كتاب التوحيد - 25
عدد الزيارات 2155

عناصر المادة :
باب: ما جاء في الكهان ونحوهم

(العَضْه بمعنى القطع، وأما العِضَة فإنها ما هي الموعظة؛ لأن العظة بمعنى الموعظة بالظاء، ما هي بالضاد، فالظاهر والله أعلم أن معناها التفريق، وأيًّا كان فهي تتضمن قطعًا وتفريقًا.
قال: «هِيَ النَّمِيمَةُ» فعيلة بمعنى مفعولة، وهي من نَمَّ الحديث إلى غيره؛ أي: نقله. والنميمة فسرها مرة ثانية بقوله: «الْقَالَةُ بَيْنَ النَّاسِ» يعني: نَقْل القالة؛ القول، القالة بمعنى القول، بين الناس، فينقل إلى هذا من هذا، يجيء لإنسان صديق لشخص ويقول له: فلان يسبك، هذه نميمة؛ لأنه نَمَّ إليه الحديث ونقله، سواء كان صادقًا أم كاذبًا، فإن كان كاذبًا فهو بُهت ونميمة، وإن كان صادقًا فهو نميمة.
النميمة هذه يقول الرسول: إنها تقطع الصلة، وتفرق بين الناس، صح ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: تجد هذين الرجلين صديقين، فإذا جاء هذا الرجل النام والعياذ بالله النمام قال: هذا الرجل يسبك، وكيف تصاحبه، وهو يقول فيك كذا وكذا، سواء صادق أم كاذب، بعد هذه المودة تكون العداوة بينهما، فيفرِّق، هذا يشبه السحر، فهو نوع منه، نوع من السحر؛ بماذا يشبه السحر؟ بالتفريق فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ [البقرة: ١٠٢].
فالنميمة تشبه السحر من حيث التفريق بين الناس، والنميمة من كبائر الذنوب، ومن أسباب عذاب القبر، ومن أسباب حرمان دخول الجنة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ» أي: نمام، وفي حديث ابن عباس المتفق عليه: أنه مر بقبرين يُعذَّبانِ، أحدهما يمشي بالنميمة .
فالنميمة إذن من كبائر الذنوب وهي في الحقيقة خلق ذميم، ولا ينبغي للإنسان أن يطيع النمام مهما كانت حاله؛ لقوله تعالى: وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ [القلم: ١٠، ١١].
واعلم أن مَن نمَّ إليك نمَّ فيك أو منك، اللي ينقل كلام الناس فيك ينقل كلامك للناس، فاحذره.
هذه النميمة إذن نوع من السحر. ووجه النوعية فيها التفريق بين الناس، أما حكمها فإنها من كبائر الذنوب.
الدليل أن فيها وعيدًا في الآخرة وعذابًا في القبر، وما كان كذلك فهو لا شك من كبائر الذنوب، وهي أيضًا من إفساد المجتمع؛ لأن هذا النمام والعياذ بالله إذا أراد أن يسلط على كل صديقين متحابين يفرق بينهما بنميمته فسد المجتمع. المجتمع كما تعرفون مكون من أفراد، لو تفرقت صار كما قال الله عز وجل: وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [الأنفال: ٤٦]. إذا لم يكن المجتمع كإنسان واحد فإنه لا يمكن أن يكون مجتمعًا في الواقع؛ فهو أفراد متناثرة، والأفراد المتناثرة ما لها قوة، ولهذا يقول الشاعر:

لَا تُخَاصِمْ بِوَاحِدٍ أَهْلَ بَيْتٍ فَـــــضَعِيفَانِ يَـــغْلِـــــبَانِ قَـــــــوِيَّا

وهذا صحيح، ضعيفان يغلبان القوي، إلا عاد بمدد من الله سبحانه وتعالى لا طاقة لأحد به فهذا شيء آخر.
وقال الآخر:
تَأْبَى الرِّمَاحُ إِذَا اجْتَمَعْنَ تَكَسُّرًا فَــإِذَا افْتَرَقْنَ تَكَــــــسَّرَتْ أَفْــــرَادَا

فالحاصل أن النميمة فساد للمجتمع توجب أن يتفرق المجتمع أفرادًا ويتباغض المجتمع.
ونحن لو تأملنا النصوص الشرعية وجدنا أنها تحرم كل ما يكون سببًا للتفرق والقطيعة، «لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ» ، «لَا تَنَاجَشُوا»، «لَا يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ» ، وما أشبه ذلك، كل هذا من أجل دفع ما يوجب العداوة والبغضاء بين الناس.
طالب: (...).
الشيخ: هذا يجب التحذير من طريقته، عمومًا ما (...) يسبك مثلًا، هذا التحذير غير مسألة النميمة، النميمة يقصد بها التفريق بين اثنين، ولهذا قال: «الْقَالَةُ بَيْنَ النَّاسِ»، لكن هذا يُقصَد به النصح والتحذير من هذا الخطأ الذي ارتكبه هذا الشخص، وهذا واجب أن الإنسان يبيِّن ما يدعو إليه هذا الداعية من فسقٍ أو فجور أو بدعة أو غير ذلك.
الطالب: طيب إن تعرض لنفس الشخص (...) هذا الشخص.
الشيخ: قال: احذروا هذا الشخص مثلًا.
الطالب: نعم.
الشيخ: فإنه يدعو إلى البدعة، ما فيه مانع، هذا لا بد منه، ولا ويش يدريهم؟ قد لا يفهم بعض الناس أن هذا الرجل يدعو إلى بدعة إذا لم يذكر بعينه.
طالب: (...).
الشيخ: إي قال: «هِيَ النَّمِيمَةُ» هذه واضحة مبتدأ وخبر، و«الْقَالَةُ» خبر آخر، أو عطف بيان للنميمة؛ لأنها تفسير لها.
طالب: (...).
الشيخ: أيهم؟
الطالب: (...).
الشيخ: إي ويش يقول فيه؟
الطالب: يقول: رواه النسائي، وهو حديث ضعيف. والفقرة الأخيرة: «وَمَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ» لها شاهد من حديث عبد الله بن عكيم رضي الله عنه عند الترمذي، وفي سنده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وهو سيئ الحفظ، ولكنه يصلح شاهدًا لهذه الفقرة، فتقوى هذه الفقرة.
الشيخ: غاية ما فيه أنه حسن لغيره، أما «مَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ» فهو صحيح من حيث المعنى بلا شك، وإن كان في السند.. وأما الأول فهو أيضًا له شاهد في القرآن؛ «مَنْ عَقَدَ عُقْدَةً ثُمَّ نَفَثَ فِيهَا فَقَدْ سَحَرَ» : وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ [الفلق: ٤].
وأما قوله: «وَمَنْ سَحَرَ فَقَدْ أَشْرَكَ» فقد سبق لنا أن السحر في أحد أنواعه من الشرك، فالحديث وإن كان ضعيف السند، لكن من حيث المعنى صحيح تشهد له النصوص الأخرى.
(ولهما عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا» ).
(إنَّ) كلنا يعرف أنها حرف توكيد، ينصب الاسم ويرفع الخبر، و(من) تحتمل أن تكون للتبعيض، وتحتمل أن تكون لبيان الجنس، وقوله: «لَسِحْرًا» اللام للتوكيد، وسحرًا: اسم (إن): «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ».
والبيان هو الفصاحة والبلاغة، وهو من نعمة الله على الإنسان، قال الله تعالى: خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ [الرحمن: ٣، ٤].
والبيان نوعان:
بيان ما لا بد منه، وهذا يشترك فيه جميع الناس، كل الناس يبينون عما لا بد منه، كل الناس إذا جاع يقول: أنا جعت، وإذا عطش يقول: عطشت، وإذا تعب يقول: تعبت، وهكذا. هذا بيان عام لكل أحد.
وهناك بيان بمعنى الفصاحة التامة التي تسبي العقول وتجلب الأفكار، هذه التي قال فيها الرسول: «لَسِحْرًا».
وعلى هذا التفسير -أي: على تقسيم البيان إلى قسمين؛ بيان ما لا بد من بيانه، وبيان بمعنى الفصاحة- تكون (من)؟
طالب: للفصاحة.
الشيخ: (من) للفصاحة!
طالب: تبعيضية.
الشيخ: تبعيضية، تكون (من) للتبعيض، (من) للفصاحة ما جاءت إلا من (...)!
طالب: لا يعني من (...).
الشيخ: إي، إذن (من) للتبعيض تكون أو لا؟ تكون (من) للتبعيض، يعني: بعض البيان - وهو البيان الكامل الذي هو الفصاحة - سحر. أما إذا جعلنا البيان بمعنى الفصاحة فقط ولم نقسِّم؛ صارت (من) لبيان الجنس.
