بشرط أن تكون الوسيلة مباحة، ومعلوم أن الذي يستخدمها في الدعوة إلى الله أنه لم
يتوسل إليهم بشيءٍ محرم، ومعلوم للجميع أن الجن حضروا إلى النبي عليه الصلاة
والسلام وقرأ عليهم القرآن، وولَّوا إلى قومِهم مُنْذِرين، وأن فيهم الصلحاء
والعُبَّاد والعلماء؛ لأن المنذِر لا بد أن يكون عالمًا عابدًا؛ عالمًا بما ينذر
به، مطيعًا لله سبحانه وتعالى في الإنذار.
والحال الثانية: أن يستخدمهم في أمرٍ
مباح، فهذا أيضًا جائز بشرط أن تكون الوسيلة مباحة.
والأمر الثالث أو القسم
الثالث: أن يستخدمهم في أمر محرم فهذا محرم، ثم إن كانت الوسيلة محرمة أو شركًا كان
أعظم وأبلغ، وإلَّا كان محرمًا ولو كان بوسيلة مباحة.
ونهبُ الجن لأموال الناس
هذا أمر معلوم، فإنه أحيانًا يَفقِد الناس شيئًا من أموالهم، أو من أوانيهم، ولم
يدخل الدار عليهم أحد، فيكون الجن قد أخذوها.
وحدثني إنسان ثقة -وأظني قد حدثتكم
بها، لكن بعضكم لم يسمع- عن رجل له صاحبة من الجن تُسمَّى نجمة، وكان في البصرة،
والبصرة قريبة من الزبير، كان في البصرة، وكان أحد أصحابه عنده، فقال: إني تأخر عني
خبر أهلي، فأُحِبُّ أن تقول لنجمة: تذهب تسأل عن حالهم، فقال: طيب، فدعاها، نجمة،
نجمة، نجمة. فقالت: نعم، لبيك. فقال: اذهبي إلى أهل فلان في بلده، شوفي عنهم، ويش
لون حالهم؟ ويش لون صحتهم؟ وكذا، يقول: فسمعنا (...) يعني: مثل صوت الهواء (...)،
وما مضى يمكن عشرة دقائق إلا وقد رجعت، وهو بالبصرة وأهله في عُنَيْزَة، فقالت: إن
أهلَك ليس بهم بأس، وإنهم يطبخون عشاءهم الآن، وهذا كان بعد الظهر. فقال الرجل
لصاحبه هذا الكلام، قال: هذا ما تقوله نجمة، قال: لا، هذا كذب، نروح (...) ودي تروح
بعشر دقائق، هذا ما هو بصحيح. قال: ويش تبغي؟ نعطيك علامة؟ قالت: إذا كان إنكم
تبغون علامة قولوا لي، ففيه (...) محطوطة على رف، في الموقد، موقد المطبخ (...)
فيها دهن على الرف، إذا شئتم أجيبها ها الساعة، جئت بها إليكم. قال: ما تقول؟ يقول
لصاحبه، أخلها تجيب هذه؟ قال: لا، والله إذا كان الأمر إلى ها الحد، لو تأخذ هذه من
عندهم فزعوا، قالوا: ويش هذا؟ فالمهم أن هذا دليل على أن الجن يمكن ينهبون أموال
الناس، صح ولّا لا. وشاهدوا هذا في القرآن: قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ [النمل: ٣٩] يقدر يروح يجيب عرش بلقيس من اليمن، ويجيبه للشام، فهم عندهم قوة، لا
شك أن عندهم قوة ونفوذ أقوى من الإنس، أقوى من الإنس بكثير؛ ولهذا لهم مقاعد في
السماء؛ وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ [الجن: ٩]، مقاعد بحيث يستمعون أخبار السماء.
طالب: هل عندهم اندفاع للسرقة من الإنس؛ يعني: أن يسرقوا من
أموالهم؟
الشيخ: إي نعم، أليس الشيطان الذي جاء إلى
التمر الذي استُحفظ عليه أبو هريرة رضي الله عنه ما كان يأخذ؟ يأخذ وكذاب، يقول:
إنه به عيال، وإنه محتاج.
طالب: (...).
الشيخ: إي، عاد هذا الطريق، قد تكون الوسيلة مُحرَّمة، تكون
الوسيلة محرمة إما من عدوان الجني، أحيانًا يعتدي الجِنِّيُّ على الإنسيِّ فيلابسه،
يلابسه ثم يكون من هذه الملابسة مصادقة، أو عداوة فيقتله؛ يختلفون، وقد يكون هذا
الإنسي أعجب الجني في حالة من الأحوال التي عليها؛ كعبادة، أو كرم في المال، أو كرم
في النفس؛ شجاع، أو كرم في العلم، فيألفوا من هذا، وقد يكون الجني مؤمنًا بالله عز
وجل فيطيع الإنسي بهذا السبب.
فالمهم أن الأسباب كثيرة، وقد يكون هذا -والعياذ
بالله- من انسلاخ الإنسي عن الدين، وإشراكه بالله سبحانه وتعالى، فيحصُل ما
يحصُل.
المهم أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ذَكَر أن العرَّاف: اسم عام
يشمل هؤلاء؛ إما بالعموم اللفظي، وإما بالعموم المعنوي.
فإذا قال قائل: ما هو
الطريق للحِفْظ من الجن؟ قلنا: الطريق عَلَّمه النبي عليه الصلاة والسلام أمَّتَه؛
وهو قراءة آية الكرسي، فمن قرأها في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يقرَبُه
شيطان حتى يصبح وهي: اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [البقرة: ٢٥٥].
طالب:
اللي ما يقيمها يا شيخ؟
الشيخ: حسب قُدرَتِه فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: ١٦] مثل
غيرها من الأعمال، (وقال ابن عباس في قومٍ يكتبون أبا جادٍ،
وينظرون في النجوم ما أَرى)، ويجوز (ما أُرى)، فإن كانت (ما أَرى) فالمعنى:
ما أعلم، وإن كانت (ما أُرى) فالمعنى: ما أظن، (ما أرى من فعل
ذلك له عند الله في الآخرة من خَلاقٍ )
خلاق يعني نصيب.
(يكتبون أبا جاد) ويش هو (أبا جاد)؟ (أبا
جاد): أبجد هوز تعرفونها أنتم؛ أبجد هوز حطي كلمن سعفص.
طلبة: ثخذ ضغظ.
الشيخ: لا، قرشت،
ثخذ، ضظغ، هذه حروف أبجد هوز.
تَعَلُّم أبا جاد ينقسم إلى قسمين: تعلُّمٌ مباح
بأن يتعلَّمها لحساب الجُمَّل، وما أشبه ذلك، هذا لا بأس به، وما زال الناس
يستعملونها، حتى العلماء يُؤرخون بها، نعم، قال شيخنا رحمه الله في تاريخ المسجد
الذي هُدِمَ ليُبْنَى قال:
| جُدُ بِالرِّضَا أَعْطِ المُنَى | مَنْ سَاعَدُوا فِي ذَا البِنَا |
| تَارِيخُهُ حِـــــــينَ انْتَـــــهَى | قَـــــوْلُ الْمُنِيبِ اغْفِرْ لَنَا |
(اغفر لنا) هذا تاريخ المسجد الجامع القديم، هذه بأي شيء نعرف تاريخها؟
طلبة: بحساب الجُمل.
الشيخ: بحساب الجُمل (أبجد هوز).
| وَالشَّهْرُ فِي شَوَّالَ يَا | رَبِّي تَـــقَـــــبَّلْ سَـــــــعْيَنَا |
(اغفر لنا) هذه عاد تبغي تحتاج الآن نعدها، ما فيه مانع، (اغفر لنا) الهمزة واحد، والغين ألْف -(ضظغ)، آخِر ما فيه من الحروف الأبجدية (ضظغ) غين- (اغفر لنا) الغين بألْف، والفاء ثمانون أظن، أظنها ثمانين؛ (أبجد) هذه أربعة، (هوز) هذه سبع، (حطي) هذه عشر، (كلمن) الكاف عشرون، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والنون خمسون، (سعفص) السين ستون، والعين سبعون، والفاء ثمانون. طيب (اغفر) هذه ألف وواحد وثمانون، الراء مائتان؛ (قرشت) الراء مائتان، واللام ثلاثون، والميم أربعون.
طلبة: (...).
الشيخ: خمسون.
على كل حال هي ألف وثلاث مئة وثلاثة وستين، تطلع ألف وثلاث مئة وثلاثة وستين.
طيب، في تاريخ وفاة الشافعي:
| ......................... | وَلِلشَّافِعِي دُرٌّ وَرِمْ لابْنِ حَنْبَلِ |
كلمة (دُرٌّ) كم؟
طلبة: (...).
