كتاب التوحيد - 32
عدد الزيارات 1753

عناصر المادة :
باب: قول الله تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}

طالب: مثل ضعف اليقين والتصديق والإيمان، كلها يعني المعنى واحد، الإيمان والتصديق وضعف اليقين كل هذه معنى واحد؟
الشيخ: لا، التصديق أعم من الإيمان، قد يصدق الإنسان وما عنده إيمان؛ لأن الإيمان لا بد من طمأنينة وإقرار، ولهذا أُخذ من الأمن الذي هو ضد الخوف. التصديق، هذا أبو طالب يصدق أن الرسول عليه الصلاة والسلام رسول، لكن ما آمن به ولا اطمأن إليه ولا تابعه.
ثم علل فقال: «إِنَّ رِزْقَ اللهِ لَا يَجُرُّهُ حِرْصُ حَرِيصٍ، وَلَا يَرُدُّهُ كَرَاهِيَةُ كَارِهٍ» .
«إِنَّ رِزْقَ اللهِ» هذا تعليل لقوله: «أَنْ تَحْمَدَهُمْ» و«أَنْ تَذُمَّهُمْ».
«رِزْق اللهِ» يعني عطاءه «لَا يَجُرُّهُ حِرْصُ حَرِيصٍ»، ولكن حرص الحريص يكون من سببه بلا شك، لكنه ليس مستقلًّا به، وإلا فلا ريب أن الإنسان إذا حرص على الرزق وفعل الأسباب فإنه يكون فعل الأسباب التي توجب الرزق، لكن ليس معنى ذلك أن هذا السبب يكون مستقلًّا وفاعلًا وموجبًا، وإنما الذي يرزق الله عز وجل، وكم من إنسان حريص على أن يرزَق ويفعل كل الأسباب التي فيها الرزق، ولكن لا يقدَّر له الرزق، وكم من إنسان يفعل أسبابًا قليلة جدًّا فيرزقه الله تعالى رزقًا كثيرًا، وكم من إنسان يأتيه الرزق بدون سعي منه، كما لو وجد ركازًا في الأرض، أو مات له قريب غني أو ما أشبه ذلك.
المهم أن قوله عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ رِزْقَ اللهِ لَا يَجُرُّهُ حِرْصُ حَرِيصٍ وَلَا يَرُدُّهُ كَرَاهِيَةُ كَارِهٍ» لا تظن أن هذا يمنع فعل الأسباب، ولكنه يشير إلى أن الأسباب ليست موجبة، وإنما الذي يقدِّر الشيء من؟ الله، وكم من إنسان فعل السبب ولم ينجح، وكم من إنسان فعل سببًا خفيفًا ورُزق رزقًا كثيرًا.
«إِنَّ رِزْقَ اللهِ لَا يَجُرُّهُ حِرْصُ حَرِيصٍ وَلَا يَرُدُّهُ كَرَاهِيَةُ كَارِهٍ»، وكم من إنسان حسده من يحسده من الناس ولكن الله تعالى يعطيه الرزق، كم من إنسان مثلًا يذهب إلى شخص يقول: أنت تبغي تشتري من فلان، أنا عندي لك أحسن منه وأرخص، ولكن الله تعالى يجلب الرزق للأول، والله سبحانه وتعالى هو الذي بيده الأمور.
(وعن عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنِ الْتَمَسَ رِضَا اللهِ بِسَخَطِ النَّاسِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَأَرْضَى عَنْهُ النَّاسَ» ).
«الْتَمَسَ» بمعنى: طلب، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في ليلة القدر: «فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ» يعني: اطلبوها.
و«رِضَا اللهِ» أي: أسباب رضاه، الأسباب التي بها يرضى.
و«بِسَخَطِ النَّاسِ» الباء للعوض، يعني أنه طلب ما يرضي الله ولو سخط الناس به بدلًا عن هذا الرضا.
الجواب، جواب الشرط: «رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَأَرْضَى عَنْهُ النَّاسَ»، هذا جواب الشرط، جواب (من)، «رَضِيَ اللهُ عَنْهُ» واضح أن الله سبحانه وتعالى يرضى عن العبد، إذا التمس العبد رضا ربه بنية صادقة رضي الله عنه؛ لأن الله تعالى أكرم من عبده. ولكن «أَرْضَى عَنْهُ النَّاسَ» كيف «أَرْضَى عَنْهُ النَّاسَ»؟ يعني أن الله يلقي في قلوبهم الرضا عنه؛ لأن القلوب بين أصبعين من أصابع الله سبحانه وتعالى يقلبها كيف يشاء، فإذا أرضيت الله أرضى الله عنك الناس، وكفاك مؤونتهم، وعاد ذامُّك من الناس حامدًا لك؛ لأنك التمست رضا الله وما همك أن يسخط الناس عنك فيما يرضي الله.
وظاهر هذا الحديث العموم، حتى لو كان الناس من أبوين، إذا التمست رضا الله بسخطهم فإن ذلك هو الواجب عليك، ويرضي الله عنك أبويك. ومن هذا النوع لو قالت لك أمك: لا تزر أخوالك، كان بينهم وبينها عداوة، بينها وبين إخوتها، وقالت لولدها: لا تزر أخوالك، يطيعها؟
طلبة: لا.
الشيخ: تزعل عليه؟
طالب: تزعل (...).
الشيخ: إذا قالت: لا تزر أخوالك، إن زرتهم هجرتك، قالت ها الكلام، يزور ولَّا ما يزور؟
طالب: ما يزور.
طالب آخر: يزور.
الشيخ: يزور، يزورهم؛ لأن زيارتهم من صلة الرحم، وصلة الرحم مما يرضي الله، ولو سخطت هي عليه، فتكون الآن التمست رضا الله بسخط الناس. فما هي إلا مدة يسيرة حتى ينقلب سخطها رضا.
طالب: الآن صار صلة الرحم وقطعت الرحم هنا؟
الشيخ: إي، لكن قطيعة الرحم بغير حق، الأم هي التي قطعت، أنا ما قطعتها، أنا زرت أخوالي وجيت أتحببها، أحب راسها وقدميها وأقول: يا أمي، ارضي عني، تقول: لا، هل أنا قطعتها؟ هي اللي قطعتني في الواقع، أنا ما رحت أمنع الفضل عنها، وأعطيه دولا، لو فرض أني أنا معي مئة ريال، إما أصل أمي ولَّا أصل أخوالي، أيهما أولى؟
طالب: أمي.
الشيخ: أما هذه معصية، تقول: لا تزرهم، فهذه لا شك أنها تطع في هذا الشيء، والله عز وجل يقول: وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ، جَاهَدَاكَيعني: بذلَا الجهد والطاقة لتشرك بالله فَلَا تُطِعْهُمَا [لقمان: ١٥].
طالب: يمكن يا شيخ (...)؟
الشيخ: إي، دعنا من كونه يستعمل الحكمة لا بأس، استعمال الحكمة لا بد منه، يزورهم في السر ولا حرج، لكن الكلام على أنها لو علمت بهذا، أو كان هو يعلم أنها يمكن تعلم إذا زارهم.
فالمهم أننا نقول: عموم قوله في الحديث «مَنِ الْتَمَسَ رِضَا اللهِ بِسَخَطِ النَّاسِ» يشمل مثل هذه الحال أو لا؟ لأن الحديث عام.
«رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَأَرْضَى عَنْهُ النَّاسَ» أما رضا الله عنه فقد علمتم وجه ذلك؛ لأن الله عز وجل أكرم من عبده، فمن عمِل له جازاه. وأما كونه يرضي عنه الناس فلأن القلوب بيد الله عز وجل، وهو الذي يقلبها كيف يشاء.
«وَمَنِ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللهِ»: «الْتَمَسَ» بمعنى: طلب «رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللهِ» يعني: طلب ما يرضي الناس، ولو كان يسخط الله، النتيجة: يعامل بنقيض قصده ويحرم ما يريد. ولهذا يقول: «سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَسْخَطَ عَلَيْهِ النَّاسَ»، هذا هو عقوبة -والعياذ بالله- من التمس رضا الناس بسخط الله، مثل: لو أن أحدًا أمرك بفعل معصية من المعاصي، وخفت أنه إذا لم تنفذ يزعل عليك، وفعلت المعصية إرضاء له، معناه أنك التمست رضا الناس بسخط الله، العقوبة أن الله يسخط عليك ويُسخِط عليك الناس، هؤلاء الناس يسخطون عليك، وهذا أمر مشاهد، كم من أناس نكلوا بمن يطيعهم في معصية الله والعياذ بالله، أيًّا كان هذا الذي يأمرك بمعصية الله لا تطعه؛ فإن الله تعالى يسخط عليك ويُسخط عليك الناس.
هذا الحديث مناسبته للترجمة ظاهرة، في قوله؟ الجملة الأولى ولَّا الثانية؟
طالب: الثانية.
الشيخ: في الثانية، الخوف، يلتمس رضا الناس خوفًا منهم حتى يرضوا عنه، خوفًا من غضبهم عليه وزعلهم عليه، فإن الله تعالى يسخط عليه ويُسخِط عليه الناس.
وفي هذا الحديث دليل على وجوب طلب المرء ما يرضي الله وإن سخِط الخلق؛ لأن الذي ينفعك ويضرك الله عز وجل.
وفيه أيضًا دليل على أنه لا يجوز للإنسان أن يلتمس ما يسخط الله من أجل إرضاء الناس، كائنًا من كان هذا الرجل.