سحر: وجه ذلك أن البيان يأخذ بلب السامع، ويصرفه أو يعطفه، ولهذا دائمًا يجيء إنسان يتكلم بكلام معناه باطل، لكن لقوة فصاحته وبيانه يحسبه السامع حقًّا، فينصرف إليه، ودائمًا يتكلم إنسان بليغ يحذر من حق، ولفصاحته وبيانه يظن السامع أن هذا الحق باطل، فينصرف عنه، وهذا من السحر اللي يسمونه العطف والصرف.
البيان يحصل به عطف وصرف، لا شك في هذا، ولذلك دائمًا خصوصًا في كلام ابن القيم وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إذا جاؤوا بمسألة يناقشونها، ثم ذكر دليلًا لجماعة؛ دليلًا وتعليلًا، وصار يسوق الأدلة والعلل، تقول: هذا القول هو الصحيح، ولَّا لا؟ وتنحاز إليه، ثم يأتي بالقول الثاني الذي يضاده ويذكر أدلته وما أجاب به عن أدلة الأول، فتنعطف إليه ولَّا (...) بالأول؟ تنعطف إليه، وهذا أمر مشاهَد؛ فالبيان في الحقيقة البيان بمعنى الفصاحة لا شك أنها تفعل فعل السحر، ابن القيم يقول عن الحور العين يقول: (حديثها السحر الحلال)
(...) سحر حلال؟ إي نعم البيان الآن، البيان سحر، فهل هذا على سبيل الذم، أو على سبيل المدح، أو لبيان الواقع ثم يُنظَر الأثر؟
الأخير، الحديث في الحقيقة ليس للذم ولا للمدح لكنه لبيان الواقع، ثم ينظر ما هو الأثر؛ إن كان هذا البيِّن الصحيح يتكلم لرد الحق وإثبات الباطل فلا شك أن بيانه مذموم، وأنه استعمل نعمة الله في معصية الله، وأما إذا كان هذا البيِّنُ الفصيحُ يريد ببيانه إثباتَ الحق وإبطال الباطل فهذا محمود ومدح وثناء، فالبيان من حيث هو بيان لا يُحمَد ولا يُذَم، ولكن يُنظَر أثرُه والمقصودُ به، إنما حقيقة البيان أنه سحر يؤثر في الإنسان الإقبالَ أو الانصرافَ.
لو سألك سائل: أيما أحب إليك: أن تكون ذا بيان أو ذا عي؟
أقول: إذا كان البيان أستعمله في طاعة الله وفي الدعوة إلى الله فهذا أحب إليَّ، لكن إذا كان والعياذ بالله ابتُلي الإنسان ببيان ليصد الناس عن دين الله؛ فهذا لا خير فيه، العي خير منه، إنما البيان لا شك أنه نعمة، ولهذا امتن الله به على العبد فقال: عَلَّمَهُ الْبَيَانَ.
وجه مناسبة الحديث للباب ظاهرة ولَّا لا؟ حيث كان البيان من السحر. وبهذا عرفنا أن المؤلف رحمه الله كان حكيمًا في تعبيره في الترجمة؛ حيث قال: (باب بيان شيء من أنواع السحر) ولم يحكم عليها بشيء؛ لا حرام ولا حلال؛ لأن منها ما هو شرك، ومنها ما هو حرام من كبائر الذنوب، ومنها ما هو جائز وعلى حسب ما يُقصَد به وعلى حسب تأثيره وآثاره.
طالب: (...).
الشيخ: لا، السياسة قد يكون المتكلم بالسياسة إنسانًا ما عنده فصاحة، وقد يكون إنسانًا قويًّا، الكلام كثيرٌ مثلًا بعض الناس الذين يتكلمون تجده إذا تكلم تقول: ليته ما تكلم، فالبيان قد يدخل فيه السياسي وغير السياسي، حتى مثلًا (...) أهل العلم الآن مثلما أشرنا إلى كلام شيخ الإسلام وابن القيم (...) كيف تأثيره (...).
هل الفصاحة كلها من السحر؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: كلها من السحر، الفصاحة والبيان يسحر الناس، لكن هل هو سحر مباح ولَّا حرام؟
طالب: (...) فيه مباح وفيه..
الشيخ: نعم، حسب ما يراد إثباته بهذا الكلام.
(...) مذمومة، الفصاحة في إثبات الحق مذمومة؟ محمودة، والفصاحة في إثبات الباطل مذمومة، فيُستفاد منه أن من أنواع السحر ما هو محمود وما هو مذموم، وذلك في الفصاحة خاصة.
طالب: (...) حقيقة.
الشيخ: هي تأثيرها حقيقي لكن ما هي بحرام.
باب: ما جاء في الكهان ونحوهم
00:20:04

(...) (الكهان ونحوهم) الكهان جمع كاهن، والكهنة أيضًا جمع كاهن، وهم قوم يكونون في الأحياء؛ في أحياء العرب، يتحاكم الناس إليهم، وتتصل بهم الشياطين، فتخبرهم عما جاء في السماء؛ تسترق السمع من السماء وتأتي وتخبر الكاهن، ثم الكاهن يضيف إلى هذا الخبر ما يضيف من الأخبار الكاذبة ويخبر الناس، فإذا وقع مما أخبر به شيء اعتقده الناس عالِمًا بالغيب، فصاروا يتحاكمون إليهم، فهم مرجع للناس في الحكم، ولهذا يُسمَّون الكهنة؛ هؤلاء الكهان.
فصار الكهان عبارة عن رجال يكونون في أحياء العرب تتصل بهم الشياطين، وتسترق لهم من السمع، ثم يخبرون بما استرقتْ لهم ويضيفون إليها أشياء كاذبة، فيقع الأمر على ما أخبروا، فيغتر الناس بهم.
إذن هم يتحدثون عن الأمور في المستقبل، يخبرون عن الأمور في المستقبل، يقولون: سيقع كذا، سيقع كذا.
وليس من الكهانة في شيء من يخبر عن أمور تُدرَك بالحساب؛ فإن الأمور التي تدرك بالحساب ما هي من الكهانة في شيء، كما لو أخبر عن كسوف الشمس، أو خسوفِ القمَرِ؛ فإن هذا ليس من الكهانة؛ لأنه يُدْرَك بالحساب، وكما لو أخبر بأن الشمس تغرب في عشرين من برج الميزان مثلًا في الساعة كذا وكذا؛ فهذا ليس من علم الغيب؛ لأنه يُدرَك بالحساب.
وكما يقولون فإنه سيخرج في هذا العام، أو أول العام الذي بعده، مُذنَّب هالي، هذا نجم يكون له ذنَب طويل جدًّا يبلغ ملايين الأميال منير، وهو أول ما ظهر على الناس صار منهم فزع عظيم، لكنهم بعد دراسة الأحوال الفلكية وما يحدث في هذا الفلك سهُل عليهم الأمر، وإحنا قد رأيناه لكن هذا المذنب الذي يقال له: الهالي كأنه أعظم مما حدث قبل سنوات وأكبر وأشد إضاءة، هذا أيضًا ما نقول: إنه من الكهانة في شيء؛ لأنه من الأمور التي تُدرَك بالحساب، فكل شيء يدرك بالحساب فإن الإخبار عنه ولو كان مستقبلًا لا يُعتبر من علم الغيب، ولا من الكهانة.
هل من الكهانة ما يُخْبَرُ به الآن عن أحوال الطقس في خلال أربع وعشرين ساعة أو ما أشبه ذلك؟
لا؛ لأنه أيضًا يستند إلى أمور حسية، وهي تكيف الجو؛ أن الجو يتكيف على صفة معينة يعرفونها بالموازين الدقيقة عندهم؛ فيكون صالحًا لأن يُمطِر أو لا يمطر.
ونظير ذلك في العلم البدائي أننا إذا رأينا السماء قد غامت، وصار الرعد والبرق، وثقُل السحاب، نقول: يوشك أن ينزل المطر، ويكون ذلك حريًّا بنزول المطر.
فالمهم أن ما استند إلى شيء محسوس فليس من علم الغيب، وإن كان بعض العامة يظنون أن مثل هذه الأمور من علم الغيب، ويقولون: إن التصديق بها تصديق بالكهان وإنه لا يجوز أن نصدق بها، هذا أمر لا ينبغي أن يكون؛ فالشيء الذي يُدرَك بالحس إنكاره -مثلما مر علينا في العقيدة، عقيدة السَّفَّارِيني- إنكاره قبيح في الهجا، يعني في العقل:
فَكُلُّ شَيْءٍ مَعْلُومٌ بِحِسٍّ أَوْ حِجَى فَـــــنُكْرُهُ جَــــــهْلٌ قَـــــــــبِيحٌ فِي الْهِـــــــجَا

ما مر علينا هذا، فالذي يُعلَم بالحس ما يمكن إنكاره، ولو أن أحدًا أنكره مستندًا بذلك إلى الشرع لكان ذلك طعنًا في الشرع. يطعن في الشرع ما هو بالعامة؛ يطعن في الشرع من يعرف حقيقة هذه الأمور وأنها مبنية على أمور محسوسة مدروسة، يعني يتقينونها كما نتيقن الشمس عند بروزها وخروجها.
