كتاب التوحيد - 19
عدد الزيارات 1882

عناصر المادة :
باب: ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح، فكيف إذا عبده

(محبة الصالحين، والثاني فعل أناس) ويش بعده؟
طلبة: (من أهل العلم).
الشيخ: عندي: (فعل أناس من أهل العلم شيئًا أرادوا به خيرًا، فظن من بعدهم أنهم أرادوا به غيره).
طالب: (العلم والدين) عندك.
الشيخ: (من أهل العلم والدين).
الطالب: (من أهل العلم).
الشيخ: عندي (والدين)، عندكم (والدين
طلبة: (...).
الشيخ: (...)، طيب المؤلف أراد أن يبين مزج الحق بالباطل قال: إنه حصل: أمرين الأول محبة الصالحين، ولهذا صوروا تماثيلهم محبةً لهم ورغبة فيهم. والثاني: أن أهل العلم والدين أرادوا بهذه التماثيل أولًا؟
طالب: الخير.
الشيخ: الخير؛ وهو أن ينشطوا على العبادة ويرغبوا فيها، لكن الذين من بعدهم أرادوا بذلك شرًّا غير ما أراد هؤلاء.
ويؤخذ منه أن من أراد تقوية الدين ببدعة فإن ذلك يكون ضرره أكثر من نفعه، إذا أراد الإنسان أن يقوي الدين ببدعة صار ضرره أكثر من نفعه.
مثال ذلك: أولئك الذين يغلون في الرسول صلى الله عليه وسلم ويجعلون له الموالد، هم يريدون بذلك خيرًا لكنهم أرادوا الخير ببدعة، فصار ضررها أكثر من نفعها؛ لأنها في الحقيقةِ تعطي الإنسان نشاطًا غير مشروع في وقت معين، ثم بعد ذلك يعقب هذا النشاط فتورٌ غير مشروع في بقية العام، ولهذا تجد هؤلاء الذين يغالون في هذه البدع، تجدهم في الأمور المشروعة الواضحة كاسلين، ليسوا كنشاط غيرهم، وهذا مما يدل على تأثير البدع في القلوب، وأنها مهما زينها أصاحبها، فإنها لا تزيد الإنسان إلا ضلالًا؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول، ويش يقول الرسول في البدع؟
طالب: «كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» .
الشيخ: «كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ».
طالب: شيخ، فيه ناس يجعلون موالد لأولادهم..؟
الشيخ: هذه من البدع، ما يجوز.
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم.
طالب: (...).
الشيخ: (...) هذه أخذوها تقليدًا من غيرهم، فهي على (...) كل شيء يتخذ عيدًا، يتكرر كل عام أو كل أسبوع أو كل شهر فهو من البدعة.
طالب: كيف يكون عندي يعني الدليل (...).؟
الشيخ: الدليل أن هذا لو كان خيرًا.. الشارع جعل للمولود شيئًا معينًا وهو العقيقة، ما جعل شيئًا بعد ذلك، ثم اتخاذكم هذا اليوم وهو الفرح والسرور يتكرر كل يوم.
طالب: كل عام.
الشيخ: أو كل عام، معنى ذلك أنكم شبهتموه بالأعياد الإسلامية، وهذا حرام ما يجوز، ليس في الإسلام شيء من الأعياد إلا الأعياد الشرعية ثلاثة: عيد الفطر، والأضحى، وعيد الأسبوع، وليس منها هذا من باب العادات؛ لأنه يتكرر، ولهذا لما قدم النبي عليه الصلاة والسلام فوجد للأنصار عيدين يحتفلون بهما، قال: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبْدَلَكُمَا بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا: عِيدَ الْأَضْحَى، وَعِيدَ الْفِطْرِ» . مع أنها من الأمور العادية عندهم.
طالب: شيخ، يقولون: الرسول (...)؟
الشيخ: الرسول صلى الله عليه وسلم ما صام الاثنين من أجل أن نقول: أخبر بأنه من أجل (...) الله، لكنه سُئِلَ عن صوم يوم الاثنين قال: «ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ وَبُعِثْتُ فِيهِ»، أو «أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ» . يعني معناه أن هذا اليوم إذا صامه الإنسان فإنه يوم مبارك حصل فيه هذا الشيء، وليس المعنى أننا نحتفل بهذا اليوم، كما نقول أيضًا: الاحتفال به يجب أن يتقيد بما جاء به الشرع وهو الصيام، ولو كان غيره مما يُحتفل به مشروعًا لبينه النبي عليه الصلاة والسلام؛ إما بقوله، أو فعله، أو إقراره.
طالب: (...).
الشيخ: منهم أيضًا ما يعيدون يوم الاثنين، يعيدون اليوم الذي يزعمون أنه مولود فيه، وهو لم يثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم وُلِدَ لا في اليوم التاسع من ربيع الأول ولا في الثاني عشر، ما هو معلوم، وأقرب ما قيل فيه قيل: إنه في اليوم التاسع، هذا أقرب ما قيل فيه.
(السادسة: تفسير الآية التي في سورة نوح)، وقد فسرناها، وقلنا: إن هؤلاء يتواصون بالباطل لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا [نوح: ٢٣]، وهذا خلاف طريق المؤمنين، المؤمنون يتواصون؟
طالب: بالخير.
الشيخ: بالحق وبالخير وبالمرحمة، أولئك يتواصون بالباطل والعياذ بالله؛ لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا [نوح: ٢٣] إلى آخره.
وقلنا: إنه يشبههم أهل الباطل والضلال الذين يتواصون بما هم عليه، سواء كانوا رؤساء سياسيين أو رؤساء دينين ينتسبون إلى الدين، فتجد الواحد منهم لا يموت إلا وقد وضع له ركيزة من بعده ينمي هذا الأمر الذي عليه ويتواصون به.
(السابعة: جبلة الآدمي بكون الحق ينقص في قلبه والباطل يزيد).
قوله: (جبلة)، الجِبِلَّة على وزن فِعِلَّة، وهو ما يُجبل عليه المرء؛ أي: يُخلق ويُطبع، فهي بمعنى الطبيعة؛ يعني الطبيعة التي عليها الإنسان من حيث هو إنسان بقطع النظر عن كونه قد زكَّى نفسه أو دسَّاها؛ لأن الإنسان من حيث هو إنسان وصفه الله بوصفين، فقال: إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [إبراهيم: ٣٤]، وقال: وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [الأحزاب: ٧٢]، وهذا من حيث هو إنسان.
أما من حيث ما يمنُّ الله به عليه من الإيمان والعمل الصالح فإنه يترفع عن هذا، لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [التين: ٤ - ٦]، ولهذا الإنسان الذي يمنُّ عليه الله بالهدى، فإن الباطل الذي في قلبه يتناقص وربما يزول بالكلية، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: تحفظون أمثلة من هذا؟
طالب: الصحابة.
الشيخ: إي، الصحابة؛ عمر بن الخطاب وخالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل، وغيرهم، كذلك أيضًا أهل العلم الأئمة؛ مثل أبو الحسن الأشعري كان معتزليًّا، ثم كان كُلَّابيًّا، ثم كان سُنيًّا. كذلك ابن القيم كان صوفيًّا، ثم مَنَّ الله عليه بصحبة شيخ الإسلام ابن تيمية، فهداه الله على يديه، حتى كان ربانيًّا رضي الله عنه ورحمه.
طالب: (...).
الشيخ: المهم أن قول المؤلف رحمه الله: (جبلة الآدمي في كون الحق ينقص في قلبه والباطل يزيد)، ماذا نقول في هذه العبارة يجب أن نقيدها، ويش نقول؟
طالب: (...).
الشيخ: من حيث كونه آدميًّا بقطع النظر عمن يَمُنَّ الله عليه من تزكية النفس، فإن الله يقول: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس: ٩، ١٠].
طالب: شيخ (...) الصالحين (...)؟
الشيخ: البدع تردها الفطر السليمة مَرَّ علينا.
طالب: يعني من الجبلة؟
الشيخ: لا، ما هي من الجبلة، جبلة الإنسان من حيث هو أو أنه كان ظلومًا جهولًا، إلا إذا مَنَّ الله عليه بالاستقامة.
طالب: (...).
الشيخ: نعم، اقرأ في ذلك في النونية وقال: وكنت أتمثل دائمًا بقول الشاعر:

عَوَى الذِّئْبُ فَاسْتَأْنَسْتُ لِلذِّئْبِ إِذْ عَوَى وَصَوَّتَ إِنْسَانٌ فَكِدْتُ أَطِيرُ

وكنت أذهب إلى الخلوات وأبتعد من الناس وأتخلى، ثم منَّ الله عليه بشيخ الإسلام، وقال في النونية عن شيخ الإسلام: والله أنقذني به وهداني، وكلمة (أنقذني) مثل أنه كان في الأول في مهلكة.