طالب: ما تنزل عليه السماء ذهبًا؟
الشيخ: إي، لكن رزق الله هو محصور بهذا الشخص؟
الطالب: (...).
الشيخ: أنت تقول: ما تنزل عليه السماء ذهبًا، يعني معناه أنه خله يداري الناس ولا (...).
الطالب: يكافئه الله على ما يريد.
الشيخ: إحنا نقول: ما يتعين الرزق من هذا الرجل اللي أنت خفت منه، الأرزاق واجدة، وأبوابها واجدة، إنما أنت التمس رضا الله ولا يهمك أحد.
وفي هذا الحديث دليل على ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة من إثبات الرضا لله والسخط، وقد علمتم أن أهل التأويل -أو بالأصح أهل التعطيل- ينكرون ذلك، يقولون: إن الله ما يمكن يسخط ولا يغضب؛ لأن الغضب معناه غليان دم القلب لطلب الانتقام، وهذا لا يليق بالله سبحانه وتعالى، ولكنهم أخطؤوا حيث فهموا من النص معنى فاسدًا لا يدل عليه، فهموا من النص أن غضب الله أو سخط الله مثل غضب المخلوق فأنكروه، وهذا لا شك أنه خطأ منهم؛ لأن هذا التفسير للغضب إنما هو غضب من؟ غضب المخلوقين، ونقول لهم أيضًا: إحنا الآن نرد عليهم بأمرين: بالمنع ثم النقض، المنع أن نمنع أن يكون معنى الغضب المضاف إلى الله عز وجل كغضب المخلوق؛ أنه غليان دم القلب، وبالنقض أن نقول: أنتم أثبتم لله الإرادة، إحنا كلامنا مع من؟
طلبة: الأشاعرة.
الشيخ: مع الأشاعرة، أنتم أثبتم لله الإرادة، والإرادة: ميل النفس إلى جلب منفعة أو دفع مضرة، والرب عز وجل لا يليق به ذلك. فإذا قالوا هم: هذه إرادة المخلوق، نقول: والغضب اللي ذكرتم هو غضب المخلوق، وحينئذٍ اعلم أن كل إنسان أبطل ظواهر النصوص بأقيسة عقلية فإن هذه الأقيسة باطلة، وأول وجوه بطلانها أنها تعطل دلالة النصوص.
وثانيًا: أنها تقول على الله بغير علم؛ لأن الذي يبطل ظاهر النص يؤوله إلى معنى آخر، فنقول له: ما الذي أدراك أن الله أراد هذا المعنى دون ظاهر اللفظ؟
ثم إن فيه أيضًا جناية على النصوص، حيث يعتقد أنها دالة على التشبيه؛ لأنه ما أوَّل إلا (...)، فيكون المعنى أنه ما فهم من كتاب الله ومن سنة رسوله إلا ما هو كفر وضلال، أو ما تصورتم هذا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: أقول: ما فهموا من ذلك إلا ما هو كفر وضلال، وهو تشبيه الخلق بالمخلوق، فمن أجل هذا الفهم الباطل ذهبوا يؤولونه إلى هذه المعاني.
ثم إن فيها أيضًا طعنًا للرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين؛ لأننا نقول: هذه المعاني التي أنتم صرفتم إليها النصوص، هل الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه يعلمونها أو لا يعلمونها؟ إن قالوا: لا يعلمون فقد اتهموهم بالقصور، وإن قالوا: يعلمون لكن ما بينوها للناس فقد اتهموهم بالتقصير والخيانة. ولذلك لا تستوحش من نص دل على صفة لله سبحانه وتعالى، لا تستوحش أن تثبتها لله، بس إنما يجب عليك أن تتجنب أمرين، وهما: التمثيل والتكييف، وإلا لا تستوحش.
إذا أثبت الله لنفسه قدمًا، لا تقل: والله أنا ما أقدر أثبت هذا الشيء. إذا قال الله تعالى: «مَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» ، لا تقل: والله صعب أني أثبت الهرولة لله، أيش لون الله يهرول؟ والهرولة هي المشي السريع، لا تستوحش من ذلك؛ لأن اللي نقل ها الكلام عن الله من؟ الرسول صلى الله عليه وسلم، والرسول أصدق الخلق، وأعلم الخلق بالله، وأعلم الخلق بما يقول، وأنصح الخلق للخلق، وأبلغ الخلق أيضًا. هذا مسلم ولَّا لا؟
طلبة: نعم مسلم.
الشيخ: مسلَّم، فهو أصدق الخلق، ما يمكن يقول على الله شيئًا ما قاله الله أبدًا، وهو أيضًا أعلم الخلق بما يقول، يدري ويش معنى (هرول)، وهو أعلم الخلق بالله. فيه منازع لهذا ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: وهو أنصح الخلق للخلق، هذه أربعة، وهو أفصح الخلق، هذه خمسة أمور كلها ثابتة بما يخبر به النبي عليه الصلاة والسلام عن ربه، فأي إنسان يقول: كيف يصير هذا؟ وكيف أننا نثبت هذا الشيء؟ هذا تقشعر منه الجلود وتقف منه الشعور؟
نقول: ما يقشعر منه إلا جلد إنسان في قلبه مرض، أما الذين آمنوا فإنها تقشعر منه جلودهم ثم تلين إلى ذكر الله وتطمئن. صحيح أن الشيء في أول وهلة قد يجد الإنسان منه بعض الشيء، لكنه عندما يرجع إلى نفسه يلين ويذعن ويقر بالحق. واحنَّا والحمد لله ما كُلفنا أكثر مما بلغنا، إذا كان القاضي وهو يقضي بين خصمين ويش يقضي؟ بنحو ما يسمع وهو في (...) كيف نحن لا نقضي لله عز وجل بما نسمع، ونحن نعلم أن هذا الكلام صادر عن علم وصدق وبيان؟ والله تعالى أعلم بنفسه من غيره، وهو أصدق حديثًا من غيره، وأحسن حديثًا من غيره سبحانه وتعالى، وهو يريد لعباده البيان: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ [النساء: ٢٦]، ما يريد أنه يعمي عليهم الأمر، يقول لهم: إنه يهرول وهو ما يهرول، يقول: إنه يغضب وهو ما يغضب! هذا خلاف البيان.
فالحاصل أن هذا الأمر يجب على المؤمن أن يؤمن بما جاء عن الله على مراد الله، ولكن جاء عن الله الإثبات وجاء عنه النفي، أو لا؟ لَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ [النحل: ٧٤]، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١]. وإذا انتشلت هذا المعنى الفاسد مما يظهر لك من النصوص، أثبتها على ما يليق بالله.
طالب: الساجد الذي يسجد ألا يدخل في هذا الحديث؟ ما يدخل؟
الشيخ: لا؛ لأننا نقول: «مَنْ أَتَانِي يَمْشِي» على ظاهره، والعبادات فيها ما يحتاج إلى المشي، وفيها ما لا يحتاج، فأنت إذا مشيت سواء، والمشي قد يكون من ذات العبادة وقد يكون من وسائلها، فالماشي إلى المسجد يمشي إلى المسجد وسيلة، والساعي والطائف بالبيت يمشي عبادة، هذه العبادة. نحن نطلق هذا على قال الله عز وجل: «مَنْ أَتَانِي يَمْشِي» أما الساجد فهو ما أتى يمشي، لكنه خر ساجدًا بين يدي ربه، نعم أتى من بيته مثلًا، أتى من محل وضوئه، أتى يمشي، صحيح.
الطالب: لكن (...) في مكانه؟
الشيخ: هي المسألة ما في التوبة، المسألة ما جاءت في التوبة.
الطالب: (...) أتى إلى الله.
الشيخ: إي، بس، لكن الحديث ما هو في التوبة حتى نقول: إن هذا الإتيان هذا مجاز، الحديث عام.
طالب: (...)؟
الشيخ: ما نقول (...).
الطالب: ما يدخل؟
الشيخ: ما يدخل في هذا الحديث، لكن نقول: هذا الرجل أقبل على الله، ومن أقبل على الله أقبل الله عليه.
الطالب: وهنا رجل (...)؟
الشيخ: نعم، يقبل الله توبته، لكن ما نقول: إنه أتى ربه مشيًا.
الطالب: ما هو يدخل في هذا الحديث؟
الشيخ: لا، ما يدخل أبدًا. شوف، لاحظ أن أحاديث الصفات يجب أن نكون فيها ظاهريين تمامًا، أحاديث الأحكام هي اللي داخلها القياس، ويمكن نؤولها لما يقتضيه القياس مثلًا، مع أن الواجب في النصوص كلها إجراؤها على ظاهرها، لكن مسألة الأحاديث وغيرها من النصوص العلمية، النصوص العلمية لا مجال للاجتهاد فيها أبدًا ولا مدخل للعقل، ما فيه إلا التسليم فقط، والحمد لله أنا ما كُلفنا شيئًا وراء ذلك: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة: ٢٨٦]؛ لأن الخطر اللي يأتيك من التأويل أعظم من الخطر الذي يأتيك بالتصديق، بل أنت بالتصديق سالم، لكن بالتأويل ييجي يقول لك الله: ما الذي أدراك أنه أريد كذا؟
طالب: (...).
الشيخ: أيهم؟
الطالب: مثل هذه (...).
