كتاب التوحيد - 15
عدد الزيارات 2292

عناصر المادة :
باب: الشفاعة

والصفوان هو الحَجَر الأملس الصلب، والسلسلة على الصفوان يكون لها صوتٌ عظيم، وليس المراد تشبيه صوت الله عز وجل بهذا؛ لأنَّ الله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: ١١]، لكن المراد إبانةُ تشبيه ما يحدث لهم من الفزع عندما يسمعون هذه السلسلة على الصفوان.
قال: «يَنْفُذُهُمْ ذَلِكَ» النفوذ: الدخول في الشيء، ومنه: نَفَذَ السهمُ في الرَّمِيَّة؛ أي: دخل فيها، والمعنى أنَّ هذا الصوت يبلغ منهم كلَّ مبلغ.
«حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ» يعني: أُزِيلَ عنها الفزع. «قَالُوا» أي: قال بعضهم لبعض. «مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا: الْحَقَّ» أي: قالوا: قال الحقَّ؛ أي: قال القولَ الحقَّ. فالحقُّ صفةٌ لمصدرٍ محذوفٍ مع عامله، والتقدير: قال القولَ الحقَّ. وهذا القول الذي يقولونه هل هو لأنهم سمعوا ما قال وعَلِموا أنَّه حقٌّ، أو أنهم كانوا يعلمون أنَّه لا يقول إلا الحقَّ؟
طالب: يحتمل كِلا المعنيين.
الشيخ: يحتمل أن يكونوا قد علموا ما قال وأنَّه حقٌّ، فيكون هذا عائدًا إلى الوحي الخاصِّ الذي تكلم الله به، ويحتمل أنهم يقولون ذلك لعِلمهم أنَّه سبحانه وتعالى لا يقول إلا الحقَّ، فلذلك قالوا هذا لأنَّ ذلك صِفتُه سبحانه وتعالى.
«وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ» مطابقٌ للآية تمامًا، وعلى هذا فيجب أن يكون هذا تفسير الآية، ولا يُقبل لأيِّ قائلٍ أن يفسِّرها بغيره؛ لأنَّ تفسير القرآن إذا كان بالقرآن أو بالسُّنَّة فإنَّه ما يمكن أن يتعدَّاه أحد، وإذا فسَّره الصحابي فإنَّه حجَّةٌ عند كثيرٍ من أهل العلم، وإذا فسَّره التابعيُّ فأكثر أهل العلم على أنَّه ليس بحجَّةٍ إلا من اختصَّ منهم بشيءٍ معيَّنٍ؛ كمجاهدٍ الذي قال: إنَّه عَرَض المصحفَ على ابن عباسٍ أكثر من عشرين مرَّةً يَقِفُ عند كلِّ آيةٍ ويسأله عن معناها.
فالمهمُّ أنَّ تفسير القرآن بالقرآن هذا أمرٌ لا يجوز العدولُ عنه، وبالسُّنَّة كذلك، وبقول الصحابة عند أكثر المفسرين، وبقول التابعين عند بعض المفسرين.
فمَن الذي فسَّر الآية هنا؟ اللي فسَّرها الرسول عليه الصلاة والسلام، فلا نقبل أن يقول قائل: إذا فُزِّع عن قلوب الناس يوم القيامة. بل نقول: الرسول صلى الله عليه وسلم فسَّر الآية هنا بتفسيرٍ غيبِيٍّ لا مجال للاجتهاد فيه، وما كان غيبيًّا وجاء به النصُّ فالواجب علينا نحوه قبولُه، ولهذا نقول في مسألة ما يُعذَر فيه بالاجتهاد وما لا يُعذَر: إنَّه مو بعائد على أنَّ هذا من الأصول وهذا من الفروع، كما قاله بعضهم. بعض العلماء يقول: الأصول لا مجال للاجتهاد فيها ويُخَطَّأ المخالفُ فيها مطلقًا. وبعض العلماء يقول: نعم. بخلاف الفروع، ولكن شيخ الإسلام رحمه الله أنكر تقسيم الدين إلى أصول وفروع؛ قال: ما فيه أصول وفروع. ويدلُّ على بُطلان هذا التقسيم أنَّ الصلاةَ عند الذين يقسِّمون الدين إلى أصولٍ وفروعٍ فرعٌ، مع أنَّها أصلٌ من أعظم الأصول، ولكن الصواب أنَّ المدار على التخطئة وعدم التخطئة على ما للاجتهاد فيه مجال، وما لا مجال للاجتهاد فيه فالأمور الغيبيَّة نُخَطِّئ مَن خالف فيها لأنَّه ما عنده علمٌ حتى يخالف، كل الأمور الغيبيَّة سواءٌ تتعلق بصفات الله أو باليوم الآخر أو بغيره فإنَّنا نُخَطِّئ مَن خالف فيها ولا نعذره.
أمَّا الأمور الاجتهادية فهذه التي للرأي فيها مجال، فهذه لا يمكن أن نُخَطِّئ الإنسان؛ يعني لا يمكن أن نضلِّل الإنسان؛ بمعنى أن نقول: إنَّ هذا الرجل ضالٌّ، ونُنكر عليه، وإنْ كُنَّا يصح أن نقول: إنَّه قد ضلَّ في هذا الأمر. قد ضلَّ؛ مثل ما يُروى عن ابن مسعود رضي الله عنه أنَّه قيل له في بنتٍ وبنتِ ابنٍ وأختٍ -وذُكِر له قِسمة أبي موسى- قال لهم: قد ضللتُ إذَنْ وما أنا من المهتدين .
فالمهمُّ أنَّ الإنكار في الأمور الغيبيَّة على المخالف حُكمه واجبٌ؛ لأنه ما له عُذر، الأمور الغيبيَّة علينا فيها التسليم والانقياد، الأمور الاجتهادية ما نُنكر عليه إلا إذا خالفَ نصًّا، إذا خالفَ نصًّا نُنكر عليه؛ لأنه إذا كان النصُّ واضحًا وصريحًا هل يمكن للإنسان مجالٌ أن يجتهد في مخالفته؟ ما يمكن أبدًا.
يقول: «قَالُوا: الْحَقَّ، وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ. فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُ السَّمْعِ».
«يَسْمَعُهَا» أي: يسمع هذه الكلمة التي تكلم بها الملائكة في السماء «مُسْتَرِقُ السَّمْعِ»، (مُسْترِق) مفرد، لكنه مضافٌ فيكون عامًّا؛ يعني الذين يسترقون السمع، وقد أشار الله تعالى إليهم بقوله: إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ [الحجر: ١٨]، فيسترق السمع، في كلمة (مُسترق) دليلٌ على أنَّه يُبادر (...)؛ يعني كأنَّه يختلسه اختلاسًا.
«وَمُسْتَرِقُ السَّمْعِ هَكَذَا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ» (...) يقول سفيان أحدُ الرواة، يقول: «مُسْتَرِقُ السَّمْعِ هَكَذَا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ»، ويحتمل أنَّ هذا من كلام أبي هريرة، أو من كلام النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنَّ «هَكَذَا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ» هذا كلام.
(ووَصَفه سفيان بيده).
طالب: (بكفِّه).
الشيخ: كيف وصفه؟ قال: (حَرَفها وبدَّدَ بين أصابعه) كيف قال؟
طالب: هكذا.
الشيخ: لا، كذا، هكذا قال، يعني أنها واحد فوق الثاني، (وبدَّد بين أصابعه) أي: الجن الذين يسترقون السمع يتراكبون بعضُهم على بعضٍ إلى أن يَصِلوا إلى السماء، فيقعدون، لكل واحدٍ مقعدٌ خاصٌّ؛ وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا [الجن: ٩] يجلسون يسترقون.
يقول: «فَيَسْمَعُ الْكَلِمَةَ فَيُلْقِيهَا إِلَى مَنْ تَحْتَهُ» يسمع مَن؟ المسترِق أعلاهم، يسمعها فيُلقيها إلى مَن تحته (...)؟
طالب: المسترق بعد (...).
الشيخ: (...)، قال: «فَيُلْقِيهَا إِلَى مَنْ تَحْتَهُ» أو: مِن تحتِه؟
طالب: لا، الأول (...).
الشيخ: «مَنْ» هذه ويش هي؟
طلبة: اسم موصول.
الشيخ: اسم موصول بمعنى (الذي). و «تَحْتَهُ»؟
طالب: صلة الموصول.
الشيخ: جملة ولَّا شبه جملة؟
طالب: شبه جملة.
الشيخ: شبه جملة؛ لأنَّه ظرف.
«ثُمَّ يُلْقِيهَا الْآخَرُ إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، حَتَّى يُلْقِيهَا عَلَى لِسَانِ السَّاحِرِ أَوِ الْكَاهِنِ».
طالب: اللي يسمعه.
الشيخ: إي، «عَلَى لِسَانِ السَّاحِرِ أَوِ الْكَاهِنِ»، ليسحر ما دام (...).
«يُلْقِيهَا عَلَى لِسَانِ السَّاحِرِ»، وقد سبق تعريف السحر ولَّا لا؟
طلبة: إي.
الشيخ: وهو؟
طالب: عزائم.
الشيخ: عزائم ورُقًى وتعويذاتٌ تؤثِّر في بَدَن المسحور وقلبه وعقله وتفكيره، والعياذ بالله، والسَّحَرة أنواع.
