كتاب التوحيد - 40
عدد الزيارات 2668

عناصر المادة :
باب: احترام أسماء الله تعالى وتغيير الاسم لأجل ذلك

.. أحد لا يفهم من (شيخ الإسلام) أنه الشيخ المطلَق الذي يُرْجَع إليه في الإسلام، ولّا لا؟ لكنه وُصِفَ بهذا الوصف لأنه جَدَّد في الإسلام وأَثَّرَ في الإسلام، وهذا أمر لا يُشَكُّ فيه بالنسبة إلى مثل هؤلاء العلماء، مثل الإمام أحمد، والشافعي، وغيرهم من الأئمة، ما فيه شك أنهم من شيوخ الإسلام؛ لأن لهم تأثيرًا بالغًا، وكذلك مثل شيخ الإسلام ابن تيمية، والشيخ محمد بن عبد الوهاب، كل هؤلاء لا شك أنهم يصح أن نقول: إنهم شيوخ الإسلام، باعتبار ما لهم من أثر حميد في الإسلام.
فالظاهر لي أنه كما قال الأخ أنه نظر لإقرار أهل العلم ذلك فيما بينهم، وتناقلهم أن هذا لا بأس به، وكل أحد لا يفهم من كلمة شيخ الإسلام أن هذا هو الشيخ الذي يُرْجَع إليه في قضايا الإسلام أبدًا، ولكن يرون أن هذا الرجل له أثر في دين الله فاستحق هذا اللقب.
والإمام ما رأيكم فيه؟
طالب: خطأ.
طالب آخر: يكون مثله.
الشيخ: الإمام أهون بكثير، حتى النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ» ، إمام مسجد يمكن ما عنده إلا اثنان سَمَّاه الرسول إمامًا: «الْإِمَامُ».
طالب: مُقَيَّدة هذه؟
الشيخ: لا، مُقَيَّدة باعتبار القرينة يعني، وإلا هي مطلقة باعتبار اللفظ، لكن الشيء الذي أنا أحب ألَّا يكون ما جرى عليه تعبير الناس الآن، طلبة العلم صاروا يجعلون كل شخص إمامًا، حتى وإن كان له رتبةً دنيا بالنسبة -مثلًا- للحديث أو لغيره كعلم الفقه، يقولون: قال الإمام، وهذا في الحقيقة ربما نقول: إنه كذب؛ لأن الإمام مَن له أتباع وكان قدوة، إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ [النحل: ١٢٠]، أُمَّةً، كوننا نعبر عن كل مُصَنِّف إمام، في هذا نظر.
أما من كان قدوة وعمدة كالبخاري -مثلًا- أو مسلم أو هؤلاء الأئمة ممكن أن نقول: إمام، على أننا ما نقول: إن إمامة البخاري كإمامة الإمام أحمد مثلًا، فبينهما فرق بحسب ما لهما من الأثر في المسلمين، لكن الذي قد يكون كذبًا وقد يكون يؤدي إلى أن يرفع أحد فوق مرتبته هو هذا التسامح في إطلاق إمام.
كما أنه أيضًا تسامح ووصف للإنسان بما لا يستحق أحيانًا، فإنه هضم للأئمة؛ لأن الإنسان إذا تصور أن هذا إمام وذاك إمام، ويش يصير؟ يصغر الإمام الحق في عينه، ولهذا قيل:

أَلَمْ تَرَ أَنَّ السَّيْـــفَ يَنْقُـــصُ قَـــدْرُهُ إِذَا قِيلَ إِنَّ السَّيْفَ أَمْضَى مِنَ الْعَصَا

طالب: شيخ.
الشيخ: نعم. (...)
كلها ينبغي أن تُحْذَف من قواميس الشرع، وأن يقال: العالِم لا بأس، المفتي لا بأس، القاضي لا بأس، الحاكم لا بأس، الإمام إذا كان مستحقًّا لا بأس.
طالب: شيخ.
الشيخ: نعم.
الطالب: إطلاق الشيخ (...)، ما رأيكم؟
الشيخ: والله هذا قد يكون من الكذب، إلا إذا كان شيخًا لغةً؛ لأن الشيخوخة لغةً أوسع، واسعة، حتى كبير السن يسمى شيخًا، وعلى لغة بعض الجهات كل جسم فهو شيخ.
على كل حال الشيخ إذا كان مستحقًّا لكونه كبيرًا في العلم أو في السن، أو كبيرًا في قومه؛ لكونه جوادًا سخيًّا نافعًا فلا حرج، ولهذا الآن يطلق عُرْفًا الشيخ حتى على مَن لم يكن عالِمًا ولا كبيرًا في السن، إذا كان رجلًا له قيمته في مجتمعه ونافعًا لهم يسمى شيخًا، الشيخ فلان ابن فلان.
طالب: يطلق عليه شيخ حتى لو كان عالِمًا كبيرًا يا شيخ؟
الشيخ: نعم.
الطالب: أقول: يطلق عليه شيخ؟
الشيخ: من؟
الطالب: مع أنه في عُرْف الصحابة ومَن بعدهم.. (...).
الشيخ: إي نعم، ما رأيكم في هذا؟
طالب: يجوز.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: لأنه رئيس فقط، منصب، يعني ليس قاضيهم، يعني إنما رئيسهم.
الشيخ: ليس حاكمًا؟
الطالب: نعم.
الشيخ: والله الظاهر أنها ما هي مثل (قاضي القضاة)، واعلم أيضًا أن (قاضي القضاة) مشكل، استعملت حتى في عُرْف العلماء والفقهاء، ابن حجر يسمى قاضي القضاة، حتى الذين يكتبون أبحاثًا يقولون: قاضي القضاة، كأنهم -رحمهم الله- يتوسعون في هذا الأمر، ويقولون: إنه ليس كملك الملوك؛ لأن الملك له من النفوذ والسلطة والسيطرة ما ليس للقاضي، فبعض العلماء يتجوَّز في هذا، ومن أجل ذلك المؤلف رحمه الله جعل الترجمة (قاضي القضاة) دون ملك الملوك، مع أن اللي في الحديث: «مَلِك الْمُلُوكِ» ؛ ليبين أن (قاضي القضاة) كـ(مَلِكِ الْمُلُوكِ).
طالب: (...) تُطْلَق على ابن حجر قاضي القضاة أرادوا (...)؟
الشيخ: لا، قيل: أو مصر، مكانه.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: هذا هو الظاهر، ما فيه إشكال؛ لأنه حتى في عهد ابن حجر كانت المذاهب قائمة، وإلى الآن وهي قائمة، فلا شك أنهم لا يرون أنه قاضي قضاة الحنابلة -مثلًا- أو قضاة المالكية أو قضاة الحنفية؛ لأن هؤلاء كلهم لهم قضاة، فهم يريدون هذا، يمكن هذا أيضًا يُخَفِّف الموضوع.
طالب: أقضى قضاة مثل قاضي القضاة؟
الشيخ: هي أشد منها، إلا إذا قيل: أقضاهم، يعني أعلمهم، ما هو بأقضاهم معناه اللي يرجعون إليه، فهذا لا حرج فيه إذا كان صحيحًا.