الشيخ: هذه الحروف: أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت ثخذ ضظغ، شوف تبدأها أولًا بالأفراد، ثم بالعشرات، ثم بالمئات، حتى تصل إلى الألف؛ بالأفراد (أبجد) الهمزة واحد، والباء اثنين، والجيم ثلاثة، والدال أربعة، نكمل.
إما أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ فَذَاكَ» ، ولا يمكن العلم بموافقة خَطَّه أو لا؟ وحينئذ يكون الخط (...) مُحَرَّمًا؛ لأننا لا يمكن أن نعلم موافقة خَطَّ هذا النبي.
أو يقال: إن خط النبي بالوحي الرحماني، وخط الساحر بالوحي الشيطاني، وبينهما فرق، ولا يمكن ولا يتصور أن يوجد لغير نَبِيٍّ خطٌّ يوافق خطَّ النبي، لغير نبي ما يمكن يوجد؛ لأنه ما دام من الوحي، فالوحي خاص بالأنبياء، إي نعم.
طالب: ما فائدة قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «فَذَاكَ»؟
الشيخ: فائدته: لئلا يحتج أحد بهذا لو بلغه من طريق آخر.
طالب: وين (...)؟
الشيخ: في هذه الطرق من منجم وساحر وغيره، وسبق لنا أن ابن عباس رضي الله عنه قال في قوم يكتُبون أبا جاد، وشرحنا أبا جاد؛ وقلنا: إنه الحروف الأبجدية، وهي مجموعة في قوله؟
طالب: أبجد هوز حطي كلمن سعفص ثخذ ضظغ.
الشيخ: لا.
طالب آخر: أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت ثخذ ضظغ.
الشيخ: زين، ضاد وظاء وغين. وقلنا: إن هذه الحروف استُعملت في الحساب؛ أول حرف منها واحد حتى يبلغ عشرة، ثم بالعشرات حتى يبلغ مئة، ثم بالمئات حتى يبلغ ألفًا هذه، وقد اعتنى بها كثيرٌ من العلماء في العصور الوُسطى وما بعدها، وصاروا لا تكاد تجد أحدًا إلا ويَعُدُّ بها، حتى في القصائد الفقهية والنحوية وغيرها، من يقول:
| أَبْيَاتُهَا في الْعَدِّ دُرٌّ....... | ...................... |
در يعني: كم؟
طلبة: مئتين وأربعة.
الشيخ: مئتين وأربعة، ويؤرخون أيضًا بها في مواليد العلماء ووفياتهم، لكنها الآن قليل، فيما أعتقد أنه قلَّ استعمالها، إنما ابنُ عباس ما يريد هذا؛ أن تُسْتَعمل هذه الحروف للأعداد والتقادير، لكنه قال: يكتبون أبا جاد وينظرون في النجوم، والواو هنا ليست عطفًا لكنها للحال؛ يعني: والحال أنهم ينظرون، فيربطون ما يكتبون بسير النجوم وحركاتها، أما لو كانوا يكتبون أبا جاد، وينظرون في كل جملة مستقلة، فإنه لا يستقيم المعنى، لكن المعنى أنهم يكتبون هذه الكتابة مربوطة بأيش.
الطلبة: بسير النجوم.
الشيخ: بسير النجوم وحركاتها، وطلوعها وغروبها، فهم يكتبون وينظرون، وقوم ينظُرون في النجوم؛ ليستدلوا بالموافقة أو المخالفة على ما سيحدث في الأرض إما على سبيل العموم، وإما على سبيل الخصوص؛ على سبيل العموم بأن يقولوا: سيحدث مثلًا جدبٌ، أو حرب، أو مرض، أوبئة عامة، وما أشبه ذلك. وعلى سبيل الخصوص مثل أن يقولوا لشخص: سيحدث لك في هذا سعود، أو نحس، أو مرض، أو فقر، أو فقدُ وَلَدٍ، أو ما أشبه ذلك، فهم يَربطون هذه بهذه.
ومعلوم أنه ليس هناك سبب لاختلاف حركات النجوم، واختلاف الوقائع في الأرض.
وقوله: (ما أُرى) ويجوز ما أَرى؛ فـ(ما أُرى) بالضم أي: ما أظن، و(ما أَرى)، أي: ما أعلم.
وقوله: (ما أرى من فعل ذلك -أو ما أُرى- مَن فعل ذلك له عند الله من خلاق) خلاق يعني نصيب، وظاهر هذا أنه يرى كفرهم؛ لأن اللي ما له نصيب عند الله هو الكافر؛ إذ لا يُنفى النصيب مطلقًا عن أحد من المؤمنين، فالمؤمن له نصيب، وإن كان له ذنوب عُذِّب بقدْرِ ذنوبِه إذا لم يُعْفَ له عنها، ثم صار آخر أمره إلى النَّصيب الذي يجده عند الله، فيُستفاد من كلام ابن عباس رضي الله عنهما أن هذه الطريقة التي يستعملها هؤلاء توجب الكفر.
ولم يبين المؤلف رحمه الله حُكْمَ الكاهن، والمنجم، والرمَّال، من حيث العقوبة في الدنيا؛ وذلك لأننا إن حكمنا بكفرهم فالأمر واضح، ما حكمهم في الدنيا؟ أنهم يُستتابون، فإن تابوا وإلَّا قُتِلوا كفارًا.
أما إذا قلنا بعدم الكفر بأن كان سحرًا لا يصل إلى الكفر كما سبق، أو قلنا بأنهم لا يكفرون؛ لأن المسألة فيها خلاف فإنه يجب قتلُهم أيضًا، يجب قتلُهم لدفع مفسدتهم ومضرتهم، حتى وإن قلنا بعدم الكفر؛ لأن أسباب القتل ليست مختصة بالكفر فقط، له أسباب متعددة متنوعة، إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ [المائدة: ٣٣]، فكلُّ مَن أفسد على الناس أمور دينهم أو دنياهم فإنه يُستتاب، فإن تاب وإلا قُتِل، لا سيما إذا كانت هذه الأمور تصل إلى الإخراج من الإسلام.
ما حكم النظر في النجوم من حيث هو؟
النظر في النجوم من حيث هو ينقسم إلى أقسام:
أولًا: أن يستدل بها -أي بحركات النجوم وسيرها- على الحوادث الأرضية سواء كانت عامة أم خاصة، فحكم هذا التحريم، وقد يصل إلى درجة الكفر أو الشرك الذي دون الكفر، حسب ما يكون بحال الشخص؛ إن كان يعتقد أن هذه النجوم هي المُدَبِّرة للأمور أو أن لها شركًا في هذا، فهو كفر مخرج عن الملة، وإن كان يعتقدها سببًا فقط فكفرُه لا يُخرِجُه من الملة، ولكنه يُسمَّى كُفرًا؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام على إثر سماء كانت من الليل: «هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ؛ فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ» . وقد سبق لنا أن هذا الكفر ينقسم إلى قسمين بحسب اعتقاد قائله.
القسم الثاني: أن يرى في النجوم، ويتعلَّم سيرَها وحركاتِها ليستدل بها على الفصول، وأوقات البَذْر، والحصاد، والغرس، وما أشبه ذلك، فهذا من الأمور المباحة؛ لأنه يستعين بذلك على أمور دُنْيَوِيَّة فهو من الأمور المباحة.
القسم الثالث: أن يتعلَّمها لمعرفة الأوقات؛ أوقات الصلوات، وجهة القبلة، وما أشبه ذلك من الأمور المشروعة، فالتعلم هنا مشروع، قد يكون فرض كفاية، أو فرض عين، المهم أنه مشروع، فتبيَّن بذلك أن تَعَلُّم النجوم ينقسم إلى هذه الأقسام الثلاثة.
طالب: ما الفرق بين (...)؟
الشيخ: أيش؟
طالب: (...).
الشيخ: الطرق.
طالب: يعني: كلاهما خط.
الشيخ: إي، الظاهر اختلاف تعبير فقط.
طالب: هذا تعريف البغوي: العراف (...).
الشيخ: نعم.
طالب: (...).
الشيخ: لا، هذا (...) القافة أمور حسية، ما هي خفية، يستدل بالأثر، أما هذه الذي يذكر فهي أمور معنوية، أمور خفية، ما هي حسية.
طالب: المقدمات حسية.
الشيخ: إي، المقدمات هذه ما هي بمقدمات معرفة الأثر؛ لأن الأثر حسي، مقدمات -يعني مثلًا- هو يعمل أشياء؛: مثل: يخط الأرض، يعقد مثلًا، حركات معينة، وما أشبه ذلك.
طالب: إبراهيم عليه السلام في قوله تعالى: فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات: ٨٨، ٨٩] (...).
الشيخ: إي نعم، هذا من باب التورية لقومه؛ كان الرسول عليه الصلاة والسلام يُوَرِّي إذا غزا غزوةً، ورَّى بغيرها ، هو نظر في النجوم؛ لأن هم يعتقدون أن النجوم آلهة، يعبدون النجوم والكواكب، فنظر فقال: إني سقيم، ما هو من باب أنه يعتقد أنها مؤثرة. لا.
