كتاب التوحيد - 31
عدد الزيارات 1655

عناصر المادة :
باب: قول الله تعالى: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}

... الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ [محمد: ١١]، وقوله: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ [البقرة: ٢٥٧]، وقال تعالى: أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس: ٦٢، ٦٣].
أمَّا الوجه الثاني من وجهَيِ الولاية فهي ولاية العبد لله، وهذه لا تنقسم، وإنما هي قِسمٌ واحد، وهي خاصة بمن؟ بالمؤمنين الذين هم حزب الله؛ وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ [المائدة: ٥٦]، تكون هذه خاصةً بالمؤمنين الذين يتولَّون الله ورسوله فيقومون بطاعة الله إخلاصًا له واتِّباعًا لرسوله صلى الله عليه وسلم.
كلام ابن عباس هنا إذا صح الأثر عنه: (فإنما تُنال ولاية الله)، أيش مراده؟ أيُّ الولايتين؟
طالب: الخاصة.
الشيخ: الولاية الخاصة. فالخلاصة الآن أنَّ الولاية لها وجهان: من الله إلى العبد، ومن العبد لله. فالأولى تنقسم إلى قسمين: ولاية عامَّة، وولاية خاصَّة. الثانية لا تنقسم، إنما هي قسمٌ واحدٌ فقط.
واعلم أنَّ الولاية لا تُنال بالدعوى، بل مَن ادَّعى الولاية فهو أَبْعدُ من الولاية؛ لأنَّ مَن ادَّعى الولاية فقد زكَّى نفسَه ووقع فيما حرَّم الله عليه؛ لأن الله يقول: فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى [النجم: ٣٢]، فمَن قال للناس: إنَّه ولي، فهو من أبعدِ الناس عن الولاية، ولا يكاد يقع هذا إلا من مخرِّفٍ ومن مغرِّرٍ بالناس يخدعهم، وربما تُعينه الشياطين على بعض ما يريد ليصدُّوا بذلك عن سبيل الله.
لكن مَن ظنَّ في نفسه الولايةَ ولم يدَّعِها فهل هذا يقدح في ولايته؟
طالب: لا ما يقدح.
الشيخ: هو على كل حالٍ إنْ أدَّى ذلك إلى العُجب بنفسه والإدلال على الله تعالى بعمله فلا شكَّ أنَّ هذا قادح، أمَّا مَن استبشر بها، اعتقدَها في قلبه مستبشرًا بها معترفًا بأنها من فضْل الله عليه، ولكنه يريد أن يُدخل السرورَ على نفسه والفألَ، فهذا لا يقدح في إخلاصه ولا في دينه. والمسألة هذه كغيرها من أعمال القلوب، يعني من أخطر ما يكون أعمال القلوب، أعمال القلوب أخطر من الخاطر؛ المذياع إذا أردتَ أن تغيِّره من موجةٍ إلى أخرى أو من محطة إلى محطة يحتاج إلى عمل، لكن خواطر القلوب لا تحتاج، ما هو بلحظة؛ بأدنى أدنى شيء من اللحظة ينصرف الخاطر من الأسفل إلى الأعلى ومن الأعلى إلى الأسفل، وربما تتوارد الخواطر وتتزاحم فيكون في القلب خواطر متعددة.
والمهم أن مدَّعي الولاية بلفظه يدَّعيها أمام الناس، نقول: هذا أبعدُ مَن يكون عن الولاية؛ لأنه ليس عنده من تقوى الله ما مَنَعه عمَّا نهى الله عنه في قوله: فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ [النجم: ٣٢]، والولاية ما تكون إلا للمؤمن التقي كما قال شيخ الإسلام رحمه الله أخذًا من الآية: "مَن كان مؤمنًا تقيًّا كان لله وليًّا" .
أمَّا مَن خطر ذلك في قلبه بدون أن يحدِّث به الناسَ فقلت لكم: إنَّ له حالين:
الحال الأولى: أن تحمله على العُجب والإدلال على الله بعمله والمنَّة على الله به، فهذا يخدش في إيمانه ودينه ويضرُّه.
الثاني: أن يستبشر بها، ويرى أنها من نعمة الله عليه، ويرى لها آثارًا، فيحمد الله على ذلك ويزداد فرحًا وفألًا، فهذا لا بأس به، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعجبه الفأل .
قال: (وقال ابن عباسٍ رضي الله عنهما في قوله تعالى: وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ [البقرة: ١٦٦]).
الْأَسْبَابُجمع سبب، وهو كلُّ ما يُتوصَّل به إلى شيء، وفي اصطلاح الأصوليين: ما يَلْزم من وجوده الوجودُ ومن عدمِه العدم، هذا السبب في اصطلاح الأصوليين.
فكلُّ ما يُوصل إلى شيءٍ فهو سببٌ؛ قال الله تعالى: مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ [الحج: ١٥]، ومنه سُمِّي الحبل سببًا؛ لأنَّ الإنسان يتوصَّل به إلى استخراج الماء من البئر. فما هي الأسباب المرادة هنا؟
يقول: (المودَّة) . من أين أخذها إن صحَّ الأثر عنه أيضًا؛ لأن الأثر هذا ضعيف؟
إن صحَّ عنه فإنَّه أخذها من قوله تعالى: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ، بعد قوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ؛ لأن الآيتين في سياقٍ واحد؛ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ [البقرة: ١٦٥، ١٦٦]، قال: المراد بذلك الْأَسْبَابُيعني: المودَّة؛ يعني مودَّة المشركين لأصنامهم.
أمَّا مودَّة الله عز وجل فإنها تتقطَّع بالإنسان؟
طالب: لا.
الشيخ: أبدًا، بل موصلةٌ للإنسان، وكذلك مودَّة المؤمنين بعضهم لبعضٍ ترفعهم درجات، المتحابُّون في الله؛ قال الله تعالى: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف: ٦٧].
ثم قال المؤلف رحمه الله: (فيه مسائل).
طالب: يا شيخ (...)؟
الشيخ: لا، هذه قلناها، هذه شرحناها، بس احنا كان باقيًا علينا أقسام الولاية.
طالب: قوله: (وعن ابن عباس) ما يدل على أن الحديث أثر عن الرسول؟
الشيخ: (وقال ابن عباس).
الطالب: لا، عندنا (وعن ابن عباس).
الشيخ: الأول تعني؟
الطالب: الأول.
الشيخ: لا، هو موقوف، إذا لم يرفعه فإنه موقوف.
الطالب: لو أنه لابن عباس ما يقول: وقال ابن عباس؟
الشيخ: لا، ما هو بلازم، إذا قال: وعن ابن عباس، ولم يقل: عن النبي صلى الله عليه وسلم، فهو موقوف.
الطالب: يعني قولة (عن) ما تدل على أنه..؟
الشيخ: ما تدلُّ على أنه مرفوع.
قال: (فيه مسائل: المسألة الأولى تفسير آية البقرة)، وهي وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا [البقرة: ١٦٥]، وتقدَّم تفسيرها.
(الثانية: تفسير آية براءة)، قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ..إلى آخره [التوبة: ٢٤].
(الثالثة: وجوب محبَّته صلى الله عليه وسلم على النفس)، كذا عندكم؟
طلبة: (...).
الشيخ: أنا عندي حاشية؛ يقول: لعل الصواب: وجوب تقديم محبَّته، وهذا صحيح؛ لأنه هو مقتضى الحديث، وأيضًا قوله: (على النفس) يدل على أن هناك تقديم.
(وجوب تقديم محبَّته صلى الله عليه وسلم على النفس والأهل والمال). من أين تؤخذ؟
طالب: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ».
الشيخ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» ، بس النفس؟
طالب: حديث عمر.
الشيخ: حديث عمر؟
الطالب: نعم.
الشيخ: إي، بس ما هو موجود.
طالب: تدخل في «وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ».
الشيخ: تدخل في «النَّاس»؛ لأنَّ نفسك من الناس، نعم، ثم إنَّ الآية أيضًا: قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ ... أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [التوبة: ٢٤]، هذه فيها ذِكر القرابات وذِكر الأموال: قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ ...، الحديث ما فيه ذِكر المال، فيه ذِكر النفس، فيه ذِكر الولد والوالد والناس، ما فيه ذِكر الأموال، لكن الآية فيها ذِكر الأموال: وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا [التوبة: ٢٤].
تقدَّم لنا أنَّ المحبَّة كسبية ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: وذكرنا فيها دليلًا، وهو حديث؟
طالب: (من أحبَّ في الله)..
الشيخ: هذا (من أحبَّ)، لكن فيه حديث آخر؛ لأن (من أحبَّ) هذا أثر ضعيف.
طالب: حديث عمر.
الشيخ: حديث عمر لَمَّا قال: واللهِ إنك لَأَحبُّ إليَّ من كلِّ شيءٍ إلا من نفسي، فقال (...): «وَمِنْ نَفْسِكَ»، قال: الآن أنت أحبُّ إليَّ من كل شيءٍ حتى من نفسي . فقوله: (الآن) يدلُّ على حدوث المحبة الآن، وهذا أمرٌ ظاهر.
طيب، وفيه أيضًا (الرابعة: أنَّ نَفْي الإيمان لا يدلُّ على الخروج من الإسلام)، منين نأخذه؟
طالب: حديث (...).
الشيخ: طيب، لو قال قائل: «لَا يُؤمِنُ» يعني أنه خارج من الإسلام؟
طالب: لا يؤمن الإيمان الكامل.
الشيخ: بس، هذه دعوى.
طلبة: (...).
طالب: من حديث عمر.