***

ثم قال: (في الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ أَخْنَعَ اسْمٍ عِنْدَ اللَّهِ رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الْأَمْلَاكِ» ).
«أَخْنَعَ» يعني أوضع، والجزاء من جنس العمل، هذا الرجل الذي تَسَمَّى (ملك الأملاك) ويش قصده؟ قصده أن يرفع نفسه، وأن يتعاظم حتى على الملوك، ملك الأملاك قوبل –والعياذ بالله– بنقيض قصده، فصارت عقوبته أنه أوضع اسم عند الله؛ ولهذا أحب اسم عند الله ما دَلَّ على التذلل والخضوع لله، وهو أحب الأسماء إلى الله: عبد الله وعبد الرحمن ، فكلما كان الاسم أقرب إلى الذل والخضوع لله رب العالمين صار أحب إلى الله، وكل ما كان أَدَلَّ على الجبروت والسلطة والتعظيم صار أبغض إلى الله وأوضع عنده.
فأوضع اسم عند الله رجل تَسَمَّى ملك الأملاك؛ لأنه وضع نفسه في مرتبة عُلْيَا، بل أعلى شيء، فالملوك هم أعلى طبقات البشر من حيث السلطة، فإذا جاء هذا وصار ملك الملوك صار معناه أنه جعل لنفسه مرتبة فوق مرتبة الملوك، وهذه لا تكون إلا لله عز وجل، فلذلك قُوبِلَ بنقيض قصده، فصار «أَخْنَعَ اسْمٍ عِنْدَ اللَّهِ».
قال: («لَا مَالِكَ إِلَّا اللَّهُ»)، لَا مَالِكَ ولا مَلِك إلا الله عز وجل؛ ولهذا جاء في الآية في سورة الفاتحة: {مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: ٤]، ومَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: ٤] لأجل يجمع بين الأمرين؛ بين الملك وكمال التصرف؛ الملك بأن تكون له الكلمة، فإن الْمَلِك له الكلمة، والمالك له كمال التصرف، وكم من مَلِك ليس بمالك، أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يمكن؟
طالب: نعم.
الشيخ: مَلِك ولَا هو مالك؟
طلبة: (...).
الشيخ: إي نعم ممكن، ممكن يصير مَلِكًا، ويُعَظَّم وتُقْرَع له الدفوف وكل شيء، لكن ما هو بمالك في الواقع، كل الأمور من دونه، فيه الآن ملكة بريطانيا تسمى ملكة، ولكن ما لها شأن، كل الأمور بدونها، فرب مَلِك ليس بمالك، ورب مالك ليس بملِك، يصير؟ ما يصير، الآن أنت مالك كتابك، وهل أنت مَلِك؟
طالب: قولك صحيح.
الشيخ: طيب، وربما ملِك ليس بمالك، ورب مالك ليس بملِك، ولهذا جاءت الآية الكريمة بالقراءتين عشان يعرف أنه سبحانه وتعالى مَلِك مالك، مَلِك ذو سلطان وعظمة وقول نافذ، ومالك متصرف مُدَبِّر لجميع أمور مملكته، وكل شيء فهو مملكة لله وملك لله سبحانه وتعالى.
هنا قال: («لَا مَالِكَ إِلَّا اللَّهُ»)، وكذلك لا ملِك إلا الله عز وجل، فإذا كان لا مالك إلا الله فهو من باب أولى ألَّا يكون ملِك إلَّا الله سبحانه وتعالى.
«لَا مَالِكَ إِلَّا اللَّهُ»، بأي نوع من أنواع التوحيد تتعلق؛ بالألوهية، أو بالربوبية، أو بالأسماء والصفات؟
طلبة: بالربوبية.
الشيخ: بالربوبية؛ ولهذا سبق لنا أن توحيد الربوبية يتركز على ثلاثة أمور: الخلق، والملك، والتدبير، كذا؟ ما مر علينا هذا؟
طالب: نعم.
الشيخ: مر علينا أن توحيد الربوبية يرتكز على الأمور الثلاثة: الخلق، والملك، والتدبير، فلا خالق إلا الله، ولا مالك إلا الله، ولا مُدَبِّر إلا الله، كل ذلك موجود دلائله في الكتاب؛ في القرآن الكريم، بقطع النظر عن دلالة العقل، قال الله تعالى: هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ [فاطر: ٣]، الاستفهام هنا؟
طالب: إنكار.
الشيخ: بمعنى النفي، لكن جاء بصورة الاستفهام وهو للنفي؛ لأنه أُشْرِبَ معنى التحدي، يعني: إن وجدتم فهاتوه.
وقال تعالى: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ [الحجر: ٨٦]، هُوَضمير فصل، ويش يدل عليه؟ يدل على التوكيد والحصر، إِذَن لا خَلَّاق إلا الله عز وجل.
وقال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، الَّذِينَاسم موصول يشمل كل مَن يُدْعَى من دون الله، لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ [الحج: ٧٣]، شوف لو اجتمعوا على أن يخلقوا ذبابًا ما استطاعوا، طيب يخلقوا بعوضة أقل من الذباب؟
طلبة: لا.
الشيخ: كيف؟ نفرض أنه ما قدروا على الذباب لكن قدروا على البعوض؟
طالب: ما يقدرون.
الشيخ: ما يقدرون؟
الطالب: نعم.
الشيخ: إذن لأن التمثيل بالذباب ليس للتقدير، ولكنه للمبالغة، وما جاء على سبيل المبالغة فإنه لا مفهوم له كثرةً ولا قِلَّةً، وهذا مر علينا أيضًا هذه القاعدة، طيب هذا الخلق الملك أين الدليل على أن الله منفرد به؟
طالب: (...).
الشيخ: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ [الملك: ١].
طالب: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ [آل عمران: ٢٦].
الشيخ: أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [الأعراف: ٥٤]؛ لا، الأمر بالتدبير.
طالب: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ.
الشيخ: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ، وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [آل عمران: ١٨٩]، ولِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [النساء: ١٧٠]، كثير انفراده بالملك.
انفراده بالتدبير: أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [الأعراف: ٥٤]، أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ [النمل: ٦٠]، قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ [يونس: ٣١]، قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ [المؤمنون: ٨٨، ٨٩]، إذن الآيات كثيرة في هذا، ويش بقي؟ ما بقي شيء، الخلق والملك والتدبير.
لكن قد يقول قائل: إن غير الله يكون خالقًا؛ لقول الله تعالى: فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ [المؤمنون: ١٤]، ولقوله في الحديث الصحيح في الْمُصَوِّرِين يقال: «أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ» ، فأثبت خلقًا، وقال تعالى: وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت: ٤٥]، فأثبت صنعًا.
وفي الملك قال: إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ [المؤمنون: ٦]، وقال: أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ [النور: ٦١]، وفي التدبير والأمر؟
طالب: فَمَاذَا تَأْمُرُونَ [الأعراف: ١١٠].
الشيخ: فَمَاذَا تَأْمُرُونَ، وغير ذلك، فما هو الجواب؟ يأتي إن شاء الله وتأمَّلُوه. (...)
الإيراد الأول.
طالب: (...) الصنع أو التدبير نقول: مُقَيَّد ومحدود (...) مثل ما قال وذكروا:
وَلَأَنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ وَبَعْـ ـضُ الْقَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لَا يَفْرِي

