كتاب التوحيد - 34
عدد الزيارات 1501

عناصر المادة :
باب: ما جاء في الرياء

لأن ضرب الخدود، ليس كل من ضرب الخد يكون متبرئًا منه الرسولُ صلى الله عليه وسلم، ولكن من ضربها لسبب كما سيأتي إن شاء الله (...).
ولكن هذا الإخراج لا يعني الإخراج المطلق، بل ليس منا في هذا الفعل المعيَّنِ؛ كقوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَا» ، فإذن «لَيْسَ مِنَّا» في هذا الفعل؛ لأن هذا الفعل لا يمكن أن يقع من المسلم.
وقوله: «مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ» يشمل مَنْ ضرب خده وخد غيره؟ يشمل؟
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم، لكن ما أظن أن أحدًا إذا أصابته مصيبة يضرب خدَّ غيره، وإنما يضرب خدَّ نفسه، فإذن العموم هنا يُراد به الخصوص.
كذلك «مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ» لو أخذنا بعمومه لكان كل من ضرب خده فهو ليس من الرسول صلى الله عليه وسلم، وليس الأمر كذلك، وإنما المراد من ضرب خده تَسَخُّطًا مِن المصيبة.
وقوله: «وَشَقَّ الْجُيُوبَ» الجيب هو طوقُ القميص الذي يدخل منه الرأس؛ هذا الجيب، الطوق الذي يدخل منه الرأس هذا هو الجيب، وشق الجيوب: أن الإنسان -والعياذ بالله- إذا أصيب بمصيبة مسك هذا الجيب وشقَّه، تسخُّطًا من هذه المصيبة وعدم تحمل لما وقع عليه.
الثالث: «وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ» ، كلمة «دَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ»، «دَعْوَى» مضاف، و«الْجَاهِلِيَّةِ» مضاف إليه، فهل نقول: إنه للعموم؟ كل دعاء الجاهلية يدخل في هذا الحديث؟ أو نقول: «دَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ» عند المصيبة؟
نقول: هنا أمران، يتنازع هذا أمران:
الأمر الأول: صيغة العموم، والأمر الثاني: قرينة السياق؛ هذا يتنازعه أمران؛ الأمر الأول: صيغة العموم، وين صيغة العموم؟ «دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ» مفرد مضاف، والمفرد المضاف تقدَّم لنا مرارًا وتكرارًا أنه للعموم.
والثاني: قرينة السياق؛ لأن الشيئين اللذينِ قبله كلاهما يُفعلان عند المصيبة، فيكون دعا بدعوى الجاهلية عند المصيبة، مثل قولهم: وا ثبوراه، وا ويلاه، وا انقطاع ظهراه، وما أشبه ذلك، هذه دعوى الجاهلية.
فيكون الرسول عليه الصلاة والسلام ذكر ثلاثة أصناف: ما يتعلق بالبدن، وما يتعلق باللسان، وما يتعلق باللباس؛ يعني بالجوارح، تسخُّط الجوارح، تسخُّط اللسان، وتسخط يتعلق باللباس وهو من فعل الجوارح، «شَقَّ الْجُيُوبَ» يتعلَّق باللباس، «دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ» باللسان، و«ضَرَبَ الْخُدُودَ» بالجوارح.
نعم، فذكر هذه الأصناف الثلاثة؛ لأنها غالب ما تكون عند المصائب، وإلا فمَنْ كسَّر القدور، وهدم البيوت وما أشبه ذلك عند المصيبة مثله، أو مثلًا من ضرب أولاده أو ضرب زوجته أو ما أشبه ذلك، هو مثله؛ لأنه فعل ينبِّئ عن التَّسخُّط.
أيما أولى؛ أن نرجح العموم في «دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ» أو نرجح الخصوص لقرينة السياق؟ نشوف، إن نظرنا إلى السياق قلنا: الخصوص أولى؛ لأن سياق الكلام يحدِّد المعنى، وإن نظرنا إلى المعنى في قوله: «لَيْسَ مِنَّا»، فإن كلَّ دعوى الجاهلية يتبرَّأُ منه الإسلام، فيشمل كلَّ دعوى الجاهلية؛ كالدعوى للنسب والعصبية وما أشبه ذلك كله من دعوى الجاهلية.
وربما يؤيد هذا الحديث الذي قبله، وهو: «الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ» ، فإن الرسول ذكر الطعن في النسب مع النياحة مما يدل على أن كل ما تدعو به الجاهلية فإنَّه داخل في الحديث، وهذا أحسن، حمله على العموم أولى والقرينة لا تخصصه، ويؤيده الحديث الذي سبقه.
«دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ» نسبت إلى الجاهلية، هل المراد بالجاهلية أهل الجهل، أو الجاهلية معنًى؟ يعني: الدعوى التي منشؤها الجهل، وهذا هو الظاهر: الدعوى التي منشؤها الجهل.
ومنها دعاوي الجاهلية في جهلهم قبل الإسلام، فإنها من دعوى الجاهلية.
فبهذا نعرف أن هذه الأمور الثلاثة حرام ولّا لا؟ ومن الكبائر؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ما يتبرَّأ من شيء إلا وهو كبيرة من كبائر الذنوب، وليس بالأمر الهيِّن.
هذا موجود الآن الظاهر، شق الجيوب موجود، وضرب الخدود موجود إلى الآن؟
طالب: ونحوه أيضًا.
الشيخ: ونحوه، وكذلك نتف الشعور موجود.
طالب: وسفُّ التراب وغشيان التراب.
الشيخ: عجيب.
طالب: التمرغ في التراب.
الشيخ: هذا موجود؟
طالب: نعم.
الشيخ: سبحان الله!
طالب: طيب، يا شيخ لو قلنا بالعموم كلها (...) حتى ضرب الخدود وشق الجيوب؟
الشيخ: لا؛ لأن مَنْ ضرب خد ولده مثلًا لتأديبه، نقول: أنت منهيٌّ عن ضرب الوجه ، ولكن ما يدخل في هذا الحديث.
الطالب: يا شيخ ما يصل للبراءة منه؟
الشيخ: لا، ما يصل إلى حد البراءة منه.
الطالب: طيب، وشق الجيوب..؟
الشيخ: وشق الجيوب أيضًا، لو شق الإنسان جيبه؛ لأنه ضاق على رأسه.
الطالب: لا، أقول: لو شق جيب غيره؟
الشيخ: وكذلك لو شق جيب غيره عُدوانًا، ما هو لأجل المصيبة ما يدخل في هذا الحديث.
الطالب: ما يدخل؟
الشيخ: لا، لو واحد مثلًا شاف جيب غيره زين وجميل ومطرَّزه وطيب، قال أبغي أفسده عليه راح وشقه، نقول: هذا عدوان، لكنه لا يدخل في الحديث.
الطالب: أنا أقول: ما (...) كلها تدخل بالعموم؟
الشيخ: لا، هذا يقينًا، الرسول ما قصده، هذا قطعًا.
طالب: والجاهلية (...)؟
الشيخ: لكن دعوى الجاهلية قلت لكم: إن الحديث الأول يؤيدها؛ لأنه قال: «الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ وَالنِّيَاحَةِ»، فقرَن الطَّعن بالنسب، والطعن بالنسب من دعاوى الجاهلية لا شك.
طالب: الرسول ما هو اللي رتب الأحاديث هذه على بعضها؟
الشيخ: كيف ما رتب؟
الطالب: يعني: ما رتب ها الأحاديث، هذه ترتيب العلماء؟
الشيخ: ما هو بمعناه أنه ذكر...
الطالب: (...) مختلفة؟
الشيخ: أنا ما قصدي أنه ذكر هذا قبل هذا، قصدي أن الرسول قَرَن بين شيء من دعوى الجاهلية، وشيء مما يتعلق بالتضجر وهو النياحة، فلا يمنع أن يكون قوله: «دَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ» عامًّا، سواء دعوى الجاهلية التي يقولونها عند المصائب أو لا.
طالب: قياسًا على الحديث اللي قبله؟
الشيخ: نعم، استئناسًا به.
طالب: معروف عند الجاهلية قبل الإسلام شق الجيوب؟
الشيخ: إي، معروف، ومعروف نتف الشعور أيضًا.
طالب: هل يُعفى عن اليسير منه؟
الشيخ: يسير أيش؟
الطالب: (...)؟
الشيخ: لا، يُعفَى عن يسيرِ الندب الذي لا يدل على التسخط، مثل قول فاطمة رضي الله عنها: وا أبتاه جنة الفردوس مأواه، وا أبتاه أجاب ربًّا دعاه ، وما أشبه ذلك، فهذا يسير اقتضته الطبيعة، ولا يدل على أنها متسخطة من قضاء الله وقدره، ولكل مقام مقال، قد يصدُر هذا القول ممن نعرف أنه يقوله تسخطًا.
طالب: النعي في الجرائد يا شيخ (...)؟
الشيخ: النعي ما ينبغي؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام نهى عن النعي ، إلا إذا كان النعي لمصلحة كالنعي لجمع الناس على الميت للصلاة عليه فهذا ما فيه بأس؛ كما فعل الرسول عليه الصلاة والسلام في النجاشي .

