهم -وأظنُّنا شرحنا هذه- إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ [فاطر: ١٤]؛ إِنْ تَدْعُوهُمْهذه جملةٌ شرطية، فعل الشرط منها (تدعوا) وهو مجزومٌ بحذف النون، والواو فاعل، وأصلها: تَدْعونهم.
وقوله: لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْهذه جواب الشرط، ولهذا جُزمت بحذف النون، والواو فاعل؛ يعني هذه الأصنام لو دعوتموها ما سَمِعت، ولو فُرِض أنها سَمِعت ما استجابت؛ لأنها ما تقدر على ذلك، فهي لا تسمع ولا تنفع، ولهذا قال إبراهيم لأبيه: يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا [مريم: ٤٢]، فإذا كان كذلك؛ لا تسمع ولا تنفع، فأيُّ عقلٍ يدعو إلى أن تُدعى هذه من دون الله! بل هذا سَفَهٌ؛ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ [البقرة: ١٣٠]
طالب: (...) لا تسمع (...)؟
الشيخ: ما تسمع (...) أبدًا، ما تسمع كما قال الله: لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ، لا نقول إلا كما قال الله.
طالب: الأرض تشهد يوم القيامة.
الشيخ: هذه الأصنام لا تسمع الدعاء، ولو فُرِض أنها سمعت ما استجابت.
قال تعالى: وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْيومَ القيامة إِذَا حُشِرَ النَّاسُ-كما قال الله تعالى- كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً [الأحقاف: ٦]، يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ، وهؤلاء إن كانوا أصنامًا تُبعث وتُحشر فكُفرهم بشركهم ظاهر؛ يعني مثل الذين يدعون عزيرًا أو المسيحَ أو ما أشبه ذلك؛ هذه تُبعث، ويكفرون بشرك هؤلاء، ولكن إذا كانت أحجارًا وأشجارًا فإنَّنا نأخذ بظاهر الآية ونقول: إنَّ الله تعالى يمثِّل هذه الأشياء، يمثِّلها يوم القيامة فتكفر بمن يُشرك بها، فالحجر يكون أمامهم يوم القيامة ويكون له كلامٌ ينطق به فيكفر بشركهم، وكذلك الأشجار وغيرها، ولهذا قال: وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ، ويدلُّ على أنَّ هذه الأصنام تُبعث ما ثبت في الصحيحين من قوله صلى الله عليه وسلم أنَّه عند بعث الناس يُقال لكلِّ أُمَّة: «لِتَتَّبِعْ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ» ، فهذا يدلُّ على أنهم يُبعثون ويمثَّلون لهم.
وقوله تعالى: وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍهذا في الحقيقة مَثَلٌ من الأمثال، وهو من القرآن الكريم، ولكنَّه لم يُسمَع قبل القرآن؛ لَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍأي: لا يخبرك بالخبر مِثْل خبيرٍ به. فمن هو الخبير بهذا الخبر؟
طالب: هو الله.
الشيخ: هو الله؛ لأنَّه ما أحد يعلم ماذا يكون في يوم القيامة إلا الله؛ كأنَّه يقول: وهذا الخبر حقٌّ؛ لأنَّ الذي أنبأك به خبيرٌ به، وهذا معناه أن الله سبحانه وتعالى أخبرنا بأمرٍ لا يعلمه إلا الله، وهو خبر صِدْق؛ لأن الله يقول: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا [النساء: ١٢٢].
طالب: تمثَّل بهذا المثل وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ.
الشيخ: إي، هذا يضرب مثالًا لمن أخبر بخبر ورأى شكًّا عند من خاطبه به يقول: ولا ينبِّئك مِثْل خبير.
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم، يحضرني الآن قول عائشة رضي الله عنها لمن جاء يسألها عن مسألةٍ وقعت، قالت له: على الخبير سقطتَ ؛ لأنَّ الخبير هو العليم ببواطن الأمور، فيكون عالِمًا بكل شيءٍ يتعلَّق بهذه القضية.
طالب: بالنسبة للذين يدعون الأولياء، نقول لهم: إنهم لا يسمعون دعاءكم.
الشيخ: نعم.
طالب: فيقولون: أليس ردُّ السلام عليهم .. يسمعون ردَّ السلام؛ لقوله: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ» ، فهم يسمعون ردَّ السلام؟
الشيخ: نقول: هذه المسألة -كونُهم يسمعون السلام- فيها خلاف؛ فإنَّ بعض أهل العلم يقول: لا يسمعون، وإن قوله: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ» دعاء، فهو دعاءٌ ما يقصد به المخاطبة، ثم على فرض أنهم يسمعون كما جاء في الحديث الذي صحَّحه ابن عبد البر وضعَّفه الألباني؛ وهو أنَّ الإنسان إذا سلَّم على شخصٍ يعرفه في الدنيا ردَّ الله عليه روحه فردَّ عليه السلام ، على صحَّة هذا الحديث إذا كانوا يسمعون السلام فلا يَلزم أن يسمعوا كلَّ شيء، ثم إنَّه لو فُرِض أنهم يسمعون غير السلام فالذي صرَّح الله به بأنهم لا يسمعون ما يمكن نقول: إنهم يسمعون، إذا كان الله يقول: لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْوهم يقولون: إنهم يسمعون، هذا كفر بالقرآن. فإذَن تبيَّن أنَّه ما يمكن أن يُعارَض بأيِّ وجهٍ من الوجوه، لا يمكن يُعارَض بقوله: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ» بأيِّ وجهٍ من الوجوه لهذه الآية، حتى لو فُرِض أنَّ الأموات يسمعون كلَّ شيءٍ يُتكلَّم به عندهم فإنَّهم لا يسمعون دعاء من يدعوهم بنص القرآن.
طالب: (...).
الشيخ: يعني فرضًا لو سمعوا ما استجابوا لكم؛ لأنَّ آخِر الآية لا يُبطل أوَّلَها.
ثم قال: (وفي الصحيح عن أنس قال: شُجَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم يوم أُحُدٍ، وكُسِرتْ رَباعيتُه) .
(أُحُد) جبلٌ معروفٌ في الشمال من المدينة المنورة، أو بالأصح: من المدينة، ولا نقول: المنورة؛ لأنَّ ذلك لم يكن معروفًا عند السلف، وإنما تُسَمَّى (المدينة)، وهو كذلك في القرآن، ما وَصَفها الله بالمنورة بل قال: إِلَى الْمَدِينَةِ [المنافقون: ٨]، وهذا الجبل حصلت فيه وقعةٌ في السنة الثالثة من الهجرة في شوال كان فيها هزيمةٌ للمسلمين بسبب ما حصل منهم من مخالفة أمْر النبيِّ عليه الصلاة والسلام كما أشار الله إليه بقوله: حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ [آل عمران: ١٥٢]، وجواب الشرط محذوف؛ يعني: حصل لكم ما تكرهون. بسبب؟
طالب: معصية أمر الرسول صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: في السنة الثالثة من الهجرة، أنا قلت: الثانية؟
طلبة: لا، قلتَ: الثالثة.
الشيخ: نعم، فهذا الذي حصل أنَّ المسلمين هُزموا بمعصيةٍ واحدةٍ، والآن نريد الانتصار ونحن عسى أن يكون عندنا طاعةٌ واحدةٌ! المعاصي كثيرة، فلذلك لا يمكن أن نفرح بنصرٍ ما دُمنا على هذه الحال، إلا أنَّ الله تعالى نسأله أن يلطف بنا ويُصلحنا جميعًا.
(شُجَّ ... يومَ أُحُد) والشجَّة: الجرح في الرأس والوجه خاصَّة، الشجَّة في اللغة العربية يعني جرحٌ في الرأس والوجه خاصَّة، لو جُرِح الإنسان مع بطنه، أو مع فخذه، أو مع ظهره، أو مع صدره فإن ذلك لا يُسَمَّى شجة، ما يُسَمَّى إلا في الرأس، وبعد؟
طلبة: والوجه.
