والشفاعة اسم من شَفَعَ يَشْفَع، إذا جعل الشيء اثنين، والشفع ضد الوتر، قال الله تعالى: وَالشَّفْعِ [الفجر: ٣]..
طالب: وَالْوَتْرِ [الفجر: ٣].
الشيخ: وَالْوَتْرِ، وهو اصطلاحًا: التوسط للغير لجلب منفعة أو دفع مضرة، هذه الشفاعة، مثال جلب المنفعة: شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة، ومثال دفع المضرة: شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لمن استحق النار ألَّا يدخل النار، وهذا كله من أقسام الشفاعة، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
والشفاعة تُطْلَق على عدة أمور كلها ثابتة كما سيأتي في بيان الأنواع، وذَكَرَ المؤلف الشفاعة في باب التوحيد؛ لأن المشركين الذين يعبدون الأصنام يقولون: إنها شفعاء لنا عند الله، وهم يشركون بالله سبحانه وتعالى فيها بالدعاء والاستغاثة وما أشبه ذلك، ويقولون: إننا نعبدهم ليكونوا شفعاء لنا عند الله فيُقَرِّبُونا إلى الله تعالى زُلْفَى، هكذا يقولون، وهم في الحقيقة يظنون بذلك أنهم مُعَظِّمُون لله سبحانه وتعالى، ولكنهم مُتَنَقِّصُون لله لا مُعَظِّمُون له؛ لأن الله سبحانه وتعالى عليم بكل شيء، وله الحكم التامّ المطلق، فلا يحتاج إلى شفعاء، وله القدرة التامة، فهو العليم، وقدير، وذو سلطان تامّ، ومن كان كذلك فإنه لا يحتاج إلى شفعاء.
الملوك في الدنيا يحتاجون إلى شفعاء؛ لقصور علمهم، أو لقصور قدرتهم، فيساعدهم الشفعاء في ذلك، أو لقصور سلطانهم فيتجرأ عليهم الشفعاء فيشفعون بدون استئذان، ولكن الله عز وجل كامل العلم، والقدرة، والسلطان، فلا يحتاج إلى أحد يشفع عنده، ولهذا لا تكون الشفاعة إلا بإذنه؛ لكمال سلطانه وعظمته سبحانه وتعالى، ثم الشفاعة لا يراد بها معونة الله سبحانه وتعالى في شيء مما شفع فيه الشافع، ولكن يُقْصَد بها أمران: هي إكرام الشافع، ونقص..
طالب: المشفوع له.
الشيخ: المشفوع له، أما أن يراد بها معونة الله عز وجل أو مساعدته أو ما أشبه ذلك فهذا ممتنع، كما سيأتي في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
قال المؤلف رحمه الله: (وقول الله عز وجل: وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ [الأنعام: ٥١]) إلى آخره.
أَنْذِرْ بِهِالإنذار هو الإعلام المتضمِّن للتخويف، هذا الإنذار، يُنْذِرك: يُعْلِمُك بشيء أيش؟ متضمن..
طالب: للتخويف.
الشيخ: للتخويف، وأما مُجَرَّد الخبر، فليس بإنذار.
وقوله: أَنْذِرْ بِهِالخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام.
والضمير في بِهِيعود إلى القرآن، كما قال الله تعالى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا [الشورى: ٧]، وقال في آية أخرى: لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ [الأعراف: ٢]، وهنا قال: وَأَنْذِرْ بِهِأي: بالقرآن، الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْيعني: يخافون الحشر إلى الله، يعني: يخافون مما يقع لهم من سوء العذاب في ذلك الحشر.
والحشر بمعنى الجمع، وقد ضمن معنى الضَّمّ، يعني يُحْشَرُون، أي: يُجْمَعُون حتى ينتهوا إلى الله، يعني فهو مُضَمَّن معنى الانتهاء.
وقوله: لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ، هذا محل الشاهد من الآية، أي ليس لهؤلاء الذين يخافون الحشر من دون الله وَلِيّ ولا شفيع، وَلِيٌّينصرهم، وَلا شَفِيعٌيتوسط لهم.
وقوله: لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّيفيد أنه لهم بإذنه وَلِيّ وشفيع، ولّا لا؟ كما قال الله تعالى: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ [المائدة: ٥٥]، ففي هذه الآية نفي الشفاعة من دون الله، أي من دون إذنه سبحانه وتعالى، ومفهومه أنها ثابتة بماذا؟
طلبة: بإذنه.
الشيخ: بإذنه، وهذا هو المقصود، فالشفاعة إذن من دون الله مستحيلة، والشفاعة بإذنه ممكنة وجائزة، أما غير الله من الملوك والسلاطين فالشفاعة تكون بإذنهم وبغير إذنهم، ولّا لا؟
طلبة: بلى.
الشيخ: يعني يمكن لمن كان قريبًا من السلطان ألَّا يشفع إلا بعد أن يستأذن، فيقول: تأذن لي أن أشفع في فلان؟ ويمكن أن يشفع بدون استئذان، يأتي ويجلس إلى السلطان أو إلى الملك ويقول: أشفع في فلان وفلان، لكن الله عز وجل لا أحد يشفع إلا؟
طالب: بإذنه.
الشيخ: بإذنه؛ لكمال سلطانه.
وقال تعالى: قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا [الزمر: ٤٤]، لِلَّهِ الشَّفَاعَةُهذه جملة مكونة من مبتدأ وخبر، قدم فيها الخبر لإفادة؟
طالب: الحصر.
الشيخ: الحصر، لله وحده الشفاعة جميعًا، كلها لله، لا يوجد شيء منها خارجًا عن إذن الله تعالى وإرادته، وأفادت الآية الكريمة جَمِيعًاأفادت أن هناك أنواعًا للشفاعة، وهو كذلك، وقد قسم أهل العلم الشفاعة إلى قسمين رئيسيين؛ القسم الأول: الشفاعة الخاصة بالرسول عليه الصلاة والسلام، والقسم الثاني: الشفاعة العامة له ولجميع المؤمنين.
أما القسم الأول؛ وهي الشفاعة الخاصة بالرسول عليه الصلاة والسلام، فهي ثلاثة أنواع؛ الأول: الشفاعة العظمى في أهل الموقف أن يقضي الله بينهم، والثاني: الشفاعة في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة، والثالث: الشفاعة في عمه أبي طالب أن يُخَفِّف الله عنه، فهذه ثلاثة أنواع خاصة بالرسول عليه الصلاة والسلام.
