«تَعِسَ عَبْدُ
الدِّينَارِ» ، «تَعِسَ» بمعنى هلك وخسر، و«عَبْدُ
الدِّينَارِ»؛ أي: من كان عبدًا للدينار، والعبودية في الأصل الذل، أي: من
ذَلَّ له؛ أي: للدينار، حتى كان الدينار أكبر همه. والدينار هو النقد من الذهب،
ويُسَمَّى عندنا جنيهًا، يُسَمَّى جنيه سعودي مثلًا، جنيه أفرنجي، وما
أشبهه.
«تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ»، النقد من
الفضة، و«عَبْدُ الدِّرْهَمِ» الذي خضع له وذلَّ له حتى
استعبده؛ مثل أولئك الذين ليس لهم هم إلا البيع والشراء والتجارة تجدهم -مثلًا-
أفكارهم وعقولهم ومنامهم ويقظتهم كلها لجمع الدينار والدرهم. هذان نوعان من
المال.
النوع الثالث: «تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيصَةِ»،
الخميصة هي الثياب، هي ثوب مُطرَّز له أعلام، وهذا عائد إلى اللباس.
«تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيلَةِ»، الخميلة القطيفة، وهذا عائد
إلى الفراش.
فمن الناس من همه جمع المال، ومن الناس من همه تحسين ثيابه، ومن
الناس من همه تحسين فراشه، وهذا على ضرب المثل، وإلا فمن الناس أيضًا من همه تحسين
مركبه، ومن الناس من همه تحسين مطعمه، لكن هذا على سبيل المثال.
قال: «تَعِسَ وَانْتَكَسَ» أعوذ بالله! إي نعم، «إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ»، هذا مما
يدل على عبوديته لهذه الأموال: «إِنْ أُعْطِيَ» المال
«رَضِيَ»، وأنت حبيبه وصديقه ورفيقه، «وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ» سخط عليك، وربما (...) حتى عن
العبادة -والعياذ بالله- إذا أعطيته أقبل على العبادة وصار حريصًا، وإذا ما أعطي
أعرض واستنكف وبعُدَ حتى عن العبادة.
وقوله: «تَعِسَ
وَانْتَكَسَ»؛ يعني معناه أنه تعس مرتين، تعس ثم انتكس. ويقال: إن التعس هو
الانكباب على الوجه، يطيح على وجهه، والانتكاس على قفاه، كأنه يطيح على وجهه كذا ثم
ينتكس، فيكون هذا أشد والعياذ بالله.
طالب: عندي «انْتُكِسَ».
الشيخ: غلط، «انْتَكَسَ». طيب، هذه الجُمَل: «تَعِسَ»، و«تَعِسَ وَانْتَكَسَ»،
هل هي دعاء أو خبر؟
طالب: خبر.
طالب آخر: دعاء.
الشيخ: يحتمل في
الحقيقة أن تكون دعاء، أن الرسول صلى الله عليه وسلم دعا عليه بالتعاسة والانتكاس،
ويحتمل أن تكون خبرًا. وأيهما أقرب؟
طالب:
الخبر.
الشيخ: الخبر أبلغ، لكن الخبر قد يُشْكِل عليه
أن من الناس من يكون هذه حاله ولا يحصل له هذا، هذا هو المشكل، وإلا لا شك أن الخبر
أبلغ وأعظم؛ أن الرسول عليه الصلاة والسلام يخبر بأن هذا تاعس هالك ما له
خير.
«وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ»، كل هذه الجمل
فيها سجع، لكنه سجع غير متكلف، وهو مما يطيب للسمع، السجع يطيب للسمع.
«إِذَا شِيكَ»، «شِيكَ» فعل ماض
مبني للمجهول، ونظيره: قيل، وبيع، وما أشبهها. ومعنى «شِيكَ»؛ أي: أصابته شوكة.
«فَلَا
انْتَقَشَ»؛ أي: فلا أخرجها بالمنقاش، وظاهر اللفظ:
«فَلَا انْتَقَشَ» هو بنفسه، وليس المعنى: فلا وجد من ينقشها له، بل الظاهر
أنه هو نفسه عنده من المهانة والعجز والكسل ما لا يدفع عن نفسه أدنى ضرر؛ لأنه ما
همه إلا الترف، يُصاب بالشوكة فلا ينتقش.
هذا إذا جعلناه خبرًا، وإن جعلناه
دعاء، فإن معناه أن الرسول صلى الله عليه وسلم دعا عليه بألَّا يندفع الضرر عنه حتى
هذا الضرر السهل، «إِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ»؛ يعني
أن الله لا ييسر له الأمور ولا يحصل له المقصود، بسبب أنه إذا أصيب بأدنى شيء عجز
عن إزالته عنه.
والواقع أن الأمر كذلك بالنسبة للمترفين، أنتم الآن إذا تأملتم
أحوال المترفين الذين ليس لهم هم إلا جمع المال وإصلاح الثوب والفراش والسيارة
والمسكن، وما أشبه ذلك، تجده من أعجز الناس ومن أخمل الناس، ما يتحرك، حتى إن بعضهم
يمكن يثقله أن يأخذ مشلحه ويضعه في العلاقية، شاهدنا أناسًا إذا جاء ووقف يبغي
-مثلًا- خادمًا ولَّا غيره، يأخذ المشلح ويحطه على العلاقية، من المهانة. هذا هو
الواقع.
وقوله: «طُوبَى لِعَبْدٍ»، هذا عكس
الأول..
طالب: يا شيخ، قوله: «إِنْ
أُعْطِيَ رَجُلٌ»، من المعطي؛ الله أم الإنسان؟
الشيخ: لا، «إِنْ أُعْطِيَ»؛ أي
إنسان يعطيه من المال؛ كولي الأمر مثلًا أو.. أي واحد.
الطالب: يعني ما المقصود الله عز وجل؟
الشيخ: يعني: ما همه إلا المال، ما يرضيه إلا المال، ولا يسخطه
إلا المال؛ يرضى لوجوده، ويسخط لفقده.
الطالب: أقول:
الله عز وجل الذي يعطيه ولّا..؟
الشيخ: سواء الله أو
غيره، إي نعم.
طالب: (...)؟
الشيخ: ربما إي.
الطالب: ما
يمنع؟
الشيخ: ما يمنع، مسلم ولَّا كافر.
قال: «طُوبَى لِعَبْدٍ»، (طُوبَى) فُعْلَى، و(فُعْلى) مؤنث أفعل.
وهذه الكلمة مشتقة من الطيب، لو كانت مذكرًا لكان اللفظ: أطيبُ أو أطيبَ، لكن هنا
قال: «طُوبَى» على وزن أيش؟ فُعْلَى؛ من الطيب.
إذا
قلت: إنها من الطيب لماذا لم تكن: طِيبَ؟ نقول: لأنه لما ضمَّ أول الفعل وكانت
الياء ساكنة، فإنه لا بد أن تنقلب واوًا لمناسبة الضمة، فيقال: (طوبى).
وقوله:
«طُوبَى لِعَبْدٍ» إلى آخره، هل المراد الشجرة المعينة
في الجنة، أو أن المراد العيشة الفضلى الطيبة في الدنيا والآخرة؟ الثاني هو الأحسن
وهو الأعم؛ يعني الحياة الطيبة والعيشة الطيبة، وحصول المقصود ودفع المكروه تكون
لهذا الرجل. شوف: «لِعَبْدٍ» ووصفه بالعبودية؛ لأنه قد
قام بحقها.