(الثامنة: فيه شاهد لما نقل عن السلف أن البدعة سبب للكفر).
اليوم يقولون: إن الكفر له أسباب متعددة، ولا مانع من أن يكون الشيء الواحد له أسباب متعددة، أليس كذلك؟
فمثلًا أن يُسَخَّن بالشمس، يُسَخَّن بالنار، يُسَخَّن بالكهرباء، يُسَخَّن بتدفئة، أو أسباب، فلا مانع من تعدد الأسباب والمسبب واحد.
الكفر له أسباب، ذكر العلماء من أسبابه البدعة، وقالوا: إن البدعة لا تزال في القلب يظلم منها شيئًا فشيئًا حتى يصل إلى الكفر.
واستدلوا لذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّار» .
وقالوا أيضًا: إن المعاصي بريد الكفر ، والبريد: الشيء الذي يوصل إلى الغاية، وهو كذلك أيضًا؛ فإن المعاصي كما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام تتراكم على القلب تنكت نكتة سوداء فيه، ثم إن تاب صقل قلبه وابيض، وإلا فلا تزال هذه النكتة السوداء تتزايد في القلب حتى يصبح مظلمًا والعياذ بالله .
وكذلك حذَّر من محقرات الذنوب، وضرب لها مثلًا بقوم نزلوا أرضًا، فأرادوا أن يطبخوا، فذهب كل واحد منهم وأتى بعود، فأتى هذا بعود، وهذا بعود، وهذا بعود، عيدان صغيرة ما تعمل شيئًا، فجمعوها فأضرموا نارًا كبيرة .
وهكذا المعاصي؛ فإن لها تأثيرًا قويًّا على القلب، وأشدها تأثيرًا الشهوة، الشبه لها تأثير لكن الشبه يسير ضررها على من يسَّره الله عليه؛ إذ إنها مصدرها الجهل، والجهل قد يزول بالتعلم، لكن البلاء كل البلاء والغالب هو من الشهوة؛ يعني إرادة الإنسان الباطل هذا هو البلاء الذي يُبْتلى به العالم والجاهل -والعياذ بالله- هو خطر عظيمٌ.
ولهذا كانت معصية اليهود أكبر من معصية النصارى؛ لأن معصية النصارى سببها؟
طالب: الشبهة.
الشيخ: الشبهة، ومعصية اليهود سببها الشهوة وإرادة السوء والباطل.
فنجد أن البدع ما نقول: إن غالبها شهوة، لكن الكثير منها سببه الشهوة، ولهذا تُبَيَّن البدع لأصحابها ويُحذَّرون منها ولكن يُصِرُّون عليها. وغالب مَن يُصِرُّ عليها إنما يقصد بذلك بقاء وجاهته بين الناس ورئاسته، ما يقصد صلاح الخلق، يقصد أن يخضع الناس له ويظن في نفسه، ويملي عليه الشيطان أنه لو رجع عن بدعته لنقصت منزلته بين الناس. ولكنه لا، ليس كذلك، أبو الحسن الأشعري وهو مضرب مثلٍ في هذا الباب؛ لما كان من المعتزلة لم يكن إمامًا، ولكنه لما رجع عن مذهب الاعتزال إلى مذهب أهل السنة صار إمامًا.
وهكذا كل إنسان يرجع إلى الحق، وهو صعب على النفوس أن ترجع عما كانت عليه، لا سيما إذا اشتهر الإنسان بهذا الشيء فإنه قد يصعب عليه أن يرجع؛ لأنه يظن أنه إذا رجع قال الناس: هذا إنسان ما عنده علم، أو إنسان متقلب، وما أشبه ذلك، ولكن الأمر بالعكس؛ إذا بان له الحق ورجع إليه ازداد منزلة عند الله سبحانه وتعالى، ثم عند الخلق.
المهم استفضنا كثيرًا في هذه المسألة؛ وهو أن البدعة سبب في الكفر، ولا يرد على هذا أن أهل العلم يقولون: إن المعاصي بريد كفر؛ لأننا نقول: لا مانع من تعدد الأسباب، هذا شيء مشاهد في كل شيء، كل شيء مثله أسباب متعددة؛ الحديث له طرق متعددة يقوى بها، حتى مجاري المطر، مجاري السيل الوادي له شعب، يأتي من هنا، ومن هنا، ومن هنا.. إلى آخره.
(التاسعة: معرفة الشيطان بما تدور إليه البدعة ولو حَسُن قصد الفاعل).
معرفة الشيطان ويش (...) الشيطان يُعْرَف أو ما يعرف؟ يعني الشيطان هو الذي زيَّن لهؤلاء المشركين أن يصوروا هذه التصاوير وهذه التماثيل، ويقول: صَوِّروها لتذكروهم، فتعينكم على العبادة، فزين لهم الشيطان هذا لأنه يعرف أن هذه البدعة تؤول إلى أي شيء؟
طالب: إلى الشرك.
الشيخ: إلى الشرك والكفر، وهنا قال المؤلف: (ولو حسُنَ قصد الفاعل)؛ يعني أن البدعة شرٌّ ولو حسُنَ قصد الفاعل. ولكن هل الفاعل يأثم مع حُسْنِ القصد؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: والبدعة ولَّا ما يأثم؟
طالب: يأثم.
الشيخ: نقول: إن كان عالمًا بأنها بدعة فإنه يأثم ولو حسُنَ قصده؛ لأنه أقدم على معصية، وهذا كمن يُجيز الكذب ويدعي أن ذلك مصلحة، وكمن يجيز الغش في أمر من الأمور ويقول: هذا مصحلة، فهذا الإنسان الذي علم أن هذه بدعة آثم ولو حسُنَ قصده، أما إذا كان جاهلًا فإنه لا يأثم بهذه البدعة؛ لأن جميع المعاصي لا إثم فيها إلا مع العلم. وقد يثاب على حسن قصده، وقد نبَّه على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم.
فالحاصل أن البدعة تؤول إلى البلاء والفساد لو حسن قصد الفاعل، ولكن الذي بحثنا فيه أخيرًا ليس هو نفي الفساد الذي تأول إليه البدعة، هذا ما في إشكال، ولا يمكن لأحد دفعه، إنما بحثنا في إثم المُبتدِع المحسن القصد؛ الذي قصده حسن، فقلنا: إن علم بأن ذلك بدعة وأصرَّ عليها ولو مع حسن قصده؟
طالب: آثم.
الشيخ: فهو آثم، لو قال: أنا -مثلًا- أريد بهذه البدعة إحياءً للهمم والتنشيط، وما أشبه ذلك.
نقول له في الجواب على هذا: هذه الإرادة التي قصدت هي في الحقيقة طعنٌ في صميم رسالة الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنك بهذه الحجة أو هذه الشبهة اتهمت الرسول عليه الصلاة والسلام بأنه مقصر؛ إما مقصر، أو قاصر غير عالم بهذه الطريقة التي تصلح الخلق، أو أنه مقصر ما أخبرهم بها، وهذا أمر عظيم خطر في الدين، نسأل الله العافية.
أما إذا كان لا يدري وهو حسن القصد، لكن ما علم أن هذه بدعة؛ فإنه يثاب على نيَّته. وهل يُثاب على عمله؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما يُثاب؛ لأن عمله شرٌّ حاضر، «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» . فالعمل هذا غير صالح ولا مقبول عند الله ولا مرغوب، ولكن لحسن نيته مع الجهل يكون له أجرٌ. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في الرجل الذي صلَّى، وأعاد الوضوء بعدما وجد الماء وصلَّى ثانية، قال له: «لَكَ الْأَجْرُ مَرَّتَيْنِ» لحسن قصدك، ولأن عمله عمل صالح في الأصل. لكن لو وُجِدَ إنسان يعمل هذا العمل قلنا له: ليس لك أجر؛ لأن ذلك خلاف السنة؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال للذي لم يُعِدْ: «أَصَبْتَ السُّنَّةَ» .
فهذه مسألة ينبغي لنا أن نعرفها، فإذا جاءنا المبتدع وقال: أنا ما ابتدعت هذا إلا بقصد حسن؛ بقصد شحذ الهمم وتنشيط الناس، قلنا: هذا قصد حسن، لكن بهذه الطريق ليس بحسن؛ لأنها ما كانت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا الخلفاء الراشدين على هذا، هؤلاء العامة اللي ما يردون (...) هذه البدعة وغيرها حكمهم.