الشيخ: والوجه. والرسول عليه الصلاة والسلام شُجَّ وكُسِرت رَباعيته؛ الرَّباعية: هي السِنُّ الرابعة من وسط الفم. وأمَّا السِّنَّان المتوسطان يُسَمَّيان ثنايا، وما وراءهما تُسَمَّى رَباعية.
كُسرت رَباعية النبي عليه الصلاة والسلام، (...) كسرها من قريش، لَمَّا كسروها قال النبيُّ عليه الصلاة والسلام: «كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهُمْ؟!» .
«كَيْفَ» استفهامٌ يُراد به الاستبعاد؛ يعني: بعيدٌ أن يُفلح قومٌ شجُّوا نبيَّهم عليه الصلاة والسلام.
وقوله: «يُفْلِحُ» الفلاح تقدَّم لنا غير مرَّةٍ أنَّ معناه؟
طالب: (...).
الشيخ: ما هو؟ من؟
طالب: الفوز بالمطلوب، والنجاة من المرهوب.
الشيخ: نعم، الفوز بالمطلوب، والنجاة من المرهوب. هذا هو الفلاح؛ يعني: كيف يحصل لهم مطلوبهم وقد شجُّوا نبيَّهم، فأنزل الله .. (فنزلت لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ [آل عمران: ١٢٨]) نزلت هذه الآية: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ، وهذا الخطاب لمن؟
طالب: للرسول.
الشيخ: للرسول عليه الصلاة والسلام، وكلمة شَيْءٌنكرةٌ في سياق النفي، فتكون عامَّة.
والْأَمْرِالشأن، والمراد بالشأن هنا شأنُ الخلق، فشأن الخلق إلى خالقهم، حتى النبي عليه الصلاة والسلام ما له فيهم شيءٌ.
لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌهذا الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام، وقد شُجَّ وجهُه، وكُسِرت رَباعيته، وفي هذه الحال مع ذلك ما عذره الله عز وجل بكلمة واحدة: «كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهُمْ؟!»، فإذا كان الأمر كذلك فما بالُك بمن سواه، هل له من الأمر شيء؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، الأصنام والأوثان والأولياء والأنبياء ما لهم من الأمر شيءٌ، الأمر كلُّه لله وحده سبحانه وتعالى، كما أنَّه الخالقُ وحده فالأمر إليه وحده، والحمد لله الذي لم يجعل شأننا إلى أحدٍ سواه، لو جُعِل شأنُنا إلى مخلوقٍ ضِعْنا؛ لأنَّ المخلوق ما يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا، فكيف يملك لغيره؟! فإذَن أمْر الخلقِ إلى خالقهم؛ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌيعني: فلا تقل: «كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهُمْ؟!».
وبهذا نستفيد من هذا الحديث -وإنْ كنَّا ما نريد التعريج على تعداد الفوائد لأنَّنا نتكلم عن الشاهد فقط- نستفيد أنَّه يجب الحذر من إطلاق اللسان فيما إذا رأى الإنسانُ مبتلًى بالمعاصي، إذا رأيتَ مبتلًى بالمعاصي لا تستبعد رحمة الله منه؛ فإنَّ الله تعالى قد يتوب عليه، شوف هؤلاء القوم اللي شجُّوا وجه نبيِّهم لَمَّا استبعدَ الرسولُ فلاحَهم، قيل له: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ، والرجُل الذي كان مطيعًا وعابدًا يمرُّ بالعاصي فيقول: واللهِ لا يغفر الله لفلان. قال الله له: قد غفرتُ له وأحبطتُ عملَك، مَن ذا الذي يتألَّى عليَّ ألَّا أغفرَ لفلان ؟! فيجب على الإنسان أن يُمسك اللسان لأنَّ زلَّته عظيمة.
ثم يا أخي، ألستَ تشاهد بعينك أو تسمع بأذنك أخبارَ قومٍ كانوا من أَكْفر عبادِ الله وأشدِّهم عداوةً له انقلبوا أولياء لله عز وجل، فإذا كان كذلك فلماذا تستبعد رحمة الله تعالى من قومٍ كانوا عُتاة؟ ولهذا بعض العامَّة في الحقيقة -هدانا الله وإياهم- إذا قلت: نسأل الله أن يهدي فلانًا (...)، قال: لا، ما هو بهاديه. كيف ما هو بهاديه؟ ويش تعلم؟ ما دام الإنسان ما بعد (...)، كما أنَّ المؤمن -نسأل الله أن يحمينا وإيَّاكم- يمكن أن يزيغ قلبُه لِمَا كان فيه من سريرةٍ فاسدة.
فالمهم أنَّ هذا الحديث يجب أن يُتَّخذ عبرةً للمعتبِر في أنك لا تستبعد رحمة الله من أيِّ إنسانٍ كان عاصيًا.
وقوله: (فنزلتْ) الفاء للسببية، وعلى هذا فيكون سبب نزول الآية الكريمة، ويش يكون سببها؟
طلبة: «كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهُمْ؟!».
الشيخ: هذا الكلام: «كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهُمْ؟!».
(وفيه) عن أبي هريرة في الصحيح أيضًا (عن ابن عمر رضي الله عنهما: أنَّه سمع).
طالب: هل يعتبر هذا طريق (...).
الشيخ: إي نعم، هذا ظاهر اللفظ.
طالب: (...).
الشيخ: نعم.
(وفيه عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّه سَمِع رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا رفع رأسَه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر).
فهنا قيَّد الصلاة، وقيَّد مكانَ هذا الدعاء من الركعات، ومكانَه من الركعة. مكانه من الصلوات؟
طلبة: الفجر.
الشيخ: الفجر. من الركعات؟
طلبة: الأخيرة.
الشيخ: الأخيرة. من الركعة؟
طلبة: الثانية.
الشيخ: بعد الرفع من الركوع، سَمِعه يقول: «اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا» .
«اللَّهُمَّ الْعَنْ» اللعن معناه الطَّرد والإبعاد عن رحمة الله؛ أي: أبعِدْهم عن رحمتك واطرُدهم منها. هذا هو اللعن والعياذ بالله.
و«فُلَانًا وَفُلَانًا» سيُبيَّن في (...)، ويش بعده؟
طلبة: بعدما يقول: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ».
الشيخ: (بعدما يقول: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ») يعني أنَّه يقول ذلك إذا رفع وقال: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ».
(فأنزل الله تعالى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ). (فأنزل) واللي قبله يقول: (فنزلت) وكلاهما بالفاء، وعلى هذا فيكون سبب نزول الآية أيضًا دعوة النبي صلى الله عليه وسلم على هؤلاء، ولا مانع من أن يكون للآية سببا نزولٍ؛ يعني ليس السبب لازم واحد فقط، قد يتعدَّد السبب، وهنا القصة واحدة؛ فإنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام دعا على قومٍ من قريش بعد اشتداد أذيَّتهم للمؤمنين، فأنزل الله تعالى هذه الآية لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ؛ يعني: فإذا كان ليس لك من الأمر شيءٌ فإنَّ الله سبحانه وتعالى قادرٌ على أن يقلب عداوةَ هؤلاء إلى ولاية.
(وفي رواية: يدعو على صفوان بن أُميَّة، وسُهيل بن عمرو، والحارث بن هشام، فنزلت: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ) .
هذا التبيين لأيِّ شيء؟
طالب: «فُلَانًا وَفُلَانًا».
الشيخ: للمبهم في قوله: «فُلَانًا وَفُلَانًا». صفوان بن أمية وسُهيل بن عمرو والحارث بن هشام كلُّهم كانوا كفارًا معادين للرسول عليه الصلاة والسلام، وسُهيل بن عمرو هو الذي حصل على يده الصلح في الحديبية، فأنزل الله تعالى هذه الآية، نزلت: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ، آخر الآية: أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ [آل عمران: ١٢٨]، والذي وقع ما هو؟
طلبة: تاب عليهم.