طالب: (...) ما ثبت في الحديث..
الشيخ: مثل قوله: هَذَا رَبِّي [الأنعام: ٧٦]، هو ما بيعتقد أن هذا ربه.
طالب: ما صحَّ عن الرسول أن سُئل عن «أنَّ نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِياءِ كَانَ يَخُطُّ».
الشيخ: بلى.
طالب: فقال «مَنْ وَافَقَ خَطَّهُ فَذَاكَ» ما يدل على أنه لا بأس بالخط إذا كان (...)؟
الشيخ: أجبنا عن هذا، أجبنا عنه بجوابين، ما هو؟
طالب: ما يمكن لأحد أن يوافق خط النبي.
الشيخ: نعم، الرسول عَلَّقَه بأمر لا يمكن الحصول عليه؛ لأنه قال: «فَمَنْ وَافَقَ خَطُّهُ فَذَاكَ».
طالب: أما الأمر الثاني: أن خطَّ النبي بوحيٍ رحماني، والوحي الشيطاني (...).
الشيخ: إي نعم، أن يقال: إن الخط إذا كان بالوحي من الله عز وجل، كما في حال هذا النبي، فلا بأس به؛ أن الله يجعل له علامة ينزل عليه الوحي بها بخطوطٍ يعلِّمُه إيَّاها، وأما هذه الخطوط السِّحْرِيَّة فهي بالوحي الشيطاني.
طالب: طريقةُ الرسول عليه الصلاة والسلام؛ كان يَسُدُّ الأبواب جميعًا الخاصة بموضوعِ الشِّرْكِ، فلم لم يقطع هذا الباب عليه الصلاة والسلام.
الشيخ: كأن هذا -والله أعلم- أمر معلوم؛ أنَّ فيه نبيًا من الأنبياء يخُطُّ، فلا بد أن يجيبَ عنه الرسول عليه الصلاة والسلام.
ثم قال المؤلف: (فيه مسائل:
المسألة الأولى: أنه لا يجتمع تصديقُ الكاهن مع الإيمان بالقرآن)، من أين يؤخذ؟
طالب: من قوله: «فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ».
الشيخ: إي نعم، «مَنْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ» ، ما وجه ذلك؟
طالب: لأنه كذَّب القرآن.
الشيخ: لأنه كذَّب القرآن، والتكذيب من أعظم الكفر.
(المسألة الثانية: التصريح بأنه كُفْرٌ).
طالب: من قوله: «فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ».
الشيخ: من قوله: «فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ» نعم.
(الثالثة: ذكر مِن تُكُهِّنَ له).
طالب: حديث عمران بن الحصين: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَطَيَّرَ أَوْ تُطِيِّرَ لَهُ، أَوْ تَكَهَّنَ أَوْ تُكُهِّنَ لَهُ» .
الشيخ: ذكره بأيش؟ المؤلف قال: (ذكر مِن تُكُهِّنَ له) بس.
طالب: ليس منا.
الشيخ: يعني أنه كالكاهن في البراءة منه «مَنْ تَكَهَّنَ أَوْ تُكُهِّنَ لَهُ» فذكره بأنه كالكاهن في براءة النبي صلى الله عليه وسلم منه.
(الرابعة: ذكر مَن تُطُيِّرَ له).
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم، طيب (الخامسة: ذِكْرُ مَنْ سُحِرَ له).
طالب: مثلها.
الشيخ: مثلها، لماذا أتى المؤلف بهذا الذي قد يبدو للإنسان أمرًا بسيطًا؛ ذِكْرُ مَنْ تُكُهِّنَ له أو سُحِرَ له أو تُطُيِّرَ له.
طالب: لأنه قد يُعارِضَ فيها معارض.
الشيخ: لأنه قد يُعارَض، يقال: هذا في الكهان، وهذا في المتطيرين، وهذا في السحرة، فقال: إن من طلب أن يُفْعَل له ذلك فهو مثلهم.
(السادسة: ذِكرُ مَن تَعَلَّم أبا جاد) وهذا -كما قلنا- فيه تفصيل، لا يُحْمَد، ولا يُذَمُّ إلا على حسب الحال التي يَتَنَزَّل عليها.
(السابعة: ذكر الفرق بين الكاهن والعراف) نشوف الآن؛ لأن هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم كما رأيتم، من قال: إن العراف هو الكاهن، فلا فرق بينهما. ومن قال: إن العراف هو الذي يَستَدِلُّ على معرفة الأمور يعني أعم من الكاهن، ويش يقول: فهو من باب العام والخاص، يكون الفرق بينهما أن العرَّاف أعم من الكاهن؛ لأنه يشمل الكاهن وغيرَه، ومن قال: إن العرَّاف الذي يستدل على الأمور بمقدمات، وأن الكاهن من يخبر عما في الضمير، أو عن المغيبات في المستقبل، ما الفرق بينهما؟
طالب: كذلك.
الشيخ: ويش كذلك؟
طالب: هذا أعم، يكون العراف أعم.
الشيخ: اللي يقول: العراف هو الذي يخبر عن الأمور بمُقَدِّمات يستدل عليها، والكاهن الذي يخبر عما في الضمير، أو عن المغيبات في المستقبل، يعني: يكون العراف أعم؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: ولّا نقول: العراف يختص بالماضي، والكاهن بالمستقبل؟
طلبة: يختصُّ بالمستقبل.
الشيخ: كلام البغوي؛ لأنه قال: المسروق، ومكان الضالة، ونحو ذلك، فالظاهر أنه في الماضي.
على كل حال الآن: عندنا ثلاثة آراء في هذه المسألة؛ إما أنهما مترادفان، أو أنهما النسبة بينهما العموم والخصوص، أو أنهما متباينان.
إما مترادفان، أو متباينان، أو النسبة العموم والخصوص، لكن ما فيه من يقول: إن الكاهن أعم من العراف، ما فيه مَنْ يقول هذا.
***
ثم قال المؤلف رحمه الله: (باب ما جاء في النُّشْرَةِ) النُّشْرَة بضم النون فُعلَة مِن النشر، وهو التَّفريقُ، وهو التَّفريق، هذا في اللغة.
أمَّا في الاصطلاح -بل، وفي اللغة أيضًا معروفة عند العرب بالمعنى الذي هو المصطلح عليه، فالنُّشرَةُ: حلُّ السِّحر عن المسحور، هذا تعريفه؛ لأن هذا الذي يُحِلُّ السِّحْر عن المسحور، يفرقه ويزيله عنه، ويرفعه منه.
أما حكمُها: فإنَّه يتبين مما قاله المؤلف رحمه الله، وهو من أحسن البيانات، ولا ريب أن حل السحر عن المسحور من باب الدواء والمعالجة، وأن فيه فضلًا كبيرًا لمن ابتغى به وجه الله؛ لأن المسحور كما تعرفون – نسأل الله السلامة- يُصاب أحيانًا بأمراض نفسية لا نهاية لها، وأحيانًا بأمراض بدنية حسية لا يكون حيًّا ولا ميتًا، نسأل الله العافية، وأحيانًا يصل إلى درجة الجنون، أمراض عقلية، فالسِّحر له تأثير، إما على البدن، أو العقل، أو الفكر، أو النفس، يكون الإنسان مثلًا ضيق الصدر دائمًا، ولا يأنس بأحد، ولا يأنس إلا بمن استُعْطِفَ عليه، والعياذ بالله.
وأحيانًا يكون أمراض نفسية بالعكس، تُنَفِّر هذا المسحور عمن تُنَفِّره عنه من الناس، فالحاصل أن السِّحر مرض عظيم، والعياذ بالله، وأن النشرة فيها فضل عظيم لمن وُفِّقَ لها ولكنها في القسم المباح منها.
طالب: (...) في عقله ونفسه.
الشيخ: الفرق: العقل: يكون إنسان -والعياذ بالله- مجنون، يصل إلى حد الجنون، فيبدأ مثلًا يضرب، يشتم، ولا يصلي. المهم يُجَنُّ، أما النفسي فهو ما جُنَّ، عقلُه معه، لكنه ما هو مستأنس، ولا منشرح الصدر، بل هو دائمًا في هموم، في غم، في وسواس، ما يستريح أبدًا.
قال: (عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عن النُّشْرَةِ، فقال: «هِيَ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ» ) سئل تكتب على ألف؟!
طالب: لا.
الشيخ: على ياء؛ لأنها مكسورة، ولو كان اللي قبلها مضموم؟
طالب: نعم، لأن الكسر أقوى من الضم.