طلبة: (...).
الشيخ: ما داموا قاصدين الحق ولا علموا به فإثمهم على من أفتاهم وعلى من أضلهم، ثم هم مع (...).
طالب: شيخ، (...) يوجد عوام يسجدون على القبور (...)؟
الشيخ: إي نعم، إثمهم على الذين أفتوهم.
طالب: ثم ما يسمون مشركين؟
الشيخ: لا، عملهم عمل المشركين، بس ما يدخلون في حكم المشرك مع جهلهم.
طالب: إذا ماتوا ويش يقال لهم؟
الشيخ: إذا ماتوا فما دام عملهم عمل المشرك فيحكم بأنهم مشركون، يعاملون معاملة المشرك، لكن عند الله سبحانه وتعالى مرفوع عنهم العقاب بجهلهم، ولهذا الآن فيه ناس في مجاهل إفريقيا في بلاد بعيدة لا يعرفون عن الإسلام شيئًا، لو ماتوا ما نقول: هؤلاء المسلمين، وأن نصلي عليهم ونترحم عليهم، مع أنهم ما قامت عليهم الحجة، لكن نقول: الظاهر أن عملهم في الدنيا بالظاهر، وأما في الآخرة فأمرهم إلى الله.
(العاشرة: معرفة القاعدة الكلية وهي النهي عن الغلو ومعرفة ما يؤول إليه).
وهذا هو ما حذَّر منه النبي عليه الصلاة والسلام الغلو؛ لأن الغلو هو مجاوزة الحد، وكما يكون في العبادات يكون في؟
طالب: المعاملات.
الشيخ: غير العبادات، قال الله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا [الأعراف: ٣١]، وقال: وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا [الفرقان: ٦٧]، وفي العبادات أيضًا واضح.
(الحادية عشرة: مضرَّة العُكوف على القبر لأجل عمل صالح). ويش المضرة التي تحصل؟
طالب: (...).
الشيخ: أما ذلك قد يوصل إلى عبادتهم، فالعكوف عند القبر للعمل الصالح مثل لو قال قائل: هذا الرجل رجل صالح، أنا أروح أقرأ القرآن عنده أفضل لي، نقول: هذا حرام ما (...) هذا من البدع، وهذا قد يؤدي بك في النهاية؟
طلبة: إلى عبادته.
الشيخ: إلى عبادته، فيحرم عليك لو قال: بروح أتصدق عنده فكذلك، وكذلك أيضًا لو كان يعكف عليهم في الليالي، فهذا كله حرام، ومضرته عظيمة.
(الثاني عشرة: معرفة النهي عن التماثيل والحكمة في إزالتها). ما هي التماثيل؟
طالب: (...).
الشيخ: الصور على مثال رجل، الصور على مثال حيوان، والصور على مثال شجر، كل هذه تماثيل؛ يعني المعنى أن (...)، لكن في الغالب أنه (...).
ثالثةَ عشرَ، أربعةَ عشرَ، خمسةَ عشرَ، كلها مبنية على الفتح، دائمًا تُبْنَى على الفتح.
(الثالثة عشرةَ: معرفة شأن هذه القصة وشدة الحاجة إليها مع الغفلة عنها).
ما هي القصة؟ قصة هؤلاء الذين غلوا في الصالحين، حتى إن الأمر تدرج بهم فعبدوهم من دون الله، هذه ينبغي أن نعرف هذه القصة، وأن الغلو أمره عظيم، وأن نتائجه وخيمة، فالحاجة شديدة إلى ذلك والغفلة عنها كثيرة، وهذا هو الواقع، لو أنك تدبرت حال الناس وسبرت قلوبهم لوجدت أنهم في غلفة عن هذا الأمر عن الغلو في الصالحين، وهذا وإن كان لا يوجد عندنا والحمدُ لله، لكنه في البلاد الإسلامية كثير جدًّا، يغلون في قوم ليسوا في الحقيقة من الصالحين بعد ولكنهم يعتقدون فيهم الصلاح، فيضلون بهذا الغلو.
(الرابعة عشرة: وهي أعجب وأعجب)، (أعجب)؛ يعني: أكثر عجبًا وأشد، والعجب نوعان كما مَرَّ علينا كثيرًا: نوع بمعنى الاستحسان، ونوع بمعنى الإنكار، إن تعلق بمحبوب فهو بمعنى الاستحسان، وقول عائشة رضي الله عنها: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه التيامن في تنعله وترجُّله وطهوره وفي شأنه كله . وإن تعلق بمذموم فهو للإنكار؛ كقوله تعالى: وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ [الرعد: ٥].
كلام المؤلف هنا من أي النوعين؟
طلبة: الإنكار.
الشيخ: من الإنكار، قراءتهم إياها في كتب التفسير والحديث ومعرفتهم بمعنى الكلام، وكون الله حال بينهم وبين قلوبهم، حتى اعتقدوا أن فعل قوم نوح أفضل العبادات، واعتقدوا أن ما نهى الله ورسوله عنه؟
طالب: فهو الكفر.
الشيخ: فهو الكفر المبيح للدم والمال.
كأنَّ المؤلف يتحدث عن الناس في زمنه أنهم غفلوا عن هذا الأمر، مع أنهم يقرؤون كتب التفسير ويعرفون كيف حال الأمر، وأيضًا قد حال الله بينهم وبين قلوبهم، حتى اعتقدوا أن فعل قوم نوح أفضل العبادات، وهذا -والعياذ بالله- من أضر ما يكون على المرء؛ أن يعتقد أن السيء حسن، قال الله تعالى: أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [فاطر: ٨]، وقال تعالى قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا [الكهف: ١٠٣]، من؟
طالب: الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ [الكهف: ١٠٤].
الشيخ: الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا [الكهف: ١٠٤]، هذا هو الضلال، فحال الله بينهم وبين قلوبهم حتى اعتقدوا أن فعل قوم نوح أفضل العبادات، اعتقدوا أن ما نهى الله ورسوله عنه فهو الكفر المبيح للدم والمال. وأيش عندكم؟
طالب: (...).
الشيخ: عندكم (...)؟
طالب: (...).
الشيخ: طيب، معكم فتح المجيد؟
طالب: (...).
الشيخ: (...).
طالب: (...).
الشيخ: ما ذكر (...) المسائل.
طالب: هذا (...).
الشيخ: سبحان الله! (...) ورسوله عنه كان الأمر واضحًا، وتفسير قوله: (فهو الكفر المبيح للدم والمال) إي هذا الاعتقاد.
طالب: مراد الآية؟
الشيخ: (...) المراد، إنما العبارة ما تعطي هذا المعنى.
على كل حال، المعنى من اعتقد أن الشرك والكفر من أفضل العبادات وأنه مقرب إلى الله، فإن هذا كفر بلا ريب، مبيحٌ لماله ودمه.
(الخامسة عشرة: التصريح بأنهم لم يريدوا إلا الشفاعة) (...).
طالب: (...).
الشيخ: (...).
طالب: (...).
الشيخ: هم ما أرادوا إلا الشفاعة، ومع ذلك وقعوا في الشرك.
طالب: (...).
الشيخ: أيش يقول؟
طالب: (ومنها -وهي أعجب العجب- قراءتهم إياها في كتب التفسير والحديث ومعرفتهم بمعنى الكلام، وكون الله حال بين قلوبهم حتى اعتقدوا أن فعل قوم نوح هو أفضل العبادات، واعتقدوا أن نهى الله ورسوله هو الكفر المبيح للدم والمال).
الشيخ: (واعتقدوا).
طالب: (واعتقدوا أن نهى الله ورسوله هو الكفر المبيح للدم والمال) (...).
الشيخ: إي نعم، (...).
(السادسة عشرة: ظنهم أن العلماء الذين صوَّروا الصور أرادوا ذلك).
ويش أرادوا؟ أرادوا أن تشفع لهم، وأن تنشطهم على الأعمال الصالحة، وهذا ظن فاسد كما فصَّلنا.
(السابعة عشرة: البيان العظيم في قوله صلى الله عليه وسلم: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ» . ومعنى الإطراء؟
طلبة: الغلو.
الشيخ: الغلو في المدح والمبالغة فيه.
يقول: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ». وهذا الذي نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم قد وقع فيه بعض هذه الأمة بل أشد، حتى جعلوا النبي صلى الله عليه وسلم إليه المرجع في الحكم والعياذُ بالله. النصارى قالوا: المسيح ابن الله، وقالوا: إن الله ثالث ثلاثة، وهؤلاء جعلوا النبي عليه الصلاة والسلام كل شيء.