هذا أن المخلوق (...).
الشيخ: (...)، نقول: إن خلق الإنسان للشيء ليس إيجادًا، لكنه تحويل من شيء إلى شيء، أما مادة هذا الشيء فهو من الله عز وجل، هو الذي خلقه، ولَّا لا؟ لنفرض مثلًا هذا رجل صنع بابًا، ممكن نقول: خلقه، إذا كان أوجده بعد أن تَرَوَّى فيه وقدر، لكن هل هو الذي خلقه حقيقةً؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، لكن خشب حوَّله من صفة إلى صفة حتى جعله بابًا، وعلى هذا فَقِسْ، فليس الخلق إيجادًا، ولهذا لو اجتمع الخلق كلهم على أن يُوجِدُوا شيئًا ما أوجدوه أبدًا فعناصر الكون كلها من الله عز وجل هو الذي خلقها، وغاية ما للإنسان من ذلك أيش؟ أن يُحَوِّله بما عَلَّمَه الله عز وجل إلى ما يريد أن (...) فيه.
هذا من جهة، ومن جهة ثانية أيضًا أنه محدود، حتى خلق الآدميين لو قلنا: إنه خلق، فهو محدود، هل أحد ادَّعَى أنه خلق الشمس أو القمر أو السماء؟
طالب: لا.
الشيخ: أبدًا، وكذلك نقول في الملك، الملك إنه محدود وليس مطلقًا، محدود فيما أختص به أنا، فهذا ملكي، لكن ما أقول: إني ملكت الذي بيدك، ولَّا لا؟ فإذن محدود.
أيضًا مقيَّد، ما أستطيع أن أملك هذا الشيء إلا بمقتضى الشرع، ولا أستطيع أن أتصرف فيه كما شئت، لو أن أحدًا أراد أن يحرق ماله يمكن؟
طالب: لا.
الشيخ: ما يمكن، إلا بحدود الشرع، وكذلك نقول في التدبير، الإنسان له تدبير وله أمر، لكن تدبيره وأمره تحت مشيئة الله، وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الإنسان: ٣٠]، فليس مستقلًّا في تدبيره ولا بمشيئته.
وبهذا عرفنا أن الخلق الحقيقي والملك الحقيقي والتدبير الحقيقي لمن؟ لله سبحانه وتعالى، والله أعلم. (...)
(شاهان شاه) كلمة معناها ملك الملوك، لكن يبدو الآن أن (شاه) مفرد، و(شاهان) جمع، وذلك لأنهم في اللغة الفارسية يُقَدِّمُون المضاف على المضاف إليه، فيقولون: غلام محمد، يقولون: محمد غلام، وأظن هكذا في اللغة اللاتينية، كذا؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: إي نعم، فالمعنى أن ملك الملوك مثلها.
وقوله: (وفي رواية: «أَغْيَظُ رَجُلٍ عَلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَخْبَثُهُ» ).
«أَغْيَظُ» من الغيظ وهو الغضب، وهو أنّ أغضب شيء عند الله عز وجل وأخبثه هو هذا الاسم. وإذا كان سببًا لغيظ الله سبحانه وتعالى وخبيثًا أيضًا، فإنه يكون حرامًا، بل يكون من الكبائر؛ على قاعدة أن كل ذنب ترتب عليه وعيد فإنه يكون من كبائر الذنوب.
وقوله: «أَغْيَظُ رَجُلٍ» فيه إثبات الغيظ لله عز وجل، ونقول في هذا كما نقول في سائر الصفات: إنها صفة تليق بالله عز وجل، صفة تليق به كغيرها من الصفات.
طالب: تختلف عن الغضب يا شيخ؟
الشيخ: نعم (...)، (أَخْنَع يعني أوضع) هذا من المؤلف.
ثم قال: (فيه مسائل؛ الأولى: النهي عن التَّسَمِّي بِمَلِك الأملاك).
من أين يؤخذ؟
طالب: (...): «إِنَّ أَخْنَعَ الْأَسْمَاءِ عِنْدَ اللَّهِ رَجُلٌ تَسَمَّى بِمَلِكِ الْأَمْلَاكِ» .
الشيخ: نعم، طيب لو قال قائل: هذا ما فيه نهي، والمؤلف يقول: (فيه النهي)، أين النهي؟
طالب: (إِنَّ أَخْنَعَ اسْمٍ عِنْدَ اللَّهِ).
الشيخ: وين النهي؟ النهي هو طلب الكَفِّ على وجه الاستعلاء بحرف (لا).
طالب: يؤخذ (...).
الشيخ: طيب، (...)؟
طالب: شيخ. (...)
الشيخ: النهي شرعًا لا يُسْتَفَاد من الصيغة المعينة المعروفة، بل إذا ورد الذم فيه أو سَبّ فاعله أو ما أشبه ذلك فإنه يفيد النهي، صحيح أن صيغة النهي هي المضارع المقرون بـ (لا) الناهية، مثل: لا تفعل، ولكن إذا كان هناك ذمّ أو وعيد أو ما أشبه ذلك فهو متضمِّن لمعنى النهي وزيادة أيضًا.
الفائدة الثانية يقول: (إن ما كان في معناه مثله كما قال سفيان)، ويش الذي (في معناه
طالب: مثل حاكم الحكام.
الشيخ: نعم.
الطالب: وكما قال سفيان: (شاه شاه)، فهو مثله.
الشيخ: وقاضي القضاة.
الطالب: وقاضي القضاة (...).
الشيخ: طيب، (الثالثة: التفطُّن للتغليظ في هذا ونحوه، مع القطع بأن القلب لم يقصد معناه)، منين تؤخذ؟
طالب: يعني أن يقصد معناه.
الشيخ: لو قصدت.
الطالب: أو لم يقصد.
الشيخ: أو لم تقصد، فإن كنت قاصدًا؟
الطالب: فهو (...).
الشيخ: إي هو أشد؛ لأن القاصد إما أن يكون قوله مطابقًا للواقع، ولا يمكن أن يكون مطابقًا للواقع، أو يمكن؟
طالب: يمكن.
الشيخ: إما أن يكون مطابقًا للواقع فيكون واقعًا في النهي والتحذير، وإن لم يكن مطابقًا للواقع فقد تضمن الأمرين: الكذب، والوقوع في هذا الاسم المبغوض إلى الله عز وجل، يعني -مثلًا- إذا سَمَّيْنَا شخصًا بقاضي القضاة أو حاكم الحكام وهو ليس كذلك، هو من أجهل القضاة، ومن أضعف الحكام، جمعنا بين أمرين: بين الكذب في المعنى، والوقوع في اللفظ المنهي عنه، وإن كان صدقًا، يعني صحيح أن هذا الرجل أعلم زمانه أو أعلم مكانه ويرجع القضاة إليه، فهذا وإن كان مطابقًا للواقع لكنه واقع في النهي عنه، هذا معنى قول المؤلف: (مع أن القلب لم يقصد معناه).
(الرابعة: التفطن أن هذا لأجل الله)، من أين تؤخذ؟
طالب: لأن الرسول صلى الله عليه وسلم (...).
الشيخ: الرسول بَيَّن، أشار إلى العلة في ذلك، وهو أنه لا مالك إلا الله، كيف تقول: مالك الأملاك، وهو ما فيه مالك إلا الله عز وجل؟!
ذكرنا فيما سبق الفرق بين ملك ومالك؟
طالب: الملك (...).
الشيخ: إثبات الغيظ لله عز وجل، وأنه يتفاضل لقوله: «أَغْيَظ»، وأَغْيَظ اسم تفضيل.
ويُسْتَفَاد من ذلك أيضًا: أن كل مَن تعاظم فجزاؤه عند الله أن يوضَع، إن حقًّا عند الله ما ارتفع من شيء إلا وضعه، وكل من تواضع لله رفعه الله؛ لأن هذا مقتضى الجزاء في هذا الحديث.
ويستفاد من هذا الحديث أيضًا: حكمة الرسول عليه الصلاة والسلام في التعبير والتعليم؛ لأنه لما بَيَّنَ أن هذا أخنع اسم وأغيظه أشار إلى العلة، وهو: «لَا مَالِكَ إِلَّا اللَّهُ»، وهذا من حسن التعليم والتعبير، وهذا ينبغي لكل إنسان يُعَلِّم الناس أن يقرن الأحكام بما تطمئن إليه النفوس من أدلة شرعية أو عِلَل مَرْعِيَّة؛ لأن هذا العلم قال ابن القيم في النونية:
الْعِلْمُ مَعْرِفَةُ الْهُدَى بِدَلِيلِهِ مَا ذَاكَ وَالتَّقْلِيدُ يَسْتَوِيَانِ

فهذا هو العلم، أن يكون عندك، أن تربط الأحكام بأدلتها الأثرية أو النظرية؛ الأثرية يعني من كتاب أو سُنَّة أو إجماع، والنظرية: العقلية، العِلَل الْمَرْعِيَّة التي يعتبرها الشرع.
طالب: قوله: (أَخْبَثُ رَجُلٍ عِنْدَ اللَّهِ). (...)