الشيخ: طيب، الآن نشوف اللي معنا: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ»، «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ» . يؤخذ من هذا الحديث؛ لأن حلاوة الإيمان أمرٌ زائدٌ على أصله، فهمتم؟ فهذا دليلٌ على أنَّ..، لا، بس هو يقول: (أنَّ نفي الإيمان) يا إخواني.
طلبة: (...).
الشيخ: (أنَّ نفي الإيمان) يعني معناه أنَّ الدليل مركَّب من الدليلين؛ «لَا يُؤْمِنُ» هذا نَفْي إيمانٍ، لا يخرج من قوله: «وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ».
طالب: ما هو يأخذه من (...) السلف في هذا الكلام؟
الشيخ: أي سلف؟
الطالب: من المخالفة للخوارج (...)؟
الشيخ: لا، المهم الآن عندنا «لَا يُؤْمِنُ»، ما يمكن لأحد أن يدَّعي أي: لا يؤمن الإيمان الكامل، ما يمكن يدَّعيه أحد، إن ادَّعاه نقول له: ويش الدليل؟ نحن نقول: «لَا يُؤْمِنُ» ينتفي عنه الإيمان؛ لأن الأصل نَفْي الفعل يدلُّ على عدم وجوده، لكننا نقول: الحديث الثاني: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا»، يدلُّ على أنَّ الإيمان لم ينتفِ، أو لا؟ لأنَّ وجود الحلاوة أمرٌ زائدٌ على أصل الإيمان.
طالب: يا شيخ، ما تؤخذ من قوله: «أَحَدُكُمْ» لأنَّه يخاطب المؤمنين: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ»؟
الشيخ: لا؛ لأنك أنت ما تنفي الإيمان إلا عمَّن كان مؤمنًا.
الطالب: النبي صلى الله عليه وسلم يخاطب المؤمنين؛ «أَحَدُكُمْ».
الشيخ: إي نعم، يخاطب المؤمنين فيقول: لا تؤمنون حتى يكون الله ورسوله أحبَّ إليكم مما سواهما، فمعنى ذلك أنَّكم إذا لم تفعلوا ذلك فلستم بمؤمنين.
المهمُّ أنَّ الدليل مركَّب من الدليلين، هذا ما فيه اشتباه ولا فيه معارضة، وقد سبق لنا أن نفي الشيء له ثلاث حالات: الأصل أنه نفيٌ لوجوده، فإن مَنَع مانعٌ من نفي الوجود فهو نفيٌ للصحة، فإن مَنَع مانعٌ مِن نفي الصحة فهو لنفي الكمال. أو لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: مر علينا؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ويش مثال النفي الذي لنفي الوجود؟
الطالب: لا صلاة..
الشيخ: (لا إيمانَ لعابد صنم). يصلح؟
طالب: نعم.
الشيخ: إي نعم، (لا إيمانَ لعابد صنم)، هذا يصح؛ لأنه ما عنده إيمان بالكلية.
طيب، مثال نفي الصحة؟ (لا صلاة بغير وضوء)؛ لأنَّ الإنسان ربما يصلي قُدَّامنا، يقوم ويركع ويسجد ويقرأ وإلى آخره، لكن نقول: ليست صلاتُه صحيحة.
مثال نفي الكمال: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ» ، هذا نفيٌ للكمال وليس للصحة؛ لأنه لو صلَّى ما بطلت صلاته.
طيب، هنا: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ» من أيِّ الأقسام؟ نفي الكمال الواجب ولَّا الكمال المستحب؟
طالب: الواجب.
الشيخ: نفي الكمال الواجب، وهذه قاعدة جديدة؛ يقول شيخ الإسلام: إنه لا يُنفى الشيءُ إلا لانتفاء واجبٍ فيه ما لم يمنع من ذلك مانع. فإذَنْ نقول: نفي الإيمان هنا ليس نفيًا للكمال الأفضل، بل هو نفيٌ للكمال الواجب الذي لا بدَّ منه، إي نعم.
المسألة (الخامسة: أنَّ للإيمان حلاوةً قد يجدها الإنسانُ وقد لا يجدها). صح، منين نأخذها؟ من قوله: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ»، وهذا دليلٌ على انتفاء هذه الحلاوة إذا انتفت هذه الأسباب الثلاثة.
(السادسة: أعمال القلب الأربع التي لا تُنال ولاية الله إلا بها) وهي الحبُّ والبغض والولاء والعداء، أربعةٌ ما تُنال الولاية إلا بها، والإنسان وإن كثرت صلاتُه وصومُه إذا والَى أعداءَ الله ما ينال ولايةَ الله؛ مثلما قال ابن القيم:

أَتُحِبُّ أَعْدَاءَ الْحَبِيبِ وَتَدَّعِي حُبًّا لَهُ مَا ذَاكَ فِي إِمْكَانِ

وذكرنا في أثناء الشرح أنَّ هذا لا يقبله حتى الصبيان؛ أن تُوالِي من عاداهم، حتى الصبيان بأنفسهم ما يقبلون ذلك إطلاقًا.
يقول: (ولا يجد أحدٌ طعم الإيمان إلا بها) لقول ابن عباس.
طالب: يجوز ضمُّ الواو يا شيخ (وُلاية)؟
الشيخ: (وُلاية)؟!
الطالب: إي.
الشيخ: لا، بالفتح أو بالكسر.
الطالب: لأن المستأنس أن تقرأ (وِلاية).
الشيخ: (السابعة: فَهْم الصحابِي للواقع) الصحابي يعني به ابن عباس رضي الله عنهما (أنَّ عامَّة المؤاخاة على أمر الدنيا)، وهذا في زمنه، وفي زمننا الآن من باب أولى، إي نعم.
(الثامنة: تفسير وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ [البقرة: ١٦٦]) فسَّرها بالمودَّة، ولكن اعلمْ أن تفسير الصحابي للآية إذا كانت ألفاظُها من صيغ العموم لا يعني أن تُقصَر على هذا التفسير، وإنما يكون هذا التفسير كالتمثيل، نعم؛ لأنَّ العبرة في نصوص الكتاب والسُّنة بأي شيء؟ بعموماته، فإذا جاء تفسيرٌ فردًا من أفراد هذا العموم فإنما يُقصَد به التمثيل، يَقصد به المفسرُ التمثيلَ؛ يعني: مثل المودة، وإلا حتى الأسباب الأخرى التي يتقرَّبون بها إلى الله وليست بصحيحة فإنها تتقطَّع بهم ولا ينالون منها خيرًا.
ثم قال رحمه الله تعالى: (التاسعة: أنَّ من المشركين مَن يحبُّ الله حبًّا شديدًا). منين نأخذه؟
طالب: من قوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ [البقرة: ١٦٥].
الشيخ: وَالَّذِينَ آمَنُوا!
طالب: لحبِّهم للأنداد.
الشيخ: يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ.
الطالب: (...) هم يحبُّون الأنداد.
الشيخ: هم يحبُّون الأنداد حبًّا شديدًا، فإذا كانوا يحبُّونهم كحبِّ الله لَزِم من هذا أنهم يحبُّون الله حبًّا شديدًا، لكن ساووا الأصنامَ بالله في المحبة.
طالب: ويكون يا شيخ التشبيه يعني (...)، أنه لَمَّا شُبِّهت المحبة مثلًا بمحبة الله دليل على أن محبتهم لله أشدُّ من محبتهم للأصنام؟ وإلا لَمَّا تشبه شيئًا بشيء (...) أكبر؟
الشيخ: لا، الأصل في التشبيه التساوي أو إلحاق المشبَّه بالمشبَّه به، وإن كان ظهور هذا المعنى في المشبَّه به أَبْين.
طالب: شيخ، كيف نقول: إنَّ من المشركين مَن يحبُّ الله حبًّا شديدًا مع أنَّه قد جاء في الآية أنَّ المؤمنين أشدُّ حبًّا لله؟
الشيخ: إي، أشدُّ.
الطالب: إي، لكن محبتهم منقسمة الآن.
الشيخ: إي نعم، صحيح، لكن يحبونهم حبًّا شديدًا.
الطالب: كيف يحبونهم؟
الشيخ: هكذا، يحبون الله ويحبون أصنامهم.
الطالب: هم يحبون الأصنام.
الشيخ: ويحبون الله أيضًا، لكن هذه المحبة ما نفعتْهم.
الطالب: محبة ضعيفة هذه.
الشيخ: ما نفعتْهم؛ لأنَّ الله يقول: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ» .
الطالب: فيه من المفرِّطين يحبون الله، ونشوفهم يحبون الله ويصلُّون ويصومون.
الشيخ: إنما هم يحبون الله، ولا يَلزم من قوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ [البقرة: ١٦٥] أن تكون محبتهم للأصنام ليست بشديدة، بل هذا مما يؤيد أنها شديدة؛ لأنَّ اسم التفضيل يقتضي المشاركة في الوصف مع الزيادة، فمعنى أَشَدُّيعني وهناك فيه شدة، ولَّا لا؟
الطالب: نعم.
الشيخ: (...)؟
طالب: (...).
الشيخ: أقول: الَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ، ما هي باسم تفضيل؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: ويش اسم التفضيل؟ ويش يدل عليه في المعنى؟
طالب: الزيادة في (...).
الشيخ: يدل على الاشتراك في أصل المعنى مع الزيادة، فـأَشَدُّمعناه أنهم اشتركوا في شدة حبهم، لكن الذين آمنوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ، إي نعم.
طالب: ما (...) للآية: يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِيعني يحبون أصنامهم كحب الذين آمنوا لله.
الشيخ: فيه وجه لهذا، لكن ذكرنا في أثناء الشرح أنَّ هذا ما هو مستقيم هذا الوجه؛ لأنه مخالف لظاهر الآية.
(العاشرة: الوعيد على من كانت الثمانية أحبَّ إليه من دينه).