أما الشفاعة العظمى فإن الناس يلحقهم يوم القيامة في ذلك الموقف العظيم من الكرب والغم ما لا يطيقون، فيقول بعضهم لبعض: اطلبوا لنا مَن يشفع لنا إلى الله عز وجل، فيذهبون إلى آدم أبي البشر، ويذكرون له من أوصافه التي مَيَّزَه الله بها؛ أن الله خلقه بيده، وعَلَّمَه أسماء كل شيء، وأسجد له ملائكته، فيقولون: اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيعتذر آدم؛ لأنه قد عصى الله عز وجل، بماذا؟
طالب: بأكله من الشجرة.
الشيخ: بأكله من الشجرة، ومعلوم أن الشافع إذا كان هناك شيء يخدش كرامته عند المشفوع إليه فإنه لا يشفع، يخجل من ذلك، مع أن آدم عليه الصلاة السلام قد تاب الله عليه واجتباه وهداه حينما تاب إلى ربه، في قوله: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف: ٢٣].
ثم يذهبون إلى نوح، ويذكرون له من أوصافه التي امتاز بها بأنه أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض، فيعتذر، يعتذر بأنه سأل ما ليس له به علم حين قال: رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ [هود: ٤٥].
ثم يذهبون إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ويذكرون من صفاته، ولكنه أيضًا يعتذر بأنه كَذَبَ ثلاث كذبات، وهي كذبات إلا أنها حق؛ لأنها في ظاهرها كذبات ولكنها؟
طالب: حق.
الشيخ: حق، بحسب مراده، ثم يأتون إلى موسى فيعتذر، ويذكرون له من أوصافه ما يقتضي أن يشفع، ولكنه يعتذر عليه الصلاة والسلام؛ لأنه قتل نفسًا لم يُؤْمَر بقتلها، وهي القبطي حين استغاثه الإسرائيلي عليه، فوكز موسى القبطيَّ فقتله، فقضى عليه.
ثم يأتون إلى عيسى عليه الصلاة والسلام، فيعتذر لكن لا يُقَدِّم ما يكون عذرًا، إلا أنه يقول: اذهبوا إلى محمد، عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيحيلهم بدون أن يذكر عذرًا يحول بينه وبين الشفاعة، فيأتون إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيشفع إلى الله عز وجل أن يقضي بين عباده، فيقضي الله تعالى بينهم.
هذه الشفاعة الخاصة للرسول عليه الصلاة والسلام، ولذلك كل أولي العزم لا يتقدمون إليها، حتى آدم أبو البشر لا يتقدم إليها، فيتقدم إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا من المقام المحمود الذي وعده الله إياه في قوله: عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [الإسراء: ٧٩].
أما الثانية فيشفع في أهل الجنة أن يدخلوها؛ لأن أهل الجنة إذا عَبَرُوا الصراط ووصلوا إليها يجدونها غير مفتوحة، فيطلبون من يشفع لهم، فيشفع النبي صلى الله عليه وسلم إلى الله سبحانه وتعالى في فتح باب الجنة لأهل الجنة، ويشير إلى ذلك قوله تعالى: حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا [الزمر: ٧٣]، قال وَفُتِحَتْ، في النار قال: حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ [الزمر: ٧١]، أما الجنة فقال: وَفُتِحَتْ؛ لأن هناك شيئًا محذوفًا، يعني وحصل ما حصل من الشفاعة وفُتِحَت الأبواب.
وأما الثالثة أو النوع الثالث فشفاعته في عمه أبي طالب أن يثخَفِّف الله عنه العذاب، وهذه مستثناة من قوله تعالى: فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر: ٤٨]، ومن قوله: يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا [طه: ١٠٩]، فالرسول صلى الله عليه وسلم شفع في عمه أبي طالب في أن الله يُخَفِّف عنه العذاب؛ لما لأبي طالب من نصرة للنبي صلى الله عليه وسلم ودفاع عنه، ولكن هل خرج من النار ونجا منها؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، لكن خُفِّفَ عنه حتى صار -والعياذ بالله- في ضحضاح من النار، وعليه نعلان من نار يغلي منهما دماغه ، هذه الشفاعة الخاصة للرسول عليه الصلاة والسلام، لا أحد يشفع في كافر أبدًا إلا النبي عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك لم تُقْبَل الشفاعة كاملة، إنما خَفَّفَت.
أما القسم الثاني: العام؛ للرسول عليه الصلاة والسلام ولغيره فهو أيضًا أنواع؛ منها: الشفاعة فيمن استحق النار ألَّا يدخلها، وهذه قد يستدل عليها بقوله صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلَى جِنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا لَا يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلَّا شَفَّعَهُمُ اللَّهُ فِيهِ» ، فإن هذه شفاعة قبل أن يدخل النار، فيُشَفِّعُهم الله تعالى في ذلك.
الثانية: الشفاعة فيمن دخل النار أن يخرج منها، وهذه أيضًا ثبتت فيها الأحاديث، بل تواترت بها الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأجمع الصحابة عليها، واتفق عليها أهل الملة ما عدا طائفتين وهما: المعتزلة والخوارج، فإن المعتزلة والخوارج ينكرون الشفاعة في أهل المعاصي مطلقًا؛ لأنهم يرون أن فاعل الكبيرة؟
طالب: مُخَلَّد في النار.
الشيخ: مُخَلَّد في النار، ومن استحق الخلود لا ينفع فيه الشفاعة، فهم ينكرون أن النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره يشفع في أهل الكبائر أن لا يدخلوا النار، أو إذا دخلوها أن يخرجوا منها، وقولهم هذا باطل بالنص والإجماع.
وأما الثالث من الأنواع العامة فهي الشفاعة في رفع درجات المؤمنين، وهذه أيضًا تؤخذ من الدعاء؛ دعاء المؤمنين بعضهم لبعض، فإنها تكون في رفع الدرجات، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في أبي سلمة: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ، وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ، وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ، وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ» ، فدعا له الرسول عليه الصلاة والسلام بأن يرفع الله درجته في المهديين، والدعاء شفاعة، كما أشرنا إليه آنفًا في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلَى جِنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا لَا يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلَّا شَفَّعَهُمُ اللَّهُ فِيهِ»، وهؤلاء يدعون.
