كتاب التوحيد - 39
عدد الزيارات 1544

عناصر المادة :
باب: من سب الدهر فقد آذى الله
باب: التسمي بقاضي القضاة ونحوه

طالب: يقول الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا [البقرة: ١٠٤].
الشيخ: نعم، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَاهذا منع من هذا اللفظ، بعده: وَقُولُوا انْظُرْنَاهذا المباح بدله وَاسْمَعُوا [البقرة: ١٠٤]. وفي السُّنَّة؟
طلبة: (...).
طالب: هذا الحديث.
الشيخ: هذا الحديث وحديث بلال و(...)، قال: «بِعِ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ اشْتَرِ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا» .

***

قال: (ولابن ماجه عن الطفيل أخي عائشة لأمها، قال: رأيت كأني أتيت على نفر من اليهود).
(رأيت) يعني رؤيا منام.
(كأني أتيت) هذه (كأني) الكاف حرف تشبيه، و(أن) حرف توكيد، ولَّا هي (كأنَّ)؟
طالب: (كأنَّ).
الشيخ: هي (كأنَّ) واسمها الياء، وجملة (أتيتُ) خبرها.
وقوله: (على نفر) النفر من ثلاثة إلى تسعة.
(من اليهود) أتباع موسى.
(فقلت: إنكم لأنتم القومُ لولا أنكم تقولون: عزير ابن الله).
(لأنتم القوم) يعني هذه كلمة مدْح، مثلما تقول: هؤلاء هم الرجال، هؤلاء هم القوم، هذه كلمة ثناء (لولا أنكم تقولون: عزير ابن الله).
هذه (لولا أنكم تقولون: عزير ابن الله) هذه كفر ولَّا لا؟ نعم، ادعاء أن لله ولدًا كفر.
و(عزير) تقدم أنه رجل صالح ادعى اليهود أنه ابن الله، وهذا من كذبهم وافترائهم.
قد يقول قائل: هل اليهود ليس لهم مثلبة إلا هذه؟
طالب: لا، كلهم مثالب.
الشيخ: لهم مثالِب كثيرة، لكن لماذا خص هذه؟
طلبة: من أعظمها.
الشيخ: هذه من أعظمها، ولعلها أيضًا مشهورة عندهم وكثيرة فيما بينهم.
(قالوا: لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد).
شوف، انتقدوا علينا بأننا نقول: ما شاء الله وشاء محمد، وهذا شِرْك أصغر؛ لأن الصحابة الذين يقولون ذلك لا شك أنهم لا يعتقدون أن مشيئة الرسول صلى الله عليه وسلم مساوية لمشيئة الله.
إذن انتقدوا هذه الجملة، والذي انتقدوا إثبات المشيئة للرسول صلى الله عليه وسلم ولَّا تسويتها لمشيئة الله؟ تسويتها، أما مشيئة الرسول عليه الصلاة والسلام فله مشيئة، كل أحد له مشيئة وله إرادة.
(ثم مررت بنفر من النصارى فقلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله).
(المسيح) مَنْ؟ عيسى بن مريم، وسُمِّي مسيحًا بمعنى مَاسِح، فهو (فَعِيل) بمعنى (فَاعِل)؛ لأنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا برئ، يُبرئ الأكمه والأبرص، إذا مسحهما برئ بإذن الله، فسُمِّي المسيح.
وهم يقولون: إن المسيح ابن الله؛ لأن الشيطان لعب بهم، قال: كيف يجي واحد بدون أب؟! إذن فهو ابن الله، ابنٌ لله -والعياذ بالله- لا سيما إذا كان في الإنجيل كما في القرآن: فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا [التحريم: ١٢]، فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا [الأنبياء: ٩١]، فهم يقولون: هذا جزء من الله عز وجل، مِنْ رُوحِنَاإضافة إلى مَنْ؟ إلى الله رُوحِنَا، (نا). قالوا: إذن فهو جزء من الله، والجزء هو الابن، أنا أقول: الآن لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول في فاطمة: «إِنَّهَا بَضْعَةٌ مِنِّي» ؛ أي جزء، وكما قال الله تعالى: وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا [الزخرف: ١٥].
قالوا: إذن يكون هو بعض الله وجزءًا من الله والعياذ بالله؛ لأن الله قال: رُوحِنَا، نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [الحجر: ٢٩]، (...) مِنْ رُوحِي؟
طالب: هذه في آدم.
الشيخ: في آدم، نعم. فيها هي مِنْ رُوحِنَا، ولكننا هذا الاشتباه من هذه الإضافة من الشيطان.
والجواب عليها سهل جدًّا: فإن الله تعالى إذا أضاف شيئًا إلى نفسه فإما أن يكون ذاتًا منفصلة بائنة عن الله، وإما أن يكون صفة لا يتصف بها أحد، فإن كان المضاف صفة فإنه من صفاته وليس بمخلوق، مثل: كلام الله، وسَمْع الله، وقُدْرة الله، وعِزَّة الله، وما أشبهها. وأما إذا كان المضاف إلى الله ذاتًا بائنة أو صفة في تلك الذات، فإنه ليس من صفات الله، بل هو مخلوق بائن من الله عز وجل، بائن عنه وليس منه، مثل: ناقة الله، وبَيْت الله، ومساجد الله، وما أشبهها.
طالب: عباد الله.
الشيخ: وعباد الله، كثير.
طالب: وصفة الذات المنفصلة.
الشيخ: وكذلك أيضًا لو كانت صفة في ذات منفصلة فإنه لا يكون من صفات الله عز وجل، بل هو من صفات تلك الذات.
الرُّوح قال بعض الناس: إنها صفة في الجسد، ولكن هذا القول خلاف الراجح عند أهل السُّنَّة والجماعة، وأن الروح ذات، لكنها ذات لطيفة وتدخل في الجسم، وتحل فيه كما يحل الماء في الطين اليابس، تدخل فيه دخولًا؛ ولهذا عند الموت يقبضها الملك وتُكَفَّن ويُصعد بها إلى الله، ويراها الإنسان عند موته، فالصحيح أنها ذات، وإن كان بعض الناس يقول: إنها صفة، ولكنه ليس كذلك، الحياة صحيح صفة، كون الإنسان حيًّا أو ميتًا، هذه صفة، لكن الروح لا، الروح ذات. هذا القول الراجح عند أهل العلم.
إذن نقول لهؤلاء الجماعة: إن الله أضاف رُوح عيسى إليه كما أضاف الناقة والبيت وما أشبه ذلك، على سبيل التشريف والتعظيم، ولا شك أن المضاف إلى الله يكتسب شرفًا، حتى إن بعض الشعراء يقول في معشوقته، يقول:
لَا تَدْعُنِي إِلَّا بِـ(يَا عَبْدَهَا) فَــــإِنَّهُ أَشْــــــرَفُ أَسْمَــــائِي

لا تقول: يا محمد، يا علي، يا بكر، يا خالد، لا، قل: يا عبد ليلى مثلًا، إذا كان هو مجنون ليلى، قل: يا عبد ليلى، قل: يا عبد فلانة، هذا أشرف أسمائي! مِسكين؛ لأنه إذا جاء اسمها يتلذذ لهذا الاسم. اللهم عافنا.
يقول: (قال: وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد. فلما أصبحت أخبرتُ بها مَنْ أخبرتُ).
قوله: (أخبرتُ مَنْ أخبرتُ)، كيف الكلام هذا؟ (أخبرت من أخبرت)؟ أليس هذا كقول القائل:
كَأَنَّنَا وَالْمَاءُ مِنْ حَوْلِنَا قَوْمٌ جُلُوسٌ حَوْلَهُمْ مَاءُ