***

باب: احترام أسماء الله تعالى وتغيير الاسم لأجل ذلك
00:28:14

الشيخ:
(باب احترام أسماء الله تعالى وتغيير الاسم لأجل ذلك).
طالب: هل يوجَد فرق بين ملك ومالك؟ (...)
الشيخ: {مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ}، ومَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ. (...)
(باب احترام أسماء الله وتغيير الاسم لأجل ذلك).
أسماء الله عز وجل هي التي سَمَّى بها نفسه، أو سماها به رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد سبق لنا فيها بحث كثير، منها –ونعيدها للفائدة لمن لم يسمع من قبل– هل هذه الأسماء مترادفة أو متباينة؟
قلنا: باعتبار دلالتها على الذات مترادفة؛ لأنها تدل على ذات واحدة وهو الله عز وجل.
وباعتبار دلالتها على المعنى والصفة التي تحملها فهي متباينة، وإن كان بعضها قد يدل على ما تضمنه الآخر من باب دلالة اللزوم، فمثلًا الْخَلَّاق يتضمن الدلالة على العلم المستفاد من اسم العليم، لكنه بالالتزام، هذا واحد.
ثانيًا: هل أسماء الله عز وجل جامدة أو مشتقة؟ بمعنى هل المراد بها الدلالة على الذات فقط أو على الذات والصفة؟ على الذات والصفة، أسماؤنا نحن يراد بها الدلالة على الذات فقط، أليس كذلك؟
طالب: بلى.
الشيخ: يراد بها الدلالة على الذات، قد يسمى محمد وهو من أشد الناس ذَمًّا، يعني وهو مُذَمَّم، وقد يسمى عبد الله وهو من أفجر عباد الله، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: لكن هذا الاسم الموضوع لنا إنما هو علامة فقط بمنزلة الوَسْم للبهيمة الذي يُمَيِّزها عن غيرها، أما أسماء الله وأسماء الرسول عليه الصلاة والسلام وأسماء القرآن وأسماء اليوم الآخر وما أشبه ذلك فإنها أسماء متضمنة للأوصاف، اليوم الآخر له أسماء كثيرة: الحاقّة، القارعة، وما أشبهها، كل اسم منها يحمل معنى، أسماء القرآن كثيرة، أسماء النبي صلى الله عليه وسلم كثيرة، أسماء الله تعالى أكثر، وكل منها أيش؟ يحمل معنى خاصًّا به، وقد يحمل معنى اسم آخر على وجه الالتزام.
البحث الثالث في أسماء الله: هل أسماء الله معلومة لنا أو لا؟
الجواب: بعضها معلوم، وبعضها غير معلوم، والدليل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح في دعاء الكرب: «أَسْأَلُكَ اللَّهُمَّ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ رَبِيعَ قَلْبِي» ، إلى آخره، ومعلوم أن ما استأثر الله بعلمه -استأثر يعني اختص به- يُعْلَم ولَّا لا؟ ما يعلم، إذن فأسماء الله ما هو كلها معلومة لنا، منها ما هو معلوم، ومنها ما هو غير معلوم لنا.
البحث الرابع: هل أسماء الله محصورة بعدد معين أو لا؟
الجواب: غير محصورة، ما دمنا يخفى علينا شيء منها فكيف تكون محصورة؟ فهي إذن غير محصورة، ما هي تسعة وتسعين، ولا مئة، ولا مئتين، ما يعلمها إلا الله عز وجل.
فإن قلت: ما الجواب عن قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِئَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» ، قلت: الحديث معناه أن من أسماء الله تسعة وتسعين اسمًا، مَن أحصاها دخل الجنة، وليس المعنى أن أسماء الله تعالى محصورة بهذا العدد، إذن فالكلام جملة واحدة ولَّا جملتان؟
طالب: جملتان.
طالب آخر: جملة واحدة (...).
الشيخ: جملة واحدة، «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ»، جملة «مَنْ أَحْصَاهَا» الجملة الشرطية هذه صفة لـ(اسم)، أو لـ(تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة)، فليس المعنى: إن لله تسعة وتسعين اسمًا، ثم انقطع الكلام، ثم قال: مَنْ أحصى هذه الأسماء، لا.
ونظيره في التعبير أن تقول: عندي مئة درهم أعددتها للفقراء، هل معنى ذلك أنه ليس عندك سواها؟
طلبة: لا.
الشيخ: ويش تفهمونها؛ عندي مئة درهم أعددتها للفقراء؟
الطلبة: (...).
الشيخ: يعني معناها أنك أعددت للفقراء مئة ريال من الدراهم اللي عندك، وقد يكون عندك أكثر منها.
فإذن الحديث لا يدل على حَصْر أسماء الله بالتسعة والتسعين.
البحث الخامس: هل هذه التسعة والتسعون مُعَيَّنة أو موكولة إلينا، نحن نبحث حتى نحصل على تسعة وتسعين منها؟
طالب: الثاني، الأخير.
الشيخ: الأخير، غير معينة، بل موكولة لنا، نحن نبحث في أسماء الله وصفاته حتى نحصل على تسعة وتسعين اسمًا، حتى نحصل على ذلك، وهذا من الحكمة أنها أُبْهِمَت عنا لأجل البحث حتى نصل إلى هذه الغاية، ولها نظائر، منها: أن الله تعالى أخفى عنا ليلة القدر بعينها، ومنها أن الله أخفى عنا ساعة الإجابة في يوم الجمعة، بل وفي الليل أيضًا ساعة إجابة مُخْفَاة، وعلى هذا فنقول: إن هذه الأسماء موكولة إلى الطلب والبحث، تجمعها من القرآن، من السنة، إذا حصلت على تسعة وتسعين لو بَقِيَ عندك أسماء أخرى إذا أحصيتها دخلت الجنة.
سادسًا: ما معنى إحصائها الذي يترتب عليه دخول الجنة؟ أكثر الناس يظن أن إحصاءها أن تُكْتَبها في رقاع ثم تكررها حتى تحفظها، ولذلك يكتبونها أحيانًا في الأحراز، يكتبونها أحيانًا في رقاع جلود بِحِبْر ما يتغير، وما أشبه ذلك، ولكن ليس هذا هو إحصاءها؛ هذا من إحصائها وليس إحصاءها، إحصاؤها الإحاطة بها لفظًا، هذا واحد، ثانيًا: فَهْمُها معنًى، تفهم معناها، وثالثًا؟
طالب: العمل بها.
الشيخ: أن تتعبد لله تعالى بمقتضاها؛ لقوله تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف: ١٨٠]. كيف تتعبد لله بمقتضاها؟ التعبد لله بمقتضاها له وجهان؛ الوجه الأول: أن تدعو الله بها؛ لقوله: فَادْعُوهُ بِهَا، بأن تجعلها وسيلة لمطلوبك، ومن المعلوم أن العاقل لا يجعل الوسيلة إلا مناسبة للمطلوب، وحينئذ تختار الاسم المناسب لمطلوبك، عندما تسأل الله المغفرة تقول: يا غفور، الرحمة: يا رحيم، وليس من المناسب إطلاقًا أن تقول: اللهم يا شديد العقاب اغفر لي، ولّا لا؟ هذا شبه استهزاء، إنما تتوسل إلى الله بما يقتضي الرحمة وهو مغفرته، ممكن أن تقول: يا شديد العقاب أَجِرْنِي من عقابك، ممكن، أما (اغفر لي)، فهذا لا يليق.
الوجه الثاني من التعبد لله بمقتضاها: أن تتعرض في عبادتك لما تقتضيه هذه الأسماء، فمقتضى الرحيم الرحمة، إذن اعمل العمل الصالح الذي يكون جالبًا لرحمة الله، من مقتضى الغفور المغفرة، إذن استغفر الله، افعل ما يكون سببًا لمغفرة ذنوبك، وهكذا، هذا معنى إحصائها.
فإذن كان إحصاؤها جديرًا بأن يكون ثمنًا لدخول الجنة، ما دام فُسِّرَ بهذا التفسير فهو جدير بأن يكون ثمنًا، وثمنًا ليس على وجه المقابلة، ولكن على وجه السبب؛ لأن الأعمال الصالحة سبب للوصول إلى الجنة وليست بدلًا، ولهذا ثبت في الحديث الصحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ»، قالوا: ولا أنت؟ قال: «وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ» .
لا تعجب بعملك يا أخي، لا تقل: والله أنا عملت وعملت أدخل الجنة؛ لأني فعلت وفعلت، من الذي جعلك تفعل؟ الله، يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ [الحجرات: ١٧]، هذا باعتبار ما نراه نحن نحو أعمالنا؛ أن نرى لله الْمِنَّة علينا، لكن انظر باعتبار الجزاء ويش يقول الله عز وجل؟ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ [الرحمن: ٦٠]، سبحان الله!! هو الذي مَنَّ علينا وهدانا وقَوَّمَنا، ثم يجعله إحسانًا منا يستحق الإحسان منه، هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ، إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا [الإنسان: ٢٢]، سَعْيُنَا هو الذي وَفَّقَنَا له وأَعَدَّنَا له وأَمَدَّنَا به، ينقلب فيكون سعيًا لنا مشكورًا عند الله عز وجل، فأنت انظر إلى نفسك وانظر إلى فضل ربك؛ نفسك لا تَمُنَّ على الله بعملك، أنت إن مَنَنْتَ لله بعملك ذهبت، ولهذا يقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ» .
هذه ستة أشياء، ستة مباحث في أسماء الله عز وجل.
المبحث السابع: أسماء الله عز وجل لا يتم الإيمان بها إلا بثلاثة أمور إذا كان الاسم متعديًا، بثلاثة أمور:
الإيمان بالاسم اسمًا لله، والإيمان بما تضمنه من صفة، والثالث الإيمان بالأثر، أو إن شئت فَعَبِّر بالحكم المتضمن له هذا الاسم، هذا إذا كان الاسم من صفة متعدية.
فالعليم -مثلًا- اسم من أسماء الله، ما يتم الإيمان به حتى نؤمن بأن العليم من أسمائه، فهمت يا أخي؟
طالب: نعم.
الشيخ: العليم لازم تؤمن بأن الله اسمه العليم، ثانيًا: تؤمن بما تضمنه من صفة وهي العلم، ثالثًا: تؤمن بالحكم المترتب على ذلك، وهو أنه يعلم كل شيء، وكذلك الرحمة، الرحيم من أسماء الله، ما يتم الإيمان به حتى تؤمن بأنه من أسماء الله، اسم من أسمائه الرحيم، وتؤمن بما تضمنه من الصفة وهي الرحمة، وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ [الكهف: ٥٨]، وثالثًا: تؤمن بالحكم الذي يتضمنه هذا الاسم، وهو أنه يرحم من يشاء، يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ [العنكبوت: ٢١]، أما إذا كان الاسم غير مُتَعَدٍّ..
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، تبعه، إذا كان الاسم غير مُتَعَدٍّ فإنه يتم الإيمان به بالإيمان به من أسماء الله وبما تضمَّنه من صفة فقط؛ لأن ما له حكم يتعدى إلى الغير، كالحي مثلًا؛ الحي من أسماء الله، يتم الإيمان به أن تؤمن به على أنه من أسماء الله، وبما تضمنه من صفة وهي الحياة، هل تتجاوز هذه الصفة للغير؟ ما تتجاوز، لكن مُحْيِي تتجاوز؛ يحيي مَن شاء، لكن الحي صفة لازمة للذات ما هي تتعدى للغير.
القيوم هل هو من النوع الأول أو من النوع الثاني؟
طالب: المبحث الثاني.
طالب آخر: الأول يا شيخ.
طلبة: الأول.
الشيخ: هو أصلًا القيوم له معنيان: القائم بنفسه، القائم على غيره، أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ [الرعد: ٣٣]، من هو اللي قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ؟ هو الله، فالقيوم باعتبار المعنى الأول القائم بنفسه يكون من الثاني، وباعتبار المعنى الثاني القائم على غيره يكون من النوع الأول المتعدي للغير.
البحث الثامن في الأسماء: أسماء الله عز وجل دلالتها على الذات والصفة جميعًا يسمونها دلالة مطابقة؛ لأن اللفظ إذا دَلَّ على كل معناه فدلالته دلالة مطابقة، فالعليم تدل على الله وعلى صفة العلم، نسمي هذه دلالة أيش؟ مطابقة.
ودلالتها على الذات وحدها أو على الصفة وحدها دلالة تضمُّن، يعني دلالتها على أحدهما دلالة تَضَمُّن، ودلالتها على الـ(...) جميعًا دلالة مطابقة، ودلالتها على الذات وحدها تضمُّن، أو على الصفة وحدها تضمُّن، دلالتها على العلم والقدرة التزام، يعني ما يمكن يخلق إلا بعد العلم والقدرة، فهي إذن دلالة التزام.
هذا في المعقولات، نظير ذلك في المحسوسات، عندما ترى قصرًا فيه غُرَف وحُجَر وصالة وحمامات، دلالته على المعنى كله دلالة مطابقة، ودلالته إذا قلت: عندي قصر، دلالته على حجرة من الْحُجَر، أو غرفة من الغرف دلالة تضمُّن، ودلالته على أن له بانِيًا بناه دلالة التزام؛ لأنه ما يمكن يبني نفسه، إي نعم.
مين اللي يسأل؟
طالب: سؤالي خاص (...).