الشيخ: فإنَّ الله تاب عليهم، وهؤلاء الثلاثة كلُّهم أسلموا وحسُن إسلامُهم رضي الله عنهم، فتأمَّل الآن أنَّ العداوة قد تنقلب ولاية؛ لأنَّ القلوب بيد الله سبحانه وتعالى، ولو أنَّ الأمر كان على ظنِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لَكان هؤلاء يبقون على الكفر حتى يموتوا عليه؛ إذْ لو قُبلت الدعوة: «الْعَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا» وطُرِدوا عن الرحمة ما بقي إلا العذاب، إذا نُفِيت الرحمة بقي العذاب، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام ليس له من الأمر شيءٌ، فالأمر كلُّه لله، ولهذا هدى هؤلاء الأقوامَ، وصاروا من أولياء الله ومن الذابِّين عن دين الله بعد أن كانوا من أعدائه القائمين ضدَّه، والله سبحانه وتعالى يمنُّ على مَن يشاء مِن عباده.
وليس بعيدًا عليكم قصة الأُصيرم من بني عبد الأشهل من الأنصار، كان معروفًا بأيِّ شيء؟ بالعداوة لِمَا جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، هو ضدُّ ما جاء به الرسول، فلمَّا جاءت وقعة أُحُد ألقى الله الإسلامَ في قلبه، فأسلمَ الرجل من غير أن يعلم النبيُّ عليه الصلاة والسلام ومن غير أن يعلم أحدٌ من قومه، وخرج للجهاد فقُتِل شهيدًا، لَمَّا انتهت المعركة جعل الناس يتفقَّدون قتلاهم فإذا الأُصيرم في آخِر رَمَق، فقالوا: ما جاء بك يا فلان؟ أَحَدَبٌ على قومك أم رغبةٌ في الإسلام؟ قال: بل رغبةٌ في الإسلام، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله، وأخبِروا عني رسولَ الله صلى الله عليه وسلم. فأخبروه بذلك فقال: «هُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ» . ما صلَّى ولا سجد ولا سجدة وكان من أهل الجنة، لكن الله عز وجل حكيمٌ، يهدي مَن يشاء لحكمةٍ ويُضِلُّ مَن يشاء لحكمةٍ، والمهمُّ أنَّنا لا نستبعد رحمةَ الله سبحانه وتعالى من أيِّ إنسان، لا نستبعد ولا نيأس، ونعلم أنَّ الذي قال لرسوله: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌحين قال: «كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهُمْ؟!» أنَّه يقول لنا مِثْل ذلك أو أكثر، أليس كذلك؟
طالب: بلى.
الشيخ: (وفيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أُنزل عليه: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء: ٢١٤]).
أَنْذِرْأي: خوِّفْ وحذِّرْ، والإنذار: الإعلام المقرون بتخويف.
وقوله: عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَالعشيرة هم قبيلة الرجل، والْأَقْرَبِينَالأقرب فالأقرب، أول مَن يدخل فيهم أولاده، ثم آباؤه، ثم أعمامه، وهكذا. وهنا لَمَّا قال: الْأَقْرَبِينَنأخذ من الوصف أن الأقرب فالأقرب أَوْلى بالإنذار؛ لأنَّه سبق لنا قاعدةٌ في هذا الباب؛ وهي أنَّ الحكم المعلَّق على وَصْف يَقْوى بقوة هذا الوصف؛ وذلك لأنَّ الوصف الموجِب للحكم كلَّما كان أَظْهر وأَبْين كان الحكم فيه أَظْهر وأَبْين، فهنا نقول: الأقربون كلَّما كان أقرب فأقرب فهو أَوْلى، ولهذا قال: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ. لَمَّا أُنزل عليه ذلك هل توانى؟
طالب: لا، لم يتوانَ.
الشيخ: لا، ما توانى ولا تأخَّر عليه الصلاة والسلام، بل قام (فقال: «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ» أو كلمةً نحوها).
«يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ»، «مَعْشَرَ» قلت لكم: إنهم الجماعة؛ أي: يا جماعة قريش. و«قُرَيْشٍ» هو فهر بن مالك بن النضر، أحدُ أجداد الرسول عليه الصلاة والسلام.
وقوله: (أو كلمةً نحوها) يعني: أو قال كلمةً نحوها؛ أي: شبهها، وهذا من احتراز الرواة أنهم إذا شكُّوا أدنى شكٍّ في اللفظ قالوا: (أو كما قال)، أو قالوا: (كلمة نحوها)، أو ما أشبه ذلك.
أيش قال لهم؟ مقول القول: «اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ» هذا مما قال، والاشتراء معناه الإنقاذ؛ لأنَّ المشتري نفسَه كأنه أنقذها من هلاك. المشتري راغبٌ أو راهب؟
طلبة: راغب.
الشيخ: راغب، ولهذا عبَّر بالاشتراء كأنه يقول: أنقِذوا أنفسَكم راغبين.
«لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا» هذا الشاهد، «لَا أُغْنِي» لا أدفع، أو: لا أنفع. «عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا» إذا أراد الله بكم شيئًا فهل أُغني عنكم؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا؛ لأنَّ الأمر بيد الله، بل هو النبي عليه الصلاة والسلام نفسُه يقول: قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا [الجن: ٢٢]، وهو النبي عليه الصلاة والسلام.
وفي قوله: «اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ» من الحضِّ على هذا الأمر ما هو ظاهرٌ؛ لأنَّ المشتري -كما قلتُ- يكون راغبًا، «لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا»، و«شَيْئًا» نكرة في سياق النفي فتعمُّ أيَّ شيء.
«يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ» ويش (...) هذا؟
طالب: عمه.
الشيخ: صلته بالنبي عليه الصلاة والسلام أنه عمُّه.
وهنا قال: «يَا عَبَّاسُ» بالضم، وقال: «ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ» لأنَّ المنادى إذا كان معرفة يُبنى على الضم، ونعتُه إذا كان مضافًا يُنصب، وهنا «ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ» مضاف، ولهذا نُصِب، ما قيل: يا عباسُ بنُ، بل قيل: «يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ».
قوله: «عَبْدِ الْمُطَّلِبِ» هذا ويش تكون صِلتُه بالرسول صلى الله عليه وسلم؟
طالب: جد الرسول.
الشيخ: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب.
فإذا قال قائل: كيف الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «عَبْدِ الْمُطَّلِبِ»، وهو ما يجوز أن يضاف (عبد) إلا إلى الله؛ عبد الله، عبد الرحمن، عبد العزيز، عبد الوهاب، عبد الحميد، عبد المجيد، وما أشبه ذلك؟
قلنا: هذا ليس إنشاءً بل هو خبر، هو اسمه عبد المطلب، ما هو اللي سماه الرسول صلى الله عليه وسلم.
طالب: (...).
الشيخ: ويش اسمه؟
طلبة: (...).
الشيخ: طيب، اشتهر بعبد المطلب، ولهذا انتمى إليه الرسول عليه الصلاة والسلام فقال: «أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ، أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ» فهو هنا خبرٌ وليس إنشاءً؛ فمثلًا لو فرضنا أنَّ لك أبًا يُسَمَّى بعبد المطلب، أو عبد اللات، أو عبد العُزَّى، وما أشبه ذلك، تنتسب إليه ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: والآن ما هو موجود نبغي نغيِّر اسمه، لو كان موجودًا غيَّرنا اسمه، لكن راح، تنتسب إليه، ولا يُعَدُّ هذا إقرارًا، هذا ليس بإقرارٍ، ولكنَّه خبرٌ عن أمرٍ واقعٍ؛ كما لو قلت: كَفَر فلانٌ، ونافق فلانٌ، وما أشبه ذلك.
قال: «لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا» ولو عمه؟
طلبة: نعم.