«أَخَذَ بِعَنَانِ فَرَسِهِ»، وفي لفظ:
«آخِذٍ بِعَنَانِ فَرَسِهِ»،
«آخِذٍ». شوف الفرق بين هذا الرجل والأول. «أَخَذَ -أو
آخِذٍ- بِعَنَانِ فَرَسِهِ»، العنان هو المقود، المقود: الرَّسَن الذي يُقاد
به الفرس.
«بِعَنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ
اللَّهِ»؛ أي: في الجهاد في سبيل الله، فهذا الرجل مستعدٌّ متهيئٌ دائمًا،
عنان فرسه في يده، متى وجد الداعي ركبها، ما همه نفسه أنه يصلح نفسه أو ثوبه أو
فراشه. ولهذا قال: «أَشْعَثَ رَأْسُهُ، مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاهُ»
نسأل الله من فضله. منين؟
طالب: من
الجهاد.
الشيخ: من الغبار في سبيل الله، «أَشْعَثَ رَأْسُهُ»؛ يعني أنه غير مرجَّل ولا مدهون، ولا
شيء.
«أَشْعَثَ»، قدماه أيضًا مغبرَّة من غبار سبيل
الله عز وجل. إذن هو يعمل تمامًا ولَّا لا؟ يعمل؛ لأن الغبار ما يأتي إلا من العمل
والحركة والنشاط والقوة.
يقول: «أَشْعَث رَأْسُهُ»،
رأسُ ولَّا رأسَ؟
طالب: رأسُ.
الشيخ: ليش؟
الطالب: مبتدأ
مؤخر.
الشيخ: وين الخبر؟
الطالب: «أَشْعَثُ».
طالب: فاعل.
الشيخ: فاعل
لأيش؟
الطالب: فاعل لـ«أَشْعَث».
الشيخ: فاعل لـ«أَشْعَث»، إي نعم، نعم لو قال: أشعثٌ رأسُه، لصار معناها:
رأسه أشعث، مبتدأ وخبر. لكنه قال: «أَشْعَثَ رَأْسُهُ»،
فـ«رَأْسُهُ» هذه فاعل «أَشْعَثَ». مثلما تقول: حسنٌ وجهه.
طيب، «مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاهُ»، «مُغْبَرَّةٍ»
هذه صفة لـ«رَجُلٍ»، ويجوز أن تكون بالنصب على
أنها حال؛ لأن (رجل) وُصف، وإذا وصفت النكرة جاز وجود الحال منها.
وقوله: «مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاهُ»، «قَدَمَاهُ»
مرفوعة ولَّا منصوبة؟
طالب: مرفوعة.
الشيخ: مرفوعة على أنها؟
الطالب:
فاعل.
الشيخ: فاعل «مُغْبَرَّةٍ»؛ لأن «مُغْبَرَّة»
اسم فاعل، و«قَدَمَاهُ» فاعل.
فإذا قلت: كيف
صارت «مُغْبَرَّة» مؤنث صفة لـ«رجل» وهو مذكَّر؟
قلنا: لأن النعت هنا ماذا يسميه
النحويون؟ النعت هنا سببي لا حقيقي، وأظن ما خلفناه خلفناه، النعت سببي لا حقيقي،
إذا كان النعت رافعًا لاسم ظاهر فهو سببي؛ مررت برجل قائم أبوه قائم، هذه صفة
لـ(رجل) من حيث الإعراب، لكنها من حيث المعنى وصف للأب، ولهذا تتبع الأب.
مررت
برجل قائمة أمه ولَّا قائم أمه؟
طالب: قائمة.
الشيخ: قائمة. مررت بامرأة قائمة أبوها؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: ما
يجوز؟
الطالب: نعم.
الشيخ:
مررت بامرأة قائم أبوها، زين، إذن هذا سببي، يسميه النحويون النعت السببي.
«مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاهُ»، مع هذا، هذا الرجل العامل المتهيئ
المستعد ممتثل للأمر غاية الامتثال، ما يقول: ليش تحطوني في هذا؟ أي شيء يوجهه إليه
القائد يتجه إليه.
شوف: «إِنْ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ كَانَ
فِي الْحِرَاسَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ كَانَ فِي السَّاقَةِ»، إن
قال له: احرس يحرس، ما يقول: والله حطوا حارسًا غيري، أنا تعبان أبغي أنام. إذا كان
في الساقة وهي مؤخر الجيش، ما يقول: ليش تخلوني في المؤخر؟ حطوني في المقدم، أو
حطوني في اليمين أو في اليسار، لا، أي شيء يضعه فيه القائد يمتثل (...) ولا يرى
لنفسه حقًّا؛ لأنه يتبع المصلحة.
إن قلت: «إِنْ كَانَ فِي
الْحِرَاسَةِ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ»، هذا تحصيل حاصل؟
طالب: توكيد يعني.
الشيخ: مثلما إذا
قلت: إن كان قائمًا كان قائمًا، كيف يكون (...) والمعلوم أن جواب الشرط مخالف لفعل
الشرط؟
فالجواب: أن المعنى «إِنْ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ»
قام بها على أتم وجه، «كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ»؛
يعني: ناهيك به حارسًا.
طالب: (...).
الشيخ: فاختلف المعنى بين فعل الشرط وجواب الشرط. «إِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ» أيضًا ما هو معناه إن كان (...)
في الساقة، لا، المعنى: «كَانَ فِي السَّاقَةِ»؛ يعني:
حمى القوم أن يأتيهم أحد من ظهورهم، فصار المعنى: إن كان في هذا المكان قام به على
أتم وجه، سواء في الساقة أو في الحراسة.
وهذا دليل على أن الرجل قائم بما يلزمه
ممتثل لما يؤمر به، وهذا في الحقيقة تجده نادرًا، فهذا جمع بين ثلاثة أوصاف:
الاستعداد التام -لا، أكثر من ثلاثة أوصاف- والانشغال التام بالجهاد، حتى إنه ما
يغسل لا رجله ولا يصلح شعره.
والثالث: الامتثال التام. من أين يؤخذ؟ «إِنْ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ»، و«وَإِنْ
كَانَ فِي السَّاقَةِ».
والرابع: إتقان عمله والقيام به على أكمل وجه،
لقوله: «كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ»، و«كَانَ فِي السَّاقَةِ».
وهذا واللهِ هو المجاهد حقًّا،
أما المجاهد الذي يريد أن يكون في مكان معين ومنابذ ومخالف وغير مؤتمر، فهذا غير
مجاهد. هذا هو الذي له العيشة الطيبة -نسأل الله من فضله- تجده في هذه الأماكن وعلى
هذا الوصف، لكنه في نعيم، لماذا؟ لأنه راضٍ مطمئن، قلبه متنعم، ولهذا قال: «طُوبَى لَهُ»، والنعيم حقيقةً هو نعيم القلب: إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ [الانفطار: ١٣]، ولو كانوا
فقراء؛ لأن النعمة أو النعيم هو نعيم القلب.
وتأمل قوله تعالى: لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ [الدخان: ٥٦]، لَا يَذُوقُونَ فِيهَافي أيش؟ في الجنة، الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى. هم ميتون يبقى الجنة ميتة أولى؟ لا، لكنهم في
الحقيقة هم في الجنة وهم في الدنيا؛ لأنهم في نعيم.
ولهذا يُرْوى عن شيخ الإسلام
ابن تيمية رحمه الله أنه لما حُبِسَ قال: ما يصنع أعدائي بي؟ يعني: أي شيء يصنعون
بي؟ إن جنتي في صدري، وإن حبسي خلوة، ونفيي سياحة، وقتلي شهادة. المهم أن قوله:
(جنتي في صدري)؛ يعني لما يجد في صدره من النعيم والسرور، حتى إن بعض السلف يقول:
لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف، إي نعم.