(الثمانية) وأيش هي؟ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَاهذه الثمانية أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا [التوبة: ٢٤]، الوعيد في قوله: فَتَرَبَّصُوا، فأفادنا المؤلف رحمه الله أن الأمر هنا للوعيد.
(الحادية عشرة: أنَّ مَن اتخذ نِدًّا تساوي محبتُه محبةَ الله فهو الشرك الأكبر)، لقوله: يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ، ثم بيَّن في سياق الآيات أن هؤلاء مشركون شركًا أكبر بدليل ما لهم من العذاب.

***

باب: قول الله تعالى: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}
00:24:55

ثم قال: (باب قول الله تعالى: إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران: ١٧٥]).
المؤلف رحمه الله أعقبَ باب الخوف باب المحبة، يعني جعل بابَ الخوف بعد باب المحبة؛ لأن العبادة ترتكز على هذين الأمرين: على المحبة والخوف؛ فبالمحبة يكون فعل الأمر، ومن الخوف يكون اجتناب النهي.
طالب: باب الخوف (...)؟
الشيخ: إي، هذا باب الخوف. فهو -رحمه الله- هذا من حُسن ترتيبه وفقهه، العبادة لا يمكن أن تكون وتتمَّ إلا على هذين الأساسين، وهما: المحبة التي تحمل الإنسان على فِعْل الطاعة، والخوف الذي يحمله على تَرْك المعصية، وإن كان تاركُ المعصيةِ أيضًا يطلب الوصولَ إلى الله، لكن هذا من لازِم تَرْك المعصية وليس هو الأساس؛ لو سألتَ الذي لا يزني: لماذا؟ لَقال: خوفًا من الله، ولو سألتَ الذي يصلي لَقال: طمعًا في ثواب الله ومحبةً له، مع أنَّ كلًّا منهما ملازمٌ للآخر، حتى الخائف من الله يقول: أريد أن أنجو من عذابه لأصل إلى رحمته، وحتى المطيع لله يقول: أنا أُرِيد أن أصل إلى رحمته وأنجو من عذابه، لكن المقصود: القصد الأول بفعل الطاعة الذي يحمل عليه هو المحبة، وفي تَرْك المعصية الذي يحمل عليه هو الخوف.
واعلم أنَّ أهل العلم، أو أنَّ أرباب السلوك على الأصح -لأنَّ العلماء أصناف، أرباب السلوك يعني أرباب الاتجاهات والإخلاص من التوكل والعبادة وما أشبهَ ذلك – اختلفوا؛ هل الأفضل للإنسان أن يغلِّب جانبَ الخوف أو أن يغلِّب جانبَ الرجاء:
فقال بعض أهل العلم: ينبغي أن يغلِّب جانب الخوف ليحمله على اجتناب المعصية ثم على فِعْل الطاعة.
وقال آخرون: ينبغي أن يغلِّب جانبَ الرجاء ليكون متفائلًا، والرسول صلى الله عليه وسلم يُعجبه الفأل .
وقال بعض العلماء: ينبغي في فِعْل الطاعة أن يغلِّب جانبَ الرجاء وفي فِعْل المعصية أن يغلِّب جانبَ الخوف من أجْل أن يمنعه عن المعصية، ثم إذا عصى خاف من العقوبة فتاب، وفي جانب الطاعة يغلِّب أيش؟ جانبَ الرجاء، وأنَّ الذي مَنَّ عليه ووفَّقه لفعل هذه الطاعة سيمُنُّ عليه تبارك وتعالى بقبولها؛ لأنَّ مَن وُفِّق لعمل فإنَّ هذا عنوانٌ على أنَّ الله سيقبله منه إذا أتى به على الوجه المطلوب منه؛ مثلما قال بعض السلف: إذا وفَّقك الله بالدعاء فتوقَّع الإجابة –أو: فانتظر الإجابة- لأنَّ الله يقول: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: ٦٠] المهم هذان رأيين.
الرأي الثالث يقول: ينبغي في حال المرض أن يغلِّب جانبَ الرجاء، وفي حال الصحة أن يغلِّب جانبَ الخوف. في جانب المرض لأجْل أن ينتقل من الدنيا وهو يُحسِن الظنَّ بالله فيغلِّب جانبَ الرجاء، وفي وقت الصحة يغلِّب جانبَ الخوف حتى يمنعه من المعاصي.
وقال الإمام أحمد: ينبغي أن يكون خوفه ورجاؤه واحدًا، فأيهما غلب هلك صاحبُه. يعني ما يغلِّب لا هذا ولا هذا، يجعلهما كجناحين للطائر، والجناحان للطائر إذا لم يكونا متساويين سقط الطائر، لو قصيت الريش من أحد الجناحين وخلَّيته يطير..
الطلبة: ما يطير.
الشيخ: ما يطير، لو أنَّ الجناح الثاني كامل.
ولكن القول الذي يترجَّح عندي أنه في جانب الطاعة يغلِّب جانبَ الرجاء، وفي جانب المعصية يغلِّب جانبَ الخوف، هذا أقرب شيء، ولا هو بذاك القريب الكامل؛ لأنَّ الله تعالى يقول: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ [المؤمنون: ٦٠]، يعني: يخافون ألَّا يُقبل منهم.
ولكن يقال أيضًا: هذه الآية تعارضها آياتٌ أخرى أو أحاديث أخرى؛ مثل قوله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي» ، وعلى كلِّ حالٍ فإنَّ الخوف أحد ركنين أو أحد أساسين يحملان على عبادة المرء لله؛ الأساس الأول: المحبة، والأساس الثاني: الخوف، ولا بدَّ لكل عابدٍ منهما وإلا لاختلَّت عبادته.
طالب: (...) القول الثاني: في حالة الصحة يغلِّب جانب الخوف وفي حال المرض يغلِّب..؟
الشيخ: حتى في حال المرض؛ لأنَّ الإنسان .. ما نقول: غلِّب جانب الرجاء؛ لأني أخشى أنَّه يحمله على الأمن من مَكْر الله إذا غلَّب جانب الرجاء.
الطالب: لو صار من (...) خلاص (...) يُحسن الظن بالله.
الشيخ: إحسان الظن بالله إذا عَمِل عملًا صالحًا، ونرجع للقول اللي اخترنا.
طيب، الخوف -خوف الله عز وجل- أيضًا درجات، ما هو درجة واحدة؛ من الناس مَن يغلو في خوفه، ومن الناس من يفرِّط في خوفه، ومن الناس مَن يعتدل في خوفه.
فالخوف العدل هو الذي يردعك عن محارم الله فقط، هذا الخوف، لا تَزِد على هذا، الخوف اجعلْه حاجزًا لك عن معاصي الله فقط، إن زدتَ على ذلك فإنه يُوصلك إلى اليأس من رَوح الله والقنوط من رحمته، فالخوف العدل المعتدل السليم هو الذي يمنع صاحبَه عن محارم الله فقط، لا أنَّه يحملك إلى أن تخاف من كل شيء فتقع في القنوط من رحمة الله.
ومن الناس من يُفَرِّط في الخوف -لا (يُفْرِط فيه)، (يُفَرِّط فيه)- فكلَّما نهيتَه عن معصيةٍ قال: نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الحجر: ٤٩] ويكون كالذي قال: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ [الماعون: ٤]، ما يقرأ الآية اللي بعدها، ويش الآية اللي بعدها؟ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ [الحجر: ٥٠]، كثيرٌ من الناس تنصحه ويقول هذا الكلام: إنَّ الله غفورٌ رحيم، فهذا أيضًا خوفُه ضعيفٌ جدًّا.
والصحيح -مثل ما قلتُ لكم، وهذا هو الذي ذكره شيخ الإسلام وابن القيم- أنَّ الخوف العدل السويَّ هو ما منعك عن محارم الله لا ما أقنطك من رحمته، اعمل العمل الصالح، وامتنعْ عن المحرَّم، وكنْ واثقًا بالله عز وجل؛ لأنَّ وَعْد الله لا يُخلف.
والآن نرجع إلى أقسام الخوف عند أهل العلم؛ يقولون: إنَّ الخوف ينقسم إلى أقسام: خوف عبادةٍ وتعظيمٍ، وهو ما يُسَمَّى بخوف السرِّ، هذا لا يصحُّ إلا لله عز وجل، ومَن أشرك فيه مع الله غيرَه فهو مشركٌ شركًا أكبر؛ مثل أولئك الذين يخافون الأصنام أو يخافون الأموات أو يخافون مَن يزعمونهم أولياء؛ يقول: ترى (...) فيك الولي فلان. لو أنَّه بالمشرق وأنت بالمغرب، هذا يقول أهل العلم: إنَّه من الشرك الأكبر، وهو خوف العبادة والتذلُّل والخضوع، كما يفعل أولئك الذين يعبدون القبورَ وغيرها، يخافون من صاحب القبر أكثر مما يخافون من ربِّ العالمين والعياذ بالله، يزعمون أنه قادرٌ على أن يضرَّهم وأن ينفعهم.

***

(...) والطاعة، وأما هذا الباب فهو في باب المخافة والخوف، وما أحسنَ تعقيبَ المؤلف ذاك الباب بهذا الباب، وقد سبق لنا أن الإنسان ينبغي له أن يكون خوفُه ورجاؤه على حدٍّ سواء، إلا أنه إذا عَمِل الطاعةَ فينبغي أن يغلِّب جانبَ الرجاء، وإذا عَمِل المعصيةَ أو إذا همَّ بالمعصية فيغلِّب جانبَ الخوف، وسبق لنا ذكر خلاف العلماء في هذه المسألة.