فإن قلت: قد سبق قبل قليل أن الشفاعة لا تكون إلا بإذن الله، فكيف يسمى دعاء الإنسان لأخيه شفاعة؟ وهل استأذن الإنسان من ربه في ذلك؟
الجواب: نعم، بل قد أمره الله بذلك؛ أن يدعو الإنسان لأخيه الميت، وأَمْرُه بالدعاء إِذْن أو مَنْع؟
طلبة: إِذْن.
الشيخ: إِذْن، بل إِذْن وزيادة، فهذه أنواع الشفاعة، فصارت الشفاعة بمجموعها ستة أنواع؛ ثلاثة خاصة بالرسول عليه الصلاة والسلام، وثلاثة عامة له ولغيره من المؤمنين، عليه الصلاة والسلام.
أما الشفاعة الباطلة فهي الشفاعة الشركية، وهي شفاعة الأصنام، شفاعة الأصنام لعابديها هذه شفاعة باطلة؛ لأن الله لا يرضى عن الشافع ولا عن المشفوع له، فلا يأذن الله لا لهذا ولا لهذا.
إذن قوله تعالى: قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا [الزمر: ٤٤]، تفيد الآية أن الشفاعة واحدة ولَّا متعددة؟
طلبة: متعددة.
الشيخ: متعددة كما علمتم، وقال سبحانه وتعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة: ٢٥٥]، مَنْاسم استفهام بمعنى النفي، يعني: لا أحد يشفع عند الله إلا بإذن الله، ومَنْوذَاوالَّذِيهل نجعل ذَاهنا اسمًا موصولًا كما قال ابن مالك في الألفية، أو لا تصح أن تكون اسمًا موصولًا هنا؛ لوجود اسم الموصول الذي هو؟
طالب: الَّذِي.
الشيخ: الَّذِي، نعم هذا هو الأقرب، وإن كان بعض الْمُعْرِبِين قال: يجوز أن تكون الَّذِيتوكيدًا لها، ولكن الصحيح أن ذَاهنا؟
طالب: زائدة.
الشيخ: زائدة، مُلْغَاة، إما زائدة وإما مُرَكَّبَة مع مَنْ، وأيًّا كان الإعراب فالمعنى أنه لا أحد يشفع عند الله إلا بإذن الله.
وسبق لنا أن النفي إذا جاء في سياق الاستفهام فإنه يكون؟
طالب: مُضَمَّنًا.
الشيخ: مُضَمَّنًا؟
الطالب: للتحدي.
الشيخ: للتحدي، كأن يقال: إن كان هناك أحد يشفع بغير إذن الله فَأْتِ به.
وقوله: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِعند الله عز وجل، والعندية تفيد أن الله سبحانه وتعالى في علو؛ لأن عند ظرف أيش؟
طالب: مكان.
الشيخ: مكان، لكن الله تعالى في العلو، فلا يشفع أحد عنده، ولو كان من الْمُقَرَّبِين إليه كالملائكة الْمُقَرَّبِين لا يشفعون إلا بإذنه سبحانه وتعالى، الإذْن الكوني ولَّا الشرعي؟ الإذن الكوني، لكن لا يكون إلا إذا رضي الشفاعة سبحانه وتعالى.
أفادتنا الآية الكريمة والآية الأولى أنه يشترط للشفاعة أيش؟
طالب: إِذْن.
الشيخ: إِذْن الله تعالى فيها، لماذا لا أحد يشفع إلا بإذنه؟ لكمال سلطانه جل وعلا، فإنه كلما كمل سلطان الملك فإنه لا أحد يتكلم عنده ولا بما فيه الخير إلا بعد أن يأذن، ولذلك يعتبر اللغط في مجلس الكبير إهانةً له، ودليلًا على أنه ليس كبيرًا في نفوس مَن عنده، كان الصحابة مع الرسول عليه الصلاة والسلام كأن على رؤوسهم الطير من الوقار وعدم الكلام إلا إذا فتح الكلام، إذا فتح الكلام فإنهم يتكلمون.
فالحاصل أن الله سبحانه وتعالى لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه، لماذا؟
طلبة: لكمال سلطانه.
الشيخ: لكمال سلطانه، فخذ هذا شرطًا في ثبوت الشفاعة؛ الْإِذْن.
وقوله: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا [النجم: ٢٦]، كَمْ مِنْ مَلَكٍ، كَمْهنا خبرية ولَّا استفهامية؟
طلبة: خبرية.
الشيخ: خبرية للتكثير، يعني: وكثير من الملائكة في السماوات لا تغني شفاعتهم، يعني ما أكثرهم، ما أكثر الملائكة في السماوات، ومع ذلك لا تغني شفاعتهم شيئًا، إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى [النجم: ٢٦].
وهذه الآية -كما تعلمون- في سياق بيان بطلان ألوهية اللات والعزى، قال الله تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى [النجم: ١٩]، شوف بعد أن ذكر المعراج، وما وصل إليه الرسول عليه الصلاة والسلام مما وصل إليه، وقال: لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى [النجم: ١٨]، من العلامات الدالة على الله عز وجل، فكيف بالرب عز وجل يكون أكبر وأعظم، ثم قال بعد هذا مباشرة: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، هذا الاستفهام للتحقير، يعني بعد هذه العظمة التي سمعتموها والآيات العظيمة الكبرى، أخبرونا عن هذه اللات والعزى ما كبرياؤها؟ وما عظمتها؟ ولا شك أن هذا للتحقير غاية التحقير، أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىويش شأنها؟ ويش عظمتها؟ ماذا تقولون أنتم؟
طلبة: لا شيء.
الشيخ: لا شيء، أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى [النجم: ٢١].
طالب: وَمَنَاةَ [النجم: ٢٠].
الشيخ: وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (٢٣) أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (٢٤) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى (٢٥) وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى [النجم: ٢٠ - ٢٦].
فإذا كانت الملائكة وهي في العلو في السماوات لا تغني شفاعتهم إلا إذا أَذِنَ الله لمن يشاء ورضي، فكيف باللات والعزى التي هي في الأرض؟ ولهذا أتى بقوله: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ، مع أن الملائكة تكون في السماوات وفي الأرض، لكن أراد الملائكة اللي في السماوات العلى، وهي عند الله سبحانه وتعالى، كم من ملك في السماوات حتى الملائكة الْمُقَرَّبُون حملة العرش، وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَىواللات والعزى؟
هذه الأصنام المنحطة السافلة في المكان، السافلة في الصفة، هل تغني بدون إذن الله؟
طلبة: لا.
الشيخ: أبدًا، فإذا كان الملائكة الْمُقَرَّبُون الذين في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئًا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى، فما بالكم بهذه الأصنام التي عبدتموها وزعمتهم أنها شفعاء لكم عند الله.
لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا، والشفاعة كما عرفتم من قبل: التوسط للغير لجلب منفعة أو دفع مضرة.
إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى، شرطان؛ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُفيأذن عز وجل لمن يشاء من الملائكة أن يشفعوا، وَيَرْضَىأي: يرضى أي حال المشفوع له، كما قال تعالى في الآية الثانية: وَلَا يَشْفَعُونَ؟
طالب: إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء: ٢٨].
الشيخ: إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى، فلا بد من إِذْن الله تعالى للشافع، ورضاه عن؟
طالب: المشفوع له.
الشيخ: المشفوع له، ولا يمكن أن يأذن إلا بعد أن يرضى عز وجل المشفوع له، وإلا فلا يمكن أن يأذن، ما عدا مسألة واحدة سبقت وهي شفاعة الرسول عليه الصلاة والسلام لأبي طالب.
ثم قال: (وقوله: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [سبأ: ٢٢، ٢٣]).
شوف الآية: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِهذا تحدٍّ وتعجيز، ادعوهم هاتوهم كلهم، أو ادعوهم دعاء مسألة، يعني دعاء يحتمل ادْعُوا الَّذِينَيعني أَحْضِرُوهم، ويحتمل ادعوهم دعاء المسألة تستجلبون منهم النفع، أو تستدفعون الضرر، ادعوا ونشوف، هل يستجيبون؟
طالب: لا.
الشيخ: إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ [فاطر: ١٤]، يَكْفُرُونَ، يقول: ما أَذِنَ لهم أن يشركوا، ويتبرَّؤون منهم، ومع ذلك مع هذه الآيات العظيمة يذهب بعض الناس يشرك بالله، فيدعو غير الله، ويستغيث بغير الله، ويستنجد بغير الله، إلى آخره.
ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِولننظر، لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ، مثقال ذرة ما يملكون، وما دون الذرة؟
طلبة: من باب أولى.
الشيخ: لا، ما هو من باب أولى، لكن الشيء إذا قُصِدَ به المبالغة قلةً أو كثرةً فلا مفهوم له، فالمراد الحكم العام، فمثلًا قوله تعالى: إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [التوبة: ٨٠]، المعنى: مهما بلغت في الاستغفار فلن يغفر الله لهم.
هنا نقول: لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ، ذكر مثقال الذرة لماذا؟
طالب: للمبالغة.
الشيخ: للمبالغة في التقليل، وعلى هذا فلا يملكون شيئًا، لا مثقال ذرة ولا أكبر، ولا أقل؛ لأن هذا التقدير للمبالغة، والتقدير الذي للمبالغة وجوده كالعدم، فهم لا يملكون شيئًا، صح ولّا لا؟
طلبة: صح.
الشيخ: ولا يَرِد على هذا أن الله تعالى أثبت ملكًا للإنسان؛ لأن الملك الذي للإنسان؟
طالب: ملك قاصر.
الشيخ: ملك قاصر، وغير شامل، ومتجدِّد، وزائل، وحادث، ليس كملك الله.
وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ [سبأ: ٢٢] يعني: لا يملكونه انفرادًا ولا مشاركة، وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍيعني: ما لهؤلاء الذين تدعون من دون الله، فِيهِمَافي السماوات ولا في الأرض، مِنْ شِرْكٍ، ومِنْ شِرْكٍهذه مبتدأ مؤخَّر دخلت عليه مِنْالزائدة لفظًا، لكنها للتوكيد معنًى، يعني لا يملكون أيّ مشاركة بأي وجه من الوجوه، فانتفى الانفراد وانتفت المشاركة، واضح؟
طالب: نعم.
الشيخ: إذا قلتم: اضرب لنا مثلًا يوضح الفرق بين الانفراد والمشاركة؛ هذا بيت يشتمل على حجرة، وقهوة، وحوش، يكفي (...)، هذه الأصنام لا تملك لا هذا ولا هذا، لا تملك شيئًا على سبيل الانفراد، ولا تملك المشاركة، وشوف كلمة مِنْ شِرْكٍ، أتت (مِنْ) الدالة على؟
طالب: المبالغة.
الشيخ: المبالغة في النفي، وأنه ليس هناك شرك لا قليل ولا كثير.
ثالثًا: وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ [سبأ: ٢٢]، مَا لَهُالضمير (له) يعود على الله، مِنْهُمْمن هذه الأصنام التي تدعون، مِنْ ظَهِيرٍ، مِنْحرف جر زائد، وظَهِيرٍمبتدأ مؤخر، وظَهِيرٍبمعنى؟
طالب: مُعِين.
الشيخ: مُعِين، كما قال تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء: ٨٨]، وقال الله تعالى: وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ [التحريم: ٤]، أي: مُعِين، يعني ما من هذه الأصنام لله عز وجل مُعِين يُعِينه في أموره، وفي أفعاله، إِذَن انتفى عن هذه الأصنام، كل ما يتعلق به العابدون فقد انتفى، فهم لا يملكون شيئًا على سبيل الانفراد، ولا على سبيل المشاركة، ولا على سبيل الإعانة؛ لأن مَن يُعِينُك وإن كان غير شريك لك له مِنَّة عليك، فربما تراعيه وتحابيه في إعطائه ما يريد، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: نعم، إذن نقول: انقطعت الأسباب الثلاثة، بَقِيَ سبب رابع قد يكون مع عدم المشاركة والانفراد والمعاونة، ولا الشفاعة؛ أبطلها الله، قال: وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [سبأ: ٢٣].
لا تنفع الشفاعة عند الله إلا لمن أَذِنَ له، ومعلوم أن هذه الأصنام لا يأذن الله لها، فانقطعت جميع العُرَى عن المشركين، كل ما يتعلق به المشركون في أصنامهم انقطعت، انقطعت الوسائل والأسباب، واضح؟ وهذه من أكبر الآيات الدالة على أن هذه الأصنام باطلة؛ لأنها لا تنفع عابديها شيئًا؛ لا استقلالًا، ولا مشاركة، ولا مساعدة، ولا شفاعة، فإِذَن عبادتها باطلة، وعبادتها سَفَه وضلال، ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأحقاف: ٥]، حتى العقلاء اللي يدعون، ولذلك قال: مَنْ، ولم يقل: ما، حتى العقلاء اللي يدعون لا يمكن أن يستجيبوا إلى يوم القيامة، وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ.