الشيخ: لأن حركة الحرف أشدُّ تأثيرًا في الحرف من حركة ما جاوَرَه؛ ولهذا الرَّاء إذا كانت مكسورة تكون مُرَقَّقَة، ولا تَسأَلِ عن اللي قبلها، لكن إذا سُكِّنَت صار كل شيء له حركه، المتحرك ما يقدر أحد يحركه، لكن الساكن يحركه كل شيء، إي نعم.
(سئل عن النُّشْرَةِ فقال: «هِيَ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ») (أل) في قوله: (النشرة) العهد الذهني المعروف عندهم، التي كانوا يستعملونها في الجاهلية، وذلك طريق من طرق السحر.
وهي -أي النشرة- بغير المباح تنقسم إلى قسمين:
أحدها: أن تكون بسحر.
والثاني: أن تكون باستخدام الشياطين؛ فإن كانت باستخدام الشياطين، فإنها كما سبق لنا، قد تكون شِرْكًا، إذا كان لا يصل إلى حاجته منهم إلا بالشرك، فتكون شركًا، أو تكون معصية، حسب الحال.
وإن كانت بسحر، فالسحر -كما سبق- إن كان باستخدام الشياطين فهو كالأول، وإن كان بالأدوية والرُّقى، والنَّفثِ، والعقد، وما أشبه ذلك، فإنه لا يصل إلى حد الشرك، لكنه مُحَرَّم، من ذلك ما يفعله بعض الناس اليوم يأتون إلى المَسْحور، ويضعون فوق رأسه طست، ثم يصبون عليه رصاص، طست فيه ماء، ويَصبُّون عليه رصاصًا، ويزعمون أن الساحر يبدو وجهه في هذا الرصاص، يتصور كوجه الساحر، فيستدل بذلك على من سحره.
وقد سئل الإمام أحمد -رحمه الله- عن النشرة فقال: إن بعض الناس أجازها، أو أحل ذلك، فقيل له: إنهم يجعلون الشيء -الماء- في الطست، وأنه يغوص فيه، وأنه يبدو فنفض يده، وقال: ما أدري ما هذا، ما أدري ما هذا، فكأنه رضي الله عنه ورحمه توقف في هذا الأمر كيف هذا العمل؟ قال: ما أدري، ما أدري، قد يكون من الشياطين وقد يكون من غير الشياطين، المهم أن هذا نوع من النوع المحرم من النشرة، وهذا هو الصحيح في هذه المسألة -كما سيأتي إن شاء الله تعالى- وخالف فيه بعض أهل العلم.
قال: (رواه أحمد بسند جيد، وأبو داود)، وقال: (سئل أحمد عنها)، سند أبي داود إلى أحمد متصل؛ لأنه قد حدثه وأدركه، قال: (سئل أحمد عنها فقال: ابن مسعود يكره هذا كله)، أجاب رحمه الله بقول الصحابي، وكأنه ليس عنده فيها أثر صحيح، وإلا لو كان عنده أثر صحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام، ما كان يستدل بقول ابن مسعود رضي الله عنه؛ (قال: ابن مسعود يكره هذا كله)، المشار إليه أيش؟ كل أنواع النشرة حتى لو كانت على رأي ابن مسعود بالتمائم المعلقة وما أشبهها، فإنه يكره ذلك ابن مسعود رحمه الله؛ يكره أن يعلق الإنسان شيئًا من القرآن على صدره لأجل أن يُستشفي به، وقوله هو الصحيح، الصحيح أن هذا محرم.
وقوله: (يكره هذا كله) الكراهة عند المتقدمين بمعنى التحريم، وعند المتأخرين بمعنى خلاف الأولى، انتبهوا لهذا، فلا تظنوا أنه إذا ورد لفظ المكروه في عُرف المتقدمين أو في كلام المتقدمين أنه مثله في كلام المتأخرين، لا، بل هو يختلف، انظر إلى قوله تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء: ٢٣]، وذكر أشياء محرمة، ثم قال في آخر الآيات: كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا [الإسراء: ٣٨]، لا شك أن المراد بالكراهة التحريم.
وقوله: (يكره هذا كله) يكره ذلك كراهة تحريم، هذا الحديث بين الرسول عليه الصلاة والسلام فيه حكم النشرة بأنها «مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ» وهذا يغني عن قوله: إنها حرام، بل هو أشد؛ لأن ربطها بعمل الشياطين يقتضي تقبيحها والتنفير عنها، فهي إذن مُحَرَّمَةٌ.
ودلالة النصوص على التحريم ليس معناها أن تقول: حرُم هذا، بل إذا ذكرت العقوبات أو قرنته بأمر مكروه عند الله دلَّ ذلك على أنه محرم؛ قال: (وفي البخاري عن قتادة: قلت لابن المسيَّب –أو- ابن المسيِّب). يجوز هذا وهذا، وقيل: إنه دعا على من قال: المُسيَّب؛ لأن المُسيَّب المتروك، والمسيِّب التارك فبينهما فرق، (رجل به طَبٌّ) يعني: سُئل ابن المسيب؛ سأله قتادة: رجلٌ به طَبٌّ؛ أي: سحر، الطَّبُّ هو السحر، ومعلوم أن الطَّبُّ هو علاج المرضى، فكيف سُمِّيَ السحر طَبًّا؟ قالوا: إنه من باب التفاؤل، كما سَمَّوا اللَّديغ سليمًا، وسَمَّوا الكَسير جبيرًا، وقالوا: يُمسَح على الجبيرة، فهذا من باب التفاؤل.
(أو يؤخذ عن امرأته) يعني: يُحْبَس عنها، ويش معنى (يُحْبَس)؟ يعني: لا يصل إلى جماعها، هو ليس به بأس، ولكنه عندما يريد أهلَه ما يصل إلى جماعهم، هذا أيضًا نوع من السحر، فيه نوع من السحر والعياذ بالله، يجعل للإنسان بحيث إنه ما يصل إلى جماع أهله، وإن كان في غيرهم سليمًا، لكنه في هؤلاء ما يستطيع، هذا نوع من السحر، والعجيب أنه مشتهر عند الناس أنه إذا كان عند العقد، وعقَدَ أحدٌ أيَّ عُقدةٍ تكون، فإنه يحصُل هذا لو ما هو بساحر، وبالغ بعضهم فقالوا: إنه إذا شبَّك بين أصابعه عند العقد حبس الزَّوج عن أهله، ولكن هذا ما أعرف له أصلًا.
طالب: لو بدون نية.
الشيخ: لو بدون نية، لكن هذا لا أعرف له أصلًا، والحقيقة أن التشبيكَ ينبغي أن يكون على العكس، ما هو ربط، ربط بينهما بين الزوج والزوجة على العكس من هذا، لكن كثيرًا ما يقع، ونسأل عن هذه المسألة، ويطلبون العلاج، وقد ذكر بعض العلماء أن من العلاج أن يطلِّقها، فإذا طلقها ثم راجعها انفكت المسألة، ولا أدري أيضًا هذه هل تصح ولّا ما تصح؟ لكن إن صحت فالطلاق هنا جائز ولَّا غير جائز؟
طلبة: جائز.
الشيخ: جائز؛ لأنه طلاق (...) يطلق كعلاج، لكني لا أدري عن صحة هذا، ولهذا ما نفتي بهذا الشيء، نقول: والله لا نعرف عن هذا شيئًا، وأنتم إذا قيل لكم شيء..
طالب: (...).
الشيخ: هو إذا جرب؛ لأن الأدلة قد تكون بالتجارب، أو بالنص؛ ولهذا الأدوية التي استحدِثَت أخيرًا كلُّها بالتجارب.
طالب: نعم (...).
الشيخ: هذه ربما..
طالب: لكن العقد (...).
الشيخ: قصدك من جهة اللي يسحرون، هم يعتقدون أن هذه مثل النفاثات في العقد؛ ولهذا يقولون (...).
طالب: حصلت هذه يا شيخ.
الشيخ: ويش اللي حصل؟
طالب:حدثنا أبي رحمه الله قال: إنه تزوج رجل، وبعدين فيه رجل ثانٍ فقير، هذا الرجل غني شوي، فالرجل هذا الرجل هذا الفقير ما معه فلوس، وبعدين فيه امرأة قالت له: أنت عاوز مثلًا منه فلوس، انتظر لغاية ما يبول؛ يعني: هات شوكة من النخل الجديدة لسه، وضعها في فتحة بوله، فيقول: إنه فعل مثلما قالت له هذه المرأة، فراح الرجل إلى أهله في الليل، فما وجد شيئًا، فبعد ذلك أعطاه.
الشيخ: يمكن ما هي ساحرة.
طالب: أظنها خرافات يا شيخ.
الشيخ: على كل حال قوله: (يؤخذ عن امرأته) يعني: يُحبَس بسبب السحر.
طالب: شيخ، ما قلنا: يكون مشركين شركًا أصغر.
الشيخ: وين.
طالب: (...).