طلبة: لا.
الشيخ: أو أننا وقفنا والسماء فوقنا والأرض تحتنا.
(أخبرتُ مَنْ أخبرتُ)، معلوم أنه ما هو مخبِر إلا مَنْ أخبر. ماذا تقولون؟
طالب: (…).
الشيخ: يعني؟
الطالب: يعني أخبرت أناسًا.
الشيخ: إي، أخبرت أناسًا، وهذا هو أحسن شيء أن نقول: إن المقصود بهذا الإبهام، (أخبرتُ من أخبرتُ) الإبهام، وهذا كقوله تعالى: فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ [طه: ٧٨]، (غشيهم ما غشيهم) قد تقول: هذا تحصيل حاصل، معلوم أنه ما غشيهم إلا اللي غشيهم. فنقول: هذا من باب الإبهام لكنه يختلف، أحيانًا يكون إبهامًا للتعظيم، وأحيانًا يكون للتقليل، وأحيانًا يكون للتحقير، حسب السياق. فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْأي: غشيهم شيء عظيم من اليم.
(أخبرتُ مَنْ أخبرتُ، ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: «هَلْ أَخْبَرْتَ بِهَا أَحَدًا؟»، قلت: نعم).
سأل النبي صلى الله عليه وسلم هذا السؤال؛ لأنه لو قال: لم أُخبِر أحدًا، فالمتوقع أن الرسول عليه الصلاة والسلام سيقول له: لا تُخبِرْ أحدًا. هذا هو الظاهر، أن الرسول سأله؛ لأنه لو قال: لم أخبر، سيقول: لا تخبر أحدًا.
ثم يُبيِّن له الحكم عليه الصلاة والسلام، لكن لما قال: إنه أخبر، صار لا بد من بيانها للناس عمومًا؛ لأن الشيء إذا انتشر يجب أن يُعْلَن عنه، بخلاف إذا كان خاصًّا فهذا يُخبَر به من وصله الخبر.
ثم قال، يقول: (قلت: نعم. قال: فحمد الله وأثنى عليه).
والظاهر والله أعلم من القصة أنه أخبر النبي عليه الصلاة والسلام وعنده أحد ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: عنده أحد، (فحمد الله وأثنى عليه).
الحمد ما هو؟ وصف المحمود بالكمال، والثناء تكرار ذلك الوصف.
(حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ طُفَيْلًا رَأَى رُؤْيَا أَخْبَرَ بِهَا مَنْ أَخْبَرَ مِنْكُمْ»).
(«أَمَّا بَعْدُ») تقدم لنا أنها بمعنى: مهما يكن من شيء بعدُ، أي بعد ما ذكرت، فكذا وكذا.
(«فَإِنَّ طُفَيْلًا رَأَى رُؤْيَا أَخْبَرَ بِهَا مَنْ أَخْبَرَ مِنْكُمْ، وَإِنَّكُمْ قُلْتُمْ كَلِمَةً كَانَ يَمْنَعُنِي كَذَا وَكَذَا أَنْ أَنْهَاكُمْ عَنْهَا» ).
كأن الرسول عليه الصلاة والسلام مُطَّلع على ذلك، «قُلْتُمْ كَلِمَةً كَانَ يَمْنَعُنِي كَذَا وَكَذَا أَنْ أَنْهَاكُمْ عَنْهَا»، فما هو الذي يمنعه من ذلك؟ يمنعه الحياء كما في رواية أخرى ، ولكن ليس الحياء من إنكار الباطل، الحياء من أن ينهى عنها دون أن يؤمر بذلك؛ يعني يستحيي من الله تعالى أن يأمر بشيء لم يأمره الله بإنكاره. هذا الذي يجب عليه، يجب أن تُحمل عليه اللفظة إن كانت محفوظة؛ أن الحياء الذي يمنعه ليس الحياء من الإنكار؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يستحيي من الحق، ولكن الحياء من أن يُنكِر شيئًا قد درج على الألسنة وألفه الناس قبل أن يؤمر بالإنكار، مثل: الخمر بقي الناس سنين وهم يشربونه حتى حُرِّم في سورة المائدة وهي من آخر ما نزل.
فالرسول صلى الله عليه وسلم لما لم يُؤمَر بالنهي عنها سكت، فلما حصل التنبه بإنكار هؤلاء -اليهود والنصارى- رأى أنه لا بد من أن ينكرها؛ لأنها الآن دخل فيها اللوم على المسلمين وإنكارها.
يقول: («فَلَا تَقُولُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ مُحَمَّدٌ، وَلَكِنْ قُولُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ»).
نهاهم عن المحظور وبَيَّنَ لهم المباح والجائز: «لَا تَقُولُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ مُحَمَّدٌ، وَلَكِنْ قُولُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ» (...).

***

طالب: (...)؟
الشيخ: منين نأخذه؟
الطالب: من أن يهوديًّا في المدينة، فقال: إنكم تشركون.
الشيخ: فقال: إنكم تشركون.
طالب: (الثانية: فهم الإنسان إذا كان له هوى).
الشيخ: إي نعم، يعني معناه أنه إذا كان له هوى فهم شيئًا، وإن كان هو يرتكب مثله أو أشد منه، فاليهود أنكروا على المسلمين قولهم: ما شاء الله وشئت، وهم يقولون أعظم من هذا وأفدح، يقولون: إن عزيرًا ابن الله.
وهذه الكلمة: (فهم الإنسان إذا كان له هوى)، يعني أن بعض الناس يفهم النصوص على حسب هواه، وهذا كثيرًا ما يقع فيمن قلَّد، تجده يحمل النصوص على ما يُوافق مذهَبه ويحملها من الدلالات ما لا تحتمله.
وكذلك أيضًا بعض العصريين الآن الذين يُحَمِّلون النصوص ما لا تحتمله حتى توافق ما اكتشفه العلم الحديث في الطب والفلك وغير ذلك. كل هذا من الأمور التي لا يحمد الإنسان عليها، فالإنسان يجب أن يفهم النصوص على ما هي عليه، ثم يكون فهمه تابعًا لها، لا أن يُخضع النصوص لفهمه أو لما يعتقده؛ ولهذا يقولون: استدِلَّ ثم اعتقِدْ، ولا تعتقد ثم تستدل؛ لأنك إذا اعتقدت، ثم استدللت فربما يحملك اعتقادك على أن تُحَرِّف النصوص إلى ما تعتقده، كما هو ظاهر، في جميع الملل والمذاهب المخالفة لما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام تجدهم يُحرِّفون هذه النصوص لتوافق ما هم عليه.
والحاصل أن الإنسان إذا كان له هوى فإنه يحمل النصوص ما لا تحتمله من أجل أن توافق هواه.
طالب: يا شيخ، ليس مقصد الشيخ أن صاحب الهوى يفهم الحق ويعزب عنه؟
الشيخ: ويدخل هذا، يدخل في العبارة: أنه يفهم الحق ولكنه يرتكب ما هو أشد منه، فيفهم شيئًا ويعميه الله عن شيء.
طالب: شيخ، بالنسبة لقوله تعالى: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى [المائدة: ٨٢]، يقولون: إن النصارى أقرب من اليهود، هل (...) يدخل في هذا ولَّا لا؟ يعني يحبونهم (...) أقرب من اليهود؛ لأنهم إذا سمعوا ما أنزل الله ترى أعينهم..؟
الشيخ: إذا كان هذا الأمر واقعًا في النصارى فهم أقرب مودة، ما هو معناه إحنا نودهم، نحن لا نودهم أبدًا لا مودة قريبة ولا بعيدة، لكن هم أقرب الناس مودة للذين آمنوا، المودة منين هي حاصلة؟ منهم لنا، لا منا لهم، نحن لا يجوز أن نودهم مهما كان أمرهم، لكن هم أقرب الناس مودة للذين آمنوا لهذا السبب: بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا [المائدة: ٨٢]، فإذا وجد ذلك منهم فإنه يدل على أنهم أقرب الناس مودة للذين آمنوا.
الطالب: الخطأ في الفهم (...).
الشيخ: أما إذا لم يُوجد منهم ذلك كما هو الواقع الآن، فإنهم كاليهود؛ ولهذا قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [المائدة: ٥١].
الطالب: يعني الذي يقربهم الآن ويودهم لأنه يقول: القرآن يقول هكذا؟
الشيخ: ما فهم القرآن.
الطالب: يعني خطأ في الفهم؟
الشيخ: إي، أنت الآن ويش تفهم؟
الطالب: أفهم (...).
الشيخ: وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا [المائدة: ٨٢]، ويش تفهم منها؟ أننا نودهم أو هم يودوننا؟
الطالب: ممكن أفهم أنا نودهم؛ لأنه (...).
الشيخ: لكن الذين آمنوا صاروا مؤمنين، زال عنهم وصف النصرانية.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: الكلام على النصارى من حيث هم نصارى، وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى [المائدة: ٨٢]. ما قال: لتجد أقرب مودة المؤمنين للذين قالوا: إنا نصارى، لو كان كذلك لكان معنى ذلك أن مودتنا لهم أقرب من مودة غيرهم، لكن قال: أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُواهم يقربون لنا.
طالب: (الثالثة: قوله صلى الله عليه وسلم: «أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا؟» ، فكيف بمن قال:
............. مَالِي مَنْ أَلُوذُ بِهِ سِوَاكَ ...................

والبيتين بعده)
.
الشيخ: نعوذ بالله. «أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا؟» وهو ما قال إلا: (ما شاء الله وشئت)، فكيف بمن نسي الله عز وجل في جانب الرسول عليه الصلاة والسلام وقال هذا الكلام الذي قاله الشيخ رحمه الله: (مالي من ألوذ به)؟ ويشير إلى بيتين للبوصيري في البردة القصيدة المشهورة يقول:
يَا أَكْرَمَ الْخَلْقِ مَالِي مَنْ أَلُوذُ بِهِ سِوَاكَ عِنْدَ حُلُولِ الْحَادِثِ الْعَمِمِ

البيتين بعده ما هما؟
إِنْ لَمْ تَكُنْ آخِذًا يَوْمَ الْمَعَادِ يَدِي فَـــــضْلًا وَإِلَّا فَقُــــــلْ يَا زَلَّــــةَ الْقَـــــــدَمِ
فَإِنَّ مِِنْ جُـــــودِكَ الدُّنْيَا وَضَرَّتَهَا وَمِـنْ عُـــلُومِـــكَ عِلْمَ اللَّــــوْحِ وَالْقَلَمِ