واعلمْ أنَّ الخوف على نوعين: خوف عبادة، وخوف عادة. فأمَّا خوف العبادة فأنْ يكون هذا الخوف خوفًا باطنيًّا سريًّا يوجِب لمن قام به أن يتألَّه ويتعبَّد ويتقرَّب لهذا الْمَخُوف كما يفعل ذلك في الله عز وجل؛ وذلك كخوف الأموات والأولياء وما أشبه ذلك ممن يخوَّف بهم الإنسان، فهذا الخوف عبادةٌ كما علمتم، وصَرْفه لغير الله من باب الشرك الأكبر المخرِج عن الملَّة؛ مثل أن يخاف الإنسان من وليٍّ مقبورٍ مثلًا كما يفعل بعض الجهال العوام الذين يؤلِّهون هؤلاء الأولياء، يقول: إنَّ الولي له سِرٌّ سيقضي عليك إذا لم تعبده، مثلًا، فيوجِب هذا الخوف التعبُّدي السرِّي، يوجب للخائف أن يتعلَّق قلبُه بهذا الْمَخُوف كما يتعلَّق بالله عز وجل، فما حُكم هذا النوع؟ هذا شركٌ أكبر مخرجٌ عن الملَّة.
أمَّا النوع الثاني فهو الخوف الطبيعي الذي يكون بمقتضى الطبيعة والجِبِلَّة، فهذا الخوف إنْ حَمَل على تَرْك الواجب صار محرَّمًا، وإنْ حَمَل على فِعل محرَّمٍ كان محرَّمًا، وإن لم يستلزم إلا شيئًا مباحًا كان أيش؟ كان مباحًا، فيكون هذا الخوف الطبيعي على حسب ما يؤول إليه وعلى حسب ما يُوصِل إليه؛ إن تُوُصِّل به إلى محرَّم فهو محرَّم سواءٌ كان ذلك بفعل معصيةٍ أو تَرْك واجبٍ، وإن تَوصَّل به الإنسانُ إلى أمرٍ مباحٍ له فهذا لا بأس به.
مثال ذلك: رجلٌ خاف من شيءٍ خوفًا طبيعيًّا، ومن أجْل هذا الخوف تَرَك الصلاة مع وجوبها، يعني بحيث إن هذا الخوف لا يؤثر عليه، فهذا نقول له: حرامٌ عليك أن تخاف هذا الخوف الذي يؤدي بك إلى تَرْك الواجب، بل اخرج ودافعْ بقدر ما تستطيع.
أو قال له إنسان: افعلْ هذا المحرَّم وإلا فعلتُ بك كذا وكذا، وهو لا يستطيع أن ينفِّذ ما هدَّده به، فهذا أيضًا خوفٌ لا يجوز لأنه يوقعه في المحرَّم بدون أن يكون له عُذر.
خوفٌ طبيعي: رأى نارًا تشتعل في مكانٍ ما، فهرب منها ونجا بنفسه، فهذا جائز ولَّا لا؟ هذا جائز وقد يكون واجبًا إذا كان يتوصل به إلى إنقاذ نفسه.
هناك خوفٌ ثالث يمكن أن يُسمَّى خوفًا وليس بخوف، وهو الوهم؛ الذي يتوهم الإنسان وجود مَخُوفٍ وليس كذلك؛ مثل أن يرى ظلَّ شجرةٍ تهتزُّ فيظن أن هذا عدوٌّ يتهدَّده، هذا ما ينبغي للمؤمن أن يكون كذلك، بل ينبغي للإنسان أن يطارده عن نفسه؛ لأن جميع الأوهام التي تَرِد على النفوس ولا حقيقة لها إذا لم تُطاردها فإنها تُهلكك، وهذا عامٌّ في هذه المسألة وغيرها، فالأوهام التي لا حقيقة لها لا يليق بالإنسان أن يخضع لها، بل الذي ينبغي له أن يطردها، فإنْ أوقعتْه في شيءٍ محرَّمٍ أو في تَرْك الواجب صارت محرَّمة، صار الخضوع لها محرَّمًا، فهذا الخوف.
إذَن الخوف الحقيقي ينقسم إلى قسمين، أمَّا الثالث فهذا قُلنا: إنه وهمٌ، ولا ينبغي للإنسان أن يؤثِّر عليه إطلاقًا.
الخوف الأول: خوف التعبُّد والتألُّه، وهو الخوفُ السرِّيُّ الذي يكون في القلب، بحيث يكون في القلب الخوفُ من هذا الْمَخُوف والخشية منه كما يخاف من الله عز وجل، هذا قلنا: إنَّه شركٌ أكبرُ مخرِجٌ عن الملَّة؛ لأن الخوف من العبادات، من أجلِّ العبادات.
القسم الثاني: الخوف الطبيعي، وقلنا: إنه لا يُلام الإنسان عليه إلا إذا كان مُفْضِيًا إلى تَرْك واجبٍ أو فِعل محرَّم، وإلا فلا يُلام عليه الإنسان؛ لأنه مقتضى الطبيعة، وقلنا: إنَّ هذا النوع قد يجب أحيانًا، متى يجب؟ يجب إذا كان يترتَّب عليه إنقاذ نفسه من الهلاك؛ واحد مثلًا يقول: لا تخف يا أخي من النار، لو (...) تشتعل (...) مطلع عليك، لا تخف. قال: لا، أنا كيف ما أخاف؟! إلا، أخاف وأنقذ نفسي أيضًا وأهرب وأعمل بمقتضى هذا الخوف.
وأما الوهم فقُلنا إنَّه وإن عُدَّ خوفًا فهو لا حقيقة له، ليس بخوف، ولا ينبغي للإنسان أن يخضع له أو أن ينقاد له؛ لأنه يوقعه في أمورٍ كثيرة، لا في هذه المسألة، ولا في مسألة بعض الواردات التي تَرِد على القلوب، ولا في مسألة الوساوس والصلاة أو في الوضوء أو في المعاملات أو في غيرها، كل هذا الذي لا حقيقة له ينبغي للإنسان أن يطارده وألَّا يخضع له أبدًا.
طيب، الآن عرفنا أنَّ الخوف وجهُ مناسبته للتوحيد واضح جدًّا؛ لأن من أقسامه ما يكون شركًا منافيًا لأيش؟ للتوحيد، وهذا الكتاب وُضِع لتحقيق التوحيد والخلاص مما ينافيه.
طالب: شيخ، مثل الخوف من الشيخ..
الشيخ: الخوف من الشيخ هذا من الشرك؛ لأن الشيخ..
الطالب: الشيخ يعني معلِّمنا (...).
طالب آخر: خوف طبيعي، الخوف يعني من معلِّمه.
الشيخ: من السلطان، هذا خوف حقيقي طبيعي.
طالب: لا، ما هو من السلطان.
طالب: يقصد خوفه..
طالب آخر: يعني فضيلتك تعلمه..
طالب آخر: (...) لا يجيب.
الشيخ: إن كان أنت تخاف أضربك فهذا خوف طبيعي.
الطالب: ما هو (...).
الشيخ: إي، أنت المؤدب الآن.
المهم، الخوف من الأمور الظاهرة هذا من الخوف الطبيعي؛ يعني مثلًا واحد فوقه سقف مايل للسقوط وخاف أنَّه يسقط عليه، خاف، صار يرتعد يخاف من هذا، ويش يكون هذا؟ هذا خوف عبادة ولَّا طبيعي؟
الطلبة: طبيعي.
الشيخ: هذا طبيعي؛ لأنه يخاف من أمرٍ ظاهر واضح. لكن يخاف من الشيخ المدفون اللي له مئة سنة عظامه قد بَلِيتْ، يخاف منه! هذا خوف سرِّي، يعني ما هو بشيء ظاهر يُرى حتى يُخاف، ولهذا تجد الذين في قلوبهم هذا الخوف تجدهم يخافون من هذا الشيء خوفًا سريًّا ما يُطَّلَع عليه مفضيًا إلى التعبُّد والتألُّه وتعلُّق القلبِ به أكثر من تعلُّقه بالله عز وجل.
طلبة: (...).

***

الشيخ: (باب قول الله تعالى: إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ [آل عمران: ١٧٥]).
ويش اللي قبل الآية؟
طالب: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ.
الشيخ: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤) إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ [آل عمران: ١٧٣ - ١٧٥]، إِنَّمَاهذه أداة حَصْر، والمشار إليه مَن خَوَّفَ المشركين.
وقوله: إِنَّمَا ذَلِكُمُ(ذا) مبتدأ، والشَّيْطَانُيحتمل أن يكون خبرَ المبتدأ وجملة يُخَوِّفُحالًا من الشَّيْطَانُ، ويحتمل أن يكون الشَّيْطَانُصفةً لـذَلِكُمُأو عطف بيانٍ ويُخَوِّفُخبر المبتدأ، ومعنى الآية: ما هذا التخويف الذي حصل إلا من شيطانٍ يُخَوِّف أولياءَه.
يُخَوِّفُهذه تنصب مفعولين؛ المفعول الأول محذوفٌ والثاني موجود؛ تقدير الأول: يخوِّفكم أولياءَه، و(أولياء) هي المفعول الثاني، ومعنى يخوِّفكم أي: يُوقِع الخوف في قلوبكم منهم.
وأَوْلِيَاءَهُأي: أنصارَه الذين ينصرون الفحشاء والمنكر، كل مَن ينصر الفحشاء والمنكر فهو من أولياء الشيطان؛ لأن الشيطان يأمر بماذا؟ بالفحشاء والمنكر، فمن نَصَر الفحشاء والمنكر فهو من أولياء الشيطان، ثم قد يكون هذا النصر بالتوحيد وما يتعلَّق به فيكون عظيمًا، وقد يكون فيما دون ذلك.