(فصلوات الله وسلامه على من بلغ البلاغ المبين).
طالب: عندي (عليه بلغ).
الشيخ: (على من بلغ البلاغ المبين)، وهو النبي صلى الله عليه وسلم، ومعنى (بلغ) أوصَلَ وبيَّنَ.
(الثامنة عشرة: نصيحته إيَّانا بهلاك المتنطعين). كيف؟
طالب: (...).
الشيخ: قوله: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ» ، فإن الغرض من ذلك ليس مجرد الخبر لكن؟
طالب: التحذير.
الشيخ: التحذير.
(التاسعة عشرة: التصريح بأنها لم تُعْبَد حتى نُسِيَ العلم، ففيها بيان معرفة قدر وجوده ومضرة فقده).
(لم تُعْبَد)؛ يعني: هذه الصور التي صورت لأولئك الصالحين ما عُبِدَت إلا بعد أن نُسِيَ العلم واضمحل، ففيه دليل على معرفة قدر وجوده، وأن وجود العلم أمر ضروري للأمة؛ لأنه إذا فُقِدَ العلم حَلَّ محله الجهل، وإذا حَلَّ محله الجهل فلا تسأل عن حال الناس، سيتخبطون خبط عشواء، لا يعرفون كيف يعبدون الله، ولا كيف يتقربون إليه.
(العشرون: أن سبب فَقْدِ العلم موتُ العلماء) هذا من أكبر أسبابه فَقْدُ العلم؛ أن يموت العلماء فلا يبقى إلا جهال الخلق يفتون بغير علم.
ومن أسباب فَقْدِ العلم الغفلةُ والإعراضُ عنه، والتشاغل بأمور الدنيا وعدم المبالاة به، فإن هذا من أسباب فَقْدِه.
ثم إن العلم قد يكون موجودًا وهو معدوم، وذلك فيما إذا كثر القرَّاء وقلَّ الفقهاء؛ يكثر القراء الذين يعرفون العلم، لكن الفقهاء الذين يعملون بعلمهم يقلُّون، هذا في الحقيقة يصبح العلم عديم الفائدة ووجوده كعدمه.
بل إن وجوده أضرُّ على الأمة من عدمه؛ لأن العامة إذا رأوا من ينتسب إلى العلم ومن يعرف العلم ساكتًا غير عامل بمقتضى علمه ظنوا أن ما عليه الناس؟
طلبة: حق.
الشيخ: حقٌّ وصحيح، فضرر العلم الذي لا ينفع أشد من ضرر الجهل، وإذا كان الجهل فإن الناس قد يطلبون العلم ويلتمسونه.
إذن خلاصة هذا الباب: بيان أن سبب الكفر وليس السبب المحصور الذي لا يوجد غيره، بل من أسباب الكفر أيش؟
طالب: الغلو في الصالحين.
الشيخ: الغلو في الصالحين، وأن الغلو خطيرٌ وله نتائج وخيمة، فعلينا أن ننزل الصالحين منزلتهم، ولا يدخل المسلم والمجرم والصالح والفاسد، بل ننزل كلًّا منزلته، لكن لا نتجاوز به منزلته فنغلو فيه.
فالمهم أن دين الله وسط؛ لا يعطي الإنسان أكثر مما يستحق، ولا يسلبه ما يستحق، وهذا هو العدل.
طالب: ويش (...) التنطع (...) الغلو (...)؟
الشيخ: الغلو مجاوزة الحد، والتنطع معناه التشدق بالشيء والتعمق فيه، وهو من أنواع الغلو، أما الاجتهاد فإنه بذل الجهد لإدراك الحق ما فيه غلو، لكن يجتهد الإنسان في طلب الحق، إلا إذا كان قصدك بالاجتهاد يعني كثرة الطاعة.
طالب: (...)؟
الشيخ: كثرة الطاعة قد تؤدي إلى الغلو، لو أن إنسانًا -مثلًا- أراد أن يقوم الليل ولا ينام، وأن يصوم النهار ولا يفطر، وأن يعتزل ملاذ الدينا كلها؛ فلا يتزوج، ولا يأكل لحمًا، ولا الفاكهة ونحو ذلك، قلنا: هذا من الغلو، وإن كان الحامل له على ذلك الاجتهاد والبر، لكن هذا خلاف هدي النبي عليه الصلاة والسلام.
طالب: زيارة الصالحين (...) يقرأ الفاتحة (...)؟
الشيخ: إي نعم، زُرْهم لتنتفع بعلمهم وبإرشادهم.
طالب: الميتين؟
الشيخ: الميت، لا، أبدًا.
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، أبدًا.
طالب: (...) واحد يقول: أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس: ٦٢] أن ما زرتهمش (...)؟
الشيخ: لا، أبدًا، هذا من البلاء، هذا من أسباب الشرك، لا تفعل، ادعُ الله لهم ولغيرهم.
طالب: (...) القبر (...) الصالحين ويقرأ الفاتحة؟
الشيخ: ما يقرأ الفاتحة، هذا من البدع.
طالب: (...).
الشيخ: سواء قلنا: يَصِل أو ما يَصِل، لكن هذا من البدع؛ كونك تتخذ القراءة عند القبر خاصة هذا من البدع، إنما اختلف السلف فيما إذا قرأت الفاتحة عند الميت بعد الدفن مباشرة أو غيره من القرآن، والصحيح أيضًا أنه ليس بسُنة، السُّنة أنك تستغفر لهم وتدعو وتسأل له التثبيت.
طالب: يا شيخ، فيه بعض الناس يقولون (...) عند القبور (...)؟
الشيخ: (...).
طالب: طلبة علم.
الشيخ: نعم (...).
طالب: هم طلبة علم.
الشيخ: يطوفون بالقبور؟
طالب: لا، (...).
الشيخ: جولة؟
طالب: جولة (...).
الشيخ: ثم ماذا؟
طالب: يطلعون.
الشيخ: ما يستفيدون شيئًا ولا يُفيدون.
طالب: يمكن يفيدون أشخاصًا يعني..
الشيخ: أنهم إذا كان غرضهم الإفادة، فهذا قد نقول: إنه لا بأس به (...) كلامهم الذي يقولون، أما إذا كان بس بيشفوهم يتفرجون ماذا يقال، فهذا حرام؛ لأن هذا يغريهم أيضًا، يقول هؤلاء القوم مثلًا من السعودية جاؤوا وأقرونا وطافوا معنا (...).
طالب: (...).
الشيخ: (...) هذا ثم لو كان وليًّا لذهب بعمله (...) في ولايته، الآن هو محتاج إلى دعائك لا يمكن البعث، إي نعم.
طالب: (...) الصالحين تخصيص مقبرة لهم.
الشيخ: يعني معناه أن الصالحين يدفنون جميعًا؟
طالب: لا، في مقابر خاصة (...)، يقال: هذه مقبرة فلان ولي.
الشيخ: يعني هذا قبر ولي؟
طالب: إي.
الشيخ: هذا قبر صالح يعني أيش (...) من هذا في كثير من الأولياء بالحقيقة، ما هم بأولياء أولياء الشياطين، ما هم أولياء الرحمن، أولياء الشيطان لا الرحمن تجدهم -والعياذ بالله- يَدْعون إلى عبادة أنفسهم ويكذبون عن الناس، ويقولون: افعلوا كذا فعله (...)، هؤلاء ما هم أولياء لله، هؤلاء أولياء للشياطين.
طالب: الشيخ حسن الشاذلي بقولك دفنينه فوق الجبل، والناس ترحله مسافات تمشي أكتر (...)، عند الطريقة الشاذلية بيقولوا: عاملين نظم لي، إذا ما كنش الواحد يقرؤه كل أسبوع، يوم الأربعاء لازم يعملوا حضرة ويقرؤوا النظم بتاع الحسن الشاذلي، نعمل إيه في الحاجة زي دي؟
الشيخ: أنكروها.
طالب: ننكرها، إحنا ما فيه أحد يصدقنا.
الشيخ: (...).
طالب: (...).
الشيخ: (...).
طالب: (...).
الشيخ: كيف يعني؟
طالب: (...).
الشيخ: كيف؟
طالب: (...) اللي خلاف السنة (...).
الشيخ: من يتشبه؟
طالب: من المسلمين يعني.
الشيخ: يتشبهون بمن؟
طالب: (...) الكفار (...).
الشيخ: من (...) هذه معاصي (...).
طالب: (...).
