كتاب التوحيد - 30
عدد الزيارات 1698

عناصر المادة :
باب: قول الله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ}

وأنه لولا أن الله جعل عندك هذا الرجل، ولولا أن الله تعالى أمر أمرًا قدريًّا وأمرًا شرعيًّا أن ينزل هذا الرجل لإنقاذك، ولولا أن الرجل كان فيه قوة، والقوة من عند الله؛ حصل الإنقاذ ولّا لا؟ إذن مهما دورت المسألة وجدتها تعود إلى الله عز وجل، فأنت تعتقد إن هذا سبب محض.
رجل غَرِق ويسّر الله له فخرج، فقال: إن الولِيَّ الفلاني أنقذني.
طالب: هذا شرك.
الشيخ: ويش يصير هذا؟
طالب: هذا شرك أكبر.
الشيخ: شرك أكبر؟ لأيش؟ لأنه غير سبب صحيح، ثم إن إضافته إليه لا يظهر منها أنه يريد أنه سبب أيضًا، بل يريد أنه منقِذ بنفسه؛ لأن اعتقاد أنه سبب وهذا ولي في قبره هذا غير وارد، فهو يرى أنه منقِذ بنفسه، ولهذا أصحاب الأولياء الكاذبين إذا نزل بهم الشدة من يسألون؟
طالب: الله.
الشيخ: لا، يسألون الأولياء، يقول بعضهم إذا نزل في شدة يقول: يا فلان بن فلان.
طالب: إي، يعني يا (...)؟
الشيخ: إي، وأما الأمر البسيط فهو يقول: يا الله، إذا كان أمرًا بسيطًا يقول: يا الله، أمر شديد يقول: يا فلان، وهذا أمر مشاهد، ولذلك اختلف الفقهاء -وإن كان ما هو موضع الدرس- فيمن يعظِّم أحدًا من الأولياء هل يجوز أن نحلفه به؟ لأن بعض معظمي هؤلاء الأولياء إذا قلت له: احلف بالله أعطاك من الأيمان ملء السماء والأرض، لكن لو تقول: احلف بفلان -وليه- ما يمكن يحلف إلا وهو صادق.
طالب: (...).
الشيخ: نعم، في السودان وغير السودان، نعم.
طالب: والرافضة.
الشيخ: إي نعم، والرافضة وغيرهم، إذا قيل لهم: احلف بِوَلِيِّك، ما يمكن يحلف إلا وهو صادق.
فاختلف الفقهاء رحمهم الله في هذه المسألة، فمنهم من قال: يجوز أن نحلِّفَه بوليه، وبعضهم يقول: لا، ما يجوز أن نحلفه إلا بالله وهو الحق، ونحن نخليه يحلف ويكذب، خلوه يحلف ويكذب ويضيع حق صاحب الحق، والأمر عليه يوم القيامة. وهذا هو الحق، ما يمكن نأمر بالفحشاء بسطوة شرع الله وحكمه؛ لأن القاضي يحكم بما أنزل الله، بشرع الله، فكيف يأمر بما هو شرك، هذا ما يجوز، إي نعم؟
طالب: وإن كان جاهلًا؟
الشيخ: لا، عاد إذا كان جاهلًا له حكم آخر، لكن القاضي العالم ما يجوز أنه..
الطالب: لا، حلف بوليه، وهو لو كان جاهلًا، يعني ما..
الشيخ: يحسب ما يخالف يعني؟
الطالب: إي، (...).
الشيخ: على كل حال عندنا قاعدة: كل مَنْ فعل محرمًا جاهلًا، فهو إذا لم يقصر فلا إثم عليه اتفاقًا، إذا ما قصر، فإن قصر في الطلب: يسمع أن هذا حرام ولكنه قال: لا، لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ [المائدة: ١٠١]، ما أنا بسائل، أخاف يقولون: حرام (...) أحلف به. فهذا ما يجوز، يصير آثمًا.
طالب: بعض الناس يقول: بذمتي، حلف هذا؟
الشيخ: ما فيها شيء هذا، ما هو بحالف بالذمة، هذا المعنى: في ذمتي يمين، مثل ما مثَّل النحويون قالوا: في ذمتي لأفعلن، قالوا: هذا يمين، والمعنى: في ذمتي يمين لأفعلن.
(السادسة: التَّفطُّن للإيمان في هذا الموضع، السابعة: التفطُّن للكفر في هذا الموضع).
وأيش (للكفر في هذا الموضع)؟ أن تنسب النعمة إلى غير الله، فيقال: هذا بسبب النوء الفلاني وما أشبهه.
(الثامنة: التفطن لقوله: لقد صدق نوء كذا وكذا).
هذا قريب من قوله: «مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا» ؛ لأن الثناء بالصدق على النوء، معناه أن المطر بوعده وفعله، ولّا لا؟ إذا جاء المطر كثيرًا، يقول: لقد صدق نوء كذا. فهذا يتضمن أن هذا المطر؟
طالب: بفعله.
الشيخ: لا، قبل، بوعده ثم تنفيذ وعده.
(التاسعة: إخراج العالِم للمتعلم المسألة بالاستفهام عنها).
عندكم (إخراج) ولّا (استخراج)؟
طالب: (إخراج العالم).
الشيخ: (إخراج)؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: نعم، هذا أن يلقي العالم على المتعلم السؤال لأجل أن ينتبه له، وإلا الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم أن الصحابة ما يدرون ويش قال الله في تلك الليلة، لكن أراد أن ينبههم على هذا الأمر، فقال: «أَتَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ» ، ولا شك أن هذا يوجب استحضار قلوبهم.
(العاشرة).
طالب: (العالم) (...) (التعليم)؟
الشيخ: لا، عندي أنا (المتعلم)، (إخراج العالم للمتعلم).
الطالب: (التعليم) عندنا.
الشيخ: عندكم (التعليم)؟
طالب: (التعليم).
الشيخ: لا، عندي (للمتعلم).
طالب: الصواب؟
الشيخ: (العاشرة: وعيد النائحة)؛ لقوله: «النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ» ، وهذا وعيد عظيم والعياذ بالله، والنائحة تقدم من هي.
طالب: (...) النائحة؟
الشيخ: النائحة تقدم لنا تعريفها.
الطالب: التي تشق الجيوب يعني؟
الشيخ: لا.
طالب: التي ترفع صوتها عند المصيبة.
الشيخ: إي، في البكاء (...).