الشيخ: هي إذا كانت سحرًا هي مؤثرة بلا شَكٍّ؛ ولهذا أمر الله بالاستعاذة من النفاثات في العقد.
طالب: (...) لا شرعًا ولا أيضًا..
الشيخ: لا واقعًا، ما هي في مسألة النِّكاح اللي ذكرت.
طالب: كيف؟ يستفصل يا شيخ، لو كان مثلًا علاجًا يُؤكَل، جزاك الله خيرًا.
الشيخ: لا تقل كذا يا أخي؛ لأنه هذا العين أيضًا هذا العين تؤثر.
طالب: العين (...).
الشيخ: حتى هذه النَّفاثات في العقد هو إذا وقع العقد من ساحر، فالأمر واضح أنه مؤثر، كما قال الله: وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ [الفلق: ٤]، ويكون هذا باستعانةِ الشياطين على أن يبردوا شهوته عند إرادة أهله.
طالب: نفث وعقد؛ يعني: جمع هنا الركنين.
الشيخ: إي نعم.
طالب: لكن هنا ما توفر إلا عقد.
الشيخ: هو ربما أنهم (...) أو لا؟ إنما على كل حال هي عند الناس هكذا؛ ولهذا ما ندري عنها، وأنا ما أقولها مقررًا لها، لكني أقولها حاكيًا عن الناس، ولا أقول أيضًا: إنه ينبغي للإنسان أن يخشى من هذا الأمر.
طالب: بيربطوه.
الشيخ: لا، ما يربطونه إن شاء الله.
طالب: (...).
الشيخ: أعوذ بالله، على كل حال، السحر وطرقه هذه ما نعلم عنها، فله طرق، ما هي طرق معلومة، قد تكون طرقه خفيَّة، والعياذ بالله.
طالب: (...).
الشيخ: نشوف الآن (...).
طالب: اشتهر عند الناس أنه لا يحضر العقد إلا الخاصون، هل..؟
الشيخ: الظاهر أنهم يخشون من هذا.
الطالب: أو يُنهى عنه. يقال: لا داعي لكل هذا.
الشيخ: ما ننهى عنه، نخشى أن الأمر له حقيقة، والحمد لله هذا من باب أن الإنسان يَتَّقي الأسباب.
يقول: (أو يُؤخَّذ عن امرأته) رجل به طِبٌّ؛ أي: سحر. (أو يؤخذ عن امرأته) (أو) هنا للشك؛ يعني: أو قلت: يُؤخَّذ. ويحتمل أن تكون للتنويع بمعنى: أني سألته عن الأمرين؛ عن المسحور، وعن الذي يُؤَخَّذ عن امرأته.
قال: (أيُحَلُّ عنه أو يُنْشَّر؟) هذه لا شك أنها على سبيل الشك؛ لأن الحَلَّ هو النشرة، كما قلنا: إن النُّشرة هي حل السحر عن المسحور.
قال: (لا بأس به إنما يريدون به الإصلاح )، فابن المسيِّب رحمه الله يقول: إنه لا بأس أنه يُحَلُّ عنه، وعلَّل (...).
وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ [البقرة: ١٠٢]، وأن النافع منه لا بأس به، هذا ظاهر ما رُوِيَ عنه، وبهذا الظاهر أخذ أصحابنا الفقهاء رحمهم الله، وقالوا: إنه يجوز حَلُّ السحر بالسحر للضرورة، فأجازوا ذلك.
وقال بعض أهل العلم: إنه لا يجوز حلُّ السحر بالسحر، وحَمَلوا ما رُوِي عن ابن المسيِّب -أو المسيَّب- بأن المراد به ما لا يُعْلَم عن حاله هل هو سحر أو غير سحر؛ فأما إذا عُلِمَ فإنَّه لا يَحِلُّ، ولا شك أن هذا حمل لكلام ابن المسيب على معنى قد يكون هو المراد، وقد يكون المراد غيره، وأنه يرى رحمه الله الجواز، ولكن على كل حال حتى لو كان ابن المسيب ومن فوق ابن المسيب من غير مَنْ قوله حجة يرى أنه جائز، هل معنى ذلك أنه يكون جائزًا في حكم الله، أو حتى يُعرَض على الكتاب والسنة؟
حتى يُعرَض على الكتاب والسنة، وقد سمعتم أن الرسول عليه الصلاة والسلام سُئل عن النُّشرة؛ فقال: «هِيَ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ» ، ولا عجب أو ولا غَرْو أن يُخْطِئ أحد من التابعين، أو من الصحابة أيضًا في أمر من الأمور، ويكون بذلك معذورًا.
فالآن على رأي هؤلاء يكون حَلُّ السحر على ثلاثة أقسام: قسم عَلِمنا أنه بالسحر فهو حرام، وقسم علمنا بأنه بدواء مباح، أو أدعية، أو قرآن، فهذا جائز مباح، وقسم لا ندري هل هو بهذا أو بهذا، فحملوا كلام المسيب على هذا النوع، اللي ما يُدرى هل هو (...) أو من المحرم؟ فقالوا: إنه ما دام نافعًا، ونحن في شك من دخوله في الحرام، فإنه يرتفع عنَّا الشكُّ؛ لأن القاعدة الشرعية أن ما لم يكن الأمر فيه واضحًا، فإن الحاجة تبيحُه، الشيء اللي ما فيه نصوص واضحة، تبيحه الحاجة؛ يعني: الذي اجتنابه من باب الورع، الحاجة تبيحه؛ لعدم القطع بالتحريم.
طالب: عرفنا حكم هذا الأمر، ثم جهلنا الحكم، لكن هذا جهلنا ظاهر الأمر، والأصل المنع من الإتيان للساحر.
الشيخ: هم يحملون كلامَ ابن المسيب على هذا.
طالب: لكن ما يقال: إنَّ الجواب عنه الأخير، يقال: الساحر يَحرُم أصلًا (...) الدخول عليه والتعالج عنده.
الشيخ: لا، ما هو إحنا شككنا، الآن لو علمنا أنه بطريق سحر فهو حرام؛ مع أن ظاهر كلام ابن المسيب الجواز كما هو المذهب.
طالب: الظاهر نهي الرسول عنه؛ لأنه من عمل الشيطان؛ ثم لا يحل السحر إلا ساحر؛ كما قال الحسن، فالظاهر المنع منه إلا إذا علمنا.
الشيخ: إذا علمنا أيش؟
طالب: إذا علمنا أنه ينشُر..
الشيخ: أنا قلت: إن هؤلاء أجابوا عن كلام ابن المسيب بهذا الجواب، وقالوا: إنه يحمل على الشك، وإلا فما علمنا بأنه سحر فهو حرام قطعًا.
طالب: ما يحمل كلام ابن المسيب رحمه الله على أنه..؟
الشيخ: بيجي على كلام ابن القيم في حمله لكلام ابن المسيب ما حمله على هذا، لكن الشارح صاحب تيسير العزيز الحميد هو الذي حمله على هذا؛ على أن ابن المسيب رحمه الله أراد الشيء المشكوك فيه.
طالب: (إنها من عمل الشيطان) هي صفة أم شيء آخر؟
الشيخ: كيف صفة؟
طالب: صفة (...).
الشيخ: لا، هذا بيان لحقيقتها؛ يعني: معناه أن الشيطان هو الذي يأمر به فهي من عمله.
طالب: صفة لازمة يعني؟
الشيخ: إي نعم، إذا كانت بطريق السحر فهي لازمة.
قال رحمه الله: (وروي عن الحسن أنه قال: لا يَحلُّ السِّحْرَ إلا ساحرٌ، قال ابن القيم: النُّشرةُ حَلُّ السحر عن المسحور، وهي نوعان:
حلٌّ بسحرٍ مثله، وهو الذي مِن عمل الشيطان، وعليه يحمل قولُ الحسن، فيتقرَّب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يُحِبُّ، فيبطل عملَه عن المسحور.
والثاني: النشرة بالرُّقية، والتعوذات، والأدوية، والدعوات المباحة، فهذا جائز) وكأنه يرى أنه يُحمَل عليه كلام ابن المسيب.
فالحاصل أن النشرة تنقسم إلى ثلاثة أقسام على حسب ما شرحه الشيخ سليمان رحمه الله: ما علمنا بأنه بسحر فهي حرام، وما علمنا أنه بمباح فهي حلال، وما شككنا فيه فهي لنفعِها تكون من الحلال، وعليه يُحمَل كلام ابن المسيب، ولكن ابن القيم يرى أنها نوعان فقط، والفقهاء رحمهم الله يَرون أن حَلَّ السحر بالسحر جائز للضرورة. (...).
ما هي النُّشْرَة لغة، يعني ابن المسيب على هذا.
طيب، حكمُ حل السحر بسحر مثله؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، ولا للضرورة؟
طالب: ولا للضرورة.
الشيخ: ولا للضرورة. ما الدليل؟
طالب: (...).
