ويتعلق في قضية إبراهيم عليه الصلاة والسلام يتعلق مسألتان نحب أن ننبه عليهما،
وإن كانتا ليستا من موضوع الدرس.
المسألة الأولى: أنه يقال: إن إبراهيم لما
أُلقي في النار جاءه جبريل فقال له: اسألِ الله عز وجل أن ينقذك منها، فقال: علمه
بحالي يغني عن سؤالي .
لا شك أنه أثر باطل كذب، الأنبياء عليهم الصلاة والسلام هل يشكون في علم الله
بأحوالهم؟
طالب: لا.
الشيخ:
وهل هم يدعون الله عند الشدائد؟ نعم، ولو قلنا: إن علم الله بالحال يغني عن السؤال
ما احتجنا إلى السؤال أبدًا، أو لا؟
طالب: بلى.
الشيخ: لأن الله عالم بأحوالنا بكل حال.
فهذا القول
قول باطل، ويجب على من سمعه أن ينبه على بطلانه، وإنما نبهت عليه لأني سمعت خطبة
يخطبها عبد الحميد كشك وقال هذا القول، فيجب أن ننبه على هذا الشيء، إن هذا قول
باطل لا يصح.
المسألة الثانية: يقولون: إن الله سبحانه وتعالى لما قال لنار
إبراهيم: كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيم [الأنبياء: ٦٩] إن جميع النيران في الدنيا كانت باردة حتى إنهم اللي يطبخون غداهم
وعشاهم (...) لأن النار صارت مثل الماء، ما طبخت الغداء ولا العشاء، هذا أيضًا
باطل، هذا باطل بلا شك، يكذبه القرآن؛ لأن الله تعالى يقول: يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا [الأنبياء: ٦٩]، و(نار) هذه في اللغة العربية نكرة
مقصودة، فهي كالعَلَم، حكمها حكم العلم في تعيين صاحبها، ولهذا تُبنى على الضم في
النداء كما يُبنى العلم.
إذن فما المراد بالنار التي خاطبها الله؟ النار التي
طُرح فيها إبراهيم، التي أُلقي فيها هي النار، فكانت بردًا وسلامًا على إبراهيم،
أما النيران الأخرى ما يمكن تكون بردًا وسلامًا على أهلها؛ لأن ما بينها وبين
إبراهيم صلة، والله قال: كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ، فعين النار المخاطبة ثم قال: عَلَى إِبْرَاهِيمَأيضًا زيادة في التعيين، اللي تحت قدور الناس في كل مكان هل
تمس إبراهيم حتى يقال لها: كوني بردًا وسلامًا عليه؟ لا.
قد يقول قائل: إن
النيران من شدة تعظيمها لله عز وجل وهيبتها له ظنت أن الخطاب موجَّه لها، فصارت
بردًا، ويش نقول؟ نقول: هذا باطل غير صحيح؛ لأن الله عز وجل إذا أراد شيئًا قال له:
كن فيكون، فلا بد أن يكون مراد الله محدِّدًا معيِّنًا النار اللي غير نار إبراهيم،
ما وجه لها هذا الخطاب، فكيف تخرج عن طبيعتها، ولهذا بعض الناس -الله يهدينا
وإياهم- يتعلقون بمثل هذه الإسرائيليات، يعني ترويجًا على العامة، وهو خطأ، فيما صح
في كتاب الله وفيما صح من سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام كفاية في بيان آيات
الله سبحانه وتعالى (...).
أظن الشاهد من الآية واضح، وهو قوله: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آل عمران: ١٧٣]
(...).
والمعجزة العظيمة دليل يبطل رد الطبائعيين الذين يقولون: إن الأشياء
بطبائعها وإن هذه الطبائع التي جعلها الله تعالى في هذه الأشياء هي من خلق الله عز
وجل وتكوينه وإرادته سبحانه وتعالى، وليست هذه الأشياء بطبائعها مستقلة، فلهذا هذه
الآية من أكبر ما يدمغ رؤوسهم وباطلهم وأن الأمور تسير كلها حسب تقدير العزيز
العليم وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [يس: ٣٨] سبحانه وتعالى؛ العزيز الذي لا
يغلب، العليم الذي لا يجهل وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ [يس: ٣٩].
فالله سبحانه وتعالى
حتى النقطة اللي تنزل من المطر في مكانها وزمانها وحجمها وكيفيتها كلها بتقدير الله
عز وجل وعلمه، وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ [الحجر: ٢١]، فكل شيء فهو بتقدير الله تعالى وعلمه وإرادته،
وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا [الأنعام: ٥٩]، فإذا كان الأوراق الساقطة يعلمها فالأوراق المخلوقة التي تحتاج إلى
تكوين من باب أولى، والله أعلم (...).
طالب: قوله
تعالى: فتوكلوا على الله (...) إن كنتم مؤمنين.
الشيخ:
ويش لفظ الآية، وعلى الله وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين [المائدة: ٢٣] ويش وجه كونها (...).
طالب: أنه علق الإيمان بشرط التوكل.
الشيخ: زين.
طالب: الثاني أنه من
شروط الإيمان.
الشيخ: يُؤخَذ.
طالب: قوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُم [الأنفال: ٢].
الشيخ: من شروط الإيمان.
طالب: في آخرها يقول: وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الأنفال: ٢].
الشيخ: توافقون
على هذا؟
طلبة: لا.
طالب:
قوله: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [المائدة: ٢٣].
الشيخ: في قوله: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.
طالب: الثالثة تفسير آية
الأنفال. الفرق بين الأول والثانية.
الشيخ: نعم،
تفسير آية الأنفال، قلنا: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [الأنفال: ٢] فسرناها وقلنا:
المراد بالإيمان هنا الإيمان الكامل؛ إذ إن الإنسان يكون مؤمنًا، وإن لم يتصف بهذه
الصفات لكن يكون معه مطلق الإيمان.
طالب: الرابعة:
تفسير الآية في آخرها.
الشيخ: أيهن؟
طالب: وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الأنفال: ٢].
الشيخ: لا، تفسير
الآية في آخرها.
طالب: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال: ٦٤].
الشيخ: ما
معناها؟ ويش معناها؟
طالب: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ، يعني حسبك من
اتبعك من المؤمنين، هذا القول الراجح.
الشيخ: والحسب
بمعنى.
طالب: الكافي.
الشيخ: بمعنى الكافي، زين، ومن اتبعك يعني وحسب من اتبعك، هذا هو
القول الراجح.
طالب: الخامسة تفسير آية الطلاق.
الشيخ: ما هي؟
طالب:
تفسير آية الطلاق.
الشيخ: نعم.
طالب: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق: ٣].
الشيخ: نعم
وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق: ٣] ما معناها؟
طالب: يعني أن من توكل على
الله فهو كافيه.
الشيخ: فالله تعالى يكفيه، والتوكل
معروف أنه الاعتماد على الله..
طالب: في جلب المنافع
ودفع المضار مع فعل الأسباب المأذون فيها صدق الاعتماد.
طالب: السادسة: عظم شأن هذه الكلمة وأنها قول إبراهيم ومحمد
صلى الله عليه وسلم في الشدائد.
الشيخ: ما هي
الكلمة؟
طالب: حسبنا الله ونعم الوكيل.
الشيخ: حسبنا الله ونعم الوكيل، فيه أيضًا مسائل في الباب غير
اللي ذكرها المؤلف.
طالب: المسائل دي من الفوائد يا
شيخ؟
الشيخ: إي، هي معنى الفوائد، في مسائل أيضًا:
زيادة الإيمان؛ لقوله: فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا [التوبة: ١٢٤]، وكذلك أيضًا في آية الأنفال: وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا [الأنفال: ٢] فيه أيضًا: أنه
عند الشدائد ينبغي للإنسان أن يعتمد على ربه جل وعلا، يتبرأ من حوله وقوته ويعتمد
على ربه، لكن مع فعل الأسباب أيضًا؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه قالوا
ذلك عندما قيل له: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ [آل عمران: ١٧٣]، ولكنهم فوضوا الأمر إلى الله وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آل عمران: ١٧٣] فالشيء الذي يمكنك أن تفعل أسبابه افعله، والذي لا يمكن فوضه إلى ربك، ولكن
اصدق الاعتماد عليه فإنه يكفيك.
***
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب قول الله تعالى: أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ [الأعراف: ٩٩]) قوله: أَفَأَمِنُواالضمير يعود على أهل القرى؛ لأن الآية قبلها آيات أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ [الأعراف: ٩٧] آمنون ولَّا لا؟ هم آمنون؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، قصدي وهم نائمون، الجملة الحالية هذه تدل على أمنهم في بلادهم.
طالب: نعم.