طالب: طيب الكسوف (...) الرسول صلى الله عليه وسلم ولا علم (...).
الشيخ: إي لأن النبي عليه الصلاة والسلام ما تطورت الأحوال؛ أحوال الحساب؛ كما قال الرسول: «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ مَا نَقْرَأُ وَلَا نَكْتُبُ، الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا» ، فكان الرسول عليه الصلاة والسلام في وقته ما انتشرت هذه العلوم، ما انتشرت هذه العلوم إلا بعد مدة طويلة من انتشار الإسلام، ثم إنه عاد الآن في الآلات قربت الشيء الكثير، وعثروا على أشياء كثيرة ما كانت معلومة في الأول.
الطالب: لو فيها خير علمها الرسول.
الشيخ: لا، هي ما فيها خير ولا شر، الكلام على أنه هل الإخبار عن هذا الأمر يعتبر من الكهانة ويجب تكذيبه ويكون تصديقه كفرًا، هذا هو الكلام، أما مسألة أن الإنسان يعني يتعلمها أو ما يتعلمها هذا شيء آخر. وقد تكلمنا في حلقة من الحلقات على نور من الدرب على هذه المسألة أظن، أو قريب منها، في مسألة دوران الأرض أو دوران الشمس وقلنا: إن دوران الأرض ما فيه دليل من الشرع يدل عليه، وإن الخطر ما هو مسألة دوران الأرض أو عدم دورانها، هذه مسألة قلنا: إنها من فضول العلم، ما هي بذات أهمية، إلا أن بعض الناس قالوا: إنها في الوقت الحاضر لها أهمية عظيمة باعتبار الطيران وباعتبار القذائف الموجهة، وإنه مهم أن ندرس هذا الأمر وننظر هل إنها تدور أو ما تدور.
فعلى كل حال أقول: إننا نحن قد لا نرى في هذا العلم شيئًا كثيرًا، ونرى أنه من الأمور التي مضيعة وقت، لكن فيه أناس يرون أنه له شأن كبير في الوصول إلى ما يريدون، فالأقمار الصناعية الآن والمحطات الفضائية وما أشبه ذلك كلها مبنية على مثل هذه الأشياء والحسابات.
طالب: فيه رسالة مطبوعة في الصعود إلى القمر (...).
الشيخ: إي صحيح نعم.
الطالب: بيعت في السوق، طُبعت.
الشيخ: طبعوها أظن في دار طيبة، يبيعونها.
طالب: شيخ، من لم يعلق الخبر بالمشيئة (...).
الشيخ: إي نعم، نقول: هذا خطأ، لا سيما (...) تقول: بمشية الله، إي نعم.
الطالب: إذا اعتقد ذلك ألا يكون شركًا؟
الشيخ: لا ما هو بيعتقد، هو يعتقد أنه من الله، ما هو بيعتقد أنه من نفسه.
الطالب: ما يجزم بذلك أنه سيحدث هذا الشيء.
الشيخ: نعم يجزم بذلك بأنه سيحدث بناء على السنن الكونية التي أجراها الله سبحانه وتعالى ولا تختلف، إي نعم، يجزم بهذا لهذا السبب.
الطالب: لا يأثم بذلك؟
الشيخ: ما أظنه يأثم، لكن يقال: الأولى أن تبين هذا لأجل ألا يغتر العامة فيظنوا المسائل أنها طبيعة تمشي بنظام ولا لها منظم.
طالب: (...) ما نصدق ولا نكذب.
الشيخ: كيف؟
الطالب: يعني (...) ما نصدق..
الشيخ: كلام الفلكيين فيه شيء تدركه عقولنا نصدقه، وفيه شيء ما تدركه عقولنا ما نصدقه ولا نكذبه، وفيه شيء يخالف القرآن فنكذبه، اللي يخالف القرآن والسنة نكذبه، ولهذا نحن نقول: إن الشمس هي التي تدور على الأرض، وبها يكون الليل والنهار، هذا ظاهر الكتاب والسنة، فنحن نبقى على هذا الظاهر ولا نتعداه حتى يتبين لنا عن طريق يقين محسوس بأن الأمر خلاف ذلك، وحينئذ يمكن أن تتأول الآيات كما تأولها هؤلاء، هؤلاء الآن يقولون: الآيات صحيحة ما ننكرها، ولا الحديث، لكنها تطلع في رأي العين ولَّا في الحقيقة إحنا اللي طالعين عليها، وتغرب في رأي العين، وإلا هي ما تغرب، إحنا اللي نغرب عنها؛ لأن (...) كذا ثم تغرب عنا .
المهم هذا رأيهم وإحنا نقول: هذا رأي مرفوض ولا نقبله؛ لأنه خلاف ظاهر القرآن، خلاف ظاهر كلام من خلق هذه الأشياء سبحانه وتعالى، فهل نصدق هؤلاء ولَّا نصدق القرآن؟ نصدق القرآن طبعًا، إلا لو يجيء أمر محسوس، مثلًا كروية الأرض كان بالأول كثير من أهل العلم ينكرها والآن ما أحد ينكر هذا أصبح، العلم بذلك أمرًا بدهيًّا، ما أحد ينكر هذا؛ لأنك الآن لو تركب طائرة من مطار جدة إلى الغرب تطلع على الشرق، ترجع إلى جدة من جهة الشرق، تطلع إلى جدة من جهة الشرق، ولهذا اللي يجيئون من الغرب إلى الشرق يختصرون الوقت، يصير الوقت قصيرًا عندهم، والعكس بالعكس، واحد صلى الأخير بجدة وراح إلى أمريكا، ووصل أمريكا بعد ثلاث عشرة ساعة، نقول: وصلنا قبل الفجر، معنى ذلك صار بين صلاة العشاء والفجر ثلاث عشرة ساعة، واللي يجيء بالعكس يختصر الوقت؛ لأن النهار مقبل عليه، وهو مقبل على النهار، فيختصر، بدل ما يكون بينهم ثلاث عشرة ساعة يمكن يكون بينهم ثلاث ساعات..
هذا أمر الآن أصبح أمرًا بدهيًا؛ أن الأرض كروية، ولا أحد ينكر هذا الشيء، وكان بالأول يقولون: إن هذا خلاف ظاهر القرآن، والله يقول: أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ [الغاشية: ١٧ - ٢٠]، ويقول: جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا [البقرة: ٢٢] والفراش متساوٍ، فيقولون: اللي يقول: إنها كروية هذا مخالف لظاهر القرآن، والحقيقة الآن تبين أنها كروية، وتبين أن ظاهر القرآن يدل على أنها كروية، منين؟ من قوله: إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ [الانشقاق: ١ - ٥] إِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْمتى؟ يوم القيامة، فالآن هي غير ممدودة. وفسر ذلك النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: «إِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُمَدُّ مَدَّ الْأَدِيمِ» . كقوله تعالى: لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا [طه: ١٠٧]، وكذلك أيضًا قوله تعالى: يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ [الزمر: ٥]. والتكوير: تدوير، مثل كورة العمامة، ومعلوم أن الليل والنهار يتعاقبان على الأرض، إذن فالأرض كروية.
ونجيب عن قوله: سُطِحَتْأن سطحها لكِبرها يكون مَن رآها كأنها سطح؛ لأنها واسعة، فلا يتبين انحناؤها من أجل سعتها، وحينئذ يتبين أن القرآن لا يخالف الواقع، وأنا أقول لكم: اعلموا علم اليقين بأنه لا يمكن أن يتعارض أمران قطعيان أبدًا، ما يمكن يتعارض أمران قطعيان؛ لأن تعارضهما يبطل كونهما قطعيين؛ إذ إن تعارضهما يستلزم إبطال أحدهما بالآخر، ومعنى ذلك أنهما ليسا قطعيين، فمتى وجدنا دلالة قطعية في القرآن فاعلم أنه لا يكذبها الحس، ومتى وجدنا دلالة قطعية في الحس فاعلم أن القرآن لا يكذبها أبدًا، وإذا صار في ذهنك أن القرآن يكذبها فهذا لسوء فهمك أو قصور علمك، وهذا أمر ما أحد يشك فيه، هذه قاعدة مسلمة عند أهل العلم.
وقد أشار إليها شيخ الإسلام رحمه الله في كتابه العقل والنقل، قال: إنه لا يمكن يتعارض دليلان قطعيان أبدًا، سواء كانا عقليين أو شرعيين أو حسيين، ما يمكن يتعارضان، وصدق رحمه الله، أو أحدهما شرعي والثاني حسي، أو أحدهما حسي والثاني عقلي، المهم ما يتعارض دليلان قطعيان أبدًا، كما قلنا: إن القول بتعارضهما يستلزم إبطال أحدهما، واستلزامُ إبطال أحدهما يدل على أنهما غير قطعيين.