هذا
الرجل (...) في هذا المقام العظيم، وفي هذه الأعمال الصعبة الشاقة، وفي هذا
الامتثال العظيم والاستصغار لمن فوقه، هو في أطيب ما يكون من العيش.
قال النبي
عليه الصلاة والسلام مبينًا حال هذا الرجل أيضًا: «إِنِ
اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشَفَّعْ»، هذا في
الدنيا. إن استأذن ما يُؤْذَنُ له. لماذا؟ لأنه حقيرٌ في أعين الملوك والأمراء
والكبراء والأعيان، حقير، وخامل الذكر عندهم، لكنه عند الله وجيه.
«إِنْ شَفَعَ»؛ يعني: إن توسط لأحد، والشفاعة هي التوسط للغير
بجلب منفعة أو دفع مضرة، هذه الشفاعة، وسُمِّيت شفاعة لأن الشافع يجعل المشفوع له
شِفعًا، المشفوع له واحد، فإذا انضم إليه هذا الشافع صار الطالب للحاجة كم؟ اثنين،
فلهذا سميت شفاعة.
وقولنا: إن الشفاعة هي التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة،
لو أنك طلبت من شخص أن يشفع لك لدى ديوان الخدمة على أن تكون في وظيفة، ويش نوع
الشفاعة؟ جلب منفعة ولَّا دفع مضرة؟ جلب منفعة. ولو حكم عليك بضريبة، فطلبت من شخص
أن يتوسط إليك لدى الجهات المسؤولة أن يضعوا هذه الضريبة، هذه دفع مضرة، كذا؟
في
يوم القيامة الشفاعة لمن استحق النار ألا يدخلها، أو لمن دخلها أن يخرج منها، هذا
لدفع مضرة. وفي أهل الجنة أن يدخلوا الجنة، هذا لجلب منفعة.
فإذن الشفاعة نقول
في تعريفها: هي التوسط للغير لجلب منفعة أو دفع مضرة.
ما وجه تسميتها بهذا
الاسم؟ لأن الشافع يشفع المشفوع له؛ أي يجعله شِفعًا، اثنين، فبدل ما كان طالب
الحاجة واحدًا وهو المشفوع له، صار الآن بالشافع صار اثنين.
«وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشَفَّعْ» هذا الحديث مناسبته للباب
ظاهرة جدًّا؛ لأن الصنف الأول من الناس يريد أيش؟
طالب:
الدنيا.
الشيخ: يريد الدنيا، عبدٌ للدينار، وعبدٌ
للدرهم، وعبدٌ للخميصة، وعبدٌ للخميلة. طبِّق هذا على حال كثير من المسلمين اليوم
-ما أقول: أكثرهم، لكن كثير منهم- تجد أنه ينطبق تمامًا، تجده -مثلًا- في دكانه
وداعي الصلاة يقول: حي على الصلاة، ولكنه لا يصلي، فإن كان هناك سلطة أغلق الباب
على نفسه حتى يخرج الناس من الصلاة، أو أغلق الباب وصار يتجول في السوق. وهذا
شاهدناهم بأعيننا، هؤلاء نسميهم عبيد الدنيا، لو كانوا عبيدًا لله عز وجل لكانوا
إذا سمعوا داعي الله أجابوا الدعوة، لكنهم عبيدٌ للدنيا.
وهذا كما أنه من ضعف
الدين فإنه من قلَّة العقل، سفه عظيم يا إخوان. كيف سفه؟ المال مخلوق لك ولَّا أنت
مخلوق للمال؟ المال مخلوق لك؛ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا [البقرة: ٢٩]، لكنك الآن جعلت نفسك مخلوقًا له، أنت
مخلوق لله والمال مخلوق لك؛ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦]، هذا الذي من أجله خلقت؛
العبادة، كل الذي في الأرض مخلوق لك. فكيف يليق بك وأنت رجل عاقل أن تجعل ما خلق لك
غاية وتجعل نفسك أنت خادمًا له؟ فأنت الآن خادم بينما المال هو الخادم.
ويعجبني
ما قال شيخ الإسلام رحمه الله في هذا الصدد، قال: ينبغي للإنسان ألَّا يجعل المال
أكبر همه أو غاية قصده، بل يجعله بمنزلة الحمار يركبه. ما قال: ولا بمنزلة البعير،
بمنزلة الحمار يركبه، أو بمنزلة بيت الخلاء يقضي فيه حاجته. الله أكبر! والله لو
جعلنا المال هكذا استرحنا، لكن كثير من الناس الآن على العكس من هذا.
ثم نقرأ
المسائل، يقول المؤلف رحمه الله: (فيه مسائل؛ الأولى: إرادة الإنسان الدنيا بعمل
الآخرة) وحكمه محرم ولَّا جائز؟ هذا محرَّم، وقد يكون شركًا، كما سبق على حسب
التفصيل السابق.
ولكن يجب أن نعرف أن من أخذ شيئًا من الدنيا ليستعين به على
الآخرة فإنه خارج من هذا الحكم؛ لأنه ما أراد الدنيا بعمل الآخرة، بل أراد عمل
الآخرة واستعان بالدنيا عليه.
ولهذا قال شيخ الإسلام: إنه يفرق بين من أخذ المال
ليحج وبين من حج ليأخذ المال، فالثاني ليس له في الآخرة من خلاق، من أخذ المال ليحج
ما هو الغرض؟ الحج، والمال وسيلة. ومن حجَّ ليأخذ المال صار المال هو الغاية والحج
وسيلة.
مثله أيضًا طلب العلم، من طلب العلم ليأخذ المال فليس له في الآخرة من
خلاق، ومن أخذ المال ليطلب العلم ويستعين به على طلب العلم، فهذا يجوز ولَّا لا؟
يجوز وهو غرض مباح.
طالب: بعض الناس قد لا يكون همه
المال، ولكن (...).
الشيخ: «لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ، أَوْ يُجَارِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ،
أَوْ يَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ؛ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ
النَّارِ» ، هذا من عمل الدنيا
والإنسان يريد هذا، أو مثلًا قد لا يريد المال، لكن يريد أن يصل إلى مرتبة معينة
ليتوصل بها إلى غرضه، لكن يريد المرتبة المعينة ليتوصل بها إلى غرضه، إذا كان قصده
نفع الإسلام والمسلمين فهذا جائز، يعني مثل وقتنا الحاضر الآن صار للشهادة
اعتبارًا، أو لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: خلَّى لقبه يبدأ بلفظ (د)، إذا كان لقبه يبدأ بلفظ الدال
فهذا يُعْطَى مناصب كبيرة، وإن كان لا يبدأ بلفظ الدال، لو كان من أعلم الناس وأنصح
الناس وأحزم الناس وأكيس الناس فإنه صفر على اليسار. فإذا أراد الإنسان الشهادة
ليتوصل بها إلى أن ينفع ويفيد، ما هو لأجل يأخذ المال أو لأجل يقال: فلان دكتور، أو
ما أشبه ذلك، يكون هذا إرادة حسنة ولَّا لا؟ تكون هذه إرادة حسنة ولا حرج فيها،
وهذه حقيقة.