***

الشيخ: بعد هذه البحوث الثمانية في أسماء الله عز وجل المؤلف يقول: (باب احترام أسماء الله)، فأسماء الله تعالى يجب علينا احترامها؛ لأن احترامها احترام لله عز وجل، فإنها أسماؤه.
وأسماء الله تعالى منها ما يختص به لا يسمى به غيره، ومنها ما يمكن أن يوصف به غيره، قال أهل العلم: الله، والرحمن، ورب العالمين، والرب، وما أشبه ذلك، هذه مما تختص بالله، ما أحد يوصَف بها إلا الله.
لكن الرحيم، الرءوف، السميع، العليم، يمكن أن يوصَف بها غير الله، قال الله تعالى في النبي عليه الصلاة والسلام: بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة: ١٢٨]، وقال: هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا [الإنسان: ١، ٢]، وقال: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ [الأنعام: ٩٥]، وهو قائل عن نفسه: الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة: ٢٥٥]. فهذا ليس بممتنع.
طالب: (...).
الشيخ: هذا يمكن تجعل بحثًا تاسعًا أن من أسماء الله ما يختص به، ومن أسمائه ما يمكن أن يوصَف به غيره.
احترام أسماء الله تعالى واجب؛ لأن احترامها من تعظيم الله فيكون واجبًا، فإذا سُمِّيَ أحد باسم من أسماء الله نظرت، فإن كان لا يصح إلا لله وجب تغييره، مثل ما مر علينا؛ ملك الملوك، ملك الأملاك، هذا ما يصح إلا لله، يجب أن يُغَيَّر، كذا؟
كذلك لو سَمَّيْنَا شخصًا بالرب يجب يُغَيَّر؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ليش؟ لأنه ما يسمى به أحد إلا الله، هذا لا يمكن أبدًا أن يسمى به أحد مهما كان.
لكن إذا كان اسمًا من أسماء الله ويصح أن يكون وصفًا لغير الله فإنه يصح أن نصف به غير الله، ولكن هل يصح أن نسمي به غير الله؟ إن لوحظت الصفة مُنِع، وإن لم تلاحَظ جاز.
فإذن أسماء الله نقسمها أولًا قسمين؛ القسم الأول: ما لا يصح إلا لله، فماذا نقول في حكمه؟ لا يجوز أن يسمى به، وإن سُمِّيَ به وجب تغييره، فقول المؤلف: (تغيير الاسم لأجل ذلك) الابتداء من باب أولى أنه يُمْنَع.
إذا كان يمكن أن يوصف به غير الله صح أن يوصف به غير الله، ويش مثل؟ الرؤوف، الرحيم، السميع، البصير، وما أشبه ذلك، ولكن هل يسمى به غير الله؟
نقول: إن لوحظت الصفة مُنِع، ما يجوز، وإن لم تلاحَظ جاز، ويتبين ذلك مما يأتي في شرح الحديث إن شاء الله تعالى.
يقول: (عن أبي شريح أنه كان يُكَنَّى أبا الحكم)، وهذا جاء وافدًا مع قومه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فسمعهم يقولون له: يا أبا الحكم، فسأله كما سيأتي.
يقول: (فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَكَمُ وَإِلَيْهِ الْحُكْمُ» )، إذن حَكَم حاكم، حَكَم أي: أهل لأن يكون حاكمًا وحاكم بالفعل، يدل عليه قوله: «وَإِلَيْهِ الْحُكْمُ»، فالله تعالى هو الحكم المستحق لأن يكون حاكمًا على عباده، وهو الحاكم فعلًا ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: وهو الحاكم فعلًا، ولهذا قال: «وَإِلَيْهِ الْحُكْمُ»، «إِلَيْهِ» جارّ ومجرور خبر مقدَّم، وتقديم الخبر يفيد الحصر، إذن إليه وحده الْحُكْم لا إلى غيره، وعلى هذا فيكون الْحُكْم خاصًّا بالله سبحانه وتعالى.
وحُكْم الله ينقسم إلى قسمين: حُكْم كوني، وحُكْم قَدَرِيّ.
أما الحكم الكوني فلا رادّ له، ولا يستطيع أحد أن يرده مهما كان، إذا حكم الله تعالى كونًا بشيء فلا أحد يستطيع أن يرده مهما كانت قُوَّتُه، أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [مريم: ٩٣]، وهذا في القرآن كثير. الحكم الكوني في القرآن يوجد له أمثلة، منها قول أخي يوسف: فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي [يوسف: ٨٠]، هذا حكم كوني ما هو شرعي، أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ [يوسف: ٨٠]؛ هذا من الحكم الكوني.
وأما الحكم الشرعي فمثل قوله تعالى: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ [الشورى: ١٠]، يعني الشرع اللي يحكم بيننا شرعًا هو الله عز وجل.
ويشملهما قوله تعالى: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ [التين: ٨]، وقوله: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة: ٥٠]، وإن كان ظاهر الآية الثانية هذه أن المراد الحكم الشرعي لكن في الحقيقة يشمل وإن كان سياقها في الحكم الشرعي، لكن لا أحد أحسن من الله حكمًا لا كونًا ولا شرعًا.
فالحكم إلى الله شرعيًّا كان أم كونيًّا، أما الكوني فقلت لكم: إنه لا مضادّ له، ولا أحد يمتنع منه، وأما الحكم الشرعي فالناس ينقسمون فيه إلى قسمين: مؤمن وكافر، فمن حكم به ورضيه فهذا مؤمن، ومن لم يحكم به ولم يَرْضَه فهو كافر، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة: ٤٤].
وإنما قال النبي عليه الصلاة والسلام له ذلك: «إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَكَمُ وَإِلَيْهِ الْحُكْمُ» لأجل ينبني عليه المسألة التي تأتي إذا كان قاله قبل أن يسأله.
«إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَكَمُ وَإِلَيْهِ الْحُكْمُ»، هل من أسماء الله الْحَكَم؟ نعم، من أسمائه: «إن الله هو الْحَكَمُ» واضح أنه من أسماء الله، فمن أسماء الله تعالى الْحَكَمُ، هل من أسمائه العدل؟
طالب: لا.
الشيخ: هو هذا مشهور، لكن يحتاج إلى أن نثبت، هذا ما ورد إلا عن بعض الصحابة، قاله: إن الله حَكَمٌ عَدْل ، لكنني لا أعرفه في حديث مرفوع، وهو مشهور عند الناس: الْحَكَمُ العدل، ولكن قوله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا [المائدة: ٥٠] لا شك أنه متضمِّن للعدل ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: لأن العدل، بل الأحسن، أكبر من العدل، يتضمن العدل وزيادة.
فقال: (إن قومي)، هذا جواب؛ لأن الرسول سأله، قال: لماذا سموك بهذا الاسم؟ يُكَنُّونك بهذا الاسم، بهذه الكنية؟
ونسيت أن أقول: الكُنْيَة هذه مرت علينا في النحو، ويش هي الكُنْيَة؟ ما صُدِّرَ بأبٍ أو أُمّ، وبعضهم قال: أو أخ أو عم أو خال.
والكنية قد تكون للمدح، وقد تكون للذم، وقد تكون لمصاحبة الشيء للشيء، وقد تكون مجرد علم، فمثلًا أبو بكر الصديق رضي الله عنه هل له ولد اسمه بكر؟ لا، لكنها مجرد كنية للعَلَمِيَّة فقط، أبو العباس ابن تيمية رحمه الله له ولد اسمه العباس؟
طالب: لا.
الشيخ: إلا عند الْمُزَوِّرِين، يقول أحد الإخوان: إنه زار دمشق وأنهم قالوا: هذا قبر شيخ الإسلام ابن تيمية وهذا قبر ولده، وهو ما تَزَوَّج رحمه الله!!
قد تكون للملابسة؛ ملابسة الشيء، مثل: أبو تراب، ومثل أبو هريرة، وقد تكون للذم كما تقول: يا أخا الجهل.
طالب: أبو جهل.
الشيخ: ومثل أبو جهل أيضًا، وقد تكون للمدح.
طالب: (...)؟
الشيخ: مثل هذا اللي عندنا (...) أسماء الله تعالى.
طالب: يا شيخ، (...)؟
الشيخ: هذا من الأسماء (...).
الطالب: لكن القاعدة، ما فيه قاعدة مُطَّرِدَة.
الشيخ: ما فيه قاعدة مُطَّرِدَة إلا تقريبية فقط، إن الشيء إذا كان كمالًا مطلقًا صار من أسماء الله، وإن لم يكن كذلك لم يكن من أسماء الله، فمثلًا الكائد والماكر والمستهزئ ما تكون من أسماء الله.
الطالب: ومن الوصف ما يجوز؟
الشيخ: والخادع، وَهُوَ خَادِعُهُمْ [النساء: ١٤٢].
الطالب: الوصف ما يجوز اشتقاقه من الاسم؛ لأن الوصف وصف (...)؟
الشيخ: لا لا؛ لأن الوصف من أفعاله فقط.