طالب: شيخ (...).
الشيخ: أحسنت، هذا من الدليل على قدرة الله عز وجل.
الطالب: (...).
الشيخ: بسبب القدرة، مثلما أن السماء بغير عمد.
الطالب: الدوران سهل.
الشيخ: أقول: إنه كما أمسك الله السماء بغير عمد أمسك هذا.
الطالب: (...).
الشيخ: بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا [الرعد: ٢] فيه خلاف، ولكن الصحيح أنها بغير عمد.
(...) من هم الكهان؟
طالب: (...)
الشيخ: فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ [سبأ: ١٤] فهنا هذا شيء واقع، وسماه الله تعالى غيبا، فما الجواب عن هذه الآية؟
طالب: الجن لا يعلم الغيب يا شيخ.
الشيخ: إي لكن هذا شيء وقع، إحنا قلنا: الغيب المراد به الشيء المستقبل اللي ما يُعلم، أما ما وقع فيمكن العلم به لأنه يخفى عمن لم يره، ويكون مشاهَدًا لمن يراه، أليس كذلك؟ الآن اللي يمشي في السوق هذا ما أعلمه، لكن اللي واقف في الشارع يعلمه ولَّا لا؟
طلبة: بلى.
الشيخ: طيب.
طالب: أقول: ما يُشترط أن يعلم كل مسألة وقعت، يعلم بعضًا وبعضه لا يعلمه.
الشيخ: إي لكن سماه الله غيبًا هنا.
الطالب: ما يُشترط أن يعلم كل الغيب.
الشيخ: يعني هذا من الغيب وهو واقع؟
الطالب: إي نعم.
طالب آخر: هذا باعتبار حالهم غيب؛ لأنه لم يظهر لهم بعدُ، فلما خر عاد تَبيَّن لهم، فلو كانوا يعلمون الغيب لعلموا أنه (...).
الطالب: لأن الموت ما يعلم به إلا الله، ما هو من الأمر اللي يُعلم به.
الشيخ: إي، شوف هذا أسباب اختلاف العلماء.
طالب: الروح هذه آخرها كأنه غيب؛ لأنهم ما اطلعوا عليه جسم موجود ولا يدرون، والله جعله (...) أنه ميت والروح هذه..
الشيخ: يعني ولهيبتهم له ما كانوا يقربون حوله حتى يتحققوا من موته أو عدمه، هذا والله أعلم الأقرب، ولَّا هو أمر واقع لا شك فيه، ولهذا لما أكلت الأَرَضَة العصا وخر وسقط علموا به، فيقال: إن هؤلاء الجن لهيبته ما كانوا يأتون إليه ويبحثون عنه أو يفحصونه فحصًا يتمكنون به منه، فهو غيب لأن الغيب مصدر غاب يغيب غيبًا، فكل ما غاب عنك فهو غيب، حتى اللي واقع الآن وأنت ما تدري عنه فهو بالنسبة إليك غيب لا تعلمه، هذا -والله أعلم- أقرب ما يكون.

***

قوله: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ فَصَدَّقَهُ».
كلمة «فَصَدَّقَهُ» هذه ليست في صحيح مسلم ، الذي في صحيح مسلم: «فَسَأَلَهُ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً». و«أَرْبَعِينَ يَوْمًا» بمعناها.
فقوله: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا» (مَن) هذه من أسماء الشرط، فهي للعموم.
وقوله: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ»، العراف جمع عارف أو لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: انتبهوا.
طالب: صيغة مبالغة.
الشيخ: صيغة مبالغة من العارف، أو نسبة؛ يعني: من ينتسب إلى العرافة.
فمن هو العراف؟ قيل: إن العراف هو الكاهن، وهو الذي يخبِر عن المستقبَل.
وقيل: إن العراف هو اسم عام للكاهن والمنجم والرمال ونحوهم ممن يستدل على معرفة الغيب بمقدمات يستعملها، وهذا المعنى أعم المعاني، ويدل عليه الاشتقاق؛ لأنه مشتق من المعرفة، فيشمل كل من تعاطى هذه الأمور وادَّعى معرفتها.
وقوله: «فَسَأَلَهُ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ» ظاهر الحديث الذي معنا أن مجرد سؤاله يوجب عدم قبول صلاته أربعين يومًا، هذا مجرد سؤال، ولكنه ليس على إطلاقه، فسؤال العراف ونحوه ينقسم إلى أقسام:
القسم الأول: أن يسأله فيصدقه لتصديقه واعتبار قوله، فهذا حرام ولا يجوز؛ لأن تصديقه في علم الغيب تكذيب للقرآن، فلا يجوز أن يصدقه.
الثاني: أن يسأله ليختبره هل هو صادق أو كاذب، لمجرد اختبار، لا لأجل أن يعتبر بقوله أو يأخذ به. فهذا لا بأس به، ولا يدخل في الحديث.
وقد سأل النبي عليه الصلاة والسلام ابن صياد، قال: «مَاذَا خَبَأْتُ لَكَ؟ قال: الدُّخُّ. فقال: «اخْسَأْ فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ» . فهنا سأله النبي عليه الصلاة والسلام عن شيء أضمره له.
طالب: الدخ؟
الشيخ: الدخ: الدخان.
عن شيء أضمره له فأخبره به؛ لأجل يختبر عنه وعما عنده.
القسم الثالث: أن يسأله ليظهر عجزه وكذبه، فيمتحنه في أمور، فهذا قد يكون واجبًا، وقد يكون مطلوبًا لا يصل إلى الوجوب، على حسب الحال؛ لأن هذا ماذا يريد هذا السائل الأخير؟ يريد إبطال قوله، وإبطال قول الكهنة لا شك أنه أمر مطلوب، وقد يكون واجبًا، فصار السؤال هنا ليس على إطلاقه، بل يفصَّل بهذا التفصيل حسب ما دلت عليه الأدلة الشرعية الأخرى.
وقد كانوا كما حكى شيخ الإسلام عنهم؛ كان الجن يخدمون الإنس في أمور لمصلحة الإنس، وقد يكون للجن فيها مصلحة، وقد لا يكون له مصلحة، ولكنه يحب هذا الإنسي في الله ولله. ولا شك أن من الجن مؤمنين يحبون المؤمنين من الإنس؛ لأنه يجمعهم الإيمان بالله. فيقول شيخ الإسلام: إنهم ربما يخدمونهم في أمور لمصلحتهم أو لمحبتهم لهم في الله، وقد يخدمونهم في أمور لطاعة الإنس لهم فيما لا يرضي الله عز وجل؛ إما في الذبح لهم، أو في عبادتهم، أو ما أشبه ذلك.
بل أغرب من ذلك أنه ربما يخدمون الإنسي لأمر محرَّم من زنا أو لواط؛ فإن هذا أيضًا قد يقع، قد تستمتع الجنية بالإنسي عشقًا وتلذذًا باتصالها به، أو بالعكس، وهذا أمر معلوم مشهود، حتى إنه ربما أن الجني الذي في الإنسان ينطق بذلك، كما يُعلَم من الذين يقرؤون على المصابين بالجن.
فعلى كل حال لا نقول: إن مجرد خدمة الجن للإنس تكون محرمة بكل حال، بل هي على حسب الحال، ولا شك أن الرسول صلى الله عليه وسلم حضر إليه الجن وخاطبهم، وأرشدهم، ووعدهم بعطاء لا نظير له، فقال لهم: «كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ تَجِدُونَهُ أَوْفَرَ مَا يَكُونُ لَحْمًا، وَكُلُّ بَعْرَةٍ فَهِيَ عَلَفٌ لِدَوَابِّكُمْ» .
وكذلك أيضًا ذُكر أن في عهد عمر بن الخطاب امرأة كان لها رَئِيٌّ من الجن، وكانت توصيه بأشياء، حتى إنه تأخر عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذات يوم، فأتوا إليها، فقالوا: ابحثي لنا عن هذا. أحسن من الطائرة الهليوكبتر أو لا؟ فذهب هذا الجني الذي فيها وبحث وجاء وأخبرهم بأنه في مكان كذا، وأنه ما فيه شيء وأنه كان يسم إبل الصدقة.
فالحاصل أن الكهان سؤالهم ينقسم إلى كم؟ إلى ثلاثة أقسام.
وقوله عليه الصلاة والسلام: «لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا» لم تقبل: نفي القبول هنا هل يلزم منه نفي الصحة أو لا؟
نقول: لا؛ فإن نفي القبول إما أن يكون لفوات شرط، أو لوجود مانع؛ ففي هاتين الحالين يكون نفي القبول نفيًا للصحة، كما لو قلت: من صلى وهو حامل نجاسة لم يقبل الله صلاته، ومن صلى في مكان مغصوب على رأي من يقول بذلك لم يقبل الله صلاته.