أمَّا الكاهن فهو الذي يُخبر عن المغيَّبات في المستقبل، هذا الكاهن، وقد التبسَ على بعض طلبة العلم فظنُّوا أنَّه كلُّ مَن يُخبر عن الغيب ولو فيما مضى، والغيب فيما مضى مما يقع في الأرض ليس غيبًا، إنَّه غيبٌ نِسْبيٌّ، ولَّا لا؟ غيبٌ نِسْبيٌّ؛ الآن اللِّي في (...) المسجد بالنسبة لنا غيبٌ، لكن بالنسبة للِّي هناك ليس بغيب، فالشيء الذي مضى ووُجِد؛ حَدَث في الأرض، وإنْ كان أكثر الناسِ لا يعلمه فليس بغيب؛ لأنَّه لا بدَّ مَن يعلمه، وقد يكون للإنسان جنِّي يتصل به ويُخبره عمَّا حدث في الأرض ولو كانت بعيدة، فيستخدم الجنَّ لكن ليس على وجهٍ محرَّم، هذا ما نُسمِّيه كاهنًا؛ لأنَّ الكاهن هو الذي يُخبر عن المغيَّبات في المستقبل، وقيل: الذي يُخبر عمَّا في الضمير، وهو نوعٌ من الكهانة في الواقع، الذي يُخبر عمَّا في الضمير إذا لم يستند إلى فِراسةٍ ثاقبةٍ فإنَّه يُعَدُّ من الكهانة، أمَّا إذا كان يُخبر عمَّا في ضميرك استنادًا إلى فِراسةٍ فإنَّه ليس من الكهانة في شيء؛ لأنَّ بعض الناس قد يفهم ما في الإنسان من أسارير وجهه ولَمَحاته، قد يعلم ما في قلبه، وإنْ كان لا يعلمه على سبيل التفصيل لكن يعلمه على سبيل الإجمال.
إذَنْ هؤلاء الذين يخبرون عمَّا يقع في الأرض لا نعدُّهم من الكُهَّان، ولكنَّنا ننظر في أحوالهم؛ إذا كانوا غير موثوقين في دينهم فإننا لا نصدِّقهم؛ لأنَّ الله يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ [الحجرات: ٦]، وإذا كانوا صالحين، ونعلم أنَّه لا يقع منهم شيءٌ محرَّمٌ؛ لا شركٌ ولا ما دونه من المعاصي بالنسبة للوصول إلى غرضهم، فإنَّنا لا نُدخلهم في الكُهَّان الذين يحرم الرجوع إلى قولهم.
طالب: إذا جئتُ إلى إنسانٍ وأخبرَني بأشياء (...) اطَّلع عليها أحد في نفسي، وقال: (...).
الشيخ: ويش قال؟
الطالب: قال (...).
الشيخ: لا، ما هو بكاهن.
الطالب: ما أحد اطَّلع عليها.
الشيخ: لكن حدثت، حدثت ولَّا لا؟
الطالب: نعم.
الشيخ: يمكن عنده جني وما (...)، والجنُّ قد يخبرون بني آدم بغير المحرَّم، إمَّا محبةً لله عز وجل (...) إيمانية، وإمَّا بعلمٍ يحصِّله منه، وإمَّا لغير ذلك من الأسباب.
يقول: «يُلْقِيهَا»، إذَنْ فهمنا من هذا أنَّ كون الكهان يتلقَّون السمع واضح؛ لأنهم يخبرون عن المغيَّبات في المستقبل، ويخبرون عمَّا قضاه الله تعالى في السماء، لكنْ حتى السَّحَرة قد يستفيدون من هذا، وقد يكون لهم رَئِيٌّ من الجنِّ يسترق لهم السمع.
طالب: أيُّ سماءٍ يسترقون السمعَ منها؟
الشيخ: السماء الدنيا؛ لأنَّه لا يمكن ينفذون؛ كما قال الله تعالى: وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا [الأنبياء: ٣٢].
يقول: «فَرُبَّمَا أَدْرَكَهُ الشِّهَابُ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيهَا، وَرُبَّمَا أَلْقَاهَا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ».
ويش الشهاب؟ الشهاب الذي يُرسله الله عز وجل؛ شِهَابٌ ثَاقِبٌ [الصافات: ١٠] قوي يَنْفذ، هذا الشهاب ربما يُدرك أيش؟ مسترقَ السمع قبل أن يُلقيها إلى مَن تحته، قد يدرك الأول وقد يدرك مَن تحته فلا تَصِل إلى الكاهن.
«وَرُبَّمَا أَلْقَاهَا» إلى الكاهن «قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِئَةَ كَذْبَةٍ».
طالب: الشهب نوعٌ من النجوم؟
الشيخ: إي نعم، هي من النجوم، تنفصل من النجوم؛ لأنَّ النجوم كُتَلٌ من النار، فهي تنطلق منها، وليست هي النجمة، فقوله تعالى: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا [الملك: ٥]، قال العلماء: جعلنا شهابها الذي ينطلق منها، فهذا من باب عود الضمير إلى الجزء لا إلى الكل.
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، هذا يقول أهل الفَلَك: إنَّ هناك نيازك تنزل من السماء، وإنها قد تُحدث تصدُّعًا في الأرض، هي (...)، لكن عاد النجم .. لو ينزل نجمٌ على الأرض أحرق الكُلَّ.
طالب: يوجد بعض المشركين الذين يعبدون الشهاب هذا، هذا هو؟
الشيخ: إي نعم، هذا منها، قد يكون هو وقد يكون أيضًا من شُهُب أخرى، يذكر أهل الفلك أنَّ فيه نيازك تنطلق عاد ما أدري من نجوم أو من كواكب ثانية، ما أدري.
طالب: (...) فيها شظايا (...).
الشيخ: نشوف الآن هذه مسألة مثل ما (...)، لأن العلماء اختلفوا: هل مِن بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام انقطعت، أو انقطعت في وقته فقط وهو الأقرب؛ انقطعت لئلَّا تلتبس أقوال الكهان بالوحي، ثم بعد ذلك زال السبب الذي من أجله توقفوا.
«فَيُقَالُ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ لَنَا».
قوله: «يَكْذِبُ مَعَهَا مِئَةَ كَذْبَةٍ» هل هذا على سبيل التحديد، أو المعنى أنَّه يكذب معها كذبات كثيرة؟
طالب: الثاني.
الشيخ: هذا هو الأقرب؛ لأنَّه ليس بلازمٍ أن يكون يكذب مئة، قد يكذب مئةً وقد يكذب أكثرَ وقد يكذب أقلَّ، المهم أنَّه يزيدها أقوالًا كثيرةً كاذبةً، بناءً على هذه الكذبة فيقال: «فَيُقَالُ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ لَنَا يَوْمَ كَذَا: كَذَا وَكَذَا؟».
طالب: (يوم كذا وكذا).
الشيخ: «يَوْمَ كَذَا وَكَذَا: كَذَا وَكَذَا؟».
طالب: أربعة.
الشيخ: إي.
طالب: (يوم كذا وكذا) فقط.
الشيخ: إي، «يَوْمَ كَذَا وَكَذَا: كَذَا وَكَذَا؟».
الطالب: كررها مرتين؟
الشيخ: يوم كذا؟
الطالب: (يوم كذا وكذا) فقط.
طالب آخر: مقول القول.
الشيخ: (...) مقول القول، إن كان عندكم أنه فقط قال (يوم كذا: كذا)..
طالب: (أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا؟ فيُصَدَّق).
الشيخ: يجوز أنها عندكم مختلفة، لا بدَّ من مقول القول.
«فَيُصَدَّقُ بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السَّمَاءِ» يُصَدَّق مَن؟ الكاهن، أو يُصَدَّق القائل عن الكاهن؛ لأنَّ الكَهَنة لهم شياطين.
قد يقول بعض الناس مبرِّرًا لعمل الكاهن: أليس قد قال لنا الكاهنُ يوم كذا وكذا: كذا وكذا. فيُصَدَّق بهذه الكلمة التي سُمِعت، والناس في هذه الأمور الغريبة إذا وَقَع الأمرُ الغريبُ على حسب ما أخبر به المخبر يأخذون كلَّ ما يقول صدقًا، فإذا أخبر بشيءٍ ووقع ثم أخبر بشيء قالوا: إذَنْ لا بدَّ يقع، لأنَّ الرجل صَدَق، أخبرنا بكذا ووقع، فإذَنْ هو صادقٌ فيما يُخبر به من أمور الغيب.
هذا الحديث يدلُّنا على فوائد كثيرة:
منها: إثبات القول لله عز وجل.
ومنها: عظمة الله سبحانه وتعالى.
ومنها: أنَّ الملائكة لها أجنحة.
ومنها: أنها تخاف الله عز وجل وتخضع له.
ومنها: أنَّ الملائكة يتكلمون ويعقلون.
ومنها: أنَّه لا يصدر عن الله إلا الحق.
ومنها: أنَّ الله سبحانه وتعالى يمكِّن هؤلاء الشياطين من استراق السمع والوصول إلى السماء فتنةً للناس، وإلا فالله قادرٌ على ألَّا يمكِّنهم من هذا الشيء، لكنَّه يمكِّنهم فتنةً، ما هي الفتنة اللي تحصل؟ ما يُلقونه على الكُهَّان، فيحصل بذلك فتنة، والله سبحانه وتعالى حكيم؛ قد يوجِد أشياءً تكون ضلالًا لبعض الناس، ولكنَّها لبعض الناس تكون هدًى، امتحانًا وابتلاءً.