إحنا ابتلينا الآن بهذه الأنظمة، ابتلينا بأن يجعل المدار على
الشهادة التي قال بها الشنقيطي رحمه الله: أنا علمي ليس في بطاقة في قارورة؛ يعني
الشهادة بطاقة، قارورة يحطونها في القوارير الزجاج علشان ما يجيئها صدأ ولا يجيئها
بلل ولا شيء.
طالب: تعلق.
الشيخ: وتعلق أحيانًا، نعم.
يقول: (الثانية: تفسير آية
هود) وهي قوله: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ [هود: ١٥] إلى آخره، وقد سبق تفسيرها وتقسيم الناس
فيها.
(الثالثة: تسمية الإنسان المسلم عبدًا للدينار والدرهم والخميصة)،
كذا عندكم؟
طالب: نعم، بالإضافة.
الشيخ: (عبدَ الدينارِ والدرهمِ والخميصة). ويش
بعد؟
طالب: بس.
الشيخ:
والخميلة، الحديث فيه أربعة أشياء، تسميته عبدًا لها لماذا؟ لأنه ذلَّ لها وجعلها
أكبر همه ومبلغ علمه، تجده -مثلًا- عند النوم قد أحضرت له دفاتر المعاملات ليتصفحها
يشوف ماذا ربح وماذا خسر؛ ليتوقى الخسارة ويطلب الربح في اليوم التالي، ولكن صفحات
الأعمال -نسأل الله أن يتوب علينا- صفحات الأعمال نتصفحها عند النوم؟
طالب: (...) الأخيرة.
الشيخ: (...)
بالصدق؟
طالب: لا.
الشيخ:
ما يتصفحها أحد، اللهم إلا من شاء الله. على كل حال الناس فيهم خير. ولهذا سماه
الرسول عليه الصلاة والسلام عبدًا للدينار والدرهم.
(الرابعة: تفسير ذلك بأنه
إن أُعْطِيَ رضِيَ، وإن لم يُعْطَ سخط)؛ يعني معناه الرسول صلى الله عليه وسلم
قرَّب معنى العبودية؛ أنه يغضب لفقد المال ويرضى لحصوله، سواء كان ذلك الإعطاء من
الله عز وجل أو كان من المخلوق. كم من إنسان يكون صديقًا لك ومحبًّا لك ويشهد الله
على حبك، فإذا جاءك يومًا من الأيام وقال: أعطني، تقول: والله يا أخي ما تستحق، ولا
يحل لك أن تأخذ، صار بينك وبينه عداوة. نُسمِّي هذا عبدَ الدينارِ.
(الخامسة:
قوله: «تَعِسَ وَانْتَكَسَ»)، دعا عليه مرتين
بالتعاسة والانتكاس حتى لا يستطيع أن يُنْقِذَ نفسه من الهلاك.
(السادسة:
قوله: «وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ»)، أيش قلنا:
«إِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ»؟ إذا أصابته الشوكة لم
يخرجها، وهو كناية عن أنه لا يستطيع أن يدفع الضرر عن نفسه، ويكون ذكر الشوكة على
سبيل التمثيل، وهي أدنى شيء، الشوكة ما من أحد يصاب بشوكة إلا قال بظفره وأخرجها،
فهي سهلة. فإذا كان لا يستطيع دفع هذا الضرر، فما هو أعلى منه من باب
أولى.
طالب: (...)؟
الشيخ:
بتلك الصفات. ومنين نأخذه؟ من «طُوبَى لِعَبْدٍ»،
والصفات الذي ذكر النبي صلى الله عليه وسلم كم؟ أربعة. (...)
***
اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ [التوبة: ٣١]؛ يعني: اتخذوه أيضًا ربًّا من دون الله، اتَّخَذُواالضمير يعود على من؟ على النصارى؛ لقوله: وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ؛ لأن المسيح بن مريم عند اليهود ما اتخذ إلهًا، بل إنه عندهم -والعياذ بالله- ابن زانية، ولهذا حاولوا قتله وادعوا أنهم قتلوه.أَحْبَارَهُمْجمع حَبر، ويقال: حَبر وحِبر، وهو واسع العلم؛ يعني العالم. وَرُهْبَانَهُمْجمع راهب، وهو العابد، اتخذوهم أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ؛ يعني: جعلوهم، أَرْبَابًا؛ أي مشاركين لله عز وجل في التشريع؛ لأنهم يحلون ما حرم الله فيحله هؤلاء، ويحرمون ما أحل الله فيحرمه هؤلاء، فجعلوهم أربابًا من دون الله.
وقوله: وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ؛ يعني: واتخذوا المسيح بن مريم إلهًا مع الله، أو لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: ولهذا قال: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا [التوبة: ٣١]، والعبادة التذلل والخضوع بفعل الأوامر واجتناب النواهي.
إِلَهًا وَاحِدًاهو الله عز وجل، و(إله) بمعنى مألوه؛ أي: معبود مطاع. وليس إله بمعنى آله -كما قيل به- أي: قادر على الاختراع، فإن هذا تفسير المتكلمين الذين فسروا الإله بأنه قادر على الاختراع، وعلى رأيهم يكون (إله) بمعنى الرب، ويكون معنى قول: (لا إله إلا الله) لا رب إلا الله. وهذا ليس بتوحيد؛ لأنه لو كان توحيدًا لكان المشركون الذين قاتلهم الرسول عليه الصلاة والسلام موحدين؛ لأنهم يقولون: لا رب إلا الله، قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ [المؤمنون: ٨٦، ٨٧]. فالحاصل أن معنى (إله)؛ أي: مألوه؛ أي: معبود مطاع سبحانه وتعالى.
إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُأيش؟ عَمَّا يُشْرِكُونَ [التوبة: ٣١]، سُبْحَانَهُ.
طالب: وتعالى.
الشيخ: ما فيها: وتعالى، سُبْحَانَهُ.
سُبْحَانَهُتقدم لنا أن (سبحان) اسم مصدر، وأنها معمول لفعل محذوف دائمًا وجوبًا، ويش التقدير؟
طالب: أسبِّح.
الشيخ: أسبِّح سبحانًا؛ أي تسبيحًا؛ لأن اسم المصدر بمعنى المصدر، فإذا قلت: أكلمك كلامًا؛ أي تكليمًا، أسبح الله سبحانًا؛ أي تسبيحًا، فهي مفعول مطلق عاملها محذوف وجوبًا.
ثم هي ملازمة للإضافة؛ إما إلى مضمر، وإما إلى مظهر، إما إلى مضمر كما هنا: سُبْحَانَهُ، وإما إلى مظهر؛ مثل: سبحان الله.
ومعنى التسبيح: التنزيه، سبَّحته؛ أي: نزهته، وتنزيه الله عز وجل عن كل نقص. ويحتاج نقول: ومماثلة المخلوقين؟
طالب: لا.
الشيخ: لا؛ لأن المماثلة نقص، لكن إذا قلناها فهي من باب زيادة التوضيح، حتى لا يظن أن تشبيه الخالق بالمخلوق في الكمال من باب الكمال. فإذن نقول: تنزيه الله عن كل ما لا يليق به من نقص أو مشابهة المخلوقين.
وقوله: عَمَّا يُشْرِكُونَ؛ أي: مما سواه من المسيح بن مريم والأحبار والرهبان والأشجار والأصنام، وغير ذلك، فالله تعالى مُنزَّه عن كل شرك وعن كل مشرَك به.
وكلمة عَمَّا يُشْرِكُونَهذه من بلاغة القرآن أنها جاءت محتملة لأنْ تكون مصدرية وموصولة؛ إذا كانت مصدرية صار المعنى: سبحان الله عن شركهم، إذا كانت موصولة صار المعنى: سبحان الله عن الذي يشركونه به، فتكون صالحة للأمرين: تنزيه الله عن الشرك، وعن المشرَك به. طيب، إذن..