هذا جعل الرسول لله ندًّا؟
طالب: أعظم.
الشيخ: ما هو أعظم، ما جعل لله شيئًا أبدًا، جعل الشيء كله للرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا - والعياذ بالله- غاية ما يكون من الكفر.
طالب: من قال: إن البيتين (...) من البردة، من قال: إن المقصود بها، يقصد بها (...)، هل هذا الكلام صحيح؟
الشيخ: لا، غير صحيح.
الطالب: عند حدوث الحادث العمم.
الشيخ: إي نعم، هذا غير صحيح؛ لأنه قوله: (مالي من ألوذ به سواك)، حتى الله ليس له، والشفاعة ما تكون إلا بعد إذن الله.
الطالب: هذا يوم القيامة يا شيخ؟
الشيخ: إي نعم، يؤولونها، معنى الحديث عام.
ثم الرسول عليه الصلاة والسلام ما هو بيأخذ بيده هو ولا غيره حتى يشفع له. هذا -والعياذ بالله- غلو، ودواء ذلك أن الله تعالى يجعل في قلب العبد تعظيمًا لله سبحانه وتعالى ومحبة لله، وأن يعلم أن الرسول عليه الصلاة والسلام ما ناله شرف إلا لأنه رسول الله، لا لأنه محمد بن عبد الله، إنما نال ذلك لأنه رسول الله، فلكونه رسول الله صار له هذه المنزلة العظيمة (...).
طالب: (الرابعة: أن هذا ليس من الشرك الأكبر لقوله: «يَمْنَعُنِي كَذَا وَكَذَا»).
الشيخ: ما وجهه؟ وجهه لو كان من الشِّرْك الأكبر ما منعه شيء عن إنكاره عليه الصلاة والسلام، لكن لما كان من الشِّرْك الأصغر صار كأنه والله أعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم منعه الحياء من أن يُنكِر؛ لأن الشِّرْك منهم بعيد -من الصحابة- فمنعه الحياء منهم أن يقول: إنكم أشركتم. ولكن لما كانت هذه الرؤيا رأى أنه لا بد من الإنكار.
طالب: نقول: يا شيخ (...)؛ لأنه يعني يستحيي أن ينهى عن شيء لم يؤمر به من قبل الله؟
الشيخ: هذا هو الذي مشى عليه صاحب تيسير العزيز الحميد، لكن الأخ يقول: إن رواية: «يَمْنَعُنِي الْحَيَاءُ مِنْكُمْ» إنها صحيحة. وإذا كان كذلك فإنه يكون المانع له أنه ما أُمِر بذلك فاستحى منهم أن ينهاهم عن شيء لم يؤمر به ولم يكن من الشرك الأكبر؛ لأن الشرك منهم بعيد.
طالب: (...)؟
الشيخ: إي، ويش يقول؟
الطالب: يعني الذي كان (...).
الشيخ: كأنه إذا نهاهم ربما جوَّز عليهم أن يكونوا مشركين بهذا الشيء، فيستحيي أن ينهاهم عن أمر ويقول: إنه شرْك وهو يستبعد أن يقع منهم ذلك على وجْه الشِّرْك.
طالب: (الخامسة: أن الرؤيا الصالحة من أقسام الوحي).
الشيخ: من أين تُؤخذ؟ من حديث الطفيل. والرؤيا الصالحة لا شك أنها من أقسام الوحي كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ» . وقد أثبت الله تعالى بها الأحكام في رؤيا الأنبياء، وفي رؤيا غيرهم أيضًا، فإبراهيم عليه الصلاة والسلام رأى في المنام أنه يذبح ابنه، فقال: إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ، فقال له ابنه: افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ [الصافات: ١٠٢]، فجعل هذه الرؤيا أمرًا؛ لأن التنفيذ هو ما قال: إني رأيت أني أؤمر بذلك، قال: رأيت أَنِّي أَذْبَحُكَ، والابن قال: افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ. كيف عرف أن ذلك أمر؟ عرف أنه لا يُقدم على الذبح الذي يستلزم قتل النفس المعصومة إلا بأمر؛ فلهذا قال: افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ، وإلا فهو رأى أنه يذبحه.
والنبي عليه الصلاة والسلام أثبت رؤيا عبد الله بن زيد؛ رؤيا الأذان، أثبتها وقال: «إِنَّهَا رُؤْيَا حَقٍّ» . وأبو بكر أثبت رؤيا ثابت بن قيس بن شماس، أنه رؤي في المنام، وأنه أوصى بوصية وقال للذي رآه: إنكم ستجدون درعي تحت بُرْمة وعندها فرس يستن، ولما أصبح الرجل ذهب إلى هذا المكان، وأخبر خالد بن الوليد، فرأوا الدِّرْع تحت هذه البرمة وعندها الفرس ، فلما رأى أن في هذه الرؤيا قرائن تدل على صدقها نفذها.
والمهم أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، وكما أن هذا ما أخبر به الرسول عليه الصلاة والسلام فهو قد وافق الواقع بالنسبة للوحي الذي أُوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن أول ما أتاه الوحي هي الرؤيا الصالحة، وكانت ابتدأت في ربيع الأول، وفي رمضان أُنزِل عليه القرآن، كم يكون؟ ستة أشهر بين ربيع ورمضان، ستة أشهر انسبها إلى بقية زمن الوحي، كم يكون؟ جزءًا من ستة وأربعين جزءًا من النبوة؛ لأن زمن الوحي كان ثلاثًا وعشرين سنة، ستة أشهر نصف سنة، فيكون جزءًا من ستة وأربعين جزءًا من النبوة.
لكن ما معنى الصالحة؟ أيش معنى الرؤيا الصالحة؟
طالب: يعني (...).
الشيخ: هي الرؤيا الصالحة تتضمن صلاح الرجل، وتتضمن أنها رؤيا ما هي بأضغاث أحلام، أضغاث الأحلام تأتي يعني مشوهة وغير منظمة، يمكن الإنسان يرى أنه بالبحر (...) فوق المنارة، ومرة يكون في الخلوة وما أشبه ذلك، المهم مُشوَّشة، مثل الرؤيا التي قصها رجل على النبي عليه الصلاة والسلام قال: يا رسول الله، إني رأيت أن رأسي قد قُطع، وأني جعلت أشتد وراءه سعيًا، رأسي مقطوع وهو (...)، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا تُحَدِّثِ النَّاسَ بِتَلَاعُبِ الشَّيْطَانِ بِكَ فِي مَنَامِكَ» . هذه ما تكون رؤيا صالحة، الرؤيا الصالحة تكون رؤيا مُنظَّمة ولها مغزى، ويشعر الإنسان بشيء حينما يراها.
ثم إن المرائي أيضًا الغالب أن المرائي المكروهة أنها من الشيطان: لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [المجادلة: ١٠]، ولهذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام إذا رأى الإنسان ما يكره أن يتفل عن يساره أو ينفث ثلاث مرات ويقول: «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ وَمِنْ شَرِّ مَا رَأَيْتُ»، وأن يتحول إلى الجانب الآخر، وألا يخبر بها أحدًا . وفي رواية أخرى أنه أمره أن يتوضأ وأن يصلي ، وإلا فبعض المرائي يعني لو أن الإنسان انساب وراءها لكان يمرض ويحصل عليه هم وغم، لكن الحمد لله لكل داء دواء.
طالب: لا بد أن (...)؟
الشيخ: لا، أبدًا، ما هو شرط، أن ينام على طهارة ليس بشرط، لا ليس بشرط.
طالب: يشترط في الرؤيا الصالحة أن يكون قد قرأ الورد قبل أن ينام؟
الشيخ: لا أبدًا ما هو بشرط.
الطالب: لأن في الغالب أن الشيطان يتلاعب إذا صار الإنسان (...).
الشيخ: لا، ما هو شرط، لكن نعم الغالب أنه إذا حفظ الإنسان نفسه بالأوراد أن الشيطان ما يتلاعب به (...)
الأحكام الشرعية (...) قال: «حُجِّي وَاشْتَرِطِي» ، فهذا له أصل من الشَّرْع، أما لو جاء إنسان مثلًا يبغي يتحدث عنا بشيء نعرف أنه مخالف للشرع، فهذا ما نقبل مهما كان.
طالب: لا، ليس مخالفًا، لكن يعني فيه مثلًا مسألة فيها اختلاف رأى النبي صلى الله عليه وسلم يفعل يعني ما يوافق أحد القولين (...)؟
الشيخ: والله على كل حال إذا كان هذا الرجل ثقة وصادقًا ويش المانع؟ أن الله سبحانه وتعالى أكرمه بأن رأى النبي عليه الصلاة والسلام، وبَيَّن له أن الصواب هو القول الثاني هذا.
الطالب: ما يكون يعني فتح باب؟
الشيخ: أبدًا، فتح باب لأيش؟
الطالب: ما يتمثل الشيطان (...)؟
الشيخ: لا أبدًا، ما يتمثل الشيطان بصوت الرسول صلى الله عليه وسلم.
الطالب: لا، (...) بصوت مثلًا؟
الشيخ: لا، لا بد أن يكون مُنطبقًا على الوصف؛ ولهذا اشترطنا أن يكون منطبقًا، وقلنا: ليس كل من رأى رجلًا ووقع في ذهنه أنه رسول الله يكون هو رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الطالب: طيب، لو رأى صحابيًّا؟
الشيخ: لا، الصحابي ربما يتمثل به الشيطان.
الطالب: ما (...) هذا؟
الشيخ: يعني لو رأى أبا بكر أو عمر، أو أي أحد من الناس ربما يتمثل به الشيطان فلا يُقبَل.
طالب: بنى عليها يا شيخ، أقول: الشيخ عبد الرحمن السعدي بنى عليها.
الشيخ: على أيش؟
الطالب: عندما رأى عائشة.
الشيخ: لا، ما بنى عليها أبدًا، لما رآها ذهب ينظر في رأيها فوجد أنها ترى هذا الرأي، لكن ما قال للناس: إن هذا رأي عائشة.
الطالب: يعني أنه يُرجح قول عائشة.
الشيخ: لا، ما أدري عن ترجيحه، لكن الكلام على أنه ذهب وراجع هذا، راجعها.
طالب: لكن يكون قوله ملزمًا للناس؟ (...)
الشيخ: ما يمكن يحدث تجديد شرع بعد الرسول عليه الصلاة والسلام أبدًا، لكن قد يكون تنبيهًا على مسألة تدخل في ضمن الأدلة الشرعية يكون هذا الإنسان مثلًا ما انتبه لها، أو تنبيه على أن هذا القول الراجح يكون النص الذي جاء به الشرع محتملًا له.
أما أن نقول: اللي بيرى الرسول وبيخبره بأشياء جديدة، مثلًا لو نفرض أنه رأى الرسول وقال: سَبِّح كذا وكذا في وقت كذا وكذا. هذا نعلم أنه كذب، ما هو صحيح؛ لأن الشرع كامل، ما يمكن يحدث أي تشريع بعد موت الرسول عليه الصلاة والسلام.
طالب: لا، مثلما حدث للشيخ تقي الدين، يعني إذا رأى ما يؤيد أحد القولين يكون ملزمًا لغيره من الناس؟
الشيخ: لا، ما أظنه يلزم؛ لأن هذا ما هو من جنس الوحي الذي في اليقظة، فلا يلزم؛ ولذلك ما أظن أن أحدًا يقول بهذا القول، لكنه يكون كرامة لهذا الرجل أنه زاده طمأنينة.
طالب: شيخ، الصحابة (...) كانوا يشترطون، مع أن العلماء (...)، مع أن أغلبهم ما كان (...)؟
الشيخ: ما نعلم عنهم (...).
طالب: (السادسة: أنها قد تكون سببًا لشرح بعض الأحكام).
الشيخ: وهذا تقدم الإشارة إليه، مثل أيش؟
طلبة: الأذان.
الشيخ: كالأذان، إي نعم، وكهذا الحديث أيضًا.
طالب: شرع ولَّا شرح؟ (...)
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم.
طالب: شيخ، فيه سؤال يا شيخ.
الشيخ: نعم (...)
باب: من سب الدهر فقد آذى الله
00:34:12