وقوله: يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُمثال ذلك ما وقع في .. حيث قالوا: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ، لماذا؟ ليصدوهم عن واجب من واجبات الدين وهو الجهاد في سبيل الله، أو يُخَوِّفونهم بهذا.
ومثل ذلك أيضًا ما يقع في نفس الإنسان عندما يريد أن يأمر بالمعروف أو ينهى عن منكر فيخوِّفه الشيطان ويقول: إنك إذا فعلتَ كذا حصل عليك كذا وكذا، ليصدَّه عن هذا الأمر.
ومنه أيضًا ما يقع في قلب الداعية إذا أراد أن يبيِّن الحقَّ، فيقع في نفسه أنه إذا بيَّنه اعتُدِيَ عليه، فينحسر عند ذلك ولا يبيِّن الحق.
والحاصل أن الشيطان يخوِّف كلَّ مَن أراد أن يقوم بواجب، يخوِّفه من مغبَّته و(...).
إنَّه يجب أن تقول لنفسك، إذا ألقى الشيطان في قلبك هذا الأمر يجب أن تقول لنفسك: كم من داعيةٍ إلى الله صَدَع بالحقِّ ومات على فراشه، وكم من جبانٍ قُتِل، أليس كذلك؟
طالب: بلى.
الشيخ: خالد بن الوليد رضي الله عنه من أشجع الناس وأشدِّهم إقدامًا، (...) في المعارك والميادين -ميادين القتال- ومع ذلك مات على فراشه، وليس الإقدام على كلمة الحق وعلى قول الحق هو الذي يُدني الأجَل، وليس السكوت والجُبن هو الذي يُبعد الأجَل، فأنت ما دام هذا الأمر واجبًا عليك؛ أوجبه الله عليك، فأنت في مقامٍ يجب عليك أن تفعل أو تقول، لا يجوز لك أن تخاف لا من الشيطان ولا من أولياء الشيطان، وإلا فإنَّ الشيطان يخوِّفك، يقول: يُعتَدى عليك، (...) عليك، يُفعَل كذا، يُفعَل كذا. لكن لا يهمُّك، ما دمتَ قائمًا بأمر الله فثِقْ أن الله تعالى مع الذين اتَّقوا والذين هم محسنون، سينصرك الله ويؤيِّدك، ومعلومٌ أن حزب الله هم الغالبون.
ولهذا قال عز وجل: فَلَا تَخَافُوهُمْ(لا) ناهية، (لا تخافوهم) الضمير يعود على مَن؛ الهاء؟ على أولياء الشيطان. فَلَا تَخَافُوهُمْوهذا النهي للتحريم بلا شك؛ يعني: بل امضُوا فيما أمرتُكم به وفيما أوجبتُ عليكم من الجهاد ولا تخافوا هؤلاء، وإذا كان الله تعالى مع الإنسان فإنَّه لا (...) أحد، لكن نحتاج في الحقيقة إلى صِدق النية والإخلاص والتوكل التامِّ، ولهذا قال: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَإن كنتم مؤمنين فلا تخافوهم وقوموا بما أوجبتُ عليكم.
وعُلِم من هذه الآية الكريمة أن للشيطان وساوسَ يُلقيها في قلب بني آدم، منها: التخويف من أعدائه، وهذا ما وقع فيه كثيرٌ من الناس فريسةً لأعداء الله حيث كانوا يخافونهم كخوف الله، بل ربما أشد من خوف الله، فكانوا فريسةً لأعداء الله وأولياء الشيطان، وإلا لو اتَّكلوا على الله عز وجل وخافوا الله قبل كل شيء لَكان الناس يخافونهم، ولهذا يقال في المثل: مَن خافَ اللَّهَ خافه كلُّ شيء، ومَن اتَّقى اللَّهَ اتَّقاه كلُّ شيء، ومَن خاف من غير الله خاف من كلِّ شيء. فالإنسان يجب عليه أن يكون معتمِدًا على ربِّه، نسأل الله أن يعيننا وإيَّاكم على هذا.
قال: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَوفُهِم من الآية الكريمة أن الخوف من الشيطان وأوليائه مُنافٍ للإيمان، ولكن هل هو مُنافٍ لكماله أو مُنافٍ لأصله؟ على حسب الحال؛ إن أدَّى إلى ما (...) فهو مُنافٍ لأصل الإيمان، وإلا فهو مُنافٍ لكماله.
طالب: (...)؟
الشيخ: نعم، هذا خوف طبيعي، ولهذا لَمَّا قال: لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه: ٤٦] زالَ عنهما هذا الشيء، فالخوف الطبيعي من أمرٍ ظاهرٍ هذا ما أحد يُلام عليه؛ قال الله عن موسى: فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ [القصص: ٢١]، خائفًا من هؤلاء أن يدركوه فيقتلوه.
طالب: شيخ، عندما ذكرنا أن الشَّيْطَانُقد تكون بدلًا من اسم الإشارة..
الشيخ: نعم، عطف بيان.
الطالب: لا، عندما قلنا: بدل ولَّا لا؟
الشيخ: لا، عطف بيان.
الطالب: إي، ما تصح بدل؟
الشيخ: تصلح، لأنه عندكم قاعدة: ما صحَّ أن يكون عطف بيانٍ صح أن يكون بدلًا إلا في مسائل مستثناة.
الطالب: إي، ويصير بدلًا منين يا شيخ؟
الشيخ: من اسم الإشارة.
الطالب: من اسم الإشارة نعم.
طالب: يا شيخ، بالنسبة لإطلاق الشرك على هؤلاء الذين يخافون الأولياء مأخوذ من مفهوم المخالَفة؟
الشيخ: إي نعم، مأخوذ من قوله: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، مع أنَّ الآية ما تنطبق على مسألة (...) التفسير اللي ذكرنا، الآيات ما تنطبق عليه (...)، لكنَّه قِسمٌ مستقلٌّ؛ لأنَّ هذاك خوفُ سرٍّ من أمرٍ باطل ما له حقيقة، لكن هذا قد يكون له حقيقة لكنَّه يُوقِع الإنسان، هذا ينبني على القسم الثاني: خوف الطبيعة الذي يقتضي تَرْك الواجب.
ثم قال المؤلف: (وقوله تعالى: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ [التوبة: ١٨]).
قال: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِأي: ما يعمرها، فـ(إنما) هذه أداة حصر.
وقوله: يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِالمراد العمارة المعنوية أو الحسية؟
طلبة: المعنوية.
الشيخ: المعنوية وكذلك الحسية باعتبار النفي؛ لأنَّ مَن لا يؤمن بالله واليوم الآخِر لو عَمَرها عمارةً حسية فهو ما عَمَرها في الحقيقة لعدم انتفاعه بها، فالعمارة النافعة الحسية والمعنوية إنما تكون ممن آمَن بالله، وهذا لَمَّا فَخَر المشركون بعمارة المسجد الحرام قال الله تعالى: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ.
وقوله: مَسَاجِدَ اللَّهِأضافها إلى نفسه تبارك وتعالى لأنها موضع عبادته، فالناس يتعبَّدون ويسجدون لله تعالى فيها، فأضافها الله إلى نفسه تشريفًا.
طالب: لا يجوز (...)؟
الشيخ: يصلح.
وكذلك يقول: مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ، مَنْويش إعرابها؟
طالب: فاعل.
طالب آخر: مبتدأ.
الشيخ: فاعل يَعْمُرُ.
مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِتقدَّم أنَّ الإيمان بالله يتضمَّن الإيمان بأربعة أمور: بوجوده، وربوبيَّته، وألوهيته، وأسمائه وصفاته. فهذه الأركان الأربعة للإيمان بالله لا بدَّ منها: الإيمان بوجوده، وبربوبيَّته، وبألوهيته، وبأسمائه وصفاته.
أمَّا الإيمان باليوم الآخِر فاليوم الآخِر هو يوم القيامة، وسُمِّي يومًا آخِرًا لأنَّه لا يوم بعده، هو يومٌ مستمرٌّ إلى ما لا نهاية له، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ويدخل في الإيمان باليوم الآخِر كلُّ ما أخبر به النبيُّ صلى الله عليه وسلم مما يكون بعد الموت؛ مثل: فتنة القبر وعذاب القبر؛ لأنَّ حقيقة الأمر أن الإنسان إذا مات قامت قيامتُه، انتهى من الدنيا وارتحلَ إلى دار الجزاء.
ويَقْرن الله تعالى دائمًا بين الإيمان به وباليوم الآخر؛ لأن الإيمان باليوم الآخر يحفز الإنسانَ على العمل، فإنَّه إذا آمَن بأنَّ هناك بعثًا وجزاءً على العمل؛ المحسِنُ (...) بالإحسان والمسيءُ بإساءته، فإذا عَلِم بذلك وآمَن به يحفزه إلى أيِّ شيء؟ يحفزه إلى العمل لهذا اليوم.
لكنْ مَن لا يؤمن باليوم الآخِر ما هو بعامل، الذي لا يؤمن باليوم الآخِر لا يمكن أن يعمل له، وكيف يمكن أن يعمل له وهو لا (...) به؟! فلهذا يقرن الله تعالى دائمًا بين الإيمان به واليوم الآخر؛ لأنَّ الإيمان به ابتداء، واليوم الآخر غاية.
قال: مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ [التوبة: ١٨] أقامها يعني قال: قد قامت الصلاة؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، أقامها يعني: أتى بها على وجهٍ قويمٍ صحيحٍ ليس فيه نقص، وإقامة الصلاة نوعان: إقامةٌ واجبةٌ وهي التي تشتمل على فِعل الشروط والأركان والواجبات، وإقامةٌ مستحبَّة وهي ما تشتمل على فِعل ما يجب وما يُستحب.