***

ثم قال: (باب احترام أسماء الله).
شوف، ما دُمْنَا عرفنا أن أسماء الله عز وجل تتضمن الاسم والصفة فاحترامها ألَّا نُسَمِّي مخلوقًا باسمه ملاحظين فيه الصفة، ما نسمي هذا الحكيم لأنه ذو حكمة، أو الرحيم لأنه ذو رحمة، اسمًا ترى ما هو بـوصف، الوصف أوسع من الاسم، فأسماء الله متضمنة للصفات مع كونها أسماء، فإذا سَمَّيْنَا أحدًا باسم من أسماء الله ملاحظين تلك الصفة فهذا ممنوع؛ لأنه حينئذ صارت تسميتنا لهذا مطابقة تمامًا لاسم من أسماء الله.
ووجه إدخال هذا الباب في التوحيد؛ لأننا إذا سَمَّيْنَا أحدًا باسم من أسماء الله جعلناه شريكًا مع الله في هذا الاسم، وهذا نوع من الشرك.
وقوله: (وتغيير الاسم لأجل ذلك)، ويش معنى تغييره لأجل ذلك؟ يعني لأجل احترام أسماء الله، فإذا وجدنا اسمًا من أسماء الله مُسَمًّى به أحد مع ملاحظة المعنى فإننا نُغَيِّره.
طالب: (...)؟
الشيخ: إي، ما يخالف، ما يضر، لا بأس، ما فيه مانع.
وقوله: (لأجل ذلك)، اللام للتعليل، يعني من أجله.
وعُلِمَ من كلام المؤلف أن تغيير الاسم خوفًا من المحذور لا حرج فيه، أو لا؟ تغيير الاسم خوفًا من المحذور لا حرج فيه، كما أن تغييره إلى اسم أحسن منه أيضًا لا حرج فيه.
فتغيير الاسم إما أن يكون من أجل محذور لا يجوز، أو من أجل محذور متوقَّع، أو لأنه أحسن، وكل هذا جائز، كل هذا لا بأس به.
(عن أبي شريح أنه كان يُكَنَّى أبا الحكم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَكَمُ وَإِلَيْهِ الْحُكْمُ»).
قلنا: إن الْحَكَم أبلغ من الحاكم؛ لأن الْحَكَم الذي يحكم باستحقاقه الْحُكْم، فهو حَكَم، يعني أهل لأن يُتحاكَم إليه، فالله عز وجل هو الْحَكَم، ولهذا قال: «وَإِلَيْهِ الْحُكْمُ»، «إِلَيْهِ» خبر مقدَّم، وتقديم الخبر يفيد الحصر، فإليه وحده الْحُكْمُ، كما قال الله تعالى في سورة القصص: لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص: ٨٨].
وحُكْم الله عز وجل ذكرنا أنه ينقسم إلى قسمين: كوني وشرعي، فالكوني لا يمكن لأحد مخالفته، والشرعي يمكن أن يخالفه مَن يخالفه من الناس.
مثاله في القرآن؛ الحكم الكوني: فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ [يوسف: ٨٠]، أيش معنى يحكم لي؟ يعني يُنْزِل وحيًا بأن هذا جائز؟ لا، ولكن يحكمه حكمًا كونيًّا قدريًّا.
ومثال الحكم الشرعي قوله تعالى في سورة الممتحنة: ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ [الممتحنة: ١٠]، فالمشار إليه هنا أحكام كونية ولَّا شرعية؟ شرعية، فهذا حكم شرعي.
وقد يكون الحكم شاملًا للمعنيين جميعًا، وهذا في القرآن كثير، مثل قوله تعالى: لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص: ٨٨]، ومثل: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ [التين: ٨].
طيب، وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ [الشورى: ١٠]؟ شرعي، فالحكم إلى الله.
وقد بَيَّنَ الله تعالى ماذا نصنع عند التنازع، فقال: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء: ٥٩].
إذن إليه الحكم الكوني والشرعي، الفرق بينهما؛ الحكم الكوني نافذ لا محالة على كل أحد، ولا تمكن مخالفته، والشرعي قد يخالَف، وأكثر الناس يخالفونه.
الفرق الثاني: الحكم الشرعي يتعلق بالمحبة والكراهة، والرضا والسخط، بمعنى أنه يحكم بما يحبه فيأمر به، وبما يكرهه فينهى عنه، وأما الحكم الكوني فهو شامل في الذي يحب والذي لا يحب، قد يحكم سبحانه وتعالى بما لا يحب حكمًا كونيًّا، أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ويحكم بما يحب، وقد لا يحكم حكمًا كونيًّا بما يحب، أو لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: قد لا يحكم حكمًا كونيًّا بما يحب، واضح؟
طالب: نعم.
الشيخ: إذن الحكم الشرعي يكون تابعًا للمحبة والكراهة، والسخط والرضا، وأما الحكم الكوني فإنه عامّ لكل شيء.
ثم قال الرجل: (إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم فرضي كلا الطرفين).
هذا سبب التسمية أبا الحكم، إذن هذه التسمية ملاحَظ فيها المعنى ولَّا لا؟ ملاحَظ فيها المعنى، يعني ليست كُنْيَة مجردة للعلَامة؛ لأن كنيته المجرَّدَة للعلامة سيأتي أنه أبو شُرَيْح، لكن هذه كنية بمعنى، فقال: (فحكمت بينهم فرضي كلا الطرفين، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا أَحْسَنَ هَذَا» ).
قوله: «مَا أَحْسَنَ هَذَا» الإشارة تعود إلى كونه يُصْلِح بين قومه، لا إلى تسميته بهذا الاسم، أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: من أين نعرف أنه لا يعود إلى تسميته بهذا الاسم؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم غَيَّرَه، فيكون المشار إليه ما يحصل من هذا الرجل من الإصلاح بين الناس، أو الحكم بينهم حتى يرضوا، فقال: «مَا أَحْسَنَ هَذَا»، ثم أرشده إلى ما ينبغي أن يتكنى به.
لماذا غَيَّرَه الرسول صلى الله عليه وسلم؟ غَيَّرَه لأنه إذا قيل: إنه أبو الحكم، والله عز وجل هو الْحَكَم؛ صارت العبارة تُوهِم؟
طالب: مشاركَتَه (...).
الشيخ: غير مشاركته، معنى آخر أفسد منها؟ أنه أَبٌ لله، تُوهِم، وإن كان غير مقصود، لكنها تُوهِم أنه أبٌ لله؛ لأن الْحَكَم هو الله، فإذا قيل: يا أبا الحكم، كأنه يقال: يا أب الله، هذه واحدة.
ثانيًا: أن هذا الاسم الْحَكَم الذي جُعِلَ كنيةً لهذا الرجل قد لوحظ فيه معنى الصفة وهي الْحُكْم، فصار بذلك مطابقًا لأسماء الله، ليس لمجرد العَلَمِيَّة المحضة، بل هي للعَلَمِيَّة المتضمنة للمعنى، وبهذا يكون مشاركًا لله سبحانه وتعالى، فلهذا غَيَّرَه النبي عليه الصلاة والسلام، غَيَّرَ هذه الكنية وكَنَّاه بما ينبغي أن يُكَنَّى به، فقال له..
طالب: بالنسبة لـ (أبو الحكم) ليس هو الْحَكَم، هو أبو الْحَكَم؟
الشيخ: نعم.
الطالب: يرد يعني (...)؟
الشيخ: يرد على هذا؛ لأن أصلًا الكنية هذه ما هو ليس له ولد اسمه الْحَكَم.
الطالب: (...).
الشيخ: هذه كنية.
الطالب: نعم (...).
الشيخ: والكنية كما عرفنا في النحو عَلَم:
وَاسْمًا أَتَى وَكُنْيَةً وَلَقَبًا .................