(باب: مَنْ سَبَّ الدهر فقد آذى الله).
أولًا: كلمة (سب) ما معنى السب؟ هو الشتم والتقبيح والذم واللعن وما أشبه ذلك، هذا هو السب.
و(الدهر) هو الزمان، الزمان والوقت، هذا هو الدهر، مثل أن يقول -والعياذ بالله-: لعن الله هذا الوقت، لعن الله هذا الدهر، ويش هذا الوقت؟ وما أشبه ذلك.
واعلم أن سب الدهر ينقسم إلى أقسام:
الأول: أن يكون لمجرد الخبر فقط دون إنشاء الذم، هذا لا بأس به، ومنه قول لوط: هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ [هود: ٧٧]، عَصِيبٌيعني شديد متعب. وكذلك ما يقوله الناس هذه الأيام شديدة الحر، تعبنا من شدة حرها، وما أشبه ذلك. ما قصدهم اللوم، وإنما قصدهم الخبر المحض فقط، هذا لا بأس به؛ لأنه وقع من لوط عليه الصلاة والسلام ما يشبهه، ولأن الأعمال بالنيات، واللفظ صالح لأن يكون لمجرد الخبر.
القسم الثاني: أن يسبوا الدهر على أنه هو الفاعل، فهذا شرك أكبر ولَّا أصغر؟ شِرْك أكبر؛ لأنه نَسَبَ الحوادث إلى غير الله عز وجل، فيكون ذلك شركًا أكبر، مثل أن يعتقد بِسبِّه الدهر أن الدهر هو الذي يُقَلِّب الأمور إلى الخير وإلى الشر، فهذا كُفْر، شِرْك أكبر مخرج عن الملة والعياذ بالله؛ لأنه اعتقد أن مع الله خالقًا، وكل من اعتقد أن مع الله خالقًا فهو كافر، كما أن من اعتقد أن مع الله إلهًا يستحق أن يُعبَد فإنه كافر.
القسم الثالث: أن يسب الدهر، لا لاعتقاد أنه الفاعل، بل يعتقد أن الله هو الفاعل، لكن يسبه لأنه محل لهذا الأمر المكروه عنده. فهذا مُحرَّم، ولا يصل إلى درجة الشِّرْك؛ وذلك لأن سبه إياه لا يخلو إما أن يعتقد أنه الفاعل فهذا شِرْك، وإما أن يعتقد أن الله هو الفاعل فتكون حقيقة السب لمن؟ لله عز وجل؛ لأن الله تعالى هو الذي يُدَبِّر الدهر، الدهر مُسخَّر، يكون فيه ما أراد الله عز وجل من خير أو من شر، فليس الدهر فاعلًا. فسبه في الحقيقة يعود إلى مَنْ؟ إلى سب الله عز وجل في الحقيقة، فيكون هذا محرمًا وليس بشرك؛ لأنه ما سب الله تعالى مباشرة، ولو سب الله مباشرة لكان كافرًا.
هذا حكم سب الدهر، ينقسم إذن: أن يقصد مجرد الخبر بوقوع أمر مكروه في هذا الحين أو في هذا الوقت أو ما أشبه ذلك، فهذا لا بأس به.
والثاني: أن يقصد السب واللوم، فهذا إن اعتقد أن الدهر هو الفاعل فهو شِرْك أكبر؛ لأنه اعتقد أن مع الله خالقًا، وإن اعتقد أن الفاعل الله ولكن سَبَّ الدهر لكونه محل الحوادث فهو مُحَرَّم؛ لأنه في الحقيقة يعود سبه إلى الله عز وجل؛ إذ إن الدهر مُسخَّر، ما يملك شيئًا.
فإن قال قائل: إذا قلتم: إن سب الدهر في هذا القسم يعود إلى الله، فلماذا لا يكون كفرًا؟
قلنا: لأنه لم يسب الله مباشرةً؛ ولهذا لو كان يعتقد أنه بسبه الدهر، يسب الله فعلًا وأراد سب الله لكان كافرًا.
وقول المؤلف: (فقد آذى الله).
الأذية هل هي الضرر أو غير الضرر؟ الأذية غير الضرر، ولا يلزم منها الضرر؛ فإن الواحد قد يتأذى بالشيء ولا يتضرر به، أنت تتأذى بسماعك القُبح أو بمشاهدتك المكروه أو بشمك الخبيث؛ يعني تشم شيئًا خبيث الرائحة، ولكنك لا تتضرر به، فهذا الرجل يصلي إلى جنبك وهو آكل بصلًا وثومًا، تتأذى ولَّا لا؟ تتأذى، لكن ما تتضرر به، تتأذى ولا تتضرر. وهذا رجل صلَّى إلى جنبك وصار يجلس على رجلك، يؤذيك؛ لأنه يجلس على رجلك، أو يضايقك بتفريج العضدين في السجود، حتى إن عضديه تكون في حذاء رقبتك، بين رقبتك وكتفك وما أشبه ذلك. هذا تتأذى به ولكنك لا تتضرر به.
فالمهم أن الأذية شيء والضرر شيء، ولهذا أثبت الله في القرآن، وأثبت فيما رواه عنه نبيه عليه الصلاة والسلام في الحديث القدسي أنه يُؤذَى، ونفى أن يكون الله تعالى يتضرر. في القرآن وفي الحديث القدسي، ففي القرآن يقول الله تعالى: إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا [آل عمران: ١٧٦]، وفي الحديث القدسي يقول: «يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضُرِّي فَتَضُرُّونِي» ، فأثبت الله عز وجل الأذية له في القرآن وفي الحديث القدسي؛ في القرآن: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا [الأحزاب: ٥٧]، وفي الحديث القدسي هذا الحديث اللي نحن بصدده: «يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ، يَسُبُّ الدَّهْرَ» .
ونفى الضرر عن نفسه بماذا؟ في القرآن وفي الحديث القدسي، إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًاهذا في القرآن، في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضُرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي».
قال: (وقول الله تعالى) نقول: نستمر ولا نقرأ النحو؟
طلبة: نستمر (...).
الشيخ: نعطيه عشر دقائق (...).
راجعوه أنا أشك فيه لكن راجعوه ما يخالف كل شيء يمكن مراجعته، فإذا صح فإنه خبر وليس بدعاء ولا سب.
طالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم في قوم لوط: إنه «يَوْمُ الْأَرْبِعَاءِ يَوْمُ نَحْسٍ» ؟
الشيخ: إي، بيجيئنا، هذا تقدم في التطير.
طالب: لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًافي سورة محمد ولَّا في آل عمران؟
الشيخ: في سورة محمد أظنه وفي آل عمران، أظنها في موضعين أو ثلاثة.
طالب: إذن قوله يا شيخ: لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى [آل عمران: ١١١] استثناء منقطع؟
الشيخ: هذا الاستثناء منقطع؛ يعني: لن يضروكم ولكن يؤذونكم.