الشيخ: أليس قد قال الرسول عليه الصلاة والسلام في العباس نفسه قال لعمر: «أَمَا شَعَرْتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ»
طالب: بلى.
الشيخ: بلى، لكن لم ينفعه، ولا الرسول ينفع ولا والده؛ ولا أباه؛ أبو الرسول عليه الصلاة والسلام في النار، قال له رجل: يا رسول الله أين أبي؟ (...)
«يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ» وهو عمُّه «لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا» أي: لا أنفعك بشيء دون الله، ولا أمنعك من شيء أراده الله بك، فأنا لا أُغْني عنك شيئًا أدفع به عنك ولا أجلبه لك من الخير.
«يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا» يقال فيها مِثْل ما قيل في العباس.
«وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، سَلِينِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتِ» فإنِّي أملكُ ذلك؛ أملكُ أن أعطيكِ من مالي ما شئتِ، ولكن بالنسبة لِمَا هو من حقِّ الله يقول: «لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا» ، وهذا كلام النبيِّ عليه الصلاة والسلام بالنسبة لأقاربه الأقربين: عمه، وعمته، والثالثة؟
طالب: ابنته.
الشيخ: ابنته، فما بالُك بمن هم أَبْعَد؟! فما بالُك بمن لا يمتُّون إليه بصِلَة؟! يكون عدم إغنائه شيئًا من باب أَوْلى. إذَنْ فهؤلاء الذين يتعلَّقون برسول الله صلى الله عليه وسلم ويلوذون به ويستجيرون به من عذاب الله الموجودون في زمننا وقَبْله، هؤلاء كلُّهم قد غرَّهم الشيطانُ واجتالهم عن طريق الحق؛ لأنهم تعلَّقوا بما ليس بمتعلَّق، الذي ينفع بالنسبة للرسول عليه الصلاة والسلام هو أن تؤمن به، هذا الذي ينجيك، تؤمن به وتقوم باتِّباعه، أمَّا أن تُعَلِّق به رجاءَك وتدعوه وترجوه بما تؤمِّل وتخشاه مما تخاف فهذا لا يجوز، وهو شركٌ بالله، وهو مما يُبعدك عن الرسول عليه الصلاة والسلام وعن الاستجارة من عذاب الله.
في هذا الحديث امتثالُ أمر النبي عليه الصلاة والسلام لقوله تعالى: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ، فإنه قام بهذا الأمر عليه الصلاة والسلام على أتمِّ القيام، فدعا وعمَّ وخصَّ، وبَيَّن أنه لا يُنجي أحدًا من عذاب الله سبحانه وتعالى بأيِّ وسيلة من الوسائل.
فإذا قيل: ما الذي يُنجي؟
قلنا -كما تقدم-: الذي يُنجي من عذاب الله هو؟
طلبة: الاتباع.
طلبة: الإيمان.
الشيخ: الإيمان بالرسول عليه الصلاة والسلام واتباعه، جاه النبي عليه الصلاة والسلام هل ينفع؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، وقد تقدَّم لنا أنه لا يجوز التوسل إلى الله سبحانه وتعالى بجاه النبي صلى الله عليه وسلم لأنه ليس وسيلة.
ثم قال المؤلف: (فيه مسائل، الأولى: تفسير الآيتين). وهما: أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ [الأعراف: ١٩١، ١٩٢]، وقد سبق، وبيَّنَّا أنَّ الاستفهام فيهما للتوبيخ والإنكار.
(ثانيًا: قصَّة أُحُد). حيث شُجَّ وجهُ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا وَجْهَ نَبِيِّهُمْ؟!» فأنزل الله هذه الآية، و(أُحُد) تقدَّم الكلام عليها وأنَّها غزوةٌ صارت بين المشركين من قريش وبين النبي صلى الله عليه وسلم عند جبلٍ يُسَمَّى أُحُدًا.
و(ثالثًا: قنوت سيد المرسلين وخَلْفه سادات الأولياء يؤمِّنون في الصلاة). قنوت النبي عليه الصلاة والسلام في الصلاة وخَلْفه سادات الأولياء يؤمِّنون في الصلاة. أراد المؤلف بهذه المسألة الثالثة أنَّ النبيَّ عليه الصلاة والسلام .. فهو سيد المرسلين كلهم، وأصحابه سادات الأولياء، ما أنقذوا أنفسَهم، فكيف ينقذون غيرهم؟! وليس مراده -رحمه الله- مجرَّد إثبات القنوت والتأمين عليه، ولهذا جاءت العبارات بـ(سيد) و(سادات)، فهل أحدٌ يمكنه أن يقول: إنَّه أقرب إلى الله من الرسول؟
طالب: لا.
الشيخ: وهل أحدٌ من الأولياء يمكنه أن يقول: إنَّه أفضل من الصحابة؟
طالب: لا.
الشيخ: أبدًا، ومع ذلك يلجؤون إلى الله سبحانه وتعالى في كَشْف الكربات، ومن كانت هذه حاله فكيف يمكن أن يُلجَأ إليه في كشف الكربات؟! واضح يا جماعة؟ إذَن فليس مراد المؤلف مسألةٌ فقهيةٌ؛ إثباتُ القنوت والتأمين عليه، لكن إثبات أنَّ هؤلاء مع أنهم أسياد؛ هذا سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم وأولئك أسياد الأولياء، ومع هذا ما أغنوا عن أنفسهم شيئًا.
(الرابعة: أنَّ المدعوَّ عليهم كفَّار). منين نأخذها؟
طالب: من الرواية.
الشيخ: ويش هي الرواية؟
الطالب: تسميتُهم.
الشيخ: تسميتُهم؟
الطالب: نعم.
الشيخ: ويش سماهم؟
الطالب: صفوان بن أُمَيَّة، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام.
طالب آخر: (...).
الشيخ: من قوله تعالى: أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ [آل عمران: ١٢٨]؛ يعني دليل على أنهم الآن ليسوا على حالٍ مَرْضيَّة، ثم إنَّه معروفٌ أنَّ صفوان بن أُمَيَّة وسهيل بن عمروٍ والحارث بن هشام وقتَ الدعاء عليهم كانوا كفارًا.
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم، هذه المسألة ويش ترمي إليه؛ أنَّ المدعوَّ عليهم كفار؟
ترمي إلى أنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام وإن كان يظنُّ أنَّه دعا عليهم بحقٍّ، مع ذلك قطع الله سبحانه وتعالى أن يكون له من الأمر شيءٌ.
يعني قد يقول قائل: إذا كانوا كفارًا أليس يملك الرسول عليه الصلاة والسلام أن يدعو عليهم؟
نقول: لا، حتى في هذه الحال ما يملك من أمرهم شيئًا، هذا وجه هذه المسألة؛ أنَّ المدعوَّ عليهم كفَّار .. وإلا مسألة أنَّه بيعلِّمنا المؤلف أنهم كفار، المدعو عليهم، هذه المسألة أظنُّ أنها تافهة ما تستحقُّ أن يُعَنْون لها، لكن المعنى أنَّه حتى في هذه الحال الذي كان هؤلاء كفارًا لم يملك النبي عليه الصلاة والسلام من الأمر شيئًا بالنسبة إليهم.
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم، تقدم لنا في (...).
(الخامسة: أنهم فعلوا أشياء ما فَعَلها غالبُ الكفار، ومنها شجُّهم نبيَّهم وحرصُهم على قتْله، ومنها التمثيل بالقتلى مع أنهم بنو عمِّهم). صحيح هذا؟
الطلبة: إي نعم.
الشيخ: يعني أنه مع كفرهم أيضًا كانوا معتدين، ومع هذا قيل له في حقِّهم: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ، فهُم شجُّوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم، ومثَّلوا بالقتلى، مثل؟
طلبة: حمزة.