وبعد وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ [الأحقاف: ٦]، فكل هذه الآيات يا إخوتي تدل على أن الإنسان يجب أن يقطع جميع تعلقاته إلا بمن؟
طلبة: بالله.
الشيخ: إلا بالله عز وجل، عبادة، ورجاء، وخوفًا، واستعانة، ومحبة، وتعظيمًا، حتى يكون عبدًا لله حقيقةً، يكون هواه وإرادته وحبه وبغضه وولاؤه وعداؤه كله لله عز وجل، لله وفي الله، لا يتعلق بشيء؛ لأنه مخلوق لشيء واحد فقط وهو؟
طلبة: العبادة.
الشيخ: العبادة، أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ [المؤمنون: ١١٥]، والله لو كنا في هذه الدنيا ما خُلِقْنَا إلا لنأكل، ونشرب، ونلبس، ونسكن، ونتزوج، ونبتهج في دار الدنيا، ثم المآل إلى الموت فقط، لو كان الأمر كذلك لكان هذا عين العبث، ولكن هناك شيء وراء ذلك، وهو عبادة الله سبحانه وتعالى في هذه الدنيا، لننال بها الثواب في الآخرة، أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا، يعني لا نأمركم، ولا ننهاكم، ولا (...)، وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَفنجازيكم إذا كان هذا حسبانكم، فإنه حسبان ضلال، قال الله تعالى: وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ..
طالب: إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ [البقرة: ١٣٠].
الشيخ: إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ.
طالب: من يقر (...).
الشيخ: (أبو العباس) هو شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، لُقِّبَ بذلك وإن لم يكن له ولد؛ لأنه رحمه الله لم يتزوج، وقد عمر سبعًا وستين سنة، ولم يكن متزوجًا.
(يقول أبو العباس: نفى الله سبحانه وتعالى عما سواه كل ما يتعلق به المشركون، فنفى أن يكون لغيره ملك) في أي كلمة؟
طالب: لَا يَمْلِكُونَ.
الشيخ: لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ [سبأ: ٢٢]، (أو قسط منه)، قوله؟
طلبة: وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ.
الشيخ: وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ، (أو قسط منه، أو يكون عونًا لله)؟
طالب: وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ.
الشيخ: وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ، (ولم يبق إلا الشفاعة، فبَيَّن أنها لا تنفع إلا لمن أَذِنَ له الرب، كما قال تعالى: وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء: ٢٨]).
في الآية التي ساقها المؤلف: وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ، ونحن نعلم من آيات أخرى أنه لا يأذن إلا لمن؟
طالب: لمن ارتضى.
الشيخ: لمن ارتضى، ومن المعروف أن الله سبحانه وتعالى لا يرتضي هذه الأصنام، ولا يقبلها، بل الله سبحانه وتعالى يقول: إنها باطلة وغير نافعة، وليست حقًّا، والله تعالى لا يرضى بالباطل أبدًا، وحينئذ تكون شفاعتها منتفية ولَّا ثابتة؟
طلبة: منتفية.
الشيخ: منتفية، فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون، هي منتفية يوم القيامة كما نفاها القرآن، فالله سبحانه وتعالى قد نفى أن تنفعهم أصنامهم، بل قال: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ [الأنبياء: ٩٨]، حتى الأصنام لا تنفع نفسها ولا يشفع لها، فكيف تكون شافعة؟ بل هي في النار، هي وعابدوها، أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً..
طالب: مَا وَرَدُوهَا.
الشيخ: مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ [الأنبياء: ٩٨، ٩٩]، إذن لا تنفعهم الشفاعة.
قال: (كما نفاها القرآن، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم)، يعني: وكما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، أو نجعل الواو استئنافية.
(وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده لا يبدأ بالشفاعة أولًا)، وإذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام وهو أعظم الناس جاهًا عند الله، لا يشفع إلا بعد أن يحمد الله ويثني عليه بمحامد وثناء لم يكن يعلمه الرسول صلى الله عليه وسلم من قبل، فتح الله عليه محامد عظيمة، وتعظيم للرب سبحانه وتعالى، محامد عظيمة، وتعظيمًا للرب لم يكن يعرفه من قبل، ويطول سجوده حتى (يقال له: «ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ»)، اللهم صلِّ وسَلِّم عليه.
(ارْفَعْ رَأْسَكَ)، منين؟
طلبة: من السجود.
الشيخ: من السجود، (وَقُلْ يُسْمَعْ)، والذي يسمعه الله عز وجل، والجزم هنا في (يُسْمَعْ)؛ لأنه جواب؟
طالب: الطلب.
الشيخ: الأمر، (وَسَلْ تُعْطَ) مثلها، وهنا (تُعْطَ) مجزومة بحذف حرف العلة وهو الألف، (واشفع تُشَفَّع)، وحينئذ يشفع النبي صلى الله عليه وسلم في الخلائق أن يُقْضَى بينهم.
قال: (وقال أبو هريرة: مَن أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ» ).
وهذا السؤال الذي وَجَّهَهُ أبو هريرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قال له النبي صلى الله عليه وسلم حين وَجَّهَهُ إليه: «لَقَدْ كُنْتُ أَظُنُّ أَنْ لَا يَسْأَلَنِي أَحَدٌ غَيْرُكَ عَنْهُ؛ لِمَا أَرَى مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْعِلْمِ» ، وفي هذا دليل على أن من وسائل تحصيل العلم؟
طالب: السؤال.
الشيخ: السؤال، (من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ»)، وعلى هذا فالمشركون ليس لهم حظ من الشفاعة؛ لأنهم لا يقولون: لا إله إلا الله، إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟
طالب: يَسْتَكْبِرُونَ.
الشيخ: يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ [الصافات: ٣٥، ٣٦]، ويقولون: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص: ٥]، أعوذ بالله، شيء عُجَاب، والحقيقة أن صنيعهم هو الشيء العُجَاب، بَلْ عَجِبْتَ؟
طالب: وَيَسْخَرُونَ.
الشيخ: وَيَسْخَرُونَ [الصافات: ١٢]، وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ [الرعد: ٥].
وقوله: («خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ»)، خرج بذلك مَن قالها نفاقًا، فإن مَن قالها نفاقًا لا حَظَّ له في الشفاعة، ولا تنفعه الشفاعة، فالمنافق يقول: لا إله إلا الله، ويقول: أشهد أن محمدًا رسول الله، ولكن الله عز وجل قابل شهادتهم هذه بشهادته، فقال: وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ [المنافقون: ١]، لكاذبون في أن محمدًا رسول الله ولَّا في شهادتهم؟
طلبة: في شهادتهم.