ومنها: كثرة الجن؛ لأنهم يترادفون إلى السماء، ومعنى ذلك أنهم كثيرون جدًّا؛ لأن السماء بيننا وبينها مسافةٌ عظيمة، وهؤلاء كلُّهم يترادفون إلى أن يَصِلوا السماء، فهم كثيرون جدًّا.
طالب: كيف يحتملون على بعض؟
الشيخ: هم (...).
الطالب: ما لهم أجسام؟
الشيخ: لا، لهم أجسام لكنَّها خفيفةٌ جدًّا، خفيفة، ولذلك يطيرون طيرانًا حسب ما قيل عنهم، وهو الظاهر أيضًا من هذا؛ لأنَّه لولا خِفَّتهم ما صعدوا حتى يَصِلوا إلى السماء بدون آلاتٍ وبدون أسبابٍ حسِّية.
طالب: حتى السَّحَرة يا شيخ؟ السحرة (...).
الشيخ: لا، هذا تخييل؛ لأنَّنا نسمع قصصًا تدلُّ على سرعة الجن. شيخ الإسلام أيضًا ذكر هذا عنهم؛ أولئك السحرة الذين يستخدمون الجنَّ وتطير بهم، يصبحون يوم عرفة في بلادهم ويقفون مع الناس في عرفة، هذا في الطائرات الآن -الحمد لله- مُيَسَّر هذا، ممكن، لكن في ذلك الوقت ما فيه طائرات، لكنَّهم تحملهم الشياطين، ويجعلون للناس المكانس هذه اللي تُكنس بها البيوت، ويقول: أنا أستطيع أركب على المكنسة وأطير بها إلى مكة. فيفعلون هذا، ويقول شيخ الإسلام: إنَّ هؤلاء على كل حالٍ كَذَبة ومستخدمون للشياطين، وإنهم يسيئون حتى من الناحية العملية; لأنهم يمرُّون الميقات ولا يُحرِمون منه.
هذا بان بالوقت الحاضر أنَّ أهل العلم يرون أن راكب الطائرات يجب أن يُحرِم إذا حاذى الميقات، لو قيل لنا: هل أحدٌ من أهل العلم تكلم على هذه المسألة؛ السابقين، لعل اللاحقين هم اللي تكلموا عليها؟ قلنا: نعم. المهم أنهم لهم سرعة عظيمة.
طالب: قصة سليمان (...).
الشيخ: إي نعم، (...) قصة سليمان؛ قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ [النمل: ٣٩]، وهذا باليمن -الكرسي- وسليمان بالشام، هذا مما يدلُّ على سُرعتهم العظيمة.
طالب: قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ [النمل: ٤٠].
الشيخ: إي، أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ [النمل: ٤٠]، هذا بقدرة الله عز وجل؛ لأنه دعا الله وحضر.
ومن فوائد هذا الحديث أيضًا: أنَّ الكهَّان هم أكْذَب الناس، أو من أكْذَب الناس، ولهذا يضيفون إلى ما سمعوا كذباتٍ عظيمةً يغرِّرون بها الناسَ ويتوصَّلون بها إلى باطلهم؛ تارةً يُرعبون الناسَ، وتارةً يرغِّبونهم، تارةً يقولون للناس: (...) مثل البلاء (...)، ستقوم القيامة في اليوم الفلاني، (...) هذا الرجل، أنت ستموت يوم كذا، سيموت لك قريب، ويُسرق لك مال، وما أشبه ذلك، فهُم يتوصَّلون إلى باطلهم بهذه الكذبات مستندين إلى أيِّ شيء؟
طالب: إلى الكلمة.
الشيخ: إلى الكلمة التي صدرت، التي سمعوها من السماء بواسطة مسترِقي السمع.
طالب: من الناس مَن يشرب القهوة هذه، ثم يكفأ الفنجان أحيانًا على فخذه وأحيانًا على أطباق، ويرفعونه ويقولون: حصل كذا وكذا، ويصدقونه (...) لكن هذه كيف؟
الشيخ: هذا ما يجوز تصديقه، هذا هو الكاهن.
الطالب: (...).
الشيخ: نعم، قد يكون إنه عالم بهذا الشيء، لكن جعل هذه الألعوبة أمام الناس فقط ليأتي لعبة ثانية ويصدقوه بها.
طالب: (...).
الشيخ: نفس العين تخطئ فيما تراه.
الطالب: العين المشاهِدة.
الشيخ: العين المشاهِدة التي وصل إليها السِّحر، أمَّا العين الأخرى فلا. يذكرون قصة ما أدري عاد يتناقلها العامة بينهم، إن فيه رجل عنده نخل (...) يبشرونه، البِشار أنهم يأخذون الرُطَب الرَطب (...)، لكنه بكميات كبيرة، يجيبون قِدْرًا كبيرًا ويضعون فيه الرُّطَب، (...) معهم (...) أنا أستطيع إني أخوض في هذا الرطب، والرطب لين، أخوض في هذا الرطب في وسط القدر، وأخرج منه ما تلوثت رجلي ولا فسد الرطب، (...) أفعل هذا (...)، فعل هذا وفوق القدر اللي فيه الرطب يغمس فيه طلع ولا فيه شيء، ما في رجليه شيء والرطب كما هو، (...) بيدور خارج القدر، لكنه ساحر.
طالب: (...).
الشيخ: (...) والسحر، لكنه ساحر يقول رفع وجهه إليهم قال ما سحرتهم، تبغي أوريك؟ قال (...) هو يفعل مثل ما فعل هذا، أدخل عليهم السحر ما أدخل.
طالب: (...).
الشيخ: هذا الشيء عند الناس مشهور، في القرآن لَمَّا ذكر الله سبحانه وتعالى ما فعله السَّحَرة آل فرعون، قال: يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى [طه: ٦٦]، وكلمة يُخَيَّلُدليلٌ على أنَّ الحقيقة خلاف ذلك.
طالب: الدلالة على أنهم (...).
الشيخ: ما صار فيه.
الطالب: يتسلط على الآلة؟
الشيخ: يعني أنت سوف تنظر، يتسلط إذا نظرت، الآلة ما تصوِّر إلا بنظرك.
الطالب: هو الحقيقة ما ينظر.
الشيخ: يعني الآلة مثلًا إذا حركها الإنسان وما نظر، (...)؟
الطالب: (...).
الشيخ: إذا نظر معناه أنه قُلبت (...) في الحقيقة.
طلبة: (...).
الشيخ: واللهِ ما أدري.
طلبة: (...).
الشيخ: لكن ما أدري، الظاهر أنه (...).
طلبة: (...).
الشيخ: إذا صوَّر.
طالب: صحيح.
طالب آخر: إذَنْ تنظر على العمل اللي (...).
الشيخ: يقولون: إنَّ السحر ما يؤثِّر في الأعين.
الطالب: ما يؤثِّر في العين.
الشيخ: وفي هذا الحديث: التحذير من أهل التلبيس والتمويه، وأنَّهم وإنْ صدقوا أو أصابوا في شيءٍ فكُنْ منهم على حَذَر.
(وعن النوَّاس بن سمعان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُوحِيَ بِالْأَمْرِ» ) المراد بالأمر هنا الشأنُ من شؤونه سبحانه وتعالى «تَكَلَّمَ بِالْوَحْيِ».
(إذا أراد ... تكلَّم) أخذتم بالَكم الآن من الشرط؟ القضية الشرطية هنا تقتضي تأخُّر المشروط أيش؟ عن الشرط؛ إرادةٌ سابقة، كلامٌ لاحق، فيكون في هذا ردٌّ واضحٌ على مَن؟ على الأشاعرة الذين يقولون: إنَّ الله لا يتكلم بإرادته، وإنَّ كلامه أزليٌّ كالسمع والبصر.
(إذا أراد ... تكلَّم) فيه إثبات الكلام الحادث، ولا يضرُّنا إذا قلنا: إنَّه يتكلَّم بما شاء كيف شاء متى شاء، ما ينقص اللَّهَ شيئًا، بل هذا صفةُ كمالٍ، النقص أن نقول: إنَّه لا يتكلم بحرفٍ وصوتٍ، إنما الكلام معنى قائمٌ بنفسه. هذا هو النقص.

***

(...) من الفوائد.
أمَّا حديث النواس بن سمعان فيقول: «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُوحِيَ بِأَمْرٍ تَكَلَّمَ بِالْوَحْيِ» ، هذا تقدم الكلم عليه، أظُنُّ.
«أَخَذَتِ السَّمَاوَاتِ مِنْهُ رَجْفَةٌ». (السماواتِ) بالكسر على أنَّه مفعولٌ به، وهو جمع مؤنثٍ سالم، فيكون منصوبًا بالكسرة، و(رجفةٌ) فاعل؛ (أخذتْ ... رجفةٌ).
«أو قال: رِعْدَةٌ شَدِيدَةٌ» يعني السماوات «خَوْفًا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ»؛ لأنَّه سبحانه وتعالى عظيمٌ، فكلُّ شيءٍ يخافه، حتى السماوات التي ليس فيها حياة وليس فيها روحٌ تخاف اللَّهَ عز وجل.