الشيخ: ثم أنا أتكلم عن الغلو في الصالحين، أن الغلو في الصالحين قد يجعلهم يعبدونهم من دين الله.

***

باب: ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح، فكيف إذا عبده
00:47:54

(باب ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح، فكيف إذا عبده).
التغليط يعني التشديد فيمن عبَدَ الله عند قبر رجل صالح، وأن ذلك أمر محرم مُغلَّظ فيه، فكيف إذا عبده؟ يكون أشد وأشد وأعظم، وذلك أن المقابر والقبور سواء للصالحين أو لمن دونهم من المسلمين أهلها في حاجة إلى الدعاء، فهم يزارون لنفعوا لا للانتفاع بهم، إلا إذا كان (...) ينتفع بهم في الثواب الحاصل من زيارة المقبرة، ولكن هذا ليس انتفاعًا بهم بأشخاصهم، ولكن انتفاع لهم باتباع السنة في زيارة المقبرة للاتعاظ، فالزيارة التي يقصد منها الانتفاع بالأموات هذه زيارة بدعية، والزيارة التي يقصد بها نفع الأموات والاعتبار بحالهم هذه زيارة شرعية.
طالب: (...).
الشيخ: أم سلمة كانت ممن هاجرت مع زوجها إلى أرض الحبشة، وبعد موت زوجها أبو سلمة تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم، وأخبرته بما رأت وهو في مرض موته، كما في الصحيح (...)، والظاهر أيضًا أن هذه الصور صور مجسمة وتماثيل نُصِبَت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ، أُولَئِكَ إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ أَوِ الْعَبْدُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا» ، «أُولَئِكَ» المشار إليهم من؟
طالب: النصارى.
الشيخ: النصارى أهل الحبشة، وقوله: «أُولَئِكَ» يجوز في الكاف الكسر والفتح، وقد سبق لنا أن اللغة العربية بالنسبة لكاف الخطاب مع اسم الإشارة تأتي على ثلاثة أوجه، الوجه الأول؟
طالب: أن تكون مطابقة للمشار إليه.
الشيخ: (...) المشار إليه.
طالب: (...) الإشارة (...).
طالب آخر: للمخاطب.
الشيخ: للمخاطب، طيب والثاني؟
طالب: (...).
الشيخ: (...) السؤال ذكرنا أن في كاف الخطاب المتصل باسم الإشارة في اللغة العربية ثلاثة أوجه؛ الوجه الأول -وذكره الأخ- تكون مطابقة للمخاطب. الوجه الثاني من؟
طالب: الفتح مطلقًا.
الشيخ: الفتح مطلقًا. الوجه الثالث؟
طالب: الكسر للمؤنث مطلقًا، والفتح للمذكر مطلقًا.
الشيخ: نعم ثلاثة (...)، أشهرها: أن يكون مطابقًا للمخاطب، ثم الفتح مطلقًا، ثم الفتح للمذكر والكسر للمؤنث.
فهنا نطبقها على القاعدة: إما أن نقول: (أولئكِ)؛ لأنه يخاطب امرأة، أو نقول: (أولئكَ)، الكسر واضح، وجهه: لأنه يخاطب امرأة، والكاف كاف المخاطبة تكون مكسورة، لكن يبدو الفتح باعتبار الجنس؛ يعني أولائك أيها المخاطب، وكلمة (المخاطَب) تصلح للذكر والأنثى.
«أُولَئِكَ إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ أَوِ الْعَبْدُ الصَّالِحُ» أو هنا للشك من الراوي؛ هل قالت أم سلمة: الرجل الصالح أو قالت: العبد الصالح.
«بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ» على قبر هذا الرجل مسجدًا، وصوروا فيه تلك الصور، الصور التي رأيت يصورونها، والأقرب أنهم يصورون صورة ذلك الرجل الصالح، وربما يضيفون إليها آخرين من الصلحاء، وربما تكون الصور على شكل كبير، وعلى شكل متوسط، وعلى شكل صغير، فيجتمع من ذلك صورة واحدة ولا صورٌ كثيرة؟
طلبة: صورٌ كثيرةٌ.
الشيخ: صور كثيرة، قال: «أُولَئِكَ شِرارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ»، أعوذ بالله! لأن عملهم هذا وسيلة إلى الكفر والشرك به، وأعظم الظلم وأشده الشرك بالله، فما كان وسيلة إليه فإن صاحبه جدير بأن يكون من شِرار الخلق عند الله سُبحانه وتعالى.
قال المؤلف: (فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين: فتنة القبور، وفتنة التماثيل).
طالب: ما عندي (أل) (بين فتنتين).
الشيخ: (بين الفتنتين) عندي (أل)، (بين الفتنتين فتنة القبور وفتنة التماثيل) هذا الكلام من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فتنة القبور.
طالب: (...)؟
الشيخ: من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية.
طالب: (...).
الشيخ: إي، (...) لكن الظاهر لأنه معروف (...).
قوله: (فتنة القبور). كيف ذلك؟ لأنهم بنوا المساجد عليها، (وفتنة التماثيل) لأنهم صوروا، فجمعوا بين الفتنتين، وإنما سمي ذلك فتنة لأنهم سبب لصدِّ الناس عن دينه، وكل شيء يكون سببًا لصد الناس عن الدين فإنه من الفتنة، قال الله تعالى: الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ [العنكبوت: ١، ٢]، وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا [البروج: ١٠]، فَتَنُوا؛ أي: صدُّوهم وفعلوا ما يصدُّونهم به عن الدين، إذن هذه الفتنة سميت بذلك لأنها تصد عن الدين.
(ولهما عنها)، (لهما) الضمير يعود على؟
طلبة: البخاري ومسلم.
الشيخ: البخاري ومسلم وإن لم يسبق لهما ذكر، لكنه لما كان ذلك مصطلحًا معروفًا صَحَّ أن يعود الضمير عليهما وهما لم يُذْكَرا.
(ولهما عنها) أي: عن عائشة، (قالت: لما نُزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طَفِقَ يطرح خميصةً له على وجهه) . (لما نُزل) ويش معناها؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، عائشة.
طالب: (...).
الشيخ: نَزَلَ به الملك لقبض روحه طَفِقَ يطرح، (طفق يطرح) من أي الأفعال؟
طالب: (طفق) أفعال الماضي.
الشيخ: ولما.
الطالب: لا، ما بعرف.
الشيخ: (طفق) فعل مضارع.
الطالب: لا، (طفق) ماضٍ، و(يطرح) مضارع.
الشيخ: وفي المعنى من أي الأفعال؟ في المعنى (طفق)؟
الطالب: في المعنى مضارع (...).
طالب آخر: من أفعال الشروع.
الشيخ: من أفعال الشروع، وهذه ذكرها ابن مالك في باب أفعال المقاربة.
(فطفق) اسمها مستتر، وجملة (يطرح) خبرها، (خميصةً له على وجهه) الخميصة كساءٌ مُربَّعٌ له أعلام، هذه الخميصة يطرحها صلى الله عليه وسلم على وجهه، (فإذا أغتمَّ بها)؛ أي: بسببها (كشفها)، (اغتم)؛ يعني: أصابه الغم والكمت بهذه الخميصة كشفها؛ لأنها خميصة وهو قد احتضر صلوات الله وسلامه عليه، فيغتم بذلك، (فقال وهو كذلك) يعني: في هذه الحال «لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» . اللهم صَلِّ وسلِّمْ عليه، يقول ذلك في سياق الموت.
«لَعْنَةُ اللَّهِ»؛ أي: طرده وإبعاده، وهذه الجملة يحتمل أن تكون خبرية، هي خبرية لفظًا لكن يُحْتَمل أن يكون المراد بها ظاهر اللفظ؛ أي أن النبي صلى الله عليه وسلم يخبر بأن الله لعنهم. ويُحْتَمل المراد بها الدعاء، فتكون خبرية لفظًا إنشائية معنًى، والمعنى على هذا الاحتمال: أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا عليهم وهو في سياق الموت بسبب هذا الفعل.
وقوله: «اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ» والجملة هذه تعليل، تعليل لقوله: «لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى». كأن قائلًا يقول: لماذا اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد؛ أي جعلوها مساجد يصلون فيها ويعبدون الله تعالى فيها مع أنها مبنية على القبور؟
قالت عائشة رضي الله عنها: يُحذِّر ما صنعوا؛ يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك في سياق الموت تحذيرًا لأمته مما صنع هؤلاء؛ لأنه قد علم أنه سيموت عليه الصلاة والسلام وأنه ربما يحصل هذا ولو في المستقبل، فالرسول عليه الصلاة والسلام قال ذلك تحذيرًا للأمة من صنيعهم.