الشيخ: نعم؛ لأن الخائف لا ينام أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُون [الأعراف: ٩٨] أيضًا تدل على كمال الأمن والرخاء وعدم الضيق؛ لأنهم لو كان عندهم ضيق في العيش لذهبوا يطلبون العيش، ما صاروا في الضحى في رابعة النهار يلعبون، فلولا أنهم في رخاء كامل ورزق ورغد ما صاروا يلعبون في الضحى أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ [الأعراف: ٩٩]، والاستفهامات هنا كلها للإنكار والتعجب من حال هؤلاء، للإنكار والتعجب، هم نائمون وفي رغد وهم مقيمون على معاصي الله واللهو، ذاكرون لترفهم، غافلون عن ذكر خالقهم، ولهذا في الليل نوم ولَّا تهجد؟ نوم، وفي النهار لعب، هذه حالهم والعياذ بالله، فبيَّن الله عز وجل أن هذا من مكرِه بهم، ولهذا قال: أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ [الأعراف: ٩٩]، وهذا كما قلت للتعجب والإنكار، ثم ختم الآية بقوله: فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ [الأعراف: ٩٩] الذي ينعم الله عليه بالنعم والرغد والترف يظن أنه رابح، وهو في الحقيقة خاسر، ولهذا قال: فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ، فلا تظن أن الله إذا أنعم عليك النعم من كل ناحية أطعمك من جوع، وآمنك من خوف، وكساك من عري، لا تظن أنك رابح وأنت مقيم على معصيته، بل أنت خاسر، ولهذا قال: فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ، هذا معنى الآية.
وقوله: أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُهذا الاستثناء ويش هو له؟ استثناء أيش؟ للحصر؛ وذلك لأن ما قبله مفرغ له أو لا؟ فالجملة لم تستوف أركانها، الجملة اللي قبل (إلا) لم تستوف أركانها، ويش باقٍ فيها؟ باقٍ الفاعل، فالقوم فاعل، والخاسرون صفتهم قوله تعالى: أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ، ما معنى الأمن من مكر الله؟ الأمن من مكر الله الإقامة على معصيته مع وفور نعمه، هذا الأمن من مكر الله، لو طبقنا هذه الآية على كثير من أحوال الناس اليوم نجدها منطبقة تمامًا، تجدهم والعياذ بالله نائمين في فرشهم عن صلاة الفجر، تجدهم لاعبين في ضحاهم عن ذكر مولاهم، حتى الصلوات الفرائض ما يصلونها والعياذ بالله، لا يصلونها.
وأظن أني حدثتكم حديثًا بلغني عن طريق الهاتف أن أهل بيت كانوا –والعياذ بالله- على غاية ما يكون من الاستكبار، وكان من بينهم شاب أصلحه الله، صالح، يقيم الصلاة ويمشي مع أهل الخير، وهم ينهونه فلا ينتهي؛ لأنه قد شب وكبر، أما الصغار الذين دونه فإنهم يزجرونهم إذا صلوا ويوبخونهم على عمل الخير، هذا الشاب ماذا يفعلون به، فزين لهم الشيطان أن يبتعثوه إلى بلاد خارجية كافرة، فزينوا ذلك له، فانبعث وبقي هناك سنتين، فلما جاء وإذا هو قد أتى بقلب غير ما ذهب به فسد، فقالوا: هذا الذي نريد، هؤلاء يقول هذا الذي بلغني: إنهم من أغنى أهل البلد الذي هم فيه، أغنياء، أثرياء، هؤلاء لا شك أنهم داخلون في الآية، أمنوا مكر الله فهم خاسرون والعياذ بالله، وهكذا كل من أنعم الله عليه بالنعم وهو مقيم على معصيته، فإنه آمن مكر الله؛ لأن الله استدرجه من حيث لا يعلم، وأملى له من حيث لا يعلم، وكاد له من حيث لا يعلم.
وفي قوله عز وجل: أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِدليل على أن لله تعالى مكرًا، والمكر ما هو؟ المكر هو التوصل إلى الإيقاع بالخصم من حيث لا يشعر، هذا المكر عرفتم يتوصل إلى الإيقاع به يعني بتلفه أو ضرره أو نقصه أو ما أشبه ذلك، المهم توقع به شيئًا من حيث لا يشعر؛ لأنه إذا شعر ما صار مكر، ومنه ما جاء في الحديث: «الْحَرْبُ خَدْعَةٌ» ، ويقال: إن علي بن أبي طالب لما خرج إلى مبارزة عمرو بن عبد ود والتقيا صرخ به علي رضي الله عنه فقال: ما خرجت لأبارز رجلين، فالتفت عمرو يحسب أن جاي يلاحظه واحد ثانٍ، لما التفت انتهز علي الفرصة فقطع رأسه.
هذا مكر ولَّا لا؟ إي نعم مكر، لكن جائز؛ لأن هذا الرجل ما خرج إلا ليقتله نعم، فأراد أن يخدعه فخدعه بهذا، فالحاصل أن المكر في الأصل التوصل إلى الإيقاع بالخصم من حيث لا يشعر.
فإذا قال قائل: كيف يُوصَف الله بالمكر مع أن المكر في ظاهره مذموم؟
فالجواب على ذلك أن يقال: إن المكر في محله محمود، يدل على قوة الماكر، وإنه غالب على خصمه، فالمكر في موضعه لا شك أنه محمود، وأنه من صفات الكمال، ولهذا ما يُوصَف الله به عز وجل على سبيل الإطلاق، ما يجوز أن تقول: إن الله ماكر، ولا يجوز أن تقول: إن من أسماء الله الماكر مثلًا، فلا تصفه بالمكر على الإطلاق، ولا تسمِّه بالماكر، وإنما تذكر هذه الصفة في مقام تكون فيه مدحًا، مثل قوله تعالى: وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ [الأنفال: ٣٠]، وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ [النمل: ٥٠] وهكذا مثل هذه الآية أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ.
وعلى هذا فالمكر من الصفات التي لا يُوصَف الله بها على سبيل الإطلاق، ولا تُنفَى عنه على سبيل الإطلاق، بل إنها في المقام الذي تكون فيه مدحًا يوصَف بها، وفي المقام الذي لا تكون مدحًا لا يوصف بها، بخلاف الخيانة، الخيانة ما يوصف الله بها مطلقًا؛ لأن الخيانة ذم بكل حال؛ إذا إنها مكر في موضع الائتمان، والمكر في موضع الائتمان مذموم ولَّا محمود؟ مذموم، ولهذا قال الله عز وجل ذلك بأنهم خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ [الأنفال: ٧١] ولا قال: فخانهم خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ، أما الخداع قال: يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ [النساء: ١٤٢].
والحاصل أن المكر من الصفات التي لا يوصف الله بها على الإطلاق، ولا تُنفى عنه على الإطلاق، بل يوصف بها حيث تكون مدحًا، وتُنفى عنه حيث تكون ذمًّا.
وقوله سبحانه وتعالى: أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ [الأعراف: ٩٩] السؤال الآن: هل المكر من الصفات الذاتية أو الفعلية؟
طالب: الفعلية.
الشيخ: الفعلية نعم؛ لأنها تتعلق بمشيئته.
يستفاد من هذه الآية الكريمة: الحذر من النعم التي يجلبها الله للعبد؛ لئلا تكون استدراجًا؛ لأن كل نعمة فلله عليك فيها وظيفة، ما هي الوظيفة؟ الشكر، وهو القيام بطاعة المنعم، فإذا لم تقم بطاعة المنعم مع توافر النعم عليك فاعلم أن هذا من مكر الله، فاحذر.
طالب: (...) من صفات الله محمود، وفي غير الله مذموم، ما يصير المكر مثله؟
الشيخ: لا، المكر ليس مثله؛ لأن المكر يقع من بني آدم.
طالب: محمود، حتى من بني آدم.
الشيخ: إي نعم، محمود من بني آدم إذا كان في محله، فمثلًا ما ذكر عن علي بن أبي طالب يعتبر محمودًا، لا شك فيه، كل ما وقع فإنه محمود، الرسول صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد غزوة ورى بغيرها لئلا يعلم به أعداؤه، إلا في غزوة تبوك كما هو معروف، فالحاصل أن المكر صفة مدح في مقامها.
طالب: بس ما تعد مكرًا.
الشيخ: كيف ما تعد مكرًا إذا كان هناك قوم منابذون لهؤلاء الجماعة، وخرجوا يريدونهم، ولكن ما أخبروا أحدًا، قالوا: نريد مثلًا جهة أخرى؛ لأن هؤلاء يتوقعون أنهم يأتونهم، فهي نوع من المكر، صحيح أن فيه المكر؛ لأنهم ما هم أمامك لكنها نوع منه.
طالب: من قال: إنها هذه خاصة بالقتال في مكة؛ لأنه ما يبغي الرسول صلى الله عليه وسلم أن ينحصر القتال في مكة له وجه؟
الشيخ: أيها؟
طالب: التورية، وإنه ما أراد أن أحدًا..