الشيخ: في شهادتهم كاذِبُون، قولهم: لا إله إلا الله، المنافقون كاذبون أيضًا؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، كاذبون في قولهم: لا إله إلا الله، يعني أننا نشهد أن لا إله إلا الله، فهُم؟
طالب: كاذبون.
الشيخ: كاذبون؛ لأنهم لو شهدوا ذلك ما نافقوا، فأبطنوا الكفر.
قال: (فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله، ولا تكون لمن أشرك بالله)؛ لأن مَن أشرك بالله قال الله فيهم: فَمَا تَنْفَعُهُمْ..
طالب: شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ.
الشيخ: شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر: ٤٨].
(وحقيقته أن الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص فيغفر لهم بواسطة دعاء مَن أَذِن له أن يشفع، ليكرمه وينال المقام المحمود)، يعني حقيقة الشفاعة.
إذا قال قائل: ويش الفائدة منها؟ نقول: إن الله عز وجل أراد أن يغفر للمشفوع له، ولكن بواسطة، هذه الواسطة هي؟
طالب: الشفاعة.
الشيخ: مَن؟
الطالب: الشافع.
الشيخ: الشافع، لماذا جعل هذه الواسطة؟ بَيَّن الحكمة من ذلك، قال: (ليكرمه وينال المقام المحمود)، ولو شاء الله تعالى لغفر لهؤلاء بلا شفاعة، ولكنه سبحانه وتعالى أراد أن يظهر فضل هذا الشافع، ويكرمه أمام الناس، ومن المعلوم أن مَن قَبِلَ الله شفاعته فهو عند الله بمنزلة عالية، فيكون في هذا إكرام للشافع من وجهين؛ أولًا: ظهور فضله على المشفوع له، وثانيًا: ظهور جاهه عند الله سبحانه وتعالى، وأن الله أكرمه وقَبِلَ شفاعته.
وقوله: (وينال المقام المحمود).
طالب: قلتَ: المشفوع له.
الشيخ: إي، المشفوع له.
الطالب: الشافع.
الشيخ: يتفضل على المشفوع له، ويُكْرِم الشافع بكونه قَبِلَ شفاعته.
وقوله: (وينال المقام المحمود) يعني بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم، فإنه عليه الصلاة والسلام وَعَدَهُ الله أن يبعثه المقام المحمود، ومن المقام المحمود أن الله سبحانه وتعالى يقبل شفاعته بعد أن يتراجع الأنبياء أولو العزم عنها.
(فالشفاعة التي نفاها القرآن) هذا كلام مَن؟
طلبة: شيخ الإسلام.
الشيخ: شيخ الإسلام ابن تيمية، (التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك)، (ما) نافية ولّا اسم موصول؟
طلبة: اسم موصول.
الشيخ: اسم موصول، يعني: التي كان فيها شرك.
(وقد أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع)، يعني من القرآن، مثل قوله في آية الكرسي: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ..
طلبة: إِلَّا بِإِذْنِهِ.
الشيخ: إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة: ٢٥٥]، وقوله في الآيات التي سبقت: وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [سبأ: ٢٣]، وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى [النجم: ٢٦]، أثبتها الله في عدة مواضع، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم بَيَّنَ هذه المواضع، بل القرآن أيضًا بَيَّنَها أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص، أما أهل الشرك فإنها لا تكون لهم؛ لأن شفاعتهم التي يتوسَّلُون بها أصنام وأنداد باطلة، وهذا لا ينفعهم.
انتهى الكلام على الشفاعة، ووجه إدخاله في باب التوحيد ظاهر جدًّا؛ لأن الشفاعة الشركية..
طلبة: تنافي التوحيد.
الشيخ: تنافي التوحيد، والبراءة منها هو حقيقة؟
طالب: التوحيد.
الشيخ: التوحيد، ومطابقته للتوحيد، (...) الكتاب كله الآن منقول.
طالب: هناك مسائل.
الشيخ: مسائل؟
الطالب: موجودة المسائل.
الشيخ: المسائل بسيطة نقرؤها، (فيه مسائل؛ الأولى: تفسير الآيات) كم من آية؟
طالب: خمس آيات.
الشيخ: خمس؟ واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة، خمسة، وسبق تفسيرها.
(الثانية: صفة الشفاعة المنفية).
الطالب: الأخيرة آيتان.
الشيخ: الأخيرة آيتان، لكنها تعتبر آية واحدة؛ لأن الدليل واحد.
قال: (الثانية: صفة الشفاعة المنفية) ما هي؟
طلبة: الشركية.
الشيخ: ما كان فيها شرك، كل شفاعة فيها شرك فإنها منفية، (الثالثة: صفة الشفاعة المثبتة).
طالب: أهل التوحيد.
الشيخ: وهي شفاعة أهل التوحيد، بشرط ثانٍ؟
طالب: إِذْن الله.
الشيخ: إِذْن الله سبحانه وتعالى.
(الرابعة: ذِكْر الشفاعة الكبرى وهي المقام المحمود)، وهي ما أشار إليه الحديث الذي ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
(الخامسة: صفة ما يفعله صلى الله عليه وسلم، وأنه لا يبدأ بالشفاعة، بل يسجد، فإذا أُذِنَ له، شفع) كما قال شيخ الإسلام رحمه الله، وهو ظاهر.
(السادسة: مَن أسعد الناس بها) مَن؟
طلبة: مَن قال: لا إله إلا الله.
الشيخ: أهل التوحيد والإخلاص، يعني مَن قال: لا إله إلا الله، أهل التوحيد.
طالب: خالصًا.
الشيخ: خالصًا من قلبه، ولا إله إلا الله معناها؟
طلبة: لا معبود حق إلا الله.
الشيخ: لا معبود حق إلا الله، وليس المعنى: لا معبود إلا الله؛ لأنه لو كان كذلك لكان الواقع؟
طالب: يُكَذِّب.
الشيخ: يُكَذِّب هذا؛ إذ إن هناك معبودات من دون الله تُعْبَد وتُسَمَّى آلهة، وعلمنا أن لا إله إلا الله تتضمن نفيًا وإثباتًا، وهذا هو التوحيد؛ لأن الإثبات المجرَّد لا يمنع المشاركة، والنفي المجرَّد؟
طالب: تعطيل.