الشيخ: دليل السحر؟
طالب: هي من عمل الشيطان.
الشيخ: ما هو الدليل على أنها من عمل الشيطان؟
طالب: قوله تعالى: وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ [البقرة: ١٦٨].
الشيخ: (...) نص في الموضوع هذا.
طالب: أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل عن النشرة فقال: «هِيَ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ».
الشيخ: نعم، أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن النشرة فقال: «هِيَ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ»، طيب، وما هو الدليل على القسم الجائز، اللي في الأدوية والتعوذات، وما أشبه ذلك.
طالب: (...).
الشيخ: والقراءة على اللديغ من باب النشرة؟
طالب: هي تحل السحر.
الشيخ: يعني: لدغة الحية سحر.
طالب: لا.
طالب آخر: بالمعوذات.
الشيخ: بالمعوذات، فهذا دليل على جوازِه في القراءة والأدعية، وما أشبه ذلك، وربما يُستدل بقوله: «لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ» فإن العين قريبة من السحر؛ إذ إنها تَوَصُّلٌ إلى الإضرار بالغير بسببٍ خفي ولّا لا؟
طيب، أما الأدوية المباحة فيُستَدَلُّ بعموم قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا [البقرة: ٢٩] لمنافعنا، وإذا علمنا أن في هذا العمل منفعة فإننا نفعله؛ لأن الأدوية الحسية يُعلَم أنها دواء إما بطريق الوحي، أو بطريق التجارب؛ مثال الذي بطريق الوحي قول النبي عليه الصلاة والسلام: «الْكَمْأَةُ مِنَ المَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ» ، وكذلك العسل كما قال الله تعالى: فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ [النحل: ٦٩]، وهذا من الوحي، وأما الذي من التجارب فهو كثير جدًّا، كل الأدوية الآن المستعملة غالبها من التجارب.
طالب: حديث: «لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ»، حصرها في العين والحُمَة، فالسحر غير العين.
الشيخ: أقول: إنه ربما يستدل به؛ لأن العين تُشبِه السحر من حيث إنها سبب خفي يضر بالمَعين.
طالب: عين وسحر.
الشيخ: إي: متقاربان؛ الساحر الآن يتوصل إلى العمل بالمسحور بأشياء خفية؛ إما بطريق الشياطين، أو ما أشبه ذلك؛ ولهذا قَرَن الله بينهما في سورة الفلق وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ [الفلق: ٤، ٥]، وقال العلماء: الحاسد: العائن إذا عان.
طالب: قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ دَاءٍ إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ دَوَاءٌ» ، ففي هذا السحر لازم له من دواء (...)؟
الشيخ: وهذا أيضًا (...).
طالب: ما هي الكَمْأَة يا شيخ؟
الشيخ: الكمأة هي الكمأة؟
طالب: ما عرفت.
الشيخ: الكمأة: الفَقْع.
طالب: (...).
الشيخ: دقيق، الكمأة: الفقع.
طالب: فقع.
الشيخ: الفقع نعم، عرفتها الآن؟
طالب: بيبعوها (...) في السوق هنا (...) يطلع المطر.
الشيخ: إي، هذه هي.
طالب: هي، دي يا شيخ.
الشيخ: هذه هي، نعم.
طالب: الكمأة غيرها.
الشيخ: لا، هي الفقع، بس هي أنواع.
طالب: قد جاز الكمأة، غير الفقع (...).
الشيخ: قال الشاعر:
| وَلَقَدْ جَنَيْتُكِ أَكْمُؤًا وَعَسَاقِلًا | وَلَقَدْ نَهَيْتُكَ عَنْ بَنَاتِ الْأَوْبَرِ |
بنات الأوبر يُسَمَّون عندنا باللغة العامية (هوبر)، والعساقل يُسمُّونه (الخلاسي)، والكمأة يسمونها (الزُّبَيدي)؛ لأنها مثل الزبدة، أما عند العامة: فهم كله فقع، عامة الناس ما يُفَرِّقون، إلا أهل النظر والبصيرة.
طالب: لكن مختص بالزَّبيدي يا شيخ.
الشيخ: يحتمل أنه خاص بالزبيدي، ويحتمل أنه عام، المقصود هذا، والله أعلم.
طالب: (...).
الشيخ: لا، الزُّبيدي كبير.
أظن انتهى الكلام على باب النُّشرة، هل النشرة بالسحر فيها خلاف؟
طالب: نعم، قال بعض العلماء بالجواز؛ يعني: النشرة والسحر للضرورة.
الشيخ: للضرورة، فإذا أمكن بغيرِه فلا يجوز، لكن إذا كان للضرورة، فهذا جائز؛ لأنهم يريدون به الإصلاح.
قال: (فيه مسائل؛ الأولى: النهي عن النُّشرة)؛ لقوله: «هِيَ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ»، لكن ما فيه صيغة النهي، فيه صيغة النهي؟ لا، صيغة النهي: (لا تفعل)، لكن فيه ما يدل على النهي؛ لأن طرق إثبات النهي ليست الصيغة فقط، بل ذمُّ فاعله، وقول: هذه من عمل الشيطان، وتقبيح الشيء، وما أشبه ذلك، فليس خاصًّا بصيغة النهي.
الثاني: (الفرق بين المنهي عنه والمرخص فيه مما يزيل الإشكال) من أين يؤخذ هذا؟ نحن نقول: هذه من المسائل اللي في الباب، نعم، منين يؤخذ الفرق بين هذا وهذا؟
طالب: من كلام ابن القيم في النهاية.
الشيخ: صح من كلام ابن القيم، هو ما قال: إنه فيه دليلًا مثلًا، يقول الفرق بين هذا وهذا، وهذا يُؤخَذ من كلام ابن القيم وتفصيله رحمه الله.
طالب: الفقهاء أجازوا النُّشرة بالسحر، رغم إن الساحر ما يجوز أن يُترَك.
الشيخ: للضرورة.
طالب: نعم، للضرورة، لكن الساحر لا يكفر، كيف الجواب؟
الشيخ: لا، هم عندهم إن الساحر اللي (...) ما يكفر، لكن يجب قتل الساحر يعني مثلًا: إذا قُدِّر أن هذا الساحر مثلًا ما يستطاع قتلُه، أو أن ولاة الأمور أبقَوْه، وما أشبه ذلك. قلنا: نعم، هذا (...) فيه إشكال، لكن يقال: إذا قُدِّر أنه بقي، أو يقال: إن الساحر الذي لا يضر، وإنما ينفع الناس (...)، ما دام قلنا بجواز عمله، هذا فلا وجه لكونِه يقتل، تحتاج المسألة إلى تحرير أكثر.
***
الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، باب ما جاء في التطير، وقول الله تعالى: أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [الأعراف: ١٣١]، وقوله قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ [يس: ١٩] الآية، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لَا عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ، وَلَا هَامَةَ، وَلَا صَفَرَ» ، أخرجاه زاد مسلم «وَلَا نَوْءَ، وَلَا غُولَ».
ولهما عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ، وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ». قالوا: وما الفألُ؟ قال: «الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ» .
ولأبي داود بسند صحيح عن عقبة بن عامر، قال: ذُكِرَت الطِيَرةُ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أَحْسَنُهَا الْفَأْلُ، وَلَا تَرُدُّ مُسْلِمًا، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ، فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ لَا يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ إِلَّا أَنْتَ، وَلَا يَدْفَعُ السَّيِّئَاتِ إِلَّا أَنْتَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ». وعن ابن مسعود مرفوعًا: «الطِّيَرَةُ شِرْكٌ، الطِّيَرَةُ شِرْكٌ» وما منَّا إلَّا، ولكن الله يُذهِبه بالتوكُّل رواه أبو داود .
الشيخ: قال: (باب ما جاء في التطيُّر) التطير تفعُّل، مصدر تفعَّل، وأصله مأخوذ من الطير، الطيرة معروفة؛ وذلك لأن العرب كانوا يتفاءلون بها أو يتشاءمون بها على الطرق المعروفة عندهم، يزجر الطير، ثم ينظر هل يذهب يمينًا أو شمالًا، أو ما أشبه ذلك، فإن ذهب إلى الجهة التي فيها التيامن أقدم، أو فيها التشاؤم أحجم وترك، هذا في الأصل، أما في الاصطلاح فإنَّه أعم، أعم من اللغة؛ إذ إنه التشاؤم بمرئي أو مسموع.
وهذا من الأمور النادرة؛ لأن الغالب أن اللغة أوسع من الاصطلاح، هذا الغالب؛ أن الاصطلاح يُدخِل على الألفاظ قيودًا يخصها؛ مثل: الصلاة مثلًا في اللغة: الدعاء، وفي الاصطلاح أخص من الدعاء، وكذلك الزكاة، وغيرها، الغالب أن الاصطلاحات أخصُّ من المدلول اللغوي، لكن أحيانًا يكون الاصطلاح أعم، فهنا الاصطلاح أعم؛ لأنه التشاؤم بمرئي أو مسموع، وإن شئت فقلْ بمرئيٍّ، أو مسموع، أو معلوم أعم.