الشيخ: حمزة بن عبد المطلب، وكذلك أيضًا حرصوا على قتل النبي عليه الصلاة والسلام، مع أنَّ كل هؤلاء بنو عمِّهم، فيهم من بني عمِّهم وفيهم من الأنصار، إنما هم مثَّلوا بحمزة بن عبد المطلب وهم من بني عمهم.
ومنها (السادسة: أنزل الله عليه في ذلك) يعني مع كل هذه الحيثيات (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ [آل عمران: ١٢٨]). يعني مع كل هذه الأمور والحيثيات والتي تقتضي أن يكون للرسول عليه الصلاة والسلام حقٌّ بأن يدعو عليهم أنزل الله: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ، الأمر لمن؟
طلبة: لله وحده.
الشيخ: لله وحده، فإذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام قد قُطع عنه هذا الشيء فغيره من باب أَوْلى.
(السابعة: قوله: أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ [آل عمران: ١٢٨] فتاب عليهم فآمنوا). وهذا أيضًا دليلٌ على كمال سلطان الله عز وجل وكمال قُدرته، هؤلاء الذين جرى منهم ما جرى تاب الله عليهم وآمنوا؛ لأنَّ الأمر كلَّه بيده سبحانه وتعالى، فهو الذي يُضِلُّ مَن يشاء ويهدي مَن يشاء، وكلُّنا يعلم ما جرى من عمر بن الخطاب رضي الله عنه قبل إسلامه وما جرى منه بعد إسلامه، والأمر كلُّه لله، فلا رسول الله عليه الصلاة والسلام ولا مَن دونه يستطيعون أن يغيِّروا شيئًا من أمر الله.
(الثامنة: القنوت في النوازل) وهذه هي المسألة الفقهية، أو لا؟ (القنوت في النوازل) واضح، إذا نزل بالمسلمين نازلةٌ فإنَّه ينبغي أن يُدعى لهم حتى تنجلي وتنكشف، وهذا القنوت مشروعٌ ليس في صلاة الفجر فحسْب، بل في كلِّ الصلوات كما جاء ذلك في حديث ابن عباسٍ الذي رواه أحمد وغيره ، في كلِّ الصلوات إذا دعت الحاجة إليه، إلَّا أنَّ الفقهاء استثنوا الطاعونَ؛ قالوا: إنَّه لا يُقنَت له لعدم ورود ذلك، وقد وقع في عهد مَن؟
طالب: عمر.
الشيخ: عمر. قالوا: ولأنَّه شهادةٌ، ولا ينبغي الدعاء برفع الشهادة أو برفع سببها، فإذا نزل مثلًا في البلد -والعياذ بالله- وباء طاعون فإنَّه لا يُقنَت، لكن لو نزل بهم أذِيَّةٌ من غيرهم فإنَّه يُقنَت.
والذي يظهر لي أنَّ القنوت في النوازل التي تكون من غير الله؛ مثل إيذاء المسلمين والتضييق عليهم وما أشبه ذلك، أمَّا ما كان من فِعل الله فإنَّه يُشرع له ما جاءت به السُّنَّة؛ كالكسوف مثلًا يُشرع له صلاة الكسوف، الزلازل يُشرع لها صلاة الكسوف كما فعل ابن عباسٍ رضي الله عنهما وقال: هذه صلاة الآيات ، الجدب يُشرع له الاستسقاء، وهكذا، وما علمتُ إلى ساعتي هذه أنَّه شُرِع القنوت لأمرٍ نزل من الله، بل يُدعى له بالأدعية الواردة الخاصة، نعم إذا ضُيِّق على المسلمين وأُوذوا وما أشبه ذلك، فإنَّه يُقنت اتِّباعًا للسُّنَّة في هذا الأمر، فالفقهاء رحمهم الله يقولون: إنَّ كل نازلةٍ تنزل بالمسلمين يُقنَت لها إلا الطاعون.
ثم مَن الذي يَقنت: هل هو الإمام الأعظم، أو إمام كلِّ مسجد، أو كلُّ مُصَلٍّ؟
المذهب أنَّ الذي يَقنت هو الإمام الأعظم فقط، اللي هو الملِك.
وقيل: يَقنت كلُّ إمام مسجد.
وقيل: يَقنت كلُّ مُصَلٍّ. وهو الصحيح؛ لعموم قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» .
طالب: شيخ، القنوت في النوازل يتعلَّق بالعقيدة، وهو أنَّه لا يُلتجأ إلا لله (...).
الشيخ: هذه تؤخذ من الفائدة الثالثة.
(التاسعة: تسمية المدعوِّ عليهم في الصلاة بأسمائهم وأسماء آبائهم). منين نأخذها؟
طلبة: صفوان بن أُمَيَّة، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام.
الشيخ: صفوان بن أُمَيَّة، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام، سَمَّاهم بأسمائهم وأسماء آبائهم، لكن هل هذا مشروعٌ أو جائز؟ هذا جائز، ولكن في مسألة اللعن نُهِيَ عنه الرسول عليه الصلاة والسلام كما عرفتم.
لو دعا لأُناس في الصلاة يجوز تسميتهم بأسمائهم وآبائهم؟
طلبة: إي نعم.
الشيخ: إي نعم؛ لأنَّ هذا مثل هذا، فتسمية الإنسان لا يُعَدُّ من كلام الناس، لا تظنُّوا أنَّ هذا من كلام الناس الذي قال فيه الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ» ؛ لأنَّ هذا دعاء، وتعيين المدعوِّ عليه لا يخرج هذا به الجملةُ مثلًا عن كونها دعاءً، والدعاء مخاطبة لمن؟
طلبة: لله.
الشيخ: مخاطبةٌ لله سبحانه وتعالى.
طالب: شيخ؟
الشيخ: نعم؟
طالب: اللي نُهِي عنه (...) هل هو اللعن أو حتى الدعاء على أحد (...)؟
الشيخ: لا، لَعْن المعيَّنين، أمَّا لَعْن الكفار عمومًا فلا بأس به، وقد ثبت عن أبي هريرة أنَّه كان يقنت ويلعن الكفرة .
طالب: عمومًا؟
الشيخ: إي، الكفرة عمومًا.
طالب: شيخ، الدعاء على المعيَّن، هل هو منهيٌّ عنه؟
الشيخ: ما رأيكم فيه؟
الطالب: في غير الصلاة؟
الشيخ: وفي غير الصلاة.
طالب: قال: اللهمَّ أَرِح المسلمين منه.
الشيخ: إي، لا بأس، (اللهمَّ أَرِح المسلمين منه) لا بأس؛ قال النبيُّ عليه السلام: «مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ» ، هذا ما فيه شيء، لكن إراحة المسلمين ما هو بالهلاك فقط؛ لأنه بالهداية أو بالهلاك؛ فأنت إذا قلت: اللهمَّ أَرِح المسلمين منه، اللهمَّ اكفهم شرَّه، وما أشبه ذلك: اللهمَّ اجعلْ شرَّه في نحره، هذا ما فيه بأس.
أمَّا الهلاك فإنَّه محلُّ نظر، ولهذا النبيُّ عليه الصلاة والسلام هل دعا على قريش ولَّا قال: «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِهِمْ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ» وهذا دعاءٌ عليهم بالتضييق، والتضييق قد يكون من مصلحة الظالم بحيث يرجع إلى الله عز وجل عن ظُلمه، المهم أنَّ الدعاء بالهلاك عندي محل تردُّد، عندي تردُّد فيه.
طالب: خُبيب بن عَدِيٍّ لَمَّا أرادوا أن يقتلوه دعا عليهم بالهلاك.
الشيخ: ويش قال؟
طالب: قال: اللهمَّ أَهْلِكهم بددًا، ولا تُبْقِ منهم أحدًا.
الشيخ: وأَحْصِهم عددًا.
الطالب: ولا تُبْقِ منهم أحدًا .