وَآتَى الزَّكَاةَ(آتَى) تنصب مفعولين؛ الزَّكَاةَالمفعول الأول، والمفعول الثاني محذوف تقديره: مستحِقَّها، وآتى الزكاةَ مستحِقَّها.
والزكاة معروفةٌ لكم، وهي المال الذي أوجبَه الشارعُ في الأموال الزكوية، وتختلف مقاديره حسب ما تقتضيه حكمة الله عز وجل.
وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَهذه فيها حصر ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: فيها حَصْر بـ(إِلَّا)، أيش طريقه؟ النفي والإثبات؛ وَلَمْ يَخْشَنفي، إِلَّا اللَّهَإثبات؛ يعني أنَّ خشيتهم حصلتْ لله عز وجل؛ ما يخشى غيره.
والخشية نوعٌ من الخوف، لكنَّها أخصُّ منه، أخصُّ من الخوف؛ لأنها تكون مع العِلم بالْمَخْشِيِّ وحالِه؛ لقوله تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر: ٢٨]، فهي تكون مع العلم بحال الْمَخْشِيِّ، وتكون أيضًا -أي الخشية- بسبب عظمة الْمَخْشِيِّ، بخلاف الخوف؛ الخوف قد يكون من الجاهل، والخوف أيضًا قد يكون من ضعف الخائف لا من قوة الْمَخُوف، بخلاف الخشية. أخذتم بالكم من الفرق بينهما؟ هذا رجلٌ ضعيفٌ؛ صبيٌّ صغيرٌ، خاف من صبيٍّ أكبر منه، كلاهما ضعيفٌ ولَّا لا؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: لكن لماذا وقع الخوف من الصغير؟ لضعف الخائف لا لقوة الْمَخُوف. لكن الخوف من الربِّ عز وجل هذا إذا صدر من عالِمٍ به سبحانه وتعالى صار خشيةً لقوة الْمَخُوف حتى ولو كان مع قوة الخائف أو الخاشي، فالخشية تكون لقوة الْمَخْشِيِّ، والخوف يكون لضعف الخائف وإن كان الْمَخُوف غير قوي، فهذان فرقان بين الخشية والخوف (...).
قال الله تعالى: فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ(عسى) ويش معناها؟ معناها التعليل، ولهذا قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما: (عسى) من الله واجبة . لكنَّها جاءت بصيغة الترجِّي لئلَّا يأخذ الإنسانَ الغرورُ بأنَّه حصل على هذا الوصف، فلهذا قال: فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَحتى لا يغترَّ الإنسان ويقول: خلاص، أنا أومن بالله واليوم الآخر وأُقِيم الصلاة وأؤدي الزكاة ولا أخشى إلا الله؛ فإذنْ أنا مهتدٍ، وهذا كقوله تعالى: إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا [النساء: ٩٨، ٩٩]، ونحن نعلم أنه سبحانه وتعالى لا يكلف نفسًا إلا وُسعها، والذين لا يستطيعون حيلةً ولا يهتدون سبيلًا، يعذَّبون؟ لا، ولهذا (عسى) تكون للتعليل بالنسبة لخبر الله عز وجل، إلا أنها مع ذلك جاءت بصيغة الرجاء لئلَّا يأخذ الإنسانَ الغرورُ فيغترَّ، وهذا من حكمة القرآن وبلاغته.
طيب، الشاهد من هذه الآية قوله: وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ، ولهذا قال الله تعالى: فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ [المائدة: ٤٤]، وهذا من علامات صدق الإيمان، أن يكون الإنسان ما يخشى إلا الله في كلِّ ما يفعل وفي كلِّ ما يقول.
وإذا أردتَ أن تصحِّح هذا المسير فتأمل قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ» ، فأنت اصْدُق المعاملة مع الله عز وجل يحصل لك الخير في الدنيا والآخرة.
سؤالك؟
طالب: قوله تعالى: بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، اليوم الآخر (...)؟
الشيخ: اليوم الآخِر من الآخِر؛ الأخير يعني.
الطالب: يعني (...)؟
الشيخ: إي.
الطالب: (...) تخصيصه بالذِّكر؟
الشيخ: تخصيصه بالذِّكر لما قلنا من أنَّه يحمل الإنسان على العمل؛ لأنَّ مَن لا يؤمن باليوم الآخر فإنه لا يعمل، فمن لا يؤمن بأن هناك بعثًا وجزاءً ما هو بعامل، فلا بد منه.
طالب: (...) كثرة ذكره في القرآن لأنَّ كفار قريش ينكرون البعث؟
الشيخ: لا، (...)، أو أنَّ كفار قريش يكذِّبون بالرسل، (...) تكذيب بالرسل أيضًا، وإن كانوا يؤمنون بالقدَر؛ يقولون: لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا [الأنعام: ١٤٨].
طالب: قوله تعالى: يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ(...) البناء (...) الكفار؟
الشيخ: يمكن يعمرون.
الطالب: (...) عمال الكفار؟
الشيخ: نعم، يجوز يباشر إذا كان التنفيذ للمسلم، يعني (...) البناء مسلم، هؤلاء مجرَّد عمال يأخذون الزنبيل و(...) وما أشبه ذلك، أمَّا أن يُجعل لهم التنفيذ بحيث يصمِّمونه على ما يريدون فهذا لا يجوز؛ لأنه ما تُؤمَن عاقبتُهم، ولا يُؤمَن أنهم يجعلونه كالكنائس مثلًا كما وقع في بعض الأحيان.
طالب: جزاك الله خيرًا، توضح لنا كلمة: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر: ٢٨]، الخشية، العلماء اللي يخشون من الله أو اللهُ سبحانه وتعالى يخشى من العلماء؟ عايزك توضحها لنا لأنه فيه لبس كثير عليها؛ أي واحد بيجي يقول لك: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ(...)؟
الشيخ: لَمَّا قال إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ، اللَّهَهو الْمَخْشِيُّ، ولهذا صار فيه الفتح اللَّهَ، لو كان اللهُ هو اللي يخشاهم لَقال: إنما يخشى اللَّهُ من عباده العلماء.
طالب: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَهذا بالفتح.
الشيخ: ولهذا قال: الْعُلَمَاءُفاعل مرفوع. لكن مَن هم الْعُلَمَاءُنتكلم في هذه النقطة، (...)، العلماء بالصنائع؟
رجل لَمَّا قيل: إنه واحد يقال له (جاجارين) من الروس صعد إلى القمر، وشَهِد الأرضَ وهو في القمر وقال: أنا أومن بأنَّ هذا الكون لا بدَّ له من مدبِّر، ما يمكن ها الكون العظيم بدون مدبِّر. فقال الرجل: الله أكبر، إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ، فجعل هذا الرجلَ من العلماء الذين يخشون الله، وهو ما أقرَّ إلا بقضية عقلية كلُّ أحدٍ يُقِرُّ بها؛ كلُّ أحدٍ يُقِرُّ بأنه لا بدَّ للحادث من مُحْدِث، ما من أحدٍ يُنكر هذا إلا مَن سُلِب عقله، لكن هذا ما يكفي، لا بدَّ أن تعترف وتؤمن بأن خالق الكون هو الله وحده، ما يكفي أن نقول: الحادث لا بدَّ له من مُحْدِث.
فالحاصل أنَّ الْعُلَمَاءُهم العلماء بالله؛ لأنَّ هذا هو متعلق الخشية؛ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُبه؛ لأنهم خشوه بسبب عِلْمهم به تبارك وتعالى، وأنت بمقتضى الأمر الطبيعي ما تخشى شيئًا إلا وأنت تعلم أنه أهلٌ بأن يُخشَى، نعم؛ لو قال لك واحد: خفْ من الهِرِّ، خفْ من الفأر. تخاف؟
طلبة: لا.
الشيخ: لكن لو قال لك: خفْ من الأسد؟ أنا أعلم الأسد ويش (...) أخشى منه، لأنَّه ما يمكن أحد يخشى شيئًا إلا وهو عالِمٌ به. فإذَن العلماء بالله..
طالب: (...).

***

الشيخ: (وقوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ [العنكبوت: ١٠]).
قوله: وَمِنَ النَّاسِهذه جار ومجرور خبر مقدَّم، مَنْ يَقُولُ(مَنْ) مبتدأ مؤخر، و(مِن) في قوله: وَمِنَ النَّاسِللتبعيض، ومن المراد بهؤلاء؟ المراد بهم مَن لا يصل الإيمان إلى قرارة قلبه؛ يقول: آمنَّا بالله، لكنَّه إيمانٌ متطرِّفٌ كما في قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍعلى طرَف فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ [الحج: ١١] الآية، مِثْل هذه الآية.
هذا يقول: آمنَّا بالله، يقوله بلسانه لكن الإيمان لم يَصِل إلى قرارة قلبه، فهو على شفا فيقول: آمنَّا بالله، فيمتحنه الله عز وجل بما يُقَدِّر عليه من تسلُّط أعداءِ الله عليه، يمتحنه فيسلِّط عليه مَن يؤذيه في الله فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ.
وقوله: فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ(في) هنا للسببية؛ أي: بسبب الله؛ أي: بسبب الإيمان به وإقامة دِينه؛ إذا أُوذِيَ فِيه جَعَلَ. ويجوز أن تكون (في) للظرفية على تقدير: فإذا أُوذِيَ في شرع اللَّهِ، أي: إيذاءً في هذا الشرع الذي تمسَّك به.
جَعَلَمحلُّها من الإعراب الجزم؛ جواب (إذا)؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، لأنَّ (إذا) غير جازمة.
فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَبمعنى صَيَّر فِتْنَةَ النَّاسِأي: فتنةَ الناسِ له، والمراد بالفتنة هنا الإيذاء، وسماه الله تعالى فتنةً لأنَّ الإنسان قد يفتتن بهذا الإيذاء فيصُدُّ عن سبيل الله؛ كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا [البروج: ١٠]، بماذا يفتنونهم؟ بالإيذاء، حتى يصدوهم عن دين الله.
فهنا فِتْنَةَ النَّاسِأي: إيذاءَهم الذي به افتتانهم، وإضافة الفتنة هنا إلى الناس من باب إضافة المصدر إلى فاعله.
طيب، جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ، ومعلومٌ أنَّ الإنسان يَفِرُّ من عذاب الله بموافقة أَمْر الله، أليس كذلك؟ الإنسان يَفِرُّ من عذاب الله بماذا؟ بموافقة أَمْر الله حتى لا يقع في العذاب، فهذا يجعل هذا الإيذاءَ كعذاب الله فيَفِرُّ من إيذائهم بموافقة أهوائهم وأَمْرهم جَعْلًا لهذه الفتنة مثل العذاب، فحينئذٍ يكون قد خاف هؤلاء كخوفه من الله لأنَّه جعل إيذاءهم أيش؟ كعذاب الله، ففَرَّ منه بموافقتهم، وحينئذٍ يكون مطابقة الآية للترجمة ظاهرة جدًّا؛ حيث جعل هذا الرجلُ الذي أُوذِيَ في الله، جعل هذا الإيذاء بمنزلة عذاب الله، فخافهم كما يخاف من الله عز وجل، فوافقهم كما يوافق أَمْر الله بالخوف منه. جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِواضحة الآية أم ما هي بواضحة؟ إذَن الآية مطابقة للترجمة تمامًا.
طالب: (...)؟
الشيخ: المطابقة أنَّه يخاف الناسَ كخوفه من الله، فوافق أمْرَهم مخالفًا لأمر الله عز وجل.
وفي هذه الآية من الحكمة العظيمة؛ وهو ابتلاء اللهِ عز وجل العبدَ، ابتلاؤه سبحانه وتعالى بما تقتضيه حِكمته، وابتلاءُ اللهِ العبدَ من أجْل أن يمحِّص إيمانَه يكون على قسمين: تارةً بما يقدِّره هو نفسُه تبارك وتعالى على العبد، وتارةً بما يقدِّره على أيدي الخلق. الآية التي معنا من أيِّ النوعين؟ من النوع الثاني، وهو ما يقدِّره الله تعالى على أيدي الخلق من إيذاء هذا المؤمن اختبارًا وامتحانًا.
أمَّا ما يقدِّره الله على العبد ففي قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ [الحج: ١١]، وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [البقرة: ١٥٥، ١٥٦]، لكن بعض الناس ما يصبر على هذا، إذا أصابته المصائبُ -والعياذ بالله- كفر وارتدَّ، أحيانًا يرتدُّ ارتدادًا كاملًا، وأحيانًا يكفر بما خالف فيه أمْرَ الله عز وجل بموقفه تجاه تلك المصيبة.
وهذه مسألةٌ ينبغي للإنسان أن يتفطَّن لها؛ وهي امتحانُه إيَّاه عندما يؤمن بتسليط أحدٍ من أعداء الله عليه، أو بأنْ يَفوته ما يحبُّ من أمر الدنيا أو يحصل له ما يكره من أمر الدنيا؛ كثير من الناس يُصاب مثلًا بأحدٍ من أهله، فتجده يكون في نفسه -والعياذ بالله- حرجٌ بما قضى الله عليه، وينقص إيمانه بذلك نقصًا عظيمًا، وهذا من الامتحان الذي يمتحن الله به العبدَ، فأنت يا أخي تفطَّنْ لهذا الشيء، واجعلْ نفسك على حَذَر؛ لأن الله حكيمٌ جل وعلا، يمتحن العباد بما يتبيَّن به تحقق الإيمان؛ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ [محمد: ٣١].
قال المؤلف: (الآية)، وأيش معنى (الآية)؟
طالب: أكمِل الآية.
الشيخ: أكمِل الآية، نعم، نُكملها: فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ [العنكبوت: ١٠].
طيب، كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ، يدعون هذا بما أيش؟ يدعون ذلك بما يحصل معهم من الإيمان الذي كان فيهم، فإذا جاء نصر من الله وانتصر المسلمون قالوا: نحن معكم، فنريد أن يصيبنا ما أصابكم من غنيمة وغيرها.
أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ، هنا الواو حرف عطف، عاطفة على؟
طالب: محذوف.
الشيخ: محذوف، على رأي، أو على ما سبقها على تقدير (أن) الهمزة بعدها، على رأي آخر.
وقوله: أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ، لماذا لم يقل: (بأعلمِ) لأن الباء حرف جر؟
طالب: (أعلم) ممنوعة من الصرف.
الشيخ: ما اللي منعها من الصرف الوصفية ووزن الفعل.
بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ، من العالمين أنفسهم ولَّا من غيرهم بهم؟
طالب: كلهم.
الشيخ: الجميع؟
الطالب: نعم، كلهم.
الشيخ: نعم، الجميع، فالله تعالى أعلم بما في نفسك منك، وأعلم بما في نفس غيرك منه؛ لأن الآية عامة.
بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَوالمراد: ما في قلوبهم؛ لأن القلب في الصدر، فهو سبحانه وتعالى أعلم.
وكلمة (أعلم) هنا اسم تفضيل، بعض المفسرين رحمهم الله ولا سيما المتأخرون منهم إذا جاؤوا على مثل هذا قالوا: (أعلم) بمعنى عالم؛ فرارًا من أن يقع التفضيل بين الخالق والمخلوق.
وهذا التفسير الذي ذهبوا إليه كما أنه خلاف اللفظ ففيه فساد المعنى؛ لأنك إذا قلت: (أعلم) بمعنى عالِم، فإن كلمة (عالم) تكون للإنسان وتكون لله، ولا تدل على التفاضل، فالله عالم والإنسان عالم، ولا تدل على التفاضل، ففيها فساد المعنى.
أما تحريف اللفظ فظاهر؛ حيث حرَّف اسم التفضيل الدال على ثبوت المعنى وزيادة إلى اسم فاعل لا يدل على ذلك.
والصواب أن (أعلم) أنها على بابها، وأنها اسم تفضيل، وإذا كانت اسم تفضيل فهي دالة دلالة واضحة على عدم تماثل علم الخالق وعلم المخلوق.
وقوله تعالى: بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ [العنكبوت: ١٠]، ما المراد بـالْعَالَمِينَ؟
طالب: كل من سوى الله.
الشيخ: كل من سوى الله فهو عالَم، قالوا: لأنهم علمٌ على خالقهم. وهو كذلك؛ فإن جميع المخلوقات آية من آيات الله عز وجل تدل على كماله وقدرته وما تقتضيه ربوبيته.
طالب: قوله: فِي صُدُورِ؟
الشيخ: نعم بِمَا فِي صُدُورِ.
الطالب: ما (...) ما كان له صدر؟
الشيخ: إلا يشمل (...).
الطالب: يعني ما يشمل -مثلًا- الكواكب (...)، والكواكب عالَم.
الشيخ: إي.
الطالب: ما تشملها هذه الآية؟
الشيخ: يعني قصدك تفسير الْعَالَمِينَ؟
الطالب: إي.
الشيخ: إي نعم، صحيح، الْعَالَمِينَإذن كل ما يكون في صدره إرادة.
طالب: والملائكة تخرج أيضًا.
الشيخ: نعم؟
الطالب: تخرج الملائكة؛ لأننا لا نعرف هل لهم صدر ولَّا..
الشيخ: لا، نعرف أن لهم أجسامًا.
الطالب: (...) لهم صدر؟
الشيخ: وهم من العالمين ولهم إرادة.
فالله تعالى يعلم كل ما في صدور العالمين؛ يعني مما يمكن أن يكون في قلبه علم أو عنده علم فالله تعالى أعلم به.
وهنا فيه التحذير من أن يكون الإنسان على طرَف، فيقول بلسانه ما ليس في قلبه، فنقول له: احذر؛ فإن الله تعالى أعلم بما في قلبك.
ولهذا انظروا إلى كمال الإيمان: كعب بن مالك لما جلس إلى الرسول صلى الله عليه وسلم حين قدموا من تبوك وقد تخلَّف كعب بدون عذر، قال: إني أوتيت جدلًا، ولو أني جلست عند غيرك من ملوك الدنيا لخرجت منه بعذر، لكن ما يمكن أقول شيئًا تعذرني فيه الآن فيفضحني الله فيه.
شوف الإيمان! ولا كان يقدر كعب بن مالك أن يقول للرسول صلى الله عليه وسلم: كذا وكذا من الأعذار، مثلما فعل المنافقون، لكن هو يعلم أن الله يعلم ما في قلبه وما في صدره، ولإيمانه بهذا أخبر بالصدق، وقال: ما عندي عذر إطلاقًا، وإني ما كنت أحسن من هذه الغزوة؛ عندي راحلتان .
إذن الشاهد من هذه الآية: فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ [العنكبوت: ١٠].
طالب: الخوف هذا اللي في الآية -يا شيخ- هذا خوف شركي ولَّا خوف أيش هذا، ما يحمل على الخوف الطبيعي هذا الذي لسبب؟
الشيخ: إلا، هذا من الخوف الطبيعي الذي لسبب، إلا إذا كان.. والظاهر أنه من هذا النوع؛ أنه من الخوف الطبيعي الذي لسبب.
الطالب: لماذا أدخله في الباب هنا يا شيخ، يعني (...)؟
الشيخ: لأن الخوف عام، نحن قلنا: هذا الباب يشمل كل الأقسام.
(وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعًا) يعني إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إِنَّ مِنْ ضَعْفِ الْيَقِينِ».