***

(وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ بِالْعُقُوبَةِ فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا أَرَادَ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ). نسأل الله السلامة.
أولًا: قال الرسول «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ» استفدنا من هذا أن الله تعالى يريد بعبده الخير، ويريد به الشر، ولكن الشر المراد لله عز وجل ليس مرادًا لذاته؛ الله تعالى لا يريد الشر لذاته، الدليل: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «والشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْهِ» ، ومَن أراد الشر لذاته فالشرُّ إليه بلا شك، لكنه سبحانه وتعالى يريد الشر لحكمة، وحينئذ يكون خيرًا باعتبار ما يتضمنه منين؟ من الحكمة.
وقوله: «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ بِالْعُقُوبَةِ»، إذا قال قائل: هناك خير أولى؛ وهو العفو عن الذنب، ما هو بهذا أعلى ولّا لا؟ يعني: كون الله يعفو عن المرء لا يعاقبه في الدنيا ولا في الآخرة لا شك أن هذا هو الخير، ولكن الرسول قال: «خَيْرًا» باعتبار الأمر الثاني؛ وهو أن تُؤخَّر العقوبة إلى الآخرة، إذن فهو خير نسبيٌّ، لا خيرٌ مطلق.
فإذا قال قائل: ما دليلكم على الأمر الثالث وهو العفو المُطلَق؟ قلنا: دليلنا ما في الكتاب والسنة من أن الله سبحانه وتعالى يعفو عن عبده المؤمن ولا يعاقِبُه؛ لقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء: ٤٨]، ومع المغفرة لا عقوبة، فالخير إذن إذا أراد الله بعبده الخير؟
طالب: (...).
الشيخ: إي، ما أنا بأقول (...)، يفعله؟ الخير يعني النسبي، خير بالنسبة لتأخير العقوبة.
«عَجَّلَ لَهُ بِالْعُقُوبَةِ» وإنما كان تعجيل العقوبة خيرًا؛ لأنه يزول، يُعاقَب في الدنيا وينتهي، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في قصة المتلاعنين، ويش قال لهما؟ «عَذَابُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ» ، مع أن عذاب الدنيا لو ثبت بالنسبة لامرأة هلال، ولهلال أيضًا ويش يصير؟ الرجم، إعدامٌ بالكلية، فقال فيه الرسول عليه الصلاة والسلام: «عَذَابُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ».
طالب: يعني: هذا يا شيخ في من (...).

***

الشيخ: العقوبة في الدنيا معناه: مؤاخذة المجرم بذنبه، وسُمِّيت مؤاخذة المجرم بذنبه عقابًا؛ لأنها تعقُب الذنب، ولكنه لا يقال إلا في الشر.
وقوله: «عَجَّلَ لَهُ بِالْعُقُوبَةِ فِي الدُّنْيَا» ما نوع هذه العقوبة؟ العقوبة أنواع كثيرة، منها ما يتعلق بالدين، ومنها ما يتعلق بالبدن، ومنها ما يتعلق بالأهل، ومنها ما يتعلق بالمال، وما هو أعظمُها؟ ما يتعلق بالدين، ومع الأسف أنه أخفها في نظرِ كثير من الناس.
مثال ذلك: رجل عصا الله عز وجل، وكانت المعصية في نفسه كبيرة جدًّا، ثم إنه خفَّت عليه هذه المعصية، عقوبةٌ هذه ولَّا لا؟ عقوبة بلا شك؛ لأن خِفَّة المعاصي في قلب الإنسان تجعله يستمرئها ويستهون بها، وحينئذ ينال عقوباتها الكثيرة، هذه من المصائب.
كذلك أيضًا تهاوُنُ الإنسان بترك الواجب من المصائب، عدم غيرته على حرمات الله من المصائب، عدم قيامه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من المصائب. هذه عقوبات ما أحد يفطن لها في الحقيقة، وهي عقوبات أنكى من العقوبات الحسية؛ إذ إن العقوبات الحسية ربما يتفطَّن الإنسان ويتذكر، لكن هذه قد لا يتفطَّن لها إلا مَن هداه الله سبحانه وتعالى ووفقه.
أما العقوبة بالنفس بالبدن فمثل الأمراض، يصاب الإنسان بأمراض كثيرة، قد تكون عقوبة لما حصل منه من المعاصي بتفريطه في واجب أو انتهاك لمحرم، فتُكفِّر عنه هذه المصائبُ، تُكفِّر عنه هذه الذنوبَ.
العقوبة بالأهل واضحة، يصاب الإنسان بعقوبة في أهله إما بأمراض تعتريهم، وإما بفقدانهم أو بغير ذلك، بالمال كذلك؛ بنقصه أو تلفه أو تعبُ الإنسان وراءه، وما أشبه هذا.
«وَإِذَا أَرَادَ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ»، «أَمْسَكَ» كيف؟ فعل؟ وهل يوصف الله بالإمساك؟
الجواب: نعم، يوصف؛ لأن أفعال الله لا نهاية لها، فكل فعل يفعله فإنه يوصف به، ولهذا نقول: الصفات الفعلية تشمل كل أفعال الله عز وجل، وقد قال الله تعالى: وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ [الحج: ٦٥]، فأثبت الإمساك.
طالب: (...)؟
الشيخ: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا [فاطر: ٤١] في آية أخرى، إنما وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ.
قال: «أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ» يعني: يلاقي الله به «يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
أو «حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ» يعني: «يُوَافِيَ بِهِ» الله عز وجل، يوافي به الفاعل يوم القيامة.
فهي إما أن تكون بمعنى: يلاقي به الله، أو بمعنى أن الله يوافيه به، يعني: يوفيه إياه.
«يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وهو الذي يقوم فيه الناس من قبورهم لرب العالمين، وسُمِّي بيوم القيامة لأمور ثلاثة:
أولًا: قيام الناس من قبورهم لرب العالمين.
والثاني: قيام الأشهاد، وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ [غافر: ٥١].
والثالث: قيام العدل.
الغرض من سياق المؤلف لهذا الحديث: بيان، أو تسلية الإنسان إذا أصيب بالمصائب، تسليته إذا أصيب بالمصائب ألا يجزع، فإن ذلك قد يكون خيرًا له، ولا ريب أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم في المتلاعنين، في المتلاعنين قال لهما: «عَذَابُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ»، وما الذي بيحصل من عذاب الدنيا في قضية المرأة اللي لاعنها زوجها؟ الرجم، يعني: أعلى أنواع العقوبة في الدنيا هو الرجم، ومع ذلك قال عليه الصلاة والسلام: إنه «أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ»، فبين الرسول عليه الصلاة والسلام أن كل العقوبات اللي تحصل في الدنيا فهي بالنسبة إلى الآخرة ليست بشيء، أهون فإذا أصبت بمصيبة فقل: الحمد لله الذي لم يؤخر عقوبتي إلى الآخرة، قد يكون خيرًا لك كما في هذا الحديث.
ثم اعلم أيضًا أنه لو قُدِّر -على الفرض الممتنع والعلم عند الله- أن أحدًا لم يأت بخطيئة، وأصيب بمصيبة، فإننا نقول: هذه المصيبة قد تكون من باب الامتحان؛ امتحان العبد على الصبر، لكن لا يجوز للإنسان إذا أصيب بمصيبة وهو يرى أنه لم يخطئ، يقول: أنا والله ما أخطأت فيعُدُّ نفسه من المقربين، هذه تزكية، لكن أنا أقول: لو فرضنا أن أحدًا من الناس لم يُصِب ذنبًا ثم أصيب بمصيبة، فإن هذه المصيبة لا تلاقي ذنبًا تكفِّره، لكنها تلاقي قلبًا تمحِّصه حتى يُبتلى الإنسان بالمصائب لينظر من ابتلاه سبحانه وتعالى هل يصبر أو لا يصبر؛ ولهذا كان أخشى الناس لله وأتقاهم له محمد صلى الله عليه وسلم يوعك كما يوعك الرجلان منا ، السبب لأجل أن ينال أعلى درجات الصبر، حتى يصبر على هذا البلاء الذي لا يصاب به أحدٌ، كما يوعَك الرجلان، فينال بذلك مرتبة الصابرين على أعلى وجوهها.
وشدد عليه صلى الله عليه وسلم عند النزع أشد ما يكون، كل ذلك ليصل إلى أعلى درجات الصبر، ومع ذلك مع هذه الشدة العظيمة تجده ثابت القلب، دخل عليه عبد الرحمن بن أبي بكر ومعه مسواك يتسوك به فأمدَّه بصره، يعني: مد إليه بصره ينظر إليه، فعرفت عائشة رضي الله عنها أنه يريد السواك، فقالت: آخذه لك؟ فأشار برأسه: نعم، فأخذت السواك وقسمته وعلكته حتى ألانته للرسول صلى الله عليه وسلم فأعطته إياه، فاستنَّ به، تقول: ما رأيت يستن استنانًا أحسن منه، ثم رفع يده وقال: «فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى» حتى مالت بعد أن قُبِضَ عليه الصلاة والسلام .
فانظر إلى هذا الثبات واليقين والصبر العظيم مع هذه الشدة العظيمة، هذا لأجل أن يَصِلَ الرسول عليه الصلاة والسلام إلى أعلى درجات الصابرين، صبَرَ لله، وصبَرَ في الله، وصبَرَ بالله عليه الصلاة والسلام حتى نال أعلى الدرجات.
فأقول: أنت يا أخي المسلم إذا أصبت بمصائب، وحدثتك نفسُك أن مصائبَك أعظم من معائبك، فإيَّاك أن تقول هكذا، احذر من هذا؛ لأنك بهذا تُدِلُّ على ربِّك بعملك وتمنُّ عليه بطاعتك، ومع ذلك نقول: لو فُرِضَ أن هذا الأمر هو الواقع فإن هذه المصائب خير لك، تنال بها أيش؟ درجات الصابرين العليا.
فهذان أمران؛ أحدهما: أن إصابة الإنسان بالمصائب تُعتَبر تكفيرًا لسيئاته، وتعجيلُ العقوبة له في الدنيا خير من تأخيرِها إلى الآخرة؛ هذه واحدة.
ثانيًا: قد تكون المصائبُ أكثر من المعايب، ولكن من أجل أن يُبتلَى المرء حتى يصل بصبرِه إلى أعلى درجات الصابرين؛ لأن الصبرَ -كما ترون- درجة عالية، ما هي هينة، الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ، مهم جدًّا.
فهذا هو ما يتضمنه هذا الحديث العظيم، وقال صلى الله عليه وسلم..
طالب: الإمساك هنا (...)؟
الشيخ: لا، حقيقي، «أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ»، يعني: أخَّرَه، يعني: أن تظن أن الإمساك باليد..
الطالب: هذا الذي (...).
الشيخ: لا أبدًا، الإمساك في كل شيء بحسبه، لو قال: أمسك بيده، صحيح، يبقى مشكلًا، أما إذا قال: أمسَك فإنه قد يقال: أمسَك عن الكلام، ويش معناه؟ مسك لسانه بيده؟! سكَتَ في كل موضع بحسبه.
طالب: ما ورد أن الميت عند النزع (...)؟
الشيخ: بلى.
الطالب: تسهل عليه.
الشيخ: تسهل عليه مع شدة النزع، يكون الألم البدني شديدًا، لكن خروج الروح سهلًا؛ لأنها تُبَشَّر بالرحمة فيسهل لها الانقياد، فيكون سهلًا، يعني: نزع الروح يكون سهلًا، لكن مع الألم ما يمنع من الألم، بخلاف – والعياذ بالله – الكافر إذا بُشِّر بالغضب والنار، فإن الروح تأبى أن تخرج، وتتفرق في البدن؛ لأنها -والعياذ بالله- تبشر بما يسوؤها ويريعها، ولهذا انظر إلى سياق الآية الكريمة في سورة الأنعام: وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ [الأنعام: ٩٣] أَخْرِجُواكأنهم يَشحُّون بها فيمنعونها، فيقول: أَخْرِجُوا؛ مثلما يقول الإنسان للمماطل: أعطني ديني.
طالب: (...)؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: الملاحظ أنَّ كثيرًا من العلماء والمشايخ يُبْتَلون بأبنائهم، الابن قد ما يكون على مستوى الالتزام..
الشيخ: الابن يعني؟
الطالب: إي نعم، كثير من المشايخ خاصة ما يكون على المستوى.
الشيخ: والله -يا أخي- يختلفون.
الطالب: ويش تفسيره؟
الشيخ: لا، ما نفسِّر، أولًا: إن الله له الحكمة، حتى يتبيَّن أن الله سبحانه وتعالى هو الذي بيده الأمر يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ [يونس: ٣١].
ثانيًا: أنه ما هو بعلى كل حال أن أبناء المشايخ، إلا إذا قصدت أبناء العصر، وإلا فتجدون العلماء السابقين -ما شاء الله- سلسلة من الولد، سلاسل: الأب والجد والابن والحفيد وابن الأخت وهكذا، لكن في وقتنا هذا قد يكون أبناء المشايخ كأبناء الملوك؛ لأن المشايخ -والحمد لله- توفَّر عليهم النعم، ويحصل لهم من النعم ما قد يحصل به الأَشَرُ والبَطَرُ، فهذا -والله أعلم- هو الحكمة، مع الحكمة الأولى التي أشرت إليها؛ وهي بيان قدرة الله عز وجل، وأن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يخرج من هذا العالِم النافع جاهلًا ضارًّا.
الطالب: (...)؟
الشيخ: والله هذه ربما تكون، لكن ما نقدر نحكم على كل من ضلَّ ولده بأنه مُقَصَّر؛ لأن هذه حتى تقع في العامة، تجده من أقوى الناس دعوةً في أولاده ورجل حبيب وطيب ومع ذلك ينفرون.
طالب: شيخ، التهاون بصالح الأعمال بالنوافل وكذا يعني كانت عظيمة في نفسه، ثم هانت عليه أن يفعلها؛ هل يعتبر من ذلك (...)؟
الشيخ: والله أنا أعتبر هذا عقوبة لا شك؛ لأن فُتورَ الإنسان عن الرغبة في الخير بعد أن كان محبًّا له هذا نقص عظيم، وكما تكون العقوبة بالألم أو بما يؤلِم، تكون أيضًا بفَواتِ المحبوب، ألم يبلُغْك أن الرسول عليه الصلاة والسلام أخبر بأن «مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا -إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ أَوْ حَرْثٍ- انْتَقَصَ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ أَجْرِهِ قِيرَاطٌ» ؛ هذا فوات محبوب، ما فيه أنه يعاقب مثلًا بعقوبة، لكن يفوته الخير، ففوات الخير بلا شك أنه عقوبة.