(...) ما يتعلق لا بفوات شرط ولا بوجود مانع فإنه لا يلزم من نفي القبول نفي الصحة، وإنما يكون المراد بالقبول المنفي: القبول التام؛ الذي يحصل به تمام الرضا وتمام المثوبة.
أو يقال وجه آخر: إن نفي القبول هنا لأن السيئة التي فعلها تُقابل تلك الحسنةَ في الميزان، فإذا قابلتها تتساقطان، يُسقِط بعضهما الآخرَ.
فالخلاصة أنك إذا وجدت نفي القبول في القرآن أو في السنة فإن كان لفوات شرط أو وجود مانع فهو لنفي الصحة، وإن كان لغير ذلك، بل لعمل سيئ نفي القبول فهي كما في هذا الحديث وكما في حديث «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا» وما أشبهه، فإن هذا النفي يُراد به واحد من أمرين، وهما إما أن يُراد به القبول التام، يعني: لم تُقبَل على وجه التمام الذي يحصل به تمام المثوبة، وإما أن يُراد بنفي القبول أن هذه السيئة تقابل تلك الحسنة فتسقطها، ويكون وزرها موازيًا لأجر تلك الحسنة، وإذا لم يكن لها أجر صار كأنها غير مقبولة، وإن كانت مجزئة ومبرئة للذمة، لكن الثواب الذي حصل بها قُوبل بأي شيء؟ بالسيئة فأسقطته.
وقوله: «أَرْبَعِينَ يَوْمًا» هذه لا يمكننا أن نعللها؛ أنا لا أعلم علتها؛ لأن الشيء المقدَّر بعدد لا يستطيع الإنسان غالبًا يعرف حكمته، فكون الصلاة خمسين صلاة أو خمس صلوات ما نعلم لماذا خُصت الخمس أو الخمسون، فهذا من الأمور التي يُقصَد بها التعبد، والتعبدُ لله بما لا تعرف حكمته أبلغ من التعبد له بما تعرف حكمته.
صحيح أن ما تُعرَف حكمتُه يطمئن الإنسان إليه أكثر، لكن ما لا تُعرَف حكمتُه كون الإنسان ينقاد له وهو لا يعرف الحكمة دليل على أيش؟ على كمال الانقياد والتعبد لله عز وجل، فهو من حيث العبودية أبلغ وأكمل، أما ذاك فهو من حيث الطمأنينة إلى الحكم يكون أبلغ؛ لأن النفس إذا علمت بالحكمة في شيء اطمأنت إليه بلا شك، وازدادت أخذًا له وقبولًا، لكن إذا لم تعلم الحكمة ثم انقادت مع عدم علمها بالحكمة صار ذلك أتم في الانقياد والعبودية.
فهناك أشياء مما عينه الشرع بعدد أو كيفية ما نعلم ويش الحكمة فيه، ولكننا سبيلنا أن نكون كما قال الله عن المؤمنين: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب: ٣٦]. فعلينا التسليم والانقياد وتفويض الأمر إلى عالمه.
يُؤخَذ من الحديث: تحريم إتيان العراف وسؤاله؛ لِمَا في ذلك من المفاسد العظيمة التي تترتب على ذلك؛ من تشجيعهم على هذا العمل وإغراء الناس بهم، وهم في الغالب يأتون بأشياء كلها باطلة.
وعلمنا أن كلمة (سأله) ليست على إطلاقها، بل إن سؤاله ينقسم إلى ثلاثة أقسام.
طالب: قسمناه إلى ثلاثة أقسام (...) ما يكون في (...).
الشيخ: أيهم؟
الطالب: (...) العجز.
الشيخ: لا ما عجز.
الطالب: (...).
الشيخ: لا، أخبر ما خبأه له الرسول عليه الصلاة والسلام.
الطالب: هو اللي خبأ وهو اللي (...).
الشيخ: إي.
الطالب: (...).
الشيخ: الكلام أنه عرف أصله، ولهذا قال: «اخْسَأْ فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ».
الطالب: (...) يدل على (...).
الشيخ: بس بيَّنه، بيَّنه صحيح، ما كمل اللفظ لا بأس، لكن عرف أنه شيء من هذا النوع.
طالب: إذن ما يمكن نقول: إنه عجز الآن، يعني قدر الآن (...).
الشيخ: لا، ما انتصر، لكن عرف أن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه خبأ له هذا الشيء، فقال الرسول: هذا الدخان هو الذي يناسبك؛ لأنه لا أصل له، ولأنه يطير ولا حتى يهبأ له، هذا اللي يظهر، والمسألة قد يقال: إن هذا الرجل ما استطاع أن يتمكن تمكنًا تامًّا من العلم، وحينئذ يكون الرسول سأله لإظهار عجزه، يمكن هذا، هذا الذي ذكرت يحتمل.
طالب: الأصل (...) أن يسأل العراف (...) أليس عندما (...) الإنسان وفي نفسه الاحتمالان؛ يصدق أو يكذب، ما هو معصية؟
الشيخ: لا، إذا كان أنه ما هو مصدقه ولو صدق، بس بيشوفه صحيح هذا الرجل، ربما أنه إذا عرف أنه صحيح يحذر منه، أو إذا كان له سلطة يؤدبه، أو ما أشبه ذلك، قد يكون لغرض مقصود، ولهذا قلنا: هذا من قسم المباح فقط، الذي إذا قُصد به خير، إذا سأله ليشوف إذا كان صحيحًا أنه يتكهن أدبه وعزره أو حذر منه، فيكون هذا مباحًا وينقلب إلى أمر مطلوب، أما إذا كان المقصود إظهار عجزه من الأصل ليخزيه أمام الناس ويبين فشله، فهذا أمر مطلوب.
طالب: طيب الشرط يا شيخ: «فَصَدَّقَهُ» ما يصير أن هذا..
الشيخ: الظاهر والله أعلم أن المؤلف إما أن النسخة التي نقل منها بهذا اللفظ، الشيخ محمد رحمه الله، عنده «فَصَدَّقَهُ»، أو أن هناك رواية في غير مسلم فعزاه إلى مسلم باعتبار أصله، ما عندكم شيء فيها؟
طالب: يقول: رواه مسلم عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ولفظه «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً»، وجملة «فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ» ليست في مسلم، وإنما هي عند أحمد في المسند عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، ولفظه عند أحمد: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا» .
الشيخ: كأن المؤلف رحمه الله إذا لم يكن هناك نسخة في مسلم فكأنه أخذ من هذا وهذا، فأخذ من مسلم: «فَسَأَلَهُ»، وأخذ من أحمد: «فَصَدَّقَهُ» لأن «سَأَلَهُ» ما هي موجودة عند أحمد، وموجودة عند مسلم.
طالب: شيخ، جملة «فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ» ما تحدد سؤال (...).
الشيخ: هو إذا أثبتنا «فَصَدَّقَهُ» صار ما ذكر إلا قسمًا واحدًا، إي نعم، لكن رواية مسلم ما هي بهذا.
طالب: إذا صح (...) يعني يكون التقسيم هذا (...).
الشيخ: لا، بس ما يؤخذ من هذا الحديث، لكنه من الأدلة العامة مأخوذ.
الطالب: يعني: باقٍ.
الشيخ: التقسيم باق على كل حال، لكن الكلام على الحديث، إن كان فيه «فَسَأَلَهُ» فقط فهو ينطبق عليه التقسيم، بحيث أن نجعل هذا المطلق «فَسَأَلَهُ» هذا المطلق مقيدًا بالأحوال الثلاثة.
طالب: هل لولي الأمر يا شيخ من حقه أنه (...) العراف يقتله ولا..
الشيخ: إي نعم إذا رأى أن المفسدة لا تندفع إلا بقتله قتله.
الطالب: بيعمل حاجات يا شيخ (...) يخلي الواحد إذا تزوج مرة يروح لامرأته ويطلقها وحاجات غريبة يعني.
الشيخ: إي، إذن مفسدة عظيمة هذه.
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «مَنْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ»)
تقدم معنى الكاهن أنه الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل، وأنهم كانوا رجالًا في أحياء العرب تنزل عليهم الشياطين فتخبرهم بما سمعت من أخبار السماء.
وقوله: «فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ» صدقه: ويش معنى صدقه؟ أي: نسبه إلى الصدق، وقال: إنه صادق. وتصديق الخبر بمعنى: تثبيته وتحقيقه، فقال: إن هذا نعم صحيح وثابت وحق.
وقوله: «بِمَا يَقُولُ»: (ما) عامة، كل ما يقول، حتى ما يحتمل أنه صدق فإنه لا يجوز أن يصدَّق؛ لأن الأصل فيهم الكذب.
«فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» كفر بما أُنزل أي: بالذي أنزل، والذي أُنزل على محمد صلى الله عليه وسلم هو القرآن، أنزله الله تعالى إليه بواسطة من؟ بواسطة جبريل، وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ [الشعراء: ١٩٢، ١٩٣] قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ [النحل: ١٠٢] فالقرآن نزل من عند الله بواسطة جبريل.
وبهذا نعرف أن القول الراجح في الحديث القدسي أنه من كلام الله تعالى معنًى، وأما لفظه فمن الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكنه حكاه عن الله؛ لأننا لو لم نقل بذلك لكان الحديث القدسي أرفع سندًا من القرآن؛ حيث إن الرسول يرويه عن ربه مباشرة، والقرآن بواسطة جبريل.
ولأنه لو كان الحديث القدسي من كلام الله تعالى لفظًا لثبتت له أحكام القرآن؛ لأن الشرع لا يفرق بين المتماثلين، وقد عُلم أن أحكام القرآن لا تنطبق على الحديث القدسي؛ فهو لا يُتعبَّد بتلاوته، ولا يُقرَأ في الصلاة، ولا يعجز لفظه، ولو كان كلام الله لكان معجزًا؛ لأن كلام الله لا يماثله كلام البشر.
أيضًا باتفاق أهل العلم -فيما أعلم- أنه لو جاء مشرك يستجير ليسمعَ كلام الله، وأسمعناه جميع الأحاديث القدسية، هل يصح أن نقول: إنه سمع كلام الله؟ لا، فدل هذا على أنه ليس من كلام الله، وهذا هو الصحيح. وللعلماء في ذلك قولان؛ هذا أحدهما، والثاني: أنه من قول الله لفظًا.
فإذا قال قائل: كيف تصححون هذا والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: قال الله تعالى، فينسب القول إلى الله، ومَقول القول ما هو؟ هذا الحديث المسوق؟
قلنا: هذا كما قال الله تعالى عن موسى وعن فرعون وعن إبراهيم: قال إبراهيم، وقال فرعون، وقال موسى، مع أننا نعلم أن هذا اللفظ ما هو كلامهم ولا قولهم؛ لأن لغتهم ليست اللغة العربية، وإنما نُقل نقلًا عنهم.
ويدل لذلك دلالة واضحة أن القصص في القرآن تختلف بالطول والقصر والألفاظ، مما يدل على أن الله سبحانه وتعالى ينقلها بالمعنى.
طالب: أي أقسام الوحي الحديث القدسي؟
الشيخ: في مرتبة بين الحديث النبوي والقرآن.
الطالب: الوحي الآن..
الشيخ: هو الظاهر والله أعلم، أو أن.. نقول: إلهام لكن مباشر.
وقوله: «بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ» ذكر أهل العلم -أهل السنة رحمهم الله- أن كل كلمة فيها (أُنزل) في القرآن فهي دالة على علو الله سبحانه وتعالى بذاته، لماذا؟ لأن القرآن كلام الله، لا شك فيه، والنزول يكون من أعلى، فدل ذلك على علو الله سبحانه وتعالى.
وقوله: «كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ» وجه ذلك: أن ما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم قال الله فيه: قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل: ٦٥]، وهذا حصر من أقوى طرق الحصر؛ لأنه فيه النفي والإثبات لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ. فإذن يكون الذي يصدق الكاهن بعلم الغيب كافرًا بهذا القول ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: كافر بهذا القول.
ثم إن كان حين صدَّقه يعلم هذا؛ لأنه قد يكون جاهلًا ما يعرف، فلا شك أنه كفر مخرِج عن الملة؛ لأنه تكذيب صريح للقرآن، إذا صدَّق أن هذا يعلم الغيب فهو كفر صريح، كفر أكبر مخرج عن الإسلام؛ لأنه تكذيب للقرآن، وكل ما كان تكذيبًا للقرآن فهو كفر. وإن كان جاهلًا ولا يعتقد أن القرآن فيه شيء كذب فهذا يكون كفره كفرًا دون كفر.
والغالب -فيما يظهر لي والله أعلم- أن الذين يفعلون ذلك غالبهم جاهل، ما كان يخطر بباله أنه ما يعلم الغيب إلا الله. وقد يقال: الأمر بالعكس؛ لأن من عاش في بيئة إسلامية فهم يعلمون أنه ما يعلم الغيب إلا الله، حتى العامة الآن في مجالسهم وفي أسواقهم وفي مساجدهم يقولون: ما يعلم الغيب إلا الله.
طالب: شيخ، إذا ادعى هذا الرجل بأن علمه الغيب هذا ثبت من الله تبارك وتعالى (...).
الشيخ: هذا يصير أكبر، أشد كفرا.
الطالب: هو يدعي أنه وحي.
الشيخ: لأنه معناه أنه ادعى أنه نبي .
الطالب: (...) كرامة (...).
الشيخ: أبدًا، كرامة! الوحي ما يمكن يصير كرامة.
الطالب: بالنسبة للعامي إذا صدقه؟
الشيخ: نفس الشيء، اللهم إلا إذا كان ما عنده علم، جاهل مرة؛ لأنه ترى بعض العوام جاهل مرة، ما يعرف شيئا أبدا، أما إنسان عاش في البيئة ويعرف مثل هذه الأمور فهو كافر.
طالب: شيخ، إذا رأى رؤيا (...).
الشيخ: الرؤيا كما نعلم جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، وقد تكون حقًّا.. وهي حق، إذا كانت رؤيا حق فهي حق، لكن ليس معنى ذلك أننا إذا صدقنا هذا الرائي فهو كتصديق الكاهن؛ لأن هذا الرائي له شاهد من السنة؛ أن الرؤيا تصدُق وتتبين، وهو رجل صالح، يقول: رأيت في المنام كذا وكذا، ثم يقع، ما هو يدعي الغيب، فالكاهن يدعي أنه عنده علم الغيب، أما هذا ما يقول هذا، يقول: أنا رأيت في الرؤيا، وهو رجل صالح يُصدَّق، فلا يدخل في هذا الشيء.
طالب: إذا أولها على غير ما رآها تأويلًا يقع صحيحًا؟
الشيخ: إي، ما يجوز هذا، تأويل الرؤيا بغير معناها حرام ولا يجوز.
الطالب: (...) لفظه (...).
الشيخ: إي أصلها الرؤيا أحيانًا تكون مطابقة للمرئي تمامًا؛ بأن يرى أن هذا الرجل وُلد له ولد فيُولَد، وأحيانًا تكون أمثالًا مضروبة، ما هي مطابقة للواقع، لكنها أمثال مضروبة يُستدَل بها على الواقع، مثلما رأى الرسول صلى الله عليه وسلم السوارين من الذهب فأوَّلهما بالكذابينِ ، ومثلما رأى صاحب السجن ويش رأى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ [يوسف: ٤٣]، هذه لو أراد الإنسان يؤولها على ظاهرها كان يقول: إذا صار بكرة وفت للسوق تبغى تلقى بقرًا سمانًا وبقرًا عجافًا، ودول يأكلونه، لكن الرؤيا تكون أحيانًا أمثالًا مضروبة، ومثلما رأى النبي عليه الصلاة والسلام سيفه فهزه فصار فيه ثُلمة في غزوة أحد .
الطالب: طيب مثل هادول ما فيها شيء؟
الشيخ: ما فيها شيء، لا، إذ إن الرسول عليه الصلاة والسلام أخبر بأنها جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة فهي حق.
طالب: شيخ (...).
الشيخ: ذكرنا أنه كفر أكبر، إذا كان يعرف القرآن وأنه لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله؛ لأنه تكذيب للقرآن، وإلا فهو كفر دون كفر.
الطالب: طيب وإذا كان جاهلًا ما يعرف؟
الشيخ: إذا كان جاهلًا يكون هذا القول كفرًا ولا يكون هذا الرجل كافرًا.
الطالب: (...) إذا كان جاهلًا.
الشيخ: إذا كان جاهلًا ما (...)، نقول: هذا التصديق كفر ولا يلزم من القول بالكفر أن يكون القائل كافرًا، مثلما ذكر أهل العلم أنه لو جحد وجوب الصلوات أو جحد تحريم الربا وتوه ناشئ في الإسلام قالوا: إنه لا يكفر، مع أن فرض تحريم الربا في القرآن نص صريح، وكذلك فرض الصلوات إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا [النساء: ١٠٣]، فلو كان توه مسلمًا ما يدري عن هذا الشيء ما يكفر، ولهذا تقدم لنا مرارًا وتكرارًا أنه لا يجوز الحكم بتكفير الشخص إلا بعد وجود الشرط وانتفاء المانع.
يقول: (وللأربعة والحاكم وقال: صحيح على شرطهما، عن أبي هريرة: «مَن أَتَى عَرَّافًا أَوْ كَاهِنًا فصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» ، ولأبي يعلى بسند جيد عن ابن مسعود مثله موقوفًا ).