***

باب: قول الله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ}
00:07:29

( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ [البقرة: ١٦٥])
.
المؤلف -رحمه الله- جعل الآية هي الترجمة، وحينئذ نعرف ما هذه الترجمة؟ هذه الترجمة في الحقيقة يمكن أن نقول: إنها تعني باب المحبة.
واعلم أن أصل الأعمال كلها هو المحبة، فالإنسان لا يعمل إلا لما يحب، إما من جلب منفعة، وإما دفع مضرة.
أقول: كل شيء فإن مداره على المحبة، ولذلك أنت عندما تفعل شيئًا لماذا؟ لأنك تحبه، سواء أحببته لذاته أو أحببته لغيره، فمحبة الإنسان لهذا الطعام اللذيذ الشهي محبة لذاته، ومحبته للدواء المر الكريه الرائحة محبة لغيره.
كذلك أيضًا عندما تترك الشيء، مبنى الترك أيش عليه؟ على المحبة، ولهذا كانت كل أفعال الإنسان وإراداته كلها مبنية على المحبة، فهي إذن أصل كل شيء، هي أصل كل شيء، فإذا كان الإنسان في قلبه محبة لله وللوصول إلى كرامته وإلى جنته، فسوف يسلك الطريق الموصلة إلى ذلك وهي عبادة الله عز وجل، فالعبادة إذن مبناها ويش عليه؟ على المحبة، بل إنها هي حقيقة العبادة، إذ أنك لو تعبد الله بدون محبة، صارت عبادتك قشرًا لا روح له، فالأصل كل الأصل إنما هي المحبة، ولهذا المشركون لما أحبوا آلهتهم توصلت بهم هذه المحبة إلى أن عبدوها من دون الله أو مع الله.
وقد أشار المؤلف إلى هذا لقوله: وَمِنَ النَّاسِ، ولكننا نحن نقسم المحبة قبل البدء بشرح الآيات والأحاديث، فنقول: إن المحبة تنقسم أصلًا إلى قسمين: محبة عبادة، ومحبة غير عبادة. المحبة إما محبة عبادة؛ يعني معناه: محبة يقصد بها التعبد والتعظيم، وإما محبة سوى ذلك؛ يعني ما هي محبة عبادة.
فالأول -أعني محبة العبادة- لا تصح إلا لله عز وجل، فمن أحب مع الله غيره محبة عبادة فهو مشرك شركًا أكبر، والعبادة كما تقدم لنا: هي التذلل والخضوع والتعظيم، وأن يقوم بقلب الإنسان من إجلال المحبوب وتعظيمه ما يقتضي أن يمتثل لأمره ويجتنب نهيه، هذه محبة العبادة خاصة بالله عز وجل، ويعبر عنها بعض العلماء بالمحبة الخاصة، ولا تصح إلا لله.
أما المحبة التي ليست عبادة فإنها تنقسم إلى أقسام.
منها: ما يكون الجالب لها محبة الله عز وجل، يعني يكون الحامل على هذه المحبة محبة الله، وذلك هي المحبة في الله ولله، بأن يحب الإنسان ما يحبه الله من أعمال وأشخاص وأمكنة وأزمان، فهذه من فروع الأولى؛ محبة العبادة.
ويش قلنا؟ القسم الثاني أنواع، الأول: أن يكون الحامل لهذه المحبة محبة العبادة، وذلك في محبة ما يحبه الله من الأعمال والأشخاص والأزمنة والأمكنة.
هذا النوع يلحق بالنوع الأول، بقسم محبة الله؛ لأنه متفرع عنه، ومن ذلك: محبة الإنسان للرسل عليهم الصلاة والسلام، والأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين.
ومن ذلك محبة الإنسان لعمل الخير، يحب مثلًا الصلاة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «جُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» ، يحب الزكاة، يحب الطهارة، وما أشبه ذلك.
كذلك يحب هذا المكان لأن الله يحبه، كمحبتنا للكعبة وللمساجد ولأُحُد وما أشبه ذلك.
كذلك أيضًا محبة الإنسان لما يحبه الله تعالى من الأزمان، والمراد لما يحب العمل فيه، كمحبة الإنسان لأيام العشر ولرمضان وما أشبه ذلك؛ لأنه زمن عبادة، فهو كمكان العبادة.
أقول: إن هذا النوع أيش؟ تابع للقسم الأول، الذي هو محبة الله سبحانه وتعالى.
والنوع الثاني من هذا النوع الذي ليس محبة عبادة؛ النوع الثاني: محبة إشفاق ورحمة، كمحبة الإنسان لولده، ومحبة الإنسان للضعفاء من الفقراء والصغار والمرضى والكسرى، وما أشبه ذلك، فإن الإنسان يحبهم محبة إشفاق وحنو ورحمة، عرفتم أو لا؟
النوع الثالث من هذا القسم: محبة إجلال وتعظيم لا عبادة، كمحبة الإنسان لوالده ولمعلمه وللكبير من أهل الخير، وما أشبه ذلك، فهذه محبة إجلال وتعظيم لكن ليست محبة عبادة، ما يشعر الإنسان بأنه يحب والده كما يحب ربه، بل يجد فرقًا بين العبادتين، فرقًا يذوقه الإنسان في نفسه، فهذا النوع يُعتبر ليس من نوع العبادة كالنوع الذي قبله.
النوع الرابع من القسم الثاني: محبة تقتضيها الطبيعة، ما هي محبة إجلال ولا تعظيم ولا حنو وشفقة، كمحبة الإنسان للطعام والشراب والملبس والمسكن والمركب والمنكح وما أشبه ذلك، هذه محبة أيش؟ محبة تقتضيها الطبيعة، ما يحمل عليها الإجلال والتعظيم ولا الشفقة ولا الحنو، لكن لأن طبيعته تميل إلى ذلك، محبة الإنسان للنوم عند التعب، المهم لها أفراد كثيرة.
فهذه أربعة أنواع كلها لا تدخل في قسم العبادة، لكن أشرفها هو النوع الأول: المحبة لله وفي الله، هذا أشرف هذه الأنواع، أما البقية فإنها تعتبر من قسم المباح؛ إن اقترن بها ما يقتضي التعبد صارت عبادة، فحب الإنسان مثلًا لوالده إجلالًا وتعظيمًا إذا اقترن بها أن يتعبد لله بهذا الحب من أجل أن يقوم ببر والده، صارت هذه المحبة عبادة ونافعة.
وكذلك محبة الإنسان لولده محبة شفقة وحنان إذا اقترن بها ما يقتضي أن يقوم بأمر الله سبحانه وتعالى بإصلاح هذا الولد وتربيته والقيام بمصالحه صارت عبادة.
كذلك المحبة الطبيعية، كمحبة الإنسان لمأكله ومشربه ومنكحه ومسكنه ومركوبه وصاحبه أيضًا وصديقه، إذا كان يُقصد بها الاستعانة على عبادة الله عز وجل، فإن هذا يُعتبر من العبادة، ولهذا حُبِّب إلى النبي عليه الصلاة والسلام من هذه الدنيا شيئان: النساء والطِّيب ، حُبِّبَا إليه؛ لأن ذلك مقتضى الطبيعة ولما يترتب عليه من المصالح العظيمة التي أشار إلى بعضها الحافظ ابن حجر في فتح الباري على ترجمة البخاري: (باب كثرة النساء)، فإنه تعرَّض لكثرة نساء الرسول صلى الله عليه وسلم، وذكر ما فيها من الفوائد العظيمة.
كذلك أيضًا الطِّيب، الطِّيب يحبه الإنسان؛ لأنه يناسب النفس الطيبة: الطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ [النور: ٢٦]، والله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبًا ، ولأنه ينشط النفس ويريحها ويشرح الصدر، فهذا إذا اتخذه الإنسان على سبيل التقرب إلى الله عز وجل صار عبادة: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» .