***

(وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ»).
«إِنَّ عِظَمَ...مَعَ عِظَمِ» يعني: يتقابل؛ «عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ»، فكلما كان البلاء أشد وصبر الإنسان صار الجزاء أعظم وأكثر؛ لأن الله عز وجل عَدْلٌ، فإذا كان كذلك فإنه لا يَجْزي المحسنَ بأقلَّ من إحسانه، فإذا عَظُم البلاء وصبر الإنسان عظُم جزاؤه، وإذا خفَّ؛ خف الجزاء، ليس الجزاء على الشوكة يشاكُها كالجزاء على كَسْرٍ يُكْسَره، أيهما أعظم؟ الكسر أعظم فيكون الجزاء أعظم، وليس فَقْدُ عشرة من المال كفَقْدِ مئة من المال، وليس فَقْدُ واحد من الأولاد كفقد اثنين من الأولاد مثلًا، فعِظَمُ الجزاء من عظم البلاء، وهذا لا شك أنه دليل على كمال عدل الله عز وجل، وأنه لا يظلم.
(«وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ؛ فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخْطُ» ، حسنه الترمذي).
«إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ»، كيف؟ قد يقول قائل: إن الأمر يقتضي العكس: إذا أحبَّ قومًا أرضاهم، ولَّا لا؟ مثل ما أنك الآن إذا أحببت أحدًا أنعمت عليه، ولكن أنا أقول: الله حكيم جل وعلا يبتليهم، ثم بعد ذلك يعطيهم أكثر مما كانوا.
فـ«إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ»، يعني: اختبرَهم بما يقدِّر عليهم من الأمور الشرعية أو الأمور الكونية، ليس الابتلاء بالأمور الكونية فقط كالأمراض وفقد الأموال والأهل وما أشبه ذلك، حتى في الأمور الشرعية؛ انظر إلى قول الله عز وجل للرسول صلى الله عليه وسلم: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ [الإنسان: ٢٣، ٢٤]، فذَكَّره بالنِّعمة وأمره بالصبر؛ لأن هذا الإنزال الذي أنزل الله عليه له تكليف يُكَلَّف به، فهذا من الابتلاء.
كذلك «إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ» يبتليهم بأمور تعترِضُ لهم؛ لينظُر هل يصبر عن محارم الله أو لا يصبر؟ كما جاء في الحديث في «رَجُل دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ» ، هذا ابتلاء ولّا لا؟ ويش جزاؤه؟ يظلُّه الله في ظلِّه يوم لا ظل إلا ظله، فالابتلاء لا تظن أنه فقط في الأمور الكونية؛ في الأمور الكونية والأمور الشرعية، إذا أحبك الله عز وجل ابتلاك بشيء حتى يمحِّصَك.
«فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا» (من) هذه شرطية، وجملة «فَلَهُ الرِّضَا» جواب الشرط؛ يعني: «فَلَهُ الرِّضَا» منين؟ من الله، وإذا رضي الله على شخص أرضى عنه الناس أيضًا.
«وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ» وظاهر هنا أن المراد بالسخط يعني ما يكون من المصائب القدرية الكونية، يعني: كالذي يحصل على البدن أو على المال أو ما أشبه ذلك.
وقوله: «وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ»، لماذا لم يقل: (فعليه) مع أن مقتضى السياق أن يقال: (فعليه)، مثل قوله تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا [الجاثية: ١٥]؟
مثل هذا السياق يقول بعض العلماء: إن اللام فيه بمعنى (على)، كقوله تعالى: أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ [الرعد: ٢٥]، لَهُمُ اللَّعْنَةُيعني: عليهم اللعنة.
وقال بعض أهل العلم: لا، اللام على ما هي عليه، للاستحقاق، فتكون أبلغ من (على)، يعني: كأنه استحقَّ هذا، يعني: صار عليه السخط باستحقاق ولّا لا؟ باستحقاق؛ مثل: أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُحقَّت عليهم اللعنة باستحقاق ولّا بغير استحقاق؟ باستحقاق، فهو أبلغ من قولهم: عليهم اللعنة، وإن كان يعبَّر بـ(على) أيضًا في مواضع أخرى: أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [البقرة: ١٦١]، وهذا أصح؛ أن اللام إذا دخلت على شيء يكون مقتضى السياق أن يُعدَّى إليه الحكم بـ(على)، فإن فيها فائدة أن هذا الشيء مستحق له، وأن اللام فيه للاستحقاق.
وفي هذا الحديث: إثباتُ المحبة لله عز وجل، وإثبات السخط، وإثبات الرضا؛ ثلاث صفات من صفات الأفعال أو الذات؟ من صفات الأفعال؛ لأن صفات الأفعال ضابطها: كل ما يتعلَّق بمشيئة الله، كل شيء يتعلق بمشيئته فهو صفة فعل؛ فمثلًا: «إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا» متعلقة بمشيئته ولّا لا؟ بمشيئته: «إِذَا أَحَبَّ»، (إذا) للمستقبل، فإذن الحب (...) فهو من الصفات الفعلية.
وهاهنا مسألة؛ وهي أن الله سبحانه وتعالى إذا أحب عبدًا: هل هو يحبه من الأزل، أو يحبه عند وجود سبب المحبة ويبغضه عند وجود سبب البغض؟
طالب: عند وجود السبب.
الشيخ: هذا هو الصحيح، وهو موافق للمعقول، فحينئذ يكون هذا الشخص في يوم من الأيام يحبه الله، وفي يوم يبغضه الله عز وجل؛ لأن الحكم يدور مع علته.
وفيه أيضًا: إثبات الرضا لله، وإثبات السخط، وهما صفتان فعليتان. وقاعدة أهل التأويل في هذه الصفات الثلاث أنهم ينكرونها؛ يقولون: إن الله ما يحب، وبعضهم يقول: ولا يُحَب أيضًا، يقولون: إن الله لا يحِب ولا يرضى ولا يسخَط؛ لأن هذه الصفات تقتضي النقص لمشابهة المخلوق.
وقد سبق مرارًا وتكرارًا الردُّ عليهم والحمد لله، وهم يُؤَوِّلون مثلًا المحبة والرضا بماذا؟ بالثواب أو إرادة الثواب، والسخط بالعقوبة أو إرادة العقوبة.
والصواب أن هذه صفات ثابتة لله عز وجل، فسائر صفاته التي يثبتها من يتأول في هذه الصفات، ولكنها ثابتة لله على الوجه اللائق به، وأنه يجب علينا في كل وصف وصَفَ الله به نفسه يجب علينا فيه أمران: إثباته على حقيقته وظاهره.
والأمر الثاني: الحذر من التكييف أو التمثيل؛ كل شيء وصف الله به نفسه يجب عليك أن تثبته، هل أنت تحكم على الله ولّا الله يحكم عليك؟ الله هو اللي يحكم، كيف تقول: الله ما هو بيحب، وهو أثبت لنفسه أنه يحب؟! كيف تقول: ما يرضى، وهو أثبت لنفسه أنه يرضى؟! كيف تقول: لا يغضب، وهو أثبت لنفسه أنه يغضب؟! أأنت أعلم بالله من الله؟! كلا، إذن أثبت ما أثبته الله لنفسه ولكن تبرَّأ من التكييف والتمثيل، وبهذا تسلَم، فإذا وقفت بين يدي الله عز وجل يوم القيامة وقال: ما الذي بلغك في كتابي أو على لسان رسولي أنني أحب وأنت تقول: إنني لا أحب؟ ويش جواب الإنسان؟ ما له جواب؛ لأن الأمر واضح، كلمة صريحة واضحة، لكن احذر من التمثيل أو التكييف وتسلم، وحينئذ تكون آخذًا بالنصوص إثباتًا ونفيًا: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: ١١].
طالب: لو كان (...)؟
الشيخ: ما نثبته؛ لأن السخط له سبب وهو فعل ما يُسخِط الله، والرضا له سبب وهو فعل..
طالب: والعقوبة واقعة على الفعل ولّا واقعة على العبد؟
الشيخ: لا، الواقعة على العبد إذا فَعَل هذا الفعل.
الطالب: إذا لم يفعل؟
الشيخ: أما مسألة الأفعال، فالله لم يزل ولا يزال يحب الخير والإحسان، ويكره الشر، لكن اتصاف الإنسان نفسه بهذه الصفة في حال اتصافه بها إذا كانت مما يحبه الله يكون محبوبًا له، وفي حال اتصافه بها إذا كانت مسخوطة له يكون ساخطًا عليه.
طالب: فيكون إذا كان من أهل الجنة هل نقول: يحبه أزلًا؟
الشيخ: لا، ما يحبه أزلًا، هو سبحانه وتعالى يعلم أنه من أهل الجنة، وأنه في حال من الأحوال هو كافر، ففي حال كفره لا يحبه الله؛ ولهذا أباح الله دمه وأهله وماله.
الطالب: إذن تقع المحبة أو السخط عليه؟
الشيخ: نعم، الأزلية في الأفعال، لم يزل الله مثلًا يحب الخير، يحب الإحسان، يحب العدل، لم يزل ولا يزال، لكن هذا المتصف بهذا الوصف متى اتصف به استحقَّ ما يترتب عليه.
طالب: (...)؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: يعني (...) إذا أحب؟
الشيخ: هو كامل -بارك الله فيك- لكن اتصاف الإنسان بالأسباب التي توجب الابتلاء ليس بكامل، بمعنى أني أنا قد لا يكمل بي الإسلام، قد يكون عليَّ نقص في بعض الأمور فيبتليني الله عز وجل؛ مثلما ابتلى هذا الذي دعته امرأة ذات منصب وجمال، هذا ابتلاء حتى يصل الإنسان إلى الغاية، ولّا نفس الشرع لا شك أنه كامل، لكن اتصاف العبد به هو الذي لا يكون تامًّا.
طالب: طيب، من يستدل بهذا الحديث على (...)؟
الشيخ: إي نعم، هذا نقول: إن قوله: «وَمَنْ سَخِطَ» يدل على أن المراد بالرضا هنا الصبر، يعني: رضي بقضاء الله من حيث هو قضاء، وهذا لا بد منه، واجب؛ بدليل قوله: «وَمَنْ سَخِطَ» فقابل السخط بالرضا، ولا يُقابل السخط إلا بالصبر، الرضا الذي بمعنى الصبر، السخط ويش يقابله؟ الرضا الذي بمعنى الصبر.