الشيخ: الشبه نقول: الحمد لله، نمشي على ظاهر الحديث: «مَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً»، لكن من تعبد لله وهو جالس ما يدخل في الحديث هذا.
طالب: المقصود بـ(يمشي) طيب؟
الشيخ: يمشي على قدميه.
الطالب: يمشي إلى أي جهة (...)؟
الشيخ: يمشي إلى عبادة الله، مشى من بيته إلى المسجد هذا يمشي، طاف بالبيت هذا يمشي، سعى بين الصفا والمروة، هذا يمشي.
الطالب: يعني نقول: إن هذا الحديث مقصور على العبادة التي فيها مشي بس؟
الشيخ: نعم، نأخذ بظاهر اللفظ تمامًا.
فيه بعض الناس أول هذا الحديث بالذات، وهو من أهل السنة والجماعة، لكن أنا رأيي أن الأليق والأسلم والأليق بمذهب السلف أننا نأخذه على ظاهره والحمد لله.
أو نقول: «مَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ» هذا «مَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْرًا» هذا عام بأي قربة أن الله يتقرب إليه: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة: ١٨٦].
والمهم أن القواعد الأساسية التي يستريح بها الإنسان ويريح ضميره في الواقع هو أن يجري النصوص على ظاهرها، النصوص العلمية يا إخواني ما لنا فيها (...)، ما لنا إلا ما رُوي فقط، خبر أُلقي إلينا ما يمكن (...)، لو أن أحدًا من المخلوقين أخبرك بخبر ما تقدر تتصرف في خبره وتبقيه على ما هو عليه، فكيف بخبر الله عز وجل، وعن أمر ما هو هين، عن أمر يتعلق بذاته سبحانه وتعالى وصفاته وأفعاله، هذا يجب أن نسلم للواقع، لكن نعلم أن هذا الشيء الذي قد ينفر منه من ينفر من الناس أنه منزه عنه الخالق، وهو التنفير الذي يدعونه في مثل هذه النصوص، مثل هذا ما (...).
ولو أننا أردنا أن نصور، هل مشي المخلوقات كلها سواء؟ لا، منهم من يمشي على رجليه، ومنهم من يمشي على أربع، ومنهم من يمشي على بطنه، إذا كان المشي بين المخلوقات يتفاوت ويتباين فكيف مشي الخالق مع مشي المخلوق؟ فالهرولة لله لا تكون مثل هرولتك أنت.
أقول: ما أقصدك أنت، يعني: يا أيها الإنسان، لا تظن أنها كهرولة الإنسان؛ لأنك إذا قلت: كهرولة الإنسان وقعت في أي شيء؟ في التشبيه والتمثيل، لكن نؤمن بأن الهرولة هي المشي السريع، لكن كيف كان؟ ما نعلم، وهذا هو الذي يسلم به المرء، حتى إنه هو اللي يستطيع أن يجيب به ربه يوم القيامة؛ لأن الله سيسأله: لماذا صرفت كلامي عن كذا إلى كذا، ويش دليلك؟ نعم، لك تقول: أنا أومن بأنك سبحانك وبحمدك فعلت كذا، لكن لا على فعلنا ولا يشبه فعلنا، هذه حجة ولَّا ما هي حجة؟ هذه حجة، ونسلم.
ولهذا في الحقيقة هذه المسألة أنا أتعجب أن علماء كبارًا ذهبوا إلى التأويل، مع أنهم ما نشك في إخلاصهم، لكن التبس عليهم الأمر، يعني لو سألتكم أيضًا: يقولون: إن الإرادة دل عليها العقل، ودليل العقل عليها التخصيص، كيف التخصيص؟ يعني كون الله يجعل السماء سماء وبهذا الشكل، والأرض أرضًا وبهذا الشكل، والإنسان إنسانًا وبهذا الشكل، والبعير بعيرًا وبهذا الشكل، كونه يخصص هذا بكل ما يختص به ويش يدل عليه؟ على الإرادة لا شك؛ لأنه ما اختلفت الأشياء إلا بإرادة الخالق، هذا دليل واضح.
لكن دلالة الإحسان إلى الخلق بجلب المنافع لهم ودفع المضار عنهم، تدل على الرحمة ولَّا ما تدل؟
طلبة: نعم.
الشيخ: هل الرحيم يغيث الخلق إذا استغاثوا به؟ نعم، ومن لا رحمة عنده ما يغيث.
دلالة الإنعام على الخلق والإحسان على الرحمة، أيها أوضح وأجلى من دلالة التخصيص على الإرادة؟
طالب: دلالة الإنعام.
الشيخ: دلالة الإنعام أوضح.
(...) تقول: ما شاء الله، ها المطر وها الربيع وهذا، قال: هذه والحمد لله رحمة الله. لكن تيجي تقول له: دلني على أن الله ثابت لهذه الإرادة بالعقل بواسطة التخصيص؟ يمكن ما يدري. يعني بعض طلبة العلم اللي احنا نعلم ما يفهمون دلالة تخصيص الإرادة، فكيف أننا نقول: الرحمة المراد بها الإرادة أو المراد بها الإحسان اللي هو مخلوق، ولا نخرج الرحمة؟ هذا صعب، كيف تقول؟ ماذا تقابل الله به يوم القيامة؟
ولهذا هذه المسائل والحمد لله مذهب السلف فيها قويم ومستقيم، ولا فيه تعب، ولا يحس الإنسان بمسؤولية أمام الله عز وجل؛ لأنه يقول: يا رب، بلغني عنك كذا؛ إما في كتاب الله، أو فيما أخبر به الرسول عنه، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. وكما قلت لكم قبل قليل: إذا كان القاضي إنما يقضي بين (...) بالنسبة للمسائل العلمية.
الميزان يوم القيامة ميزان حقيقي ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لكن قال المعتزلة: لا، ما فيه ميزان حقيقي، الميزان الحقيقي عند العياش والتمار وما أشبه ذلك، الميزان يوم القيامة هو إقامة العدل بين الناس، أما ميزان له كفتان يوزن به الحسنات والسيئات فهذا ما هو بصحيح! ويش رأيكم في هذا؟
طالب: هذا باطل.
الشيخ: ما فيه شك أنه باطل، لكن كيف الجناية، أمر طريقه العلم المحض كيف تقيسه؟ تقول: ما فيه؟! والله على كل شيء قدير، ولو أن الله سبحانه وتعالى أراد أنه بس يظهر عدله، لكان هو سبحانه وتعالى حكمًا عدلًا بدون موازين وبدون كتاب وبدون شيء وبدون شهادة الجلود والأعضاء، هو يقول: فعلت يا عبدي كذا، وينتهي الموضوع. لكن كل هذا إظهار للعدل للعيان حتى يشهد الناس، ويشهد الخلق كلهم على هذا العدل.
فالمهم أن إدخال العقول في المسائل العلمية الخبرية هذا سبب الضلال، أنت في المسائل العلمية الخبرية موقفك أيش؟ التسليم، ما تتحرك. وأنا أقول: كونوا ظاهريين في مسألة العقيدة، نعم، في مسألة العقيدة يجب أن يكون الإنسان على ظاهر النصوص ولا يتعرض لشيء أبدًا.
طالب: (...)؟
الشيخ: إي نعم، النزول ما نقول: إنه بهرولة ولا بغير هرولة، ما نعلم، نقول: ينزل سبحانه وتعالى نزولًا حقيقيًّا، لكن ما نقول: بهرولة.
طالب: شيخ، في القواعد المثلى حديث (...)؟
الشيخ: إي نعم، صح، نعم.
الطالب: هنا ليس (...) على ظاهره؟
الشيخ: لا يا أخي، هذا هو ظاهره؛ لأن ظاهر اللفظ ما دل عليه السياق، فهنا الحديث فيه وجهان؛ الوجه الأول أن: نفس اسم مصدر نفَّس ينفِّس، والمصدر؟ ما هو المصدر؟ تنفيس ونفَس اسم مصدر. مثل: فرَّج يفرِّج تفريجًا وفرجًا.
فإذن معنى نفس الرحمن أي: تنفيسه من قبل الله؛ هذه واحدة.
الشيء الثاني: أن (نفس الرحمن) لو فرض أنه نفس وأن الحديث يدل عليه، لكان ما يأتي من قبل الله، منين يأتي؟ من قبل السماء. ففي اللفظ ما يمنع أن يكون المراد به صفة، وأنت كلما تأملت لا يمكن إلا أن النصوص دلالتها حق، ومن أشكل ما يكون، لكن الله بينه سبحانه وتعالى: «عَبْدِي جُعْتُ»، و«عَبْدِي مَرِضْتُ»، لكن الله بينه بنفس الحديث.
وكما تعلمون هذا مما يدل على أنه لو كان ظاهر النصوص باطلًا، لكان الله يبينه، حتى لا يعتقد العباد فيه ما لا يليق به، وهذا أكبر دليل على أن جميع النصوص المحرفة كلها على غير جادة سليمة؛ لأن الله لو أراد بها خلاف ظاهرها لكان يبينها للعباد، ما يخلي العباد في عمى.