«فَإِذَا سَمِعَ ذَلِكَ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ صَعِقُوا».
طالب: «صُعِقُوا».
الشيخ: عندكم بالضم؟
الطالب: نعم.
الشيخ: (صُعِقوا) أو (صَعِقوا)؛ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ [الزمر: ٦٨]. «صَعِقُوا» يقول: «وَخَرُّوا لِلَّهِ سُجَّدًا». كيف يكون صَعِقوا وخرُّوا سُجَّدًا؟ الصَّعق هنا -والله أعلم- يكون قبل السجود؛ إذا أفاقوا سجدوا لله.
«فَيَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَرْفَعُ رَأْسَهُ جِبْرِيلُ» (أولَ) بالنصب على أنها خبر (يكون) مقدَّم، و(جبريلُ) بالرفع على أنها اسم (يكون) مؤخَّر.
«فَيُكَلِّمُهُ اللَّهُ مِنْ وَحْيِهِ بِمَا أَرَادَ» يُكلِّمه بما أراد؛ أي: بما شاء؛ وذلك لأنَّ الله تعالى يتكلَّم بمشيئته.
«ثُمَّ يَمُرُّ جِبْرِيلُ عَلَى الْمَلَائِكَةِ» لأنَّه يريد أن ينزل من عند الله إلى حيث أَمَره الله تعالى أن ينتهي إليه بالوحي.
«كُلَّمَا مَرَّ بِسَمَاءٍ سَأَلَهُ مَلَائِكَتُهَا: مَاذَا قَالَ رَبُّنَا يَا جِبْرِيلُ؟ فَيَقُولُ: قَالَ الْحَقَّ، وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ». سبق لنا في تفسير الآية أنَّ هذا يحتمل أن يكون المراد: قال الحقَّ ..؟
طلبة: في قضية معيَّنة.
الشيخ: أو قول الحق (...)، قال الحقَّ في هذه القضية المعيَّنة، أو قال الحقَّ لأنَّ مِن عادته سبحانه وتعالى ألَّا يقول إلا الحق. وأيًّا كان، فإنَّ جبريل لا يُخبرهم بما أوحى الله إليه، بل يقول: «قَالَ الْحَقَّ» مبهمًا، ولهذا يُسَمَّى -عليه الصلاة والسلام- الأمين، والأمين هو الذي لا يقول السرَّ لغير مَن ائتَمَنه.
وقوله: «وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ» تقدَّم الكلام عليه في الآية.
«فَيَقُولُونَ كُلُّهُمْ مِثْلَ مَا قَالَ جِبْرِيلُ»؛ يعني «قَالَ: الْحَقَّ، وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ».
«فَيَنْتَهِي جِبْرِيلُ بِالْوَحْيِ إِلَى حَيْثُ أَمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ». (ينتهي به) أي: يَقِف «بِالْوَحْيِ إِلَى حَيْثُ أَمَرَهُ اللَّهُ» من الأنبياء والرسل.
هذا الحديث -كما ترون- لم يخرِّجه المؤلف، ولكنْ قد ذكره ابن كثير من رواية ابن أبي حاتم ، ذُكِر فيه عِلَّةٌ وهي أنَّ في سنده الوليد بن مسلم، وهو مدلِّس، وقد رواه عن شيخه بالعنعنة، فيكون الحديث فيه ضعفٌ، إلا أنَّه قد روى مسلم والإمام أحمد من حديث ابن عباس حديثًا قد يكون شاهدًا له؛ حيث أخبر أنَّ الله إذا تكلم بالوحي سمعه حملة العرش، فسبَّحوه، ثم يسمعه أهل كلِّ سماءٍ فيسبِّحونه كما سبَّح أهلُ السماء السابعة، حتى يَصِل إلى السماء الدنيا فتخطفه الجنُّ أو الشياطين.
فهذا يصحُّ أن يكون شاهدًا لهذا الحديث وإنْ لم يكن فيه ذِكر الرجفة في السماوات أو ذِكر السجود، لكنَّه يدلُّ على أنَّ له أصلًا. عندك خَرَّجَه؟
طالب: يقول: رواه ابن أبي حاتم والطبراني من حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه، قال ابن كثير رحمه الله: وقد روى ابن أبي حاتم من حديث العوفي عن ابن عباس وعن قتادة أنهما فسَّرا هذه الآية بابتداء إيحاء الله تعالى إلى محمد صلى الله عليه وسلم بعد الفترة التي كانت بينه وبين عيسى عليه السلام، ولا شكَّ أنَّ هذا أَوْلى ما دخل في هذه الآية.
الشيخ: لنأخذ هذا الحديث.
طالب: أنه يُشترط الضبط لمن خرَّجه.
الشيخ: ويش الشرح اللي عندك؟
طالب: تيسير العزيز الحميد.
الشيخ: نعم، أيش يقول؟
الطالب: رواه ابن جرير، وابن خزيمة، وابن أبي حاتم، والطبراني.
طالب: (...) الرجفة.
الشيخ: الرجفة، والصعق، والخرور سُجَّدًا. على كلِّ حال قد يقال: إنَّ الذي في صحيح مسلم والمسند شاهدٌ له.
في هذا الحديث من الفوائد:
أولًا: إثبات الإرادة؛ لقوله: «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ»، والإرادة تقدَّم لنا أنها تنقسم إلى..؟
طالب: قِسمين.
الشيخ: وهما؟
الطالب: شرعية وكونية.
الشيخ: شرعية وكونية. الفرق بينهما من حيث المتعلق؟
طالب: الإرادة الكونية يلزم منها وقوع..
الشيخ: لا، من حيث المتعلق.
الطالب: كيف؟
الشيخ: يعني بأيِّ شيء تتعلق الإرادتان؟
الطالب: الإرادة الكونية تتعلق بمشيئة الله، بالمشيئة.
الشيخ: لا.
طالب: الإرادة الشرعية تتعلق بما يحبه الله فقط.
الشيخ: إي نعم، بما يحبه الله، سواءٌ وَقَع أو لم يَقَع.
الطالب: الإرادة الكونية تتعلق بما يحبه وما لا يحبه.
الشيخ: بما وقع.
الطالب: إي.
الشيخ: سواءٌ كان يحبه أو لا يحبه.
الفرق بينهما من حيث الحُكم؛ يعني حصول المراد؟
طالب: الشرعية ما يَلزم أن تقع.
الشيخ: أن يقع المراد فيها.
الطالب: إي، والكونية يَلزم.
الشيخ: يَلزم وقوع المراد. كذا؟ عرفتم الفرق؟
الفرق بين الإرادة الكونية والشرعية من حيث المتعلق؟
طالب: الإرادة الكونية (...).
الشيخ: أي فيما يقع.
الطالب: إي، الإرادة الشرعية تتعلق بما يحبه.
الشيخ: تتعلق بما يحبه ويرضاه سواءٌ وقع أمْ لم يقع.
من حيث الحكم الفرق بينهما؟ (الحُكم) أي: وقوع المراد.
طالب: (...).
الشيخ: من حيث وقوع المراد؛ أي: إذا أراد الله أمرًا شرعًا أو كونًا هل يقع ولَّا ما يقع؟
الطالب: الإرادة الكونية يقع، أمَّا شرعًا ممكن يقع وممكن لا يقع.
الشيخ: إذَن من حيث وقوع المرادِ الفرقُ بينهما أنَّ الإرادة الكونية لا بدَّ أن يقع فيها المراد، والشرعية لا يلزم.
وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ [النساء: ٢٧]، كونية ولَّا شرعية؟
طالب: شرعية.
الشيخ: شرعية؟ ويش الدليل؟ بَرهِن لنا.
الطالب: الدليل أنَّ بعض الناس لم يَتُب.
الشيخ: لو كانت كونية لَكان تاب على كل الناس.
الطالب: إي نعم، الشرعية (...).
الشيخ: بعضهم يتوب وبعضهم ما يتوب، وأيضا متعلقة هذه فيما يحبه الله وهو التوبة.
إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ [هود: ٣٤] هذه الإرادة؟
الطالب: كونية.
الشيخ: كونية؟ ويش الدليل؟
الطالب: أنَّ الله ما يريد إغواءنا.
الشيخ: لأنَّه لا يحبه ابتداءً، أمَّا قدرًا وكونًا فإنه قد يريد له هذا.
يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [النساء: ٢٦]، أيش تقول؟ من أي الإرادتين؟
طالب: شرعية.
الشيخ: شرعية؟ شرعية وكونية أيضًا، ولكنها هي شرعية في الأصل، هي في الأصل شرعية لأنه قال: وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ.
يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة: ١٨٥]، ويش تقول، من أي الإرادتين؟
طالب: الإرادة الشرعية.
الشيخ: الشرعية؟
الطالب: والكونية.
الشيخ: والكونية! يعني الله يريد العسر بالناس!
الطالب: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ.
الشيخ: إذَن كيف تكون كونية؟
الطالب: لأن الله أراد اليُسر.
الشيخ: إي، لكن يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ.
طالب: شرعية.
الشيخ: شرعية فقط؟
طلبة: نعم.
الشيخ: صحيح؛ لأن وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَما يمكن أن تكون قدرية يعني كونية، ما يمكن أن تكون كونية؛ إذْ إنَّ العُسر يقع، ولو كان الله لا يريده قدرًا أو كونًا ما وقع.
الطالب: لكن ما قال (...) في التكاليف (...).