«إِنَّ مِنْ» الظاهر أن (مِن) هنا للتبعيض.
وقوله: «مِنْ ضَعْفِ الْيَقِينِ»، الضعف ضد القوة، ويقال: (ضَعف) ويقال: (ضُعف)، وكلاهما بمعنى واحد.
«مِنْ ضَعْفِ الْيَقِينِ أَنْ تُرْضِيَ النَّاسَ بِسَخَطِ اللَّهِ» ، «أَنْ تُرْضِيَ» هذه اسم (أنَّ) مؤخر، و«مِنْ ضَعْفِ الْيَقِينِ» خبرها مقدم، والتقدير: إن إرضاء الناس بسخط الله من ضعف اليقين.
وقوله: «أَنْ تُرْضِيَ النَّاسَ بِسَخَطِ اللَّهِ»، الباء هذه للعوض؛ يعني: أن تجعل عوض إرضاء الناس بأيش؟ سخط الله، فتستبدل هذا بهذا. هذا من ضعف اليقين. واليقين أعلى درجات الإيمان، وقد يراد به العلم، كما تقول: تيقنت هذا الشيء؛ يعني: علمته يقينًا، لا يعتريه الشك.
«مِنْ ضَعْفِ الْيَقِينِ أَنْ تُرْضِيَ النَّاسَ بِسَخَطِ اللَّهِ»، صحيح هذا من ضعف اليقين؛ لأنك إذا أرضيت الناس بما يسخط الله فإن يقينك ضعيف؛ إذ إنك خفت الناس أكثر مما تخاف الله، أو لا؟ ولو كان عندك خوف من الله أكثر ما ذهبت لترضي الناس على شيء يسخط الله، لكنك ظننت أنك إذا أرضيت الناس الآن تخلصت من شرهم وسلمت، وفي الحقيقة أنك لا تسلم من شرهم. لأن العاقبة لمن؟ العاقبة للمتقين، فأنت إذا اتَّقيت الله واتبعت رضاه صارت العاقبة لك.
مثال هذا: رجل عند شخص كبير له جاه وشرف، يعرف أن هذا الشخص الذي له جاه وشرف، يعرف أنه منهمك في معصية من المعاصي، فيقول له: هذا أمر لا بأس به، هذا جائز، ويسهل له الأمر، مع أن في هذا إسخاطًا لله عز وجل، كيف تسهل عليه الحرمات من أجل أن يرضى عنك؟!
وهذا هو الذي ابتليت به الأمة الإسلامية الآن؛ تجد الإنسان يجيء إلى الشخص ما يقول إلا ما فيه مدح، وقد يكون هذا الممدوح خاليًا منه، لكن الشيء اللي فيه ذم ما يذكره له، وهذا خطأ (...)، هذا من النفاق. وليس هذا من النصح ولا من علامات المحبة، النصح للإنسان أن تبين له عيوبه حتى يتلافاها ويحترز منها، أما محل الثناء عليه بالحسنى، فهذا ما يحتاج (...)؛ لأن أفعاله هذه تنبئ عنه، فلا حاجة إلى أن تخبره، نعم إن اقتضت الحال أن تخبره بذلك تشجيعًا له على ما فعل وسلم ذلك من الغرور، فهذا لا بأس به أن تشجعه.
الحاصل أن الناس الآن مع الأسف ينطبق عليهم هذا الحديث، كثير منهم ينطبق عليه هذا الحديث؛ تجده يرضي الناس بسخط الله عز وجل.
ثانيًا: «وَأَنْ تَحْمَدَهُمْ عَلَى رِزْقِ اللَّهِ».
الحمد قلنا فيما سبق: وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم. لكنه هنا ليس بشرط أن يكون مع المحبة والتعظيم؛ لأنه يشمل المدح.
«وَأَنْ تَحْمَدَهُمْ عَلَى رِزْقِ اللَّهِ»؛ أي: عطاء الله؛ يعني إذا أعطوك شيئًا حمدتهم ونسيت المسبِّب، وهو الله عز وجل. والمعنى: أنك تجعل الحمد كله لهم متناسيًا بذلك من؟ المسبِّب، وهو الله عز وجل، هذا هو محل الذم؛ لأن هذا الذي أعطاك ما هو إلا سبب محض، والمعطي حقيقة هو الله عز وجل.
وشرح ذلك: أن الذي بيد هذا الذي أعطاك منين؟ من الله عز وجل، ما خلقه هو، لكنه من الله، فإذا قدر أن الله عطف قلبه حتى أعطاه صار أيضًا ذلك من الله، فالإرادة والقدرة على الإعطاء كلها من الله عز وجل، ولا شك أن من ضعف اليقين أن تحمد هذا على رزق الله متناسيًا حمد الرب عز وجل.
أما إذا كان في قلبك أن الله تعالى هو الذي من عليك بسياق هذا الرزق على هذا الرجل، وشكرت الرجل على معروفه، فهذا ليس داخلًا في الحديث، وليس من ضعف اليقين، بل هذا من الشرع؛ لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ» .
فإذن الحديث ليس على ظاهره من كل وجه، فالمراد بالحمد أن تحمدهم أيش؟ الحمد المطلق ناسيًا المسبب وهو الله عز وجل، فإن ذلك من ضعف اليقين، كأنك نسيت المنعم الأصلي وهو الله عز وجل الذي له النعمة الأولى.
قلنا: إن هذا سفه أيضًا؛ لأن حقيقة الأمر أن الذي أعطاك هو الله، البشر الذي أعطاك هذا الشيء ما خلق ما أعطاك، فالله هو الذي خلق ما بيده، وهو الذي عطف قلبه عليك حتى أعطاك.
أرأيت الآن: هذا إنسان معه طفل له سبع سنوات، فأعطى طفله ألف درهم، قال: خذْ أعطها فلانًا. الذي أخذ هذه الدراهم من يَحمد في الأصل؟
طلبة: أباه.
الشيخ: أباه ولَّا الطفل؟
طالب: أبا الطفل.
الشيخ: أباه، فلو حمد الطفل فقط لعُدَّ ذلك سفهًا؛ لأن الطفل ما هو إلا مرسَل فقط.
وعلى هذا فنقول: إنك إذا حمدتهم على رزق الله ناسيًا ما يجب لله عز وجل من الحمد والثناء، فهذا هو الذي من ضعف اليقين. أما إذا حمدتهم على أنهم سبب من الأسباب وأن الحمد كله لله عز وجل، فهو أيش؟ فهو حق وصحيح.
قال: «وَأَنْ تَذُمَّهُمْ عَلَى مَا لَمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ». وهذه عكس؛ الأولى «تَحْمَدَهُمْ» (...) «تَذُمَّهُمْ».
«عَلَى مَا لَمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ»، إنسان -مثلًا- جاء إلى شخص يوزع دراهم، فلما مرَّ به تركه، ما أعطاه، قام يسب وهذا (...) الجائر الظالم الفاعل (...)، يذمه، هذا غلط؛ لأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فلا تذمه على شيء الله عز وجل منعك إياه بحكمته، بل إن كانوا هؤلاء قد قصروا في واجب عليهم فنعم، ذمهم من أجل التقصير بالواجب، لا من أجل أنهم لم يعطوك؛ مثل لو كان هذا صاحب بيت المال، وهو يعطي المستحقين وأنت منهم، ثم منعك لغرض شخصي، تذمه لا لأنه ما أعطاك، ولكن لأنه قصَّر في الواجب.
أما من حيث القدر فلا تذمه؛ لأن الله تعالى لو قدر ذلك لوجدت الأسباب التي بها يصل إليك هذا الشيء، ولكن الله ما قدره، فلا تذمهم على ما لم يعطك الله.
ولكني أقول لكم الآن: تذمهم إذا كانوا قد قصروا في القيام (...)، على ترك الشرع ولَّا على عدم القيام بما يقتضيه القدر؟ نقول: على ترك الشرع، أما ما لم يقتضه قدر الله فلا (...)؛ لأن ذمهم في الحقيقة يعود ذمًّا لله سبحانه وتعالى.
(...) على الآيات الثلاثة السابقة: إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ [آل عمران: ١٧٥]، إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ [التوبة: ١٨]، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِإلى آخره [العنكبوت: ١٠].
وبدأنا أيضًا في الكلام على قوله: «إِنَّ مِنْ ضَعْفِ الْيَقِينِ أَنْ تُرْضِيَ النَّاسَ بِسَخَطِ اللَّهِ».
ما معنى الآية: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ [العنكبوت: ١٠]؟
طالب: أي من الناس إذا..، أن الله يبتلي المؤمنين بقدر إيمانهم، (...).
الشيخ: وَمِنَ النَّاسِأي: وبعض الناس..
الطالب: إي نعم، بعض الناس يبتليهم الله.
الشيخ: بعض الناس يقول؟
الطالب: بعض الناس إذا حصلت لهم فتنة..
الشيخ: (...) ولَّا؟
(...) خلاف الحمد، «تَذُمَّهُمْ عَلَى مَا لَمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ»؛ يعني على الذي لم يؤتك الله، وهنا: «لَمْ يُؤْتِكَ» مجزوم، وعلامة جزمه الكسرة نيابة عن السكون.
طالب: حذف الياء.
الشيخ: حذف الياء؟
الطالب: نعم.
الشيخ: (...).
«مَا لَمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ»، «يُؤْتِكَ» بمعنى: يعطك. والمفعول الثاني محذوف ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: التقدير: على الذي لم يؤتكه الله، فهو محذوف؛ لأنه فضلة، يعني: إذا لم يقدر لك الله أمرًا (...) الناس وما انتهوا على الشيء الذي لم يقدره الله لك، وجعلت هذا الأمر من صنيعهم..