طالب: (...) مصدرية أرجح من..؟
الشيخ: لا، تصلح هذا وهذا؛ يعني كوننا نجعلها للأمرين جميعًا أحسن لعدم المنافاة.
الطالب: تصلح للجميع؟
الشيخ: للجميع نعم؛ لأن الصحيح -كما تقدم لنا مرارًا- أن المشترك يجوز استعماله في معنييه إذا لم يكن بينهما تعارض.
قال: (فقلت: يا رسول الله، إنا لسنا نعبدهم)، (إنا لسنا نعبدهم)؛ يعني ما نعبد الأحبار والرهبان؛ يعني ما نسجد لهم أو نركع لهم، أو ننذر لهم، أو نذبح لهم، لا. وهذا بالنسبة للأحبار والرهبان صحيح، لكن بالنسبة للمسيح الظاهر أنهم يعبدونه، فيكون قوله: (لسنا نعبدهم) بالنسبة للأحبار والرهبان، بدليل رد النبي صلى الله عليه وسلم عليه في قوله: «أَلَيْسَ يُحِلُّونَ؟»، وهذا الوصف لا ينطبق على عيسى بن مريم، لا ينطبق عليه أبدًا.
وقد حاول بعض الناس أن يعل الحديث بهذا المعنى مع ضعف سنده، والحديث حسنه الترمذي كما سيأتي، وحسنه من المتأخرين الألباني وجماعة آخرون، وبعض العلماء ضعفه وحاول أن يعله بهذا المعنى الذي قلت؛ حيث قال: إن عيسى بن مريم ما يحل ما حرَّم الله ولا يحرِّم ما أحلَّ الله.
فيقال: إن قول عدي: (لسنا نعبدهم) إنما يعود على من؟ على الأحبار والرهبان، أما عيسى بن مريم، فمن المعلوم أنهم يعبدونه ويقولون: هو الله.
فقال: «أَلَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ، وَيُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَتُحِلُّونَهُ؟»
شوف، بدأ بتحريم الحلال؛ لأنه -كما سبق لنا- أعظم من تحليل الحرام، تحريم الحلال أعظم من تحليل الحرام، كلاهما محرَّم؛ وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ [النحل: ١١٦].
(قلت: بلى)، الجواب: بلى ولَّا نعم؟
طالب: بلى.
الشيخ: بلى؟
طالب: (بلى) يا شيخ.
الشيخ: إي، قال: «فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ» ، ووجه كونها عبادة أن العبادة من معناها الطاعة، وطاعة غير الله عبادة له، لكن بشرط أن تكون طاعة في غير طاعة الله.
أما إذا كانت طاعة في طاعة الله فهي من عبادة الله؛ من طاعة الله، كما لو أمرك أبوك بأن تُصلِّي فصليت، هل تكون عابدًا لأبيك لطاعتك له؟ لا، بل إنك مطيع لله؛ لأن أمر غير الله بطاعة الله وامتثال أمره هو امتثال لأمر الله في الحقيقة.
يستفاد من هذا الحديث: أن الطاعة بمعنى العبادة. تُقَيَّد ولَّا ما تُقيَّد؟ تُقيَّد، لا بد أن نقيدها؛ الطاعة في مخالفة شرع الله، هذه من عبادته. أما في عبادة الله فهي من عبادة الله، ولكن هؤلاء دالون على الخير، آمرون بالمعروف وناهون عن المنكر.
يستفاد من هذا الحديث: أن اتباع العلماء أو العباد فيما يخالف شرع الله من اتخاذهم أربابًا. ولكن هذه في الحقيقة تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أن يتابعهم مقدمًا رأيهم على دين الله، يعلم أنهم مخالفون لدين الله، فيتابعهم رضًا بما هم عليه وسخطًا لماذا؟ لطاعة الله أو لشرع الله. فهذا لا شك في كفره؛ لأنه كره ما أنزل الله، وقد قال الله عز وجل: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ [محمد: ٩]، ولا تحبط الأعمال إلا بالردة والكفر، فكل من كره ما أنزل الله فهو كافر. هذا القسم الأول: أن يتابعهم في مخالفة حكم الله راضيًا بقولهم ساخطًا بحكم الله، فهذا لا شك أنه كافر لما علمتم.
الثاني: أن يتابعهم في ذلك راضيًا بحكم الله، وعالمًا بأن حكم الله أمثل وأنفع وأصلح للعباد والبلاد، لكنه لهوى في نفسه يريد -مثلًا- أن يبقى على الوظيفة، أو أنه وافق هوى في نفسه اختاره، فهذا لا يكفر، ويكون حكمه حكم غيره من الفاسقين.
كما لو علمت أنت بدون أن تتبعهم بأن هذا حكم الله، ولكنك خالفته لهوى في نفسك، لا لاعتقادك أن غيره أحسن، أو أنه يجوز الحكم بغيره، أو أن غيره مثله. فهذا لك حكم الفساق.
القسم الثالث: أن يتابعهم في ذلك غير عالم بحكم الله، بل هو يظن أن ذلك حكم الله، وهو بنفسه لا يستطيع أن يصل إلى الحق بنفسه، ولكن فرضه التقليد، فتابعهم في ذلك ظنًّا منه أن ذلك هو الحق. فما حكم هذا؟ حكمه أنه إن كان يستطيع أن يعرف الحق بنفسه فهو مُفرِّط ومقصِّر، فيكون آثمًا بهذا الاعتبار؛ لأن الله تعالى إنما أمر بسؤال أهل العلم بشرط. ما هو؟ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [النحل: ٤٣]، فأما من يكون عالمًا أو يمكنه التعلم، فلا يسأل أهل العلم، لكن من فرضه التقليد إذا تابعهم في هذا ظنًّا منه أن هذا حكم الله، فما حكم هذا الرجل؟ هذا لا شيء عليه؛ لأنه فعل ما أمر به وكان معذورًا في ذلك، فإذن لا يكون عليه شيء.
ولهذا ورد في الحديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام أن من أفتي بغير علم فإنما إثمه على من أفتاه . لأننا لو قلنا بأن الْمُفْتَى الذي فعل ما أُمِرَ به من سؤال أهل العلم لعدم علمه، لو قلنا بأنه يأثم بخطأ غيره أو بتعمد غيره للخطأ لكان في ذلك حرجًا ومشقة، كان الناس ما يمكن يثقون بأحد، لو سألوا أحدًا قالوا: لعله أخطأ أو تعمد الخطأ، إذن دور غيره، سألنا آخر فقال: لعله أخطأ أو تعمد الخطأ، إذن إلى من نسأل.
فالحاصل أن من اتبع العلماء أو الأمراء في تحليل ما حرَّم الله أو بالعكس، كم يكونون أقسامًا؟ ثلاثة أقسام.
القسم الأول: أن يتابعهم في ذلك راضيًا بقولهم ساخطًا لحكم الله. فهذا كافر.
والثاني: أن يتابعهم في قولهم ساخطًا له راضيًا بحكم الله، لكن لهوى في نفسه. فهذا يكون فاسقًا ولا يكفر.
والثالث: أن يتابعهم جاهلًا قائمًا بما أمر به. فهذا نقول: إذا لم يكن معه علم وكان عاجزًا عن التعلم، فلا حرج عليه، وإلا كان مقصرًا بحسب حاله.