***

باب: ما جاء في الرياء
00:45:48

(...) أنه ليس من الرياء، وقد سئل النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك، فقال: «تَلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ» ، أن الله سبحانه وتعالى يطلع العباد على عمله فيثنون عليه بما يستحق من هذا العمل، فإذن ما يطرأ بعد انتهاء العبادة لا يُؤثِّر عليها، اللي يكون بعد انتهاء العبادة لا يؤثر عليها، اللهم إلا أن يكون هذا الشيء فيه عدوان كالمَنِّ والأذى بالصدقة، فإن هذا العدوان يكون إثمُه مقابلًا لأجر الصدقة فيبطلها، كما قال الله تعالى: لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى [البقرة: ٢٦٤].
الكلام في الرياء في مقامين؛ المقام الأول: في حكمه، والثاني: في حكم العبادة إذا اتصل بها الرياء.
قلنا في حكمه: إنه من الشرك الأصغر، وقد يكون أكبر. في حكم العبادة للمتصل بها قلنا: إن كان الباعث على العبادة هو الرياء فهي باطلة جملة وتفصيلًا، ما حاجة، باطلة بكل حال.
وإن كان الباعث على العبادة الإخلاص لكن طرأ عليها الرياء فهذا له حالان:
الحال الأولى: أن يركن إلى ذلك ويسكُن إليه ويطمئن به، فماذا يكون الحكم؟ تبطل العبادة إن كانت مما ينبني آخرها على أولها، وإلَّا صح منها ما لم يكن فيه الرياء. (...) لا بد لنا من الأدلة على هذه الأشياء.
نقول: أما إذا كان الباعث له الرياء، فالدليل على بطلانه أيش؟ هذا الحديث الذي معنا، قال الله تعالى: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِيَ غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» ، وقال سبحانه وتعالى: فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف: ١١٠].
وأما بطلانها إذا طرأ عليه في أثنائها؛ فلأن العبادة إذا بطل آخرها وهي مما ينبني أولها على آخرها، إذا بطل آخرها بطل جميعها، كما لو أحدث في أثناء الصلاة مثلًا تبطل الصلاة كلها. أما إذا كانت لا ينبني بعضها على بعض، فإن الجزء الأول منها صحيح، ما خالطه رياء ولا شيء، مبني على الإخلاص، والجزء الثاني منها يكون باطلًا.
وأما إذا طرأ عليه الرياء -وهي الحال الثانية- ولكنه لم يطمئن إليه ولم يقره، فدليله قوله عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ» .
طالب: رمضان صيامه يعتبر متصلًا ولَّا منفصلًا؟
الشيخ: لا، منفصلًا، يعني: اليوم ينفصل عن الأمس.
الطالب: طيب، هل يقضي من راءى فيه (...)؟
الشيخ: إي نعم، لو أنه صام رياء وجب عليه القضاء؛ لأنه باطل.
طالب: (...)؟
الشيخ: ومثله، كل العبادات.
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، الحج عبادة واحدة، وأجزاؤه مثلًا الوقوف بعرفة والمبيت بالمزدلفة؛ كالركوع والسجود في هذه، نعم ربما نقول فيما لو راءى في واجب، ربما نقول: لو راءى في واجب أنه لا يبطل الحج، ويكون هذا الواجب باطلًا يُجبَر بدم، ربما نقوله وعندي فيها ثقل هذه.
طالب: هل يكون (...)؟
الشيخ: والله ربما يكون لكن ما ينفعه، يجب عليه إذا زال الرياء عنه أن يعيد العبادة من جديد.
طالب: إذا بدأ (...) اللي بعثه على العمل الرياء، ولكن عندما بدأ في العمل أخلص.
الشيخ: يعني: قبل أن يبدأ، قبل أن يشرع؟
الطالب: إي، مع مبدأ، (...).
الشيخ: كلمة (مع) وكلمة (بعد) وكلمة (قبل)، إذا كان (مع) فهو ما صح، إذا كان (بعد) هو أيضًا ما صح، إذا كان (قبل) صح.
الطالب: مثلًا ها الحين قام ليصلي، والذي بعثه على الصلاة الرياء، عندما كبر تكبيرة الإحرام مع تكبيرة الإحرام أخلص.
الشيخ: صار عند التكبيرة ما زال الرياء معه.
الطالب: نعم، وأخلص مع..
الشيخ: ما تصح، (...).
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ما تصح صلاته.
الطالب: لازم يعيدها؟
الشيخ: إي نعم، لازم يعيدها.
طالب: إذا كان الرياء بعد العبادة؟
الشيخ: ما هو برياء بعد العبادة.
الطالب: إي، بس إذا قلنا: ما هو برياء يقصد به ألا يعاقب عليه ولا شيء؟
الشيخ: نعم، ولا يعاقب عليه.
الطالب: يعني مثلًا واحد حج، يوم يحج هو مخلص، ولكنه رجع إلى بلاده وصار في مجلس قام يقول: أنا حجيت، لا أحد (...).
الشيخ: هذا عاد ينظر، إذا كان متحدثًا بنعمة الله عليه فلا حرج، وإذا كان قصدُه المنة على الله صار من هذه الناحية فعله حرامًا. أما مسألة الرياء نقول: انتهى من الرياء، الآن العبادة خالصة ما فيها رياء إطلاقًا، نعم إنه يقال: هذا إذا قصد أن الناس يطلعون عليه فهذا غلط، لكن ما يوصف الحج بأنه مراء فيه، لكن يوصف الإخبار عن الحج بأنه مراء فيه، بعد ما كان ينبغي أن يتحدث بنعمة الله صار يراءي بهذا التحدث.
طالب: ما هو بهذا الذي بيحصل مع (...) بارك الله فيك.
الشيخ: لا، سمع أنه مثلًا يسبح سبح، وسمع الناس تسبيحه، يقرأ وسمع الناس قراءته، فالمهم أن الشرك إذا لم يقارن العبادة ما صار شيئًا، ما يؤثر على العبادة، العبادة انتهت.
طالب: نستدل بقوله تعالى: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الملك: ٢] على بطلان العمل إذا كان خالطه شيئٌ من الرياء، إذا كان منفصلًا؟
الشيخ: لا؛ لأن الغالب الحسن إنما يكون في الصورة لا في القصد.
الطالب: لأن تفسير الفضيل بن عياض لها يقتضي أنها تبطل؛ لأنه قال: إذا كان خالصًا صوابًا؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: إذا كان العمل خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل.
الشيخ: إي، هو فسَّر: فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا [الكهف: ١١٠].
طالب: لا، لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الملك: ٢].
طالب آخر: قال: أخلصه وأصوبه.
الشيخ: ويش يعني؟
الطالب: في سورة تبارك.
الشيخ: أَحْسَنُ عَمَلًا [الملك: ٢]؟
الطالب: إي.
الشيخ: على كل حال، الأحسن في الغالب يكون في الصورة والهيئة، ما يكون في النية، لكن لا شك أن الإنسان اللي ما عنده نية ما عنده عمل أصلًا، أصلًا هذا العمل وإن كان صورته صورة عمل فليس بعمل؛ لأنه غير مقبول.
طالب: يعني: ممكن نستدل بهذا؟
الشيخ: نستدل بالذي معنا أوضح، الاستدلال بهذا ما هو واضح.
طالب: يا شيخ، في عبارة لابن المبارك طلبنا العلم للدنيا فدلنا (...)؟
الشيخ: هذا ربما يكون مثل قول بعضهم: طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله، قد يكون الإنسان في أول أمره يلاحظ شيئًا من الأشياء، لكن عندما يقرأ في العلم وينظر فوائد الإخلاص يرجع، والعلم كما تعرف ما هو بعبادة ينبني بعضها على بعض، تدرس اليوم في هذه الحلقة وتجلس في جلسة ثانية وهكذا.
طالب: منفصل يعني؟
الشيخ: منفصل بعضه عن بعض.
طالب: وكيف يكون الصيام فيه رياء والسر بين الله وبين العبد؟
الشيخ: إي نعم، فيه رياء؛ أن يقوم ويتسحَّر قدام الناس ويصوم مثلًا إذا كان هو وإياه في عمل.
الطالب: إن كان يأكل يعني؟
الشيخ: ما يأكل، أصل هو وإياهم في عمل واحد.
الطالب: (...) وكأنه يأكل؟
الشيخ: يمكن، لكن المهم أنه يمكن فيه الرياء، وأما قول بعضهم: إنه ليس فيه رياء، ما هو بصحيح، ففيه رياء بلا شك.
طالب: حتى الواجب يا شيخ؟
الشيخ: حتى الواجب إي نعم؛ لأن الإنسان يحب أن يحمد على ما قام به من الواجب.
طالب: يعني: كل إنسان يخفي عمله؟
الشيخ: نعم.
طالب: قد يتساووا؟
الشيخ: إي، ولو تساووا؛ لأنه فيه من الناس من لا يصوم، فهو يرائي بصومه.
طالب: إن كان الإنسان يخفي عمله؛ لأنها كذا تصير كلها مخفية، إن كان كل شيء يصيبه رياء؟
الشيخ: هذا شيء، حسب ما يكون بالقلب، أنا ما أنا أقول: معناه كل عبادة لا بد تكون برياء، لكن نقول: إن الرياء يدخل في جميع العبادات، كل العبادات يمكن أن يكون فيها رياء.
طالب: شيخ، بالنسبة للتسبيح، إذا رفع صوته وكل المأمومين ما يسبحون، لكن هو (...) رفع الصوت، هل يدخل في الرياء؟
الشيخ: لا، هذا يدخل في إظهار السنة ويؤجر على هذا.
الرياء -يا إخواني- مثلما قلت: أن يكون الباعث للإنسان على هذه العبادة ما قصد وجه الله ولا إقامة دينه، إنما قصد أن يراه الناس فيمدحوه على هذه العبادة، هذا الرياء.
طالب: يعني: يكون على النية؟
الشيخ: إي، هو أصله مداره على النية، ولهذا هو يعود إلى الإخلاص، ما هو إلى الصالح؛ لأن العمل ما يكون صالحًا مقبولًا إلا إذا كان مبنيًّا على الإخلاص والمتابعة.
طالب: قولهم: تركُ العمل من أجل الناس رياء؟
الشيخ: يا إخواننا اتركوا الفروع، وخلونا نشرح لكم هذه وبعدين يتبين أحسن، ولهذا الحقيقة الأسئلة هذه الفردية تراها تضيع الفائدة، والقواعد هي المهمة.