الشيخ: تعطيل محض، لو قلت: لا إله، معناه عَطَّلْت كل إله، ولو قلت: الله إله؟
طالب: ما وَحَّدْت.
الشيخ: ما وَحَّدْت، ولهذا قال الله تعالى: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ [البقرة: ١٦٣]، لما جاء الإثبات فقط أَكَّدَ بقوله: وَاحِدٌ.
قال: (السابعة: أنها لا تكون لمن أشرك بالله)، ويش الدليل؟
طلبة: خالصًا.
الشيخ: هذا توحيد الإخلاص.
طلبة: (...).
الشيخ: قوله: فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر: ٤٨]، وغير ذلك مما نفى الله الشفاعة الشركية، (الثامنة: بيان حقيقتها)، حقيقتها أن الله سبحانه وتعالى؟
طالب: يتفضل.
الشيخ: يتفضل على أهل الإخلاص، فيغفر لهم بواسطة مَن أَذِنَ له أن يشفع ليُكْرِمَه وينال المقام المحمود. (...).
طالب: لغيره.
الشيخ: لغيره وله، ولَّا لغيره فقط؟
الطالب: له ولغيره.
الشيخ: له ولغيره، الشفاعة الخاصة به؟
طالب: نعم؟
الشيخ: ما هي الشفاعة الخاصة به؟
الطالب: مثل شفاعته في (...).
الشيخ: نعم.
الطالب: (...).
الشيخ: نعم.
الطالب: شفاعته لعمه أبي طالب.
الشيخ: نعم، القسم الثالث؟
طالب: شفاعته لعمه.
الشيخ: ذكرها.
الطالب: شفاعته في أهل الموقف.
الشيخ: الثالث: شفاعته في أهل الموقف أن يُقْضَى بينهم، بعد أن يتراجع الأنبياء آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، مفهوم؟ لماذا؟ أو ما الحكمة في أن الله أَذِنَ له أن يشفع لعمه أبي طالب مع أنه كافر؟
طالب: لأن أبي طالب.
الشيخ: لأن أبي طالب؟
الطالب: لأن أبا طالب دَافَعَ عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكنه لم يؤمن، فكان من أصحاب النار (...).
الشيخ: يعني ما هو لأنه عمه، لكن لأنه دَافَعَ عن الدين.
الطالب: نعم.
الشيخ: وعن الرسول صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك ما نجا من النار (...) الشفاعة.
قوله تعالى: وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ [الأنعام: ٥١] الضمير يعود إلى أي شيء؟
الطالب: على القرآن.
الشيخ: يعود على القرآن، وما هو الإنذار؟
الطالب: (...).
الشيخ: لو قلت (...)، هذا الإنذار؟
الطالب: لا، الإنذار هو (...).
طالب آخر: الإنذار الإعلام، إنذار بالتخويف.
الشيخ: الإعلام بتخويف.
قوله: وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ، كيف نجمع بينها وبين قوله تعالى: لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا [الفرقان: ١]، لِلْعَالَمِينَكل العالمين؟
طالب: في الآية العامة أنه قد ينتفع المنذَر وقد لا ينتفع، أما هذا فهو خاص بالمؤمنين (...).
الشيخ: أحسنت، يقول: المراد هنا إذا قُيِّد الإنذار أو الهدى بالمتقين والمؤمنين وما أشبه ذلك فالمراد الناس الذين انتفعوا به، أما ذاك فهو عامّ.
قوله: لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ، ما وجه مناسبتها للباب؟ الباب باب الشفاعة، أيش وجه مناسبة الآية للباب؟ ذكر فيه ثلاث آيات (...).
طالب: (...).
الشيخ: (...).
طالب: (...) الشفاعة (...).
الشيخ: أقول: ما مناسبة الباب للتوحيد، مناسبة الباب للتوحيد مثل ما قلت، لكن مناسبة هذه الآية لباب الشفاعة الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ [الأنعام: ٥١]؟
طالب: إن كان لهم من دون الله وَلِيّ ولا شفيع (...).
الشيخ: الشاهد قوله: وَلا شَفِيعٌ، الشاهد قوله: لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ، يعني: وأما منهم فلهم شفاعة؛ لأنهم مؤمنون.
قوله تعالى: قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا، ما وجه اختصاص الشفاعة بالله؟ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًاجاء بها على سبيل الاختصاص.
طالب: لأنه تعالى هو الذي يأذن للشافع، وهو الذي يرضى عن المشفوع.
الشيخ: صح؛ لأنها تتوقف على إذنه وقبوله، ولهذا كانت له الشفاعة كلها.
قوله: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة: ٢٥٥]، ما المراد بالاستفهام هنا؟
طالب: لا يشفع عنده أحد إلا بإذن الله.
الشيخ: إي، ما المراد بالاستفهام؟
طالب: التقرير.
الشيخ: لا، النفي، الدليل أنه يراد به النفي؟
طالب: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ.
الشيخ: ويش الدليل على أن المراد بالاستفهام النفي؟
الطالب: الدليل أنه يعني لا شفيع إلا الله، يعني لا يشفع..
الشيخ: هذا المعنى، لكن ما الدليل على أن المراد بالاستفهام النفي، الدليل اللفظي في الآية؟
الطالب: إِلَّا بِإِذْنِهِ.
الشيخ: كيف إِلَّا بِإِذْنِهِ؟
الطالب: يعني لا يشفع عنده إِلَّا بِإِذْنِهِ.
الشيخ: فهي قوله: إِلَّا بِإِذْنِهِ، الاستثناء.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ما الحكمة بأن الاستفهام يأتي بمعنى النفي؟
طالب: (...).
الشيخ: ويش الحكمة في أن الاستفهام يأتي بمعنى النفي؟ يعني لماذا لم يقل: لا أحد يشفع إلا بإذنه، وجاءت: مَنْ ذَا الَّذِي؟
طالب: (...).
الشيخ: إلا بإذن الله، أحسنت.
الطالب: (...).
الشيخ: يفيد معنى التحدي؛ لأن لو قلت: لا أحد يشفع بإذن أو بغير إذن، لا أحد يعرف هذا الشيء، هذا خبر نفي لا أحد يعرفه، لكن إذا قلت: من الذي يعرفه؟ يعني معناه إني أتحداكم، صار هنا أبلغ، فالاستفهام الذي يكون بمعنى النفي أبلغ من النفي المجرَّد؛ لأنه؟
طالب: بمعنى التحدي.
الشيخ: لأنه مُشْرَب معنى التحدي، أو مُتَضَمِّن معنى التحدي، وهذا شرحناه لكم مرارًا، وهذا يوجد كثيرًا في القرآن.