طالب: من قرأها: (يَحذر ما صنعوا)؟
الشيخ: لا، غلط، الأحسن (يُحَذِّرُ).
طالب: أن يَحذر النبي صلى الله عليه وسلم صنعهم.
الشيخ: لا، الأحسن (يُحَذِّرُ).
طالب: ما تصح؟
الشيخ: ما تصح، وإن صحت فهي ضعيفة.
قال: (ولولا ذلك أبرز قبره)، (أبرز) بمعنى أخرج من بيته؛ لأن البروز معناه الظهور؛ يعني لولا التحذير أو خوف أن يجعل مسجدًا لأُخْرِج ودُفِنَ في البقيع مثلًا، ولكنه في بيته أصون له وأبعد عن اتخاذه مسجدًا، فلهذا لم يُبْرَز قبره. وهذا أحد الأسباب التي أوجبت أن يُدْفَن صلى الله عليه وسلم في مكان موته.
ومن الأسباب أيضًا إخباره عليه الصلاة والسلام أنه «مَا قُبِضَ نَبِيٌّ إِلَّا دُفِنَ حَيْثُ قُبِضَ» ، فهذا أيضًا من الأسباب، ولا مانع من أن يكون للحكم الواحد سببان فأكثر، كما أن السبب الواحد قد يترتب عليه حكمان؛ مثل غروب الشمس يترتب عليه جواز صلاة المغرب وجواز إفطار الصائم. فالمهم أنه كما تتعدد الأحكام والسبب واحد كذلك أيضًا تتعدد الأسباب والحكم واحد.
(غير أنه خُشِيَ أن يتخذ مسجدًا).
طالب: (خُشِيَ
الشيخ: بها روايتان: خُشِيَ، وخَشِيَ، (خَشي أن يتخذ مسجدًا)؛ فعلى رواية (خَشي) يكون الذي وقع منه الخشية الرسول صلى الله عليه وسلم، وعلى رواية (خُشِيَ) يكون الذي وقعت منهم الخشية الصحابة رضي الله عنهم.
والحقيقة أن الأمر كله حاصل؛ فالرسول عليه الصلاة والسلام أخبر بأنه ما قُبِضَ نبيٌّ إلا دُفِنَ حيث قُبِضَ، ولعن اليهود النصارى لأنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد؛ خوفًا من أيش؟
طالب: اتخاذه مسجدًا.
الشيخ: من اتخاذه مسجدًا. والصحابة رضي الله عنهم أيضًا بعد التشاور والتراجع فيما بينهم واتفاقهم على أن يُدْفَن الرسول عليه الصلاة والسلام في بيته، هذا أيضًا خشوا ذلك.
ويجوز أن يكون بعضهم أشار بأن يُدْفَن في بيته وليس في ذهنه إلا هذه الخشية، وبعضهم أشار بهذا الرأي -أن يدفن في بيته- وعنده علم بما قال الرسول عليه الصلاة والسلام بأنه يُدْفَن حيث قُبِضَ، وخوفًا من اتخاذه مسجدًا.
قال: (غير أنه خَشي) أو (خُشي أن يُتَّخَذَ مسجدًا. أخرجاه).
هذا الحديث كما ترون فيه القسم الأول؛ التحذير من اتخاذ القبور مساجد، حتى قبور الأنبياء، والأنبياء هم أفضل من الصالحين كما هو معروف؛ فإن مرتبة النبيين هي المرتبة الأولى من المراتب الأربع التي قال الله تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ [النساء: ٦٩].
فإذا قال قائل: نحن الآن واقعون في مشكلة بالنسبة لقبر الرسول صلى الله عليه وسلم الآن؛ فإنه في وسط المسجد، فما هو الجواب؟
قلنا: الجواب على ذلك من وجوه:
الأول: أن المسجد لم يُبْنَ على القبر، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: بل قد بُنِيَ المسجد في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم.
ثانيًا: النبي عليه الصلاة والسلام ما دُفِنَ في المسجد حتى نقول: إن هذا من دفن الصالح في المسجد وإنه حرام، بل دُفِنَ في بيته.
الوجه الثالث: أن إدخال بيوت الرسول عليه الصلاة والسلام ومنها بيت عائشة مع المسجد ليس باتفاق من الصحابة، بل إنه ما صار إلا بعد أن انقرض أكثرهم، فلم يَبْقَ منهم إلا القليل، فإنه كان في عام أربعة وتسعين تقريبًا، وفي ذلك الوقت أكثر الصحابة قد توفوا، فليس مما أجازه الصحابة أو أجمعوا عليه مع أن بعضهم خالف في هذا، وممن خالف في ذلك سعيد بن المسيب، ولم يرتضِ هذا العمل.
الوجه الرابع: أنه ليس القبر في المسجد، حتى بعد إدخاله ليس في المسجد؛ لأنه في حُجرة مستقلةٍ عن المسجد، فليس المسجد مبنيًّا عليها، ولهذا جُعِلَ هذا المكان محفوظًا ومحوطًا بثلاثة جدران، وجعل الجدار في زاوية منحرفة عن القبلة؛ يعني أنه مثلث، والركن -ركن المثلث هذا- كان في الزاوية الشمالية، بحيث إن الإنسان ما يستقبله إذا صلى؛ لأنه منحرف هكذا.
فبهذا كله يزول الإشكال الذي يحتج به أهل القبور علينا ويقولون: هذا منذ عهد التابعين إلى اليوم، والمسلمون قد أقروه ولم ينكروه، نقول: إن الإنكار قد وُجِدَ حتى في زمن التابعين وليس محل إجماع، مع أن فيه هذه الفروق الأربعة التي ذكرناها.
طالب: (...).
الشيخ: متوالية.
طالب: يعني واحد خلف التالي.
الشيخ: واحد خلف التالي، نعم.
طالب: اتجاهه للقبلة أو بالعكس؟
الشيخ: اتجاه أيش؟
طالب: الجدار.
الشيخ: اتجاهه إلى القبلة، لكن الخلف اللي وراء منحرف يمينًا وشمالًا.
طالب: (...).
الشيخ: القبة منفردة عن المسجد، ما هي من بناء المسجد، هي في ارتفاع عالٍ.
ولمسلم عن جندب بن عبد الله، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس. يعني ساعات؟
طلبة: ليال.
طلبة آخرون: أيام.
الشيخ: بخمس ليالٍ، لكن العرب تقول: (الخمس) لليالي والأيام، كما تطلق خمسة الأيام لها ولليالي.
سمعه يقول قبل أن يموت بخمس: «إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ». «أَبْرَأُ» ويش معنى البراءة؟ التخلي؛ يعني أتخلى أن يكون لي منكم خليل، والخليل هو الذي بلغ في الحب غاليته، هذا الخليل؛ لأنه يكون قد تخلَّل الجسم كله، قال الشاعر يخاطب محبوبته:
قَدْ تَخَلَّلْتِي مَسْلَكَ الرُّوحِ مِنِّي وَبِذَا سُمِّيَ الْخَـــــلِيــــــلُ خَــــــلِيلَا

فالخُلة أعظم أنواع المحبة وأعلاها، ولم يُثْبِتها الله عز وجل -فيما نعلم- إلا لاثنين من خلقه؛ وهما إبراهيم في قوله تعالى: وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا [النساء: ١٢٥]، والنبي صلى الله عليه وسلم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا».
وبهذا نعرف الجهل العظيم الذي يقوله العامة، يقولون: إبراهيم خليل الله، ومحمد حبيب الله، هذا تنقصٌّ في حق الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم إذا جعلوه حبيب الله لم يُفرِّقوا بينه وبين غيره من الناس، فإن الله يحب المحسنين، ويحب المقسطين، ويحب الصابرين، وغير ذلك ممن علق الله بهم المحبة، فعلى رأيهم لا فرق بين الرسول صلى الله عليه وسلم وغيره، لكن الخلة ما ذكرها الله إلا لإبراهيم، والنبي عليه الصلاة والسلام أخبر أن الله اتخذه خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا.
فالمهم أن العامة مشكل أمرهم، دائمًا يصفون الرسول عليه الصلاة والسلام بأنه حبيب الله، فنقول: أخطأتم وتنقَّصْتم نبيكم، بل الرسول عليه الصلاة والسلام خليل الله.
(...) قال: «فَإِنَّ اللَّهَ قَدِ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا»، هذا تعليل لقوله: «أَبْرَأُ أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ»، كأنه قيل: لماذا؟ قال: لأن الله اتخذني خليلًا، فلا أجعل في قلبي خليلًا سوى الله.