الشيخ: إي، هذه قد يُستدلُّ بها؛ لأنَّ هذا وقع في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، وأيضًا الأمر وقع كما دعا، فإنَّه ما بقي منهم أحدٌ على رأس الحول، ولم يُنكر الله تعالى ذلك، ولا أنكره النبي عليه الصلاة والسلام، هذا نعم قد يُستدلُّ به على جواز الدعاء على الظالم بالهلاك، لكنَّه يحتاج أن يُنظر في القصة، قد يكون لها أسباب خاصة ما تأتي في كلِّ شخص.
طالب: (...).
الشيخ: إي، هذا بعد النبي عليه الصلاة والسلام، بعد النبي.
وفيه أيضًا -إن صحَّ الحديث- قال: «اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِنْ كِلَابِكَ» ، من هو؟
طالب: عتبة بن أبي لهب.
الشيخ: عتبة بن أبي لهب، فهذا إذا صحَّ الحديث أيضًا فيه دليلٌ على الدعاء عليه بالهلاك.
طالب: (...).
الشيخ: أظن .. ما أدري ويش أصل القصة، يُنظر في أصل القصة.
الشيخ: (العاشرة: لَعْن المعيَّن في القنوت). هذا غريب، (لَعْن المعيَّن في القنوت)، هذا صحيح؟!
طالب: لا، اللعن العام.
الشيخ: إي، هذا من الغرائب.
طلبة: (...).
طالب: فيه فائدة.
الشيخ: طيب، إذا قلنا بهذا ألغينا كلَّ اللي مرَّ، حط مثلًا (تسمية المدعوِّ عليهم) نلغيها؛ لأنَّ هذه المسائل معناه مسائل .. هي دلائل في الواقع، يمكن مثلًا في الأخير ذكر النهي عن هذا.
طالب: (...).
الشيخ: إي، معنى المسائل .. المسائل معناها أنها الأحكام؛ مثلما نقول في مقرَّر الحديث مثلًا: فوائد الحديث. فوائد الباب، على كلِّ حالٍ المسألةُ هذه إن كان المؤلف رحمه الله يريد أن هذا أمرٌ وقع ووقع فيه النهي فالمسألة ما فيها إشكال أنه كما قال، وإن أراد أنَّه يُستفاد من هذا جواز لعن المعيَّن في القنوت فهذا ليس بصحيح؛ لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم نُهِيَ عن ذلك.
(الحادية عشرة: قصته صلى الله عليه وسلم لَمَّا أُنزِل عليه: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ). والقصة كما رأيتم أنَّه عليه الصلاة والسلام نادى قريشًا فعمَّم، ثم خصَّص، فامتثل أمْرَ الله سبحانه وتعالى في قوله: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ.
(الثانية عشرة: جِدُّه صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر؛ بحيث فعل ما نُسِبَ بسببه إلى الجنون، وكذلك لو يفعله مسلم الآن).
(جده) الجِدُّ معناه الاجتهاد (في هذا الأمر بحيث فَعَل ما نُسِبَ بسببه إلى الجنون)؛ يعني قالوا: إنَّ محمدًا -صلى الله عليه وسلم- جُنَّ؛ كيف ينادي هذا النداء؟! وكيف يجمعنا لهذا الأمر؟!
يقول المؤلف: (وكذلك لو يفعله مسلمٌ الآن). يعني: لو واحد يجمع الناسَ: يا جماعة، تعالوا، احضروا. ثم يقوم فينادي ويحذِّر، قالوا: هذا الرجل مجنون. ولكن لعله في وقته يمكن أن يكون .. في وقتنا هذا يمكن أن يكون..
طلبة: (...).
الشيخ: جنون؟
طالب: يكون أسوأ.
الشيخ: على كلِّ حالٍ نعم، هو الحقيقة أنَّ البلاد تختلف كما أنَّ الزمان أيضًا يختلف، البلاد تختلف والزمان يختلف، فعلى كل حال..
طالب: الزمان أو هذا الزمان.
الشيخ: إي، معروف أنَّ (...) نهار وليل، لكن معناها اختلاف الأزمنة؛ كما قال الله تعالى: يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ [النور: ٤٤]، وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ [آل عمران: ١٤٠]، فهي تختلف؛ فربما يكون مثلًا في مكان أو في زمان اعتادَ أهلُه أن يجمعوا لمثل هذا الأمر، فإذا فَعَله فاعل ما يقال: إنه مجنون، وقد يكون في زمان أو مكان ما اعتادَ أهلُه ذلك فيمكن أن يقال: إنَّه مجنون. المهم على كلِّ حالٍ الإنسانُ يجب عليه أن يبذل جِدَّه واجتهادَه ويدعو إلى الله تعالى بالحكمة وبالتي هي أحسن، والنبي عليه الصلاة والسلام قام بهذا الأمر ولم يُبالِ بما رُمِيَ به من الجنون صلى الله عليه وسلم.
(الثالثة عشرة: قوله للأبعد والأقرب: «لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا»، حتى قال: «يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا». فإذا صرَّح وهو سيد المرسَلين بأنَّه لا يُغْني شيئًا عن سيدة نساء العالَمين، وآمَن الإنسانُ أنَّه لا يقول إلا الحقَّ، ثم نظر فيما وقع في قلوب خواصِّ الناس اليوم؛ تبيَّن له التوحيد وغُربة الدين).
طالب: تَرْك؛ تبيَّن له تَرْك.
الشيخ: (تَرْك)؟! وهل ينفع (تَرْك)؟
طالب: مجانَبة؛ تبيَّن له مجانَبة التوحيد.
الشيخ: تَرْك؟! المجانَبة والترك واحد، لكن هي ما بعندنا لا هذه ولا هذه.
صَدَق رحمه الله فيما قال؛ فإنَّه إذا كان هذا القائلُ سيِّدَ المرسَلين، وقاله لسيدة نساء العالمين، ثم نحن نؤمن بأنَّ الرسول ما يقول إلا الحق وأنَّه لا يُغْني ولا عن ابنته من الله شيئًا، تبيَّن لنا الآن أنَّ ما يفعله خواصُّ الناس تركٌ للتوحيد؛ لأنه فيه الآن ناس خواص يرون أنفسَهم علماء، وكذلك مَن حولهم يراهم علماء وأهلًا للتقليد، نراهم يدعون الرسول عليه الصلاة والسلام دعوةً صريحة، يدعونه لكشْف الضرِّ وجَلْب النفع دعوةً صريحةً فيردِّدون:
يَا أَكْرمَ الْخَلْقِ مَا لِي مَنْ أَلُوذُ بِهِ سِوَاكَ عِنْدَ حُلُولِ الْحَادِثِ الْعَمِمِ

وأشباه ذلك من الكلمات التي هي شركٌ واضحٌ -والعياذ بالله- وهُم يحسبون أنهم يُحسِنون صنعًا، وإذا أنكر عليهم منكِرٌ قالوا: أنت ما تعرف حقَّ النبيِّ عليه الصلاة والسلام، ولا تعرف مقامَ النبيِّ عليه الصلاة والسلام عند الله، وأنت مفتقِدٌ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، النبيُّ عليه الصلاة والسلام سيد الكون، والنبيُّ ما خُلِق الجنُّ والإنسُ إلا من أجْله، والنبيُّ خُلِق من نور العرش، كيف أنك تقول هالكلام هذا؟! ويجيبون من ها الأشياء التي يموِّهون بها على العامة؛ يعني بعض العامة البُسَطاء الجُهَلاء يصدِّقونها، (...) مِثْل هذا كبير العمامة، طويل اللحية، طويل المسواك، واسع الكمَّين، فيقال هذا الكلام للعوام، ماذا يقولون؟
طالب: يصدِّقون.
الشيخ: لو يأتي كلُّ واحد بكلِّ آية ما تَبِعوه؛ لأنهم يقولون: هذا هو السيد المطاع عندنا، ويش أنتم عندنا؟!
ثم إنَّ المؤمن عاطفتُه ومَيْله للرسول عليه الصلاة والسلام أمرٌ لا يُنكَر، وهذا يجلب العواطف، ولكن هل الإنسان مأمورٌ بأن يُحَكِّم العاطفة أو العقل؟
الطلبة: العقل.