هذا ما يحضرني الآن من أقسام العبادة وأنواعها، فصارت العبادة أولًا ما هي؟ نقسمها إلى قسمين: محبة عبادة، ومحبة غير عبادة، فأما محبة العبادة فإنها لا تكون إلا لله وحده سبحانه وتعالى، ولا يجوز لأحد أن يحب أحدًا حب عبادة وتعظيم عبادة إلا لله وحده لا شريك له، أما غير العبادة فإنها على هذه الأنواع الأربعة: محبة يقتضيها القسم الأول، وهو محبة الله، محبة تقتضيها محبة الله، وهي الحب في الله ولله، يُذكر لك أن رجلًا عابدًا محسنًا إلى عباد الله في بلد بعيد عنك لا تراه ولا تعرفه فتحبه؛ هذه المحبة لله عز وجل، هذه المحبة قلتُ إنها في الحقيقة من فروع القسم الأول فهي عبادة كما سيأتي إن شاء الله في الأحاديث.
والثاني محبة؟ النوع الثاني محبة شفقة ورحمة وحنان، كمحبة الوالد لولده، ومحبة الإنسان للضعيف، أو لا؟ والفقير واليتيم، وما أشبه ذلك.
والقسم الثالث: محبة إجلال وتعظيم، لكن ما هو عبادة، كمحبة الإنسان لوالده ولمعلمه وللشيخ الكبير من المسلمين، وما أشبه ذلك.
والرابع، النوع الرابع: محبة تقتضيها الطبيعة، كمحبة الأكل والشرب واللباس والنكاح، وما أشبه ذلك.
هذه الأشياء قلنا: إنها قد تكون عبادة بحسب الغاية والنية، وإلا فالأصل أنها من قسم المباح الذي لا يُحكم عليه بأجر ولا بثواب؛ يعني معصية أو عقاب، لكنها مع ذلك إذا قصد بها التعبّد لله والتقرب إليه صارت عبادة.
طالب: يا شيخ، (...)؟
الشيخ: الدليل قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» ، فهي عبادة من أجل أنها وسيلة لذلك، والعلماء قالوا: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وقالوا: الوسائل لها أحكام المقاصد، وهذا أمر متفق عليه.
نرجع الآن إلى شرح الآيات.
طالب: (...) هذا ما يحبه إلا لله، أكيد أن الإنسان ما يحبه إلا لله؟
الشيخ: لا يا أخي ما هو بصحيح، أحيانًا يجيء كافر من أكفر عباد الله، ولو شاف ها الكسير ولّا ها الضعيف ولّا ها الفقير حنَّ عليه ورحمه، هذا شيء مشاهد، ولا هو بيعرف العبادة ولا شيء، وهذا شيء مشاهد، سبحان الله، لكن عاد أنت المؤمن يستغل هذه الفرصة، يجعلها عبادة بأن يرحمه لأن الله تعالى أوصى به وحثَّ على رحمته.
طالب: الفرحة، يعني الواحد يفرح بشيء؟
الشيخ: إي، الفرح، إذا كان الفرح بالعبادة وبفعل الحسنة فهذا طيب.
الطالب: (...) وبعدين لما قتلوه أنا فرحت بهذا؟
الشيخ: هذا طيب، كلنا فرحنا بهذا؛ لأننا فرحنا بإعدام داعية خبيث، إي، لكن في الحقيقة يجب علينا أن ننتبه؛ يعني الإذاعات الخارجية ودول النصارى طبّلت وزمرت على هذا الأمر، وكبَّرت هذا الأمر، وأقامت احتجاجات، حتى رؤساء دول الكفر أقاموا احتجاجات على هذا العمل، مع أن غير هذا الرجل يُقتل بدون أي سبب، في الأسواق يُقتلون وما حركوا ساكنًا، لكن لأنه الآن قد صبوا -والعياذ بالله- سوط ألسنتهم على هذه الدولة الفَتِيَّة، أقول: الفَتِية باعتبار أنها بدأت تطبق أحكام الإسلام، فهم الآن يريدون أن يشوهوا كل شيء تفعله، حتى في إعدام أئمة الضلال والبدع، ونحن نسأل الله تعالى لهذا الرجل التوفيق والثبات، وأن ينصره على هؤلاء الأعداء، لكن أنا أحب أن تعرفوا كيف أعداء المسلمين حتى في وسائل إعلامهم كيف يفعلون هذا الشيء؟ وهي تمر على كثير من الناس على أنها خبر عابر، لكن يجب أن نعرف أن المسألة ما هي كذا، المسألة لها عمق ولها جذور.
وبالمناسبة، الحقيقة أنكم أنتم تخلونا نطلع عن الموضوع غصبًا علينا، بالمناسبة زهم علي إنسان في يوم الجمعة، وقال: إنه يوجد نعال في أسفلها مكتوب (الله) لفظ الجلالة، وإني بأتكلم عليه في الخطبة، وأيش رأيك؟ وهو خطيب هناك في المنطقة الشرقية؟ قلت: أنا رأيي لا تستعجل، تثبت أولًا أنت بنفسك؛ لأنها قد تكون زركشة تشبه كلمة (الله)، ثم أنت إذا تكلمت ما ترد كلمتك، لكن ما دامت في صدرك أنت تتحكم، انتظر وبدّل الجمعة الجمعة الأخرى، المهم هو امتثل وترك الموضوع هذا، وفي صباح يوم السبت زهم عليَّ وقال: إنه جيء بالنعل إليَّ -وهو رجل كفيف- وإني لمستها أنا بيدي، وأنها صريحة؛ يعني معناه أن الحروف ناتئة بعد، وبعدين كل اللي حولنا أهل المسجد قالوا هكذا: إنها مكتوبة (الله)، وبعدين جاب لي واحد صورة مصورة ما أدري من جريدة، فإذا فيها في الحقيقة زركشة تشبه كلمة (الله)، لا شك أنها تشبه، لكنها ما هي بصريحة في ذلك، أنا طلبت من اللي أعطاني الورقة هذه قلت: يفتش في الأسواق (...) أنا علشان أشوف الموضوع، وصاحبنا اللي في المنطقة الشرقية وعدني أنه بيرسل لي بالبريد ذهاب، قال لبعض الناس: خلوه يصير (...)، قلنا: لا إحنا بدنا نطلع على هذا.
على كل حال إني أقول: إذا صح هذا الخبر فالمسألة خطيرة.
وقال لي أحد الأولاد: إنه فيه الآن كنادر في الرياض رآها بعينه مكتوب فيها (الله) لكن بالحروف اللاتينية.
طالب: (...).
الشيخ: بالحروف اللاتينية، ما هي بالحروف العربية.
فالمهم يعني شيء عجيب، كيف إنهم يثيرون غيرة المسلمين إلى هذا الحد، والعياذ بالله، والمسلمون في غفلة، نعم؟
طالب: (...).
الشيخ: وأيش فيها؟
الطالب: (...) (الله).
الشيخ: بالعربي؟
الطالب: (...) البلاستيكي ما تروح، ما تمسح، والثانية كتابة ممكن تمسح مع المشي.
الشيخ: هذا اللي رأيته مصورًا الظاهر أنه بلاستيكية.
الطالب: مؤمَّمٌ عليها في الرياض.
الشيخ: مؤمَّم على أيش؟
الطالب: على منعها، بيعها وكذا.
الشيخ: إي، طيب، ولم نسمع هنا.
الطالب: (...).
الشيخ: ولا سمعنا، وما أدري كتب في الصحف ولّا لا؟ والمفروض أنه ما هو بيعلن عنها لا تُباع، المفروض أنها تُصادر، وأن الشركات التي وردتها تضمن كل ما دُفع إليها وتغرم وتكتب في القائمة السوداء في جميع ما تورّد، هذا المفروض، مسألة بس لا تبيعونها، هذا ما هو بصحيح، ما يكفي هذا.
طالب: الشباشب اللي لها، مسمينها أسامي غريبة، اسمها: زنوبة وخدوجة؛ يعني على أسماء زوجات النبي بس مغيرين الأسماء؟
الشيخ: لا، (...) زنّوبة يعني زينب؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: لا.
الطالب: وخدّوجة و(...).
الشيخ: خدّوجة (...)، هي خدّوجة؟
الطالب: نعم.
الشيخ: سمعت أنت خدوجة؟
طالب: موجودة في السوق.
الشيخ: إي، لكن تسمى خدوجة يعني؟
طالب: هو الاسم أصلًا يُسمى بالتحريف؛ يعني من زينب يسمونها زنوبة، العوام يعني، وخديجة يطلق عليها خدّوجة لأجل يعني بس..
الشيخ: لكن مكتوب على الـ..
الطالب: لا، الاسم (...).
طالب: نفس الصنف يقول: (...) اديني خدوجة، اديني زنوبة لما يكون عايز يروح (...).
الشيخ: والله (...).