قوله: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ [النجم: ٢٦].
طالب: (...).
الشيخ: تغني شيئًا.
الطالب: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ.
الشيخ: لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا، شَيْئًا(...) في القرآن، وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ، وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ، ما المراد بـ(كم) هنا؛ استفهامية ولَّا خبرية؟
طالب: خبرية.
الشيخ: سمعت هناك قائلًا يقول: ما الفرق بين الخبرية والاستفهامية؟
الطالب: في العدد.
الشيخ: الكم ولَّا العدد؟ مَن يعرف؟
طالب: (...) تفيد الكثرة (...).
الشيخ: الاستفهامية تكون مع طلب العلم بالشيء، (...) بالمعاني، الاستفهام طلب العلم بالشيء، والاستفهامية معناه أن المتكلم يطلب العلم بعدد هؤلاء، (...)، كم مالك؟ ويش بيقول؟ عشرة ريالات، لكن هذه يخبر بها عن عدد، وهي تفيد التكثير، واضح؟
طالب: كم تفيد (...)؟
الشيخ: لا لا.
الطالب: (...).
الشيخ: هي غالبًا تفيد الكثرة.
قوله: لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ، ويش محلها من الإعراب؟
طالب: (...).
الشيخ: (...).
طالب: خبر.
الشيخ: خبر أيش؟
الطالب: خبر (كم).
الشيخ: خبر (...) صح، نمشي (...).
قال: لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا، تُغْنِيشَيْئًا، تُغْنِييجوز أن تكون بمعنى: تكسب، ويجوز أن تكون بمعنى: تمنع، فهي الشفاعة: وهي تَوَسُّطُهم لجلب الخير أو دفع مضرة، لا تغني شيئًا، ويش قلنا معنى لَا تُغْنِي؟
طالب: تكسب.
الشيخ: لا تكسب شيئًا، أو لا تمنع شيئًا.
إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى، إِلَّا مِنْ بَعْدِ، وأتى بـ(من) لتأكيد البَعْدِيَّة، لم يقل: إلا بعد، قال: مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُإِذْنًا شرعيًّا أو قدريًّا؟ هذه إِذْن قَدَرِيّ، إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَيعني: إِذْنًا قَدَرِيًّا، لِمَنْ يَشَاءُمن هؤلاء الملائكة، أو لِمَنْ يَشَاءُمَن المشفوع لهم، إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُمن هؤلاء الملائكة وهو الأقرب؛ لأنه ما قال: فيمن يشاء، ويحتمل أن يكون المعنى: إلا من بعد أن يأذن الله بشفاعتهم لمن يشاء، فتكون عائدة على المشفوع له.
وقوله: لِمَنْ يَشَاءُمَرَّ علينا كثيرًا بأن كل شيء يعلَّق على مشيئة الله، فإنه مَقْرُون بالحكمة؛ لأن الله تعالى ما يشاء الشيء إلا لحكمة، حيث قال: وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [إبراهيم: ٤]، فكل أفعاله حكمة، وكل أفعاله صادرة عن مشيئة، إِذَنْ فكل مشيئة فإنها أيش؟
طالب: لحكمة.
الشيخ: لحكمة.
وقوله: وَيَرْضَى، يعني الشافع أو المشفوع له على حسب ما قلنا فيه، لِمَنْ يَشَاءُ، فهي تفيد الأمرين: رضاه عن الشافع والمشفوع له، وإِذْنُه في الشفاعة.
إذا كان هذا في ملائكة السماوات، فكيف بهذه الأصنام، هل يمكن أن تشفع لأهلها؟
طالب: لا يمكن.
الشيخ: لا، لا يمكن أن تشفع؛ لأن الله لا يمكن أن يَأْذَن لها، وكيف يَأْذَن لمن قال عنه: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَأي: تُحْصَبُون فيها، تُرْمَوْنَ فيها كما تُرْمَى الحصباء، حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ [الأنبياء: ٩٨]، هل هذه الأصنام تشفع؟ لا، ولهذا هذه الآية تُبْطِل كل طمع يتعلق به المشركون في آلهتهم أنها تشفع لهم عند الله؛ لأنهم يعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم، وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ [يونس: ١٨]، الله ما يرضاها (...) يرضى أن تشفع لكم.
وقوله: إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ، إحنا قلنا: إن الإذن هنا قَدَرِيّ، فيه إِذْن شرعي؟
طالب: نعم.
الشيخ: كيف؟
الطالب: قوله تعالى: قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ.
الشيخ: نعم، قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ [يونس: ٥٩]، شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [الشورى: ٢١]، نقول: ما لم يأذن به قدرًا؛ لأنه واقع، وما وقع فقد أَذِنَ فيه؟
طالب: قدرًا.
الشيخ: قدرًا، لكن ما لم يأذن به الله؟
طالب: شرعًا.
الشيخ: شرعًا.
طالب: شيخ، بالنسبة (...) للمشفوع له أو بالعكس، ما نقول عليهم (...).
الشيخ: (...) قلنا فيما سبق قاعدة في التفسير، وهي؟
طلبة: إذا احتمل اللفظ أمرين..
الشيخ: إذا احتمل اللفظ أمرين لا يتنافيان وجب حَمْلُه عليهما؛ لأن القرآن أوسع من أفهامنا.
طالب: (...).
الشيخ: ينطبق عليهم كلهم، فتكون هذه الآية جامعة للشروط الثلاثة: إِذْن الله، ورضاه عن الشافع، والمشفوع له.
الطالب: لكن في الواقع يا شيخ (...) فيرضى عنه الله.
الشيخ: ما تصلح، لكن لأجل التعميم، يعني معناه أنه حتى هؤلاء الملائكة ما يمكن إلا برضا، ومن المعلوم أنهم مَرْضِيّ عنهم.
طالب: (...).
طالب آخر: (...).
الشيخ: يرضى عن شفاعتهم (...)، تكفي.
قال: (وقوله) يعني: وقول الله تعالى: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ [سبأ: ٢٢]) إلى آخره.
قُلِالخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام، ادْعُوامن الدعوة؛ وهي السؤال، يعني: اسألوهم، ادعوهم، شوفوا هل يستجيبون ولّا لا، والأمر هنا لأي شيء؟ للإرشاد؟
الطالب: للتحدي.
الشيخ: للتحدي نعم، يتحداهم، يقول: يلَّا ادعوا هؤلاء، قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ.