فكانت عَلَمًا لهذا الرجل.
طالب: (...) كنية بالإضافة؟
الشيخ: لا لا، هو ما له ولد أصلًا.
الطالب: عارف.
الشيخ: ما له ولد بهذا الاسم.
الطالب: لكن هم يطلقون على ما صُدِّرَ بأب وأُمّ كنية، سواء كان له ولد أو لا.
الشيخ: أو لم يكن، نعم.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: نعم، والكنية عَلَم على الشخص، يعني مثلًا أبو الحكم مثل اسمها الأصلي، يعني مثلًا أبو العباس ابن تيمية مثل أحمد، قال أبو العباس، كأنما تقول: قال أحمد.
طالب: شيخ، لو قيل يا شيخ: إن النبي عليه الصلاة والسلام أنكر هذا الاسم قبل أن يَرِدُ ما يدل على أنه ملاحَظ فيه معنى الاسم.
الشيخ: نعم.
الطالب: غَيَّرَه في الأول، قال..
الشيخ: لا، هو سأل، بس المؤلف ما ساق الحديث تامًّا، وإلا قال: سأله الرسول.
الطالب: لا، بس (...): «إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَكَمُ»، هذا إنكار؟
الشيخ: إنكار بعد أن أخبره.
الطالب: يعني إخبار سابق؟
الشيخ: إي نعم، إخبار سابق.
طالب: في لفظ الرواية بعده؟
الشيخ: اللي معنا أنه بعده، نعم.
طالب: (...)؟
الشيخ: إي، (...) نعم.
إحنا ذكرنا الآن أن الملاحَظ في هذا المعنى والصفة، ثم فيه أيضًا فساد من حيث اللفظ: مراعاة التركيب، وهو أبو الحكم. وهذه بتجينا في الفوائد في الحقيقة، نخليه في الفوائد، نشوف الـ..
طالب: (...).
الشيخ: ثم قال: («فَمَا لَكَ مِنَ الْوَلَدِ؟»، قلت: شريح ومسلم وعبد الله).
«مَا لَكَ»، يعني: أي شيء لك من الولد؟ فقال: شريح ومسلم وعبد الله، صاروا ثلاثة، لم يذكر البنات؛ لأن الولد لا يشملهن، أو لأن هذا الرجل ليس له إلا هؤلاء الثلاثة؟
طالب: (...).
الشيخ: الظاهر -والله أعلم- أنه ما له إلا الثلاثة، فيه احتمال، لكن الظاهر حسب مقتضى اللغة العربية أن الولد يشمل الذكر والأنثى، والرسول سأله: «مَا لَكَ مِنَ الْوَلَدِ؟»، فلو كان عنده بنات لعَدَّهُنَّ.
طالب: (...) أنه لا يكنى بالبنت؟
الشيخ: أبدًا، ما هو بِرَاح.
الطالب: ما يرد؟
الشيخ: لا، ما يرد، ولهذا فيه مَن يُكَنَّى بالبنت، كما فيه مَن ينتسب إلى الأم.
(قال: «فَمَنْ أَكْبَرُهُمْ؟»، قلت: شريح، قال: «فَأَنْتَ أَبُو شُرَيْحٍ»)، كَنَّاهُ النبي عليه الصلاة والسلام بأكبر أولاده «أَبُو شُرَيْحٍ».
فيُسْتَفَاد من هذا الحديث عدة فوائد؛ أولًا: ما أشار إليه المؤلف في المسائل بقوله: (احترام أسماء الله وصفاته ولو لم يقصد معناه)، وهذه الكلمة (ولو لم يقصد معناه) في النفس منها شيء؛ لأنه إذا لم يقصد المعنى فإنه كما سنذكره إن شاء الله يكون جائزًا، إلا إذا سُمِّيَ بما لا يصح إلا لله، فهو ما يجوز، مثل: الله، والرحمن، ورب العالمين، وما أشبه ذلك، هذه ما يمكن تطلق إلا على الله مهما كان.
طالب: عندنا (...)؟
الشيخ: ويش هي؟
الطالب: (...).
الشيخ: طيب، (احترام أسماء الله وصفاته) هذا لا شك أنه يستفاد من الحديث؛ أنه ينبغي للإنسان ألا يتسمى باسم من أسماء الله، لكن بشرط أن يكون ملاحَظًا فيه الصفة حتى يكون مطابقًا لاسم الله؛ لأن اسم الله -كما قلنا- فيه الاسم وفيه الصفة.
أما إذا ذكر الاسم فقط بدون ملاحظة المعنى فهذا لا بأس به، فإن من الصحابة ذكرهم في الإصابة نحو ثلاثين نفرًا كلهم اسمه الْحَكَم من الصحابة، وقد أقرَّ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لم يقصد فيهم إلا العَلَمِيَّة فقط.
كذلك من أسماء الله تعالى الحكيم، وقد سُمِّيَ به عدة رجال من الصحابة رضي الله عنهم، اسمهم حكيم، وأقرهم النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك.
فعُلِمَ من هذا أن الذي يُحْتَرَم هو الاسم الذي لا يوصَف به سوى الله، أو الاسم الذي يُقْصَد به ملاحظة الصفة فإنه هو الممنوع.
ويستفاد من هذا الحديث: أن الْحُكْم لله؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «وَإِلَيْهِ الْحُكْمُ»، أما الكوني فلا نزاع فيه بين أحد من الخلق، ولا أحد يعارض الله تعالى في أحكامه الكونية، ولا يستطيع أن يعارض الله في أحكامه الكونية.
وأما الشرعي فهو مَحَكّ الفتنة والمحنة والاختبار، ولذلك انقسم الناس فيه، فمَن شرع للناس تشريعًا سوى شرع الله، ورأى أنه أحسن من شرع الله وأنفع للعباد، أو أنه مُسَاوٍ لشرع الله، أو أنه يجوز تَرْك شرع الله إليه فإنه كافر، لاحظوا، ترى التشريع غير الْحُكْم، التشريع أن يَسُنُّوا قوانين، فهذا الْمُشَرِّع لا شك أنه قد جعل نفسه نِدًّا لله عز وجل، وأنه ما شرعها إلا يريد أن يكون الناس يتحاكمون إليها، وهذا كُفْر بالشرع.
فعلى هذا نقول: مَن شرع للناس شرائع وقوانين، سواء في العبادات، أو في المعاملات وهي تخالف شرع الله فإنه يعتبر كفرًا بالشرع؛ لأنه ما شرع هذه إلا وهو يعتقد أن الشرع غير صالح، وأن هذه أكمل من الشرع.
ونحن نقول: إذا اعتقد أنها أكمل، أو مساوية، أو أنه يجوز التحاكم إليها فإنه يكون كافرًا.
قد تقول: أَعْطِنا دليلًا على ذلك؛ لأن الحكم بالتكفير ليس إليك، ولو أننا جعلنا كل من شاء كَفَّرَ عباد الله لكان الخوارج مُصِيبِين في تكفيرهم مَن يُكَفِّرُون من المسلمين، وكذلك المعتزلة مصيبين في أنهم أخرجوا من الإيمان وإن لم يدخلوا في الكفر؟
نقول: أما من قال: إنها أحسن من حكم الله أو أنها مساوية فقد كَذَّبَ قول الله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة: ٥٠]، كيف كَذَّبَها؟ لأن وَمَنْ أَحْسَنُاستفهام بمعنى النفي، أي: لا أحد أحسن، فإذا قلت: بل فيه ما هو أحسن، كذَّبْتَ.
إذا قلت: فيه ما هو مُسَاوٍ، ما أقول: أحسن، لكن أقول: مُسَاوٍ؟
طالب: كذلك.
الشيخ: كذلك كَذَّبْت؟
الطالب: نعم.
الشيخ: مُسَاوٍ يا إخوان؟ لأن أحسن اسم تفضيل، معناه لا يوجد شيء في درجته، فإذا قلت: إن هذا مُسَاوٍ لحكم الله، فقد كَذَّبْتَ قول الله عز وجل: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة: ٥٠].
فإن قال قائل: طيب الأمر الثالث الذي يقول: أنا ما أقول: (أحسن ولا أنه مثله، لكن أقول: يجوز العدول عن شرع الله إلى هذا)، ويش الدليل على تكفيره؟
طلبة: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ.
الشيخ: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة: ٤٤]، يقول لك: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [المائدة: ٤٧]؟
طالب: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ [المائدة: ٥٠].
الشيخ: نعم.
طالب: وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ [النور: ٤٨]، آيات النفاق كثيرة.
الشيخ: طيب، أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا [النساء: ٦٠، ٦١]، هذا دليل على كفرهم؛ لأنه قال: يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا، يَزْعُمُونَ، وهذا إقرار لإيمانهم ولَّا إنكار؟ إنكار، ظاهر الآية أنهم يزعمون بلا صدق ولا حق.
وعلى هذا فنقول: قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِلَيْهِ الْحُكْمُ» يدل على أن مَن جعل الْحُكْمَ إلى غير الله فقد كفر.