***

بسم الله الرحمن الرحيم، ، قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ [البقرة: ١٦٥]).
قوله: مِنَ النَّاسِللتبعيض، وهي خبر مُقَدَّم، ومَنْ يَتَّخِذُمبتدأ مؤخر، أَنْدَادًاجمع: نِد، في أي شيء؟ فَسَّر هذه الندية بقوله: يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ، كَحُبِّ اللَّهِفي كيفيته وفي نوعيته، كَحُبِّ اللَّهِفي الكيفية وفي النوعية، إذن شديد وعبادة ولّا لا؟ حب عبادة ولّا أيش؟ حب عبادة؛ لأن مقتضى التشبيه المطابقة، إذ إن الشبه موافق لشبيهه.
والكاف في قوله: كَحُبِّ اللَّهِلأيش؟ للتشبيه، فهم يحبون هذه الأنداد كحب الله، نوعًا وكيفية، نوعًا أي: محبة عبادة، وكيفية أي: في قوته وشدته، حتى إن بعضهم -والعياذ بالله- يغار لمحبوبه من هذه الأنداد أشد مما يغار على الله عز وجل، وحتى إنه يعظم هذا المحبوب من الأنداد أكثر من تعظيم الله، لو قيل له: احلف بالله، لحلف وهو كاذب ولم يبال، ولو قيل: احلف بالند وهو كاذب، ما يمكن يحلف، لا يمكن أن يحلف، فهذا لا شك أنه شرك أكبر مخرج عن الملة.
وقوله: كَحُبِّ اللَّهِ، الصحيح في هذه الآية أنها على ظاهرها، وأنها مضافة إلى مفعولها، أي: يحبونهم كحبهم لله، وإن كان بعض المفسرين يقول: كَحُبِّ اللَّهِأي كحب الله الصادر من المؤمنين، أي كحب المؤمنين لله، يعني يحبون هذه الأنداد مثل ما يحب المؤمنون الله عز وجل، ولكن هذا القول وإن كان هذا اللفظ يحتمله وتقدم أن تكلمنا عليه في التفسير، لكن السياق يأباه غاية الإباء؛ لأنه لو كان المعنى: يحبون هذه الأنداد كما يحب المؤمنون الله، لكان مناقضًا لقوله فيما بعد: وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ [البقرة: ١٦٥]، وعلى هذا فيكون الصواب أن تبقى الآية على ظاهرها، وهذا لم نرجحه في التفسير، لكن تبين لنا بعد التأمل أنه هو القول الراجح، إن لم يكن المتعين، على أن المعنى: يحبون هذه الأنداد كمحبة الله، فيجعلونهم شركاء لله في المحبة، لكن الَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِمنين؟ من هؤلاء؟
طلبة: (...).
الشيخ: لا، من هؤلاء لله، (...) يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ [البقرة: ١٦٥] أن الآية تثبت أن هؤلاء المشركين يحبون الله، لكنهم يتخذون أندادًا يحبونهم كحب الله، فقال: وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِمن هؤلاء لله.
لماذا كانت محبة المؤمنين لله أشد من حب هؤلاء لله؟ لأنها محبة خالصة ليس فيها شرك، والمحبة المشروك فيها لا شك أنها تضعف، ولكن المحبة الخالصة أقوى.
يبقى أن نقول: وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِمِن هؤلاء لله، يبقى أنه قد ينقدح في ذهن الإنسان أن المؤمنين يحبون الأصنام؟ ولكن الجواب على ذلك.
وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ، قد ينقدح في ذهن الإنسان أن المؤمنين يحبون هذه الأنداد؟ والجواب أنه لا يصح هذا؛ لأننا إذا علمنا أن اللغة العربية يجري فيها التفضيل بين شيئين، وأحدهما خالٍ منه تمامًا، قلنا: هذا التفضيل من هذا النوع، قال الله تعالى: أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا [الفرقان: ٢٤]، مع أن أهل النار ما فيه خير مستقر، ما فيه خير ولا حسن، والعياذ بالله. وكذلك: آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ [النمل: ٥٩]، هذه الموازنة قلنا: ليس في الطرف الآخر منها شيء، ولكنها من باب مقابلة الخصم بما يعتقد.
والحاصل أن هذا المعنى الذي ذكرناه هو الأرجح.
وذهب بعض المفسرين إلى المعنى الأول: يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِأي: كمحبة المؤمنين لله، وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِتعالى من هؤلاء لأصنامهم.
ويقولون: إنهم كانوا أشد؛ لأن محبتهم محبة مبنية على العلم موافقة للفطرة، ومحبة المشركين لأصنامهم مبنية على الوهم ومخالفة للفطرة.
مناسبة هذه الآية واضحة من باب المحبة، وهي منع أن يحب الإنسان أحدًا كمحبة الله، هذا ممنوع؛ لأنه من الشرك الأكبر المخرج عن الملة، وهذا -والعياذ بالله- ربما تجده في بعض الناس، في بعض العباد وفي بعض الخدم، فبعض العباد الذين يعظمون بعض القبور أو بعض الأولياء يحب هذا الولي مثل محبة الله أو أشد سواء كان حيًّا أو مقبورًا، وبعض الخدم أيضًا لخدامهم ورؤسائهم تجدهم أيضًا يحبون هؤلاء الرؤساء أكثر مما يحبون الله، ويعظمونهم أكثر مما يعظِّمون الله: وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا [الأحزاب: ٦٧، ٦٨].
لكن المؤمن يبني محبته على ما سبق من الأقسام، وأن محبة العبادة والطاعة ما تكون إلا لله عز وجل.
قال المؤلف: (وقوله) يعني: وقول الله تعالى: (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ [التوبة: ٢٤]).
نسينا نعرب: أَشَدُّ حُبًّا [البقرة: ١٦٥]، حُبًّاوأيش إعرابها؟
طالب: تمييز.
الشيخ: تمييز؟
طالب: مفعول مطلق.
الشيخ: لا، هذه تمييز، إذا جاءت بعد أفعل تفضيل فهي تمييز، مثل: خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا [الفرقان: ٢٤] هذه تمييز، أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا [الكهف: ٣٤] هذا أيضًا تمييز، وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا [سبأ: ٣٥]، كل ما جاء بعد (أفعل) فهو تمييز.
قال: (وقوله: قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ [التوبة: ٢٤])، كم دول؟
طالب: ثمانية.
الشيخ: ثمانية، قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَاثمانية أَحَبَّ إِلَيْكُمْ، كل هذه الثمانية مرفوعة، الأول منها اسم (كان)، والباقي معطوف عليه، وخبر (كان): أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [التوبة: ٢٤] إلى آخر الآية.
الخطاب في قوله: قُلْلمن؟ للرسول عليه الصلاة والسلام، والمخاطب في قوله: آبَاؤُكُمْالأمة، قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْإلى آخره.
وقوله: أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا، وقوله: فَتَرَبَّصُوافعل أمر يُرَاد به التهديد، ومعنى (تربصوا): انتظروا عقاب الله، ولهذا قال: حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ [التوبة: ٢٤] أي: بِأَمْرِهِبإهلاك هؤلاء المؤثرين لمحبة هذه الأصناف الثمانية على محبة الله ورسوله وجهاد في سبيله، وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [التوبة: ٢٤].
فيُستفاد من هذه الآية ما أراده المؤلف، هذه المحبة في هذه الآية لهؤلاء الأصناف الثمانية من أي القسمين؟ من محبة العبادة أو غير العبادة؟ غير العبادة، ومع ذلك -شوف- إذا فضلت على محبة الله صارت سببًا للعقوبة؛ يعني إن كان آباؤكم أحب إليكم من الله، وبماذا نعرف أن الأب أشد حبًّا للإنسان من الله؟
طلبة: (...).
الشيخ: إذا كان يهمل أوامر الله لأوامر والده، هذه علامة، صحيح ما في القلوب لا نعلمه، لكن كل ما في القلب فله شاهد في الجوارح، يروى عن الحسن -أظن- أنه قال: ما أسَرَّ أحد سريرة إلا أظهرها الله تعالى على صفحات وجهه وفلتات لسانه، لا بد أن يُظْهِر ما في القلب، الجوارح والأقوال كالمرآة للقلب، فنحن نعرف أنك تحب أباك أو ما بعده لأنك تقدمها على ما يحب الله.
إذا قال قائل: المحبة في القلب، ولا يستطيع الإنسان أن يملكها، ولهذا يُرْوى عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا لَا أَمْلِكُ» وكيف يمكن للإنسان أن يحب الشيء وهو يبغضه؟ وهل هذا إلا من محاولة جعل الممتنع ممكنًا؟ فالجواب أن هذا إيراد ليس بوارد، فإن الإنسان يحب ما يكرهه بلا شك، وتنقلب محبته كراهة، إما لوجود أسباب ظاهرة، وإما لإرادة قاهرة، يكون عنده عزيمة حتى يحب هذا ويكره هذا: أنت صديق لهذا الرجل وتحبه، فيومًا من الأيام قال إنك سرقت مني وانتهكت حرمة أهلي، ماذا تكون المحبة؟ تنقلب كرهًا لسبب ظاهر. وأحيانًا يكون بالعزيمة القوية: رجل يصاحب صاحب شر وفاسقًا، فكان يحبه، ولكنه أورد على نفسه: كيف أحب هذا الرجل؟! وعزم على نفسه حتى كرهه، ممكن ولّا لا؟ يمكن، رجل يعتاد أمرًا يحبه كشرب الدخان مثلًا، يحب هذا، وشارب الدخان يحبونه أو لا؟
طالب: لا، ما يحبونه.
الشيخ: لا، يحبونه، لكن صار عنده عزيمة قوية فأبغضه وتركه، يمكن؟ يمكن، أنا ضربت لكم هذا في الأشياء المحسوسة، وسأبينه لكم في الأشياء الخبرية الواردة عن الشرع:
قال عمر رضي الله عنه للنبي عليه الصلاة والسلام: والله يا رسول الله إنك لأحب إليَّ من مالي وولدي، أحب إلي من كل شيء، إلا نفسي -شوف: استثنى لأنه صريح رضي الله عنه- فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَمِنْ نَفْسِكَ»، قال: الآن. –شوف: الآن– والله إنك أحب إلي من كل شيء حتى من نفسي تغيرت المحبة ولّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: وأيش الدليل؟ «الآن»، ولا شك أن عمر صادق، ما قال ذلك نفاقًا، لو أراد أن ينافق ما قال بالأول: (إلا من نفسي)، فهو صادق، وأقره النبي عليه الصلاة والسلام على أن الحب قد يتغير وينتقل، وهذا صحيح أن الحب يتغير وينتقل ويزداد وينقص.
ربما أسمع عن شخص شيئًا نُسب إليه، وأنا أحبه وهو عندي بمنزلة عالية، فأكرهه، وهذا طبعًا لها سبب، وعندما يتبين لي الأمر، وأن ما نُسِب إليه كذب، ترجع المحبة الأولى أو أكثر، أليس هكذا؟ إذن فالمحبة يمكن للإنسان أن يسيطر عليها، إما بسبب ظاهر أو بعزم قاهر، صحيح أنها فيها صعوبة أنك تحب ما تكره، لكن بالعزيمة أو بالأسباب مع التروي والتعقل يمكن أن ينقلب البغض حبًّا أو الحب بغضًا، وهذا أمر واضح.
الآية الكريمة: إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ [التوبة: ٢٤] يعني: الأب للصلب أو حتى الجد؟ حتى الجد، وَأَبْنَاؤُكُمْ [التوبة: ٢٤] مثلها، الابن وابنه وإن نزل، وَإِخْوَانُكُمْ [التوبة: ٢٤] للصلب؟
طالب: لا، لأب.
الشيخ: شقيق أو لأب أو لأم. (...)

***

ويتفق هذا الخبر مع الواقع، كقوله: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [الصف: ٥].
طالب: وأيش الراجح في معنى الآية هذه؟
الشيخ: والله يحتمل كله معناها ما يتناقض؛ لأنهم إذا زاغوا وبقوا على الفسق فحكمة الله تأبى أن يهديهم.