طالب: (...) الطير من قوم يتفاءلون.
الشيخ: لا، في عندهم اصطلاح، لهم اصطلاح فيه.
يروح يمينًا مثلًا، يتفاءل، يسار يتشاءم، يروح قدام، يروح خلف، حسب عاد اصطلاحاتهم اللي يصطلحون عليها، هذا التشاؤم يكون التشاؤم بمرئي؛ كما لو رأى طيرًا موحشًا فتشاءم؛ أراد مثلًا يخرج إلى مكان ما، أو أن يسافِر أو ما أشبه ذلك، فرأى شيئًا يوحشه فتشاءم، هذا مرئي أو مسموع، مثل: هَمَّ بأمر، فلما خرج ومشى لهذا الأمر سمع واحدًا يقول للثاني: يا خايب، يا خسران، أو سمع أحد يقول: والله فلان انكسر، وما أشبه ذلك فيتشاءم، وهنا التشاؤم بمسموع سمع صوتًا تشاءم منه.
أو يتشاءم بمعلوم لا يسمع ولا يرى؛ كالتشاؤم ببعض الأيام، والتشاؤم ببعض الشهور، والتشاؤم ببعض السنوات، وما أشبه ذلك، كل هذا داخل في التطير، كله داخل في التطير.
واعلم أن التطير ينافي التوحيد، ووجه منافاته له أن المتطير قطع توكله على الله، وتعلق بهذا السبب الذي لا حقيقة له؛ لأن هذا السبب لا حقيقة له، ولا علاقة بين أن تسمع شيئًا تكرهه، أو ترى شيئًا تكرهه، أو أن تكون في شهر كذا، أو في يوم كذا، لا علاقة له بالحوادث، فأنت الآن علَّقْتَ قلبك بشيء لا حقيقة له، وقطعت التوكل والاعتماد على الله سبحانه وتعالى، وهذا لا شك أنه يُخِلُّ بالتوحيد؛ لأن التوحيد عبادة واستعانة؛ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة: ٥]، فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ [هود: ١٢٣].
التوكل هو روح الاستعانة في الحقيقة، فالحاصل أن هذا التطير ينافي التوحيد من وجهين:
الوجه الأول: أن الإنسان قطع توكلَه على الله، واعتمد على غيره.
ثانيًا: أنه تعلَّق بما لا حقيقة له، تعلَّق بأمر لا حقيقة له، فأي رابطة بين هذا الأمر وبين ما يحصل لك؟ ولهذا عائشة رضي الله عنها كانت تقول: إن النبي عليه الصلاة والسلام تزوَّجها في شوال، وبنى بها في شوال، وكانت أحظى نسائه إليه وأحب نسائه إليه . وكان العرب يقولون: إن الإنسان إذا تزوج في شوال، فإنه لا يفلح في زواجه، يتشاءمون بهذا الشهر، ولا حقيقة له، هذا لا حقيقة له، كما علمتم.
طالب: (...).
الشيخ: لا، أبدًا من أجل الثواب.
طالب: ما لها علاقة.
الشيخ: لا، ما لها علاقة.
طالب: قوله: لأن الطيرة من العرب (...)، والعرب يتشاءمون بالطير، قولهم: (إنا تطيرنا بكم) قبل العرب.
طالب آخر: لغاية دلوقتي عندنا في مصر أن الغراب لو عدَّى وقال: كاك. إن كان واحد غايب، يقولون: الغايب جاي.
الشيخ: نعم، من هذا النوع، طيب، إذن، الطيرة حكمها محرمة، وهي منافية للتوحيد من وجهين كما عرفنا، والمتطير في الحقيقة لا يخلو من حالين: إما أن يُحْجِم، ويستجيب لهذه الطيرة، ويدَعُ العمل، وهذا من أعظم التشاؤم، والتطير وإما أن يمضي، لكن في قلق وهم وغم، يخشى منين؟ من تشاؤم هذا المتطير، يخشى من تأثير هذا المتطير به، وكلا الأمرين نقص في التوحيد، وضرر على العبيد أيضًا، انطلق إلى ما تريد بانشراح صدر، وتيسير، واعتماد على الله عز وجل، ولا تُسِئْ الظن بربك، ولا تسئ الظن بالله عز وجل.
قال: (وقول الله تعالى: أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [الأعراف: ١٣١]) هذه الآية نزلت في موسى وقومه؛ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُقال الله تعالى: أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ [الأعراف: ١٣١]، معنى يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُيعني يقولون: هذا منك، هذا من موسى وأصحابه، جاء البلاء منهم، جاء الجدب، جاء القحط، جاء كذا، جاء كذا، فأبطل الله تعالى هذه العقيدة بقوله: أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ [الأعراف: ١٣١]، و(ألا) هنا أداة استفتاح تفيد التنبيه، أيش بعد؟ والتوكيد.
وقوله: (إنما) أداة حصر، و(طائر) مبتدأ، و(عند الله) خبره، يعني معناه: ما يصيبهم من الجدب والقحط ليس بسبب موسى وقومه، ولكن هو من عند الله عز وجل، فهو الذي قدره، ولا علاقة لموسى وقومه به، بل إن الأمر يقتضي أن موسى وقومه سبب للبركة والخير، عكس ما يقولون، لكن هؤلاء والعياذ بالله مشبهة على العوام، يوهمون الناس خلاف الواقع.
قوله: يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُمعلوم أن موسى ومن معه ليسوا طيورًا، لكن المراد التشاؤم، وعبر عنه بالتطير؛ لأن القرآن باللغة العربية، فإذا كان تشاؤم أولئك بموسى وقومه وهم ليسوا طيورًا فإن العرب يتشاءمون أكثر ما يتشاءمون بالطيور، ولهذا كان عندهم التشاؤم هو التطير.
وقوله: وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [الأعراف: ١٣١] لأنهم منغمسون في الجهل، وليس عندهم رب إلا فرعون، هو ربهم، فلا يعلمون أن هناك إلهًا وربًّا مدبرًا، وأن ما أصابهم فمن الله، وليس من موسى وقومه.
طالب: قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا [يس: ١٨] ثم قالوا..
الشيخ: نعم، هم قالوا: إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ، يعني: تشاءمنا قطعًا.
طالب: كانوا قبل العرب..
الشيخ: إي نعم، قبل العرب، لكن هم عبر الله عنهم بالتطير؛ لأن العرب يجعلون التشاؤم تطيُّرًا؛ لأنهم كانوا يستعملون الطيور، أكثر ما يستعملونه في هذا الشيء.
طالب: يعني هم، قالوا يقينًا: إنا تطيرنا بكم؟
الشيخ: لا، يقينا، ما لفظوا بها؛ لأن لغتهم ليست عربية، حكى الله عنهم ما قالوا، والقرآن عبَّر باللغة العربية، فيجوز إنهم قالوا هذا المعنى فقط، وهذا قطعًا بأن جميع مَن حكى الله أقوالهم من غير العرب فقد حكاها بالمعنى قال: وقوله: قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ [يس: ١٩]، قالوا من؟
الذين أُرسِلوا إلى القرية وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤) قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (١٥) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦) وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٧) قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (١٩) [يس: ١٣ - ٢٠] طيب، قالوا: طائركم معكم ردًّا على قولهم: إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ، يعني: تشاءمنا بكم، وأننا لا نرى أنكم تدلوننا على الخير، بل تدلوننا على الشر، وما فيه هلاكنا، فقالوا: طَائِرُكُمْ مَعَكُمْأي: مصاحب لكم، أي: ما يحصل لكم، فإنه منكم ومن أعمالكم، ولا منافاة بين هذه الآية والتي قبلها؛ لأن الآية الأولى تدل على المُقَدِّر لهذا الشيء، وهو الله، وهذه الآية تبين سببه، وهو أنه منهم، فهو بالحقيقة طائرهم معهم، يعني: الشؤم إن كان هناك شؤم، فهو معكم مصاحب لكم، ملازم لكم؛ لأن أعمالكم توجب ذلك؛ كما قال الله عز وجل: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُون [الأعراف: ٩٦].
يستفاد من هاتين الآيتين: أن التطير كان معروفًا مَن قَبْل العرب، وفي غير العرب أيضًا؛ لأن الأول في فرعون وقومه، والثاني في أصحاب القرية، ثم إن هؤلاء الذين تطيروا هل تطيرهم حقيقة أو للتمويه؟
الطلبة: للتمويه.