إذا كان الله يا جماعة، إذا كان الله بين لنا أشياء بسيطة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ [المجادلة: ١١]، فالقرآن كلام الله، ما رأيكم بهذا (...)؟ بالنسبة للعقيدة اللي هي أصل الإيمان؟ هذا ما هو بشيء بسيط؟ شيء بسيط، ومع ذلك ما تركه الله لنا. ما ترك نصيب الزوجة ثمنًا من المال ونصيب الأم سدسًا من المال حتى بينه وقسمه، كيف ما بين ما يجب في ذاته وما يمتنع وما يجوز؟ وكذلك الرسول صلى الله عليه وسلم كما قال الرجل المشرك لسلمان الفارسي، قال: علمكم رسولكم حتى الخراءة ، علمنا كيف نجلس لقضاء الحاجة (...).
يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ [التوبة: ١٨]، وبيَّنَّا أن وجه الشاهد من هذه الآية قوله: وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ، وأن الخشية يجب أن تكون لله وحده.
طالب: الثالثة: تفسير آية العنكبوت.
الشيخ: وهي قوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ [العنكبوت: ١٠]، فيفر من دين الله عز وجل خوفًا من أذية الناس، وهذا وجه المناسبة للباب.
الطالب: الرابعة: أن اليقين يضعف ويقوى.
الشيخ: من أين تؤخذ؟ من الحديث: «إِنَّ مِنْ ضَعْفِ الْيَقِينِ أَنْ تُرْضِيَ النَّاسَ بِسَخَطِ اللهِ»، وقد سبق لنا أن هذا هو الواقع: أن اليقين يضعف ويقوى بسبب ما قام بالعبد من أسباب القوة ومن أسباب الضعف. وأظن أننا استشهدنا بقول إبراهيم عليه الصلاة والسلام: بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة: ٢٦٠].
طالب: طيب، لماذا (...)؟
الشيخ: لا، نقول: يقين ضعيف.
الطالب: بس لو قلنا: إن اليقين أعلى مرتبة (...)؟
الشيخ: إي نعم، فنقول: إن اليقين يضعف ويقوى كما دل عليه الحديث، وكذلك الإيمان يضعف ويقوى.
طالب: على اعتبار أنه (...)؟
الشيخ: لا، حتى ولو لم يضعف، واقع، حتى إذا وصل إلى أعلى درجاته، فقد يكون هذا العليا درجات أيضًا.
طالب: الخامسة: علامة ضعفه، ومن ذلك هذه الثلاث.
الشيخ: وهي «وَأَنْ تَحْمَدَهُمْ عَلَى رِزْقِ اللهِ وَأَنْ تَذُمَّهُمْ عَلَى مَا لَمْ يُؤْتِكَ اللهُ»، هذه الثلاث.
الطالب: السادسة: أن إخلاص الخوف لله من الفرائض.
الشيخ: منين نأخذه؟
طلبة: (...).
طالب: فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ [آل عمران: ١٧٥].
الشيخ: لا.
طالب: وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ [التوبة: ١٨].
الشيخ: (أن إخلاص الخوف لله من الفرائض)، إخلاصه؟ من قوله: «مَنِ الْتَمَسَ» الظاهر من الحديث.
طالب: السابعة: ذكر ثواب من فعله.
الشيخ: الله أكبر، وهو رضا الله عنه ورضا الناس عليه، فتكون له العاقبة الحميدة، بخلاف الأول الذي يرجو الناس ويعلق رجاءه بهم حتى يلتمس رضاهم بسخط الله، فإن الأمور تنقلب عليه ولا ينال مقصوده، بل يسخط الله عليه ويسخط عليه الناس.
الطالب: الثامنة: ذكر عقاب من تركه.
الشيخ: كما أشرنا إليه.
وخلاصة الباب: أنه يجب على المرء أن يجعل خوف الله عز وجل فوق كل مخوف، وألا يبالي بأحد في شريعة الله سبحانه وتعالى، وأن يعلم أنه إذا التمس رضا الله سبحانه وتعالى وإن سخط الناس عليه فالعاقبة له، وأنه إذا تعلق بالناس والتمس رضاهم ولم يهتم برضا الله انقلبت عليه الأحوال ولم ينل مقصوده، بل يحصل له عكس مقصوده: يسخط الله عليه ويُسخط عليه الناس (...).

***

باب: قول الله تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}
00:38:40

طالب:
وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [المائدة: ٢٣]، وقوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الأنفال: ٢]، وقوله: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال: ٦٤]، وقوله: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق: ٣].
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم.
قال رحمه الله تعالى: (باب قول الله تعالى: وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ).
أولًا: مناسبة هذا الباب لما قبله ظاهرة؛ لأن الإنسان إذا أفرد الله سبحانه وتعالى بالخوف فإنه يعتمد عليه في حصول مطلوبه وزوال مكروهه، لا يعتمد على غيره. فالباب مع الأبواب السابقة ظاهر المناسبة؛ لأن الإنسان إذا تم خوفه لله سبحانه وتعالى وأفرد الخوف لله صار اعتماده على الله في حصول المطلوب وزوال المكروه.
واعلم أن التوكل عرفه كثير من أهل العلم بتعريفات كثيرة؛ منهم من عاد تعريفه له على ثمرته، ومنهم من عاد تعريفه له على أسبابه، ومنهم من عاد تعريفه له على أحكامه، على حكم التوكل.
وأقرب تعريف للتوكل أن يقال: هو الاعتماد على الله سبحانه وتعالى في حصول المطلوب وزوال المكروه، مع فعل الأسباب المأذون فيها، صدق الاعتماد على الله في حصول المطلوب وزوال المكروه مع فعل الأسباب المأذون فيها. فلا بد من هذين الأمرين: أن يكون اعتمادك على الله تعالى صادقًا اعتمادًا حقيقيًّا، والشيء الثاني: أن تفعل الأسباب المأذون فيها.
فمن جعل اعتماده أكثر اعتماده على الأسباب نقص توكله على الله، ومن جعل اعتماده أكثره على الله ملغيًا الأسباب فقد طعن في حكمة الله عز وجل، فيكون الأول الذي اعتمد على الأسباب أكثر قادحًا في كفاية الله سبحانه وتعالى، والثاني قادحًا في حكمة الله؛ لأن الله سبحانه وتعالى جعل لكل شيء سببًا.
فمن اعتمد على الله اعتمادًا مجردًا وقال: أنا لا أفعل الأسباب لأني معتمد على ربي، قلنا له: هذا طعن في حكمة الله عز وجل؛ لأن الله تعالى حكيم يربط الأسباب بمسبباتها، وأنت لو قال لك أدنى واحد من الناس: اعتمد على الله تعالى في حصول الولد ولا تتزوج، لكان هذا القول أضحوكة لك! الولد ينبت علي من فوق الكتفين، ولَّا ينبت من الرأس، ولَّا ينبت من الظهر؟ ما هو معقول هذا، لا بد من فعل السبب. ولو أنك اعتمدت على الأسباب فقط، لكان ذلك قدحًا في كفاية الرب، وكأنك جعلت السبب وحده هو العمدة فيما تصبو إليه من حصول المطلوب وزوال المكروه. فلا بد من الأمرين جميعًا.
ولهذا نحن لا نشك أن أفضل المتوكلين وأعظمهم توكلًا: رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك كان يفعل الأسباب، كان يحمل الزاد في سفره، وكان يلبس الدرع في حربه، وكان يستعين بالذين يدلونه على الطريق إلى غير ذلك. فهل قال: أنا بأخرج من مكة مهاجرًا وأتوكل على الله ولَّا أصطحب معي من لا يدلني على الطريق؟ لا، بل استأجر رجلًا يدله على الطريق عليه الصلاة والسلام ، ولما خرج إلى أحد ماذا صنع؟ ظاهر بين درعين ، يعني لبس درعين اثنين، كل ذلك أخذًا بالأسباب. وكان عليه الصلاة والسلام يتقي البرد ويتقي الحر ويتقي الضار، يفعل جميع الأسباب المأذون فيها شرعًا. وهل نقص ذلك من توكله؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما نقص.
لكن إذا ترك الأسباب قيل له: إن هذا طعن في حكمة الرب، وتوكلك ضعيف؛ ولهذا يذكر عن عمر رضي الله عنه أنه جيء إليه بقوم من أهل اليمن، قدموا للحج بدون زاد، فسألهم، قالوا: نحن المتوكلون على الله، فقال: لستم المتوكلين على الله، بل أنتم المتواكلون . وهذا صحيح، واحد يخرج إلى البادية أو إلى السفر بدون زاد ولا مزاد ويقول: والله أنا متوكل على الله! ما هو بصحيح هذا، هذا لا شك أنه طعن في حكمة الرب.
إذن فتعريف التوكل: هو صدق الاعتماد على الله عز وجل في جلب المنافع ودفع المضار، مع فعل الأسباب المأذون فيها، ولا بد من هذا حتى نكون آخذين بالكفاية وآخذين بالحكمة جميعًا، لا يفوتنا هذا ولا هذا.
واعلم أن التوكل نصف الدين في الواقع، ولهذا نحن نقول في صلاتنا في كل صلاة: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة: ٥]، فنطلب منه العون اعتمادًا عليه سبحانه وتعالى بأنه سيعين، ونعبده. وقال الله عز وجل للرسول صلى الله عليه وسلم: فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ [هود: ١٢٣]، وقال: عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [الشورى: ١٠] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الدين شطران: عبادة وتوكل.
ولا يمكن تحقيق العبادة في الحقيقة إلا بالتوكل على الله عز وجل؛ لأن الإنسان لو وُكِل إلى نفسه وُكِل إلى ضعف وعجز ولم يتمكن من الفعل، فإذن هو يشعر حين يقوم بالعبادة أنه معتمد على الله عز وجل، فينال بفعل العبادة أجرين؛ أحدهما: أجر التوكل، والثاني: أجر العبادة.