الشيخ: لا، حديث كعب بن مالك كان إذا أراد غزوةً ورَّى بغيرها، إلا في تبوك، أما في غزوة الفتح فإن الرسول عليه الصلاة والسلام سأل الله دعا أن الله يعمي الأخبار عن قريش حتى يبغتها في بلادها.
طالب: بالنسبة للخيانة (...) لأن الخدعة في مقام (...) يشبه نسبتها إلى الله، الآية: خَانُوا اللَّهَ [الأنفال: ٧١] لأن الله ما يمكن يكون في مقام الائتمان.
الشيخ: لا، هو كل بني آدم ائتمنهم الله على العهد، فالعهد الذي يكون بينهم وبين الرسول صلى الله عليه وسلم لا شك أن هذا ائتمان، فالأصل أن من عقدنا معه عهدًا الأصل أننا أمناه على ذلك، وإلا لما عقدنا معه عهدًا. ولهذا حتى الذين عقد معهم العهد إذا خفنا منهم الخيانة نبذنا إليهم عهدهم وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ [الأنفال: ٥٨].
طالب: إي، بس إذا أرادوا أن ينقضوا علم الله.
الشيخ: إي، يعلم، ولهذا لما علم أمكن منهم، وخيانتهم لله عز وجل ما هي بخيانة لله نفسه، لكن خيانة للرسول عليه الصلاة والسلام.
طالب: لنتخلص من الإشكال ننسبه إلى الرسول.
الشيخ: نقول: إن هذه الخيانة لما كانت خيانة لرسول الله صلى الله عليه وسلم كانت خيانة لله، مثلما أن مبايعة الصحابة للرسول كانت مبايعة لله عز وجل.
إذن اللي صار في هذه الآية تحريم الأمن من مكر الله، وجه الدلالة أن الله تعالى صاغ هذه الجملة بصيغة الاستفهام الدالة على الإنكار والتعجب، هذا وجه، والوجه الثاني قوله: فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ [الأعراف: ٩٩] إذن ما الذي يعلمني أن هذه النعم مكر أو ليست بمكر؟
طالب: إذا كانت لم أؤدِّ شكرها فهمت أنها مكر.
الشيخ: صح، إذا كان لم يؤدِّ شكرها فهي مكر، إذا كان يؤدي شكرها فهي نعم ومنح.
ثم قال: (وقوله: وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ [الحجر: ٥٦]) شوف الآمن من مكر الله غلب عليه جانب الرجاء، إن صح هذا التعبير، لكنه ما اهتدى، وظن أن النعم ستدوم، أما الثاني وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ [الحجر: ٥٦] نشوف الكلام على ألفاظه: من يقنط: (من) اسم استفهام وليست شرطية؛ لأن الفعل بعدها مرفوع، ولو كانت شرطية لجزم، ثم إنها لم تستكمل الجواب.
وقوله: وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِما معنى القنوط؟
القنوط قال أهل العلم: إنه أشد اليأس، فاليأس له درجات، إذا بلغ الدرجة العليا سُمي قنوطًا؛ لأن الإنسان يقنط ويستحسر ويبعد الرجاء والأمل.
وقوله: مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِهذه رحمة، مضاف إلى الفاعل، ومفعولها محذوف، والتقدير من رحمة ربه إياه. وقوله: إِلَّا الضَّالُّونَ(إلا) أداة حصر؛ لأن الاستفهام في قوله: وَمَنْ يَقْنَطُمراد به النفي، ولهذا نقول: (إلا) أداة حصر، و(الضالون) فاعل (يقنط)، يعني: لا يقنط من رحمة الله إلا الضالون. الضال بمعنى فاقد الهداية التائه الذي لا يدري ما يجب لله عز وجل من أنه سبحانه وتعالى قريب الغِيَر، ولهذا جاء في الحديث «عَجِبَ رَبُّنَا مِنْ قُنُوطِ عِبَادِهِ وَقُرْبِ غِيَرِهِ» ينظر إليكم أزلين قنطين فيظل يضحك، يعلم أن فرجكم قريب.
أما معنى الآية فإن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما بشره الملائكة بغلام عليم قال لهم: أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ [الحجر: ٥٤] يعني أنه عليه الصلاة والسلام استبعد أن يكون الولد وقد بلغ الكبر، وامرأته كذلك كانت عاقرًا كبيرة، فاستبعد ذلك وقال: فَبِمَ تُبَشِّرُونَ، يعني: هل تبشرونني بأمر محقق وواقع، فأنا أستبعد ذلك، قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ، يعني بالصدق الذي لا بد أن يقع فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ [الحجر: ٥٥] يعني لا تستبعد رحمة الله عز وجل، ولا تيئس من رحمة الله، فإن الله تعالى على كل شيء قدير، وكم من إنسان بلغ من الكبر عتيًّا لم يرزق أولادًا، فرزقه الله عز وجل، فلهذا لا يجوز للإنسان أن يقنط من رحمة الله، فقال لهم: وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ [الحجر: ٥٦]، يعني: وأنا والحمد لله مهتدٍ وعالم، لكن أريد أن أتحقق من الأمر وأزداد يقينًا وطمأنينة.
وهذا مثل قول زكريا عليه الصلاة والسلام، ويش قال زكريا لما بشره الله عز وجل: قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا [آل عمران: ٤١]، فهذا لا ينافي اليقين لكنه يراد به زيادة الطمأنينة؛ كقول إبراهيم: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة: ٢٦٠].
إذن فهمنا أن القنوط من رحمة الله لا يجوز، وأنه ضلال؛ وذلك لأنه سوء ظن بالله عز وجل، سوء ظن بالله من جهتين: الجهة الأولى أنها طعن في قدرته؛ فإن من علم أن الله على كل شيء قدير لم يستبعد شيئًا على قدرة الله، والثاني أنها طعن في رحمته؛ لأن من علم أن الله سبحانه وتعالى رحيم ما يستبعد أن يرحمه الله عز وجل، فلهذا كان القانط ضالًّا، القانط من رحمة ربه ضال.
فإذا قال قائل: ما هو القنوط من رحمة الله؟
قلنا: هو أشد اليأس، بحيث يستبعد الإنسان حصول مطلوبه أو كشف مكروبه، يعني القنوط يدور على أمرين؛ يستبعد الإنسان حصول مطلوبه أو كشف مكروبه، يدور على هذا القنوط، يدور على هذا الأمر، فأنت لا تستبعد يا أخي أن يأتي الله بمطلوبك ولا تستبعد أن يكشف الله مكروبك، فكم من إنسان وقع في كربة وظن أنه لا نجاة له منها فكشف الله تعالى كربته؛ إما بعمل سابق له أو بعمل لاحق، العمل السابق مثلما وقع ليونس، يونس وقع في بطن الحوت في ظلمات البحر، قال الله عز وجل: فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُون [الصافات: ١٤٣، ١٤٤]، هذا نجا بعمل سابق، والذين نجوا بعمل لاحق كثير؛ كدعاء الرسول صلى الله عليه وسلم على الأحزاب ليلة الأحزاب، ودعائه في بدر، هذا أُنجوا بعمل لاحق، وهو الدعاء، وكذلك أصحاب الغار الذين انطبق عليهم الغار، فإنهم لهم أعمال صالحة لكنها ما دفعت عنهم هذه الأعمال الصالحة، حتى دعوا الله بها وتوسلوا بها إلى الله سبحانه وتعالى.
طالب: تسبيح يونس ما هو نفس الحال يا شيخ؟
الشيخ: لا، أعم، كان في الماضي كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ.
طالب: من قوله، قال: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِين [الأنبياء: ٨٧].
الشيخ: إي، هذه منها، لكنها تدل على الماضي، ولهذا لما قال: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ [الأنبياء: ٨٧، ٨٨]، فأتى بالفاء الدالة على الترتيب والتعقيب وأن هذا أعقب تسبيحًا، لكن (كان) الدالة على الماضي تدل على أن هذا شيء سابق، الآن نقول: ما هو القنوط أشد اليأس، ويكون فيه استبعاد حصول المطلوب أو كشف المكروب، وكل ذلك محرم، والواجب على الإنسان أن يحسن الظن بالله إذا وجد معه سبب إحسان الظن.
طالب: إذا كان (...).
الشيخ: التي أيش؟
طالب: التي ما جرت العادة (...).
الشيخ: مثل أيش؟
طالب: (...).