(وللأربعة والحاكم) من هم الأربعة؟
طالب: البخاري ومسلم.
الشيخ: لا، أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
وأما الحاكم فليس من أهل السنن، لكن له كتاب اسمه صحيح الحاكم وله كتب كثيرة.
(وقال: صحيح على شرطهما) شرط من؟ البخاري ومسلم، لكن على شرطهما فيما يَعتقِد، وقد يكون الأمر على خلاف ذلك.
وما معنى قولهم: شرط البخاري، شرط مسلم، شرط الصحيحين مثلًا؟ معناه أن رجاله رجال الصحيحين، وأن ما اشترطه البخاري موجود فيه، وما اشترطه مسلم موجود فيه.
ونحن لا ننكر أن هناك أحاديث صحيحةً لم يذكرها البخاري ولا مسلم، وهذا أمر واقع؛ لأنهما ما استوعبا الصحيح، ولكننا قد ننكر من قال: إن هذا الحديث على شرطهما، قد يكون فيه علة خفية خفيت على هذا القائل بأنه على شرط البخاري ومسلم، ويكون البخاري ومسلم قد علماها وتركا الحديث.
وقوله: (صحيح) يقولون: إن الحاكم رحمه الله ممن يتساهل بالتصحيح، ولهذا قالوا: لا عبرة بتصحيح الحاكم، ولا بتوثيق ابن حبان، ولا بوضع ابن الجوزي، ولا بإجماع ابن المنذر.
ولكن هذا القول فيه مجازفة في الحقيقة؛ لأن كلمة (لا عبرة) يعني: لا تلتفت إليه، وهذا مجازفة، إنما أنت لا تأخذه مقبولًا بكل حال، ولكن فكِّر، لا سيما فيما ينقدح بنفسك أنه ليس كما قالوا، فهذا تأن ولا (...) وأما أن نقول: لا تلتفت إطلاقًا فهذا لا، مع أني تدبرتُ كلام ابن المنذر رحمه الله، ووجدت أنه دائمًا إذا نقل الإجماع يقول: إجماع مَن نَحفظ قولَه من أهل العلم. وهو بهذا يكون قد احتفظ لنفسه؛ لأنه قال: من نحفظ قوله، لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. ولكننا مع ذلك إذا كان الرجل ذا اطلاع واسع فهذا قد يكون هذا القول إجماعًا، أما إذا كان رجل ما يعرف إلا ما حوله.. لو جاء واحد مثلًا ما درس إلا المذهب الحنبلي ثم ذكر حكم مسألة، قال: هذا إجماع من نحفظ قوله من أهل العلم، ويش نقول له؟ نقول: ما عرفت إلا ربع أهل العلم أو أقل، فالحاصل أن المسألة تعود على القائل.
يقول: «مَن أَتَى عَرَّافًا أَوْ كَاهِنًا» (أو) هذه هل هي للشك أو للتنويع؟
طالب: للتنويع.
الشيخ: يَحتمل أن تكون للتنويع ويحتمل أن تكون للشك؛ نشوف: إذا رأينا الحديث الأول؛ بلفظ: «عرافًا»، وإذا رأينا الثاني فإذا هو بلفظ: «كاهنًا»، فإذا رأينا الثالث قلنا: جمع بينهما؛ فتكون (أو) للتنويع.
قال: «فصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ» سبق الكلام عليه «فَقَدْ كَفَرَ بما أُنزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ».
فإذا قال قائل: لماذا جاء المؤلف بهذا الحديث مع أن الأول والثاني مغنيان عنه؟
قلنا: كثرة الأدلة مما يقوي المدلول، أرأيت لو أن رجلًا أخبرك بخبر فوثقت إليه، ثم جاء آخر وأخبرك به؛ يزداد توثيقه قوة، وهكذا إذا جاءك الثالث والرابع والخامس، ولهذا فرَّق الشارع بين أن يأتي الإنسان بشاهد واحد أو بشاهدين اثنين.
قال: (ولأبي يعلى بسند جيد عن ابن مسعود مثله موقوفًا)
وظاهر صنيع المؤلف أن حديث أبي هريرة: «مَن أَتَى عَرَّافًا أَوْ كَاهِنًا» ظاهر صنيعه أنه موقوف؛ لأنه قال: (عن أبي هريرة)، ما قال: عن النبي صلى الله عليه وسلم، فظاهر صنيعه أنه موقوف، لكن لما قال في الذي بعده: (مثله موقوفًا) ترجح عندنا أن الحديث الذي قبله مرفوع.
(وعن عمران بن حصين رضي الله عنه مرفوعًا: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَطَيَّرَ») مرفوعًا يعني إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
(«لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَطَيَّرَ أَوْ تُطُيِّرَ لَهُ، أَوْ تَكَهَّنَ أَوْ تُكُهِّنَ لَهُ، أَوْ سَحَرَ أَوْ سُحِرَ لَهُ، وَمَنْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ». رواه البزار بإسناد جيد ).
«لَيْسَ مِنَّا» تقدم الكلام على هذه الكلمة وأنه لا يدل على خروج هذا الفاعل من الإسلام، بل هو على حسب الحال (...).
(وعن عمران بن حصين رضي الله عنه مرفوعًا: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَطَيَّرَ»)
مرفوعا يعني إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
«لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَطَيَّرَ أَوْ تُطُيِّرَ لَهُ»
سبق أن التطير هو التشاؤم بمرئي أو مسموع أو معلوم أعم، من مسموع أو مرئي أو غير ذلك، هذا هو التطير، وأصله من الطيور؛ لأن العرب كانوا يتشاءمون أو يتفاءلون بها، فصار كل من تشاءم بشيء قيل له: متطير.
تَطَيَّرَ هو بنفسه، مثل زجر طيره، فلما راح إلى الشمال، وكان بالأول يبغي يسافر، قال: خلاص هذا السفر مشؤوم، فلا أسافر.
ومنه ما يحصل لبعض الناس إذا شرع في عمل، ثم حصل له في أوله شيء تشاءم وتركه؛ فهذا لا يجوز، بل اعتمد على الله وتوكل عليه، وما دمت ترى أن في هذا العمل خيرًا فامض فيه ولا تتشاءم لأنك ما وُفقت فيه لأول مرة؛ كم من إنسان لم يُوفَّق في العمل لأول مرة، ثم وُفق في ثاني مرة وفي ثالث مرة.
ويقولون: إن الكسائي إمام النحو المشهور إنه طلب النحو عدة مرات ولم يوفَّق فيه، فرأى نملة، وهي اللي تسمى عندنا الجعص، يحمل نواة تمر، وهي التي تسمى عندنا العدسة، فيحملها ويصعد بها إلى الجدار، فيسقط، ثم يحملها فيصعد أكثر من قبل ويسقط عدة مرات، حتى صعد بها إلى الجدار ومضى لحاجته، فقال: سبحان الله العظيم! هذا المخلوق هذه الحشرة تكابد هذه النواة وتكابدها حتى نجحت، إذن أنا أبغى أكابد علم النحو حتى أنجح فيه. فكابده فنجح وصار إمام أهل الكوفة في النحو.
فأقول: لا تتطير إذا لم تُوفَّق بأول عمل، بأول ما تبدأ بعمل تتطير، أو ما يفعله بعض الناس إذا أصبح ومشى في السوق وصار أول ما لاقاه ما يكرهه تطير وتشاءم وقال: هذا اليوم يوم نحس والعياذ بالله، كل هذا لا يجوز والرسول صلى الله عليه وسلم تبرأ من فاعله.
«أَوْ تُطُيِّرَ لَهُ» (تطير) بالبناء للمفعول؛ أي: أمر من يتطير له، مثل أن يأتي لشخص ويقول: أنا سوف أسافر إلى المكان الفلاني، وأنت صاحب طير، فأريد أن تزجر طيرك لأنظر: هل هذه الوجهة مباركة أو مشؤومة، فمن فعل ذلك فقد تبرأ منه الرسول عليه الصلاة والسلام.
وقوله: «مَنْ تَطَيَّرَ» يشمل من تطير لنفسه، أو تطير لغيره.
قال «أَوْ تَكَهَّنَ أَوْ تُكُهِّنَ لَهُ» الكهانة سبق لنا أنها ادعاء علم الغيب في المستقبل، واحد يتكهن ويخرص كما يقول أهل العلم يقول: سيكون كذا وكذا، سيكون كذا وكذا، ربما يصادف أن قوله يقع؛ هذا متكهن.
ومن الغريب أن هذه اللفظة شاعت الآن في أسلوب الناس، تكهن أن فلانًا بيجيء، تكهن كذا، فيطلقون هذا اللفظ الدال على عمل محرَّم يطلقونه على أمر مباح، وهذا ما ينبغي؛ لأنه إذا أُطلِق على أمر مباح معلوم إباحته ظن العامي الذي لا يفرق بين الأمور أن الكهانة مباحة كلها، بدليل هذا اللفظ الذي كان يطلقه الإنسان على شيء مباح معلوم إباحته.