ولكن ليت شعري ماذا نحن في هذا الأمر؟ هل الإنسان يشعر منا عندما يريد أن يفعل فعلًا من العبادة أو العادة أنه معتمد على الله في ذلك، أو أن الإنسان ينسى وما هو إلا دولاب يدور ويفعل ما يريد أن يفعل؟ أجيبوا بالصراحة والصدق.
الطلبة: الثاني.
الشيخ: الغالب أنه الثاني وأن مقام التوكل عندنا ناقص جدًّا، ما نشعر عندما نفعل الفعل أننا معتمدون على الله عز وجل، وبمعونته وإمداده وإعداده ننال هذا الفعل، عندنا نقص عظيم في التوكل في الحقيقة؛ لأننا نعتمد في الغالب على الأسباب الظاهرة وننسى ما وراء ذلك، فيفوتنا خير كثير. ما الذي يفوتنا؟
يفوتنا أولًا: ثواب هذه العبادة التي هي التوكل، هذا واحد، وهذا حرمان عظيم.
يفوتنا أيضًا أننا قد لا نوفق لكمال العبادة، كما هو الغالب كثيرًا، لا نوفق لكمالها، سواء حصل لنا عوارض توجب انقطاعها أو عوارض توجب نقصها، وهذا أمر معلوم، والإنسان يشهده من نفسه؛ لذلك يجب علينا من الآن أن نصحح مقام التوكل، وأن نكون في عباداتنا وعاداتنا وجميع أحوالنا متوكلين على الله عز وجل، آخذين بالأسباب النافعة التي أذن الله فيها.
وبعد هذا ونحن الآن نتكلم على التوكل على أنه منزلة من منازل السائرين إلى الله، وأنه ينبغي للإنسان أن يحققه تمامًا، بعد هذا نرجع إلى الأحكام التكليفية بالنسبة للتوكل، فنقول: إن التوكل ينقسم إلى ثلاثة أقسام.
أحدها: توكل العبادة، وهو الاعتماد المطلق على المتوكَّل عليه، بحيث يعتقد أن هذا المتوكَّل عليه بيده جلب الخير ودفع الضير. فهذا النوع يجب إخلاصه لله، ومن صرفه لغير الله فهو مشرك شركًا أكبر؛ لأنه ليس أحد يملك ذلك إلا الله وحده لا شريك له. فإذا اعتمدت على أحد في هذا الأمر سواء كان حيًّا أو ميتًا، فإنك مشرك شركًا أكبر، وهذا في الحقيقة لا يعتمد إنسان عليه إلا وهو يعتقد أن هناك سببًا خفيًّا يوجب جلب النفع له أو دفع المضرة عنه، وهذا هو الشرك الأكبر، نسأل الله السلامة والعافية.
القسم الثاني: الاعتماد على الشخص (...) في رزقه ومعاشه وما أشبه ذلك، فهذا قال أهل العلم: إنه من الشرك الأصغر، وبعضهم قال: من الشرك الخفي. مثل اعتماد كثير منا على المالية في أيش؟ في الراتب، ولذلك تجد الإنسان يشعر من نفسه أنه معتمد على هذا اعتماد افتقار، فتجد في نفسه من المحاباة لمن يكون هذا الرزق على يده ما هو ظاهر. هذا لا شك أنه فيه نوع من الشرك الخفي؛ لأنه كأن الإنسان لم يعتقد أنه سبب مجرد، بل هو جعله فوق السبب المجرد، ومن ثَم صار فيه نوع من الشرك.
القسم الثالث: أن يتوكل على شخص فيما فوض إليه التصرف فيه، كما لو وكلت شخصًا يبيع لي شيئًا أو يشتري شيئًا لي أو يتولى لي أمرًا من الأمور، فهذا لا شك أني معتمد عليه، لكن اعتمادي عليه هل هو كاعتمادي على الراتب الذي يأتي من قبل الدولة؟ لا، أنا أعتمد عليه وكأني أشعر بأن لي المنزلة العليا فوقه؛ لأني جعلته نائبًا عني، فأنا أعتمد عليه مع شعوري بأني أنا صاحب السلطة، وأن منزلته تحت منزلتي، بيدي، إن شئت أبقيت الوكالة وإن شئت فسختها. لكن المسألة الثانية اللي هي القسم الثاني ليس كذلك، بل إني أشعر بالحاجة إلى هذا والافتقار، فهو توكل افتقار واعتماد، افتقار وحاجة.
هذا الأخير جائز ولَّا لا؟ هذا الأخير جائز، وقد صدر من النبي عليه الصلاة والسلام، فوكل علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن ينحر ما بقي من هديه أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ووكل أبا هريرة على حفظ الصدقة ، ووكل عروة بن الجعد أن يشتري له أضحية ، وهكذا، وهذا جائز، ولا شيء فيه ما دام في تصرف مأذون فيه. أما لو وكلته في محرم فهو حرام حسب عاد الموكَّل فيه.
فصار التوكل والاعتماد ينقسم إلى ثلاثة أقسام: توكل عبادة، وتوكل حاجة، وتوكل تولية.
توكل عبادة ويش حكمه؟ يجب إخلاصه لله، لا يكون إلا لله وحده، وصرفه لغيره شرك أكبر.
وتوكل الحاجة هذا قال أهل العلم: إنه نوع من الشرك الأصغر أو الشرك الخفي، فأنت حتى لو كان لك رزق من بيت المال لا تشعر بأنك بحاجة، وأنك كأنك دون هذا، وتجعل قلبك متعلقًا بهذه الجهة مثلًا. لا، حتى يكون اعتمادك على الله وحده.
والقسم الثالث، ويش قلنا؟
طالب: التولية.
الشيخ: توكل التولية، بمعنى أن تولي شخصًا على أمر لك التصرف فيه، تفوض إليه التصرف فيه. فهذا جائز؛ لأنه ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه فعله، وقد أجمع المسلمون على جواز الوكالة فيما يصح التصرف فيه (...).
وأشرنا إلى الدواء قبل قليل، قلنا: ينبغي للإنسان أن يعتمد بأن هذا سبب محض ولا يعلق قلبه به، وأن يعتمد على الله عز وجل؛ لأن الله هو الذي سخر لك هؤلاء يجعلون لك هذا المعاش وما أشبهه، فلا تعتمد عليه. واعلم أن هذا الذي حصل لك على يد فلان أو يد فلان من الذي ساقه إليك؟ الله سبحانه وتعالى، لو شاء لصرف قلوبهم عنك، ولو شاء لما أعلمهم بك.
طالب: تجد يا شيخ بعض الناس يعني يقول: الرزاق والله، لكنه عند فقدان هذا يفزع وقد (...) لأجل هؤلاء، ولكن اللسان (...)؟
الشيخ: اللسان شيء، واحد يقول: تعال يا ولد، أبغي أعطيك المئة بمئة وعشرة، اللهم اغفر لي من الربا! ويجي للثاني: تعال أبغي أعطيك، ويقول: اللهم اغفر لي من الربا! ما ينفع هذا، إذا لم يصدق الفعل القول فالقول لا فائدة منه.
ولهذا يعني مقام التوكل فيه شيء من الصعوبة على النفوس، أولًا: إن النفوس كثير منها تغفل عنه إطلاقًا، ما كأنه شيء من العبادات. والشيء الثاني: أن مقامه دقيق جدًّا، ولهذا قال المؤمنون: وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِأيش بعد؟ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا [إبراهيم: ١٢]، فهو نتيجة الهداية، ونتيجة الهداية معناه أنه أمر في الذروة.
طالب: السؤال هذا لأنه (...). مثل واحد أبوه ضابط ولَّا رئيس ولَّا هذا يعني يطمع أنه لو فعل بعض هذه الأشياء ما اتكل عليه أنه يخلصه (...)؟
الشيخ: إي، هذا نوع من الشرك الخفي أو الشرك الأصغر؛ لأنه الآن علق رجاءه به، لكن إذا نزلت النازلة فلا بأس أنك تستعين إخوانك في قضائه.
الطالب: لا، قبل أن تنزل؟
الشيخ: لا، قبل أن تنزل لا تجعل الأمر إلا بالله عز وجل. ثم إن هذا بعدُ فيه مشكلة: إذا كان أن الإنسان يستعمل جاه هذا الرجل وسلطة هذا الرجل في أمر باطل ليس من حقه؛ هذه بعد مشكلة تجيئنا طريق آخر؛ لأن بعض الناس -والعياذ بالله- يستعمل سلطته في التوجه للمجرمين وغيرهم، وهذا حرام.
طالب: شيخ، السبل كيف وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [العنكبوت: ٦٩]، السبل هذه كيف (...)؟
الشيخ: إيه، السبل شرائع الدين، يعني من الصلاة سبيل، الزكاة سبيل، الصوم سبيل، الحج سبيل، ولكن كلها يجمعها شيء واحد وهو الإسلام.
الطالب: كيف يهديهم لها؟
الشيخ: يعني يوفقهم للعمل بها بعد بيانها ووضوحها، يعني يهديهم الله هداية علمية ثم هداية عملية.