الشيخ: لا؛ لأن هذا أصلًا ما فيه رجاء حتى ييئس، يعني ما فيه رجاء حتى ييئس، فلهذا ما نقول، أو مثلًا إنسان مات ما يمكن يرد؛ لأن هذا ما فيه رجاء حتى نقول: إنك يئست وقنطت، فتبين الآن أن المؤلف رحمه الله أراد في هذا الباب أن يكون الإنسان جامعًا بين الخوف، فلا يأمن مكر الله، وبين الرجاء، فلا يقنط من رحمته؛ لأن القنوط من رحمة الله يستحسر به الإنسان ولا يدعو، وتضيق عليه الدنيا، وربما والعياذ بالله يكفر، خصوصًا الذي يعبد الله على حرف؛ إن أصابه خير اطمأن به، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه، والأمن من مكر الله يوجب للإنسان أن يطغى ويزيد، ويرى أنه استغنى، ولا يبالي بإضاعة حق الله، فكل منهما على طرفي نقيض، والإنسان يجب أن يكون بين الخوف والرجاء؛ فلا يأمن مكر الله ولا يقنط من رحمته، القنوط من رحمته ثلم في جانب الرجاء أو لا؟ والأمن من مكره ثلم في جانب الخوف، وأنا أقول لكم: إن أعمال القلوب أشد من أعمال الجوارح، أعمال الجوارح يستطيع الإنسان بكل سهولة أنه يعدلها، يستطيع الإنسان مثلًا في الصلاة أن يقف ولا يتحرك وأن يرفع يديه عند تكبيرة الإحرام وعند الركوع وعند الرفع منه وأن يركع (...) الظهر، إلى آخر ما تعرفون من صفات الصلاة، ما هو يستطيع وبكل سهولة، لكن أعمال القلوب من المحبة لله والتعظيم له والخوف منه والرجاء له، هذا أمر صعب جدًّا جدًّا، حتى إن بعض السلف يقول: ما عالجت نفسي على شيء معالجتها على الإخلاص اللي هو لب العبادة، الواحد منا يرى أنه ما شاء الله أكمل الناس؛ إخلاص وتوكل وما أشبه ذلك، لكن لو ينظر يلتفت قليلًا وجد أن القلب كله خروق، يحتاج إلى من يرقعه.
فأعمال القلوب أنا أحثكم ونفسي، أو أبدأ بنفسي في الحقيقة على اعتبارها وملاحظتها دائمًا، وأظن والله أعلم أن الله ما شرع الطاعات إلا كالسور للحديقة حماية للأصل الذي هو القلب؛ لأن الطاعات بمنزلة السور تحفظ القلب، فإذا اعتنى الإنسان بالسور لكن أهمل الحديقة ويش الفائدة؟
فلهذا يجب علينا أننا نعتني بأعمال القلوب اعتناء كاملًا، ثم إن هذا المقام -أعني جانب الخوف والرجاء- تقدم الكلام عليه وأن أهل العلم اختلفوا؛ هل يغلب جانب الرجاء أو جانب الخوف، فمنهم من قال: يغلب جانب الرجاء، ومنهم من قال: يغلب جانب الخوف، ومنهم من قال: يجب أن يكونا سواء، وإنهما للإنسان في سيره إلى ربه بمنزلة الجناحين للطائر، إذا انكسر أحدهما سقط الطائر.
ومنهم من قال في حال الصحة: تغلب جانب الخوف حتى تستقيم، وفي حال المرض تغلب جانب الرجاء؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللهِ» .
ومنهم من فرق بين فعل الطاعة والمعصية فقال: إذا فعلت الطاعة فغلب جانب الرجاء؛ لأنك فعلت ما أُمرت به، وما بقي إلا فضل الله وثوابه، وإذا هممت بالمعصية فغلب جانب الخوف حتى ترتدع عنها.
وعلى كل حال الإنسان في الحقيقة طبيب نفسه، ما دام أنه فطن وكيس وحازم ويتدبر قلبه دائمًا فهو طبيب نفسه، يستطيع أن يسير إلى الله عز وجل على ما يكون صلاحًا له، ولا يستطيع الإنسان أن يجعل من هذا الأمر قاعدةً عامة، فإن بعض الناس قد لا يصلحه إلا الخوف مطلقًا، بعضهم قد لا يصلحه إلا الرجاء مطلقًا، فلكل مقام مقال، ولكنه في الأصل نذهب إلى ما ذهب إليه الإمام أحمد، قال: ينبغي أن يكون خوفه ورجاؤه واحدًا، فأيهما غلب هلك صاحبه، وهو ظاهر كلام المؤلف أيضًا، ظاهر صنيع المؤلف رحمه الله شيخ الإسلام ابن عبد الوهَّاب، ظاهر صنيعه أيضًا أنه يكون خوفه ورجاؤه واحدًا؛ لأنه جمع بين الآيتين.
طالب: حتى لو كان (...) ممكن (...).
الشيخ: لا، لا بد، بس أيهما أغلب، لا بد إذا لم يخف وقع في المعصية، فلا بد من الخوف، ولا بد من الرجاء أيضًا.
طالب: هذا الباب يشمل بابين.
الشيخ: هذا باب الخوف والرجاء (وعن ابن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الكبائر)، وفي هذه الآية ما أخذنا منها من الفوائد؟
طالب: اليأس يا شيخ.
الشيخ: وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ [الحجر: ٥٦] فيها إثبات الرحمة لله، وهي صفة حقيقية على الوجه اللائق بالله، وليس معناها الإحسان أو إرادة الإحسان، بل الإحسان وإرادته من آثار الرحمة.
قال: (وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئل عن الكبائر) الكبائر جمع كبيرة، والمراد بها المعاصي الكبائر، وهذا السؤال يدل على أن الذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر. وقد دل على ذلك كتاب الله أيضًا، حيث قال الله تعالى: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ [النجم: ٣٢]، وقال سبحانه وتعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُم [النساء: ٣١]، وهذا أمر لا ريب فيه؛ أن الذنوب تنقسم إلى قسمين؛ كبائر وصغائر، ونفس الكبائر أيضًا ليست في درجة واحدة، بعضها أكبر من بعض، فهنا جنس وهنا نوع الجنس، هو أن المعاصي على سبيل العموم جنسان؛ كبائر وصغائر، والنوع أن الكبائر بعضها أكبر من بعض، والصغائر أيضًا بعضها أصغر من بعض.
الكبائر اختلف العلماء فيها هل هي محدودة أو معدودة، فقال بعضهم: إنها معدودة، وصار يعددها ويتتبع النصوص الواردة في ذكر الكبائر، ويكتب ما ورد أنه كبيرة، وقال بعض العلماء: إنها محدودة بحد، لا بعدٍّ، ورأيت لشيخ الإسلام كلامًا حدها فيه فقال: كل ما رُتب عليه عقوبة خاصة فهو من كبائر الذنوب، سواء كانت العقوبة هذه في الدنيا أو في الآخرة، وسواء كانت العقوبة بفوات محمود أو بحصول مذموم. المهم كل ذنب رُتب عليه عقوبة خاصة فهو من الكبائر، وهذا واسع جدًّا؛ لأنه يشمل ذنوبًا كثيرة. ووجه ما قال رحمه الله أنه يقول: المعاصي قسمان: قسم نُهي عنه فقط، ولا ذكر عليه وعيد، فعقوبة هذا تأتي بالمعنى العام للعقوبات، يعاقب عقوبة عامة، وهذه المعصية مكفرة ولّا لا؟ مكفرة بفعل الطاعات؛ كما جاء في الحديث الصحيح «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ مَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ» ، وكما جاء أيضًا في «الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا» ، وكذلك أيضًا في الوضوء يكفر الله به الخطايا وغير ذلك، هذه نعتبرها صغائر، أما ما رُتب عليه عقوبة خاصة؛ مثل لعن فاعله، أو ذكر أن الله يغضب عليه، أو كان فيه حد في الدنيا، أو كان فيه تبرؤ من فاعله، أو نفي الإيمان عنه، أو ما أشبه ذلك، المهم أنه ذكر له عقوبة خاصة؛ فإنه يُعتبَر من الكبائر.
لكن الكبائر تختلف، بعضها أكبر من بعض، منها كبائر فواحش، ومنها كبائر دون ذلك، هذه هي الكبيرة.
سئل الرسول صلى الله عليه وسلم عن الكبائر، والسائل عن الكبائر يا إخواننا ليس قصده أن يعرف ما هي الكبيرة فقط، قصده أن يعرفها لماذا؟ ليتجنبها، خلافًا لحال كثير من الناس اليوم، يسألون عن الأشياء لأجل العلم فقط، ولذلك نقصت بركة علمهم، حيث إنهم لا يريدون إلا أن يعرفوا ذلك نظريًّا، أما عمليًّا وتطبيقًا فإن هذا قليل جدًّا في كثير من الناس اليوم، وهم كما قال ابن مسعود رضي الله عنه قراء، وليسوا فقهاء، القراء كثير، لكن الفقهاء قليل، فالصحابة يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عن المسائل لأجل أن يأخذوا بها؛ إن كانت طلبًا فعلوه، وإن كانت نهيًا اجتنبوه، فقال صلى الله عليه وسلم: «الشِّرْكُ بِاللهِ» ولا شك أن الشرك أكبر الكبائر؛ لأن أعظم (...).