في القسم الثاني، لو قال قائل: لماذا لا تكفرونه؟ نقول: لأننا لو كفرنا مثل هذا، لزم أن نكفر كل صاحب معصية؛ لأن كل صاحب معصية يعرف أنه عاص لله، لكن يعلم أن هذا حكم الله ويحاول -مثلًا- أن يتوب ولو في المستقبل.
هذا بالنسبة لاتباع الأمراء والعلماء في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله. لكن ما حكم العلماء والأمراء الذين يحللون ما حرَّم الله ويحرمون ما أحلَّ الله؟
هذه المسألة -كما تعلمون- وصف الله الحاكمين بغير ما أنزل الله بثلاثة أوصاف؛ فقال: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة: ٤٤]. والوصف الثاني: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة: ٤٥]. الوصف الثالث: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [المائدة: ٤٧]. فهل هذه الأوصاف الثلاثة لموصوف واحد أو أنها لموصوفين متعددين؟
قيل: إنها لموصوف واحد؛ لأن الكافر ظالم، قال الله تعالى: وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة: ٢٥٤]، والكافر فاسق؛ لقوله تعالى: (...).
متعددين، وأنها على حسب حال الحاكم؛ فقد يكون كافرًا، وقد يكون ظالمًا، وقد يكون فاسقًا.
فإن كان حكمه بغير ما أنزل الله مبنيًّا على اعتقاد أنه يجوز الحكم بغير ما أنزل الله، أو أن حكم غير الله مثل حكم الله، أو أن حكم غير الله أحسن من حكم الله. ثلاثة أمور، في الأمور الثلاثة هذه كافر.
أما إذا اعتقد أن حكم غير الله أحسن من حكم الله، أو أن حكم غير الله مثل حكم الله، فوجْهُ كفره أنه تكذيب لقوله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة: ٥٠].
فإذا قال قائل: الآية نفت أن يكون حكم غير الله أحسن منه؟ قلنا: لكنها تضمنت أن حكم الله أحسن الأحكام، بدليل قوله تعالى مقررًا ذلك: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ [التين: ٨]؟
طالب: بلى.
الشيخ: بلى. فإذا كان الله أحكم الحاكمين وأحسن أحكامًا، فمن ادعى أن حكم غيره مماثل أو أحسن فهو مكذب بالقرآن، وتكذيب القرآن كفر. واضح أو لا؟
طلبة: واضح.
الشيخ: طيب، من اعتقد.. ويش قلنا؟ حكم بغير ما أنزل الله معتقدًا حل ذلك؛ معتقدًا جواز الحكم بغير ما أنزل الله، نقول: إنه كافر. ما وجه كفره؟
طالب: التكذيب.
الشيخ: لأن الله أنكر هذا، أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ [المائدة: ٥٠]، فكل ما خالف حكم الله فهو من حكم الجاهلية.
ولكن هذا قد لا يكفي الإنسان، قد لا يكفيه أن يقول عن الشخص: إنه كافر؛ لأن كلمة (كافر) لا تحسبوا أنها هيِّنة، لا تقول: والله (كافر) ما فيها إلا الكاف والفاء والراء، بسيطة، المسألة صعبة جدًّا، من قال لشخص: إنه كافر، أو قال: يا عدو الله، وليس كذلك، رجع إليه ، المسألة ما هي هينة.
لكن يقال: إنه يعضد ذلك إجماع المسلمين إجماعًا قطعيًّا على أنه لا يجوز الحكم بغير ما أنزل الله، فإذا اعتقد جواز الحكم بغير ما أنزل الله فهو كمن اعتقد حل الزنا، وحل الزنا اعتقاده كفرٌ.
فيكون هنا الدليل إنكار الله عز وجل على من ابتغى غير حكم الله، وتسمية ذلك حكمًا جاهليًّا، ثم أيش؟ إجماع المسلمين إجماعًا قطعيًّا على أنه لا يجوز لأحد أن يحكم بغير ما أنزل الله، فيكون المبيح أو المحل للحكم بغير ما أنزل الله مخالفًا. لماذا؟ لإجماع المسلمين الإجماع القطعي، وما كان كذلك فقد ذكر أهل العلم أنه يكون كافرًا مرتدًا، كمن أنكر تحريم الزنا أو تحريم الخمر أو أنكر حل الخبزة، لو قال واحد: الخبز هذا حرام ما هو حلال، أو البر حرام، أو الرز حرام، أو ما أشبه ذلك.
طيب، بقينا: متى يكون الحكم بغير ما أنزل الله ظلمًا؟ يكون ظلمًا إذا اعتقد الإنسان أن حكم الله أحسن الأحكام، وأنه الحكم الذي يجب تطبيقه ولا يجوز مخالفته، لكنْ في نفسه حقد على المحكوم عليه، وده يظلمه، وده يهينه، فحكم بغير ما أنزل الله لهذا الغرض، وهو يدري أنه مخالف لحكم الله، وأن حكم الله لا يجوز مخالفته، وأنه أحسن الأحكام وأنفعها للعباد والبلاد، لكن حمله الحقد والبغضاء للمحكوم عليه حتى حكم، ويش نقول هذا؟ هذا ظالم، وإن كان هو في نفس الوقت فاسقًا، لكنه يغلب عليه الظلم؛ لأنه يريد التشفي من هذا المحكوم عليه أو إهانته، أو ما أشبه ذلك.
ومتى يكون فسقًا؟ يكون فسقًا إذا كان ليس له غرض بمضرة المحكوم عليه، لكن له هوى، هو بنفسه يأخذ المصلحة من ذلك، إما أن المحكوم له قد رشاه؛ أعطاه رشوة، وإلا أن له مصلحة في الحكم لهذا الشخص، مثل كونه قريبًا له أو صديقًا له أو يرجو من ورائه حاجة، أو ما أشبه ذلك. نقول هذا: ويش اللي حمله؟ ما حمله أن يظلم المحكوم عليه، لا؛ لأن المحكوم عليه ما يعرفه يمكن ولا معرفة، لكنه يريد مصلحة نفسه، فيكون فاسقًا بهذا الاعتبار، مع أنه يعتقد بأن حكم الله هو الحكم الأمثل الواجب الاتباع، لكن حمله الهوى على أن يحكم بغير ما أنزل الله، فنقول: هذا فاسق، مع أنه لا يخرج عن الظلم، هو فاسق ظالم، لكن الفسق في حقه أظهر، فيكون وصف الفسق في حقه أولى من وصفه بالظلم.
وهذا الذي ذكرته في معنى الآيات الثلاث هو الأقرب، وأنها لا تتنزل على موصوف واحد، وإنما تتنزل هذه الأوصاف على اختلاف حالات.
طيب، ما تقولون فيمن وضع قوانين تشريعية مع علمه بحكم الله وعلمه بمخالفة هذه القوانين لحكم الله، هو ما حكم لكن وضع قوانين يمشي عليها الناس؟
طالب: كافر.
الشيخ: يكفر ولَّا لا؟
طالب: ما يكفر.
الشيخ: لا، كافر؛ لأن هذا تشريع، لأن الحكم حكم في قضية معينة لكن هذا تشريع، معناه أنه استبدل شريعة الله؟
طالب: بشريعة غيره.