***

(وقول الله تعالى: وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ [الجاثية: ٢٤]).
وَقَالُوامَنْ؟ أي: المشركون، الموافقون للدَّهْرية، ويقولون: إن صواب النسبة أن تقول: للدُّهرية، ما هي للدَّهرية، مع أنها نسبة للدَّهر، لكن هذا مما يتغير فيه الحركة عند النسبة.
يقولون: إن الدُّهرية يقولون: مَا هِيَأي: ما الحياة وما الوجود إلا هذا، حَيَاتُنَا الدُّنْيَايعني ولا آخرة، ليس هناك آخرة، لكن حياة دنيا.
نَمُوتُ وَنَحْيَا، هذا وصف لواحد ولَّا لاثنين؟ هذا وصْف لاثنين؛ يعني يموت بعض ويحيا آخرون، هذا يموت فيُدفَن، وهذا يُولَد فيحْيا، يقولون: إنها أرحام تَدْفَع وأرضٌ تبلع، ولا شيء سوى هذا.
وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ؛ يعني ليس هلاكنا بأمر الله عز وجل ولا بقضائه وقدره، مَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ؛ يعني السنين، طول السنين، إما طول المدة لمن طالَت مدته، وإما الأمراض والهموم والغموم لمن قصرت مدته، أما أن يكون ذلك بقضاء الله وقدَره ومكتوبًا علينا فهذا ليس كذلك، ولا شك أن هذا كذب كما سيأتي إن شاء الله.
وقوله: إِلَّا الدَّهْرُ، ما المراد بالـالدَّهْرُهنا؟ الزمن والوقت والسنين، يعني: ما يهلكنا إلا هذا.
فقال الله تعالى: وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ [الجاثية: ٢٤]، يعني ما للذي يقولون من علم، بل العلم واليقين بخلافه.
أما بالنسبة لقولهم: وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ، فالعِلْم المحسوس المشاهَد المنظور بخلافه، وأما قولهم: مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَافإن العلم المنقول والمعقول يدل على بطلان قولهم.
فقولهم: وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ، نقول: بل العلم على خلاف ما يقولون، وهم قالوا شيئين؛ الأول: مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا، والثاني: وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ.
أما الأول فقد أبطله المنقول والمعقول، وأما الثاني فقد أبطله المنقول والمحسوس المشاهد، عرفتم؟
ولهذا قال الله عز وجل: مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ [الجاثية: ٢٤]، ومَاهذه نافية، ومِنْ عِلْمٍمبتدأ مؤكَّد بـمِنْ، هذا النفي مؤكد بـمِنْ، فيكون نصًّا في العموم، يعني ما لهم علم لا قليل ولا كثير.
إذن ما حالهم بهذا القول؟ يقول: إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [الجاثية: ٢٤]، يعني: ما هم إلا يظنون، فهو ظن، وليس ظنًّا مبنيًّا على حقيقة الواقع، بل هو ظن مبني على أوهام وخيالات لا حقيقة لها. فالظن هنا بمعنى الوهم؛ يعني ليس مبنيًّا على دليل يجعل الشيء مظنونًا، بل هو مجرد وهم.
ففي هذه الآية دليل على أن الظن يُستعمل بمعنى الوهم، كما أنه يُستعمل بمعنى العِلم واليقين، أو لا؟ بمعنى العلم واليقين الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ [البقرة: ٤٦]، بمعنى الوهم هنا فإنه لا حُجَّة لهم إطلاقًا، وليس هناك شيء يُوجِب أن يصلوا إلى الظن بما قالوا، بل هو مجرد وهم وخيالات.
نرجع الآن إلى ما قلنا قبل قليل بأن القول الأول أو الجملة الأولى التي قالوها: مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا [الجاثية: ٢٤] (...).
الكتاب والسنة كلها تدل على ثبوت الآخرة والإيمان باليوم الآخر، والكتب السماوية كلها تقر ذلك وتؤكده، بأن الله تعالى سيجعل للعباد حياة أخرى سوى هذه.
هذا بالنسبة للمنقول، أما بالنسبة للمعقول فإننا نقول: لو كانت الخليقة عالمًا يحيا ويُؤمر ويُنهى ويُلزم بالجهاد حتى تكون كلمة الله هي العليا، فيستبيح الدماء والأموال والنساء والذرية، ثم تكون النتيجة لا شيء، هل هذا يليق بحكمة الله عز وجل؟ ما يليق، لا يليق بالحكمة أن الناس يفرض عليهم الإسلام والدعوة إليه والقتال لإعلاء كلمة الله، مع ما فيه من استباحة الدماء والأموال والنساء والذرية، ثم نقول: النتيجة أن الجميع يكونون ترابًا، ثم لا بعث ولا حياة!! هذا خلاف المعقول، وهذا تأباه حكمة الله عز وجل، وقد أشار الله إليه بقوله: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ [القصص: ٨٥]، فالذي فرض عليك القرآن وأنزله وفَرَض عليك العمل به والدعوة إليه، لا بد أن يردك إلى معاد تُجازَى عليه، ويُجازَى عليه كل من بلغته الدعوة.
قلنا: قولهم الثاني: وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ [الجاثية: ٢٤]، يرده المنقول والمحسوس، أما المنقول فإن الآيات كثيرة بأن الإحياء والإماتة بيد مَنْ؟ بيد الله عز وجل، هو الذي يحيي ويميت، وهو الذي يُقَدِّر الآجال: وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ [الرعد: ٨]، وهو الذي يقول: إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ [يونس: ٤٩]. كل هذا من النقول يدل على أن الدهر ما له دخل في الموضوع.
أما المحسوس فإننا نشاهِد مَنْ يموت في حال الصغر، في أعز شبابه وأقوى بدنه يموت، أليس كذلك؟
ونشاهد من يبقى سنين طويلة وهو على قيد الحياة، وهذا نوح عليه الصلاة والسلام كم بقي في قومه؟ ألف سنة إلا خمسين عامًا، ما أهلكه الدهر. ونجد أطفالًا يموتون في الشهر الأول من وضعهم، وفي الشهر الثاني، وشبابًا في غاية ما يكون من القوة يموتون، الدهر صار هو الذي يميتهم ولَّا لا؟ ليس الدهر.
إذن فهؤلاء كذبوا في القولتين جميعًا؛ في قولهم: مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَاوفي قولهم: وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ [الجاثية: ٢٤]، فتبين أنه لا بد من حياة أخرى، وأن الذي يُهلِك ويُبقِي هو الله عز وجل؛ ولهذا قال الله عز وجل: وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [الجاثية: ٢٤]، يعني: ما هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ(...).
مناسبة هذه الآية للترجمة، (باب مَنْ سَبَّ الدهر فقد آذى الله).
قلنا: المناسبة لأن أحد الاحتمالين في سَبِّ الدهر أن ينسب الحوادث إليه، وهؤلاء نسبوا الحوادث إلى الدهر، فقالوا: وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ [الجاثية: ٢٤]؛ هذا هو وجه مناسبة الآية للترجمة، وإلا فإن المسألة ليس فيها إيذاء، بل فيها كُفْر وشِرْك، قول هؤلاء الذين يقولون: مَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [الجاثية: ٢٤]، نسأل الله السلامة (...)

***

(صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى).
مثل هذا الحديث يسمى الحديث القدسي، ويسمى الحديث الإلهي، ويسمى الحديث الرباني. وهي أسماء معروفة عند أهل الحديث، وهي: كل ما يرويه النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه، فيقول: قال الله تعالى، أو: يقول الله تعالى، أو يقول الصحابي مثلًا: قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه؛ يعني الصحابي قد يُعبِّر فيقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه، وقد يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى، والمعنى واحد.
المهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم يكون في الحديث القدسي كالصحابي في الحديث النبوي؛ بمعنى أنه ينسبه إلى منتهى السند، ومنتهى السند في الأحاديث القدسية مَنْ؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، الرب عز وجل، هذا منتهى السند، لكنها ليست كالقرآن، الأحاديث القدسية ليست كالقرآن؛ ولهذا لا تُقرأ في الصلوات، ولا يُتعبَّد بتلاوتها، ويجوز مسها على غير طهارة، ويجوز للجُنب قراءتها، ويجوز للحائض قراءتها، ويصح بيعها، وفي المصحف خلاف كما تعرفون في بيع المصحف، ويُسافَر بها إلى أرض العدو وفي المصحف خلاف. المهم أن أحكام المصحف لا تتعلق بالأحاديث القدسية.
طالب: وتُرْوَى بالمعنى؟
الشيخ: وتُرْوَى بالمعنى نعم، بخلاف القرآن.
طالب: غير مخلوقة يا شيخ؟
الشيخ: الظاهر لي، هي المسألة اختلف فيها أهل العلم في مسألة هل هي منسوبة إلى الله لفظًا ومعنًى؟ فإن كان كذلك فهي غير مخلوقة، وأما من قال: إنها منسوبة إلى الله معنى فقط وأن التعبير تعبير الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنها غير مُعجِزة فعلى هذا تكون ألفاظها مخلوقة، أما معناها فهو كلام الله غير مخلوق.
طالب: لكن الظاهر (...) أيضًا اللفظ لفظ الله سبحانه وتعالى، فيما يرويه عن ربه.
الشيخ: نعم، هو هذا الظاهر لكنه يخالف الظاهرَ أشياء، منها أنا لو جعلنا الحديث القدسي كلام الله لفظًا لصارت أعلى سندًا من القرآن.
طالب: كيف؟
الشيخ: لأن القرآن بواسطة جبريل، وأما هذه فتكون من الرسول إلى الله مباشرة، ولأن لفظها ليس بمعجز عند أهل العلم، ولو كانت من كلام الله لكان معجزًا؛ لأن كلام الله لا يشبهه كلام البشر.
ولأنها أيضًا لو كانت من كلام الله ما حصل فيها هذا الاختلاف، اختلاف الألفاظ أحيانًا بزيادة أو نقْص، وكلام الله تعالى محفوظ؛ ولهذا القرآنُ ما يمكن يتوصل إليه زيادة أو نقص: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩]. فالظاهر لي أن القول الثاني أصح؛ أنها كلام الله معنًى وكلام الرسول عليه الصلاة والسلام لفظًا، وكونه يضيفها إلى الله فيقول: قال الله كما أن الله يضيف إلى فرعون وإلى موسى وإلى غيرهم فيقول: قال فرعون، قال موسى، مع أن اللفظ لفظ الله عز وجل.
(«قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ»).
«قَالَ اللهُ تَعَالَى» نبغي نشرح هذا الحديث بألفاظه: «تَعَالَى» ويش معنى «تَعَالَى»؟
«تَعَالَى» من العلو، لكنها أتت بهذه الصيغة للدلالة على ترفعه جل وعلا عن كل نقص وكل سُفْل، فهو متعالٍ في ذاته ومتعالٍ في صفاته، وهي أبلغ من كلمة (علا)؛ لأنها تدل على التحاشي، ولهذا يأتي بها الله عز وجل في مقابلة الذين أشركوا به فيقول: تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [النمل: ٦٣]، أي: ترفَّع وتنزَّه عما يشركون عُلُوًّا كبيرًا.
وقوله: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ»، «يُؤْذِينِي» أي: يلحق بي الأذى، ولكن هذا الأذى -كما قلت قبل قليل- ليس كأذية المخلوق، ويش الدليل؟ قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: ١١]، وهكذا صفات الله كلها ليست كصفات المخلوق؛ ولهذا تأمل أن الله قدَّم النفي على الإثبات في قوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ؛ لأجل أن يَرِد الإثبات على قلب خالٍ مِن تَوَهُّم المماثلة، حتى يرد الإثبات على قلب خالٍ من تَوَهُّم المماثلة؛ يعني: لَيْسَ كَمِثْلِهِأقر هذا في قلبك، ثم يأتي: وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُفيرد على قلب خالٍ من تَوَهُّم المماثلة، ويكون الإثبات حينئذٍ على الوجه اللائق به تعالى، وأنه لا يُمكن أن يماثل الله أحدٌ في صفاته كما لا يماثله أحدٌ في ذاته.
وكل ما وصف الله به نفسه فليس فيه احتمال للتمثيل أبدًا؛ لأنك لو أجزت احتمال التمثيل فيما وصف الله به نفسه لأجزت أن يكون احتمال الكُفْر في كلام الله وكلام رسوله؛ لأن التمثيل كفر، فلو أجزت فيما وصف الله به نفسه في القرآن أو ما وصفه به رسوله في السُّنَّة، لو أجزت احتمال التمثيل لكان معنى ذلك أنك أجزت في كلام الله وكلام رسوله احتمال الكُفْر، وهذا أمر لا يقوله عاقل فضلًا عن المؤمن.
إذن فالأذية ثابتة، ويجب علينا إثباتها؛ لأننا لسنا أعلم مِنَ الله بالله، صح؟ نعم، فإذا وَصَفَ الله نفسه بهذا نقول: لا، حاشاك أن يؤذيك أحد؟ أبدًا، نقول: حاشاك أن يضرك أحد. أما (أن يؤذيك) وقد أثبته لنفسك فنقول: آمنَّا وأقررنا واعترفنا بذلك، ولكن مع هذا لا تكون أذيته كأذية المخلوق. أنا ربما أتأذى من شيء ويكون عندي مثلًا انفعال وعدم تحمل، وربما أتضرر. لكن الرب عز وجل لا يمكن في حقه هذا.
وقوله: «ابْنُ آدَمَ»، يعني دون بنت آدم؟
طلبة: (...).
الشيخ: إي، يقول العلماء: إذا قيل: (ابن أو بَنِي) في غير محصور فهو شامل للذكور والإناث؛ ولهذا لو وقَّف إنسان على بني تميم، بنو تميم وقَّف عليهم وقفًا، فجاء الرجال وأخذوا الوقف وقالوا للنساء: يلَّا ما لكم شيء، ليش؟ قالوا: لأنا (بني) وأنتن بنات، يصح هذا ولَّا ما يصح؟ ما يصح؛ لأنهم غير محصورين.
وكذلك: «ابْنُ آدَمَ» ليس معناه الذكور فقط، بل الذكور والإناث، وهكذا القاعدة: ابن وبني إذا كانا في غير محصور فهو شامل للذكور والإناث.
«يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ»، وآدم هو أبو البشر كما هو معروف، خلقه الله تعالى من طين، وسوَّاه، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له الملائكة، وعلَّمه أسماء كل شيء.
واعلم أنه من المؤسف أنه يوجد في الكتب التي بين أيدي الناس، بل بين أيدي الطلاب فكرة ضالة خاطئة كافرة مُضِلَّة: وهي أن الآدميين ما نشؤوا من طين، إنما نشؤوا من قرود، وتطور الأمر بهم حتى صاروا على هذا الوضع، ويمكن على مر السنين يتطور حتى يكونوا ملائكة وتصير الملائكة ملائكة الملائكة.
وهذا القول لا شك أنه كُفْر؛ لأنه تكذيب للقرآن، وأعداء المسلمين دخَّلوه على المسلمين من أجل أن يقولوا: هذه أفكار متضاربة، أنتم يا المسلمين عندكم فكر وإحنا يا الطبائعيين عندنا فكر، وليس فكركم بأولى من فكرنا؛ ولهذا أنا دائمًا أُحَذِّر من كلمة فكر إسلامي، مُفَكِّر إسلامي لا بأس، لكن فكر إسلامي معناه أنا حولنا الإسلام إلى أفكار قابلة للأخذ والرد، وهذا خطر عظيم، والتعبير دخل علينا من أعدائنا من حيث لا نشعر، وأعداؤنا يدسُّون علينا الأشياء ونأخذها مُسَلَّمة لغلبة الجهل، وقلة البصيرة، والضعف الشخصي في النفوس الإسلامية، ورؤية هؤلاء القوم مرأى المبجَّل المعظَّم المعصوم من الخطأ؛ لهذا دخل علينا مثل هذه الأمور.
أقول: إن هذا القول تكذيب للقرآن صريح، ولَّا لا؟ تكذيب صريح واضح، فالواجب علينا أن ننكر هذا إنكارًا بالغًا، وألا نقره في أي كتب من كتب المدارس، وأن يُعاقَب من يُقرِّره أو يضعه بين أيدي الشباب؛ لأن أقل ما فيه من الخطورة أنه يوجب لهذا الشاب الذي لم يرسخ الإيمان في قلبه، ولم ترسخ قدمه في العلم، ويش يوجب له؟ أن يشك: والله ممكن هذا، هذا رجل مفكر يمكن صحيح هذا الشيء. لكننا نحن نقول مثل ما قيل في أبي العلاء المعري، يقول:
إِذَا مَــــا ذَكَـــــــــرْنَا آدَمًـــــا وَفِعَـــــــــالَـــهُ وَتَــــــزْوِيجَهُ بِنْــــتَيْهِ بِابْنَـــــيْهِ فِي الْخَنَــا
عَلِمْنَا بِأَنَّ الْخَلْقَ مِنْ نَسْلِ فَاجِرٍ وَأَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ مِنْ عُنْصُرِ الزِّنَا