حتى تسخير الأم والأب لك منين؟ من الله عز وجل، هو الذي أمدك بهذا الأكل والشرب واللباس والمسكن، كل ذلك من الله، هو الذي أمدك به، فالإيجاد والإعداد والإمداد كله من الله، وهو أصل وجودك وبقائك (...) يخشى على العبد من خلقين ذميمين:
أحدهما: أن يستولي عليه الخوف حتى يقنط من رحمة الله وروحه.
والثاني: أن يتجارى به الرجاء حتى يأمن مكر الله وعقوبته، فمن بلغت به الحال إلى هذا، فقد ضيع واجب الخوف والرجاء اللذين هما من أكبر أصول التوحيد وواجبات الإيمان. هذا الشاهد الأخير هو اللي فيه الفائدة.
وللقنوط من رحمة الله واليأس من روحه سببان محذوران:
أحدهما: أن يسرف العبد على نفسه ويتجرأ على المحارم فيصر عليها ويصمم على الإقامة على المعصية، ويقطع طمعه من رحمة الله؛ لأجل أنه مقيم على الأسباب التي تمنع الرحمة، فلا يزال كذلك حتى يصير له هذا وصفًا وخلقًا لازمًا، وهذا غاية ما يريده الشيطان من العبد، ومتى وصل إلى هذا الحد لم يُرْجَ له خير إلا بتوبة نصوح وإقلاع قوي.
الثاني: أن يقوى خوف العبد بما جنت يداه من الجرائم، ويضعف علمه بالله من واسع الرحمة والمغفرة، ويظن بجهله أن الله لا يغفر له ولا يرحمه ولو تاب وأناب، وتضعف إرادته فييئس من الرحمة، وهذا من المحاذير الضارة الناشئ عن ضعف علم العبد بربه، وما له من الحقوق، ومن ضعف النفس وعجزها ومهانتها، فلو عرف هذا ربه ولم يخلد إلى الكسل، لعلم أن أدنى سعي يوصله إلى ربه، وإلى رحمته وجوده وكرمه.
وللأمن من مكر الله أيضا سببان مهلكان:
أحدهما: إعراض العبد عن الدين وغفلته عن معرفة ربه وما له من الحقوق، وتهاونه بذلك، فلا يزال معرِضًا غافلًا مقصرًا عن الواجبات، منهمكًا في المحرمات، حتى يضمحل خوف الله من قلبه، ولا يبقى في قلبه من الإيمان شيء؛ لأن الإيمان يُحمل على خوف الله وخوف عقابه الدنيوي والأخروي.
السبب الثاني: أن يكون العبد عابدًا جاهلًا معجَبًا بنفسه مغرورًا بعمله، فلا يزال به جهله حتى يضل بعمله ويزول الخوف عنه، ويرى أن له عند الله المقامات العالية، فيصير آمنًا من مكر الله، متكلًا على نفسه الضعيفة المهينة، ومن هنا يُخذَل ويُحال بينه وبين التوفيق؛ إذ هو الذي جنى على نفسه، فبهذا التفصيل تعرف منافاة هذه الأمور للتوحيد.
اليأس من رحمة الله حكمه؟
طالب: حرام لا يجوز.
الشيخ: من أي أقسام الذنوب الصغائر ولَّا الكبائر؟
طالب: من الكبائر.
الشيخ: من الكبائر نعم، اليأس من روح الله ثمرته ونتيجته أن الإنسان يستحسر ولا يعمل الأسباب النافعة؛ لأنه آيس، ولهذا إن استولى عليه اليأس والعياذ بالله وقف مكانه لا يتقدم إلى الخير، ولا يحاول أن يتخلص من الشر، لكن إذا كان عند الإنسان قوة ورجاء وعمل بالأسباب حصل له الخير الكثير، أما الأمن من مكر الله فإن ثمرته أن يستمر الإنسان على معصيته وعلى تفريطه في الواجبات؛ لأنه آمن من أن الله سبحانه وتعالى يمكر به، فتجده مصرًّا على ما هو عليه، فالفرق بينهما إذن أن الأول يائس من رحمة الله تعالى، قانط، جاهل بربه، والثاني أيضًا مدل على ربه بعمله، معجب به، يرى أن هذه النعم أعطاه الله إياها لأنه كفء لها، ولا (...) فكلا الأمرين لا شك أنه مناف للتوحيد؛ لأنه سوء ظن بالله سبحانه وتعالى، أو جهل به، وكلاهما مما ينافي التوحيد. وأظننا قرأنا حديث ابن عباس.
طالب: ليس كاملًا.
الشيخ: (سئل عن الكبائر فقال: «الشِّرْكُ بِاللهِ» ) الشرك بالله هنا مُطلَق، ما قُيد؛ فإما أن يراد به الشرك الأصغر والأكبر، وهو ظاهر الإطلاق، وإما أن يُراد به الشرك الأكبر فقط، والظاهر أن المراد به الشرك الأصغر والأكبر؛ لأن الشرك الأصغر أكبر من الكبائر؛ قال ابن مسعود رضي الله عنه: لأن أحلف بالله كاذبًا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقًا ؛ وذلك لأن سيئة الشرك أعظم من سيئة الكذب، فدل هذا على أن الشرك من الكبائر مطلقًا، والشرك بالله يتضمن الشرك بربوبيته أو بألوهيته أو بأسمائه وصفاته.
الثاني: «الْيَأْسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ»، الروح قريب من معنى الرحمة، وهو الفرج والتنفيس، ييئس الإنسان من روح الله، أي: من فرجه وتنفيسه، فتجده قانطًا لا يتجه إلى ربه، ولا يسأله؛ لأنه آيس والعياذ بالله، واليأس ليس معه عمل، فهو من كبائر الذنوب؛ لأنه ينتج عليه نتائج سيئة.
ثالثا: «الْأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللهِ» بحيث يبقى الإنسان على معصية ربه مع استدراجه إياه بالنعم وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ [الأعراف: ١٨٢، ١٨٣].
فالمهم أن الأمن من مكر الله من كبائر الذنوب، هذه ثلاثة، وقوله: (سئل عن الكبائر فقال) كذا ظاهر الجواب والسؤال أن هذا على سبيل الحصر، وليس كذلك؛ لأن هناك كبائر غير هذه، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم يجيب كل سائل بما يناسب حاله، فلعله عليه الصلاة والسلام رأى أن هذا السائل عنده شيء من الأمن من مكر الله، أو اليأس من روح الله، فأراد أن يبين له ذلك.
وهذه مسألة ينبغي أن يتفطن لها الإنسان فيما يأتي من النصوص الشرعية مما ظاهره التعارض، بحيث يحمل كل واحد منها على الحال المناسبة؛ لئلا يقع التعارض بين كلام الله ورسوله، أو في كلام الله ورسوله، فيحمل كل شيء على حاله.
فإذا قال قائل: الكبائر أكثر من هذه قلنا: نعم، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام قد يجيب السائل بحسب ما تقتضيه حاله.
ثم قال: (وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: أكبر الكبائر الإشراك بالله ) لا شك في هذا أن الإشراك بالله أكبر الكبائر؛ لأنه انتهاك لأعظم الحقوق، وهو حق الله عز وجل الذي أوجده وأعده وأمده، فلا أحد أكبر عليك نعمة من الله عز وجل، فإذا أشركت به في حقه الخاص فإن هذا أكبر الكبائر.
ثانيا: الإشراك بالله والثالث (الأمن من مكر) الله، وقد سبق تفسيره، وهو استمرار الإنسان على معصية الله مع وفور النعمة عليه، (والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله) . القنوط من رحمة الله تقدم أن القنوط أشد اليأس؛ كما قاله أهل اللغة، وأما الرحمة فالمراد بها أن الإنسان يقنط من أن الله يرحمه، ويستبعد رحمة الله سبحانه وتعالى، وهذا من الكبائر؛ لِمَا يقتضيه من سوء الظن به جل وعلا.
أما اليأس من روح الله فقد قلنا: إن المعنى استبعاد الإنسان فرج الله تعالى وتنفيسه، فيكون هذا خاصًّا بإزالة الكروب على كلام ابن مسعود؛ لأجل ألا يتكرر الكلام. والقنوط هو أن يستبعد الإنسان حصول المطلوب، وإنما لجأنا إلى ذلك لئلا يكون في كلام ابن مسعود تكرار، فنقول: اليأس من روح الله استبعاد زوال المكروه، والقنوط استبعاد حصول المطلوب، هذا في كلام ابن مسعود؛ لئلا يحصل التكرار في كلامه، وإذا أمكن أن يحمل الكلام على التأسيس فهو أولى من أن يكون على سبيل التأكيد.