***

فهمنا الآن حكم الرياء وحكم العبادة إذا اتصل بها، هذا أهم شيء، وبعدين نرجع إلى ما قال المؤلف: (وقول الله تعالى: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف: ١١٠]).
يقول: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، يأمر الله النبي عليه الصلاة والسلام أن يقول للناس: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، وهذه جملة فيها حصر ولَّا لا؟ وهو قصر النبي عليه الصلاة والسلام على البشرية، وأنه ليس ملكًا من الملائكة، وليس ربًّا يدبر، ويملك الضر والنفع، إنما هو بشر، وأكَّد هذه البشرية بقوله: بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، يعني: لو قال: إنما أنا بشر يوحى إليَّ تمَّ الكلام ولّا ما يتم؟ تم، لكن ذكر المثلية من باب تحقيق البشرية، وأنه عليه الصلاة والسلام بشر.
قال: يُوحَى إِلَيَّ [الكهف: ١١٠]، هذا هو الفرق بيننا وبينه صلى الله عليه وسلم، يُوحَى إِلَيَّفهو متميز بالوحي، كغيره من الأنبياء والرسل، والوحي يقول العلماء: إنه في اللغة الإعلام بسرعة وخفاء، قالوا: ومنه قوله تعالى: فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا [مريم: ١١].
وأما في الشرع: فهو إعلام الله عز وجل، إعلام الله تعالى لأحد من البشر أو من الملائكة بما تقتضيه حكمته من شرع، أو الإعلام بالشرع، إعلام الله بالشرع؛ هذا الوحي، إعلام الله بالشرع يسمى وحيًا.
وقوله: أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ [الكهف: ١١٠]، هذه الجملة أيضًا فيها حصر، أي: ما إلهكم إلا إله واحد، من هو؟ الله، فإذا كان الإله المستحق للعبادة إلهًا واحدًا، فكيف تشرك معه غيره في العبادة؟ هذا لا يليق، إذا ثبت أنه لا إله إلا الله وأنه سبحانه وتعالى واحد، فإنه لا يليق بك أن تشرك معه غيره، ولهذا قال: فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا.
المراد باللقاء هنا: فَمَنْ كَانَ يَرْجُو، الرجاء ويش معناه؟ ويش معنى الرجاء؟ الرجاء الطلب والأمل، يعني: فمن كان يؤمل أن يلقى ربه، والمراد باللقيا هنا الملاقاة الخاصة؛ لأن الملاقاة نوعان: عامة، وخاصة. فالعامة كقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ [الانشقاق: ٦]، من المراد بالإنسان؟ كل إنسان؛ ولهذا قال مفرعًا على ذلك: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ [الانشقاق: ٧]، وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ [الانشقاق: ١٠].
أما الملاقاة الخاصة التي تتضمن رؤيته تبارك وتعالى -كما قاله بعض أهل العلم- فإنها خاصة بالمؤمنين، كما في هذه الآية؛ يعني: فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِلقاء رضا ونعيم، فَلْيَعْمَلْالفاء في قوله: فَلْيَعْمَلْرابطة للجواب؛ جواب الشرط، أين الشرط؟ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ.
وقوله: فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًاالأمر هنا للإرشاد ولّا للوجوب؟ للإرشاد؛ لأنه يقول: من كان يريد لقاء الله عز وجل على الوجه الذي يرضاه سبحانه وتعالى، فليفعل هذا: فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا.
وقوله: فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًاالعمل الصالح: ما جمع بين أمرين؛ ما كان خالصًا صوابًا، وهذا وجه الشاهد من الآية. فالخالص: ما قصد به وجه الله، والصواب: ما كان على شريعة الله. عندنا رجلان أحدهما ابتدع تسبيحًا معينًا مخلصًا لله، لا يرجو بذلك إلا وجهه، فهل ينفعه؟
طلبة: لا.
الشيخ: ليش؟
الطلبة: لأنه ليس صوابا.
الشيخ: ليس على الشريعة؛ لأنه ليس على شريعة الله.
وآخر عمل عملًا على شريعة الله لكنه مراءٍ فيه؛ هذا أيضًا لا يقبل، ويش اللي فقد؟ ليس خالصًا لله.
فالعمل الصالح ما جمع بين أمرين: الإخلاص لله والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، بأن يقصد الإنسان به وجه الله ويتمشى فيه على شريعة الله. هذا هو العمل الصالح، وما عداه فهو عمل فاسد مردود على صاحبه.
دليل ذلك من السنة واضح جدًّا: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» ، هذا في جانب الإخلاص، «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» ، هذا في جانب المتابعة، ولهذا قال العلماء: إن هذين الحديثين ميزان الأعمال، فحديث عمر ميزان الأعمال الباطنة وهي النيات والمقاصد، وحديث عائشة: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرْنَا فَهُوَ رَدٌّ» هذا ميزان الأعمال الظاهرة.
وقوله: فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًاوَلَا يُشْرِكْ(لا) هذه ناهية، والمراد بالنهي الإرشاد أيضًا كما قلنا في المراد بالأمر.
وقوله: وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ، شوف: بِعِبَادَةِ، أما مسائل العادة فالعادة للعادات، لكن العبادة هي خالص حق الله؛ ولهذا قال: بِعِبَادَةِ رَبِّهِ، وأتى بكلمة (رب) إشارة إلى العلة، فكما أنه ربك الذي خلقك ولم يَشْرَكْه أحد في خلقك، فيجب أن تكون العبادة له وحده، ما قال: ولا يشرك بعبادة الله، قال: وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ، فتكون هنا الإضافة إلى الرب من باب التعليل، كأنه يقول: لما كان هو الرب الذي خلقك وأعدك وأمدك، فلتكن العبادة له وحده.
وقوله: أَحَدًانكرة في سياق النهي، فتكون عامة، لا يتعبَّد لأحد، لا لملك مقرَّب ولا لنبي مرسل ولا لولي ولا لأحد من المخلوقين، تكون العبادة لله وحده.
ووجه الشاهد من هذه الآية الكريمة: أن المرائي هل أشرك بعبادة الله أحدًا؟ نعم، أشرك؛ لأنه الآن قام يصلي مثلًا ليتقرب إلى الناس بمدحه والثناء عليه، فيكون أشرك بعبادة الله أحدًا، فالآية واضح مناسبتها للترجمة، مناسبتها للترجمة واضحة.
وفي هذه الآية الكريمة: دليل على ملاقاة الله عز وجل؛ لقوله: يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ، وقد استدل بها بعض العلماء على ثبوت رؤية الله؛ لأن الملاقاة معناها المواجهة. وعلى كل حال فالمسألة فيها شيء من الخفاء، وأدلة رؤية الله واضحة في الكتاب والسنة سوى هذه، واضحة وصريحة.
طيب، يستفاد من هذه الآية: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشر لا يستحق أن يُعبَد، أو لا؟ لأنه حصر حاله بالبشرية، كما حصر الألوهية بمن؟ بالله، ثم فرع على ذلك أن من كَانَ يَرْجُو لِقَاءَالله فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا.
طالب: يا شيخ، إذا قلنا: إنها للإرشاد معناه إذا أخلص يعني على السنة قلنا: إرشاد سواء في حقه، يعني: ما هو بالوجوب أنك تخلص (...)؟
الشيخ: لا، هو يقول: فَمَنْ كَانَ يَرْجُو، اللي يرجو إحنا ندله على الطريق: فَلْيَعْمَلْ.
الطالب: لكن العمل ليس بواجب؟
الشيخ: بلى، هو واجب، لكن هنا الآية لما جاءت: فَمَنْ كَانَ يَرْجُوعلى سبيل التبيين، مثلما تقول: من كان يريد الرياض فليسلك كذا وكذا، هل أنا ألزمه ولّا أرشده؟
الطالب: إذا قصد يجب أنه يسلك السبيل.
الشيخ: أسألك الآن: لو قال مثلًا من كان يريد الرياض فليسلك الطريق الفلاني مثلًا، ويش يصير هذا؟
الطالب: إذا كان ناويًا قصده فلا بد أن يسلكه.
الشيخ: نقول: هذا للإرشاد، لإرشاد من كان يرجو، ثم عاد هل رجاؤه للقاء الله عز وجل واجب ولّا ما هو بواجب؟
طالب: واجب.
الشيخ: واجب من دليل آخر، لكن عندما أريد أن أبيِّن لك الطريق فأنا أرشدك، وأما وجوب هذا الشيء فهو من طريق آخر.
طالب: ربنا سبحانه وتعالى يقول: إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام: ١٦٢]، كيف نقول: إن بعض الناس المسلمين عاداتهم وتقاليدهم ومبادئهم تكون ما هي داخلة في العبادات؟ أيش لون هذا؟
الشيخ: إي، ما هي بداخلة في العبادات.
الطالب: هو قال: إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي.
الشيخ: إي، معناها: الذي يتصرَّف فيَّ حيًّا وميتًا هو الله؛ هذا المعنى، فالأول العبادة والثاني الربوبية: وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي.