***

ثم قال: (عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» .
قوله: «لَا يُؤْمِنُ»، هذا نفي للإيمان، ونفي الشيء تارة يُراد به نفي الكمال، وتارة يُراد به نفي الأصل، حطوا بالكم: تارة يراد به نفي الكمال، الكمال الواجب، ما هو بنفي الكمال الزائد عن الواجب، وتارة يُراد به نفي الأصل، فإذا قال لنا قائل: ما هو الضابط لهذا الشيء؟ ما هو الضابط لكون هذا النفي (...) إن كانت النصوص والقواعد الشرعية تقتضي أن انتفاء هذا الشيء، يُراد به الانتفاء المطلق، فهو للانتفاء المطلق، وإذا كان لا يُراد به ذلك فهو لانتفاء الكمال، ولكن لا يكون النفي لانتفاء شيء مستحب أبدًا، فإذا قال: «لَا صَلَاةَ بِغَيْرِ طُهُورٍ» فالمعنى أنها لا تصح، فيكون هذا نفيًا للكمال الواجب، يعني بمعنى أنه لا ينفى الشيء إلا لانتفاء أمر واجب فيه.
«لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ...» إلى آخره، هذا الإيمان المنفي هنا هل هو أصله، أصل الإيمان، أو كماله الواجب؟ كماله الواجب، إلا إذا خلا القلب من محبة الرسول صلى الله عليه وسلم إطلاقًا، فلا شك أن هذا نفي للإيمان المطلق، مطلقًا؛ يعني لو لم يكن في قلب الإنسان محبة للرسول صلى الله عليه وسلم فإنه ليس بمؤمن، لكن الحديث هنا ليس نفيًا للمحبة، معلق بكمال المحبة: «حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ».
وقوله: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ»، بدأ بالولد؛ لأن تعلق القلب به أشد، ومحبة الإنسان لولده غالبًا أشد من محبته لأبيه، وقوله: «مِنْ وَلَدِهِ»، يشمل الذكر والأنثى، وقوله: «وَوَالِدِهِ»، يعني أباه وجدَّه وإن علا، وأمه وجدته وإن علتا.
وقوله: «وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ»، يشمل إخوته وأعمامه وأبناء إخوته وأبناء أعمامه وأصحابه وأصدقاءه ونفسه أيضًا، لماذا يشمل نفسه؟ لأنه هو من الناس.
إذن لا يتم الإيمان إلا بهذا، أن يكون الرسول عليه الصلاة والسلام أحب إليه من كل شيء من المخلوقين، لماذا وكيف؟ لماذا يحبه أكثر من هذا؟ لأنه رسول الله عز وجل، وإذا كان الله أحب إليك من كل شيء فرسوله أحب إليك من كل مخلوق.
وثانيًا: يحب النبي عليه الصلاة والسلام لأمور كثيرة، أولًا: لما قام به من عبادة الله وتبليغ رسالته، فأنت تحبه لله؛ لأنه ما أحد من البشر قام بمثل ما قام به النبي عليه الصلاة والسلام من تبليغ الرسالة والعبادة، فتحبه على هذا.
تحبه أيضًا بما جبله الله عليه من مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ولّا لا؟ لأننا نحب من اتصف بهذا لو كان غير الرسول صلى الله عليه وسلم.
تحبه أيضًا لما جلبه الله تعالى على يديه من هدايتك وتعليمك وإرشادك وتوجيهك، لولا الرسول صلى الله عليه وسلم من أين نعلم هذا العلم، ولّا لا؟ لكن الله بعثه بالحق فبلغ الرسالة وأدى الأمانة.
تحبه أيضًا على صبره على الأذى في دين الله، صبر وصابر وأوذي في الله عز وجل، فصبر صبر أولي العزم من الرسل، عليه الصلاة والسلام.
فتحبه على كل هذه الخصال، وإلا فقد يصعب على الإنسان أن يحب من لا يراه، ولكن إذا تأمل الإنسان وتدبر هذه الأمور للرسول صلى الله عليه وسلم أحبه بلا شك، ولهذا جاء في الحديث -وإن كان ليس بصحيح إلى ذاك: «أَحِبُّوا اللَّهَ لِمَا يَغْذُوكُمْ بِهِ مِنَ النِّعَمْ» فأنت تحب الله عز وجل لما يغذوك به من النعم ويدفع عنك من النقم، كل نعمة: وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [النحل: ٥٣]، كل نعمة فيك فهي من الله عز وجل، فتحب هذا المنعم الذي أغدق عليك النعم وأسبغها عليك ظاهرة وباطنة، ودفع عنك النقم التي لا تحصى، فكذلك الرسول صلى الله عليه وسلم نحبه لهذه الأمور، ومحبة الرسول صلى الله عليه وسلم من محبة الله ولّا لا؟ نعم من محبة؛ لأنها هي النوع الأول من القسم الثاني.
يستفاد من هذا الحديث: وجوب تقديم محبة الرسول صلى الله عليه وسلم على محبة الناس.
ثانيًا: فداء الرسول عليه الصلاة والسلام بالنفس والمال، صح؟ نعم؛ لأنه يجب أن تقدم محبته على نفسك، فإذن تفديه بنفسك وبمالك.
وفيه أيضًا: أنه يجب على الإنسان أن ينصر سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ويبذل لها نفسه وماله وكل طاقته، لماذا؟ لأنها من كمال محبة الرسول عليه الصلاة والسلام، أنت إذا أحببت شخصًا أحببت أن ينجح في أمره، ولّا لا؟ ما أظن واحدًا منكم، يقول: أنا أحب فلانًا، وهو يحب أن يفشل هذا المحبوب، ولّا لا؟ أليس كذلك؟ فإذا كان هكذا، فإن من أحب الرسول صلى الله عليه وسلم لا بد أن يحب سنته وشريعته ويدافع عنها كما يدافع عن شخص الرسول صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال بعض أهل العلم في قوله تعالى: إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ [الكوثر: ٣] أي: مبغضك هُوَ الْأَبْتَرُ. قالوا: وكذلك من أبغض شريعته فإنه أبتر، فشانئ الرسول صلى الله عليه وسلم وشانئ شريعته لا شك أنه أبتر مقتول، لا خير فيه ولا بركة.
ومن فوائد الحديث: جواز المحبة التي للشفقة والتي للتعظيم والإكرام، من أين تؤخذ؟ من قوله: أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ كَذَا، فأباح إثبات أصل المحبة، لكن أوجب أن تكون محبة الرسول صلى الله عليه وسلم مُقدَّمة على محبة هؤلاء، وهذا أمر طبيعي ما أحد ينكره.
ومن فوائد الحديث: وجوب تقديم قول الرسول صلى الله عليه وسلم على قول كل الناس؛ لأنه من لازمِ كونه أحب أن يكون قوله مُقدَّمًا على كل أحد، حتى على نفسك؟ نعم، حتى على نفسك، أنت مثلًا تقول شيئًا وتهواه وتقول: يلّا نفذ هذا الشيء، افعل هذا الشيء، ثم يأتيك رجل ويقول لك: هذا الذي قلت وألزمتنا به يخالف قول الرسول صلى الله عليه وسلم كذا وكذا. وأيش الواجب عليك؟ إذا كان الرسول أحب إليك من نفسك فأنت تنتصر للرسول صلى الله عليه وسلم أكثر مما تنتصر لنفسك، وترد على نفسك بقول الرسول صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال بعضهم:
تَعْصِي الْإِلَهَ وَأَنْتَ تَزْعُمُ حُبَّهُ هَذَا لَعَمْرِي فِي الْقِيَاسِ بَدِيعُ

لو كان حبك صادقًا، هذا الشاهد الأخير.
لَوْ كَانَ حُبُّكَ صَادِقًا لَأَطَعْتَهُ إِنَّ الْمُحِبَّ لِمَنْ يِحُبُّ مُطِيعُ

طالب:
تَعْصِي الْإِلَهَ وَأَنْتَ تَزْعُمُ حُبَّهُ هَذَا لَعَمْرِي فِي الْقِيَاسِ شَنِيعُ

الشيخ: لا، (بديع)، هذا الذي أحفظه أنا، وعلى كل حال هو بديع يعني غريب، كيف يصير؟
طالب: موضع حسن معناها ولّا؟
الشيخ: لا، البديع يعني معناها غريب، الشيء الذي يُستغرب؛ لأنه مخالف للقياس.
إذن يؤخذ من هذا الحديث وجوب تقديم قول الرسول صلى الله عليه وسلم على قول كل الناس، حتى على قول أبي بكر؟
طلبة: نعم.
الشيخ: وعمر؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: وعثمان؟
الطلبة: وعثمان.
الشيخ: وعلي؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: والأئمة الأربعة.
طالب: والأئمة الأربعة.
طالب آخر: من باب أولى.
الشيخ: من باب أولى، ومن بعدهم من باب أولى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب: ٣٦]، ولكننا سبق أن قلنا: إذا رأيتم الحديث مخالفًا للأحاديث الأخرى الصحيحة الواضحة، أو مخالفًا لقول أهل العلم -الجمهور منهم- فالواجب علينا التثبت، وأن نتأنى في الأمر؛ لأن اتباع الشواذ يؤدي إلى الشذوذ، فلهذا يجب علينا إذا رأينا حديثًا يخالف ما عليه أكثر الأمة، أو يخالف الأحاديث الصحيحة التي كالجبال في رُسُوِّها، ما نقول: نرده، بل يجب علينا أن نتثبت ونطالع ونراجع في سنده حتى يتبين، إذا تبين فإنه لا بأس أن يخصص الأقوى بما هو أضعف منه.
ويمكن أيضًا أن يكون الحديث ضعيفًا مخالفًا لقول جمهور الأمة، هذا أمر ممكن، لكن المهم أن نتثبت في الأمر، وهذه القاعدة تنفعك في كثير من الأقوال التي ذكرت أخيرًا وغفل عنها الأقدمون، وصارت محل نقاش بين الناس، فإنه يجب اتباع هذا الطريق، يقال: أين الناس من هذه الأحاديث؟ ولو كانت هذه الأحاديث مثلًا من شريعة الله لكانت محفوظة باقية معلومة، مثل ما ذُكر أن الإنسان إذا لم يطف طواف الإفاضة قبل أن تغرب الشمس يوم العيد فإنه يعود محرمًا فإن هذا الحديث وإن كان ظاهر سنده الصحة لكنه ضعيف وشاذ، ولهذا ما ذكر أنه عمل به إلا كان رجل أو رجلان من التابعين، وإلا فالأمة على خلافه. فمثل هذه الأحاديث يجب أن يتحرى الإنسان فيها ويتثبت، لا نقول: تُردّ؛ لأنها قد تكون صحيحة، لكن يجب أن يتثبت فيها الإنسان كثيرًا.
مناسبة هذا الحديث للباب ظاهرة، ويش المناسبة؟ أنه في باب المحبة؛ محبة الرسول عليه الصلاة والسلام التي محبته من محبة الله.
طالب: نصرة سنة الرسول صلى الله عليه وسلم هي نصرة لله ولَّا للرسول صلى الله عليه وسلم؟
الشيخ: هي نصر لدين الله لا شك، نصر الله المراد نصر دينه، أما هو جل وعلا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ [الإسراء: ١١١].
الطالب: لكن الرسول قد مات، يعني ما ينفعه نصرنا؟
الشيخ: لا، ينفعه، بمعنى أنه يكون كل مَن عمل بهذه السنة فله أجرها، للرسول صلى الله عليه وسلم أجرها؛ أجر العامل، فأيما أنفع له، لو كان الذي يعمل بسنته مليونًا من الناس أو مليونين؟
الطالب: مليونان.
الشيخ: إي، إذن ينتفع بذلك.
الطالب: لكن عندما يناصر السنة ها الحين هو ينوي أنها مناصرة لله ولَّا للرسول؟
الشيخ: لا، هو ينوي أنها نصرة لله عز وجل، نصرة لدين الله أيضًا، نصرة لدين الله الذي جاء بها هذا الرسول، وأنه يعتبر ناصرًا للرسول في الحقيقة، الآن حتى في الأمور العادية، صاحب المبدأ مثلًا سواء قومية ولَّا حزبية ولَّا ما أشبه ذلك، حتى بعد موته يقال: إن هذا الرجل انتصر له ونصره.