خلاصة الباب الآن أن السائر إلى الله سبحانه وتعالى يعتريه شيئان يعوقانه عن الوصول إلى ربه، وهما الأمن من مكر الله، والقنوط من رحمته، فإذا أُصيب بالضراء، أو فاتت عليه الأمور التي يحب تجده إن لم يتداركه الله يستولي عليه القنوط، فيستحسر ويستبعد الفرج، ولا يسعى بأسبابه، وأما الأمر الثاني فهو الأمن من مكره، فالإنسان المقيم على معصية الله مع إغداق النعم عليه تجده يعجب بنفسه، ويرى أنه على حق، ويقول: لا، لولا أني على حق ما أغدق الله علي النعمة؛ لأن الله يقول: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ [الأعراف: ٩٦]، فكون الله سبحانه وتعالى يعطيني دليلًا على أنه راضٍ عني، فيدل بعمله على ربه، ويرى أنه الرجل القائم بطاعة الله، المتجنب لمعصيته، وهذا صحيح لو كان الإنسان على هذا الوصف، لكن إذا كان على معصية الله فلا ريب أن النعم استدراج من الله سبحانه وتعالى ومكر به.
يقول: (فيه مسائل: الأولى تفسير آية الأعراف) وهي أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ [الأعراف: ٩٩] وسبق.
(الثاني: تفسير آية الحجر) قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ [الحجر: ٥٦].
(الثالثة: شدة الوعيد فيمن أمن مكر الله) من أن نأخذها؟
طالب: قوله تعالى: أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِوالحديثين.
الشيخ: أو الحديثين؛ أنه من أكبر الكبائر.
(الرابعة: شدة الوعيد في القنوط)، وهو أيضًا مأخوذ من الأحاديث التي ذكرها المؤلف.
ثم قال: (باب من الإيمان)..
طالب: ما يؤخذ من الآية يا شيخ، من آية الأعراف.
الشيخ: شدة الوعيد.
طالب: الأمن.
الشيخ: الأمن من مكر الله يمكن يؤخذ من الآية ومن (...) أيضًا القنوط أنه ضال.
طالب: التعريف (...)، وهي ما رتب عليه عقوبة دنيوية أو توعد بنفي الإيمان أو..
الشيخ: لا، ما رُتب عليه عقوبة خاصة.
طالب: خاصة دنيوية أو أخروية، أو توعد بنفي الإيمان، يعني هل يسع الإنسان أنه يجزم به، وهو ما فيه نص نبوي في ذلك؟
الشيخ: لا، يعرف أن اللي رُتب عليه عقوبة خاصة أعظم مما لم يرتَّب عليه بلا شك، هذا يقين؛ لأنه لولا أنه أعظم من غيره ما رُتب عليه عقوبة خاصة.
طالب: إي، بس وجود التفاضل موجود حتى بين الكبائر نفسها وبين الصغائر، يعني مسألة التفاضل موجود لكن..
الشيخ: إي نعم، لكن كون أن هنا عقوبة خاصة يدل على أن هذا جنس معين، جنس مستقل، وإن كان الجنس تتفاوت أفراده أو أنواعه، حتى الزنا نفسه يتفاوت، فالزنا بحليلة الجار ليس كالزنا بالبعيدة، والزنا بذوات المحارم ليس كالزنا بغيرهن، والزنا من الشيخ الكبير ليس كالزنا من الشاب.
فالمهم أنه لما جعل له عقوبة خاصة صار معناه أنه انفرد بجنس معين، وهذه المسألة على سبيل التقريب، ولهذا كثير من السلف ما جزموا بها، تجده يقول: هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع، وما أشبه ذلك.
طالب: لأنه ينبني عليها تعريف الفاسق.
الشيخ: إي، معلوم ينبني عليها الفاسق، لكنه تقدم لنا في مسألة الفسق؛ أن ما ذكره بعض أهل العلم من التشدد في الولايات أنه ينبغي أن يقال هذا بحسب الإمكان؛ لأنه لا شك أن النميمة من كبائر الذنوب، وأن الغيبة من كبائر الذنوب، ولو أننا أخذنا بما قاله بعض أهل العلم لضيقنا على الناس.
طالب: يعني قول الشيخ أرجح يا شيخ..
الشيخ: والله هذا أقرب شيء عندي، هذا أقرب شيء؛ لأنه لا شك إذا رُتب عليها عقوبة خاصة أنه جنس مستقل.
ثم قال: (باب من الإيمان الصبر على أقدار الله). المؤلف رحمه الله خص الصبر، قال: على أقدار الله. واعلم أن الصبر معناه الحبس، هذا في اللغة، ومنه قُتل صبرًا أي: محبوسًا مأسورًا، فيقتل، أما في الاصطلاح فإنه حبس النفس، وذلك بحبس القلب عن التسخط، واللسان عن النطق، والجوارح عن الفعل، فالمراد الأفعال المحرمة والأقوال المحرمة، والتسخط المحرم، فهو حبس النفس بحبس القلب عن التسخط، واللسان عن النطق، والجوارح عن الفعل، هذا هو الصواب.
وقد قسم أهل العلم الصبر إلى ثلاثة أقسام فقالوا: إنه صبر على طاعة الله، وصبر عن معصيته، وصبر على أقداره، قال الله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّك [الإنسان: ٢٣، ٢٤] هذا يشمل الصبر على الأوامر؛ لأنه نزل عليه القرآن لأجل أن يبلغه، فيكون مأمورًا بالصبر على الطاعة، وقال: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا [طه: ١٣٢]، هذا أيضًا صبر على طاعة الله، وقال تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَه [الكهف: ٢٨] هذا أيضًا صبر على طاعة الله.
وأما الصبر عن معصية الله فهو أن يكف الإنسان نفسه عن المعصية، مثل صبر يوسف عليه الصلاة والسلام عن إجابة امرأة العزيز؛ فإن امرأة العزيز دعته إلى نفسها في مكان لها فيه العزة والقوة والسلطة عليه، ومع ذلك صبر وقال: رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِين [يوسف: ٣٣] هذا صبر عن المعصية.
والثالث: الصبر على أقدار الله، ويدخل في قوله تعالى: فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ [الإنسان: ٢٤] فإن حكم الله كوني وقدري، ومنه أيضًا قوله تعالى: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ [الأحقاف: ٣٥] فإن هذا صبر على تبليغ الرسالة، وعلى أذى قومه، ولهذا قال: وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ [الأحقاف: ٣٥].
إذن الصبر صار ثلاثة أنواع، أيها أعلى؟ قالوا: إن الأعلى هو الصبر على الطاعة، ثم الصبر عن المعصية، ثم الصبر على الأقدار، وهذا الترتيب ترتيب له من حيث هو، لا باعتبار من يتعلق به، وإلا فقد يكون الصبر عن المعصية أشق على الإنسان من الصبر على الطاعة، إذا فتن الإنسان مثلًا بامرأة جميلة تدعوه إلى نفسها في مكان لا يطلع عليه إلا الله فقط، وهو رجل ذو شهوة وشاب، فالصبر عن هذه المعصية شاق ولَّا لا؟ من أشق ما يكون على النفوس، يمكن الإنسان يصلي مئة ركعة أهون عليه من هذا ولَّا لا؟ لكن من حيث هو لا شك أن الصبر على فعل المأمور أعلى من الصبر على ترك المكروه، والصبر عليهما أعلى من الصبر على المقدور، هذا من حيث هو كذلك أيضًا المقدور قد يصاب الإنسان بمصيبة يكون الصبر عليها أشق من الصبر على الطاعة ولَّا لا؟ قد يموت مثلًا له قريب أو صديق أو أحد عزيز عليه جدًّا، فتجده يتحمل من الصبر على هذه المصيبة؛ يتحمل مشقة عظيمة.
وبهذا يندفع الإيراد الذي قد يورده بعض الناس ويقول: إن هذا الترتيب فيه نظر؛ لأن بعض المعاصي الصبر عليها أشق من بعض الطاعات، وكذلك بعض الأقدار الصبر عليها أشق، فنقول: نحن نذكر المراتب بقطع النظر عن الصابر، نذكر المراتب من حيث هي هي، لماذا كان الصبر على الطاعة أشد؟
لأنه يتضمن إلزامًا وفعلًا، تلزم نفسك أن تصلي وتصلي، تلزم نفسك أن تحج وتحج، ففيه إلزام وفعل حركي، نوع من التعب والمشقة، ثم الصبر عن المعصية، ويش الذي فيه؟ كف فقط، إلزام النفس بالكف ما فيه حركة، اترك فقط، أما الصبر على الأقدار فليس فيه إلزام، والسبب أنه ليس فيه إلزام؛ لأن هذا شيء ليس باختيارك، هذا أمر قُدر عليك؛ شئت أم أبيت، ما لك فيه تصرف، فإما أن تصبر صبر الكرام وإما أن تسلو سلو البهائم، فصار هذا باعتبار أنواع الصبر من حيث هي، أما باعتبار تحمل الصابر لها فهذا يختلف فيه الناس، يختلفون فيه اختلافًا بينًا ظاهرًا.