طالب: هل من توكل الشخص (...) يعني إذا كان له ذرية، ومثلًا أصيبوا بمرض (...) هل هذا من توكل الشخص أو (...)؟
الشيخ: لا، ما ينبغي له؛ لأن الكي في أشياء واضح فائدتها جدًّا، والرسول صلى الله عليه وسلم كوى سعد بن معاذ رضي الله عنه ؛ لأن الفائدة متحققة، كواه لأجل ينقطع العرق، عرق الدم، حتى لا (...) وهنا كي يعني فيه احتمال أنه ينفع أو ما ينفع، فمثلًا عندنا من المعروف عند الناس أن ذات الجنب ينفع فيها الكي، يعني يكون بإذن الله كالرقعة، حتى إن الرجل يمكن ما ينفس وربما يغمى عليه، فإذا كوي بإذن الله ووافق الكي كأنما قام من موت، وهو يفرق بين الأشياء اللي لها سبب نافع واضح وبين شيء ما هو بواضح.
طالب: قول الإنسان (...)؟
الشيخ: مثلما قلت لك، إذا كان يعتقده سببًا محضًا، ولا يعلق رجاءه إلا بالله، فهذا صحيح، والإنسان ما يمكن يعطل الأسباب. أما إذا كان يعتقد أن هذا الراتب يعتمد عليه اعتمادًا بينًا ويعلق رجاءه به، فهذا نوع من الشرك. ولهذا هذه المسألة مما (...) للإنسان الوظائف، وتجعل العمل الحر أكمل؛ لأن العمل الحر يعتمد (...) على الله.
طالب: أقرب إلى التوكل.
الشيخ: إي، أقرب إلى التوكل، تجعله يعتمد على الله عز وجل، وإن كان العمل الحر فيه بعض الأشياء، لكن على كل حال ما من شيء إلا فيه بلاء.
طالب: ما فيه شيء أنه (...)؟
الشيخ: نعم، لكنه لا شك أنه من جهة التوكل أنه أبلغ، ولهذا جاء في الحديث الصحيح: «لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ، تَغْدُو خِمَاصًا» يعني تروح في أول النهار جائعة «وَتَرُوحُ بِطَانًا» ، تروح تدور الرزق على الله عز وجل وهي خالية البطون، ما ترجع إلا وهي ملآنة، الله أكبر.
طالب: التطعيم ضد الأمراض هل يؤثر في التوكل على الله؟
الشيخ: التطعيم ضد الأمراض إذا كان مما هو معلوم النفع، فهذا من الأسباب، مثل أن الإنسان يتوقع البرد قبل أن ينزل به. وأما إذا كان أوهامًا فقط أو خيالات فلا يعتمد عليها.
الآن فهمنا أقسام التوكل من حيث الحكم التكليفي، لكن من حيث المنزلة والمرتبة في العبادة فهمنا أنه نصف الدين؛ لأن الله تعالى يذكره قليلًا للعبادة. وفهمنا أنه من أجل المقامات، وأنه ينبغي للإنسان -ونسأل الله تعالى أن يعيننا وإياكم- ينبغي للإنسان أن يكون نصب عينيه، حتى في وضوئه وصلاته وأكله وشربه ولبسه في كل شيء، يكون مصاحبًا، يعني يكون مصطحبًا للتوكل على الله في جميع شؤونه؛ حتى يكون ممن حقق التوكل تمامًا، وبهذا يكون حقق هذه المنزلة.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: ولا يمكن للمعطلة أن يتوكلوا على الله، ولا للمعتزلة القدرية أن يتوكلوا على الله؛ لأن المعطلة يعتقدون انتفاء الصفات عن الله، ومعلوم أن الإنسان ما يعتمد إلا على من؟
طالب: كامل الصفات.
الشيخ: على كامل الصفات المستحق لئن يُعتمد عليه سبحانه وتعالى، وهؤلاء ينكرون الصفات كيف يعتمدون؟ ما يحققون التوكل. وكذلك القدرية اللي يقولون: إن الإنسان مستقل بعمله، ما يمكن يتوكلون على الله، أيش السبب؟ لأنهم يقولون: إن الله ما له التصرف في أعمال العبد، أعمال العبد كلها يستقل بها العبد، فهؤلاء أيضًا لن يحققوا مقام التوكل أبدًا. ومن ثم عرفنا والحمد لله الذي هدانا أن طريق السلف -أهل السنة والجماعة- هو خير الطرق، وهو الذي تجتمع به جميع أنواع العبادات وتتم به جميع أحوال العابدين.
قال المؤلف رحمه الله: (باب قول الله تعالى: وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [المائدة: ٢٣]).
قوله: عَلَى اللَّهِمتعلق بقوله: تَوَكَّلُوا، وقد قال علماء البلاغة: إن تقديم المعمول يدل على الحصر، يعني: وَعَلَى اللَّهِلا على غيره.
وقوله: تَوَكَّلُواأي: اعتمدوا.
والفاء في قوله: وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُواحرف عطف، أيش اللي قبل الجملة هذه؟
قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [المائدة: ٢٣]، فتكون الفاء هنا عاطفة.
ويحتمل أن تكون الفاء هنا لتحسين اللفظ؛ لأن الفاء قد تأتي زائدة إعرابًا لكنها لتحسين اللفظ، وأن الأصل: وعلى الله توكلوا. وهذا الوجه يؤيده أن لدينا حرف عطف وهو الواو، ولا يمكن نعطف جملة بعاطفين، لو قلت: (فعلى الله) و(فتوكلوا على الله) يستقيم الكلام؟ لا يستقيم، فتكون الفاء لتحسين اللفظ؛ كهي في قوله تعالى: بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ [الزمر: ٦٦]، والتقدير: بل الله اعبد.
وقوله: فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، إِنْشرطية، وفعل الشرط كُنْتُمْ، وجواب الشرط؟
قيل: إنه محذوف دل عليه ما قبله، وأن تقدير الكلام: إن كنتم مؤمنين فتوكلوا.
وقيل: إنه في مثل هذا التركيب لا يحتاج إلى جواب اكتفاء بما سبقه، فيكون ما سبقه كأنه فعل معلق بهذا الشيء، وهذا أرجح؛ لأن الأصل أيش؟ لأن الأصل عدم الحذف، وما دام التقدير لا نلجأ إليه فإن الأولى عدمه.
قول أصحاب موسى: وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَيفيد بأن التوكل من الإيمان ومن مقتضيات الإيمان، كما لو قلت: إن كنت كريمًا فأكرم الضيف، أيش يقتضي؟ أن إكرام الضيف من الكرم.
إن كنت مؤمنًا فتوكل، فيقتضي أن التوكل من مقتضيات الإيمان ولوازمه، وأن الإيمان ينتفي بانتفائه، لكنه ينتفي كماله، إلا أن يحصل اعتماد على الله عز وجل وشرك أكبر فهذا ينتفي كله.
وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.
وقوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا [الأنفال: ٢ - ٤].
أولًا: إِنَّمَامن أدوات الحصر، وما معنى الحصر؟ إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما عداه، فمعناه: ما المؤمنون إلا هؤلاء.
وذكر الله عز وجل خمسة أوصاف: الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْأي: خافت؛ لما فيها من تعظيم الله عز وجل، فـإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ، وخافت منه تعظيمًا له سبحانه وتعالى. مثال ذلك: رجل هم بمعصية، فذُكر بالله وقيل له: اتق الله، إذا كان مؤمنًا ماذا يكون قلبه حينئذ؟ يوجل ويخاف، هذا دليل على الإيمان، أنه إذا ذكر الله لك وجل قلبك ووقفت على حده.
ثانيًا: وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا [الأنفال: ٢]، إِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْأي: تلاها أحد زَادَتْهُمْ إِيمَانًا، وهذا فيه دليل على أن الإنسان قد ينتفع بقراءة غيره أكثر من انتفاعه بقراءة نفسه، إذا تليت عليهم الآيات ازدادوا إيمانًا بالله عز وجل، كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام عبد الله بن مسعود أن يقرأ القرآن عليه، فقال: كيف أقرؤه عليك وعليك أُنزل يا رسول الله؟ قال: «إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي»، فقرأ عليه من سورة النساء، فلما بلغ: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا [النساء: ٤١]، قال: «حَسْبُكَ» يعني: قف، قال: فنظرتُ فإذا عيناه تذرفان عليه الصلاة والسلام .
المهم أنه إذا تليت عليهم الآيات زادتهم إيمانًا بالله، فينتفعون بها.
وكذلك أيضًا إذا تلوها هم، إذا تلوها يزداد إيمانهم بذلك.
الوصف الثالث وهو الشاهد للباب: وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الأنفال: ٢].
وَعَلَى رَبِّهِمْ، قدم المعمول لإفادة الحصر، يعني يعتمدون على الله عز وجل لا على غيره، وهم مع ذلك يفعلون الأسباب ما يدعونها، الأسباب المأذون فيها يفعلونها لا يدعونها.
الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ [الأنفال: ٣]، يأتون بها مستقيمة كاملة، والصلاة اسم جنس تشمل الفرائض والنوافل.
وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [الأنفال: ٣]، (من) للتبعيض أو للجنس؟ أيهما؟ يحتمل، إن قلنا: وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَللتبعيض، صار الله يمدح من أنفق بعض ماله، لا من أنفق كل ماله. وإذا قلنا: للجنس، صار الثناء يشمل من أنفق البعض ومن أنفق الكل.
وقوله: مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَيدخل فيها الزكاة ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: تدخل فيه من باب أولى، هي على رأس ما ينفق.