الشيخ: العقل، ولهذا نعى الله سبحانه وتعالى على الكفار الذين اتبعوا ما عليه آباؤهم بأنَّهم لا يعقلون؛ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ [البقرة: ١٧١]، فالإنسان ما ينبغي له أن يُحَكِّم العاطفة ويتَّبع العاطفة، بل يجب عليه أن يتَّبع العقلَ الصريحَ السالِمَ من الشبهات والشهوات.
فالمهم أنَّ ما قاله المؤلف رحمه الله حقٌّ، وأنَّ مَن تأمَّل ما عليه الناسُ اليومَ تبيَّن له تركُ التوحيد وغُربة الدين وأنَّ هذا من الأمور المشكلة، ليس عند بلاد الكفار، بل حتى في بلاد المسلمين، في بلاد المسلمين الآن يُعلَن الشرك إعلانًا ظاهرًا، يرون الناس يَفِدون من كلِّ فجٍّ على هذا الوليِّ يدعونه ويرجونه -والعياذ بالله- كما يدعون الله ويرجونه، ولا أحد من الناس يتكلم، وإذا تكلَّم ما يُقبَل، قد يوجد من الناس أهلُ خيرٍ وأهلُ توحيدٍ وأهلُ إخلاصٍ يدعون ويُنكرون مِثْل هذه الأمور، لكن ما يُقبَل، ما دام أن شيخهم الذي وُصِف بكِبَر العمامة وطولِ المسواك واللحية وما أشبهَ ذلك يقول ها الكلام ما يقبلون من أحدٍ شيئًا؛ وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ [البقرة: ١٤٥]، هؤلاء لو تأتيهم بكلِّ آيةٍ ما يتبعوك.
طالب: مثل هؤلاء (...) يقال: إنهم مشركون، ولَّا مخلصون (...)؟
الشيخ: إي، مخلصون الدعاءَ للرسول، أشَدُّ.
طالب: أشَدُّ من الشرك.
الشيخ: أشَدُّ من الشرك، نعم.

***

باب: قول الله تعالى: {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ}
01:20:04

ثم قال المؤلف: (بابُ قولِ الله تعالى: حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [سبأ: ٢٣]).
هذا أيضًا نقول فيه مثل ما قلنا في الترجمة السابقة: إنَّ هذا من البراهين والأدلَّة على أنَّه لا أحد يستحقُّ أن يكون شريكًا مع الله؛ لأنَّ الملائكة وهم أقربُ ما يكون من الخلْق إلى الله عز وجل ما عدا خواصَّ بني آدم، وهم الذين تَزْعُمهم المشركون بناتِ الله، هؤلاء انظر ماذا يحصل منهم عند كلام الله عز وجل: حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ، فُزِّعَ عَنْشوف، ما قال: فُزِّعت قلوبُهم، قال: فُزِّعَ عَنْ، و(عن) تفيد المجاوَزة؛ المعنى: جاوزَ الفزعُ قلوبَهم؛ أي: أُزِيلَ الفزعُ عن قلوبهم، والفزع كما تعرفون هو أيش؟
طلبة: شدَّة الخوف.
الشيخ: إي، لكن الخوف المفاجئ؛ لأنَّ الخوف المستمرَّ ما يُسَمَّى فزعًا، وأصله: النهوض من الخوف؛ خافَ ففَزِعَ يعني: قام، وهرب، وما أشبه ذلك.
وقوله: عَنْ قُلُوبِهِمْأي: قلوب الملائكة؛ لأنَّ الضمير يعود على الملائكة، والدليل على ذلك ما سيُذكر في الحديث الصحيح الآتي؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فسَّره، ولا أحد أعلى من تفسير الرسول عليه الصلاة والسلام للقرآن.
وقوله: قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ، قَالُواجواب إِذَاأي: قال بعضهم لبعض، وإنما قلنا ذلك لأجْل أن (...) قائل ومقول له، لو جعلنا الواو في قوله: قَالُواعائدًا على الجميع فأين المقول له؟ فحينئذٍ قَالُواأي: قال بعضهم لبعض.
مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْيعني: أيُّ شيءٍ قال الله؟ وإعراب مَاذَانريد أن نتذكَّر ما مضى من ألفية ابن مالك، مَن يُعربها لنا؟
طالب: (ما) اسم موصول، وهو مبتدأ.
الشيخ: لا.
الطالب: أو استفهامية.
الشيخ: أو شرطية!
طالب: لا.
الشيخ: (ما)؟
طالب: أقول: (ما) اسم استفهام مبتدأ، و(ذا) اسم موصول خبر.
الشيخ: بمعنى؟
الطالب: بمعنى الذي.
الشيخ: إي.
الطالب: هذا إعراب، أو نُعرب (ماذا) كلَّها اسم استفهام.
الشيخ: أو نُعرب (ماذا) كلَّها اسم استفهام، أو (ما) اسم استفهام و(ذا) زائدة. (...) قال ابن مالك:
وَمِثْلُ (مَا) (ذَا) بَعْدَ (مَا) اسْتِفْهَامِ أَوْ (مَنْ) إِذَا لَمْ تُلْغَ فِي الْكَلَامِ

فـمَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ، قَالُوا الْحَقَّأي: قال المسؤولون: قال الحقَّ، فـالْحَقَّمفعولٌ لفعلٍ محذوفٍ تقديره: قالوا: قال الحق؛ لأنَّ الله سبحانه وتعالى هو الحق، ولا يصدر عنه إلا الحق، ولا يقول إلا الحق، ولا يفعل إلا الحق سبحانه وتعالى.
والحقُّ هو الصِّدقُ فيما كان خبرًا، والعدلُ فيما كان حُكمًا؛ كما قال الله تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا [الأنعام: ١١٥].
وقوله: قَالُوا الْحَقَّلا تقولوا: هل يُفهم منه أنَّه قد يقول باطلًا لأنهم عيَّنوا. نقول: لا، ولكن هذا بيانٌ للواقع.
إذا قيل: إذا كان بيانًا للواقع فلماذا الاستفهام ما دام معروفًا عند الملائكة كلهم أنَّه لا يقول إلا الحق؟
نقول: هذا من باب الثناء، لَمَّا قال: قَالُوا الْحَقَّمن باب الثناء على الله بما قال، وأنَّه سبحانه وتعالى ما قال إلا الحق.
ثم قال: وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُقال الحقَّ مع أنَّه سبحانه وتعالى هو العليُّ الكبير؛ الْعَلِيُّفي ذاته وصفاته؛ علو ذات وعلو صفة، الْكَبِيرُيعني: العظيم -سبحانه وتعالى- يعني: الذي لا أعظم منه (...).
لأنَّه إذا كان منفردًا بالعظمة والكبرياء فيجب أن يكون مفردًا في العبادة، وكلُّ هذه الأقوال التي ذكرها المؤلف، كلُّها تُعتبر أصولًا يسوق فيها الأدلَّة على عظمة الله سبحانه وتعالى، وإذا كان بهذه العظمة العظيمة فإنَّه يجب أن تكون العبادة له وحده.
طالب: (...) نفسها.
الشيخ: كلَّما زادت الأدلَّة ازداد اليقين؛ لأنَّ كلَّ دليلٍ بمنزلة شهادةٍ، والشهادات كلَّما كُرِّرت كان المشهود به أَوْكد، وسبق أنَّ معنى قوله: حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ، أيش معنى: فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ؟
طالب: إذا راح عنهم الفزع والخوف.
الشيخ: فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْأُزِيلَ عنها؟
الطالب: أُزِيلَ عنها الفزع.
الشيخ: الفزع، وهو الخوف.
وقوله: عَنْ قُلُوبِهِمْيعود إلى؟
طلبة: الملائكة.
الشيخ: إلى الملائكة.