أعوذ بالله!!
أجابه بعض العلماء بجواب، قال: أنت الآن أقررت أنك ولد زنا، وإقرارك على نفسك مقبول وعلى غيرك غير مقبول.
وَهَكَــــذَا إِقْـــــرَارُ الْفَتَى لَازِمٌ لَهُ وَفِي غَيْرِهِ لَغْوٌ كَمَا جَاءَ شَرْعُنَا

ردوا عليه.
فالمهم هذا الرجل نقول: أنت قرد، ولا تتجاوز أن تكون من القرود بصورة إنسان، أما فكرك هذا فهو فكر باطل؛ لأن الله أكذبك فيه، وقد قال: مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ [الكهف: ٥١]، أنت بنفسك لا تدري كيف يخلقك الله؟ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ [الزمر: ٦]، ما تدري كيف تُخلق، كيف تقول: إن أصلك قرد، ثم صرت آدميًّا؟ قل لي: ما أصل الكلب؟ وما أصل البقرة؟ وما أصل البعير؟
ولكن أنا الحقيقة يؤلمني أن يُوجَد هذا بين أيدي الشباب، وأن بعض الناس قد أخذوا به على أنه أمْر محتمِل، والواقع أنه أمر لا يحتمل سوى البطلان والكذب والدس على المسلمين بالتشكيك بما أخبرهم الله به عن خلق آدم وبنيه.
«يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ»، الجملة هنا تفسير، يعني جملة تفسيرية أو تعليلية؛ يعني إما أنها تعليل للأذية أو تفسير للأذية؛ يعني بكونه يسب الدهر؛ أي: يشتمه ويقبحه ويلومه، وربما يلعنه والعياذ بالله.
وما هو الدهر؟ الدهر هو الزمن، قال الله تعالى: هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا [الإنسان: ١]، فالدهر الزمن، فالإنسان يسب الزمن، وسَبُّه في الحقيقة إن كان يعتقد أن الزمن هو الفاعل فقد تقدم أنه شرك، وإن كان يعتقد أن الزمن محل الحوادث ويسبه لوقوع الحوادث السيئة فيه فإنه مُحَرَّم وإثم، والسب في الحقيقة يعود إلى الله.
«يَسُبُّ الدَّهْرَ»، أي: الزمن والوقت.
قال: «وَأَنَا الدَّهْرُ»، كيف يعني؟ «أَنَا الدَّهْرُ» يعني: أنا الزمن؟ لا، «أَنَا الدَّهْرُ» يعني معناه: أنا مُدَبِّر الدهر، ومُصَرِّف الدهر، ويدل لذلك قوله: «أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ»، الليل والنهار هو الدهر، يعني «أَنَا الدَّهْرُ». أي: أُقَلِّب الدهر، كما قال الله تعالى: وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ [آل عمران: ١٤٠].
فَيَوْمٌ عَلَيْنَا وَيَوْمٌ لَنَا وَيَوْمٌ نُسَاءُ وَيَوْمٌ نُسَرْ