الشيخ: التكاليف (...) التكاليف، وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَحتى في التكاليف، فإذَن هي شرعية، ودلت (...).
بدليل؟
طلبة: (...).
الشيخ: (...) وفيه أيضًا: أنَّ المخلوقات وإن كانت جمادًا تحسُّ بعظمة الخالق؛ قال الله تعالى: تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍيعني: وما من شيءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [الإسراء: ٤٤]، حتى الجمادات تعرف ربَّها سبحانه وتعالى وتعظِّمه.
ومنها: إثبات أنَّ الملائكة يتكلمون ويفهمون ويعقلون، أو لا؟ لأنَّهم يسألون: «مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟» ويُجابون: «قَالُوا: الْحَقَّ»، وهذا دليلٌ على فهمهم وعقلهم وكلامهم، خلافًا لمن قال: إنهم لا يوصَفون بالعقل ولا بالفهم -والعياذ بالله- وهؤلاء الذين يقولون بهذا القول يَلزم على قولهم أن نكون قد تلقَّينا شريعتنا من طُرُق المجانين، ولَّا لا؟ وهذا قدحٌ في الشريعة بلا ريب.
ومنها: إثبات السماوات، التعدد؛ «كُلَّمَا مَرَّ بِسَمَاءٍ».
ومنها: أنَّ لكل سماءٍ ملائكةً مخصَّصين؛ لقوله: «سَأَلَهُ مَلَائِكَتُهَا».
ومنها: فضيلة جبريل رضي الله عنه وصلى الله وسلم عليه؛ حيث إنَّه هو المعروف بأمانة الوحي، ولهذا قال ورقة بن نوفل: هذا هو الناموسُ الذي كان يأتي موسى . والناموس باللغة العبرية بمعنى صاحب السِّرِّ.
ومنها: أمانة جبريل؛ حيث ينتهي بالوحي إلى حيث أَمَره الله عز وجل، فيكون فيه ردٌّ على الرافضة الكفرة الذين يقولون: إن جبريل أُمِر أن يوحي إلى عليٍّ، لكنَّه أوحى إلى محمد صلى الله عليه وسلم، ويقولون في جملة قولهم وكذبهم: (خانَ الأمينُ فصدَّها عن حيدرة). (حيدرة) لقبُ عليِّ بن أبي طالب؛ لأنه كان يقول في غزوة خيبر:
أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِ أُمِّي حَيْدَرَهْ
فهُم يقولون: (خانَ الأمينُ وصدَّها عن حيدرة)، وهذا تناقضٌ منهم في الحقيقة، كيف يقولون: (خانَ الأمينُ) وَصْفُه بالأمانة يقتضي ألَّا يخون، فلو قالوا: خان جبريلُ، قلنا: هذا كلامٌ متناسق، أمَّا (خان الأمينُ) فهذا غريب؛ فلا يمكن أن يَصْدق عليه وصْف الأمانة مع خيانته.
على كل حالٍ قوله: «إِلَى حَيْثُ أَمَرَهُ اللَّهُ» يدلُّ على أمانته، وأنَّه لا ينتهي بالوحي إلَّا حيث أُمِر؛ حيث أَمَره الله عز وجل.
وفيه أيضًا: إثبات العزَّة والجلال لله عز وجل؛ لقوله: «عَزَّ وَجَلَّ»، والعِزَّة معناها الغَلَبة والقوة، وله ثلاثُ معانٍ: عزيزٌ لا يناله أحدٌ بسوء، وعزيزٌ بمعنى قوي، وعزيزٌ بمعنى غالب، كلُّها -هذه المعاني- في كلمة العزيز، كما قال ابن القيم:
وَهُــــوَ الْعَـــزِيزُ فَلَنْ يُرَامَ جَـــنَابُهُ أَنَّى يُرَامُ جَنَابُ ذِي السُّلْطَانِ
وَهُــوَ الْعَزِيزُ الْقَاهِرُ الْغَلَّابُ لَمْ يَغْلِــــــــبْهُ شَـــيْءٌ هَــــــذِهِ صِــــفَتَانِ
وَهُـــوَ الْعَزِيزُ بِقُـــــوَّةٍ هِيَ وَصْــفُهُ فَالْـــــعِزُّ حِيــــــنَئِذٍ ثَلَاثُ مَــــــعَانِي

فهو سبحانه وتعالى عزيزٌ لا يمكن أن يُرام جنابُه بسوء ولا يُبلغ، وعزيزٌ بمعنى قوي، وعزيزٌ بمعنى غالب.
وأمَّا «جَلَّ» فالجلال بمعنى العظمة، فهو سبحانه وتعالى ذو الجلال؛ أي: ذو العظمة التي ليس فوقها عظمة.
طالب: شيخ، ألَا يُفهم من هذا أنَّ للملائكة أجسامٌ في قوله: «صَعِقُوا وَخَرُّوا لِلَّهِ سُجَّدًا»؟
الشيخ: إي، يؤخذ منه.
طالب: وهو دليلٌ على مَن قال: إنهم أرواح.
الشيخ: إي نعم، صحيح.
ثم قال المؤلف: (فيه مسائل، الأولى: تفسير الآية.) أيُّ آية؟
حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ [سبأ: ٢٣]، نرجع إلى ما يقال في تفسيرها، نستذكره. ما معنى فُزِّعَ؟
طالب: فُزِّعَزال عنهم الفزع.
الشيخ: زال، أو أُزيل؟
طالب: أُزيل.
الشيخ: إي، ليناسب البناءَ للمجهول، أُزيل عنها الفزع، والضمير في قوله: عَنْ قُلُوبِهِمْيعود على من؟
طالب: الملائكة.
الشيخ: وأين جواب (إذا)؛ إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ؟
الطالب: قَالُوا.
الشيخ: قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ. وقوله: قَالُوا الْحَقَّويش إعراب الْحَقَّ؟
طالب: مفعول به يا شيخ.
الشيخ: أين الفعل العامل به؟
طالب: قولهم: قَالُوا.
الشيخ: قَالُوا، وهل يتعيَّن ما قاله أنَّها مفعول به، أو لها وجهٌ آخر؟
الطالب: على غير النصب يعني؟
الشيخ: لا، على النصب. مَن يعرف؟
طالب: نعت لمفعول مطلق؛ قال القولَ الحقَّ، (القول) مفعول مطلق.
الشيخ: نعت، صح، أنه نعت لمفعول مطلق، يعني: قالوا: قال القولَ الحقَّ.
ما معنى الْعَلِيُّ؟
طالب: الْعَلِيُّالمتعالي.
الشيخ: يعني بالعلو؟
الطالب: بالعلو.
الشيخ: ويش العلو؟ علو الذات ولَّا علو الصفات؟
الطالب: كلُّه.
الشيخ: كلُّه، علو الذات وعلو الصفات. هذا تفسير الآية.
(الثانية: ما فيها من الحُجَّة على إبطال الشرك، خصوصًا مَن تعلَّق على الصالحين).
طالب: (خصوصًا ما تعلَّق).
الشيخ: (خصوصًا مَن).
الطالب: (ما).
الشيخ: (ما تعلَّق)؟
الطالب: (ما تعلَّق).
الشيخ: (على الصالحين)! لا، (مَن)؛ لو قال: (ما تعلق بالصالحين) لا بأس.
(الحجَّة على إبطال الشرك خصوصًا مَن تعلَّق على الصالحين). من أين تؤخذ هذه الحجَّة؟
طالب: (...).
الشيخ: إي، صحيح، إذا كانت الملائكة -وهُم مَن هُم في القوة والعظمة- يصعقون ويُفَزَّع عن قلوبهم، فهذا دليلٌ على عظمة الخالق سبحانه وتعالى، وأنَّ هذه الأصنام التي تُعبد من دون الله أقلُّ من الملائكة بكثير، فكيف يتعلَّق بها الإنسان؟!
(هي الآية التي قيل: إنها تقطع عروقَ شجرةِ الشرك من القلب). الآية هذه يُقال: إنها هي اللي تقطع عروقَ شجرة الشرك من القلب؛ وذلك أنَّ الإنسان إذا عرف عظمةَ الربِّ سبحانه وتعالى وأنَّه كل السماوات ترتجف وأهلُها يصعقون لمجرَّد أنَّه تكلم بالوحي جل وعلا، فكيف يمكن أن يشرك الإنسانُ بالله شيئًا مخلوقًا ربما يصنعه بيده! حتى كان جُهَّال العرب -يقولون- يصنعون إلهًا من التمر، فإذا جاع أَكَله، لُعبة، وينزل الواحد منهم بالوادي فيأخذ أربعة أحجار، يشوف أحسنهم وأملسهم ويجعله إلَهًا له، والثلاثة أخواته يجعلها تحت القِدْر، كيف تكون هذه الأشياء شريكًا مع الله وله هذه العظمة العظيمة!
(الثالثة: تفسير قوله: قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ). هذه فسَّرناها قبل قليلٍ وبيَّنَّا إعرابها ومعناها.
(الرابعة: سبب سؤالهم عن ذلك). عن ماذا قال الله، ويش السبب اللي بيتساءلوه؟ «مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ»، ليش الملائكة يتساءلون: «مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ»؟
طالب: يريدون أن يتذكَّروا بعظمة الله.
الشيخ: وغير؟
طالب: (...) حصل الفزع (...).