وقوله: قَالُواأي: الملائكة بعضهم لبعض مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْفيكون الجواب قَالُوا الْحَقَّ؛ يعني: القولَ الحقَّ؛ قالَ القولَ الحقَّ.
وسبق أنَّ الحقَّ في قول الله عز وجل هو المتضمِّن للصدق في الأخبار والعدل في الأحكام.
وسبق أنَّ هذه الآية فيها: وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُوأنَّ العلوَّ ينقسم إلى قسمين: علو الذات وعلو الصفات، وأنَّ علو الصفات قد أجمعَ عليه كلُّ مَن ينتسب إلى الإسلام، حتى الجهمية يقولون بعلو صفات الله عز وجل، ولكن علو الذات أنكره كثيرٌ من المنتسبين إلى الإسلام؛ مثل الجهمية، والأشاعرة غير المحقِّقين منهم، فإنَّ المحقِّقين منهم أثبتوا علو الذات.
وسبق لنا أنَّ علوه سبحانه وتعالى لا ينافي ما ذُكِر مِن كَوْنه مع الخلْق وكَوْنه يعلمهم ويسمعهم ويراهم؛ لأنَّ الله تعالى ليس كمثله شيءٌ في جميع صفاته.
وسبق أن الْكَبِيرُمعناه؟
طلبة: العظيم.
الشيخ: ذو الكبرياء، وهي العظمة التي لا يُدانيها شيءٌ.
وفي هذه الآية دليلٌ على أنَّ الملائكة يخافون الله كما قال تعالى: يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ [النحل: ٥٠]، وقوله: حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ.
وفيها أيضًا إثباتُ القلوب لهم؛ الملائكة، وأنَّ لهم قلوبًا.
وفيها أيضًا إثباتُ أنهم أجسامٌ وليسوا أرواحًا مجرَّدةً من الجسمية، وهذا أمرٌ معلومٌ بالضرورة؛ قال الله تعالى: جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ [فاطر: ١]، والنبي صلى الله عليه وسلم رأى جبريل له ستُّ مئة جناحٍ قد سدَّ الأُفُق ، فالقول بأنهم أرواحٌ فقط إنكارٌ لهم في الواقع، لكنَّهم لا يأكلون ولا يشربون، إنما أكْلُهم وشُربهم التسبيح؛ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ [الأنبياء: ٢٠].
وفيها دليل أيضًا على أنَّ لهم عقولًا؛ إذ إنَّ القلوب هي محلُّ العقل، خلافًا (...) يعقلون، وهم يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ، ويركعون، ويسجدون، ويطوفون بالبيت المعمور، وغير ذلك.
وفيها أيضًا إثبات القول لله عز وجل وأنَّ الله تعالى يقول، وأنَّ قولَه متعلِّقٌ بمشيئته؛ لأنَّه جاء بالشرط إِذَا فُزِّعَ، وإذا الشرطية تدلُّ على حدوث الشرط والمشروط، ففيه دليلٌ على أنَّ الله يتكلم بكلامٍ متعلِّقٍ بمشيئته خلافًا لمن؟
طالب: للأشاعرة.
الشيخ: للأشاعرة الذين يقولون: إنَّ الله ما يتكلم بمشيئته، وإنَّ كلام الله سبحانه وتعالى هو المعنى القائم بنفسه، فهو قائمٌ أزليٌّ أبديٌّ كقيام العلم والقدرة والسمع والبصر. ولا ريب أنَّ هذا كلامٌ باطلٌ وأنَّ حقيقته إنكارُ كلام الله، ولهذا يقولون: إنَّ الله سبحانه وتعالى يتكلم بكلامٍ نفسيٍّ أزليٍّ أبديٍّ. كما يقولون: هذا الكلام الذي سَمِعه موسى وسَمِعه النبيُّ عليه الصلاة والسلام ونزل به جبريل على الرسول صلى الله عليه وسلم، هذا شيءٌ مخلوقٌ للتعبير عن كلام الله القائم بنفسه. هذا في الحقيقة هو قول الجهمية، كما قال بعض محقِّقيهم: إنَّنا ليس بيننا وبين الجهمية فرقٌ؛ فإنَّنا اتَّفقنا على أنَّ هذا الذي بين دفَّتي المصحف مخلوقٌ، لكن نحن قلنا: عبارةٌ عن كلام الله، وهم قالوا: كلامُ الله. فالجهمية خيرٌ منهم في كونهم يقولون: هذا كلام الله، لكنَّهم شرٌّ منهم في كونهم يُصَرِّحون بأنَّ كلام الله مخلوقٌ.
وفيها أيضًا -في هذه الآية الكريمة- إثبات أنَّ الله يقول الحقَّ، وهذا أيضًا جاء في القرآن: وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ [الأحزاب: ٤]، قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ [ص: ٨٤، ٨٥]؛ فالله تعالى لا يقول إلا حقًّا؛ لأنَّه هو الحقُّ، ولا يصدر عن الحقِّ إلا الحقُّ.
طالب: شيخ، بعض (...) يقول على أساس أن العقل أنه في القلب، ويا شيخ فيه عبارة في مقرَّر الصف الأول الابتدائي تقول: عقلي في رأسي. هذا أيضًا لا دليل على أنه فيه، (...) كتاب (...) عقلي في رأسي. هذا ما هو بصحيح.
طالب آخر: (...) أن عقله في رأسه.
الشيخ: (...)؟
طالب: في نفس (...) الصف الأول.
الشيخ: عجيب!
الطالب: الابتدائي (...) لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا [الحج: ٤٦].
الشيخ: لا غلط.
طالب: شيخ، الملائكة أنها (...)، الدليل على هذا؟
الشيخ: العلماء ذكروا هذا، لكن الدليل أخذوه من قوله تعالى: يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، ما قال: (في)؛ يعني أنَّ ليلهم ونهارهم مستوعَبٌ، كلُّه تسبيح، ولهذا جاءت اللَّيْلَ، ما قال: يسبِّحون في الليل، يعني دائمًا وأبدًا في تسبيح، وإلا ما أذكر الآن نصًّا صريحًا من اللي في الباب (...)، ما أذكر هذا (...).
طالب: (...).
الشيخ: يعني هو الظاهر (...) دائمًا يسبِّحون، التسبيح في الأصل باللسان؛ بالمقال.
طالب: في الحديث يا شيخ: طَعَامُهُمُ التَّسْبِيحُ ؟
الشيخ: طعام مَن؟ الملائكة؟
الطالب: الملائكة أنهم يسبِّحون.
الشيخ: ما أدري، على كل حالٍ إذا صحَّ الحديث فهو واضح، وإذا ما صحَّ فالآية الكريمة تشير إلى هذا، وإنْ كان هو نصًّا في الموضوع (...).
طالب: ما (...) أن الملائكة عقلٌ بلا شهوة، والحيوانات شهوةٌ بلا عقل؟
الشيخ: لا، بس هذه .. بعض الناس قسَّموا المخلوقات إلى ثلاثة أقسام.
إنما على كل حالٍ هذا الأمر معروفٌ عند أهل العلم أنهم لا يأكلون ولا يشربون، صُمٌّ، شيخ الإسلام صرَّح بأنهم صُمٌّ؛ يعني ما لهم أجواف.
طالب: شيخ، فُزِّعَهل هو مقتضى (...)؟
الشيخ: لا، هو معناه الحقيقي، إذا قلت: فُزِّع عن كذا؛ أي: أُزِيلَ عنه الفزع. أمَّا إذا قال: فُزِّع فلانٌ؛ فمعناه فُعِلَ به ما يَفْزع منه.
طالب: يتعدَّى بـ(عن)؟
الشيخ: إي يتعدى، إذا أُريدَ به الإزالة تعدَّى بـ(عن).
طالب: (...).
الشيخ: تصلح للأمرين جميعًا؛ الكِبَر والكبرياء أيضًا.
(وفي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال)..