الشيخ: للتمويه، وإلا فهو كاذب، يعني: في الحقيقة أنهم ليسوا هم الذين جلبوا لهم الشر، ولكن الذي جلب لهم الشر أعمالهم، فقدَّر الله عليهم ما يسوؤهم جزاء سيئة بمثلها، وقال أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ [يس: ١٩] هنا ينبغي أن نقف: قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ، ثم تقول: بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ؛ لأن (إن ذكرتم) الجملة الشرطية جواب الشرط فيها محذوف، والتقدير: أئن ذُكِّرْتم تطيرتم؟ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ، وعلى هذا فلا تصلها بما بعدها، بل تقول: أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ، ثم تقول: بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ.
وقوله: بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ(بل) هنا للإضراب الإبطالي أو الانتقالي؟ الإبطالي، يعني: بل ما أصابكم ليس منا، وإنما هو من إسرافكم، بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَومعنى (مسرفون): متجاوزون للحد الذي يجب أن تكونوا عليه.
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لَا عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ، وَلَا هَامَةَ، وَلَا صَفَرَ» أخرجاه) الضمير المثنى يعود على مَنْ؟ البخاري ومسلم، أولًّا: قال رسول الله صلوات الله وسلامه عليه: «لَا عَدْوَى»، و(لا) هذه نافية للجنس، وتعرفون أن نفي الجنس أعم من نفي الواحد، والاثنين، والثلاثة، والأربعة؛ لأنه نفي للجنس كله، فنفى رسول الله صلى الله عليه وسلم العدوى، قال: «لَا عَدْوَى»، والعدوى: انتقال المرض من المريض إلى الصحيح، هذه العدوى، انتقال المرض من منين؟
طلبة: من المريض إلى الصحيح.
الشيخ: من المريض إلى الصحيح، وكما يكون ذلك في الأمراض الحسية، يكون أيضًا في الأمراض المعنوية الخلقية؛ ولهذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن جليس السوء إما أن يُحْرِقَكَ، وإما أن تجد منه رائحة كريهة، أو قال: يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه رائحة كريهة ، هذه عدوى، فقوله: «لَا عَدْوَى» يعني: يشمل العدوى الحسية، والعدوى المعنوية، وإن كانت في الحسية أظهر، قال: ولا طِيَرة، طيرة اسم مصدر تطير؛ لأن المصدر منه تطيُّر، واسم المصدر طِيَرَة؛ مثل: الخِيَرَة اسم مصدر (اختار)، وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب: ٣٦]، يعني: الاختيار أو التخير، فهنا الطيرة اسم مصدر من تطير، والمصدر منه تطيرًا، واسم المصدر يوافق المصدر في المعنى؛ يعني: هو المصدر في المعنى؛ ولهذا تقول: كلمته كلامًا، بمعنى كلمته تكليمًا، وسلَّمْتُ عليه سلامًا بمعنى: سلَّمتُ عليه تسليمًا، لكنه لما كان يخالف المصدر في البناء سَمَّوْه اسم مصدر، الطيرة تقدمت لنا أنها التشاؤم مرئي، أو مسموع، أو معلوم.
«وَلَا هَامَةَ» الهامة فُسِّرَت بتفسيرين أحدهما أنها داء يصيب المريض، وينتقل إلى غيره، وعلى هذا التفسير يكون عطفها على العدوى من باب عطف الخاص على العام.
والتفسير الثاني أن الهامة تزعم العرب.. الهامة طير معروف يُسَمَّى هامة، تزعم العرب أنه إذا قُتِل القتيل، فإن هذه الهامة تأتي إلى أهله، وتنعق عندهم على رؤوسهم إلى أن يأخذوا بثأره، وربما اعتقد بعضُهم أنها روحه تكون بصورة الهامة، وهي نوع من الطيور وتشبه البومة.
طلبة: هي البومة؟
الشيخ: هي البومة، المهم أنها تأتي إلى أهل الميت القتيل على ما يقولون، وتنعاه، وتؤذيهم بالصراخ، حتى يأخذوا بثأره، وبعض العرب يقول: الهامة هي الطير، لكنهم يتشاءمون بها، فإذا وقعت على بيتِ أحدِهم ونعَقَت؛ قالوا: إنها الآن تنعق به ليموت، ويعتقدون أن هذا دليل على قرب أجله، وكل هذا لا شك أنه عقيدة باطلة.
طالب: غير البومة (...).
الشيخ: أنا أعرف لغتهم؟ المهم طير يتشاءم به العرب، الرسول نفى ذلك.
وقوله: «وَلَا صَفَرَ» (صفر) أيضًا قيل: إنه الشهر، شهر صفر، وكان العرب يتشاءمون به، وقيل: إن الصفر داء في البطن يصيب الإبل، وينتقل من هذه البعير إلى بعير أخرى، وعلى هذا فعطفُه على العدوى من باب عطف الخاص على العام، هذا النفي الذي ثبت به الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام في هذه الأمور الأربعة؛ هل هو نفي للوجود أو نفي للتأثير؟
الطلبة: التأثير.
الشيخ: إي نعم، يجب أن نعرف أنه ليس نفيًا للوجود؛ لأنها موجودة، فالعدوى موجودة، والهامة موجودة، والطيرة موجودة، ولّا لا؟ كثير منهم يتطيَّر، وصفر موجود فالرسول عليه الصلاة والسلام لا ينفي وجود شيء موجود، لكن المعنى أن هذه الأشياء لا تأثير لها، إنما المؤثر هو الله، فما كان منها سببًا معلومًا فهو سبب صحيح، وما كان منها سببًا موهومًا فهو سبب باطل، ويكون نفيًا لتأثيره ولسببيته؛ لتأثيره بنفسه ولسببيته؛ هذا النفي هل هو نفي للوجود؟ لا، لماذا؟
الطلبة: لأنها موجودة.
الشيخ: لأنها موجودة، وكلام الرسول عليه الصلاة والسلام حق لا يخالف الواقع، إذن نفي لتأثيرِها، ثم إن كان شيء منها له تأثير معلوم فهو نفي لتأثيره بنفسه، وإن كان شيء منها لا تأثير له فهو نفي لتأثيره الموهوم أيضًا؛ لأنه ما له أثر.
طيب الآن «لَا عَدْوَى» نبدأ بالأول «لَا عَدْوَى»؛ العدوى موجودة، ويدلُّ لوجودها قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ» ، (مُمْرِضٌ): صاحب الإبل المريضة، (على مُصِحٍّ): على صاحب إبل صحيحة، لماذا؟
الطلبة: لئلا تنتقل العدوى.
الشيخ: لئلا تنتقل العدوى، وقوله: «فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الْأَسَدِ» ، والجذام -نسأل الله العافية- مرض خبيث مُعدٍ يتلف صاحبه، ويُعْدِي بسرعة، حتى إن بعضهم قال: هو الطاعون، فيقول: «فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الْأَسَدِ»، لماذا؟ لئلا تقع العدوى منه إليك، وهذا إثبات للعدوى وتأثيرها، ولكن هل تأثيرها هذا أمر حتمي بحيث تكون هي علة فاعلة أو لا؟
الجواب: لا، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بأن نَفِرَّ من الأسد، ونهى أن يُورِد مُمْرِضٌ على مُصِحٍّ من باب تجنُّب الأسباب، لا من باب تأثير الأسباب بنفسها، الأسباب ما تؤثر بنفسها، لكن ينبغي لنا أن نتجنب أيش؟ الأسباب التي تكون سببًا للبلاء؛ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة: ١٩٥]، ولا يمكن أن نقول: إن الرسول عليه الصلاة والسلام ينكر تأثير العدوى، وأنها سبب لانتقال المرض؛ لأن مثل هذا أولًا يبطله الأحاديث الأخرى، وثانيًا يبطله الواقع.
لكن قد يقول قائل منكم: إن الرسول صلى الله عليه وسلم لما قال: «لَا عَدْوَى» قال له رجل: يا رسول الله الإبل تكون صحيحة. معنى كلامه: تكون صحيحة مثل الظباء، فيدخلها الجمل الأجرب، فتجرب، وكيف تكون؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام جوابًا مُقْنِعًا قال له: «مَنْ أَعْدَى الْأَوَّلَ؟» من أعدى الأول؟ مقنع هذا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: مقنع، إذن الذي ينقل مرض هذا إلى الصحيحات مَن هو؟ الله، بتدبير الله عز وجل، فهذا المرض الذي نزل على أول واحد، ما فيه عدوى، نزل من عند الله عز وجل، فالشيء قد يكون له سبب معلوم، وقد لا يكون له سبب معلوم، فجرَبُ الجمل الأول معلوم ولّا لا؟ ما هو معلوم إلا أنه بتقدير الله عز وجل، والجرب الذي بعده له سبب معلوم، لكن لو شاء الله تعالى ما جربوا، ولهذا أحيانًا تصاب الإبل بالجرب ثم يرتفع.