فالنبي عليه الصلاة والسلام ما في قلبه خلة لأحد إلا لله عز وجل، فإن الله اتخذه خليلًا.
«وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا اتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا» عليه الصلاة والسلام، «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا» أبو بكر هو الخليفة الأول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا نص صريح في أن أبا بكر (...) بأن عليًّا من (...) لا شك، والرسول صلى الله عليه وسلم ما قال: لاتخذت عليًّا، قال: «لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا». فيه رد على الرافضة الذين يزعمون أن عليًّا أفضل من أبي بكر.
طالب: (...).
الشيخ: (...) على القبور، وبينَّا أنه فيه مفسدة عظيمة؛ لأنه وسيلة إلى الشرك، فإن المساجد يُصَلَّى فيها، فإذا كان فيها قبر فإنه يعتقد أن لصاحب القبر أثرًا في هذه الصلاة، وربما تنجر بالإنسان الحال إلى أن يصلي لصاحب القبر. وسبق لنا أن الله سبحانه تعالى لم يتخذ خليلًا إلا إبراهيم ومَن؟
طلبة: النبي صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: والنبي صلى الله عليه وسلم، وأما المحبة فإنه يحب الصابرين، ويحب المتقين، ويحب المقسطين، ويحب المسلمين، إلى آخره.
وبهذا يتبين أن الخلة -كما مَرَّ- أفضل من المحبة، ويتبين أيضًا غلط من يقول: إبراهيم الخيل ومحمد الحبيب؛ فإن هذا تنقُّصٌ من النبي صلى الله عليه وسلم، وتنزيل له عن درجة يستحقها.
وصلنا إلى هذا في قوله: «إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا».
(لو) هذه حرف امتناع لامتناع، ويش اللي يمتنع؟
طلبة: (...).
الشيخ: إي، لكن في المعنى العام الذي يمتنع بـ(لو) الشرط ولَّا الجواب؟
طلبة: الشرط.
طلبة آخرون: الشرط والجواب.
الشيخ: لا، «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا» «لَاتَّخَذْتُ».
طالب: يمتنع الجواب.
الشيخ: الذي يمتنع الجواب لامتناع الشرط، لو قام زيد لقام عمرو، أيها اللي يمتنع؟
طلبة: (...) قيام عمرو.
الشيخ: قيام عمرو لامتناع قيام زيد، إذن فالممتنع هو أيش؟ الجواب لامتناع الشرط، «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ» امتنع اتخاذ الرسول عليه الصلاة والسلام أبا بكر خليلًا؛ لأنه يمتنع أن يتخذ من أمته خليلًا.
«أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ». «ألا» للتنبيه، ولاحظوا أن هذه الجملة من الحديث الأول، لكنه ابتدأ بالتنبيه لأهمية المقام، هذا تنبيه.
«أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ» هذا تنبيه آخر للنهي عن اتخاذ القبور، قبر الرسول عليه الصلاة والسلام ولَّا قبره وغيره؟
طلبة: قبره وغيره.
الشيخ: قبر الرسول وغيره، نعم.
«أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ» وهذا عام، «فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ» هذا أيضًا نهي باللفظ دون الأداة تأكيدًا لهذا الأمر؛ لأن قوله: «لَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ» هذا نهي بالأداة، «فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ» هذا نهي بأيش؟
طالب: باللفظ.
الشيخ: باللفظ تأكيدًا وتعظيمًا لهذا المقام.
ففي هذا الحديث من الفوائد:
أولًا: أن النبي صلى الله عليه وسلم تبرأ من أن يتخذ أحدًا خليلًا. لماذا؟ لأن قلبه مملؤ بمن؟
طلبة: بالله.
الشيخ: بمحبة الله سبحانه وتعالى، فلا مكان لخلة أحد في قلبه.
ومنها أيضًا: أن الله تعالى اتخذه خليلًا كما اتخذ إبراهيم، ففيه فضيلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومنها: فضيلة إبراهيم باتخاذ الله إياه خليلًا.
ومنها: فضيلة أبي بكر، وأنه أفضل الصحابة؛ لأن هذا الحديث يدل على أنه أحب الصحابة إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، ولولا أنه يمتنع أن يكون له خليل لاتخذ أبا بكر خليلًا.
ومنها: التحذير من اتخاذ القبور مساجد؛ لقوله: «أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ»، وقوله: «فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ» .
وقد سبق لنا: أن من بنى مسجدًا على قبر وجب عليه هدمه، وأن من دفن شخصًا في قبر وجب عليه نبشه؛ نبش هذا الميت الذي دُفِنَ في المسجد.
ومن فوائد الحديث: حرص النبي صلى الله عليه وسلم على أمته في إبعادهم عن الشرك وأسبابه؛ لأن هذا من وسائل الشرك وذرائع الشرك، وحرص النبي عليه الصلاة والسلام على تحذير أمته منه، وهذا من كمال بلاغه ومن كمال رحمته بالأمة (...).
قال: (فقد نهى عنه في آخر حياته) هذا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، (فقد نهى عنه) الضمير يعود على النبي عليه الصلاة والسلام، (في آخر حياته). ويش يعني؟ عن اتخاذ القبور مساجد، (ثم إنه لعن -وهو في السياق- من فعله) النبي عليه الصلاة والسلام لعنه في السياق؛ في سياق الموت في هذه الحال عند فراق الدنيا لعن من فعل من اتخذ القبور مساجد، في أي مكان؟ سبق لنا في حديث عائشة في قولها: لما نُزل برسول الله صلى الله عليه وسلم... إلى آخره، فإن ذلك وقع منه وهو في السياق، يُحَذِّر ما صنعوا.
قال: (والصلاة عندها)؛ أي: عند القبور، (من ذلك)؛ أي: من اتخاذها مساجد، (وإن لم يُبْنَ مسجدٌ) وعلى هذا فلا يجوز أن يصلي الإنسان عند القبور، ولهذا نهى الرسول صلى الله عليه وسلم -كما في صحيح مسلم من حديث أبي مرثد الغنوي- أن يُصَلَّى إلى القبور، قال: «لَا تُصَلُّوا إِلَى الْقُبُورِ» .
طالب: كلام ابن تيمية (...)؟
الشيخ: شيخ الإسلام يقول (...).
الطالب: (...)؟
الشيخ: إي، نأخذ بكلام شيخ الإسلام ابن تيمية.
طالب: (...)؟
الشيخ: ما فيه؛ لا عيد، ولا غير عيد.
قال: (والصلاة عندها من ذلك وإن لم يُبن مسجدٌ) (الصلاة عند القبور من ذلك) المشار إليه اتخاذ المساجد، (وإن لم يُبْنَ مسجدٌ، وهو معنى قولها: خَشِي -أو خُشِيَ- أن يتخذ مسجدًا).
طالب: عندنا (قوله).
الشيخ: عندنا (قولها) صحيح؛ لأن قوله: (غير أنه خشي) هذا من كلام عائشة رضي الله عنها.
قولها رضي الله عنها: (خشي أن يُتَّخَذَ مسجدًا) ذكرنا في حديثنا الثاني: يُحَذِّر ما صنعوا، ولولا ذلك أُبْرِزَ قبره غير أنه خَشي -أو خُشي- أن يُتَّخَذ مسجدًا .
طالب: (خُشي).
الشيخ: (خشي) فيها روايتان: (خُشِي، وخَشِي)، وأنا قلتها باللفظين.
يقول: غير أنه خُشي أن يتخذ مسجدًا. وجهُ ذلك أن هذا معنى قولها؛ لأنه قد يقال: إن معنى قولها: خُشي أن يُتَّخَذ مسجدًا؛ أي: خُشي أن يُبْنى عليه مسجدٌ. يعني لقائل يقول هذا.
لكنه استدل على أن المراد ما هو أعم، وأنه شامل لبناء المساجد على القبور وللصلاة عند القبور، قال: (فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجدًا)؛ يعني: كون الرسول عليه الصلاة والسلام يخشى أن يُتَّخذَ مسجدًا، هذا ما يمكن أن الصحابة (...) يبنون حول قبره مسجدًا. لماذا؟ لأن مسجده ملازم لبيته، فكيف يبنون مسجدًا آخر على هذا القبر؟! هذا شيء بحسب العادة مستحيل، فإذن يكون معنى قولها: خُشِيَ أن يُتَّخذ مسجدًا؟
طالب: مُصَلًّى.
الشيخ: مسجدًا؛ أي مكانًا يُصَلَّى فيه وإن لم يُبْنَ المسجد.