وقوله: «أَوْ تُكُهِّنَ لَهُ» يعني: طلب من الكاهن أن يتكهن له، كأن يكون مثلًا اللي يذهب إلى كاهن يقول: ما ترى؟ ماذا يصيبني مثلًا غدًا، أو بعد غد، أو في الشهر الفلاني، أو في السنة الفلانية، هذا متكهَّن له، تبرأ منه الرسول عليه الصلاة والسلام.
«أَوْ سَحَرَ أَوْ سُحِرَ لَهُ» والسحر تقدم تعريفه أنه قسمان: إما رُقًى وعُقَد، وإما الاستعانة بالشياطين. وكله تبرأ منه الرسول عليه الصلاة والسلام.
«أَوْ سُحِرَ لَهُ» أي: طلب من الساحر أن يسحر له، ومنه النُّشْرَة عن طريق السحر؛ فإنها داخلة في قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَوْ سُحِرَ لَهُ»، وكانوا يستعملونها على وجوه متنوعة؛ منها أنهم يأتون بالطشت فيه ماء، ويصبون فيه رَصاصًا، فيتكوَّن هذا الرصاص بوجه الساحر؛ يعني: يكون صورة الساحر تُرَى في هذا الرصاص، ويسمونها العامة عندنا صب الرصاص أو الصب، هذا أيضًا من أنواع السحر، وهو محرم، وتبرأ منه الرسول صلى الله عليه وسلم.
(«وَمَنْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ». رواه البزار بإسناد جيد).
الشاهد من هذا الحديث قوله: «وَمَنْ أَتَى كَاهِنًا» إلى آخره.
قال: (ورواه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن من حديث ابن عباس رضي الله عنهما دون قوله: «وَمَنْ أَتَى» إلى آخره).
فيكون هذا مقويًّا للأول.
(قال البغوي: العراف الذي يدَّعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على المسروق ومكان الضالة ونحو ذلك)
العراف كلنا يعرف أنه صيغة مبالغة، فإما أن يُراد بها الصيغة، وإما أن يراد بها النسبة. وهو الذي يدعي معرفة الأشياء. وليس كل من يدعي معرفة يكون عرافًا، لكن مَن يدعي معرفةً تتعلق بعلم الغيب، يدعي معرفة الأمور بمقدمات يَستدِل بها على مكان المسروق والضالة ونحو ذلك.
وظاهر كلام البغوي رحمه الله أنه شامل لمن ادعى معرفة المستقبل والماضي؛ لأن مكان المسروق ماضٍ ولا مستقبل؟ ماضٍ، قد سُرق، وكذلك مكان الضالة فقد حصل الضياع، فظاهر كلامه يشمل هذا وهذا، ولكن المسألة ليست اتفاقية من أهل العلم، ولهذا قال المؤلف رحمه الله: (وقيل: هو الكاهن، والكاهن: هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل. وقيل: الذي يخبر عما في الضمير).
يعني بعض أهل العلم فسر العراف بالكاهن، والكاهن هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل، وهذا لا شك أنه علم الغيب، وقيل: الذي يخبر عما في الضمير، ويش معنى عما في الضمير، يعني تضمر شيئًا وتقول له: ويش أضمرت؟ فيقول: أضمرت كذا وكذا. هذا كاهن.
أو المغيبات في المستقبل، تقول: ماذا سيحدث في الشهر الفلاني، في اليوم الفلاني؟ فيقول: كذا وكذا، ماذا ستلد امرأتي مثلًا؟ متى يقدَم ولدي؟ وهو لا يدري. فهذا من الكهانة.
فالآن اختلف العلماء في تعريف العراف، فقيل: هو الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات يَستدل بها على مكان المسروق والضالة ونحوها؛ فيكون شاملًا لمن يُخبِر عن أمور وقعت. وقيل: هو الكاهن، والكاهن هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل، أو الذي يخبر عما في الضمير.
ونقل المؤلف رحمه الله عن شيخ الإسلام (وقال أبو العباس ابن تيمية) أبو العباس هو أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية، يكنى أبا العباس، وليس له ولد، وهو لم يتزوج، وليس تركه للزواج من باب الرهبانية، ولكنه والله أعلم أنه مشغول بالجهاد العلمي، مع قلة الشهوة، والله أعلم، وإلا لو كان قوي الشهوة لتزوج، وهو كما يدعي المزوِّرون له ولد مدفون إلى جانبه؛ لأن أحد الإخوة زار دمشق وقالوا له: أترغب أن تزور شيخ الإسلام ابن تيمية؟ فقال: نعم، فذهب به وقال: هذا شيخ الإسلام، وهذا ابنه. قال: ما تزوج الرجل حتى يكون له ابن، لكن المزور على اسمه غالبًا لا يقول إلا الزور، أو لعله سمع (أبو العباس) وقال: له ولد اسمه العباس، والله أعلم.
(قال أبو العباس ابن تيمية رحمه الله: العراف اسم للكاهن والمنجم والرمَّال ونحوهم ممن يتكلم في معرفة الأمور بهذه الطرق).
ظاهر كلام الشيخ رحمه الله أن شيخ الإسلام جزم بهذا، ولكن شيخ الإسلام قال: وقيل: العراف، فذكره بقيل، ومعلوم أن ما ذُكر بقيل ليس مما يُجزَم بأن المؤلف يقوله، صحيح أنه إذا نقله ولم ينقضه؛ فهو دليل على أنه ارتضاه.
إنما على كل حال شيخ الإسلام ساق هذا القول وارتضاه، ثم قال: ولو قيل: إنه اسم خاص لبعض هؤلاء -يعني الرمال والمنجم ونحوهما- فإنهم يدخلون فيه بالعموم المعنوي؛ لأن عندنا عمومًا معنويًّا، وهو ما ثبت عن طريق القياس، وعمومًا لفظيًّا، وهو ما دل عليه اللفظ، بحيث يكون اللفظ شاملًا، هذا يُسمَّى عمومًا لفظيًّا. ودلالته على النظير تُسمَّى عمومًا معنويًّا؛ لاتفاقهما في العلة الشاملة لهذا ولهذا.
وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله أن استخدام الإنس للجن له ثلاث حالات:
تارَةً يستخدمون الجن في طاعة الله عز وجل، مثل أن يكون نائبًا عنه في تبليغ الشرع، يكون هذا له صاحب من الجن مؤمن يأخذ العلم عنه، ويتلقَّى منه، وهذا شيء ثبَت أن الجن قد يتعلمون من الإنس، فيستخدمه في تبليغ الشرع لنظرائه من الجن، أو في المعونة على أمور مطلوبة شرعًا، يقول: فهذا لا بأس به، بل إنه قد يكون أمرًا محمودًا ومطلوبًا، وهو من الدعوة إلى الله عز وجل.
ثانيًا: أن يستخدم الجن في أمور مباحة، مثل أن يطلب منهم العون على شيء من الأشياء، قال: فهذا جائز بشرط ألا تكون الوسيلة محرمة، الوسيلة إلى هذه الخدمة محرمة، فإن كانت محرمة صار حرامًا، لو كان الجني ما يساعده في أموره إلا إذا ذبح له، أو سجد له، أو ما أشبه ذلك، كان ذلك حرامًا أو شركًا، حسب ما تكون هذه المعصية.
وتارة يستخدم الجن في الظلم والعدوان؛ كنهب أموال الناس وترويعهم، وما أشبه ذلك، فهذا ويش حكمه؟ محرم.
ثم إن كانت وسيلته شركًا صار شركًا، وإن كانت وسيلته غير شرك صار معصيةً، كما لو كان هذا الجني الفاسق يألف هذا الإنسي الفاسق ويتعاون معه على الإثم والعدوان؛ فهذا يكون إثمًا وعدوانًا، ولا يصل إلى حد الشرك.
قسمهم ثلاثة أقسام، ثم قال: إن من يسأل الجن، أو يسأل من يسأل الجن، ويصدقهم في كل ما يقولون، فهذا معصية وكفر. ثم ذكر ما ذُكر عن عمر رضي الله عنه، أنه تأخر ذات مرة في سفره، فأبو موسى رضي الله عنه اشتغل فكره من تأخُّر أمير المؤمنين، فقالوا له: إن امرأة من أهل المدينة لها صاحب من الجن، فلو أمرتها أن ترسل صاحبها يبحث عن عمر، ففعل، فذهب الجني، ثم رجع، وقال: إن أمير المؤمنين ليس به بأس، وإنه كان يسم إبل الصدقة في المكان الفلاني، ثم قدم عمر رضي الله عنه بعد ذلك فهذا استخدام في أيش؟ في أمر مباح.