الشيخ: خوفًا من أن يكون أَمَر بعقابهم أو تعذيبهم أو ما أشبهَ ذلك من شدَّة فزعهم وخوفهم من الله، سألوا: ماذا قال، خوفًا من أن يكون قال فيهم ما لا يطيقونه.
(الخامسة: أنَّ جبريل يجيبهم بعد ذلك بقوله: قال: كذا وكذا). ويش يقول؟
طالب: «قَالَ الْحَقَّ».
الشيخ: يقول: «قَالَ الْحَقَّ»، ويبيِّن أنَّ ما قاله سبحانه وتعالى فهو حقٌّ.
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، إذا كان هذا قَصْده فليس بصحيح، هذا ظاهر كلامه لكن ما هو بصحيح.
(السادسة: ذِكْر أنَّ أول من يرفع رأسَه جبريل) هذا بأيِّ الحديثين؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ويش يدلُّ عليه؟
طالب: يدلُّ على فضيلته.
الشيخ: على فضيلته، نعم.
ومنها أيضًا: (السابعة: أنَّه يقول لأهل السماوات كلِّهم لأنهم يسألونه) يعني يقول لأهل السماء كلِّهم: قال الحقَّ، قال الحقَّ، قال الحقَّ؛ لأنهم يسألونه، وهذا أيضًا دليلٌ على عظمته بينهم وأنَّه يُعتبر رأسًا كبيرًا.
طالب: (...).
الشيخ: بعد مروره بالسماوات.
(الثامنة: أنَّ الغَشْي يعمُّ أهلَ السماواتِ) (كلِّهم) أو (كلَّهم)؟
طلبة: كلِّهم.
الشيخ: كلِّهم!
طلبة: كلَّهم.
الشيخ: (كلَّهم)؛ لأنه توكيدٌ لـ(أهل) وهي منصوبة؛ (يعمُّ أهلَ السماوات كلَّهم)، نأخذه منين؟ «فَإِذَا سَمِعَ ذَلِكَ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ صَعِقُوا وَخَرُّوا لِلَّهِ سُجَّدًا».
(التاسعة: ارتجاف السماوات لكلام الله).
طالب: (بكلام الله).
الشيخ: لا، باللام، عندي باللام للتعليل، ارتجافها لكلام الله؛ يعني: من أجْله، والباء عندكم للسببية، ما بينهما فرق في المعنى.
(العاشرة: أنَّ جبريل هو الذي ينتهي بالوحي إلى حيث أَمَره الله عز وجل). يعني ما أحد يتولَّاه بعده؛ يعني ليس جبريل يَصِل به إلى السماء الدنيا ثم ينزل به واحدٌ من السماء الدنيا إلى الأرض، بل إنَّ جبريل هو الذي يَصِل به إلى حيث أُمِر؛ لأنَّه هو الأمين على وحي الله عز وجل.
(الحادية عشرة: ذِكْر استراق الشياطين). استراق، ويش يسترِقون؟ السمع، يعني ما يُسمَع في السماوات يسترِقونه ويُلقونه على الكُهَّان، ثم إنَّ الكُهَّان يزيدون فيه وينقصون.
(الثانية عشرة: صفة ركوب بعضهم بعضًا). مرَّ علينا وصْفُ سفيان لها؛ حرَّف يده وبدَّد بين أصابعه.
(الثالثة عشرة: إرسال الشُّهُب).
طالب: عندنا (الشهاب).
الشيخ: عندي أنا (الشهب).
طالب: «فَرُبَّمَا أَدْرَكَهُ الشِّهَابُ».
الشيخ: «فَرُبَّمَا أَدْرَكَهُ الشِّهَابُ»؛ كما قال الله عز وجل: إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ [الحجر: ١٨].
(الرابعة عشرة: أنَّه تارةً يُدركه الشهابُ قبل أن يُلقيها، وتارةً يُلقيها في أُذُن وليِّه من الإنس قبل أن يُدركه)، وهذا واضح.
(الخامسة عشرة: كَوْن الكاهن يَصْدق بعض الأحيان)؛ لأنَّه يأتي بما سُمِع في السماء، وربما يزيد عليه، فإذا وقع ما سُمع في السماء صار صادقًا، والصدق: مطابقة الكلام للواقع.
طالب: شيخ، كيف -لأنَّه ما قال أمرًا مفصَّلًا، لأنَّه بس قال: «قَالَ الْحَقَّ»، كيف يفسرون الكلام؟ يعني أنَّ جبريل أخبر .. بس «قَالَ الْحَقَّ».
الشيخ: هذا يمكن أن يُجاب عنه بأن يقال: إنَّ الوحي اللِّي هو الوحي ما يعلم عنه أهلُ السماء، بل هو من الله إلى جبريل إلى النبيِّ عليه الصلاة والسلام، وأمَّا الأمور القدرية التي يتكلم الله بها -وهذه ليست خاصةً بجبريل؛ الأمور القدرية- فهذه ربما أنها يعلم بها أهل السماوات مفصَّلةً ثم يسمعها مسترِقو السمع، فأمَّا الوحي فلا يعلم به أحد.
طالب: شيخ، إذا قلنا (...) فعلى ماذا (...)؟
الشيخ: إي نعم؛ لأنَّ أكثر ما يقولونه كذبٌ، فهو يَصْدق مرَّةً ويكذب مئة مرَّة.
طالب: شيخ، قول جبريل: «قَالَ الْحَقَّ» واتِّباع الملائكة لهذا الجواب لأنَّهم يعلمون أنَّ الله صادقٌ، ما فائدة سؤالهم بذلك؟
الشيخ: فائدة سؤالهم أنهم يعلمون؛ من أن يكون هذا لأمرٍ يقع فيهم؛ لأنهم مع الفزع إذا تساءلوا وأُجيبوا بهذا الجواب أيقنوا أنهم لم يُصِبهم شيءٌ من هذا الكلام.
الطالب: الجواب هذا تام؟
الشيخ: على كل حالٍ فيه إبهام، ولكنه كافٍ؛ لأنهم يطمئنُّون الآن بأنه لن ينزل بهم أمر الله.
(السادسة عشرة: كَوْنه يكذب معها مئة كذبة). من أيِّ شيء؟ من الكلمة السابقة «يَكْذِبُ مَعَهَا مِئَةَ كَذْبَةٍ»، وهذا -كما تقدَّم- ليس على سبيل التحديد، بل هذا على سبيل المبالغة.
(السابعة عشرة: أنَّه لم يَصْدق كذبُه إلا بتلك الكلمة التي سُمعت من السماء)، وأمَّا ما قاله من عنده فإنه تخرُّصٌ لا حقيقة له، لكن الكلمة التي سُمعت من السماء حقٌّ، فهي تكون (...)، أما هو فيزيد أشياء ويكذب بها على الناس، ويموِّه بها عليهم.
(الثامنة عشرة: قبول النفوس للباطل؛ كيف يتعلَّقون بواحدة ولا يعتبرون بمئة!). هذا صحيح، الناس يأتون إلى هذا الكاهن إذا صَدَق مرَّةً، يغترُّون به، مئة كَذْبة ما هي عندهم بشيء، يغترُّون بواحدةٍ ويعتبرون بها، ويقولون: خلاص، إذا قال الكاهن شيئًا فهو صادق، ولكن مئة كَذْبة لا يعتبرون بها، وهذا -لا شك- ليس صفةً عامَّةً لكل الناس، ولكنَّه لأهل الجهل والسَّفَه والبلاء، أمَّا أهل العقل وأهل الإيمان ما يغترُّون بهذا، ولهذا لَمَّا نزل قولُه تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا [البقرة: ٢١٩] صار كثيرٌ من الصحابة تركوا، لماذا؟ للموازنة، والعاقل ما يمكن إذا وازنَ بين الأشياء أن يرجِّح جانبَ المفسدة، لَمَّا قال: إِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَاتَرَكهما بعضُ الناس اختيارًا، وبدون أن يُبَتَّ بالأمر؛ لأن العاقل وإن لم يُلزم الشرعُ يعرف ويميِّز بين المضارِّ وبين المنافع، إنما بعض السفهاء لا شك أنهم يغترُّون، ويعتبرون بالصالح المغمور بالمفاسد، ولا يهتمون بها.
(التاسعة عشرة: كَوْنهم يتلقَّى بعضُهم من بعضٍ تلك الكلمة ويحفظونها ويستدلُّون بها). ويش هي الكلمة؟ الصِّدق، يتلقَّاها بعضُهم من بعض ويحفظونها ويحرصون عليها؛ لأنها في الحقيقة هي التي تُرَوِّج بضاعتهم، لو كانت بضاعتُهم الآن كذبًا بكذب، هل تَرُوج ولَّا ما تَرُوج؟
طالب: ما تَرُوج.
الشيخ: إي، لا (...).
أقول: إنَّ الكُهَّان يخدعون الناس ويموِّهون عليهم، وينفقون سِلعتهم بأيِّ شيء؟ بهذه الكلمة الصادقة؛ لأنَّه لو كان كلام الكهان كلُّه كذبًا ما قَبِله منهم أحد.