***

(ولهما عنه) عن أنس (قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ» ).
«ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ»، أولًا: إعراب «ثَلَاثٌ»؟
طالب: خبر مبتدأ.
الشيخ: خبر مبتدأ ولَّا مبتدأ.
الطالب: هذه ثلاث.
الشيخ: ما ذكرها الرسول حتى يقول: هذه.
طالب: مبتدأ.
الشيخ: مبتدأ.
الطالب: نعم.
طالب آخر: خبر المبتدأ.
الشيخ: ما وصلنا للخبر إلى الآن، مبتدأ، لكن كيف يجوز الابتداء بالنكرة؟
طالب: وصفها بما (...).
الشيخ: وابن مالك يقول:
وَلَا يَجُوزُ الِابْتِدَا بِالنَّكِرَهْ مَا لَمْ تُفِدْ............

وهذه مفيدة لا شك.
.................... ....... كَعِنْدِ زَيْدٍ نَمِرَهْ

ثم هي موصوفة؛ لقوله: «مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ»، على ظن بعضكم، وليست موصوفة في الحقيقة؛ لأن الجملة الشرطية خبر المبتدأ.
«مَنْ كُنَّ فِيهِ»، «مَنْ» هذه شرطية، و«كُنَّ» فعل ماضٍ مبني للمجهول.
إذا قلت: (شُدَّ)، ويش هي هذه؟ فعل ماضٍ للمجهول، (رُدَّ) كذلك، (كُنَّ) فعل ماضٍ مبني للمجهول، هذه أصلها (كان) أو لا؟ (كان) فعل ماضٍ ناسخ، والنون اسمها، و(فيه) خبرها.
وقوله: «وَجَدَ بِهِنَّ»، «وَجَدَ» فعل ماضٍ مبني على الفتح في محل جزم جواب الشرط، والجملة من فعل الشرط وجوابه في محل رفع خبر المبتدأ.
«ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ»، أي: مَن وُجِدْنَ فيه، «وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ»، «وَجَدَ بِهِنَّ» الباء هنا للسببية، أي: بسببهم.
وقوله: «حَلَاوَةَ» مفعول «وَجَدَ»، «وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ»، وهنا كلمة (حلاوة) هل هي أمر معنوي أو أمر حسي؟
طالب: حسي.
طالب آخر: معنوي.
الشيخ: نشوف، هذه الحلاوة هي ما يحسه الإنسان بنفسه من الراحة والطمأنينة والانشراح، ما هي بحلاوة سُكَّر، ولَّا لا؟ فالحلاوة إذن مُدْرَكَة بالنفس، لا باللعاب والفم، فالمعنى إذن: «وَجَدَ بِهِنَّ» الحلاوة القلبية، وهي ما يجده من الطمأنينة والراحة والانشراح، الخصلة الأولى..
طالب: هي حسية ولَّا معنوية؟
الشيخ: لا، هي حسية، لكنها ما هي الحسية التي تُذَاق بالفم، التي تذاق بالفم ما هي هذه، لكن حسية يجدها الإنسان يحس بها في قلبه، وليس المعنى أيضًا أن حلاوة الإيمان هي عِلْم حتى نقول: إن المراد بها أنها معنوية، بل هي أمر حسي يذوقه الإنسان بذوقه، ذوقه الباطني ولَّا الظاهري؟ ذوقه الباطني.
قال: «أَنْ يَكُونَ اللَّهُ»، هذه الخصلة الأولى، وهي خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: الأولى أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا.
«اللَّهُ وَرَسُولُهُ»، المراد بالرسول صلى الله عليه وسلم محمد، وكذلك جميع الرسل يجب علينا محبتهم أكثر من غيرهم.
وقوله: «أَحَبَّ إِلَيْهِ»، «أَحَبَّ» فيها إشكال لغوي، وهي أنها مفرد مع أن الاسم -اسم (يكون)- مثنى، اثنان، فلماذا أُفْرِدَت؟ لو قلت: زيد وعمرو قائم، ما صح، بل لا بد أن تقول: (قائمان)، فهنا ليش أُفْرِدَت؟
طالب: لوجود حرف العطف.
طالب آخر: لأن «أَحَبَّ» ليست (...).
الشيخ: على تقدير أيش؟ على تقدير (مِن)، قال ابن مالك:
وَإِنْ لِمَنْكُورٍ يُضَفْ أَو جُرِّدَا أُلزِمَ تَذْكِيرًا وَأَنْ يُوَحَّدَا

ما قال هكذا؟ هذا إذا نويت معنى (مِن) في البيت الذي يليه.
«أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا» من الدنيا كلها، حتى من نفسه، وحتى من ولده، ووالده وزوجه وجميع الناس، وسبق لنا أن أسباب المحبة لله ورسوله أن الإنسان إذا تأمل ما أنعم الله به عليه من النعم التي لا تحصى ومِن دَفْع النِّقَم، وتأمل ما عليه النبي عليه الصلاة والسلام من الأخلاق والأعمال والعبادة لله عز وجل، وما كابده من الصبر والمصابرة على أعداء الله، وما أجراه الله تعالى على يده من هدايته، كل ذلك يجلب المحبة لله ورسوله.
وهنا ما يقال: إن الحديث فيه إشكال من جهة الشرك؛ فإنه جاءت الواو، هو لم يقل: ثم رسوله، وجاء الخبر لهما جميعًا: «أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا»، نقول: لأن محبة الرسول صلى الله عليه وسلم من محبة الله، ولهذا جعل (أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله)، جُعِلَا ركنين من أركان الإسلام ولَّا ركنًا واحدًا؟ ركنًا واحدًا؛ لأن الإخلاص لا يتم إلا بالمتابعة التي جاءت عن طريق النبي صلى الله عليه وسلم.
ثانيًا: «وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ»، «يُحِبَّ الْمَرْءَ»، «الْمَرْء» المراد به الرجل، ولكن هنا يشمل الرجل والمرأة.
«لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ»، اللام هنا للتعليل، يعني: إلا من أَجْلِ الله عز وجل، وإذا كان كذلك فمعلوم أن هذا الرجل المحبوب أحببته لله؛ لأنه قائم بطاعة الله عز وجل.
وحب الإنسان للمرء له أسباب كثيرة، ولَّا لا؟ يحبه للدنيا، يحبه للقرابة، يحبه للزمالة، يحب المرأة مثلًا زوجته لينال الشهوة منها، ويحب مَن أحسن إليه لإحسانه إليه.
المهم أن أسباب المحبة كثيرة، لكن إذا انحصر حب هذا الرجل بهذا الشيء الواحد وهو «لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ»، فإن هذا من أسباب وجود حلاوة الإيمان.
ثالثًا: «وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ».
هذه الجملة الثالثة: «بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ»، أي: يعود في الكفر، تدل على أن الصورة في رجل كان كافرًا ثم أسلم، فهو «يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ»، وإنما ذكر المسألة بهذه الصورة لأن الكافر يَأْلَف ما كان عليه أولًا، فربما يرجع إليه، أما مَن لا يعرف الكفر فقد يكون في هذا المقام، وقد يكون أنقص، وقد يكون.. ما فيها أزيد.
«يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ»، ولا شك أن كل واحد منا يكره أن يُقْذَفَ في النار، فإذا كره العَوْد في الكفر كما يكره القذف في النار فإنه حصل على ما يكون به سبب حلاوة الإيمان (...).
فهل الحلاوة (...) صلى الله عليه وسلم الجمع، وهذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأما لأجل انتفاء الشرك في حقه بخلاف غيره.
وقال بعضهم: إن هذا قاله النبي عليه الصلاة والسلام قبل أن يُنْهَى عنه، فيكون هذا ناقلًا عن الأصل.
لكن الأصح الذي ليس فيه إشكال هو أن يقال: إن مقام الْخُطْبة ينبغي فيه البَسْط، وسياق العبارات الواضحة.
قوله: «وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ»، وفي رواية: «لَا يَجِدُ أَحَدٌ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى..» إلى آخره.
في رواية: «لَا يَجِدُ أَحَدٌ»، وإنما أتى المؤلف بهذا لأن انتفاء الوجدان -وجدان الحلاوة- بالنسبة للرواية الأولى عن طريق المفهوم، وهنا عن طريق المنطوق، شوف الحديث الأول: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ»، هذا المنطوق، أيش مفهومه؟ مَن لا تكون فيه لا يجد حلاوة الإيمان، فيكون دالًّا على انتفاء حلاوة الإيمان بفقد هذه الأشياء، دالًّا عليها بالمفهوم.
أما «لَا يَجِدُ أَحَدٌ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ» فإنه يدل على انتفاء حلاوة الإيمان لِمَن لم يكن في هذه الأحوال الثلاثة بالمنطوق، ودلالة المنطوق أقوى من دلالة المفهوم.
فإذا قال قائل: ما الفائدة من إتيان المؤلف بهذه الرواية؟
قلنا: الفائدة بذلك هو ما ذكرنا؛ أن دلالتها على انتفاء وجود حلاوة الإيمان صريح بطريق المنطوق، والأول بطريق المفهوم، والدلالة بالمنطوق أقوى.