الشيخ: بهذا القانون الذي وضعه، فيكون بذلك كافرًا؛ لأننا نعلم أنه ما رضي هذا القانون عن شريعة الله إلا وهو يعتقد أنه خير منه للبلاد والعباد، فهذا يكون كافرًا. ونحن نقول حينما نقول: كافر، نقول: إن هذا الفعل يوصل إلى الكفر، لكن قد يكون الواضع له معذورًا؛ مثل أن يغرر به فيقال مثلًا: إن هذا لا يخالف الإسلام، أو إن هذا من المصالح المرسلة، أو إن هذا فيه كذا وكذا، أو إن هذا مما رد الإسلام فيه الحكم إلى الناس.
كما يوجد بعض العلماء -وإن كانوا مخطئين غاية الخطأ- يقولون: إن مسألة المعاملات ما للإنسان فيها دخل، هذه ترجع إلى ما يصلح الاقتصاد في كل زمان بحسبه، فإذا اقتضى الحال أننا نضع بنوكًا فيها الربا فليكن ما فيه شيء، إذا اقتضى الحال أننا نجعل ضرائب أو ما أشبه ذلك على الناس ما فيه مانع، لكن هذا لا شك أنه خطأ، خطأ، خطأ، خطأ، وهؤلاء مخطئون، إن كانوا مجتهدين فالله يغفر لهم، وإن كانوا غير مجتهدين وأنهم من علماء الدولة، لا، من علماء الملة، فهذا خطر عظيم. والصواب الذي لا شك فيه أن الشرع جاء بتنظيم العبادات؛ وهي معاملة الإنسان بينه وبين ربه، وبتنظيم المعاملات؛ وهي معاملة الإنسان مع الخلق، لكن لا في العقود، ولا في الأنكحة، ولا في المواريث، في كل شيء، في الأحوال الشخصية وغيرها، فالشرع كامل؛ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة: ٣].
ويا سبحان الله! كيف لا نقول: إن المعاملات من الشرع، وأطول آية في القرآن نزلت في المعاملات؟ هل يمكن أن نقول هكذا؟ نقول: المعاملات ما للشرع فيها دخل والله عز وجل أنزل فيها أطول آية في كتابه؟! هذا لا يمكن يقوله عاقل يدري ما يقول، ولولا نظام الشرع لفسد الناس، وأنا لا أقول: إننا نأخذ بكل ما قال الفقهاء؛ لأنهم قد يخطئون وقد يصيبون، لكن نأخذ بما دَلَّ عليه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
وأقول أيضًا: إن النصوص الواردة في المعاملات أقل من النصوص الواردة في العبادات، ما فيها شك، ولَّا لا؟
لو حصرت -مثلًا- الأحاديث الواردة من كتاب البيع إلى كتاب الفرائض -مثلًا- لوجدتها أقل من العبادات، ولكن مع هذا لا يوجد حال من الأحوال تقع بين الناس في المعاملات إلا وفي كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام ما يحلها ويزيل إشكالها، ولكن الخطأ يكون إما من نقص العلم أو نقص الفهم، وهذا قصور، وإما من نقص التدبر، وهذا تقصير؛ يعني ما يكون الإشكال إلا لقصور الإنسان أو تقصيره، وأما إذا وفق في الفهم والعلم وبذل الجهد في الوصول إلى الحق، فإنه لا بد أن يصل إلى الحق حتى في المعاملات. ولهذا يقول الله عز وجل: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ [النساء: ٨٢]، أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ [المؤمنون: ٦٨]، ويقول: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ [ص: ٢٩]، ويقول: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا؟
طالب: لِكُلِّ شَيْءٍ.
الشيخ: لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل: ٨٩]، حتى في المعاملات، أو إلا في المعاملات؟ حتى في المعاملات، تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ، فكل شيء يحتاجه الناس وينتفعون به في دينهم ودنياهم فإن القرآن بينه وللهِ الحمد، لكن الخطأ يكون إما من قصور أو تقصير.
وعلى هذا فنقول: إن من سنَّ لولاة الأمور قوانين تخالف الشرع وادعى أن هذه من المصالح المرسلة، فإنه كاذب في دعواه؛ لأن المصالح المرسلة والمقيدة كلها إن اعتبرها الشرع ودل عليها فهي حق ومن الشرع، وإن لم يعتبرها الشرع وأنكرها فليست مصالح، ولا يمكن أن تكون مصالح. ولهذا الصواب أنه ليس هناك دليل يسمى المصالح المرسلة، بل نقول: ما اعتبره الشرع فهو مصلحة، وما نفاه الشرع فهو مفسدة.
طالب: ما سكت عنه الشرع؟
الشيخ: ما يمكن يسكت شرعًا، لا بد إذا لم يأت حكم لهذه المسألة المعينة فإنك تجدها داخلة في عمومات النصوص.
الطالب: أحيانًا الفقهاء يقيسون الأمور على أشياء نصَّ عليها الشرع؟
الشيخ: إذن تكون حكمها حكم النصوص، ما دام أن القياس تمَّ فإن الشرع لا يفرق بين متماثلين، فإذن هي منصوص عليها، بل إن ما سكت الشارع عنه فهو عفو؛ يعني في مسائل العادات -مثلًا- ومسائل الأطعمة والأشربة وما أشبه ذلك، ما سكت الله عنه فهو عفو، إذن هو مبين في الشريعة.
فهذا هو القول الصحيح عندي: أنه ما فيه شيء يسمى المصالح المرسلة، بل نقول: هذه المصلحة إن اعتبرها الشارع أخذنا بها وهي من الشرع، فهي مصلحة اعتبرها الشارع، وإن لم يعتبرها الشرع وأنكرها فليست مصلحة.
أدخلت علينا مسألة المصالح المرسلة مسائل كثيرة: بعض البدع اعتبرها بعض الناس من المصالح المرسلة، وقال: إن فيها تنشيطًا وشحذًا للهمم وإيقاظًا للنُّوَّم، إذن ما هذه من المصالح المرسلة، الناس نسيوا الرسول صلى الله عليه وسلم فلا يذكرونه. أحدث لهم عيد الميلاد علشان يذكرون الرسول صلى الله عليه وسلم، ما علموا أن من لم يذكر الرسول إلا في هذه الليلة فلا صلاة له، كل المسلمين في كل الصلوات يقولون: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، ويقولون: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، ويقولون: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد. اللي ما يحيا قلبه بهذا وهو يصلي بين يدي ربه، كيف يحيا قلبه في ساعة يؤتى فيها بالقصائد الباطلة اللي فيها من الغلو ما ينكره الرسول عليه الصلاة والسلام؟! هل هذا ممكن؟ أين المصلحة المرسلة في هذا؟ هذه مفسدة.
ولهذا المصالح المرسلة في الحقيقةِ، وإن كان من وضعها من أهل العلم المجتهدين الكبار لا نشك في نصحهم لله ورسوله ودينه وأمته، لكن استخدمت هذه المسألة في غير ما أراده أولئك العلماء وتوسع فيها. ونحن نقول: حتى لو وضعها أحد من أهل العلم، فإنها ينظر، تقاس بالمعيار الصحيح؛ إن اعتبرها الشرع قبلت، وإلا فكما قال الإمام مالك: كل أحد يؤخذ من قوله ويرد إلا رسول الله عليه الصلاة والسلام.
طالب: يا شيخ، نجد مجموعة من (...) ليحكموا بغير ما أنزل الله (...) ومع هذا يختارون الحكم الوضعي (...) وربما بعضهم (...)؟
الشيخ: على كل حال أنا لا أقول..
الطالب: هؤلاء يعذرون؟
الشيخ: نحن أعطيناكم قواعد، وتطبيق الجزئيات عليكم، إذا عرفت القاعدة فطبقها على الجزئيات في أي مكان من الأرض.