(العشرون: إثباتُ الصفات خلافًا للأشعرية المعطِّلة). كذا عندكم؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: كلام المؤلف هنا مُجْمَل -رحمه الله- (إثباتُ الصفات خلافًا للأشعرية المعطِّلة) الأشعرية لا شك أنهم معطِّلة، لكنهم تعطيلهم ليس تعطيلًا كُلِّيًّا كالمعتزلة؛ المعتزلة يُنكرون الصفات ويؤمنون بالأسماء، هؤلاء هم عامَّتهم، وإلَّا بعضُهم حتى الأسماء يُنكرها؛ يقول: إنَّ الله ما هو بسميع، ولا عليم، ولا رحمن، ولا ... إلى آخره.
أمَّا الأشاعرة، وهم الأشعرية، فهُم لا شك أنهم معطِّلة اعتبارًا بالأكثر، فهو يصح أن نُطلق عليهم اسم معطِّلة، اعتبارًا بأيش؟ بالأكثر؛ لأنهم لا يُثْبتون من الصفات إلا سبع صفاتٍ فقط، وصفات الله تعالى لا تُحصى، فهُم لا يُثْبتون إلا سبع صفات، على أنَّ إثباتهم لهذه السبع ليس كإثبات السلف لها؛ فمثلًا: الكلام يُثْبتونه صفةً لله عز وجل، لكن إثباتهم للكلام غيرُ إثبات أهل السُّنة والجماعة؛ أهل السُّنة والجماعة يُثْبتون الكلامَ على أنَّ الله يتكلم بمشيئته بصوتٍ وحرف، هم يقولون: لا؛ إنَّ الكلام لازمٌ لذاته كلزوم الحياة والعلم، وإنَّه لا يتكلم بمشيئته، وإنَّ هذا الذي يُسمع إنما هو عبارة عن كلام الله، خَلَقه الله تعالى، خَلَقه.
إذَنْ حقيقة الأمر أنهم ما أثبتوا الكلام، ولهذا قال بعضهم: إنَّه لا فرق بيننا وبين المعتزلة في كلام الله؛ لأنَّنا أجمعنا على أنَّ ما بين دَفَّتي المصحف مخلوق، فليس في الحقيقة بيننا فرق، لهذا أَطْلق عليهم الشيخ محمد رحمه الله أنهم معطِّلة؛ (الأشعرية المعطلة)، وقد سبق لنا ونحن ندرس العقيدة بيانُ حُجَّة الأشاعرة على إثباتهم الصفات السبع وزعْمهم أنَّ العقل دلَّ عليها، وبيانُ شُبهتهم في إنكار ما عداها، وأنَّ العقل لا يدلُّ عليها، وبَيَّنَّا هناك أن كَوْن هذه السبع يدلُّ عليها العقل، وأنَّ ما نَفَوه لا يدلُّ عليه، فإنَّ انتفاء الدليل المعيَّن لا يستلزم انتفاءَ المدلول؛ هَبْ أنَّ العقل لا يدلُّ على بقية الصفات، ولكنَّ السمع دلَّ عليها، فنُثبتها بالدليل السمعي.
ثم نقول أيضًا: إنها ثابتةٌ بالدليل العقلي نظير ما أثبتُّم هذه الصفات السبع، أفهمتم يا جماعة؟ وأظنُّه إذا تحبون نعيد البحث السابق أعدناه وإلا (...).
طالب: فائدته.
الشيخ: مثلًا يقولون: الإرادة ثابتةٌ لله عز وجل. ويش الدليل؟ قالوا: الدليل أنَّ الله سبحانه وتعالى جعل الشمسَ شمسًا، والقمرَ قمرًا، والسماءَ سماءً، والأرضَ أرضًا، وكَوْنه يميز بين هذا وهذا معناه أنَّه يريد؛ إذْ لولا الإرادة لَكانت الدنيا كلُّها سواءً، كَوْن هذا ذَكَر وهذا أُنثى، وهذا طويل وهذا قصير، وهذا أسود وهذا أبيض، يدلُّنا أيضًا على الإرادة، فالتخصيص دالٌّ على الإرادة فنُثبتها؛ لأنَّ العقل يدلُّ عليها.
قلنا لهم: الرحمة؛ ما تمضي لحظة على الخلْق إلا وهم في نعمة، هذه النعم العظيمة الدالَّة على الخلق ما تدلُّ على رحمة الخالق؟ تدلُّ على رحمة الخالق أدل من التخصيص على الإرادة، أليس كذلك؟
الانتقام من العُصاة يدلُّ على حبِّهم ولَّا على بُغضهم؟
طلبة: على بُغضهم.
الشيخ: إذَن البغض، الانتقام من العُصاة يدلُّ البغض.
إثابة الطائعين ورَفْع درجاتهم في الدنيا والآخرة يدلُّ على (...)، وعلى هذا فقِسْ.
فالمهم أن المؤلف (...) من المعطلة، فإنَّه رحمه الله لَمَّا كانوا لا يُثبتون إلا سبع صفاتٍ -على خلافٍ في إثباتها مع أهل السنة- جعلهم معطِّلة على سبيل الإطلاق، وإلَّا ففي الحقيقة إنَّ الأشاعرة ليسوا معطِّلة تعطيلًا كاملًا، بل يُثبتون بعض الصفات ويعطِّلون أكثر الصفات.

***

باب: الشفاعة
01:19:50

(...) (الشفاعة) اسمٌ من شَفَع يشفع؛ إذا جَعَل الشيءَ اثنين. والشفع ضدُّ الوتر؛ قال الله تعالى: وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ [الفجر: ٣].
وهي اصطلاحًا: التوسُّط للغير بجلب منفعة أو دَفْع مضرَّة، هذه الشفاعة.
مثال جَلْب المنفعة: شفاعةُ النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة.
ومثال دَفْع المضرَّة: شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لمن استحقَّ النارَ ألَّا يدخل النار.
وهذا كلُّه من أقسام الشفاعة كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
والشفاعة تُطلَق على عدَّة أمور كلُّها ثابتةٌ كما سيأتي في بيان الأنواع، وذكر المؤلفُ الشفاعةَ في كتاب التوحيد لأنَّ المشركين الذين يعبدون الأصنام يقولون: إنها شُفَعاء لنا عند الله. وهم يُشركون بالله سبحانه وتعالى فيها بالدعاء والاستغاثة وما أشبهَ ذلك، ويقولون إنَّنا نعبدهم ليكونوا شُفَعاء لنا عند الله كي يقرِّبونا إلى الله تعالى زُلفى، هكذا يقولون، وهم في الحقيقة يظنُّون بذلك أنهم معظِّمون لله سبحانه وتعالى، ولكنَّهم متنقِّصون لله لا معظِّمون له؛ لأنَّ الله سبحانه وتعالى عليمٌ بكلِّ شيءٍ، وله الحُكم التامُّ المطلق، فلا يحتاج إلى شُفَعاء، وله القدرة التامَّة، فهو العظيم، وقدير، وذو سلطانٍ تامٍّ، ومن كان كذلك فإنَّه لا يحتاج إلى شُفَعاء.
الملوك في الدنيا يحتاجون إلى شُفَعاء لقصور عِلمهم أو لقصور قدرتهم فيساعدهم الشُّفَعاء في ذلك، أو لقصور سلطانهم فيتجرَّأ عليهم الشُّفَعاء فيشفعون بدون استئذان، ولكنَّ الله عز وجل كاملُ العلمِ والقدرةِ والسلطانِ فلا يحتاج إلى أحدٍ يشفع عنده، ولهذا لا تكون الشفاعة إلا بإذنه لكمال سلطانه وعظمته سبحانه وتعالى.
ثم الشفاعة لا يُراد بها معونة الله سبحانه وتعالى في شيءٍ مما شَفَع فيه الشافع، ولكن يُقصَد بها أمران هما: إكرامُ الشافع، ونَفْعُ المشفوع له. أمَّا أن يُراد بها معونةُ الله عز وجل ومساعدتُه وما أشبه ذلك فهذا ممتنعٌ كما سيأتي في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
قال المؤلف رحمه الله: (وقول الله عز وجل: وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ [الأنعام: ٥١]) إلى آخره.
أَنْذِرْ بِهِالإنذار هو الإعلام المتضمِّن للتخويف، هذا الإنذار. يُنذرك: يُعلِمك بشيءٍ أيش؟ متضمِّن للتخويف، وأمَّا مجرَّد الخبر فليس بإنذار.
وقوله: أَنْذِرْ بِهِالخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام، والضمير في بِهِيعود إلى القرآن؛ كما قال الله تعالى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا [الشورى: ٧]، وقال في آيةٍ أخرى: لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ [الأعراف: ٢]
وهنا قوله: أَنْذِرْ بِهِأي: بالقرآن الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْيعني: يخافون الحشرَ إلى الله؛ يعني: يخافون مما يَقَع لهم من سوء العذاب في ذلك الحشر.
والحشر بمعنى الجمع، وقد ضُمِّن معنى الضم؛ يعنى (يحشرون) أي: يُجمَعون حتى ينتهوا إلى الله، فهو مُضَمَّن معنى الانتهاء.
وقوله: لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌهذا محلُّ الشاهد من الآية؛ أي: ليس لهؤلاء الذين يخافون الحشرَ من دون الله وليٌّ ولا شفيعٌ؛ وَلِيٌّينصرهم، وَلا شَفِيعٌيتوسَّط لهم.