***

(وعن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا) إلى من؟ إلى الرسول صلى الله عليه وسلم.
(قال: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى»)، يعني: النبي عليه الصلاة والسلام يرويه عن ربه، يقول: «قَالَ اللَّهُ: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ».
«أَغْنَى» اسم تفضيل، وليست فعلًا ماضيًا، بل هي اسم تفضيل، ولهذا تضاف إلى «الشُّرَكَاءِ»، يعني: إذا كان بعض الشركاء يستغني عن شركته مع هذا الرجل فأنا أغنى الشركاء عن هذا، عن مشاركته، وهل يمكن أن يستغني الإنسان عن شركته مع شخص آخر؟ يمكن، يكون الإنسان غنيًّا، وله من هذا المكان جزء من مئة جزء، ولا يهتم بهذا الشيء، يدعه، فصار هنا استغناء عن شركته في هذا البستان مثلًا.
الله عز وجل أغنى الشركاء عن الشرك، لا يقبل عملًا له فيه شريك أبدًا، وإنما يقبل العمل الخالص له وحده، كما أنه سبحانه وتعالى الخالق وحده، فكيف يكون الخالق لك وحدك وبعد ذلك تصرف شيئًا من حقه إلى غيره؟ هل هذا عدل؟ ولهذا قال الله عز وجل عن لقمان: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: ١٣]، وصحيح أنه من أبلغ الظلم. الذي خلقك وأعدك إعدادًا كاملًا لكل مصالحك، وأمدك بما تحتاج إليه، ثم تذهب وتصرف شيئًا من حقه إلى غيره؛ لا شك أن هذا من أظلم الظلم -والعياذ بالله- ولهذا نقول: إنما كان الله تعالى لا يقبل عملًا فيه شرك؛ لأنه كما أنه الخالق وحده فيجب أن تكون العبادة له وحده.
ثم بيَّن مقتضى هذه الجملة فقال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا»، «عَمَلًا» هذه نكرة في سياق الشرط فتكون للعموم.
«مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِيَ غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» أي عمل يكون؟ صلاة، صدقة، صيام، حج، جهاد، علم، أي شيء يكون مما يتقرب به إلى الله، إذا عمل الإنسان هذا العمل وأشرك فيه مع الله غيره فإن الله يتركه وشِركَه.
وقوله: «تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» ما المراد بـ«شِرْكَهُ»؟ هل المراد وشريكه، أو المراد «وَشِرْكَهُ» أي: عمله الذي أشرك فيه؟ المراد الثاني: عمله الذي أشرك فيه؛ لأن من أُشرك مع الله قد لا يتركه الله، لو أن أحدًا من الناس راءى رجلًا من الصالحين في عبادته هل يترك الله هذا الصالح من أجل مراءاة هذا الرجل؟ لا، وكم من أناس عبدوا الأنبياء، والله تعالى لا يترك الأنبياء، فمعنى «وَشِرْكَهُ» أي: وما أشرك فيه من ذلك العمل.
يستفاد من هذا الحديث..
طالب: الآية.
الشيخ: الآية انتهينا منها، وبينا فيها أن الرسول صلى الله عليه وسلم حاله البشرية، وأنه رسول بالوحي، وثبوت لقاء الله عز وجل، وأن من يرجو لقاءه فليعمل هذا العمل.
طالب: يَرْجُو لِقَاءَمعناه أنه: يخافه، يصح هنا؟
الشيخ: لا، ما هو بالظاهر، يَرْجُويطمع ويؤمل أحسن؛ لأن هذه يخاف إنما تكون في المعاصي، أما في الطاعات فإن الرجاء فيها بمعنى الطمع في الشيء.
طالب: (...) بمعنى «تَرَكْتُهُ»؟
الشيخ: «تَرَكْتُهُ» يعني: تركت هذا الرجل الذي شركني فلم ألتفت إليه، ولم أجازه على عمله.
طالب: في مسألة العمل؟
الشيخ: نعم، في مسألة العمل الذي أشرك فيه، لكن قد يصل إلى حدِّ الكفر ويترك في كل الأعمال.
يُستفاد من هذا الحديث:
أولًا: بيان غنى الله عز وجل؛ لقوله: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءُ عَنِ الشِّرْكِ».
ويستفاد منه أيضًا: بيان عِظَم حقه، وأنه لا يجوز لأحد أن يشرك مع الله أحدًا في حقه.
ويستفاد منه: بطلان العمل الذي صاحبه الرياء؛ لقوله: «تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ».
ويستفاد منه: تحريم الرياء، ووجه ذلك: أن ترك الإنسان وشركه وعدم قبوله رضا ولَّا غضب؟
طلبة: غضب.
الشيخ: نعم، للغضب أقرب، وما أوجب الغضب فهو محرم. فحينئذ هذا الحديث يدل على تحريم الرياء وعلى بطلان العمل الذي قارنه الرياء؛ لقوله: «تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ».
ويستفاد من هذا الحديث: أن صفات الأفعال لا حصر لها، شوف الآن: «تَرَكْتُهُ» هل نأخذ من هذا وصف أن الله يسمى بالتارك؟ لا، لكن الأفعال ما لها نهاية.