ولا ريب أن أصل تحريم البناء على القبور بناء المساجد؛ لأن المساجد مكان الصلاة، والناس سيأتون إلى هذا المكان ويُصَلُّون، فإذا صلوا في مسجد بني على قبر صاروا كأنهم صلوا عند قبر، والمفهوم الذي يوجد في بناء المساجد هو أيضًا يوجد فيما إذا اتُّخِذَ هذا المكان مكانا للصلاة وإن لم يُبْن مسجدٌ.
فتبين بهذا أن اتخاذ القبور مساجد له صورتان؛ الصورة الأولى: أن تُبْنَى عليها المساجد. الصورة الثانية: أن تتخذ مكانًا للصلاة عندها وإن لم يُبْنَ المسجد.
فإن كان هؤلاء القوم يذهبون إلى القبر ويصلون عنده ويتخذونه مصلى، فإن هذا هو بمعنى بناء المساجد عليها، وهو أيضًا اتخاذها مساجد.
قال ابن تيمية رحمه الله: (وكل موضع قُصِدت الصلاة فيه فقد اتُّخِذَ مسجدًا). هذا يشهد له العرف؛ فإن الناس مثلًا الذين يتخذون المساجد في أماكن أعمالهم كالوزارات والإدارات، لو سألت واحدًا منهم قلت: أين المسجد؟ لأشار إلى المكان الذي اتخذوه مسجدًا يُصَلُّون فيه، مع أنه ما بُنِيَ على أنه مسجد، لكن ما دامت الصلاة تُقْصَد فيه صار يسمى مسجدًا، كل موضع قُصِدَت الصلاة فيه فهو مسجدٌ.
لكن إما أن يكون مسجدًا ثابتًا، وإما أن يكون مسجدًا مؤقتًا. وما دام قد اتُّخِذَ مسجدًا فله أحكام المسجد، فإذا ارتفع الناس عنه زالت عنه أحكام المسجد؛ الحكم يدور مع علته.
قال: (بل كل موضعٍ يُصَلَّى فيه)، (كل موضع يُصَلَّى فيه)؛ أي: تصح الصلاة فيه يُسمى مسجدًا، أو نقول: يُصَلَّى فيه على حقيقته؛ يعني: كل موضع تُصَلِّي فيه فهو مسجدك.
واستدل بقول الرسول صلى الله عليه وسلم كما قال: «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» . «مَسْجِدًا»؛ أي مكانًا للسجود، ومعلوم (...) الأرض كلها مسجد، لكنها مكان للسجود والصلاة فيها.
وهذا معنى ثالث زائد على المعنى الأول، لكنه ليس كالمعنيين السابقين، وهو أن نقول: كل شيء تُصَلِّي فيه فإنه مسجد، لكنه طبعًا مسجد ما دمت تصلي فيه، كما يقال للسجادة مثلًا التي يصلي عليها الإنسان تُسَمَّى مُصَلًّى أو مسجدًا وإن كان الغالب عليها لفظُ مُصَلًّى.
الخلاصة الآن: أنه لا يجوز بناء المساجد على القبور، العلة؟
طالب: (...).
الشيخ: لأنها وسيلة إلى الشرك، وهو عبادة صاحب القبر، ولا يجوز أيضًا أن تُقْصَد القبور للصلاة عندها، وهذا من اتخاذها مساجد؛ لأن العلة في بناء المساجد موجودة في الصلاة عند هذا القبر، فلو فرض مثلًا أن رجلًا يذهب إلى المقبرة كل يوم ويُصَلِّي عند قبر صاحبه من الأولياء على زَعمِه، قلنا: إنك الآن اتخذت هذا القبر مسجدًا، وأنك مستحق لما استحقه اليهود والنصارى من لعنة؛ لأن الرسول لعن اليهود والنصارى لهذه العلة، فأنت في الحقيقة مُعرِّض نفسك لهذا الأمر.
في هذا الكلام الذي ذكره شيخ الإسلام رحمه الله ونقله عنه الشيخ محمد رحمه الله دليلٌ على أنه يصح بالمعنى العام أن نُسَمِّيَ كل شيء يُصَلَّى فيه نسميه مسجدًا.
(ولأحمد بسندٍ جيدٍ عن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعًا) المرفوع (...) يعرفه؟ هو الذي يُسْنَد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ مَنْ تُدْرِكُهُم» «إِنَّ مِنْ» هذه (من) للتبعيض، «شِرَارِ النَّاسِ» شِرار جمع شَرٍّ، مثل الصحاب جمع صَحْبٍ، والشِّرار معناه أصحاب الشر، «مَنْ تُدْرِكُهُم» ويش إعراب (مَنْ)؟
طالب: اسم موصول.
الشيخ: اسم موصول، لكن محله من الإعراب؟
طالب: (...).
الشيخ: لا.
طالب: خبر (إنَّ).
الشيخ: ولا خبر (إن).
طالب: (...).
الشيخ: اسم (إنَّ)، «إِنَّ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ مَنْ تُدْرِكُهُم»؛ يعني: إن من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور مساجد من شرار الناس، «مَنْ تُدْرِكُهُمُ السَّاعَةُ» الساعة هي يوم القيامة، وسميت الساعة لأنها داهية عظيمة، وكل شيء داهية عظيمة يُسَمَّى ساعة، يقال: (هذه ساعتك) في الأمور الداهية التي تصيب الإنسان.
وقوله: «وَهُمْ أَحْيَاءٌ» الجملة حال من الهاء في «تُدْرِكُهُم». هذا صنف من شرار الناس الذين تدركهم الساعة وهم أحياء.
الصنف الثاني «وَالَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ» ، وإن لم يشركوا فإنهم من شرار الخلق؛ لأنهم فعلوا وسيلة من وسائل الشرك، والوسائل -في القاعدة المعروفة الفقهية- لها أحكام المقاصد، كل وسيلة إلى شيء فلها حكم ذلك الشيء، وإن كان طبعًا دون مرتبته، ولكنها تُعْطَى حكمه بالمعنى العام؛ إذا كانت وسيلة لواجب صارت واجبة، وسيلة لمحرم صارت محرمة. هؤلاء الذين يتخذون القبور مساجد هم من شرار الناس والعياذ بالله.
وفي قوله: «مَنْ تُدْرِكُهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءٌ» إشكال؛ فإنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله ، وفي رواية: حتى تقوم الساعة ، فكيف نوفق بين هذا وبين الحديث الثاني؟ يعني ظاهر الحديث الذي ساقه المؤلف أن كل من تدركه الساعة وهم أحياء فهم من شرار الخلق، وهذاك يدل على أنه سيبقى أمة ظاهرة على الحق إلى قيام الساعة.
الجمع بينهما أن يقال: المراد بقوله: «إِلَى قِيَامِ السَّاعِةِ»؛ أي: إلى قرب قيام الساعة، وليس إلى قيامها بالفعل؛ لأن قيامها لا تقوم إلا على شرار الخلق، ما تقوم على (...)، فهم يبقون إلى قيام الساعة، ثم يرسل الله تعالى ريحًا تقبض نفس كل مؤمن، ولا يبقى أحد في الأرض مؤمنًا، وعليهم تقوم الساعة.
وفي قوله: «إِنَّ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ» دليل على أن الناس يتطاولون في الشر أو لا؟
طالب: (...).
الشيخ: ما فيها دليل؟
طالب: في الشر.
الشيخ: في الشر؛ يعني بعضهم أشر من بعض.
طالب: يتفاوتون.
الشيخ: ما يخالف، صحيح، يتفاوتون في الشر، مع أن الفضل بمعنى الزيادة، الحقيقة تنبيهٌ جيد يظن أن الفاضل معناها الزيادة في الخير، ولكنها تطلق بمعنى الزيادة، ويقال: هذا أفضل من هذا بمعنى أنه أكثر وأزيد، إنما الصواب الأَولى أن نقول: يتفاوتون في الشر، وإن بعضهم أشد من بعض فيه، أليس كذلك؟
طالب: بلى.
الشيخ: وهذا كما أنهم يتفاوتون أيضًا في الخير هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ [آل عمران: ١٦٣]، فالناس يتفاوتون في الخير ويتفاوتون في الشر. تفاوت الناس في الخير من حديث الكمية ولَّا من حيث الكيفية؟
طالب: في الكمية والكيفية.
الشيخ: نعم، في الكمية والكيفية، ليس من صلَّى ركعين مثل من صلَّى أربع ركعات، وليس من صلَّى من هو قانت خاشع حاضر القلب كمن صلَّى وهو غافل، وليس من تقدم به..