الطالب: (...)؟
الشيخ: أعطيتك القاعدة، طبقها، قاعدة واضحة بينة ما تحتاج إلى سؤال، فأنت طبِّقها على من ترى، فإذا تمَّ فيهم شروط التكفير فكفِّرهم ولا تبال، وإذا لم تتم فاتَّق الله عز وجل يا أيها الإنسان، ولا تكفر أحدًا لم يكفره الله؛ لأن التكفير أيضًا يا إخوان، التكفير حكم شرعي، منين نتلقاه؟ من الشرع، ما نكفر من لم يكفره الشرع، ولا نقبل أن أحدًا يكفر من لم يكفره الشرع، كما أننا لن نجبن عن تكفير ما كفره الشرع أبدًا.
لما كون الواحد -مثلًا- بيتخبط، بعض الناس يعني أول ما خرجت هذه المسجلات اللي أمامنا قال: الذي يقتني المسجل كافر، سبحان الله! قلت: ليش؟ قال: لأن هذا سحر، واقتناء السحر كفر! وهل هذا صحيح؟ ذكر ابن كثير رحمه الله في تفسيره أن الساعة أول ما ظهرت قالوا: إنها كفر، الساعة! مع أنها في عهد ابن كثير ما تطورت، ما جاءت الساعة الموجودة الإلكترونية هذه، لو جاءت هذه الساعات الإلكترونية في عهدهم لكان يقولون: هذا سحر.
لكن على كل حال الإنسان يتقي الله عز وجل في التكفير خاصة، التفسيق أهون، لكن مسألة التكفير ما هي هينة، إذا كفر صار مباح الدم، مباح المال، يجوز قتله، ما هي هينة المسألة، لا يُقْبل عمله، لا يُصَلى عليه، لا يُدْفن مع المسلمين، تنفسخ زوجته منه، أحكام الكفر معروفة للجميع.
فلهذا الواجب علينا أن نتقي الله عز وجل في تكفير الناس، وكما أن الواجب علينا أيضًا ألَّا نجبن في تكفير من كفره الله ورسوله، ولكن يجب أيضًا أن نفرق بين المعين وغير المعين، فالشخص المعين نحتاج في الحكم بتكفيره نحتاج إلى أمرين:
أولًا: ثبوت أن هذه الخصلة التي فعلها مما يقتضي الكفر.
ثانيًا: انطباق شروط التكفير عليه، ومن أهمها العلم بأن هذا مكفر، فإن كان جاهلًا ما نكفره.
ولهذا العلماء ذكروا في إقامة الحدود، قالوا: من شرط إقامة الحد أن يكون عالمًا بالتحريم، وهو إقامة حد ما هو بحكم الكفر، لو زنى شخص وهو يظن أن هذا ليس بمحرم يقام عليه الحد؟ لا يقام عليه الحد، ولو كان ثيبًا ما يقام عليه؛ لا بجلد ولا برجم. فإذا كان هذا في الحد الذي هو عبارة عن تأديب لهذا الشخص ما نحكم به إلا بعد أن يعلم بالتحريم، فكذلك في مسألة الكفر؛ قد يجيء إنسان يفعل ما يكفر لكنه جاهل ما يدري، إذا أعلمته قال: جزاك الله خيرًا، ورجع عن كفره. هل نكفره؟ ما نكفره.
كذلك أيضًا قد يكون الإنسان في حال ما يدري ما يقول، يبغضه الإنسان ويروح -والعياذ بالله- يسب الدين، وما أشبه ذلك، لكنه ذاك الساعة قد فار دمه وصار لا يدري ما يقول. يحكم بكفره؟ هذا لا يحكم بكفره، كما لا نحكم بطلاقه إذا طلق مثلًا.
فالمسائل لها شروط ولها موانع، وليس كل كلمة يقال: إنها كلمة كفر، أو كل فعل يقال: إنه فعل كفرًا يكفر به كل من اتصف به، حتى تقوم عليه حجة؛ قال الله عز وجل: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء: ١٦٥]، وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: ١٥]، وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ [النساء: ١١٥]، وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ [التوبة: ١١٥]، وأمثال ذلك من الآيات البينة الواضحة، ونسأل الله السلامة. (...)
***
{فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: ٦٣].
طالب: (الثانية: تفسير آية براءة).
الشيخ: وهي قوله: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة: ٣١].
الطالب: (الثالثة: التنبيه على معنى العبادة التي أنكرها عدي).
الشيخ: نعم، (معنى العبادة التي أنكرها عدي) هي التعبد لهم بالطاعة، والتذلل بالركوع والسجود والنذور، وما أشبهها، فقال: (لسنا نعبدهم)؛ يعني: هذه العبادة، فبيَّن الرسول عليه الصلاة والسلام المراد من عبادتهم بأنها طاعتهم في تحليل الحرام أو تحريم الحلال.
الطالب: (الرابعة: تمثيل ابن عباس بأبي بكر وعمر، وتمثيل أحمد بسفيان).
الشيخ: إي نعم، يعني معناه: أنه إذا كان أبو بكر وعمر لا يمكن أن يعارض قول النبي صلى الله عليه وسلم بقولهما، فما بالك بمن بعدهما؟! يكون من باب أولى وأحرى، كذلك تمثيل أحمد بسفيان الثوري، إمام جليل أنكر على من يأخذون برأيه ويدعون ما صح به الإسناد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
واستدل رحمه الله بقوله تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور: ٦٣]، فما بالك بمن دون سفيان! يكون معارضة قول الرسول عليه الصلاة والسلام بمن دون أبي بكر وعمر وبمن دون سفيان أشد وأقبح.
طالب: يا شيخ، (تمثيل أحمد) ولَّا (...)؟
الشيخ: هاه؟
الطالب: هذا مضاف ولَّا..؟
الشيخ: (تمثيلُ أحمدَ) نعم.
الطالب: أيش يكون إعرابه؟
الشيخ: مصدر أضيف إلى فاعله.
طالب: (الخامسة: تغير الأحوال إلى هذه الغاية، حتى صار عند الأكثر عبادة الرهبان هي أفضل الأعمال، وتسمى الولاية. وعبادة الأحبار هي العلم والفقه، ثم تغيرت الحال إلى أن عبد من دون الله من ليس من الصالحين، وعبد بالمعنى الثاني من هو من الجاهلين).
الشيخ: نعم، يقول المؤلف رحمه الله: (الخامسة: تغير الأحوال إلى هذه الغاية، حتى صار عند الأكثر عبادة الرهبان هي أفضل الأعمال، وتسمى الولاية. وعبادة الأحبار هي العلم والفقه)، وهذا لا شك أنه أشد من معارضة قول الرسول عليه الصلاة والسلام بقول أبي بكر وعمر.
(ثم تغيرت الأحوال إلى أن عبد من دون الله من ليس من الصالحين) بينما عبد عيسى بن مريم وغيره من الصالحين، فصار يعبد من ليس من الصالحين؛ يعني: يركع له ويسجد ويعظم تعظيم الرب ويوصف بما لا يستحق الوصف به إلا الرب (من ليس من الصالحين).
وهذا كما يوجد عند كثير من الشعراء وغيرهم، يمدحون من يمدحون من الملوك ومن الوزراء ومن غيرهم وهم لم يستحقوا أن يكونوا..
طالب: إلا الله. (...)
الشيخ: كما يوجد في بعض الدساتير والنظم المخالفة للإسلام واضعوها من؟ واضعوها جهال ما يعرفون من الشريعة شيئًا ولا من الأديان شيئًا ثم وضعوها..