***

(وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعًا) المرفوع معناه المضاف إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا مانع من أن نذكركم بأن المرفوع للرسول صلى الله عليه وسلم ينقسم إلى: مرفوع صريحًا، ومرفوع حكمًا، وما أضيف إليه نفسه فهو مرفوع صريحًا، وما أضيف إلى عهده أو إلى سنته أو إلى إقراره حكمًا، (...) فهو مرفوع حكمًا.
طالب: (...)؟
الشيخ: (وعن أبي سعيد مرفوعًا، قال: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي مِنَ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ» ).
«أَلَا» هنا أداة عرض، والمقصود بها التنبيه؛ تنبيه المخاطب لما يلقى إليه، فهو أبلغ من الإتيان بكلام مرسل هكذا.
وقوله: «بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي» «بِمَا» (ما) اسم موصول، أي: بالذي، «هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي مِنَ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ»، «أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي» يعني: عند الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه عليه الصلاة والسلام من رأفته ورحمته بالمؤمنين يخاف عليهم كل فتنة، يخاف عليهم كل الفتن، وأعظم فتنة تكون على وجه الأرض هي فتنة الدجال، هذا معروف ومعلوم، ولكن يقول الرسول عليه الصلاة والسلام هذا: «أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي مِنَ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ»، وإنما كان كذلك؛ لأن التخلص منه صعب جدًّا، من هذا النوع الذي ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم (...).
ولهذا قال بعض السلف: ما جاهدت نفسي على شيء مجاهدتها على الإخلاص ، وهذا صحيح؛ لأن الإخلاص ليس بالأمر الهين؛ ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ» . و«لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» ما هو بمجرد اللفظ بها، لا بد لها من أحكام وشروط، يقتضي من جميع الأعمال التي تتأله بها إلى الله تكون خالصة من قلبك.
وقوله: «الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ» وصَفه الرسول عليه الصلاة والسلام بأمرين: بأنه مسيح وبأنه دجال، فوصفه بعيبين؛ أحدهما حسي والثاني معنوي.
الحسي: «الْمَسِيحِ»؛ لأنه ممسوح العين، أعور العين كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْكُمْ؛ إِنَّهُ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، وَإِنَّ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى» .
أما العيب المعنوي فهو قوله: «الدَّجَّالِ» وهو صيغة مبالغة، وإن شئنا قلنا: إنه نسبة، نعم، يعني أن وصفه الملازم له هو الدجل، والدجل هو الكذب والتمويه، ولا أكذب ولا أشدَّ تمويهًا من هذا الرجل «الدَّجَّالِ».
وهو رجل من بني آدم، لكن الله عز وجل بحكمته البالغة يرسله ليفتن الناس، وفتنته عظيمة، ما في الدنيا منذ خُلِق آدم إلى أن تقوم الساعة شيء أشد من فتنة الدجال، نعوذ بالله منه.
طيب، فيه مسيح صديق من هو؟ المسيح ابن مريم عليه الصلاة والسلام، مسيح صديق يقتل مسيحًا دجالًا.
قال بعض أهل العلم: إنه ينبغي أن يُسمَّى المسيخ من المسخ، ولكن هذا من باب التكلف، ما دام الرسول صلى الله عليه وسلم سمَّاه بهذا الاسم فلسنا أشد من الرسول عليه الصلاة والسلام تعظيمًا لله وتنفيرًا من عبادة غيره (...) بيد غيره، فسمَّاه المسيح.
طيب، المسيح الدجال يُخاف منه لأنه فتنته عظيمة، واعلم أن المسيح الدجال اختلفت فيه الأحاديث واشتهرت، حتى كان من المعلوم بالضرورة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر أمته أن يتعوذوا منه في كل صلاة حتى أصبح الآن أمرًا ضروريًّا، وقد حاول بعض الناس (...) أن ينكروه، وقالوا: إن هذا لا يمكن، وإن ما ورد من الأحاديث في صفته فيه شيء من التناقض، وفيه شيء من مخالفة الطبيعة، فلا ينبغي أن نصدق به، لكن هؤلاء -والعياذ بالله- هم الذين يقيسون الأحاديث بعقولهم وأهوائهم، ويقيسون أيضًا قدرة الخالق بقدرهم. يقولون: كيف يصير اليوم الواحد عن سنة كاملة، والشمس لها نظام وقانون وناموس ما يمكن تتعداه؟! وهذا لا شك ينادي -والعياذ بالله- بجهلهم بالله سبحانه وتعالى، من يقدر يجعل هذا النظام والنواميس بالشمس؟ الله، والذي جعل لها ذلك قادر على أن يغيِّرها متى شاء، قادر مثلًا أن تُكوَّر ثم (...) تنفجر، والسماء تكشط، كل (...) تُغيَّر بكلمة واحدة من الله عز وجل: كن فيكون.
وكونه ما (...) الأحاديث واشتهرت بين المسلمين بمثل هذا التعليل؛ هذا دليل على ضعف الإيمان وعلى نقص تقدير الإنسان لله عز وجل: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِه [الأنعام: ٩١]. فالذي نؤمن به أن هذا المسيح سيبعث في آخر الدنيا ويحصل منه كل ما ثبت عن الرسول عليه الصلاة والسلام، ونؤمن بأن الله على كل شيء قدير، وأنه قادر على أن يبعث من يفتن الناس عن دينهم ليتميز الخبيث من الطيب والمؤمن من الكافر، مثلما أن الله يبتلي العباد (...)، ابتلى المؤمنين بأن أرسل عليهم الصيد وهم محرمون، تناله أيديهم ورماحهم لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ [المائدة: ٩٤]، وابتلى الله بني إسرائيل بالحيتان تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ [الأعراف: ١٦٣]، ويبتلي الله عز وجل أيضًا الأفراد من الناس بأشياء (...) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ [الحج: ١١]، قد يمتحن الإنسان بأشياء من بلاء يصيبه في نفسه أو في أهله أو في ماله أو في فكره أو (...)، قد يسلط على الإنسان أشياء ترد على قلبه (...) من عند الله.
فالحاصل أننا نقول: نحن نؤمن بهذا؛ بالمسيح الدجال، وأن فتنته أعظم الفتن، وكل ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في وصفه فإنه يجب علينا أن نؤمن به.
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، (...) في آخر الزمان.
الطالب: (...)؟
الشيخ: إي نعم، وإلا (...).
(قال: «الشِّرْكُ الْخَفِيُّ»).
«الشِّرْكُ» ويش إعرابه؟ خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هو الشرك.
«الْخَفِيُّ» الذي لا يَبِين؛ لأن الشرك الخفي اللي هو الرياء -كما يدل عليه المثال اللي في آخر الحديث- هذا لا يَبِين، هل أحد يعلم ما في قلوب الخلق؟ لا يمكن، يقوم رجلان يصليان أمامك أحدهما يرائيك والثاني مخلص لله عز وجل، هل تعلم مَن المرائي من الْمُخْلِص؟
طالب: لا.