هكذا الدنيا، لو تأملتها لوجدتها هكذا، هكذا تتقلب للإنسان: يومًا يُسر الإنسان ويومًا يُساء، ويومًا يكون صحيحًا ونشيطًا ويومًا يكون فيه شيء من المرض، ويومًا يكون منطلقًا ومسرورًا، ويومًا بالعكس، هكذا الدنيا، وهذا من حكمة الله عز وجل لئلا يركن إليها العاقل، لو كانت كلها صفوًا لركن إليها كثير من الناس، لكنها كانت على هذا الوجه حتى يعتبر الناس ولا يتخذوها مقرًّا.
إذن «أَنَا الدَّهْرُ»، ويش معنى «أَنَا الدَّهْرُ»؟ أنا مُقلِّب الدهر ومُصرِّفه، ولا يحتمل المعنى سوى ذلك؛ لأنك لو قلت: إن الله نفسه هو الدهر لجعلتَ الخالِق مخلوقًا، ولجعلتَ المقلِّب مقلَّبًا؛ لأن الدهر مُقلَّب: يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ [النور: ٤٤]، وهذا أمر لا يمكن.
فإذا قال قائل: ألستم تقولون دائمًا وتكررون بأن المجاز ممنوع في اللغة العربية ولا سيما في كلام الله وكلام الرسول؟ وهذا إما أن تقولوا بأن الله هو الدهر أو تقولوا بالمجاز، فما هو الجواب؟
الجواب: أننا نقول: إن الكلمة حقيقة في معناها الذي دل عليه السياق والقرائن، وإن كانت بمكان آخر تكون مجازًا. وحينئذٍ فنقول هنا: لا شك أن في الكلام محذوفًا وهو: مُقَلِّب «الدَّهْر»؛ لأنه فسره بقوله: «أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ»، ولأن العقل لا يمكن أن يجعل الدهر المخلوق هو الخالِق؛ ولأن العقل لا يمكن أن يجعل الفاعل هو المفعول، الْمُقلَّب هو الْمُقَلِّب.
وبهذا نعرف خطأ من قال: إن الدهر من أسماء الله كابن حزم رحمه الله؛ فإنه قال: إن الدهر من أسماء الله، وهذا غفلة عن مدلول هذا الحديث، وغفلة عن الأصل في الأسماء، ما هو الأصل في أسماء الله؟ أن تكون حُسنى بالغة في الحسن غايته، فلا بد أن تشتمل على وصف ومعنى هو أحسن ما يكون من الأوصاف والمعاني في دلالة هذه الكلمة مثلًا. يعني ما تجد في أسماء الله اسمًا جامدًا أبدًا، في أسماء الخلق تجد اسمًا جامدًا: جعفر مثلًا، وحدرج، هذا اسم جامد، أسد اسم جامد، لكن في أسماء الله تجد اسمًا جامدًا؟ لا، أبدًا؛ لأن الاسم الجامد ما فيه معنى حتى يكون أحسن أو غير أحسن لكن أسماء الله كلها حسنى، فيلزم من ذلك أن تكون دالة على معانٍ، والدهر اسم من أسماء الزمن ليس فيه معنى إلا أنه اسم زمن، وعلى هذا فينتفي أن يكون من أسماء الله؛ لوجهين:
الوجه الأول: أن سياق الحديث يأباه غاية الإباء.
الوجه الثاني: أن أسماء الله حُسنى، والدهر اسم جامد لا يحمل معنًى إلا أنه اسم للأوقات، فلا يحمل المعنى الذي يُوصف بأنه أحسن، وحينئذٍ فليس من أسماء الله تعالى، بل إنه الزمن، ولكن مُقَلِّب هذا الزمن هو الله؛ ولهذا قال: «أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ»، تقليب الليل والنهار هل المراد ذواتهما؟ أو ما يحدث فيهما؟ أو الأمران جميعًا؟
طلبة: الأمران.
الشيخ: الأمران جميعًا، فالليل والنهار يُقَلَّب من طويل إلى قصير إلى متساوٍ، أليس كذلك؟ والحوادث فيها حَدِّث ولا حرج، تتقلَّب في الساعة، وفي اليوم، وفي الأسبوع، وفي الشهر، وفي السنة: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران: ٢٦]، ثم جاء تغيير الزمن نفسه، تُؤْتِي الْمُلْكَوَتُعِزُّهذا الحوادث اللي في الزمن، ثم جاء الزمن نفسه فقال: تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ [آل عمران: ٢٧].
فالله عز وجل يُقلِّب الليل والنهار في ذواتهما، وفي الحوادث الواقعة فيهما، وتقليبه سبحانه وتعالى للحوادث الواقعة فيهما أمْر ظاهر ما يحتاج إلى شواهِد.
فإذا قال قائل: هل لهذا التقليب حِكمة؟ أو مُجرَّد ظهور السلطان والقدرة فقط؟
فالجواب: لا بد فيها من حِكمة، ولكن هذه الحكمة قد تظهر لنا وقد لا تظهر؛ لأن عقولنا أقصر من أن تحيط بحكمة الله عز وجل، لكن منها ما يكون معلومًا لنا، ومنها ما يكون مجهولًا لنا. ثم نقول: إن مجرد ظهور سلطان الله عز وجل وتمام قدرته هو من الحكمة، أليس كذلك؟
فإن سلطان الله عز وجل الأعظم الذي لا يُماثله سلطان وتمام قدرته، هذه لا شك أن ظهورها للإنسان مِنْ أعظم الحِكَم، حتى يخشى صاحب السلطان سبحانه وتعالى، ويخشى صاحب القدرة، ويتضرع إليه سبحانه وتعالى باللجوء إليه مما يخافه. لولا اعتقاد المرء تمام قُدرة الله وسلطانه ما صح لجوؤه إليه، ولَّا لا؟ إذ لا يلجأ إلى من لا يعتقد أن له السلطان الأعظم.
بهذا نعرف أن تقليب الليل والنهار له حكم عظيمة، لكن منها ما يظهر لنا ومنها ما لا يظهر، وفي رواية..
طالب: شيخ، يحتجون علينا اللي يؤولون الصفات يقولون: كيف أولتم الحديث هذا (...)؟
الشيخ: نعم، نحن نقول: ما هي من الصفات أصلًا.
الطالب: والأسماء؟
الشيخ: ولا من الأسماء؛ لأنه معروف الدهر، ما هو الدهر باللغة العربية؟ الزمن، هل يمكن أن الله يكون هو الزمن؟
الطالب: يقولون: إن الله قال كذا؟
الشيخ: طيب، قال كذا ما يخالف، لكن نعرف من سياق كلامه أنه يريد «أَنَا الدَّهْرُ» أي: مُقلِّبه؛ لأنه فسره. ولاحظ أننا نحن لا ننكر التأويل أصلًا، إنما ننكر التأويل الذي لا ينبني على دليل، أما ما ينبني على دليل فلم نؤول في الحقيقة، لم نُحرِّف كلام الله وكلام رسوله عن معناه؛ لأننا استندنا إلى ما قال الله ورسوله، فإذا كان التأويل مستندًا إلى دليل ما بقي تأويلًا، أو نقول: هو تأويل لكن دلَّ عليه كلام من قال هذا الكلام الذي أوَّلناه إلى المعنى الذي يريد؛ لأن المتكلم واحد وهو الله عز وجل أو الرسول صلى الله عليه وسلم، فإذا حملنا كلامه بعضه على بعض ما صار هذا تأويلًا مذمومًا. فنحن ذكرنا في كتابنا القواعد المثلى أن لنا على أهل البدع في هذه المسألة جوابين:
الجواب الأول: أن نقول: نحن لا ننكر التأويل الذي دل عليه الدليل، ما ننكره، «عَبْدِي، مَرِضْتُ» و«عَبْدِي، اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي» ، أوَّلها الله عز وجل وبَيَّن معناها ولَّا لا؟
طلبة: إي نعم.
الشيخ: فإذن ما ننكر هذا؛ لأن الله بينها، فإذا جاء البيان من الله ورسوله سواء كان متصلًا بهذا الدليل أو منفصلًا عنه، فإن تأويلنا له بحجة ممن تكلم به، فكأنه يقول: أردت بكلامي كذا وكذا، ما فيه مانع أن نقول: هذا هو المراد. نحن ننكر على أهل التأويل؛ لأنهم أوَّلوا بدون دليل، إلا مجرد ما يظنونه عقلًا وليس بعقل.
قال: (وفي رواية: «لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ؛ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ» ).
فائدة ذكر هذه الرواية أن فيها التصريح بالنهي عن سَبِّ الدهر، أما الأولى ما فيها تصريح بالنهي، لكنه إشارة، ومن فحوى الخطاب أنه ينهى عنه؛ لأن الله توعد الذين يؤذونه: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ [الأحزاب: ٥٧]، لكن الثانية صريحة: «لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ؛ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ».
طالب: فإن الدهر هو الله.
الشيخ: عندي «فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ».
الطالب: (...).
الشيخ: لا، «فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ»، هذا الصواب.
وقوله: «فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ»؛ هذا تعليل للنهي، وقد سبق لنا مرارًا أن من بلاغة كلام الله ورسوله أنه أحيانًا يقرن الْحُكْم بالعِلَّة لبيان الحكمة ولزيادة الطمأنينة؛ ولأجل تعدي العلة إلى غيرها فيما إذا كان الْمُعلَّل حُكْمًا فإنه يتعدى إلى غيره.
طالب: ما يدخل العبارة فإن الدهر هو الله بمعنى: مُقلِّب الدهر الله سبحانه وتعالى؟
الشيخ: لا، اللي عندي «فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ».
الطالب: (...).
الشيخ: هذا اللفظ اللي في الأصل.
الطالب: المعنى (...)؟
الشيخ: المعنى «هُوَ الدَّهْرُ»، هو مُقَلِّب الدهر مثل الأولى.
الطالب: ولكن إذا قلنا: الدهر هو الله يعني (...)؟
الشيخ: ما يستقيم يا أخي، ما قال الرسول هذا، أثبت لي ذلك قبلُ.
الطالب: يعني..
الشيخ: اللي عندنا «فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ».
طالب: بالنسبة يا شيخ (...).

***

الشيخ: واتخذناه مهجورًا إلا في مسائل قليلة أو عند أُناس قليلين.
وهجر القرآن ما هو معناه هجْر ألفاظه وعدم تلاوته؛ هجْر ألفاظه ومعانيه وأحكامه، كله، فليس الهجر أنه: قَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا [الفرقان: ٣٠]، ما هو معناه ما يقرؤونه، لو قرؤوه ولم يصدقوا بأخباره ولم يعملوا بأحكامه صاروا هاجرين له.
الصحابة رضي الله عنهم بحيث أنهم ما هجروا القرآن كانوا لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل. وما ظنكم إذا اطَّلعوا على ما فيها من العلم والعمل، يُصدِّقون بالخبر؟ يُصدِّقون بلا شك، ويعملون بالحكم. هذا هو قبول القرآن والعمل به.
فأقول ما قال الأخ من أن هذه النظرية بطلت الآن، ولكن مع الأسف أنه يدرس عندنا (...)، صحيح هذا شيء يؤسف له (...)

***

خالد امتنع أن يكون الله نفسه هو الدهر.
طالب: أنا أظن (...).
طالب آخر: أنه قد يكون سابًّا ولو لم يـ..(...)
الشيخ: والفعل لا يضاف إلا لمن قصده، فلو قيل: إنه يكون مؤذيًا لله ولو لم يقصد الإيذاء صح؛ لعموم الحديث.
فات المؤلف شيء من مسائل الباب، ما هو الذي فاته من مسائل الباب؟ (...).
مع أنه رحمه الله من عادته إذا ذكر آيات وأحاديث يقول: في مسائل؛ الأولى: تفسير آية كذا، تفسير آية كذا، تفسير آية كذا، وهذه إما أن تكون سقطت من النساخ، أو أن المؤلف رحمه الله غفل عنها ونسيها.
على كل حال في هذا الباب من المسائل: تفسير آية الجاثية وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَاإلى آخره [الجاثية: ٢٤]، وقد علمنا تفسيرها وبينا وجه مناسبتها للباب.