***

قال: (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال).
(قال) أي: ابن عباس.
طالب: (...)؟
الشيخ: إي، عبد الله بن عباس، (قال) يعني ابن عباس، فالحديث ليس بمرفوع، ولكنه من قوله.
(قال: مَن أَحَبَّ في الله، وأبغض في الله، ووَالَى في الله، وعادى في الله فإنما تُنَالُ ولاية الله بذلك) .
هذه (مَن) شرطية، وفعل الشرط (أحب)، وجوابه جملة (فإنما تنال ولاية الله بذلك).
قوله: (مَن أَحَبَّ في الله)، الفاء يحتمل أن تكون للظرفية، ويحتمل أن تكون للسببية، كونها للظرفية من حيث الحرف واضح؛ لأن الأصل في (في) الظرفية، وكونها للسببية؛ لأن (في) تأتي للسببية أحيانًا كما في الحديث الصحيح: «دَخَلَتِ النَّارَ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ» ، أي: بسببها.
قال: (مَن أَحَبَّ في الله)، أي: من أجله، هذا على القول بأن (في) للسببية.
إذا قلنا: إنها للظرفية، فالمعنى: مَن أَحَبَّ في ذات الله، أي: في دينه وشَرْعِه ومحبته، وما أشبه ذلك، فيكون المعنى: مَن أَحَبَّ في ذات الله، يعني: لا لغرض من الدنيا.
(وأَبْغَضَ في الله)، البُغْض هو الكراهة، يعني: أبغض لله، أو أبغض في ذات الله، بحيث إذا رأى شخصًا قائمًا بمعصية الله كَرِهَه وأَبْغَضَه، وفي الأول: إذا رأى أحدًا قائمًا بطاعة الله سبحانه وتعالى أَحَبَّه.
طالب: فيه فرق يا شيخ بين السببية والظرفية في هذا المعنى؟
الشيخ: إي، فيه فرق؛ السببية معناه أنه يكون الحامل له على المحبة أو البغضاء هو الله سبحانه وتعالى.
الطالب: والظرفية؟
الشيخ: الظرفية معناه أنه يكون موضع الحب أو موضع الكراهة هو ما يتعلق بذات الله عز وجل، فيبغض مَن يبغضه الله، ويحب مَن يحبه الله، وهما متلازمان، لكن الفرق في المعنى واضح.
قال: (ووَالَى في الله، وعادَى في الله).
الموالاة هي المحبة والنصرة والتأييد، وما أشبه ذلك، هذه الموالاة، فيحب وينصر ويؤيد ويكون معهم في صفهم؛ لأنهم قائمون بطاعة الله.
ويعادي في الله، ويش معنى المعاداة؟ المعاداة ضد الموالاة؛ أن يبتعد عنهم ويكرههم، ويحب خذلانهم وذُلَّهم في الله عز وجل، مثل يحب المؤمنين ويواليهم، ويبغض الكافرين ويعاديهم.
يقول رحمه الله: (فإنما تُنَال ولاية الله بذلك)، هذا جواب الشرط.
(فإنما تُنَال)، نِلْتُ الشيء، أي: أدركته ووصلت إليه، يعني: يدرك الإنسان ولاية الله ويَصِل إليها بهذا الشيء؛ بكونه يجعل محبته ويجعل بُغْضَه وولايته ومعاداته، يجعلها كلها لمن؟ لله.
وقوله: (ولاية)، يجوز في الواو وجهان: الفتح والكسر، وقال بعضهم: إن الوَلاية معناها النصر، كما قال تعالى: مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ [الأنفال: ٧٢]، وأن الوِلاية بمعنى التولية، الإمرة يعني، النيابة عن الشيء، فيقال: هذا والٍ على هذا البلد، أي: نائب على البلد مِن قِبَل السلطان، وبعضهم يُفَرِّق بين الفتح والواو بالمعنى، يقول: هذه لها معنى وهذه لها معنى، وبعضهم يقول: المعنى واحد، بالفتح أو بالكسر.
قال الله تعالى: هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ [الكهف: ٤٤]، ويش معنى الْوَلَايَةُ؟ يعني تولي الأمور والنصر، مَن لم ينصره الله في ذلك الوقت فلا ناصر له.
ومَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍأي: من نُصْرَتِهم، حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ [الأنفال: ٧٢].
طالب: يا شيخ، أقول: الآية فيها القراءتان ولَّا بس بالفتح؟
الشيخ: مِنْ وَلَايَتِهِمْ؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ما أدري والله إن كان فيها قراءة بالكسر.
يقول: (فإنما تُنَالُ ولاية الله بذلك)، الباء هنا للسببية، أي: بسبب ذلك، والمشار إليه الحب في الله، والبغض فيه، والموالاة فيه، والمعاداة فيه.
(ولن يجد عبدٌ طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك).
هذا الخبر كما تعرفون موقوف، لكنه في الحقيقة بمعنى المرفوع، فإنه بمعنى الحديث الأول: الإنسان لا يجد طعم الإيمان ولذته وحلاوته والأُنْس به حتى يكون كذلك.
(ولو كَثُرت صلاته وصومه)، وذلك لأنه إذا كان يوالي أعداء الله فإنه لا يمكن أن يجد طعم الإيمان، وكيف يستسيغ عاقل -فضلًا عن مؤمن- أن يوالي أعداء الله؟ يرى أعداء الله سبحانه وتعالى يشركون به ويكفرون به ويَدَّعُون فيه النقائص والعيوب ثم يواليهم ويحبهم! هذا لو يكون في الرَّوْضَة كل صلاة ويقوم الليل ويصوم النهار فإنه لا يمكن أن ينال طعم الإيمان، لا بد أن يكون قلبك مملوءًا من محبة الله والمحبة فيه والموالاة فيه، وعلى العكس من ذلك يكون مملوءًا ببغض أعداء الله ومعاداتهم، وإلا ما يمكن أن يكون هكذا، يقول ابن القيم:
أَتُحِبُّ أَعْدَاءَ الْحَبِيبِ وَتَدَّعِي حُبًّا لَهُ مَا ذَاكَ فِي إِمْكَانِ