طالب: بالنسبة للإنسان ما يصير له عمل شاق، يمكن هو في نفسه تسهل عليه الطاعة وترك المعصية ولا يشق عليه الصبر على الأقدار أو العكس، ما يصير هو أفضل في حق من يشق عليه.
الشيخ: لا، هو يؤجَر على قدر المشقة، يؤجر الإنسان على قدر المشقة، مثلما قال الرسول عليه الصلاة والسلام لعائشة: «أَجْرُكِ عَلَى قَدْرِ نَصَبِكِ» ، فهو يُؤجَر على قدر المشقة لا شك، وتحمله لهذه المصيبة العظيمة الفادحة لا شك أنها تؤثر على قلبه، وربما تمرضه أحيانًا، هذه يثاب عليها كثيرًا، الصبر على أقدار الله ما ذكر المؤلف الصبر على الطاعة ولا عن المعصية، الصبر على أقدار الله مما يتعلق بتوحيد الربوبية أو بتوحيد الألوهية أو بالأسماء والصفات، يتعلق بتوحيد الربوبية لأن التدبير للخلق والتقدير عليهم من مقتضيات ربوبية الله عز وجل، فهو يتعلق بتوحيد الربوبية.
وقوله: (على أقدار الله) أقدار جمع قدَر، ويُطلق القدر على المقدور وعلى فعل القادر، فبالنسبة لفعل القادر يجب عليك الرضا والصبر بالنسبة لفعل القادر، ولهذا يقول الإنسان: رضِيت بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا. وبالنسبة للمقدور الصبر واجب والرضا مستحب، فهمتم؟ واضح الآن؟ بالنسبة للقدر الذي هو فعل الله يجب عليك الرضا به، أن ترضى، ما هو بس مجرد الصبر، ترضى بتقدير الله؛ لأنه صادر عن حكمة، ولا يتم الرضا بالله ربا إلا إذا صبرت على قدره الذي هو فعله، وأما الصبر على المقدور فهذا واجب، والرضا مستحب، وليس بواجب، مثال ذلك قدر الله سبحانه وتعالى على سيارتك أن تحترق، عندنا الآن قدر ومقدور، ما هو القدر؟
طلبة: السيارة.
الشيخ: لا، الاحتراق، هذا المقدور، القدر كون الله قدَّر أن تحترق هذا يجب عليك أن ترضى به؛ لأنه من تمام الرضا بالله ربًّا، كيف ترضى به ربًّا ثم تسخط فعله، أما بالنسبة للمقدور الذي هو احتراق السيارة فالصبر واجب، والرضا مستحب، والفرق بينهما أن الصبر يجد الإنسان من نفسه شيئًا من المشقة، ولكن ما يتجاوز الحدود والرضا، يرى أن وقوع هذا الشيء وعدم وقوعه على حد سواء.
(الصبر على أقدار الله، وقول الله تعالى: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ [التغابن: ١١])، وبالنسبة لهذا المقدور في الحقيقة ينبغي أن نقسمه في الواقع المقدور، قد يكون طاعات وقد يكون معاصي، وقد يكون أفعالًا من أفعال الله المحضة، فالطاعات يجب الرضا بها ولَّا لا؟ يجب الرضا بها، والمعاصي ما يجوز الرضا بها، أي: بالمقدور، لكن بتقدير الله لها يجب الرضا ولَّا ما يجب؟ يجب، ولهذا قال ابن القيم في نونيته:
| فَلِذَاكَ نَرْضَى بِالْقَضَاءِ وَنَسْخَطُ الْـ | مَقْضِيَّ حِـــــينَ يَكُــــونُ بِالْــعِصْيَانِ |
فأنت إذا نظرت إلى هذا الرجل الذي فعل معصية إذا نظرت إليه بعين القضاء والقدر ترضى ولَّا لا؟ ترضى؛ لأن الذي قدر هذا هو الله، وله الحكمة في تقديره، وإذا نظرت إلى فعله هو وهذه المعصية فإنك لا يجوز أن ترضى بها، يجب ألا ترضى بالمعاصي، وهذا مما يزيدكم وضوحًا في الفرق بين القدر والمقدور.
طالب: (...).
الشيخ: إنها الأفعال هي الطاعات والمعاصي.
طالب: بالنسبة لقولك تتعلق بتوحيد الربوبية لماذا تتعلق بتوحيد الألوهية (...).
الشيخ: لا.
طالب: لكن تقديرها يتعلق بالربوبية، لكن الصبر عليها يتعلق بتوحيد الألوهية.
الشيخ: لا، ما هو بالصبر، نتكلم على الأقدار مما يتعلق بالربوبية والصبر على الأقدار من باب الرضا بالربوبية بمطلق الربوبية، أما كون الصبر عبادة فهذا شيء آخر، لكن الكلام على أن هذا الصبر يتعلق بأمر من مقتضيات الربوبية.
قال: (وقول الله تعالى: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ [التغابن: ١١]) (من) اسم شرط جازم، وفعل الشرط (يؤمن) مجزوم، و(يهد) جواب الشرط مجزوم بحذف الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهما قال: يهده؛ قال: يَهْدِ قَلْبَه؛ مما يدل على أن هذا الإيمان يتعلق بالقلب، ومعلوم أنه إذا اهتدى القلب اهتدى البدن؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» ، فإضافة الهداية إلى القلب لأنه بهدايته يهتدي البدن، ولأن القلب هو الذي يعاني هذه الأمور.
(قال علقمة): منين؟ من أكابر التابعين رحمه الله، قال: (هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم ). وهذا التفسير الذي فسرها به هو من لازم الإيمان؛ لأن من آمن بالله علم أن التقدير منين؟ من الله، فيرضى ويسلم، فكل مَن آمَن بالله ربًّا رضي بقضائه وقدَره؛ لأنه يعلم أن له التصرف المطلق في عباده سبحانه وتعالى، فإذا آمن بذلك فإن الله تعالى يهدي قلبه ويوفقه لأمر أكثر مما آمن به، وهذا من ثمرات الإيمان؛ أن الإيمان إذا تحقق ازداد الإنسان به هدى يَهْدِ قَلْبَه، وقوله: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهإذا علمت أن المصيبة من عند الله اطمأن القلب وارتاح القلب ولم يحصل عليه ضجر، ولهذا من أكبر الراحة والطمأنينة الإيمان بالقضاء والقدر؛ لأن الإنسان يستريح، يكون مؤمنًا بالله ومؤمنًا بأن الملك ملكه، وأن الأمر أمره، فإذن يتوكل عليه سبحانه وتعالى، ولا يكون في قلبه حسرة؛ لأن هذا أمر قد قدره العليم الحكيم.
(وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ») اثنتان في الناس، اثنتان مبتدأ، وسوَّغ الابتداءَ به وهو نكرة التقسيمُ، أو يقال: إنه مفيد للخصوص، ابن هشام رحمه الله قال: إن جميع الفوائد الذي قال ابن مالك:
| وَلَا يَجُوزُ الِابْتِدَا بِالنَّكِرَهْ | مَا لَمْ تُفِدْ .............. |
قال: إن فائدتها أن تكون دالة على العموم أو على الخصوص.
وقوله: «هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ» الباء هنا يحتمل أن تكون بمعنى (من)، يعني هما منهم كفر، ويحتمل أن تكون بمعنى (في)، أي: هما فيهم.
وقوله: «كُفْرٌ» أي: هاتان الخصلتان كفر، ولا يلزم من وجود خصلتين من الكفر في المؤمن أن يكون كافرًا، كما لا يلزم من وجود خصلتين في الكافر من خصال الإيمان أن يكون مؤمنًا، فالشجاعة من الإيمان، والحياء من الإيمان، والكرم من الإيمان، فلو وجدت هذه الثلاث في كافر يكون مؤمنًا؟ لا، كذلك هاتان الخصلتان اللتان ذكرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم لو وُجدتا في الإنسان وهو مؤمن لا يلزم أن يكون كافرًا، فقد يجتمع في المؤمن خصال كفر مع بقائه على أصل الإيمان، قال شيخ الإسلام رحمه الله: بخلاف قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ» ، فإنه هنا أتى بقوله: «بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْكُفْرِ» الدالة على الحقيقة، يكون الكفر المذكور في الحديث الأخير المراد به الكفر المخرِج عن الإسلام، بخلاف أن يأتي (كفر) نكرة مطلقًا فلا يدل على خروج الإنسان من الإسلام به.