الشيخ: إذن الشرك خفي، لكن قد تعلم حال المرائي بقرائن، ولا بد لمن أشرك كثيرًا أن الله يظهرها على فلتات لسانه وصفحات وجهه، لا بد أن يتبين، إنما في حال الرياء خفي؛ لأن محله القلب، وما كان محله القلب فإنه لا يمكن العلم به إلا الله عز وجل.
وهذا يسمى أيضًا باسم آخر: شرك السر، أو شرك السرائر، وهذا هو الذي بَيَّنه الله عز وجل في قوله: يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ [الطارق: ٩]؛ لأن الحساب يوم القيامة ما هو (...)، لكن يوم القيامة الحساب على السرائر، أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ [العاديات: ٩، ١٠]، نسأل الله أن يخلص ظواهرنا وبواطننا.
طلبة: آمين.
الشيخ: الحقيقة أن العلم هو (...) على ما في السرائر، وكم من إنسان يفتضح إذا كان يوم القيامة؛ لأنه يتبين للناس أن أمره خلاف ما كان يفعل في الدنيا، كما في الحديث الذي كان يأمر بالمعروف ولا يفعله، وينهى عن المنكر ويفعله، فيُلْقَى في النار حتى تندلق أقتاب بطنه، فيدور عليها كما يدور الحمار على رحاه، فيجتمع إليه أهل النار فيسألونه .
الحاصل أن هذا شرك خفي، ويسمى شرك السرائر، جمع سريرة؛ لأنه لا يَطَّلِع عليه إلا الله.
وفهمنا من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الشِّرْكُ الْخَفِيُّ»، أن هناك شركًا جليًّا، وهو كذلك، وهو ما كان بالقول أو بالفعل، فالشرك يكون بالقول، ويكون بالفعل، ويكون بالقلب، الذي في القلب يسمونه خفيًّا، واللي في القول واللي في الفعل يسمونه جليًّا، (...) لغير الله تعظيمًا شرك ظاهر ولَّا خفي؟
طلبة: ظاهر.
الشيخ: بالفعل ولَّا بالقول؟ بالفعل، والحلف بغير الله، وقول: ما شاء الله وشئت، وما أشبه ذلك، هذا شرك ظاهر بالقول.
فصارت أقسام الشرك الآن قسمين، وأحدهما ينقسم إلى قسمين: خفي وجلي، والجلي: فعلي، ويش بعد؟ وقولي، نعم.
(قال: «الشِّرْكُ الْخَفِيُّ»)، ثم بَيَّنَه فقال: «يَقُومُ الرَّجُلُ فَيُصَلِّي فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهُ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ إِلَيْهِ» ، والمرأة ما تفعل؟
طالب: مثله.
الشيخ: نعم مثله، ولهذا نقول: إن مثل هذا يسميه العلماء مفهوم الأخص، بمعنى أنه قد يُعَلَّق الحكم بما هو أشرف لا لقصد التخصيص، ولكن لضرب المثل، فهنا ما قصد الرسول صلى الله عليه وسلم التخصيص؛ لأن الحكم يشمل الرجال والنساء.
قوله: «فَيُصَلِّي فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهُ» يجعلها زينة، يحسنها، يعني: يطمئن، ويرفع يديه للتكبير، ويجعل رأسه مساويًا لظهره في الركوع، و(...)؟
طالب: نعم.
الشيخ: إلى آخره، معروف.
العلة: «لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ»، (ما) هنا هل ترونها مصدرية أو موصولة؟
طالب: مصدرية.
طلبة: (...).
الشيخ: هي فيها إشكال في الحقيقة إن جعلناها مصدرية؛ لأن (مِن) قد تمنع، لو قلنا: لرؤيته «مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ إِلَيْهِ» يستقيم الكلام؟
طالب: لا.
الشيخ: إذا قلنا موصولة: للذي يراه من نظر رجل إليه، فتكون موصولة، حُذِف منه العائد، يعني: للذي يراه من نظر رجل إليه، شوف الآن، «لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ»، هذه مراءاة، فهو أشرك ليراه هذا الرجل، أو تَعَبَّد ليراه هذا الرجل.
والتعليل هنا: «لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ» هل هو للتزيين ولّا (...) أصلًا؟
طالب: للتزيين.
الشيخ: «يَقُومُ الرَّجُلُ فَيُصَلِّي فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهُ لِمَا يَرَىَ»، هل إن (...) هنا للتزيين، أو لأجل الصلاة؟
طلبة: للتزيين.
الشيخ: والله في الحقيقة أنه يحتمل، وأيًّا كان فهو شرك، سواء كان شركًا في أصل العبادة، أو في وصفها، إن كان الحامل له على فعل الصلاة من الأصل فهو شرك في أصله، وإن كان الحامل له التعبد لله عز وجل لكن زَيَّنَها لأجل الناس فهو شرك (...).
طالب: (...).
الشيخ: لو أخذنا (...)، إذا كان الأصل الحامل له على هذا مراءاة الناس فلا شك أن الصلاة ما تصح، وإن كانت لله لكن زَيَّنَها لغير الله فنقول: إنه يقبل أصلها دون وصفها، هذا هو الظاهر، والمسألة تحتاج إلى تأمل؛ لأن هنا الوصف لا ينفصل عن الأصل، فمثلًا الركوع ركن، إذا أشرك في وصفه عاد الركوع فاسدًا ولَّا صحيحًا؟
طالب: فاسدًا.
الشيخ: فاسدًا، فحينئذ ما تُقْبَل العبادة، فالمسألة تحتاج إلى تأمل في الواقع، وما تقع على بالي إلا الآن، يعني قد نقول: إنه إذا أشرك في وصف العبادة، الوصف في الحقيقة صفة الأصل، فالأصل لا بد له من صفة، فإذا أشرك في صفة الأصل -والصفة لا تنفك عن الموصوف- صار كأنه أشرك في الأصل، وإذا نظرنا إلى أن التزيين قد يكون.. أما إذا كان منفصلًا واضح يكون منفصلًا، كما لو كان رفع يديه مثلًا وهو بالأول لولا مراءاة الناس ما رفع يديه، وكما لو سَوَّى ظهره ولولا مراءاة الناس ما سَوَّى ظهره.. فالمسألة تحتاج إلى تأمل إن شاء الله تعالى (...).
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، هذا ضعيف، لكن له شاهدًا (...) وهو صحيح أو حسن، فعليه الحديث يقوى بها، إنما الإشكال الذي في الحقيقة فيه مشكلة للمرء، كون الرسول صلى الله عليه وسلم يخاف هذا علينا أكثر مما يخاف علينا من فتنة الدجال، وقد قال: إنه ما.. يعني معنى الحديث: إنه ما وجد فتنة أعظم من فتنة الدجال، فهل نقول: إن هذا الحديث ينافي الحديث الصحيح؟ وهل يدل على ضعفه، أو نقول: لا؟
طلبة: (...).
الشيخ: التعارض ولَّا نقول: إنه أَخْوَف علينا من المسيح الدجال، فالحديث الصحيح أنه ما يوجَد فتنة على الأرض منذ خُلِق آدم إلى أن تقوم الساعة أعظم من فتنة الدجال، وإذا كان فيه أعظم تكون هي أَخْوَف.
طالب: (...).
الشيخ: هذا معنى ما قال (...)، ربما نقول أيضًا: رجل أَخْوَف، أن الدجال له علامات ظاهرة، كل مؤمن يسلم منها، وقد أطلعنا الرسول عليه الصلاة والسلام أنه مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤها كل مؤمن قارئ وغير قارئ (...)، صحيح أنها من حيث التأثير العام شديدة جدًّا؛ لأنه يأمر السماء فتمطر والأرض فتنبت ، ويجيب الواحد ويشقه شقتين (...) بينهما رمية الغرض ويمشي بينهما (...) وتتبعه بهائمهم، يعني جدًّا صعب، فلهذا من حيث الشكل الظاهري فتنة المسيح أعظم، لكن يُخَفِّفُها ما هو؟ العلامات الظاهرة، هذا واحد.
الفرق الثاني ما ذكره الإخوان؛ أن فتنة الدجال مُوَقَّتَة بوقت، وإن كانت –يعني- ما حُدِّد أنه يخرج في سنة كذا ممكن يخرج في أي لحظة، وأما هذا الرياء فإنه مستمر حتى في وقت الرسول عليه الصلاة والسلام، المنافقون يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلًا، هذا فرق.
طالب: المنافقون (...).