***

باب: التسمي بقاضي القضاة ونحوه
01:24:04

طالب:
(باب التسمي بقاضي القُضاة ونحوه (...) رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ أَخْنَعَ اسْمٍ عِنْدَ اللَّهِ رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الْأَمْلَاكِ؛ لَا مَالِكَ إِلَّا اللَّهُ» . قال سفيان: مثل شاهان شاه. وفي رواية: «أَغْيَظُ رَجُلٍ عَلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَخْبَثُهُ» . قوله: «أَخْنَع» يعني: أوضع).
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى: (باب التسمي بقاضي القضاة ونحوه).
المؤلف قال: (قاضي القضاة)، (أل) الدالة على العموم، و(قاضي) بمعنى حاكِم، و(القضاة) الْحُكَّام. فيكون المعنى: باب التسمي بحاكم الحكام ونحوه، مثل: ملك الأملاك، سلطان السلاطين، وما أشبه ذلك.
طالب: (...).
الشيخ: نعم، وما أشبه ذلك مما يدل على الحكم والنفوذ والسلطان؛ لأن القاضي ليس كالعالِم، القاضي مُفْتٍ ومُلزم وله سُلطة، وأما العالِم فإنه مُفْتٍ وليس له سلطة، لو يُفتي مثلًا شخص أو شخصان فيما بينهما من المشاكل ما ألزمهما، لكن القاضي مُفْتٍ ومُلزِم؛ ولهذا يقال: إن القاضي جَمَعَ بين الشهادة والإفتاء والْحُكم، الإلزام يعني، جمع بين ثلاثة أشياء: الشهادة؛ لأنه يشهد بحكمه على أن هذا حُكْم الله، ويشهد كذلك بأن الحق للمحكوم له على مَنْ؟ المحكوم عليه، وهو أيضًا مُفْتٍ؛ لأنه مُخْبِر عن حُكْم الله، والإخبار عن حُكْم الله وشريعته إفتاء، وهو أيضًا مُلزِم؛ لأنه يُلزم الخصمين بما حكم به، ففيه نوْع من السلطان والولاية والشهادة؛ يعني نوع من السلطان والولاية والإفتاء والشهادة.
المهم أن (قاضي القضاة)، قلت: إن (أل) هنا للعموم (القضاة)، ومعلوم أن (قاضي القضاة) أي: الذي ترجع إليه القضاة، ويكون له الكلمة العليا عليهم؛ لأنه قاضيهم، وهذا الوصْف بهذا المعنى الشامل لا يصلح إلا لله عز وجل، وهذا وجْه مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد؛ لأن مَنْ تَسَمَّى بذلك الاسم فإنه جعل نفسَه شريكًا مع الله فيما لا يستحقه إلا الله عز وجل. هذا وجه مناسبة الباب لكتاب التوحيد، وهي مناسبة ظاهرة.
والله عز وجل هو الذي يقضي، وهو القاضي فوق كل قاضٍ، وهو الذي له الْحُكم، وهو الذي إليه يُرجع الأمر كله، كما ذكر الله ذلك في القرآن.
وقد تقدم لنا -ولا حَرَجَ من إعادته- أن قضاء الله ينقسم إلى قسمين: قضاء كوني، وقضاء شرعي؛ فالقضاء الكوني لا بد من وقوعه، ويكون فيما أحب الله وفيما كرهه، انظر إلى قوله تعالى: وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ [الإسراء: ٤]، هذا قضاء، لكنه كوني، متعلق بما يكرهه الله ولَّا بما يحبه؟
طالب: بما يكرهه.
الشيخ: بما يكرهه؛ لأن الفساد في الأرض لا يحبه الله، إن الله لا يحب المفسدين، ولا يحب الفساد، واضح؟ هذا القضاء الكوني لا بد أن يقع، ولا معارض له إطلاقًا.
والنوع الثاني من القضاء أو القسم الثاني: قضاء شرعي، مثل قوله تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء: ٢٣].
والقضاء الشرعي لا يلزم منه وقوع المقضي، قد يقع وقد لا يقع، ولَّا لا؟ ولكنه يتعلق فيما يُحبُّه الله، لا يقضي سبحانه وتعالى شرعًا إلا بما أحب، أما ما كرهه فإنه يقضي بتركه واجتنابه، ما يقضي بوجوده وإثباته، بل يقضي بالعكس.
إذن القضاء لله عز وجل شرعًا وكونًا، أو شرعًا وقدَرًا، وبهذا عرفنا أن الحكم بغير ما أنزل الله يتعلق بجانب الربوبية ولَّا بجانب الألوهية؟ بجانب الربوبية؛ لأن هذا حُكْم، وإذا كان حكمًا فإنه يتعلق بجانب الربوبية، فهو من الإخلال بتوحيد الربوبية، الحكم بغير ما أنزل الله.
وقول المؤلف: (في الصحيح..) إلى آخره.
إذن الكلام على هذا الباب ما مناسبته لكتاب التوحيد؟ مناسبته أن من تَسمَّى بهذا الاسم فقد جعل نفسه شريكًا مع الله فيما لا يستحقه إلا الله؛ لأنه لا أحد يستحق أن يكون قاضي القضاة، أو حاكم الحكام، أو ملك الملوك إلا الله سبحانه وتعالى.
فإن قلت: إذا أضفنا (القضاة)، وحصرناها بطائفة معينة، أو ببلد معين، أو بزمان معين، هل يجوز ذلك؟ مثل أن أقول: قاضي قضاة المملكة العربية السعودية، أو قاضي قضاة مصر، أو قاضي قضاة الشام، أو قاضي قضاة العراق، أو ما أشبه ذلك، هل يجوز ذلك؟
طلبة: نعم.
الشيخ: جائز؟
طلبة: إي نعم.
الشيخ: لماذا؟ لأنه قُيِّد، ومعلوم أن قضاء الله لا يتقيد، فحينئذٍ لا يكون في مشاركة لله عز وجل، على أنه لا ينبغي أيضًا أن يتسمَّى الإنسان أن يُسَمَّى بذلك، وإن كان جائزًا، لكن لا ينبغي؛ لأن النفس قد تصعب السيطرة عليها فيما إذا شعر الإنسان بأنه موصوف بأنه قاضي قضاة الناحية الفلانية، قد يأخذه الإعجاب بالنفس والغرور، حتى لا يقبل الحق إذا خالف قوله. وهذه مسألة عظيمة لها خطرها، إذا وصلت الحال بالإنسان إلى الإعجاب بالرأي بحيث يرى أن رأيه مفروض على مَنْ دُونه، فإن هذا خطره عظيم، فهو حتى على القول بأن ذلك جائز، فإنه لا ينبغي التسمِّي به، لا قبوله اسمًا للإنسان أو وصفًا له، ولا أن يُسمَّى به.
كما قلت: هذا رجل له منصب، وهو فوق هؤلاء في المنصب ويرجعون إليه، فإذا سُمِّي وأُعلن بهذا الإعلان أو بهذا الوصف فإنه على خطر عظيم، قد يلحقه الغرور والإعجاب، وحينئذٍ ما يقبل إلا ما وافق قوله.
ثانيًا: هل يجوز مثلًا أن نقول: (قاضي قضاة عصره)، باعتبار الزمن، (عصره)؟
طلبة: مُقيَّد، بالزمن.
الشيخ: مُقيد أيضًا؟
طلبة: إي نعم.
الشيخ: مقيد، لكن أيهما أشمل؟
طلبة: بالزمن.
الشيخ: قاضي قضاة عصره، أو قاضي قضاة مصر مثلًا أو الشام؟
طلبة: عصره.
الشيخ: العصر أعم، السبب: لأنك إذا قلت: (قاضي قضاة عصره) صار قاضي القضاة مدته حياته في كل الأقطار.
إذا قلت: (قاضي القضاة) في البلد الفلاني أو في الناحية الفلانية، فهو لا يمكن يكون قاضي قضاتهم بعد موته، فتقييده بحياته واضح، ويصير مقيدًا أيضًا بالمكان، فيكون أخص من قولنا: قاضي قضاة عصره.
ذكرنا تقييدًا ثالثًا ما هو؟ التقييد بالمكان، والتقييد بالزمان، والثالث أن يقال: قاضي قضاة، أو عالم العلماء في الفقه مثلًا، قاضي القُضاة في الفقه، أو عالم العلماء في الفقه، أو في العقائد، أو ما أشبه ذلك، جائز ولَّا لا؟
طالب: نعم.
طلبة: (...).
الشيخ: نشوف يا إخواني، إذا قيده بزمن أو بمكان قلنا: إنه جائز لكنه الأفضل ألا يفعل. إذا قيده بفن من الفنون هل يكون جائزًا؟
طالب: نعم.
طالب آخر: لا يجوز.
الشيخ: هو في الحقيقة مقتضى التقييد أن يكون جائزًا، لكن في مسألة الفقه إذا قلنا: إن الفقه يشمل أصول الدين وفروعه على حد قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» ، صار فيه عموم كبير، ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: معناه مرجع الناس كلهم في الشرع إليه، وهذا عموم واسع، فأنا أشك في جواز هذا وإن كان مُقَيَّدًا. صحيح أن الله عز وجل حاكم الحكام في كل شيء، في الأمور الشرعية، والأمور الكونية، والأمور العلمية، كل الأمور. ونحن قيدناه في شيء معين، لكن في الحقيقة أن هذا الشيء المعين لا سيما الفقه إذا جعلناه عامًّا للأصول والفروع ففي نفسي منه شيء، والتنزه عنه أولى.
إذا قيدناه بقبيلة، قلنا: من باب أولى بالتحريم أو بالجواز؟ بالجواز.
قلنا: هذا قاضي قضاة آل فلان. هذا أظنه من أقل ما يكون حصرًا، أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: إذن هذا جائز. لكن كما قلت من قبل: مراعاة جانب الموصوف بهذه الصفات حتى لا يغتر..