وقوله: لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّيفيد أنَّه لهم بإذنه وليٌّ وشفيعٌ، ولَّا لا؟ كما قال الله تعالى: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ [المائدة: ٥٥]، ففي هذه الآية نفيُ الشفاعة من دون الله؛ أي: من دون إذنه سبحانه وتعالى، ومفهومه أنها ثابتةٌ بماذا؟ بإذنه، وهذا هو المقصود، فالشفاعة إذَن مِن دون الله مستحيلة، والشفاعة بإذنه ممكنةٌ وجائزة.
أمَّا غير الله مِن الملوك والسلاطين فالشفاعة تكون بإذنهم وبغير إذنهم، ولَّا لا؟ يعني يمكن لمن كان قريبًا من السلطان ألَّا يشفع إلا بعد أن يستأذن فيقول: تأذنُ لي أن أشفع في فلان؟ ويمكن أن يشفع بدون استئذان؛ يأتي ويجلس إلى السلطان أو إلى الملك ويقول: أشفعُ في فلان وفلان. لكن الله عز وجل لا أحد يشفع إلا بإذنه لكمال سلطانه.
وقال تعالى: قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا [الزمر: ٤٤].
لِلَّهِ الشَّفَاعَةُهذه جملة مكوَّنة من مبتدأ وخبر، قُدِّم فيها الخبر لإفادة الحصر، لله وحده الشفاعةُ جميعًا، كلُّها لله، لا يوجد شيءٌ منها خارجًا عن إذن الله تعالى وإرادته.
وأفادت الآية الكريمة جَمِيعًاأفادت أنَّ هناك أنواعًا للشفاعة، وهو كذلك، وقد قسَّم أهل العلم الشفاعة إلى قِسمين رئيسيَّين؛ القسم الأول: الشفاعة الخاصة بالرسول عليه الصلاة والسلام، والقسم الثاني: الشفاعة العامَّة له ولجميع المؤمنين.
أمَّا القسم الأول وهي الشفاعة الخاصة بالرسول عليه الصلاة والسلام فهي ثلاثة أنواع:
الأول: الشفاعة العُظمى في أهل الموقف أنْ يقضي الله بينهم.
والثاني: الشفاعة في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة.
والثالث: الشفاعة في عمِّه أبي طالبٍ أن يخفِّف الله عنه.
فهذه ثلاثة أنواعٍ خاصَّةٌ بالرسول عليه الصلاة والسلام.
أمَّا الشفاعة العُظمى فإنَّ الناس يَلحقهم يوم القيامة في ذلك الموقف العظيم من الكرب والغمِّ ما لا يطيقون، فيقول بعضهم لبعض: اطلبوا لنا مَن يشفع لنا إلى الله عز وجل، فيذهبون إلى آدم أبي البَشَر ويذكرون له من أوصافه التي ميَّزه الله بها؛ أنَّ الله خَلَقه بيده، وعلَّمه أسماء كلِّ شيء، وأَسْجدَ له ملائكته، فيقولون: اشفعْ لنا إلى ربِّك، ألَا ترى إلى ما نحن فيه؟! فيعتذر آدمُ لأنَّه قد عصى الله عز وجل، بماذا؟ بأكْله من الشجرة، ومعلومٌ أنَّ الشافع إذا كان هناك شيءٌ يخدش كرامته عند المشفوع إليه فإنَّه لا يَشفع، يخجل من ذلك، مع أنَّ آدم عليه الصلاة والسلام قد تاب الله عليه واجتباه وهداه حينما تاب إلى ربِّه في قوله: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف: ٢٣]، ثم يذهبون إلى نوحٍ ويذكرون له من أوصافه التي امتاز بها بأنَّه أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض، فيعتذر بأنَّه سأل ما ليس له به عِلمٌ حين قال: رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ [هود: ٤٥]، ثم يذهبون إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام ويذكرون من صفاته، ولكنَّه أيضًا يعتذر لأنَّه كَذَب ثلاث كَذَبات، وهي كَذَباتٌ إلَّا أنها حقٌّ؛ لأنها في ظاهرها كَذَباتٌ ولكنَّها حقٌّ بحسب مراده، ثم يأتون إلى موسى فيعتذر، ويذكرون له من أوصافه ما يقتضي أن يشفع، ولكنَّه يعتذر عليه الصلاة والسلام بأنَّه قتل نفسًا لم يؤمَر بقتلها، وهي القبطيُّ حين استغاثه الإسرائيليُّ عليه فوَكَز موسى القبطيَّ فقتله؛ فَقَضَى عَلَيْهِ [القصص: ١٥]، ثم يأتون إلى عيسى عليه الصلاة والسلام فيعتذر، لكن لا يقدِّم ما يكون عُذرًا إلا أنَّه يقول: اذهبوا إلى محمد، عبدٌ غَفَر الله له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر، فيُحيلهم بدون أن يذكر عُذرًا يحول بينه وبين الشفاعة، فيأتون إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيشفع إلى الله عز وجل أن يقضي بين عباده، فيقضي الله تعالى بينهم .
هذه الشفاعة خاصَّة للرسول عليه الصلاة والسلام، ولذلك كلُّ أولي العزم لا يتقدَّمون إليها، حتى آدم أبو البَشَر لا يتقدَّم إليها، فيتقدَّم إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا من المقام المحمود الذي وَعَده الله إيَّاه في قوله: عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [الإسراء: ٧٩].
أمَّا الثانية: فيشفع في أهل الجنة أن يدخلوها؛ لأنَّ أهل الجنة إذا وصلوا؛ عَبَروا الصراطَ ووصلوا إليها، يجدونها غير مفتوحة، فيطلبون مَن يشفع لهم، فيشفع النبي صلى الله عليه وسلم إلى الله سبحانه وتعالى في فتح باب الجنة لأهل الجنة؛ يشير إلى ذلك قوله تعالى: حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا [الزمر: ٧٣]، قال: وَفُتِحَتْ، النار قال: حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ [الزمر: ٧١]، أمَّا الجنة فقال: وَفُتِحَتْ؛ لأنَّ هناك شيئًا محذوفًا؛ يعني: وحَصَل ما حَصَل من الشفاعة وفُتحت الأبواب.
وأمَّا النوع الثالث: فشفاعته في عمِّه أبي طالب أن يخفِّف الله عنه العذاب، وهذه مستثناةٌ من قوله تعالى: فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر: ٤٨]، ومن قوله: يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا [طه: ١٠٩]؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم شَفَع في عمِّه أبي طالب في أنَّ الله يخفِّف عنه العذاب لِمَا لأبي طالب من نُصرة للنبي صلى الله عليه وسلم ودفاعٍ عنه، ولكن هل خرج من النار ونجى منها؟ لا، لكن خفِّفَ عنه حتى صار -والعياذ بالله- في ضحضاحٍ من النار ، وعليه نعلانِ من نارٍ يغلي منهما دماغُه . هذه شفاعة خاصَّة للرسول عليه الصلاة والسلام، لا أحد يشفع في كافرٍ أبدًا إلا النبي عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك لم تُقبَل الشفاعةُ كاملةً، إنما خفِّف.
أمَّا القسم الثاني العامُّ للرسول عليه الصلاة والسلام ولغيره، فهو أيضًا أنواع:
منها: الشفاعة فيمن استحقَّ النارَ ألَّا يدخلها، وهذه قد يُستدلُّ عليها بقوله صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلَى جِنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا لَا يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلَّا شَفَّعَهُمُ اللَّهُ فِيهِ» ، فإنَّ هذه شفاعةٌ قبل أن يدخل النار، فيُشَفِّعهم الله تعالى في ذلك.
الثانية: الشفاعة فيمن دخل النار أن يُخرج منها، وهذه أيضًا ثبتت فيها الأحاديثُ، بل تواترت بها الأحاديثُ عن النبي صلى الله عليه وسلم وأجمعَ الصحابةُ عليها، واتَّفق عليها أهلُ المِلَّة ما عدا طائفتين وهما: المعتزلة والخوارج؛ فإنَّ المعتزلة والخوارج يُنكرون الشفاعةَ في أهل المعاصي مطلقًا؛ لأنهم يَرَون أنَّ فاعل الكبيرة مخلَّدٌ في النار، ومَن استحقَّ الخلودَ لا تنفع فيه الشفاعة، فهُم ينكرون أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره يشفع في أهل الكبائر ألَّا يدخلوا النار، أو إذا دخلوها أن يُخرَجوا منها، وقولهم هذا باطلٌ بالنص والإجماع.
وأمَّا الثالث من الأنواع العامة فهي الشفاعة في رَفْع درجات المؤمنين، وهذه أيضًا تؤخَذ من الدعاء؛ دعاء المؤمنين بعضهم لبعض، فإنها تكون برفع الدرجات؛ كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في أبي سلمة: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ، وارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ، وافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ، واخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ» فدعا له الرسول عليه الصلاة والسلام بأن يرفع الله درجتَه في المهديِّين، والدعاء شفاعةٌ كما أشرنا إليه آنفًا في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلَى جِنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا لَا يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلَّا شَفَّعَهُمُ اللَّهُ فِيهِ» ، وهؤلاء يَدعون.
فإن قلت: قد سبق قبل قليل أنَّ الشفاعة لا تكون إلا بإذن الله، فكيف يُسَمَّى دعاءُ الإنسان لأخيه شفاعة؟ وهل استأذنَ الإنسانُ من ربِّه في ذلك؟
الجواب: نعم، بل قد أَمَره الله بذلك، أَمَره..