ما هما؟ «الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ» ويش معنى الطعن في النسب؟ يعني العيب فيه، أنه يعيب نسبه، يقول: أنت ويش أنت؟ أنت من القبيلة الفلانية، ما فيها خير، أو يقول: أنت ما أنت من القبيلة، ما لك أصل، نعم؛ لأنك لست قبيليًّا، هذا أيضًا طعن في النسب، ويقال: إن واحدًا من الناس قال: هؤلاء الذين ليسوا من القبائل هؤلاء ليسوا من بني آدم، ليش؟ قال: لأنه بنو آدم معروفون يُنسبون إليه، ودولا ما يُنسبون إليه. نقول: هذا من الجهل، فالطعن في النسب، سواء احتقرته أو نفيته عنه وقلت: إنك ناقص بسبب أنك لست من هذه القبائل، فإن هذا من الكفر، عمل كفري.
الثاني: «النِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ»، وهذه الجملة هي الشاهد في الباب، النياحة يعني أن يبكي الإنسان على الميت بكاء على صفة النوح، يعني نوح الحمام، تعرفون الحمام؛ لأن هذا والعياذ بالله يدل على التضجر وعدم الصبر، فهو مناف للصبر الواجب، فلهذا كان من أعمال الكفر، الرضا في هذه الأمور لنا فيه نظران: النظر الأول باعتباره قضاء لله وفعلًا له، فيجب الرضا به؛ لأنه من تمام الرضا بالله ربًّا، والنظر الثاني باعتبار المقضي، فباعتبار المقضي هو ينقسم إلى قسمين: قسم يتعلق بالشرع، وقسم يتعلق بالكون، يعني: أمر كوني ما هو شرعي، فإن كان أمرًا شرعيًّا فإن كان طاعة وجب الرضا به، وإن كان معصية حرم الرضا به طبعًا، وإن كان مباحًا فلا يتعلق بالرضا ولا عدم الرضا، المباح مباح، وأما بالنسبة للمقدور إذا كان كونيًّا فالصبر واجب، والرضا مستحب على ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة، وبعض العلماء يرى أنه واجب، وسيأتي إن شاء الله في الحديث ما يدل على أحد القولين.
طيب ذكرنا أيضًا حال الإنسان باعتبار الأقدار المؤلمة كم حالة له؟
طالب: أربعة.
الشيخ: وهي.
طالب: أن يرضى.
الشيخ: نعم.
طالب: وأن يتسخط.
الشيخ: نعم.
طالب: وأن يصبر.
الشيخ: وأن يصبر، فيه بعد حالة رابعة.
طالب: الشكر.
الشيخ: أن يشكر (...) وباللسان وبالجوارح، السخط يكون بالقلب، ويش بعد؟ وباللسان، وبالجوارح، أما التسخط بالقلب فأن يسخط الإنسان على ربه ويغضب: لماذا قدر كذا وكذا علي؟ وما أشبه ذلك، وهذا قد يؤدي والعياذ بالله إلى الكفر، وهو كقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِين [الحج: ١١]، وكم من أناس والعياذ بالله صارت المصائب عليهم سببًا للكفر، وأما التسخط باللسان فمثل الدعاء بالويل والثبور وما أشبه ذلك من الأقوال المحرمة، وأما التسخط بالأفعال بالجوارح فمثل لطم الخدود، شق الجيوب ونتف الشعور وما أشبه ذلك، وتكسير الأواني، ولَّا ما يوجد؟ يوجد من يكسر الأواني، طيب هذه كلها تسخط، فصار التسخط بالقلب والقول، ويش بعد؟ والفعل، أما القسم الثاني، وهو الصبر، فالصبر كما قال الشاعر:
| الصَّبْرُ مِثْلُ اسْمِهِ مُرٌّ مَذَاقَتُهُ | لَكِنْ عَوَاقِبُهُ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ |
يرى الإنسان الشيء هذا ثقيلًا عليه ويكرهه، لكنه يتحمله، فليس وقوعه وعدم وقوعه سواء عنده، ليسا سواء، بل هو يكره هذا ولكنه يحميه إيمانه من السخط.
الرضا أعلى من ذلك؛ أن يكون الأمران عنده سواء، يعني أصيب أو ما أصيب كله عنده واحد؛ لأنه رجل يسبح في القضاء والقدر، أيما ينزل به القضاء والقدر فهو نازل به على سهل أو على جبل، ما يهمه، فإن أصيب بنعمة أو أصيب بضدها الكل عنده سواء، لا لأن قلبه ميت، لكن لتمام رضاه بربه سبحانه وتعالى يتقلب في تصرفات الرب عز وجل، ولكنه عنده سواء؛ لأنه ينظر إليها باعتبارها قضاء لربه، فلا يهمه، هذا واحد، هذا الفرق بين الرضا والصبر، أما الشكر فأن يشكر الله على ما أصابه على المصيبة، وهذه درجة قد يقول القائل، أو منزلة قد يقول قائل: أين يكون ذلك؟ وكيف يكون؟ فنقول: يكون في عباد الله الشاكرين، ويكون ذلك إذا عرف الإنسان أن هذه المصيبة سبب لتكفير سيئاته، وربما لزيادة حسناته، قد تثمر هذه المصيبة للإنسان حالات ليست له من قبل، بحيث ينيب إلى ربه ويرجع إليه، ويعرف قدر نفسه، ويعرف حكمة ربه، فيزداد بذلك إيمانًا لم يكن عنده من قبل أن تصيبه هذه المصيبة، أليس كذلك؟ فهو يشكر الله عز وجل لما تحصل، إنما يحصل بهذه المصيبة من الثمرات العظيمة، ولو لم يكن منها إلا أنها تكفير للذنوب، الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ هَمٍّ وَلَا غَمٍّ وَلَا شَيْءٍ إِلَّا كُفِّرَ لَهُ بِهِ عَنْهُ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا» ، كل المصائب تكفيه هذه بدون استثناء، لكن هل هي فيها زيادة حسنات؟ إن قارنها شيء يستوجب زيادة الحسنات صارت فيها زيادة حسنات، وإلا فإنها تكفير بكل حال.
أظن انتهى الكلام على الصبر على الأقدار، صارت أحوال الناس بالنسبة لأقدار الله كم؟
طلبة: أربع حالات.
الشيخ: أربع حالات، إي نعم (...).
إن المراتب أربع، كل واحدة أعلى من الثانية، وفهمنا الفرق -وهذا هو الذي يشكل على كثير من الناس- الفرق بين الرضا وبين الصبر؛ لأن بعض الناس ما يدرك الفرق بينهما، ولكن هذا هو الفرق؛ أن الصبر الإنسان يجد من نفسه كراهة لهذا الأمر، لكنه حابس نفسه عن فعل ما يحرم، وأما الرضا فلا يؤثر شيئًا على شيء، الكل عنده سواء، لكن لا ينافي هذا الحزن، أو لا يمنع الحزن والبكاء وما أشبه ذلك، والإنسان قد يبكي مثلًا لفقد محبوبه وقد يبكي رحمة على ما يرى ويشاهد، مثلما بكى النبي عليه الصلاة والسلام حين رُفع إليه صبي وهو في سياق الموت، فقال له سعد: ما هذا يا رسول الله؟ قال: «إِنَّهَا رَحْمَةٌ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ» ، فهذا لا شك أن الرسول بكى، لكن ما هو حزنًا كما بكى على ابنه إبراهيم، إنما رحمة بهذا الصبي في هذه الحال الشديدة.
طالب: الله سبحانه وتعالى حين أثنى على أنبيائه (...) يثني عليهم (...).
الشيخ: لا، هو يثني عليهم بالشكر أيضًا إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا [الإسراء: ٣] يثني عليهم بهذا وهذا.
طالب: (...).
الشيخ: الله أعلم، لكن يجوز أنهم مثلًا كرهوا هذا الأمر، ولكن صبروا على ذلك، يجوز، والإنسان ما هو معناه أنه قد يفوته بعض المراتب، وله مراتب أخرى تكمله، والله أعلم.
قرأنا (وفي صحيح مسلم) إلى آخره، فما معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ».
طالب: (...) كفر.
الشيخ: إي نعم، هو ليس كفرًا مطلقًا؟
طالب: نعم.
الشيخ: لكن ويش معنى «هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ» نبغي تحديد الكلمات هذه.
طالب: يحتمل أن تكون الباء (من) ويحتمل أن تكون (فيهم).
الشيخ: الباء بمعنى (من)؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: يعني هما.
طالب: منهم.
الشيخ: منهم كفر أو بمعنى.
طالب: فيهم.
الشيخ: فيهم كفر، أما هما فيعود على.
طالب: على الطعن في النسب.
الشيخ: الخصلتين نعم.
قال رحمه الله تعالى: (ولهما عن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعاً) مرفوعًا يعني إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والمرفوع كما هو معروف إما صريح وإما حكم، فالصريح ما أُضيف إلى الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه، والحكمي ما كان له حكم ذلك ولم يُضَف إليه، وهو أنواع معروفة في علم المصطلح، لكن هذا نذكركم للمناسبة.
«لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ» . الحديث لا شك أنه يراد به شيء معين؛ لأن ضرب الخدود ليس كل من ضرب الخد يكون..