هذه الصفات الخمس..
طالب: (...)؟
الشيخ: أقول: إذا كانت (من) للتبعيض فالثناء على من أنفق البعض وأبقى لنفسه البعض، وإذا كانت للجنس فالثناء يشمل من أنفق الكل ومن أنفق البعض.
طيب، هذه الصفات الخمس جعل الله الإيمان منحصرًا فيها فقط، وهاهنا سؤالان:
السؤال الأول: هل من لم يكن على هذا الوصف لا يكون مؤمنًا؟
السؤال الأول، يتوجه على هذا سؤالان، الآن الحصر واضح، حصر الإيمان فيمن اتصف بهذه الصفات الخمس، فالسؤال الآن: هل الإيمان منحصر بهذه الخمس؟ وهل من لم يقم بها لا يكون مؤمنًا؟ يعني سؤالان الآن: هل تفيد الآية أن من لم يتصف بهذه الصفات لم يكن مؤمنًا؟ هذا واحد؟
ثانيًا: هل انحصر الإيمان بهذه الخمس؟
طلبة: لا ما ينحصر.
الشيخ: طيب، إن قلنا في جواب السؤال الأول: نعم، فما أدري من يكون منا مؤمنًا أو لا؟ إذا قلنا: إن المؤمن هو الذي يتصف بهذه الصفات لازم، إنما المؤمن فلا أظن أحدًا إلا من شاء الله أن يتصف بهذا في زماننا.
لكننا نقول: إن الإيمان مطلق ويراد به الإيمان الكامل، ويطلق ويراد به مجرد الإيمان، فمثلًا قوله تعالى: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ [النساء: ٩٢] هذا المراد مطلق الإيمان، ما هو بكامل الإيمان، وهذه الآية المراد كامل الإيمان، وإن شاء الله نجيب على السؤال الثاني في الدرس القادم (...).
وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا [الأنفال: ٢]، هل تكلمنا على الآية كلها؟
طالب: لا.
الشيخ: وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْيعني قرئت عليهم.
زَادَتْهُمْ إِيمَانًايعني يزداد إيمانهم بالله سبحانه وتعالى ويقينهم به وتصديقهم بالقرآن، وهو دليل على ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد. وهل فيه دليل على أنه ينقص؟
طالب: لا.
طلبة: نعم.
الشيخ: من الآية نفسها؛ إذ إن تقابل الزيادة والإيمان من باب تقابل المتضايفين، بمعنى أنه ما يتصور زيادة إلا بنقص، ولهذا من تحرز من السلف من قولهم: إننا نقول: الإيمان يزيد، ولا نقول: ينقص. هذا فيه نظر هذا التحرز كما يذكر عن مالك رحمه الله، فيه نظر؛ وذلك من وجهين.
الوجه الأول: أن الزيادة لا تعقل إلا في مقابلة نقص، فإثبات الزيادة مستلزم لثبوت النقص.
ثانيًا: أنه قد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام قوله: «مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ» ، فأثبت النقصان في الدين.
ولهذا الصواب الذي عليه جمهور أهل السنة والجماعة أنه يقال: الإيمان يزيد وينقص.
وقوله: إِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا [الأنفال: ٢]، هذا أمر مجرب أن الإنسان قد يخشع عند سماع قراءة غيره أكثر مما يخشع إذا قرأ، فيزداد إيمانه بسماع القرآن، ولهذا طلب النبي عليه الصلاة والسلام من ابن مسعود رضي الله عنه أن يقرأ عليه القرآن، فقال: كيف أقرؤه وعليك أنزل؟ قال: «إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي». وهذا لا يدل على أن الرسول عليه الصلاة والسلام ما يخشع إذا قرأ لنفسه، لا، لكن يريد عليه الصلاة والسلام أن يسمعه من غيره لمعرفة إتقان الصحابة رضي الله عنهم للقرآن.
«أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي»، فقرأ حتى إذا بلغ قوله تعالى: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا [النساء: ٤١]، قال: «حَسْبُكَ»، قال: فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم وعيناه تزرفان، اللهم صل وسلم عليه.
وقوله: وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الأنفال: ٢]، هذا الشاهد، يعني: لا يعتمدون في جلب المنافع ودفع المضار إلا على من؟ إلا على الله سبحانه وتعالى، ومن جلب المنافع، لئلا تظنوا أن المنافع هي المنافع الدنيوية فقط، من جلب المنافع إتقان العبادات، فيعتمد الإنسان على ربه في إتقان عبادته، إذا دخل في الصلاة يعتمد على الله سبحانه وتعالى يتوكل عليه في أن يأتي بهذه الصلاة على وجه كامل، فإذا شعرت عند دخولك في الصلاة أنك عابد متوكل، فهذا مما يزيدك في حضور قلبك في الصلاة، وجرب تجد. بخلاف الإنسان اللي يدخل في الصلاة على أنه فاعلها بقدرته، بل ادخل فيها على أنك فاعلها بأيش؟ بالاعتماد على الله، حتى تجمع بين العبادة والتوكل. وهكذا بقية العبادات، كالصيام والزكاة والحج والجهاد وغيرها.
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، وفي إحسانها أيضًا، حتى إحسانها أهم، والقبول عند الله عز وجل، لكن إحسانها أهم، كلما كانت أحسن فهي أحب إلى الله.
طالب: كيف حتى الشافعي وأحمد كالإجماع (...)؟
الشيخ: على؟
الطالب: على أن الإيمان يزيد وينقص؟
الشيخ: إي، الإمام مالك رحمه الله يقول: أنا ما أقول: ينقص؛ لأنه ما ورد. إي، ويمكن له رواية ثانية توافق الجماعة.
وقوله: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ [الأنفال: ٣]، يأتون بها قائمة، أي مستقيمة، وهذا يستلزم أن يأتوا بشروطها وأركانها وواجباتها، ويتموها بمكملاتها.
وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [الأنفال: ٣]، (من) يحتمل أن تكون للتبعيض، ويحتمل أن تكون لبيان الجنس.
فعلى الأول يكون الإنسان يُمدَح إذا أنفق بعض ماله، لا كله، وعلى الثاني يكون المدح شاملًا لمن أنفق البعض أو الكل.
والصواب في هذه المسألة أن إنفاق الكل يُمدَح عليه الإنسان إذا دعت الحاجة إليه، وكان عنده من الاعتماد على الله عز وجل، وفعل الأسباب، ما يمكنه أن يأتي برزق لنفسه وأهله، مثلما فعل من؟ أبو بكر رضي الله عنه.
أما إذا كان ليس هناك حاجة للمنفَق عليه، يعني ما هناك حاجة ماسة تستوجب، تستوعب مالي، أو أنني أنا وأهلي في حاجة وسبب رزقي ضعيف، فهنا ما ينبغي أن نقصر على أنفسنا ونعطي غيرنا؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ» .
ثم قال: (وقوله: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال: ٦٤]).
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّالمراد به الرسول عليه الصلاة والسلام، والله تعالى يخاطب عبده الرسول عليه الصلاة والسلام بالوصفين جميعًا؛ بوصف النبوة وبوصف الرسالة، فحين يأمره بأن يبلغ يناديه بوصف الرسالة: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ [المائدة: ٦٧]، وفي مثل هذه الأحوال في الأحكام التي تكون له خاصة يناديه في الغالب بماذا؟ بالنبوة: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ [التحريم: ١]، يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ [الطلاق: ١]، يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى [الأنفال: ٧٠]، وما أشبه ذلك، لكن لما جاء الأمر بالرسالة قال: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ.
وقوله: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ [الأنفال: ٦٤] مر علينا أن اشتقاق (النبي) فعيل بمعنى مُفعَل وبمعنى مُفعِل، فـ(فعيل) بمعنى مُفعَل أي: مُنبَّأ، وبمعنى مُفعِل أي: مُنْبِئ.
والرسول عليه الصلاة والسلام مُنَبَّأ مُنْبِئ، صحيح ولَّا لا؟ منبأ من قِبل من؟ من قبل الله، منبئ لعباد الله، مبلغ لهم الرسالة.
وقوله: حَسْبُكَ اللَّهُ [الأنفال: ٦٤]، أي: كافيك، الحسب بمعنى الكافي، ومنه: أعطني درهمًا فحسب، حيث هو الكفاية، فالحسب بمعنى الكافي.
وقوله: حَسْبُكَ اللَّهُما إعرابها؟
طالب: (حسب) مبتدأ.
الشيخ: (حسب) خبر مقدم، و(الله) مبتدأ مؤخر. ويجوز العكس، يعني يكون المعنى: ما حسبك إلا الله، وعلى هذا فتكون (حسب) مبتدأ، و(الله) خبر.
أما على الأول فالمعنى: ما الله إلا حسبك، إذا قلنا: الله حسبك، الله وحده حسبك.
وقوله: وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال: ٦٤].
وَمَنِ اتَّبَعَكَ(من) هذه اسم موصول، وهي مبنية على السكون، ولا تظهر عليها الحركة، فهل هي معطوفة على الكاف، لقوله: حَسْبُكَ اللَّهُ [الأنفال: ٦٤]، أو معطوفة على اسم الجلالة اللَّهُ؟
طالب: على الكاف.