وهذا صحيح، لو أن صبيًّا زَاعَلَ صبيًّا آخر، تعرفون الْمُزَاعَلة؟
طالب: اختصمَا.
الشيخ: المزاعلة الْهَجْر، تجد كل واحد منهم يقول للصبيان الآخرين: أنت معي ولَّا معه؟ إذا كان مع واحد منهم يلزم أنه يعادي الثاني، ولذلك لو يقول: أنا معك، ويشوفه (...) الثاني اللي متزاعل وياه يزعل، قال: أنت الآن خنتني، كيف تكلمه وأنت تقول: أنا معك؟
أقول: هذا في الفِطَر، معروف في الفِطَر إنه ما يمكن أحد يحب أعداء الحبيب أبدًا ثم يَدَّعِي أنه يحبه.
قال الإمام أحمد: إني إذا رأيت النصراني أغمض عيني عنه -رحمه الله- كراهة أن أرى بعيني عدو الله.
هذا الذي وجد طعم الإيمان، أما اللي -والعياذ بالله، في الحقيقة الأمر خطير- يرى أنهم على دين مَرْضِيّ -والعياذ بالله- فهذا مَن اعتقد هذه العقيدة فهو خارج عن الإسلام، اللي يرى أن النصارى أو اليهود على دين مَرْضِيّ ومقبول عند الله فهو خارج عن الإسلام، مُكَذِّب لله عز وجل، وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا [المائدة: ٣]، إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ [آل عمران: ١٩]، وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [آل عمران: ٨٥].
والمسألة يا إخواننا بمناسبة كثرة النصارى عندنا وغير النصارى أيضًا من الوثنيين، المسألة صار فيها خطر عظيم، وأصبح كثير من الناس الآن لا يُفَرِّق بين مسلم وبين كافر.
طالب: لا، يُفَرِّقُون يا شيخ، (...).
الشيخ: هذا (...)، المهم أننا خَلُّونَا على المرتبة اللي ما يَكْفَهِرّ منهم -والعياذ بالله- ولا يبالي، ولا كأنه عدو لله عز وجل، بل وهو عدو له يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ [الممتحنة: ١]، هم أعداء لنا وإن تظاهروا بالصداقة مهما كان الأمر، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [المائدة: ٥١].
أقول: بهذه المناسبة الآن أصبحنا في محنة في الواقع؛ لأنه يُخْشَى على بني جنسنا وبني قومنا الذين يَدَّعُون أنهم منا، يُخْشَى عليهم أن يركنوا إلى هؤلاء وأن يُوَادُّوهم وأن يحبوهم، حتى إن الشيطان لعب بهم وقال: إن غير المسلمين أتقن في الشغل وأخلص وأَقْوَم، وما أشبه ذلك، وهذا كله من وساوس الشيطان، والشيطان يُزَيِّن للإنسان الفحشاء، كما يُزَيِّن له الفجور والزنا وشرب الخمر يزين له المسألة هذه، بل هذه يمكن تكون أخطر على القلب من مسألة الزنا وشرب الخمر، وما أشبه ذلك.
فالمسألة هذه عظيمة جدًّا، ونسأل الله تعالى أن يخلص هذه البلاد منهم، وهذه البلاد بالذات يقول فيها الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ حَتَّى لَا أَدَعَ إِلَّا مُسْلِمًا» ، ويقول: «أَخْرِجُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» ، ويقول: «أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» ، كل هذا لئلا يشتبه الأمر على الناس، إي نعم، يعني إلى حد أن بعض الناس، يعني بعض الْجُهَّال إذا قلت له مثلًا: هذا نصراني ما هو مسيحي، يقول: سبحان الله، عجيب، يعني يظن أن المسيحي غير النصراني؛ لأنه ينتسب إلى عيسى عليه الصلاة والسلام، فيظن أن دينه حق وصحيح، ولهذا يستغرب لهذا الأمر.
طالب: يا شيخ، الحديث (...)؟
الشيخ: قال: (قال)، ما قال: قال رسول الله.
الطالب: عن ابن عباس: (مَن أَحَبَّ في الله).
طالب آخر: (...)؟
الشيخ: ويش معنى (اعتقاده وعمله)؟
الطالب: يعني (...).
الشيخ: ما فهمت أنا ويش معنى الموالاة الاعتقادية؟ الموالاة الاعتقادية اللي يحب انتصارهم مثلًا؟ انتصارهم على المسلمين وما أشبه ذلك وإن لم يناصرهم، تقصد هذا؟
الطالب: (...)
الشيخ: يقول: (وقد صارت)، لا، (حتى يكون كذلك).
طالب: شيخ، فيه بعض المسلمين يعني اللي هم غالب الناس عندهم كفار أصلًا؟ (...)
الشيخ: (مؤاخاة الناس اليوم على أمر الدنيا)، ما هي عندكم؟ أنا أحفظها على اليوم: (قد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا، وذلك لا يجدي على أهله شيئًا. رواه ابن جرير).
(صارت عامة)، يعني أكثر.
(مؤاخاة الناس)، يعني مُوَادَّتهم ومصاحبتهم (على أمر الدنيا).
هذا يقوله مَن؟ ابن عباس، وأظنه ليس بعيد العهد، أو بعيد العهد؟
طالب: بعيد العهد.
الشيخ: بعيد العهد، إذا كان الناس قد تَغَيَّرُوا في زمنه فما بالك بأزماننا اليوم؟ الآن صارت مؤاخاة الناس -إلا النادر- على أمر الدنيا، بل صار أعظم من ذلك؛ يبيعون دينهم بدنياهم -والعياذ بالله- كما تشاهدون في الرشاوى وغيرها، هذه معناها أن الإنسان باع أمانته ودينه من أجل هذه الرشوة، ولهذا قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [الأنفال: ٢٧]، ولما كان غالب ما يحمل على الخيانة هو المال وحب الدنيا أعقبها بقوله: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [الأنفال: ٢٨].
يستفاد من أثر ابن عباس رضي الله عنهما: ثبوت الولاية؛ لقوله: (فإنما تُنَال ولاية الله)، ولا ريب أن لله تعالى أولياء، وهو ثابت بنص القرآن، اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا [البقرة: ٢٥٧]، وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا [المائدة: ٥٦]، وقال تعالى: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا [المائدة: ٥٥]، وقال تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا [محمد: ١١]، وقال: أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس: ٦٢].
فلله أولياء يكون هو وليًّا لهم، وهم يكونون أولياء لله، فهم يَتَوَلَّوْنَ أمره ويقيمون دينه، وهو يتولاهم بالمعونة والتسديد والكلاءة والحفظ والتوفيق.
ولكن الشأن كل الشأن في صدق هذه الولاية؛ لأن كلًّا يَدَّعِي وصلًا لليلى، وكُلٌّ يقول: أنا وَلِيّ، ولكن هنا ميزان قسط مستقيم، وهو قوله تعالى: أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس: ٦٢، ٦٣]، فكما قال شيخ الإسلام رحمه الله: مَن كان مؤمنًا تقيًّا كان لله وليًّا.
فهؤلاء الذين يَدَّعُون الولاية في العالم الإسلامي نقول: الحمد لله، هذه دعوى لها ميزان ولها بَيِّنَة، إن شهدت بها فهي حق، وإلا فهي باطل، ننظر إلى حال الرجل، هو مؤمن، هو تقي، هو دجال، كاذب، فاجر، ماذا نقول؟
إذا كان من الصنف الأول؛ مؤمن تقي، فهو وَلِيّ، لكن اعلم أن الولي ما يمكن أن يذهب إلى الناس يقول: أنا من أولياء الله، ويُزَكِّي نفسه، هو بهذا تسقط ولايته؛ لأنه لم يَتَّقِ الله، فإن الله يقول: فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى [النجم: ٣٢]، فإذا زَكَّىَ نفسه عصى الله، وبمعصيته لله تزول التقوى فتزول الولاية.
لكن الولي لله هو المؤمن التقي الْخَفِيّ الغني الذي لا يبالي بالناس اتجهوا إليه أم لم يتجهوا إليه، هذا هو الولي، الله تعالى له الأولياء، وهم الذين اتصفوا بالإيمان والتقوى، مَن كان مؤمنًا تقيًّا كان لله وليًّا (...).
.. صلِّ وسَلِّم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
ما معنى قوله: (مَن أَحَبَّ في الله)؟
طالب: (...)
الشيخ: ما معنى قوله: (ووَالَى في الله)؟
طالب: الولاية هي النصرة والتأييد والمحبة.
الشيخ: والإعانة؟
الطالب: والإعانة.
الشيخ: ومعنى (في الله)؟
طالب: (...).
الشيخ: فتكون (في) للسببية كالأول، أو في ذات الله؟
الطالب: تكون ظرفية.
الشيخ: تكون ظرفية.
قوله: (ولاية الله بذلك)، هذه أظن ما شرحناها؟
طالب: شرحناها.
الشيخ: كم أقسام الولاية؟
طالب: أقسام الولاية؟
الشيخ: نعم، (...).
(فإنما تُنَال ولاية الله بذلك)، الولاية لها وجهان: ولاية من الله للعبد، وولاية من العبد لله، قال الله تعالى: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا [البقرة: ٢٥٧]، وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ [البقرة: ٢٥٧]، هذه ولاية من الله للعبد.
وقال: وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا [المائدة: ٥٦]، هذه ولاية منين؟ من العبد لله، ولهذا وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ، بالفتح على أنها مفعول به.
الولاية التي من الله للعبد تنقسم إلى قسمين: عامة وخاصة، فالولاية العامة هي الولاية على العباد بالتدبير والتصريف، وهذه تشمل المؤمن والكافر وجميع الخلق، فالله سبحانه وتعالى هو الذي يتولى عباده بالتصريف والتدبير والسلطان، وغير ذلك.
قال الله تعالى: ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ [الأنعام: ٦٢]، هذه من أي الولايتين؟ من الولاية العامة؛ لأنه للكفار، فيكون هذا من الولاية العامة.
القسم الثاني: الولاية الخاصة، وهو أن يتولى الله العبد بعنايته وتوفيقه وهدايته.