بقينا في الحكم بغير ما أنزل الله دون أن نجعله شرعًا مُنَظَّمًا يسير الناس عليه؛ لأنه يجب على طالب العلم أن يعرف الفرق بين التشريع اللي يُجْعَل نظامًا يمشي عليه ويستبدل به القرآن، وبين أن يحكم في قضية معينة بغير ما أنزل الله، هذا الأخير ما نقول: إنه كافر، قد نقول: كافر وفاسق فسقًا دون الكفر وظالم.
نقول: ما الذي حملك على أن تحكم بهذه القضية بخلاف الشرع؟ قال: والله لأن هذا أحسن من حكم الشرع، بماذا نصفه؟
طالب: كافر.
الشيخ: هذا كافر؟
الطالب: نعم.
الشيخ: هذا كافر، ليش تحكم بهذه القضية على خلاف الشرع؟ قال: والله لأني ودي والله بها الأرض هذه إنها تكون لفلان علشان أني آخذها منه برخيص، هذا فاسق؛ لأنه حكم بهوى نفسه.
الثالث قلنا: ليش حكمت؟ قال: والله هذا مؤذٍ وأنا أُبْغِض هذا المحكوم عليه، وأنا ودي أني أضره، ويش يكون؟ يكون ظالِمًا، يعني ظهور وصف الظلم فيه أكثر، وإلا فهو فاسق في نفس الوقت، والأول أيضًا اللي قبله فاسق، لكن ظهور الظلم في هذا اللي ما له هوى بنفسه ما يريد شيء به، لكن بس بيضر المحكوم عليه، نعم، نقول: هذا ظلم.
إذن ممكن أن نقول: إذا حكم بغير الشرع لفلان على فلان، فإن كان قصده لمصلحة فلان فهو من الفاسقين، وإن كان قصده مضرة فلان المحكوم عليه فهو من الظالمين، وكل منهما فاسق ظالم، لكن ظهور الظلم في هذا أَبْيَن من ظهوره في ذاك، وظهور الهوى في ذاك أَبْيَن من ظهور الظلم (...).
الفرق بينهما أن الذي شرع ما شرعه إلا أنه يرى أن هذا هو الشرع، أن هذا التشريع أفضل من الأول، أفضل من القرآن والسنة، هذا الفرق.
طالب: ويعتقد به (...)؟
الشيخ: أبدًا، لا، على كل حال إذا كان هو يعتقد أن شرع الله أفضل نقول: لماذا جعلت هذا وهو عامّ هذا؟
الطالب: (...)؟
الشيخ: لا، هذه قضية معينة في شخص معين.
الطالب: ولا بد يكون هنا يعني (...).
الشيخ: كيف؟
الطالب: يعني أن القضية (...).
الشيخ: نعم، طيب، هو هذا اللي.. نقول: الفرق بينهما أن الذي جعل ذلك شرعًا عامًّا جعله عبارة عن شريعة يمشي عليها، أما هذا فإنه لشيء معين اختار أن يحكم بغير ما أنزل الله سبحانه وتعالى وهو ما يعتقد أنه أحسن، قلنا: إذا اعتقد أنه أحسن أو مثله أو أنه يجوز العدول عنه، هذا معروف، لكننا نقول: إن هذا الرجل حكم لهذا الرجل إما لمحاباة قريب لمنفعة المحكوم له، أو إضرارًا بالمحكوم عليه، هذا ما يمكن نقول: إنه كافر؛ لأنه يعتقد أن الشرع هو الشرع، لكن لأجل هذا الهوى حكم، نقول: هذا فاسق أو ظالم فقط.
طالب: وإن لم يعتقد مثلًا (...) الخوارج كفروا بمجرد أنهم كفَّروا المسلمين.
الشيخ: نعم.
الطالب: فكيف لا يكفر هذا (...)؟
الشيخ: إي نعم، نعم، ما فيه إشكال.
الطالب: إي، بدون، ولو لم يعتقد (...)؟
الشيخ: أبدًا، ما دام أنه جعل هذا الشرع يجب أن يمشي عليه، هذا لا شك أنه جعل نفسه نِدًّا مع الله.
طالب: بالنسبة يا شيخ لقولهم: الوحدة الوطنية مثلًا، وما يخفى فيه نصارى وفيه (...)، فيقول: القانون يحكم على الجميع؟
الشيخ: لا شك أن هذا أيضًا خطأ، يعني أن نجعل قانونًا لأجل يضم حكم النصارى واليهود والمجوس والمسلمين في بوتقة واحدة هذا غلط؛ لأن المسلمين لهم أحكام بمقتضى الدين الإسلامي، وأولئك لهم أحكام بمقتضى دينهم إذا كانوا من أهل الذمة كما هو معروف ظاهر، ولكن كل هذا من دعوى الجاهلية الذي حَذَّرَ منه الرسول عليه الصلاة والسلام، وهي دعوى القومية والتعصب لها، وإلا فإن المؤمن دعواه إلى أمة إسلامية واحدة، وبها تكون العزة إذا طبقت ما أمر الله عز وجل، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد: ٧].
طالب: الجواب عن ظاهر الآية؟
الشيخ: هو لا بد أن يحمل؛ لأنك إن أخذت بظاهرها أهملت ظاهر الآيتين بعدها، فعلى هذا التفصيل يتنزل، وبعضهم من جهة أخرى قال: إن هذه الأوصاف الثلاثة لا تتنافى، فالكافر فاسق ظالم، كما قال الله تعالى: وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة: ٢٥٤]، وقال: وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا [السجدة: ٢٠].
فيقولون: إن الفسق والظلم والكفر لا يتنافون، ويجعل الحكم بغير ما أنزل الله كفرًا مطلقًا، لكنه يحمله على.. ما يمكن يدخل الصورتين الأخيرتين، إذا كان لهوى أو للإضرار ما يدخل بهذا. (...)
(تغيير الاسم لأجل ذلك)، أي لأجل احترام أسماء الله عز وجل، فإنه يُغَيَّر الاسم إلى اسم جائز مباح.
وهكذا أيضًا ينبغي تغيير الاسم إلى ما هو أحسن منه إذا تضمن أمرًا لا ينبغي، كما غَيَّرَ النبي عليه الصلاة والسلام بعض الأسماء إلى أشياء مباحة، فينبغي أن يُغَيَّر الاسم إذا كان اسمًا يؤدي إلى ما لا ينبغي.
ولا يحتاج في تغيير الاسم إلى إعادة العقيقة، كما هو عند بعض العامة يقول: إذا غَيَّرت الاسم فأَعِد العقيقة، كأنهم يرون أن العقيقة مرتبطة بالاسم، ولهذا يقول: ليش تُغَيِّر اسمك ولم تذبح ذبيحة؟ وهذا لا أصل له.
ثم قال: (الثالث: اختيار أكبر الأبناء للكنية).
من أين يؤخذ؟ من سؤال النبي صلى الله عليه وسلم الرجل قال: «مَنْ أَكْبَرُ أَوْلَادِكَ؟»، قال: شريح، قال: «فَأَنْتَ أَبُو شُرَيْحٍ».
فينبغي أن يختار الكنية بأكبر أبنائه؛ لأنه لو تَكَنَّى بمن دونه صار في نفسه بعض الشيء، ولأن أكبر أبنائه هو أول من يأتيه فيَتَكَنَّى به، فإذن تكون فائدة التَّكَنِّي بأكبر الأولاد، أو له فائدتان:
الفائدة الأولى: أنه أول من يأتيه فينبغي أن يتَكَنَّى به.
والثاني: أنه لو تَكَنَّى بمن دونه لكان في قلبه شيء، أي في قلب الأكبر، ومثل هذه الأمور دقيقة، قد يؤدي هذا الشيء الذي في قلبه إلى أن لا يقوم بِبِرّ والده، فيكون في ذلك مضرة عليه وعلى والده.
هل يؤخذ من هذا الباب استحباب التكني؟ تأملوا.
طالب: لا، ما يؤخذ.
الشيخ: الظاهر أنه لا يؤخذ، وذلك لأن هذا الرجل كان قد تكنى بالأول، فأراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يُغَيِّر الكنية إلى كنية مباحة، وليس معناه أن الرسول أمره أن يتكنى ابتداء، فالظاهر أنه لا يؤخذ من هذا استحباب التكني، وأن الإنسان لو بقي بدون كنية فلا حرج.
وهل يؤخذ منه أنه ينبغي للمعلم أو الناصح إذا أوصد بابًا أن يفتح بابًا آخر؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، وهكذا ينبغي في أهل الوعظ والإرشاد والنصح إذا أوصدوا الأبواب الْمُحَرَّمَة أن يفتحوا أبوابًا مباحة حتى يَلِجَ الناس ويدخلوا، أما أن يسد الطريق أمامهم ثم لا يفتح لهم طريقًا هذا ما هو مناسب.
طالب: شيخ.
الشيخ: نعم.
الطالب: إذا كان أكبر الأولاد (...).
الشيخ: نعم.
الطالب: يتكنى بـ(...)؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: (...)؟
الشيخ: لا، ما أظنها تصح، إن صحت الأحاديث في هذا فيجتنب، وإذا لم تصح فالأصل الإباحة.
طالب: (...).
الشيخ: هذا ينظر إذا كان هذا القاضي يعتقد أن غير شرع الله مثله، أو أحسن منه، أو أنه يجوز التحاكم به فهو كافر، إي نعم.