الشيخ: إي نعم، فيها رأيان لأهل العلم، فقال بعضهم: حسبك الله وحسبك من اتبعك من المؤمنين، وجعلوا (من) معطوفة على اللَّهُ، قالوا: لأنه أقرب، ولأنه لو كان معطوفًا على الكاف في حَسْبُكَلوجب إعادة الجار، ابن مالك يقول:
وَعَودُ خَافِضٍ لَدَى عَطْفٍ عَلَى ضَمِيْرِ خَفْضٍ لاَزِمًا قَدْ جُعِلاَ

لكنه قال:
وَلَيْسَ عِنْدِي لازمًا....... .......................

وهو الصحيح.
ثم قالوا: إن هذا كقوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ، فقالوا: إن الله أيد الرسول صلى الله عليه وسلم بالمؤمنين، فيكونون حسبًا لهم، كما كان الله تعالى حسبًا له. لكن هذا القول ضعيف ولا يصح.
والجواب عما استدلوا به: أولًا قولهم: إن العطف على أقرب مذكور ليس بصحيح، فقد يكون العطف على شيء سابق، كما في نظائره، وهي كثيرة، حتى إن النحويين قالوا: لو تعددت المعطوفات يكون العطف على أي شيء؟
طالب: الأول.
الشيخ: على الأول.
وثانيًا، قولهم: إنه لو عطف على الكاف لوجب إعادة الجار، قلنا: هذا ليس بلازم؛ لأنه كما قال ابن مالك:
.................... إِذْ قَدْ أَتَى فِي النَّظْمِ وَالنَّثْرِ الصَّحِيْحِ مُثْبَتَا

وشواهده تقدمت لنا في النحو.
وأما استدلالهم بقوله: هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ [الأنفال: ٦٢]، فالتأييد بهم غير كونهم حسبًا؛ لأن معنى كونهم حسبًا أنه يعتمد عليهم، لكن معنى كونهم يؤيدونه أنهم ينصرونه مع استقلاله بنفسه، وبينهما فرق ولَّا لا؟ فالحسب هو الكافي، يعني يكفيك حتى عن نفسك، لكن التأييد بالغير معناه أن المؤيد له استقلال، لكن هذا مؤيد مساعد. ويدل على هذا أن الله سبحانه وتعالى حينما يذكر الحسب يخلصه لله، مثل قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ [التوبة: ٥٩]، وقال تعالى: قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ [الزمر: ٣٨]، فكما أن التوكل على الله لأنه الحسب، فغيره لا يمكن أن يكون حسبًا؛ إذ لو كان حسبًا لكان التوكل عليه جائزًا، ولكن الحسب هو الله، وهو الذي عليه يتوكل المتوكلون.
فالصواب أنه معطوف على أيش؟
طالب: الكاف.
الشيخ: على الكاف في قوله: حَسْبُكَ [الأنفال: ٦٤]، يعني: وحسب مَن اتبعك من المؤمنين، فتوكلوا عليه جميعًا أنت ومن اتبعك.
ثم إن في قوله: وَمَنِ اتَّبَعَكَفيه ما يمنع أن يكون الصحابة حسبًا للرسول صلى الله عليه وسلم. وجه ذلك أنهم تابعون، أتباع، فكيف يكون التابع حسبًا للمتبوع؟ هذا لا يستقيم أبدًا.
فالصواب المتعين أن الآية معناها: حسبك وحسب من اتبعك، والله تعالى كافي الجميع.
قال: (وقوله: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق: ٣]).
وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُهذه جملة شرطية تفيد بمنطوقها معنى، وتفيد بمفهومها معنى آخر، المنطوق: أن من يتوكل على الله فإن الله يكفيه مهماته وييسر له أمره، ولم يقل الله تعالى: ومن يتوكل على الله فإنه لا يجد من يؤذيه؛ قال: فَهُوَ حَسْبُهُكافيه ما أهمه، حتى لو حصل عليه بعض الأذية من أعدائه فإن الله تعالى يكفيه شره فلا يصلون إلى الغاية، وإلا فالرسول صلى الله عليه وسلم سيد المتوكلين ومع ذلك يصيبه الأذى، لكن الله حسبه كافيه، حتى لو حصل الأذى ما تحصل المضرة، لا بد أن تكون النتيجة لهذا الذي اعتمد على الله.
أما مفهوم الآية: من توكل على غير الله خُذل؛ لأن غير الله لا يكون حسبًا كما تقدم لنا قبل قليل، فقد توكلت على غير صواب وعلى غير عمدة، فمن توكل على غير الله خُذل، ومن توكل على غير الله ابتعد عن الله بمقدار توكله على غيره؛ لأن النفس بشرية، إذا اعتمدت على شيء اتكلت عليه ونسيت ما سواه، فلهذا من توكل على غير الله تخلى الله عنه -والعياذ بالله- وصار موكولًا إلى هذا الشيء، ومن وكِل إلى غير الله فإنه ضائع ولا يحصل له المقصود.
فصار في الآية حكمان؛ منطوق ومفهوم.
قال: (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا له: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آل عمران: ١٧٣] ).
أما كون محمد صلى الله عليه وسلم قالها فهذا في نص القرآن، قال الله تعالى: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا، فمَن الناس الذين قالوا هذا القول: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ؟
هم الركب الذين أوصاهم أبو سفيان أن يبلغوا الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه قد جمع لهم. وكان أبو سفيان بعدما انصرف من أُحد أراد أن يرجع إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه حتى يقضي عليهم بزعمه، فلقي ركبه فقال: إلى أين تذهبون؟ قالوا: نذهب إلى المدينة، قال: بلغوا محمدًا وأصحابه أنا راجعون إليهم فقاضون عليهم. فجاء الركب إلى المدينة فبلغوه، فقال الرسول عليه الصلاة والسلام ومن معه: حسبنا الله ونعم الوكيل، وخرجوا في نحو سبعين راكبًا حتى بلغوا حمراء الأسد، فماذا حصل؟ أبو سفيان تراجع عن رأيه وانصرف إلى مكة .
شوف الكفاية من الله عز وجل، وإلا كان بإمكانه أنه يرجع، ولكن الله سبحانه وتعالى صرف قلبه لأن الصحابة اعتمدوا على ربهم سبحانه وتعالى، قالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ [آل عمران: ١٧٤].
إذن قَالَ لَهُمُ النَّاسُ [آل عمران: ١٧٣]، النَّاسُالأولى من المراد بها؟ الركب.
إِنَّ النَّاسَ، من المراد بهم؟ أبو سفيان ومن معه.
كلمة (الناس) يمثل بها الأصوليون للعام الذي أريد به الخصوص، هذا عام: النَّاسَما هو بكل الناس، أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ [آل عمران: ١٧٣]، كل الناس جمعوا لهم؟ لا، فهو عام أريد به الخصوص، وقد مر في أصول الفقه: هناك عام مخصوص وعام أريد به الخصوص، ولكن ليس هذا موضع ذكر الفرق بينهما.
فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُكافينا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آل عمران: ١٧٣]، (نعم) فعل ماض، والْوَكِيلُفاعل، والمخصوص محذوف، ويش التقدير؟ (هو) أي: الله، وَنِعْمَ الْوَكِيلُهو، والْوَكِيلُهنا المعتمد عليه سبحانه وتعالى.
واعلم أن الله سبحانه وتعالى يطلق عليه اسم الوكيل، وهو أيضًا موكِّل، فهو وكيل وموكل. كيف وكيل موكل؟
أما الوكيل ففي مثل هذه الآية: نِعْمَ الْوَكِيلُ، وكذلك قال الله تعالى: وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا [النساء: ٨١].
وأما الموكل فقال تعالى: فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ [الأنعام: ٨٩].
ولكن يجب أن تعلم أنه ليس المراد بالتوكيل هنا الإنابة عن الغير فيما يحتاج إلى الاستنابة فيه، ليس توكيل الله لهم أنه من حاجة إليهم؛ لأننا نعلم أن الله تعالى هو الغني الحميد، لكن توكيلهم بمعنى أنه سبحانه وتعالى استخلفهم في الأرض لينظر كيف تعملون، جعلهم هم الذين يقومون بها: فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا [الأنعام: ٨٩] يعني يقومون بها، وليس ذلك لحاجة له؛ لأن العمل من اللي بيعمل؟ يعمله الإنسان لنفسه لا لربه سبحانه وتعالى.
ما هو الدليل لابن عباس على أن إبراهيم قالها؟ ويش الدليل؟
نقول: ابن عباس قال قولًا لا مجال للرأي فيه، والصحابي إذا قال قولًا لا مجال للرأي فيه فحكمه حكم الرفع، يسمونه مرفوعًا حكمًا.
فإذا قال قائل: إنهم اشترطوا في هذا ألا يكون القائل ممن يروي عن الإسرائيليات، وابن عباس رضي الله عنهما ممن عرف بذلك، أفلا يجوز أن يكون قد أخذه عن الإسرائيليات؟
نقول: هذا وارد، ويمكن أن يكون أخذه من الإسرائيليات، لكن يبعده أنه لم يكن ليجزم به هذا الجزم، فيكون أخذه من بني إسرائيل. فجزمه بهذا وقرنه بما قاله النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه عندي أنه يبعد أن يكون مما أخذه عن بني إسرائيل.
ويتعلق في قضية إبراهيم عليه الصلاة والسلام يتعلق مسألتان أحب أن أنبه عليهما وإن كانتا ليستا من موضوع الدرس.
المسألة الأولى: أنه يقال: إن إبراهيم لما ألقي..